المعطى إلى موته تؤول إلى الوصية، وإن سَمَّوها حبساً أو هبة أو عمرى. وقالوا: إذا قال ولي المرأة: "وهبت فلانة إليك بمهر كذا" كانت تلك صيغة نكاح ولو سماها هبة (١).
وقد أنذر النبي ﷺ ، إنذاراً بإنكارٍ بناس من أمته، يشربون الخمر يُسمّونها بغير اسمها. رواه أحمد (٢) وابن أبي شيبة (٣). فكما كان تغيير الاسم غير مؤثر في تحليل الحرام كذلك لا يكون مؤثراً في تحريم الحلال. وبعبارة أشمل لا تكون التسمية مناط الأحكام،
стр. 1577
ولكنها تدلّ على مسمًّى ذي أوصاف؛ تلك الأوصاف هي مناط الأحكام. فالمنظور إليه هو الأوصاف خاصَّة.
ومن هذا القبيل النهي عن الانتباذ في الحنتم والجر والمزفت. والمقصود أنها يسرع إليها الاختمار، وليس ذلك لمجرد الأسماء.
стр. 1578
يد - أحكام الشريعة قابلة للقياس باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية
لا أحسب لمن يتطرّقه شك في قبول الأحكام للقياس حساباً من سعة النظر في الشريعة، ولا أعدّه إلَّا عاكفاً على تلقي الجزئيات المأثورة دون شعور بجهات الاتحاد بين متماثلها في الأحكام، ولا أحسبه إلَّا متحيّراً عند تطلب أحكام لصور وأعمال غير ثابتة في الآثار أحكامٌ لها، وأنه لا يلبث إلَّا أن يجد نفسه مضطراً للقياس، وإذا افتقد نفسه وجد نفسه قد قاس. فإن استقراء الشريعة في تصرّفاتها قد أكسب فقهاء الأمة يقيناً بأنها ما سوّت في جنس حكم من الأحكام جزئيات متكاثرة إلا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعيّن عندهم أن يكون هو موجب إعطائها حكماً متماثلاً. ومن ثمّ استقام لهم من عهد الصحابة إلى هلم جرًا أن يقيسوا بعض الأشياء على بعض، فينوطوا بالمقيسة نفس الأحكام الثابتة بالشرع للمقيس عليها في الأوصاف التي أنبئوا أنها سبب نوط الحكم، وأنها مقصود الشارع من أحكامه. فإن كانت تلك الأوصاف فرعيَّة قريبة سميناها عللاً مثل الإسكار، وإن كانت كليات سميناها مقاصد قريبة مثل حفظ العقل، وإن كانت كليات عالية سميناها مقاصد عالية، وهي نوعان مصلحة ومفسدة. وقد تقدّم ذلك كله.
وإنما هرع الفقهاء في التشريع والتفريع إلى القياس على النظائر
стр. 1579
والجزئيات، ولم يعمدوا إلى الفحص عن المعاني الكليات القريبة، ولا إلى الفحص عن إثبات وجود الكليين العاليين وهما المصلحة والمفسدة، لأنهم رأوا دلالة النظير على نظيره أقربَ إرشاداً إلى المعنى الذي صرّح الشارع باعتباره في نظيره، أو أومأ إلى اعتباره فيه، أو أوصل الظنُ بأن الشارع ما راعى في حكم النظير إلا ذلك المعنى. فإن دلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم مَّا دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها. فقد قال بعض أساطين علمائنا (١) *: "ولاستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق" (٢). فتكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية. ثم بما فيها من التمثيل والضبط تنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير المعروف حكمُه، فَيُلْحقُه في الحكم بحُكم كلياته القريبة، ثم بحكم كلياته العالية، إذ لا يعسر عليه ذلك الانتقالُ حينئذ فتتجلى له المراتب الثلاث انجلاء بيِّنًا.
ولم يزل من طرق الاستدلال لدى ذوي العقول من الحكماء والرياضيين الوصول إلى الأشياء الدقيقة السامية بواسطة الأشياء الواضحة القريبة. فكذلك نعدّ الفقهاء في عدادهم إذ هي طريقة مثلى لجميع أهل المدارك العالية.
стр. 1580
فإذا تقرّر عندك هذا علمتَ أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبولُ القياس عليها، ما قامت منها معان ملحوظة للشارع. فيجب أن تكون أنواعُ الأحكام التي لا يجري في مثلها القياس قليلةً جداً. من أجل ذلك اختلف أئمة الفقه في جريان القياس في الحدود والكفارات والرُّخَص (١)، وفي الأسباب والشروط والموانع (٢). ومن أجل ذلك اتفقوا على امتناع القياس في إثبات أصول العبادات (٣).
وقد قاس أبو بكر وعمر ﵄ الجدة للأب على الجدة للأم في الميراث، فجعل أبو بكر السدس بينها وبين الجدة للأم.
ففي الموطأ: "جاءت الجدتان إلى أبي بكر. فأراد أن يجعل
стр. 1581
السدس للتي من قبل الأم، فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث، فجعل أبو بكر السدس بينهما" (١) اهـ. فهذا قياس بطريق إعمال دلالة الفحوى نبّهه إليه كلام الأنصاري، وجعله السدس بينهما تحقيقُ مناطٍ، كشأن كل ذوي فرض إذا تعدّدوا مع انعدام النص على توفير الفرض عند التعدد.
وفي الموطأ: "جاءت الجدة أم الأب إلى عمر تسأله ميراثها من ابن ابنها، فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلَّا لغيرك - يعني ما قضى به أبو بكر باستناد إلى فعل النبي ﷺ لما أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في حديث الموطأ - وما أنا بزائد في الفرائض شيئاً، ولكنه ذلك السدس فإن اجتمعتُما فهو بينكما وأيكما خَلَت به فهو لها" (٢) اهـ. فقاس في الاشتراك في السدس، وأمسك عن القياس بزيادة الفرض بأن يجعله عند التعدد الثلث قياساً على الإخوة للأم.
стр. 1582
يه - التحيّل على إظهار العمل في صورة مشروعة مع سلبه الحكمةَ المقصودة للشريعة
اسم التحيّل يفيد معنى إبراز عمل ممنوع شرعاً في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتدّ به شرعاً في صورة عمل معتدّ به لقصد التفصّي من مؤاخذته. فالتحيّل شرعاً هو ما كان المنعُ فيه شرعياً والمانعُ الشارعَ.
فأما السعي إلى عمل مأذون بصورة غير صورته أو بإيجاد وسائله فليس تحيلاً ولكنه يسمى تدبيراً، أو حرصاً، أو ورعاً.
فالتدبير مثل من هوِي امرأة فسعى لتزوّجها لتحلّ له مخالطتها.
والحرص كركوع أبي بكرةَ ﵁ لما دخل المسجد فوجد رسول الله ﷺ راكعاً وخشي فوات الركعة، وأحب أن يكون في الصف الأول تحصيلاً لفضله، فركع ودبّ راكعاً حتى وصل الصف الأول. فقال له رسول الله ﷺ : "زادك اللهُ حرصاً، ولا تَعُد" (١).
والورع مثل أن يتخذ من يوقظه إلى صلاة الصبح إذا خشي أن
стр. 1583
يغلبه النوم كما فعل رسول الله ﷺ في إحدى الغزوات في قضية بلال حين غلبته عيناه، كما في حديث الموطأ (١).
ومثل التحيل باللفظ الموجه يصدرُ ممن أكره بتهديد بالقتل على أن يقول كفراً أو حراماً مع أن الإكراه يُحلُّ له القول. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢). كما يُحكى أن بعض أهل السنة كان في مجلس من غلاة الشيعة، فسئل فيه عن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، فقال: الذي كانت ابنتُه تحتَه، أراد أبا بكر، وظنوا أنه يريد علياً على احتمالي معاد الضمير المضاف إليه "ابنةُ" والضمير المضاف إليه "تحتَ".
ومثل اللفظ الخفي الدلالة على العامة يصدر ممن يُخاف فِتنَتَهم، كقول أبي عبد الله البخاري لما امتحن بالسؤال عن كون القرآن مخلوقاً: أقوالنا من أفعالنا وأفعالنا محدثة. ولا يدخل في التحيّل المبوب له التحيّل على الناس في المعاملات بإيقاعهم في لوازم شرعية يجهلونها. وهو المسمى بالتغرير، مثل ادّعاء المُصالح أنه إنما يُصالح ليحصُل على إقرار خصمه له.
فالمراد بالتحيّل إذا أطلق في اصطلاح أهل الشريعة هو الذي صدَّرتُ بتعريفه. ولذلك عرفه أبو إسحاق الشاطبي في المسألة
стр. 1584
العاشرة من القسم الثاني من كتاب المقاصد من تأليفه تعريفَ التمثيل بقوله: "إن الله أوجب أشياء وحرم أشياء [إما مطلقاً من غير قيد ولا ترتيب على] سبب، كما أوجب [الصلاة و] الصيام [والحج وأشباه ذلك] وحرّم [الزنى و] الربا، [والقتل ونحوها]. وأوجب أيضاً أشياء مرتبة على أسباب، وحرّم أخر كذلك، كإيجاب الزكاة [والكفارات والوفاء بالنذور والشفعة للشريك] و [كـ] تحريم [المطلقة و] الانتفاع بالمغصوب [أو المسروق وما أشبه ذلك]. فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه، أو في إباحة ذلك المحرم عليه [بوجه من وجوه التسبب] حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر أو المحرم حلالاً في الظاهر [أيضاً]، فهذا التسبب يسمّى حيلة وتحيّلاً" (١) وذكر أمثلة فارجع إليها (٢).
وهذا هو الذي أراده البخاري ﵀ من كتاب الحيل من الجامع الصحيح، وأخرج فيه الأحاديث الدالة على إبطالها مُبَوّبة على أبواب من تصرفات المكلَّفين كترتيب كتب الفقه (٣).
стр. 1585
ولا شك في أن هذا التحيّل باطل. قال أبو إسحاق الشاطبي في القسم الثاني من كتاب المقاصد: "المسألة الثانية عشرة: لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمالُ معتبرةً بذلك، لأنه مقصود الشارع فيها [كما تبين]. فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه (أي منفعته وحكمته) على أصل المشروعية فلا إشكال. وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح [وغير مشروع] لأن الأعمال الشرعية (أي المقصود منها الجري على الشرع) ليست مقصودة لأنفسها (أي لمجرد صورها وأشكالها)، وإنما قُصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات" (١).
وقال في المسألة الثانية منه: "قصد الشارع من المكلَّف أن يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده - أي الشارع - في التشريع. والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرّ أنها موضوعة لمصالح العباد" (٢).
وقال في المسألة الثالثة منه: "إن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد. فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة" (٣).
стр. 1586
ويلخّص معاني كلامه أن الأعمال كلَّها منوطةٌ بأسباب، وأن الأسباب ما جعلت أسباباً إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرعُ بها، وجعلها علامة عليها، ومعرِّفاً بها. فإذا كان العمل مسلوباً من الحكمة التي رُوعيت في سببه كان فعلُه خلياً عن الحكمة التي لأجلها جعل مُسبَّباً على سببه، مثل القتال له صورة واحدة وأسباب متعددة. فمنه الجهاد، ومنه قتال الفئة الباغية وهما مشروعان ويختلف حكمه فيهما (١)، ومنه ما ليس مشروعاً مثل القتال
стр. 1587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1588
للغنيمة والقتال للذكر. وفي الحديث: "يقال له: كنت تقاتل ليقال: فلان شجاع؛ فقد قيل" (١).
وعند صدق التأمل في التحيل على التخلص من الأحكام الشرعية من حيث إنه يفيت المقصد الشرعي كلَّه أو بعضَه، أو لا يفيته، نجده متفاوتاً في ذلك تفاوتاً أدّى بنا الاستقراء إلى تنويعه إلى خمسة أنواع:
النوع الأول تحيلٌ يفيت المقصدَ الشرعي كلَّه ولا يعوضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يُتحيَّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سبباً بل في حالة
стр. 1589
جعله مانعاً. وهذا النوع لا ينبغي الشكُّ في ذمه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه إن اطّلِع عليه. والأدلة من القرآن والسنة الصريحة طافحة بهذا المعنى، بحيث صار قريباً من القطع. وقد ساق أبو عبد الله البخاري جملة منها في كتاب الحيل من صحيحه (١). وذكر الشاطبي جملة من الأدلة في المسألة الحادية عشرة (٢)، وفي بعضها نظر.
стр. 1590
وهذا مثل من وهب ماله قبل مضي الحول بيوم لئلا يعطي زكاته، واسترجعه من الموهوب له من غد (١).
ومن شرب مخدّراً ليغمى عليه وقت الصلاة فلا يصليها (٢).
ومثل كثير من بيوع النسيئة التي يقصد منها التوصل إلى الربا (٣).
стр. 1591
النوع الثاني تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإنَّ ترتب المسبب على سببه أمر مقصود للشارع.
مثل أن تعرض المرأة المبتوتة نفسها للخطبة رغبة في التزوج مضمرة أنها بعد البناء تخالع الزوج أو تغضبه فيطلقها لتحل للذي بتّها، فالتزوج سبب للحل من حكم البتات. فإذا تزوجت حصل المسبب وهو حصول شرعي.
ومثل التجارة بالمال المتجمع خشية أن تنقصه الزكاة، فإنه إذا فعل ذلك فقد استعمل المال في مأذون فيه، فحصل مسبب ذلك وهو بذل المال في شراء السلع. وترتب عليه نقصانه عن النصاب فلا يزكى زكاة النقدين، ولكن انتقلت مصلحة ذلك المال من نفع الفقير إلى منافع عامة تنشأ عن تحريك المال، وانتقَلَتْ زكاتُه إلى زكاة التجارة.
وكذلك الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر في حين المكلف مخير في اتباع أحد السببين، فعلم أن أحدهما يكلفه مشقة فانتقل إلى الأخف. مثل من هَوِي سُرّية رجل فسعى ليزوجه إياها ثم علم أنه إن تزوجها وجب عليها الاستبراء بثلاثة أقراء، وأنه إن اشتراها من سيدها فاستبراؤها حيضة فعدل عن تزوجها إلى شرائها.
стр. 1592
ومثل من له نصاب زكاة أشرف أن يمر عليه الحول في آخر شهر ذي الحجة فأوجب على نفسه حجاً أنفق فيه ذلك فصادفه الحول وقد أنفق ذلك المال. وهذا النوع على الجملة جائز لأنه ما انتقل من حكم إلا إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر، بقطع النظر عن تفاوت الأمثلة.
النوع الثالث تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخف عليه من المنتقل منه.
مثل لبس الخف لإسقاط غسل الرجلين في الوضوء، فهو ينتقل إلى المسح. فقد جعل لبس الخف في سببيته وهو المسح، ولم يستعمله في مانعيته.
ومثل من أنشأ سفراً في رمضان لشدّة الصيام عليه في حر أو مدة انحراف خفيف منتقلاً منه إلى قضائه في وقت أرفق به. وهذا مقام الترخّص إذا لحقته مشقة من الحكم المنتقل منه. وهو أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله.
النوع الرابع تحيل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيل فيها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال.
مثل التحيل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير، كمن حلف أن لا يدخل الدار أو لا يلبس الثوب فإن البرّ في يمينه هو الحكم الشرعي، والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإذا ثقل عليه البر فتحيل للتفصي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيب اسم الله تعالى.
стр. 1593
قال القاضي أبو بكر بن العربي في آخر كتاب العواصم: "وكنت أشاهد الإمام أبا بكر فخر الإسلام الشاشي في مجلسه بباب العامة من دار الخلافة يأتيه السائل فيقول له: حلفت أن لا ألبس هذا الثوب، فيأخذ من هدبته مقدار الأصبع ثم يقول له: البسْه لا حنث عليك" (١) اهـ.
وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد، ولذلك كثر الخلاف بين العلماء في صوره وفروعه. ومذهب مالك فيه لزوم الوفاء وإلَّا حنث. والشاشي شافعي المذهب، ولعله يفتي بما ذكره ابن العربي لمن يعلم منه أنه إن حنث لم يكفّر، أو لمن يعلم منه أنه لا يجد إطعاماً ولا إعتاقاً وأنه يعجز عن الصوم أو يشق عليه مثل أهل الأعمال البدنية فيفتيه بما ذكر إبقاءً على حرمة اليمين في نفسه. وكان بعض الحنفية يفتي من حلف "لا يدخل الدار" بأن يتسوّرها أو ينزل من باب سطحها (٢).
النوع الخامس تحيل لا ينافي مقصد الشارع، أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى.
مثل التحيل على تطويل عدة المطلقة حين كان الطلاق لا نهاية
стр. 1594
له في صدر الإسلام. فقد روى مالك في الموطأ من طريقين: أن الرجل كان إذا طلق امرأته له أن يرتجعها قبل انقضاء عدتها ولو طلقها ألف مرة. فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، وقال: والله لا آويك إلي ولا تَحِلين أبداً (١). فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، وأنزل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٣) اهـ. فجعل الله صورة الفعل المشروع استهزاء بالشريعة لمّا قصد بها إضرار الغير. ونسخ بذلك عدد الطلاق فصار لا يتجاوز الثلاث. ويأتي في الاعتداد للثلاث من المقصد ما أتى في الاعتداد قبل التحديد.
وكذلك من تزوج المرأة المبتوتة قاصداً أن يحلّلها لمن بتّها فإن فعله جار على الشرع في الظاهر، وخادم للمقصد الشرعي من الترغيب في المراجعة، وفي توفر الشرط وهو أن تنكح زوجاً غيره، إلَّا أنه جرى لعن فاعله على لسان رسول الله ﷺ في رواية عبد الله بن مسعود في سنن الترمذي وقال: هو حسن صحيح (٤). ولا أَحْسَبُ
стр. 1595
التغليظَ فيه إن صح عن رسول الله ﷺ إلَّا لما فيه من قلة المروءة، لأن شأن التزوُّج أن يكون لقصد المعاشرة فلا يجعل الرجل زوجه عرضة لغيره، أو لما فيه من توقيت النكاح إن قلنا بحرمة نكاح المتعة، أو لكليهما، فكل منهما جزءُ علة. ولقد اختلف العلماء في تحليل المبتوتة بذلك النكاح وعدم تحليلها (١).
والمسألة ذات نظر، لأن المفسدة راجعة إلى المحلِّل لا إلى المحلَّل له، إلَّا إذا كان إبطال ذلك النكاح معاملة بنقيض المقصد الفاسد من الحيلة. وفي الحديث الصحيح: "لا يُمنع فضلُ الماء لِيُمنع به الكلأ" (٢)، فمنعُ فضل الماء المملوك جائز لأنه تصرف في المملوك
стр. 1596
بناء على عدم وجوب المعروف وهو قولنا، ولكن لمَّا اتخذ حيلة إلى منع الكَلَأ الذي حوله لأن الرعاة لا يرعون مكاناً لا ماء فيه لسقي ماشيتهم، صار منع الماء منهياً عنه.
وكذلك القول في إبطال الحيلة اللفظية في الأيمان التي تقطع بها الحقوق فكانت الأيمان على نية المستحلِف.
فإذا تقرَّرت هذه الأنواع لدى من يستعرضها بفهم ثاقب، ويجعل المكابرة ظهرياً، يوقن بأن ما يجلب لصحة التحيل الشرعي من الأدلة إنما هي أدلة غير متبصر بها ولا يعسر عليه بعد هذا تنزيلها منازلها وإبداء الفروق بينها.
فأما ما كان منها وارداً في آثار شريعتنا فمخارجه ظاهرة، مثل الأعمال التي جعلت لها صور غير جارية على أحكام نظائرها المقررة، إما لوقوعها في مبدأ التشريع فرخص فيها النبي ﷺ ، مثل ما روي في الموطأ (١) وصحيح مسلم (٢) أنه لما أُبطل التبني وكان سالم مولى أبي حذيفة مُتبنًى لأبي حذيفة، فجاءت سَهلة بنت سُهيل زوج أبي حُذيفة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن سالماً يدخل علينا وأنا فضل، وليس لنا إلَّا بيت واحد، فقال لها رسول الله ﷺ : "أرضِعيه
стр. 1597
تَحرُمي عليه" فقالت: يا رسول الله كيف أرضعه وهو كبير؟. فضحك رسول الله ﷺ وقال: "قد علمتُ أنه رجل كبير" فقال نساء رسول الله ﷺ : والله ما نرى هذا إلَّا رخصة أرخصها رسول الله لسالم خاصة. وأَبَيْنَ أن يدخُلَ عليهن أحد بهذه الرضاعة.
فهل يشك الفقيه في أن هذه رخصةٌ أوجبتها شدة حدوث إبطال حكم التبنّي مع عدم سبق تمهيد له، ولا أخذٍ لعُدته عند بعض الناس؟ فكان الترخيص بالإذن مع التماس وجه صوري للإذن جمعاً بين الرفق في ابتداء التشريع وبين حصول صورة حكم شرعي ليحصل احترام الحكم الشرعي، لتكون مخالفة الحكم في جزئية خاصة في ابتداء الأمر مشوبة بحرمة الحكم. ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال لأزواجه - بعد ذلك لا محالة -: "انظرن من يدخل عليكن بالرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة" (١).
وكذلك ما ورد في حديث الرجل الذي زوجه رسول الله المرأة التي عرضت نفسها على رسول الله ﷺ ، فإن الرجل لما قال: "لا أجد لها مهراً" قال له رسول الله: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (٢). فتلك خصوصية جعلت لها صورة تشبه الصور المعروفة،
стр. 1598
إبقاء على حرمة حكم المهر بقدر الإمكان على أحد تأويلين في معنى قوله: "بما معك من القرآن".
وأما ما كان من شريعة سابقة فلا نطيل القول في تأويله، إذ ليس بين أيدينا من بقية فروع تلك الشريعة ما يقنعنا في معرفة مقدار مخالفة الصورة الظاهرة المدعوة عندنا بالحيلة لبقية أحكام تلك الشريعة.
فقوله تعالى في قصة أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١) ورد تفسيره بأنه حلف أن يضرب امرأته ضربات. ولما ذهب غضبه أشفق عليها، أي وتوقَّف في برّ يمينه - فأمره الله بأن يضربها بضغث من عصي. فلعل ذلك شرع شرعه الله له، فيكون أحد وجهين في برّ الحالف بمثل تلك اليمين، كما شرع لنا في الإسلام الكفارة، أو لعل تلك رخصة رخّصها الله لنبيه فإن الله يحلّ لنبيه ما شاء، إذ كان معصوماً من أن يستخف بحرمة اسم الله تعالى.
وأما قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٢) فنحن في غُنية عن الخوض فيه، لأن تلك حيلة على تحصيل أمر محبوب لا يوجد لمنعه شرع إلهي محترم. ألا ترى قوله: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، والملك هو فرعون. فإضافة الدين إليه إيماء إلى أنه ليس بدين إلهي.
كما استدلوا بقول رسول الله ﷺ لعائشة: "خذيها واشترطي لهم
стр. 1599
الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" (١)، إذ لا يخفى على المتأمل أن ما يلوح فيه من الحيلة إنما هو حيلة على بائع بريرة. ولنا في بيان توجيه معناه تحرير ذكرناه في كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ (٢). وقد تقدم شيء منه في بحث انتصاب الشارع للتشريع (٣).
وبعد، فمن الغفلة أن يُقاس على مثل هذه الحيل فَتُجعلَ أصلاً للقياس عليها، مع تحقق أن الحيلة لا تشتمل على معنى وحكمةٍ تصحح القياس عليها، إذ قد اتفقنا على أن الحيلة مخالفة للحِكَم ومُفيتة للمقصد. ولذلك سميت حيلة. فكيف نجعلها أصلاً للقياس عليها! وكيف يُلحِق بها النظائرَ من يمنع القياس على الرخص!
وقد اتضح لك من الأمثلة المتقدمة الفرقُ بين أن يستعمل الفعل المتحيَّل به بصفة كونه سبباً لتحصيل مسبّبه فيفوّت مسبّب سبب آخر، وبين استعماله الحيلة بصفة كونها مانعاً من فعل آخر سواءً كانت مع ذلك سبباً في فعل لا يشبه الفعل الذي قام له المانع أم لم تكن سبباً في شيء. فزده إتقاناً بتكثير أمثلته.
стр. 1600
يو - سد الذرائع (١)
هذا المركب لقب في اصطلاح الفقهاء لإبطال الأعمال التي تؤول إلى فساد معتبر، وهي في ذاتها لا مفسدة فيها. قال المازري (٢) في شرح التلقين لعبد الوهاب (٣): "سدّ الذريعة: منع ما يجوز لئلا يُتَطرَّق به إلى ما لا يجوز" (٤) *.
стр. 1601
ولهذا المبحث تعلق قوي بمبحث التحيّل، إلَّا أن التحيّل يُراد منه أعمال يأتيها بعض الناس في خاصة أحواله، للتخلّص من حقّ شرعي عليه بصورة هي أيضاً معتبرةٌ شرعاً حتى يظن أنه جارٍ على حكم الشرع. وأما الذرائع فهي ما يفضي إلى فساد سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوا، وذلك في الأحوال العامة.
فحصل الفرق بين الذرائع وبين الحيل من جهتين: جهة العموم والخصوص، وجهة القصد وعدمه.
وأيضاً الحيلُ المبحوث عنها لا تكون إلَّا مُبطلةً لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد الشارع من الصلاح، وقد لا تكون مبطلة كما سنبيّنه في تقسيمها. فهذا فرق ثالث.
واعلم أن إفضاء الأمور الصالحة إلى مفاسد شيء شائع في كثير من الأعمال، بل ربما كان ذلك الإفضاء إلى الفساد غير حاصل إلَّا عند كمال الأمور الصالحة. مثل النار فإن حالة كمالها، وهو اشتعالها الذي به صلاح الموقدين، هي حالة إفضائها إلى مفسدة الإحراق. فاعتبار الشريعة بسد الذرائع يحصل عند ظهور غلبة مفسدة المآل على مصلحة الأصل. فهذه هي الذريعة الواجب سدُّها.
وقد قسم شهاب الدين القرافي في الفرق الرابع والتسعين والمائة ذريعةَ الفساد إلى ثلاثة أقسام:
- مُجمَع على عدم سدّه، مثل زراعة العنب خشية ما يعتصر منه من الخمر، ومثل التجاور في البيوت خشية الزنا.
стр. 1602
- ومجمعٌ على سدّه، كحفر الآبار في طريق المارة دون سياج.
- ومختلف فيه، مثل بيوع الآجال (١).
ولم يبحث عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض. وما هو عندي إلَّا التوازنُ بين ما في الفعل - الذي هو ذريعةٌ - من المصلحة وما في مآله من المفسدة، فترجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد. وقد قدمناها في مبحث المقصد العام من التشريع (٢). فما وقع منعُه من الذرائع قد عظم فيه فساد مآله على صلاح أصله، مثل حفر الآبار في الطرقات. وما لم يقع منه قد غَلَب صلاح أصله على فساد مآله كزراعة العنب، على أن في احتياج الأمة إلى تلك الذريعة بقطع النظر عن مآلها، وفي إمكان حصول مآلها بوسيلة أخرى، وعدم إمكانه، أثراً قوياً في سدّ بعض الذرائع وعدم سد بعضها. ولا يظنّ أن المراد باحتياج الأمة إلى الذريعة اضطرارُها إلى وجودها، بل المراد به أنه لو أبطل ذلك الفعل الذي هو ذريعة لحق جمهوراً من الناس حرجٌ. فإن العنب تستطيع الأمة أن تستغني عنه إلا أن في تكليفها ذلك حرماناً لا يناسب سماحة الشريعة. فكانت إباحة زراعة العنب بهذا الاعتبار أرجحَ مما تؤول إليه من اعتصار نتائجها خمراً، بخلاف التجاور في البيوت فإنه لو مُنع لكان منعه حرجاً عظيماً يقرب مما لا يطاق. فهو حاجي قوي للأمة، على أن ما يؤول إليه من الزنا مثال بعيد، وإن كانت مفسدته أشدَّ من تناول الخمر.
فمقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء
стр. 1603
تصرّفات الشريعة في تشاريع أحكامها، وفي سياسة تصرّفاتها مع الأمم، وفي تنفيذ مقاصدها. فله في الشريعة ثلاثة مظاهر.
وقد تأمّلنا فوجدنا الذريعة على قسمين:
قسم لا يفارقه كونه ذريعة إلى فساد بحيث يكون مآله إلى الفساد مطرداً، أي بحيث يكون الفساد من خاصة ماهيته، وهذا القسم من أصول التشريع في الشريعة. وعليه بنيت أحكام كثيرة منصوصة، مثل تحريم الخمر.
وقسم قد يتخلّف مآله إلى فساد تخلفاً قليلاً أو كثيراً. وهذا القسم بعضه كان سبباً للتشريع المنصوص، مثل منع بيع الطعام قبل قبضه، وبعضه لم يحدث موجبه في زمان الرسول ﷺ ، فكانت أنظار الفقهاء فيه من بعده متخالفة. فربّما اتفقوا على حكمه، وربّما اختلفوا، وذلك تابع لمقدار اتضاح الإفضاء إلى المفسدة وخفائه، وكثرته وقلّته، ووجود معارض ما يقتضي إلغاء المفسدة وعدم المعارض، وتوقيت ذلك الإفضاء ودوامه.
والقسم الأول أصل القياس في هذا الباب. والقسم الثاني يتجلَّى فيه القياس ويخفى، بحسب ما يرى الفقيه من قربه من الأصل المقيس عليه وبعده. فيرجع مراعاة هذه الذرائع إلى حفظ المصالح ودرء المفاسد، مثاله بيوع الآجال التي لها صور كثيرة. قال مالك بمنعها لتذرعّ الناس بها كثيراً إلى إحلال معاملات الربا التي هي مفسدة (١). فرأى مالك أن قصد الناس إلى ذلك أفضى إلى
стр. 1604
شيوعها وانتشارها، فحصلت بها المفسدة التي لأجلها حرّم الربا. فذلك هو وجه اعتداد مالك بالتهمة فيها، إذ ليس لقصد الناس تأثير في التشريع، لولا أن ذلك إذا فشا صار القصد - مآل الفعل - هو مقصوداً للناس فاستحلوا به ما منع عليهم.
ولم أر من فهم هذا المعنى من نكت مالك، حتى أن بعض حذاق الفقهاء يقول: إذا كان المنع منها لأجل التهمة كان حقاً أن لا يمنع ما صدر منها عن أهل الدين والفضل. كما أشار إليه القرافي في الفرق الرابع والتسعين والمائة (١)، وليس كما ظن. فإن المقاصد لا تأثير لها في اختلاف التشريع، وإنما جعلت علامةً على التمالي على إحلال المفسدة الممنوعة. ألا ترى أن المقصد لا يؤثر في غير هذه الأحوال. فإن كانت عادته المعاملة بالربا في الجاهلية فأسلم فحوّل معاملته إلى السَّلَم لم يكن في فعله منع، لأنه وإن كان قد استبدل أرباحه من الربا بأرباحه من السَّلَم قد سلِمت معاملتُه من المفسدة التي تشتمل عليها معاملات الربا وحرمت لأجلها، واشتملت معاملته على المصلحة التي لأجلها أبيح السَّلَم. وليست الشريعة نكاية
стр. 1605
كما قدمناه حتى تحرمه من ربحه الجاري على الطريقة المشروعة لأجل مقصده. فيظهر لنا أن سَد الذرائع قابل للتضييق والتوسع في اعتباره بحسب ضعف الوازع في الناس وقوته، كما سيأتي في مبحث الوازع (١).
ولولا أن لقب سدَّ الذرائع قد جعل لقباً لخصوص سدّ ذرائع الفساد كما علمت آنفاً، لقلنا: إنّ الشريعة كما سدّت الذرائعَ فتحت ذرائعَ أخرى، كما قال شهاب الدين القرافي في كتاب تنقيح الفصول (٢).
فأما وقد درجنا على أن اصطلاحهم في سدّ الذرائع أنه لقب خاص بذرائع الفساد فلا يفوتنا التنبيه على أن الشريعة قد عمدت إلى ذرائع المصالح ففتحتها، بأن جعلت لها حُكْمَ الوجوب، وإن كانت صورتُها مقتضيةً المنعَ أو الإباحة. وهذه المسألة هي الملقَّبة في أصول الفقه بأن ما لا يتم الواجب إلَّا به هو واجب. وهي الملقّبة في الفقه بالاحتياط. ألا ترى أن الجهاد في صورته مفسدةُ إتلاف النفوس والأموال، وهو آيل إلى حماية البيضة وحفظ سلامة الأمة وبقائها في أمن. فكان من أعظم الواجبات، إذ لو تركوه لأعقبهم تركه تلفاً أعظم بكثير مما يُتْلِفُهم الجهاد. وهذه جزئية من جزئيات قاعدة تقسيم الأعمال إلى وسائل ومقاصد. وسنذكرها في القسم الثالث (٣)، فلا ينبغي أن يختلط المبحثان على الناظر.
وممّا يجب التنبّه له في التفقّه والاجتهاد التفرقةُ بين الغلو في
стр. 1606
الدين وبين سدّ الذريعة، وهي تفرقةٌ دقيقة. فسدُّ الذريعة موقعُه وجودُ المفسدة، والغلوُّ موقعُه المبالغة والإغراق في إلحاق مباح بمأمور أو منهي شرعي، أو في إتيان عمل شرعي بأشدَّ مما أراد به الشارع، بدعوى خَشية التقصير عن مراد الشارع. وهو المسمى في السّنة بالتّعمق والتنطّع (١). وفيه مراتب، منها: ما يدخل في الورع (٢) * في خاصة النفس الذي بعضُه إحراجٌ لها، أو الورع في حمل الناس على
стр. 1607
الحرجِ، ومنها ما يدخل في معنى الوسوسة المذمومة.
ويجب على المستنبطين والمفتين أن يتجنّبوا مواقع الغلو والتعمق في حمل الأمة على الشريعة، وما يُسنُّ لها من ذلك. وهو موقف عظيم.
стр. 1608
يز - نوط التشريع بالضبط والتحديد
بيّنتُ فيما سلف أن مقصد الشريعة في إناطة أحكامها أن تكون مرتبةً على أوصاف ومعان. وأقفّي ذلك هنا بأن الشريعة لما قصدت التيسير على الأمة في امتثال الشريعة وإجرائها في سائر الأحوال، عمدت إلى ضبطٍ وتحديدٍ يتبيّن به جلياً وجودُ الأوصاف والمعاني التي راعتها الشريعة. فبذلك قد نصبت للعلماء أمارات التشريع بالأوصاف والمعاني المراعاة في التشريع، ونصبت لِمَن دونهم حدوداً وضوابطَ تحتوي على تلك المعاني التي قد تخفى على أمثالهم، وهي صالحة لأن تكون عوناً للعلماء تَهدِيهم عند خفاء المعاني في الأوصاف أو وقوع التردد فيها. كما كانت الحدود والضوابط هاديةً لمن انحطّ عن درجة العلماء إلى أن يرتقي قليلاً إلى فهم المعاني والأوصاف المقصودة من التشريع فيما تحتويه تلك الضوابطُ من المعاني والأوصاف الخفية. فلذلك لم يكن لمتعرِّف مقاصدِ الشريعة غِنَى عن معرفة جميع ما ذكرناه.
وهذا مسلك قد دقّ على كثير من الفقهاء. وقد أشار إليه قول مالك في بيع الخيار من الموطأ. فقد أخرج حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١). ثم قال مالك عقبه: "وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به [فيه] " (٢)
стр. 1609
يعني: أنه قد تعذَّر جعلُه أصلاً في تشريع خيار المجلس، لخلوِّه عن تحديد مقدار المجلس، وعدم وجود عمل في شأنه يفسّره. فإن المجلس لا ينضبط، وقد يكونان في سفينة أو في شُقْدُف (١).
ولأجل هذا نجدهم في تعليل القياس يوجهون أنظارهم إلى التعليل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة، مع أنهم يصرحون بأن تلك الأوصاف يحصل من وجودها معنى هو المسمَّى بالحِكمة أو المصلحة أو درء المفسدة. ولقد تنزَّهتِ الشريعةُ عن أن لا تكون أحكامُها منوطة بالانضباط، فإن من صفات حُكم الجاهلية الذي حذّر الله منه بقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٢) عَدَم الانضباط، إذ كانت أمورُهم تجري على خواطر تعرض عند وقوع الحوادث.
كما كان حكمُ الطلاق والرجعة غير ذي نهاية، وذلك ما جاء القرآن بإنكاره في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٣).
وكذلك قسمة مال الميت. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق (٤): "لم يكن أهل الجاهلية يعطون الزوجة مثل ما نعطيها،
стр. 1610
ولا يعطون البنات ما نُعطيهم. وربّما لم تكن لهم مواريث معلومة يعملون عليها" (١).
وكذلك عدد الزوجات وكيفية لحوق الأنساب.
ولا يستثنى من ذلك إلا أحكامٌ قليلة مثل مقدار الدية في العامة والخاصة: كانت ديّةُ العامة عندهم مائةً من الإبل، وديَّةُ السادة ضِعفَها أو أكثر، ويسمى عندهم التكايل (٢). وجاءت أحكام الإسلام
стр. 1611
في تلك الأبواب كلها مبطلةً للفوضى المتَبَّعة، وما ذلك إلا بالضبط والتحديد. ولذلك أمرت الشريعة بالمحافظة على حدودها، فلو صلى [المرءُ] الظّهر قبل الزوال بطلت صلاته.
وقد استَقْرَيْتُ من طرق الانضباط والتحديد في الشريعة ستَ وسائل:
الوسيلة الأولى: الانضباط بتمييز المواهي والمعاني تمييزاً لا يتقبل الاشتباه، بحيث تكون لكل ماهيةٍ خواصُّها وآثارُها المرتبةُ عليها، مثل طرق القرابة المبيّنة في أسباب الميراث، وفي تحريم من حُرّم نكاحه. فتعيَّنَ المصيرُ إليها دون ما لا ينضبط من مراتب المحبة والصداقة والنفع والتبنّي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١).
وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٢). وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣).
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ لما خطب أبا بكر ابنتَه عائشةَ، قال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال النبي ﷺ : "أنت أخي وهي حلال لي" (٤). ومن هذا نوط حُكم شرب الخمر بحصول
стр. 1612
الإسكار القليل من مثله دون كونه شرابَ عنب أو فضيخَ تمر (١).
وقولي: "لا يقبل الاشتباه" أردتُ به أن لا يقبل الاشتباه عند نظر الفقيه المتبصّر في خواص المواهي الشرعية، وإن كان قد يبدو لبعض الناس مشتبهاً في بعض المواهي المتقاربة الصفات كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢). فالبيع والربا قد يشتبهان في الأصل بكون كليهما معاملة مالية، مقصودة منها الربح، ولا سيما إذا كان في البيع تأجيل. وقد نبَّه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) إلى أنه ما أحلَّ أحدهما وحرّم الآخر إلَّا لأجل اختلاف المعنى والخواص. فالبيع معاملة من جانبين وببذل العوضين، والربا معاملة من جانب واحد هو جانب المسلِف لقصد سدّ حاجة المتسلّف. ومن آثار ذلك أن أبيح للمتعاوضين في البيع تطلب الأرباح ولم يُبَح للمتعاقدين في التسلّف تطلبُ الأرباح، بل إمَّا أن يعطي قصداً لسدّ الحاجة وإمَّا أن يمسك.
الوسيلة الثانية: مجرد تحقّق مسمّى الاسم، كنَوط الحد في الخمر بشرب جرعة من الخمر، لأنه لو نيط الحد بحصول الإسكار لاختلف دبيب السكر في العقول، فلم يكد ينضبط. فلا يتحقق حالُ حصول الحد إلا بعناء والتباس. ولو نيط بنهاية السكر وهو حد الإطباق لحصلت مفاسد جمة قبل حصول تلك النهاية. وكذلك نوطُ
стр. 1613
صحة بيع الثمار بحصول الاحمرار والاصفرار في أصناف التمر، ونوطُ تقرر إكمال المهر بمجرد المسيس، ونوطُ لزوم العقود بحصول صيغها من إيجاب وقبول.
الوسيلة الثالثة: التقدير، كنُصُب الزكوات في الحبوب والنقدين، وعدد الزوجات ونهاية الطلاق، ونصاب القطعِ في السرقة عند القائلين بالنصاب، وأقل المهر، والمسافة المعتبرة في انتقال وليِّ المحضون عن بلد الحاضنة بستة بُرُد عند المالكية.
الوسيلة الرابعة: التوقيت، مثل مرور الحول في زكاة الأموال، وطلوع الثريا في زكاة الماشية (١)، ومرور أربعة أشهر في الإيلاء، والحول في بعض العيوب، والشهرين في الإعسار بالإنفاق، وأربعة أشهر وعشر في عدة الوفاة، والحول في سقوط الشفعة. ومن ثمَّ قال بعضُ علمائنا بعدم تصديق المعتدّة في انقضاء عدّتها في أقلّ من خمسة وأربعين يوماً. وقال ابن العربي بعدمه في أقل من ثلاثة
стр. 1614
أشهر (١). وبه عمل أهل إفريقية ميلاً للضبط والتحديد.
الوسيلة الخامسة: الصفات المعيِّنة للمواهي المعقود عليها، كتعيين العمل في الإجارة، وكالمهر والولي في ماهية النكاح ليتميّز عن السفاح.
الوسيلة السادسة: الإحاطة والتحديد، كما في إحياء الموات فيما بَعُد عن القرى، بحيث لا يصل إلى الأرض دُخان القرية، وكمنع الاحتطاب من الحرم عدا الإذخر، وحدود الحِرز في تحقّق معنى السرقة تفرقة بينها وبين الخلسة.
стр. 1615
يح - نفوذ الشريعة
تكسبك المباحث المتقدمة أن من مقاصد الشريعة أن تكون نافذة في الأمة، إذ لا تحصل المنفعة المقصودة منها كاملة بدون نفوذها. فطاعة الأمة الشريعة غرض عظيم.
وإن أعظم باعث على احترام الشريعة ونفوذها أنها خطابُ الله تعالى للأمة. فامتثال الأمة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار، لأنها تُرضي بذلك ربَّها، وتستجلب به رحمتَهُ إياها، وفوزَها في الدنيا والآخرة. وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (١).
فالأحكام الشرعية المتلقاة من الرسول ﵊ كُلُّها وحي من الله تعالى. ثم لم يزل أئمة الشريعة من عهد الصحابة فما بعد يتوخّون أن تكون آراؤهم في استنباط الأحكام مستخرجةً من التفريع عن أصول الكتاب والسنة. ولذلك كانوا كثيراً ما يشدّدون النكيرَ على القول بالرأي غير المستند إلى ذلك. واستتب للشريعة أن تسلك لتحصيل ذلك مسلكين سلكتهما جميعاً.
المسلك الأول مسلك الحزم في إقامة الشريعة.
والمسلك الثاني مسلك التيسير والرحمة بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة.