في تلك الأبواب كلها مبطلةً للفوضى المتَبَّعة، وما ذلك إلا بالضبط والتحديد. ولذلك أمرت الشريعة بالمحافظة على حدودها، فلو صلى [المرءُ] الظّهر قبل الزوال بطلت صلاته.
وقد استَقْرَيْتُ من طرق الانضباط والتحديد في الشريعة ستَ وسائل:
الوسيلة الأولى: الانضباط بتمييز المواهي والمعاني تمييزاً لا يتقبل الاشتباه، بحيث تكون لكل ماهيةٍ خواصُّها وآثارُها المرتبةُ عليها، مثل طرق القرابة المبيّنة في أسباب الميراث، وفي تحريم من حُرّم نكاحه. فتعيَّنَ المصيرُ إليها دون ما لا ينضبط من مراتب المحبة والصداقة والنفع والتبنّي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١).
وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٢). وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣).
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ لما خطب أبا بكر ابنتَه عائشةَ، قال له أبو بكر: إنما أنا أخوك. فقال النبي ﷺ : "أنت أخي وهي حلال لي" (٤). ومن هذا نوط حُكم شرب الخمر بحصول
стр. 1612
الإسكار القليل من مثله دون كونه شرابَ عنب أو فضيخَ تمر (١).
وقولي: "لا يقبل الاشتباه" أردتُ به أن لا يقبل الاشتباه عند نظر الفقيه المتبصّر في خواص المواهي الشرعية، وإن كان قد يبدو لبعض الناس مشتبهاً في بعض المواهي المتقاربة الصفات كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢). فالبيع والربا قد يشتبهان في الأصل بكون كليهما معاملة مالية، مقصودة منها الربح، ولا سيما إذا كان في البيع تأجيل. وقد نبَّه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) إلى أنه ما أحلَّ أحدهما وحرّم الآخر إلَّا لأجل اختلاف المعنى والخواص. فالبيع معاملة من جانبين وببذل العوضين، والربا معاملة من جانب واحد هو جانب المسلِف لقصد سدّ حاجة المتسلّف. ومن آثار ذلك أن أبيح للمتعاوضين في البيع تطلب الأرباح ولم يُبَح للمتعاقدين في التسلّف تطلبُ الأرباح، بل إمَّا أن يعطي قصداً لسدّ الحاجة وإمَّا أن يمسك.
الوسيلة الثانية: مجرد تحقّق مسمّى الاسم، كنَوط الحد في الخمر بشرب جرعة من الخمر، لأنه لو نيط الحد بحصول الإسكار لاختلف دبيب السكر في العقول، فلم يكد ينضبط. فلا يتحقق حالُ حصول الحد إلا بعناء والتباس. ولو نيط بنهاية السكر وهو حد الإطباق لحصلت مفاسد جمة قبل حصول تلك النهاية. وكذلك نوطُ
стр. 1613
صحة بيع الثمار بحصول الاحمرار والاصفرار في أصناف التمر، ونوطُ تقرر إكمال المهر بمجرد المسيس، ونوطُ لزوم العقود بحصول صيغها من إيجاب وقبول.
الوسيلة الثالثة: التقدير، كنُصُب الزكوات في الحبوب والنقدين، وعدد الزوجات ونهاية الطلاق، ونصاب القطعِ في السرقة عند القائلين بالنصاب، وأقل المهر، والمسافة المعتبرة في انتقال وليِّ المحضون عن بلد الحاضنة بستة بُرُد عند المالكية.
الوسيلة الرابعة: التوقيت، مثل مرور الحول في زكاة الأموال، وطلوع الثريا في زكاة الماشية (١)، ومرور أربعة أشهر في الإيلاء، والحول في بعض العيوب، والشهرين في الإعسار بالإنفاق، وأربعة أشهر وعشر في عدة الوفاة، والحول في سقوط الشفعة. ومن ثمَّ قال بعضُ علمائنا بعدم تصديق المعتدّة في انقضاء عدّتها في أقلّ من خمسة وأربعين يوماً. وقال ابن العربي بعدمه في أقل من ثلاثة
стр. 1614
أشهر (١). وبه عمل أهل إفريقية ميلاً للضبط والتحديد.
الوسيلة الخامسة: الصفات المعيِّنة للمواهي المعقود عليها، كتعيين العمل في الإجارة، وكالمهر والولي في ماهية النكاح ليتميّز عن السفاح.
الوسيلة السادسة: الإحاطة والتحديد، كما في إحياء الموات فيما بَعُد عن القرى، بحيث لا يصل إلى الأرض دُخان القرية، وكمنع الاحتطاب من الحرم عدا الإذخر، وحدود الحِرز في تحقّق معنى السرقة تفرقة بينها وبين الخلسة.
стр. 1615
يح - نفوذ الشريعة
تكسبك المباحث المتقدمة أن من مقاصد الشريعة أن تكون نافذة في الأمة، إذ لا تحصل المنفعة المقصودة منها كاملة بدون نفوذها. فطاعة الأمة الشريعة غرض عظيم.
وإن أعظم باعث على احترام الشريعة ونفوذها أنها خطابُ الله تعالى للأمة. فامتثال الأمة للشريعة أمر اعتقادي تنساق إليه نفوس المسلمين عن طواعية واختيار، لأنها تُرضي بذلك ربَّها، وتستجلب به رحمتَهُ إياها، وفوزَها في الدنيا والآخرة. وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (١).
فالأحكام الشرعية المتلقاة من الرسول ﵊ كُلُّها وحي من الله تعالى. ثم لم يزل أئمة الشريعة من عهد الصحابة فما بعد يتوخّون أن تكون آراؤهم في استنباط الأحكام مستخرجةً من التفريع عن أصول الكتاب والسنة. ولذلك كانوا كثيراً ما يشدّدون النكيرَ على القول بالرأي غير المستند إلى ذلك. واستتب للشريعة أن تسلك لتحصيل ذلك مسلكين سلكتهما جميعاً.
المسلك الأول مسلك الحزم في إقامة الشريعة.
والمسلك الثاني مسلك التيسير والرحمة بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة.
стр. 1616
فأما المسلك الأول فقد مهدته الشريعة بالترهيب والموعظة، كقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وغير ذلك من الآيات.
وفي الحديث الصحيح: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢). وفي قضية بريرة: "أن رسول الله ﷺ خطب فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله. من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق" (٣).
ومن هنا نشأت في الفقه قاعدة: إن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً (٤)، ولها فروع كثيرة. وقاعدة: إن النهي يقتضي الفساد (٥)،
стр. 1617
وهي مسلَّمَةٌ في أصول الفقه وعلم فروعه، لأنه لا ينبغي أن تتساهل الأمةُ في تفريط مقاصد الشريعة، لأن الاسترسال في ذلك يتسرَّى فيهم إلى إضاعة معظم الشريعة.
ولذلك نرى الشريعة تحافظ على أحكامها في الأحوال التي يتحقق فيها عدم فوات المقصد، مثل منع الوصية للوارث بما دون الثلث مع أنها أباحت للموصي أن يعطي لغير الوارث. فكان الظاهر أن إعطاء الثلث لبعض الورثة أولى بالجواز. ولكنّ منعَه إنما هو للمحافظة على مقصد المواريث. وهو تعيين أنصباء للورثة لا يتجاوزها الناس إبطالاً لما كان عليه أهل الجاهلية. فلذلك منعت الوصية للوارث مطلقاً، وأنفذت للأجنبي في الثلث.
ولإكمال الوصول إلى الغاية من هذا المسلك أقام نظامُ الشريعة أمناءَ ووَزَعَةً لتنفيذ أحكامها ومقاصدها في الناس بالرغبة والرهبة أعني بالموعظة والقوة. كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١). وقد أقام رسول الله ﷺ الحدود، وبعث الأمراء والقضاة إلى الأقطار البعيدة عنه، بحيث صار ذلك من المتواتر من
"يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (١).
فكان من أصول نظام الحكومة الإسلامية إقامةَ الخلفاء والأمراء والقضاة وأهل الشورى في الإفتاء والشرطة والحسبة ونواب كلٍّ، ليتم تنفيذُ الأحكام المتعلقة بالحقوق العامة للأمة، والأحكام المتعلقة بالحقوق الخاصة بين أفراد الأمة. وشَرَطَت في أنواع هذه الولايات من الصفات الذاتية والعقلية والعلمية ما تستقيم به الأمورُ الموكولةُ إليهم على الوجه الأكمل، كما أشار إليه الشهاب القرافي في الفرق السادس والتسعين والفرق الثالث والعشرين والمائتين (٢).
стр. 1620
وأما المسلك الثاني، مسلك التيسير والرحمة، فإنّ الشريعة كما علِمتَ قد بُنيت على سهولة قبولها في نفوس الناس، لأنها شريعة فطرية سمحة، وليست نكايةً ولا حرجاً كما تقدم. فهي تحمل الناس على المصالح حملاً أقصى ما يمكن أن يكون الحمل من الرحمة والتيسير، إذ لا فائدة في التشريع إلا العمل به.
وقد كان تيسير الشريعة ذا مظاهر ثلاثة:
أحدها: أن أحكامها المعيّنة مبنية على التيسير نظراً لغالب الأحوال كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) ونحو ذلك.
والمظهر الثاني: أنها تعمد إلى تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو الأفراد، فتيسّر ما عرض له العسر، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، (٣) وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤). ولذلك كان من أصول قواعد التشريع قاعدة المشقّة تجلب التيسير (٥). وهذا هو مبحث الرخصة.
стр. 1621
والمظهر الثالث: أنها لم تَترك للمخاطبين بها عذراً في التقصير في العمل بها، لأنها بنيت على أصول الحكمة والتعليل والضبط والتحديد. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (٢).
стр. 1622
يط - الرخصة
إذ قد اقتحمنا الحديث على الرخصة كان حقاً أن نفيَ مبحثَ الرخصة حقَّهُ من البيان، لأني وجدتُ بعضَ أنواع الرخص مغفولاً عن التعرض لها (١). فقد أطبقت كلمةُ الفقهاء على أن الرخصة تُغَيِّر الفعلَ من صعوبة إلى سهولة، لعذر عرض لفاعله، وضرورةٍ اقتضت عدمَ اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابلَ المضرَّة العارضة لارتكاب الفعل المشتمل على المفسدة، وَمثّلوا الرخصة بأكل المضطر الميتة. قال الشاطبي: "إن الرخصة مستمدة من قاعدة رفع الحرج كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف وكلاهما أصل كلي" (٢) *.
غير أني رأيت الفقهاء لا يمثلون إلَّا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار.
ونحن إذا تأمّلنا الرخصة فوجدناها ترجع إلى عروض المشقة والضرورة صحَّ لنا أن ننظر إلى عموم الضرورة وخصوصها.
فقد وجدنا من الضرورات ضروراتٍ عامةً مطردةً كانت سببَ
стр. 1623
تشريع عام في أنواع من التشريعات مستثناة من أصول كان شأنها المنع، مثل السَّلَم والمغارسة والمساقاة، فهذه مشروعة باطِّراد. وكان ما تشتمل عليه من أضرار وتوقع ضياع المال مقتضياً منعَهَا لولا أنّ حاجات الأمة داعيةٌ إليها، فدخلت في قسم الحاجي، كما قال الشاطبي في مبحث الرخصة والعزيمة (١) *، فكان حكمها حكم المباح باطَّراد.
وكذلك وجدنا من الضرورات ضروراتٍ خاصةً موقتة جاء بها القرآن والسنة كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢). وقد اقتصر الفقهاء عليها في تمثيل الرخصة.
وبينَ القسمين قسم ثالث مغفول عنه وهو الضرورة العامة الموقّتة. وذلك أن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها، تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها، أو نحو ذلك. وهذا التوقيت وهذا العموم في هذا القسم مقول على كليهما بالتفاوت. ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدرُ من اعتبار الضرورة الخاصة، وأنَّها تقتضي تغييراً للأحكام الشرعية المقرِّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة.
وليست أمثلةُ هذا النوع من الرخصة بكثيرة. فمنها الكراء المؤبّد الذي جرت به فتوى علماء الأندلس: ابن سراج (٣)
стр. 1624
وابن منظور (١)، في أواخر القرن التاسع في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع لما تحتاجه أرض الزرع من قوة الخدمة ووفرة المصاريف [لطول تبويرها] (٢)، وزهدوا في كرائها للغرس والبناء لقصر المدة التي تكترى أرض الوقف لمثلها. ولإباية الباني أو الغارس أن يبني أو يغرس ثم يقلع ما أحدثه في الأرض. فأفتى ابن سراج وابن منظور بكرائها على التأبيد، ورأيا أن التأبيد لا غرر فيه لأنها باقية غير زائلة (٣) *.
стр. 1625
ثم تبعهما على ذلك أهل مصر في القرن العاشر بفتوى ناصر الدين اللقاني (١) في إحكار الأوقاف (٢).
وجرى العمل بذلك في المغرب في فاس وتونس في العُقَد المسماة عندنا في تونس بالنَّصبة والخلو (٣) وأُلحق بها الإِنزالُ،
стр. 1626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1627
وفي فاس بالجَلسة والجزاء (١).
ومنها فتوى علماء بخارى من الحنفية ببيع الوفاء في الكروم، لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها كل سنة، فاحتاجوا إلى اقتراض ما ينفقونه عليها (٢).
وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد من ذلك فالواجب رعيُه وإعطاؤه ما يناسبه من الأحكام.
وفي قواعد عز الدين بن عبد السلام في أواخر قاعدة المستثنيات من القواعد الشرعية في المعاوضات: "لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد [فيها] حلال، جاز أن يستعمل من ذلك
стр. 1628
ما تدعو إليه الحاجة. ولا يقف تحليلُ ذلك على الضرورات لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد [واستيلاء أهل الكفر والعناد] على بلاد الإِسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع التي تقوم بمصالح [الأنام]. ولا يُتبسط في هذه الأموال كما يُتبسط في المال الحلال بل يقتصر في ذلك على ما تمس إليه الحاجة [دون أكل الطيبات وشرب المستلذات ولبس الناعمات التي هي بمنزلة التتمات]. وصورة هذه المسألة أن يُجهل المستحِقون بحيث يتوقع أن نعرفهم في المستقبل. ولو يئسنا من معرفتهم لَمَا تصورت هذه المسألة, لأنه يصير - أي المال - حينئذ إلى المصالح العامة. وإنما جاز تناول ذلك قبل اليأس من معرفة المستحقين, لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة. ولو دعت ضرورةٌ إلى غصب أموال الناس لجاز له (١) * ذلك، بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجوع أو حر أو برد. وإذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة فما الظن بإحياء نفوس" (٢). وهذا مقام راعاه المجتهدون في تصاريف استنباطهم، ودنوا منه وابتعدوا. فقد تجد المجتهد الواحد يدنو منه ويبتعد في مختلف أقواله بحسب تعارض الأدلة وغير ذلك.
стр. 1629
يك - مراتب الوازع جبليةٌ ودينيةٌ وسلطانية
نحن الآن أشبه بأن نكون رجعنا إلى مبحث نفوذ الشريعة واحترامها بعد أن فصل بيننا وبينه بيان الرخصة. فبنا أن نبين كيف استخدمت الشريعة بنفوذ تشريعها واحترامه في نفوس الناس أنواعَ الوازع الذي يزع النفوس عن التهاون بحدود الشريعة. فاعتمدت في ذلك ابتداءً على الوازع الجِبِلّي، فكان كافياً لها من الإطالة بالتشريع للمنافع التي تتطلبها الأنفس من ذاتها، وبالتحذير من المفاسد التي يكون للنفوس منها زاجرٌ عنها مثل منافع الاقتيات واللباس وحفظ النسل والزوجات. فلا تجد في الشريعة وصايات تحفظ الأزواج لأنه في الجبلة إذ كانت الزوجة كافية في ذلك كما قال عمرو بن كلثوم:
يَقُتن جيادَنا وَيَقُلن لستم ... بعولتَنا إذا لم تمنعونا (١)
وقلّ في الشريعة التعرض لحفظ الأبناء لأحوال عرضت للعرب من التفريط فيه كما فعلوا في الوأد. قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢). ولذلك كانت الشريعة تعمد إلى الأمور العظيمة التي
стр. 1630
تخشى أن لا يُغنِيَ فيها الوازع الديني الغَناء المرغوبَ فتصبغها بصبغة الأمور الجبلية، كما فعلت في تحريم الصهر لتُلحق الصهر بالنسب في جعل الوازع عن الزنا فيه كالجبلي. فألحقت أبوي الزوجين بالأبوين في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (١).
قال فخر الدين: "من تزوج امرأة، فلو لم يدخل على المرأة أبو الرجل وابنُه، ولم تدخل على الرجل أمُّ المرأة وابنتُها, لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح. ولو أذنا في هذا الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتدت أعينُ البعض إلى البعض وحصل الميلُ [والرغبة]. وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرةُ الشديدة بينهن، ولأن صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعاً وأشدُّ إيلاماً وتأثيراً، [وعند حصول النفرة الشديدة] (٢) * يحصل التطليق والفراق. أما إذا حصلت المحرمية [وانحبست الشهوة] فقد انقطعت الأطماع فلا يحصل ذلك الضرر فيبقى النكاح بين الزوجين سليماً من المفسدة. فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية السعيُ في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين" (٣) اهـ.
وقد يزاد على ما ذكره الفخر أن الشارع قصد قلب ذريعة الزنا
стр. 1631
المتوقع من شدة المخالطة إلى نفرة منه باستخدام الوازع الجِبِلي بدلاً من الوازع الديني لتعذر سدِّ الذريعة في هذه المخالطة بما قرّره فخر الدين.
وليس من العسير قلبُ الوازع الديني إلى وازع جبلّي بتحذير العقاب وبث التشنيع في العادة. فإن كثيراً من الأمور التي تظهر في صورة الجبليات ما كانت إلَّا تعاليم دينية، مثل ستر العورة، ومحرمية الآباء والأبناء. وقد نجد مباحاتٍ مذمومةً يتنزَّهُ الناس عنها لمذمَّتها. فقد كان أهل الجاهلية يبيحون تزوج الابن زوجة أبيه بعد موته، ومع ذلك فهم يسمُّونه نكاح المقت. وقد قيل لأبي علي الجبائي (١): إنك ترى إباحة شرب النبيذ وأنت لا تشربه فقال: "تناولتْه الدعارةُ. فسمج في المروءة".
ولعلماء الشريعة نسجٌ على منوالها هذا عند قصد المبالغة في سدّ الذريعة. فقد قال مالك ﵀ بنجاسة عين الخمر، وهو يعلم أن الله إنما نهى عن شربها لا عن التلطخ بها. ولكنه حصل له من استقراء السنّة ما أفاده مراعاةَ قصدِ الشريعة الانكفاف عن شربها. وإذا كان ذلك عسِرًا لشدّة ميل النفوس إليها بكثرةِ ما نَوَّه الشاربون بمحاسن رقتها ولونها أراد تقوية الوازع الديني عن شربها بإشراب النفوس معنى قذارتها وجعلها كالنجاسات، في حين أنه لم يقل بنجاسة الخنزير الحي. وقد صار من أمثال عامة بلدنا إذا أرادوا نسبة
стр. 1632
قول لأحد في ذم شيء أن يقولوا: "قال فيه ما قال مالك في الخمر". وفي الحديث الصحيح: "ليس لنا مثل السوْء: العائد في صدقته كالكلب العائد في قيئه" (١).
ولكن معظم الوصايا الشرعية منوطٌ تنفيذُها بالوازع الديني، وهو وازعُ الإيمان الصحيح المتفرع إلى الرجاء والخوف. فلذلك كان تنفيذ الأوامر والنواهي موكولاً إلى دين المخاطَبين بها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢)، وقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (٤)، وغير ذلك من الآيات والآثار النبوية، وفي استقرائها كثرةٌ.
فمتى ضعف الوازع الديني، في زمن أو قوم أو في أحوال يُظَنُّ أن الدافع إلى مخالفة الشرع في مثلها أقوى على أكثر النفوس من الوازع الديني، هنالك يُصار إلى الوازع السلطاني، فيناطُ التنفيذُ بالوازع السلطاني. كما قال عثمان بن عفان: "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" (٥). ولذلك قال ابن عطية (٦) * "والصواب في أوصياء زماننا ألا يستغنى عن دفعه إلى السلطان، وثبوت الرشد عنده، لما
стр. 1633
حُفظ من تواطئ الأوصياء على أن يرشد الموصي ويبرأ المحجور لسفهه وقلة تحصيله من ذلك الوقت" (١). ولم يرهم مصداق أمانة الشريعة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢). واستحسن قولَه فقهاءُ المالكية بعده.
وقال ابن العربي (٣) *: "لا تصدق المرأة في دعواها انقضاء عدتها في مدّة أقلَّ من خمسة وأربعين يوماً" (٤) لضعف الديانة، مع أن القرآن وَكَلَ ذلك إلى أمانتهن، إذ قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥). وبقول ابن العربي جرت الفتوى والقضاء عند علماء المالكية، كما نظمه صاحب العمليات العَامَة (٦).
стр. 1634
وعلى هذا الاعتبار يصحّ كلّما حصل التردّدُ في أمانة من وَكَلَت الشريعة حقًا إلى أمانته أن نكِل تنفيذ ذلك الحق إلى السلطان. كما قال مالك في جمع الأختين من ملك اليمين: "إن السيد إذا تسرّى إحداهما حرمت عليه الأخرى، وتحريمُها موكولٌ إلى أمانته. فإن أراد الانتقال من تلك الأخت إلى تسري الأخرى وجب عليه قبل ذلك أن يُحرِّم عليه التي كانت سرية له بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق أو تزويج وذلك أيضاً موكولٌ فعله إليه. فإن تعجل فتسرى الأخت قبل أن يحرم على نفسه الأولى كما وصفنا وقفه القاضي عنهما معًا حتى يحرم الأولى ولم يبق ذلك موكولاً إلى أمانته لأنه متهم" (١) *.
وعليه، فللفقهاء تعيينُ المواضع التي تسلب فيها أمانة تنفيذ
стр. 1635
أحكام الشريعة من المؤتمنين عليها عند تحقق ضعف الوازع أو رقة الديانة أو تفشي الجهالة. وفي نصوص الشريعة ما يسمح بذلك, لأن معظم الخطاب القرآني في مثل هذه الأمور ورد بضمائر الجمع الصالحة لاعتبار التوزيع أو لاعتبار مخاطبة جماعة المسلمين، أي أولياء أمورهم. فنجعل هذا الأسلوب في الخطاب إيماء إلى إعداد الجماعة للإشراف على تلك الحقوق. ولهذا أحدث عمر بن الخطاب ولاية الحِسبة (١) وجعلها غير ولاية القضاء, لأن من الحقوق ما قصدت الشريعةُ حفظَه، وليس في تفريطه تضرُّرُ شخصٍ معين حتى يقوم لدى القاضي أو يكون المتضرَّر من تفريطه ضعيفاً عن القيام بحقه.
واعلم أن الوازع الديني ملحوظٌ في جميع أحوال الاعتماد على نوعي الوازع. فإن الوازع السلطاني تنفيذ للوازع الديني، والوازع الجبلي تمهيد للوازع الديني. فالمهم في نظر الشريعة هو الوازع الديني اختيارياً كان أم جبرياً. ولذلك يجب على ولاة الأمور حراسة الوازع الديني من الإهمال، فإن خيف إهمالُه أو سوءُ استعماله وجب عليهم تنفيذُه بالوازع السلطاني.
стр. 1636
كا - مدى حريّة التصرّف عند الشريعة
لمَّا تحقّق فيما مضى أن المساواة من مقاصد الشريعة الإِسلامية، لزم أن يتفرّع على ذلك أن استواء أفراد الأمة في تصرّفهم في أنفسهم مقصد أصلي من مقاصد الشريعة وذلك هو المراد بالحريّة.
جاء لفظ الحرية في كلام العرب مطلقاً على معنيين أحدهما ناشئ عن الآخر.
المعنى الأول ضد العبودية. وهي أن يكون تصرّف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرّفاً غير متوقّف على رضا أحد آخر. وقولي: "بالأصالة" لإخراج نحوِ تصرّف السفيه سفهاً مالياً في ماله، وتصرّف الزوجين فيما يتعلّق به حقوقُ الزوجية، وتصرّف المتعاقدين بحسب ما تعاقدا عليه؛ لأن ذلك كلّه يتوقّف على رضا غير المتصرّف بتصرّفه، ولكن ذلك التوقّف ليس أصلياً بل جعلياً أوجبه المرء على نفسه بمقتضى التعاقد. فهو في التحقيق تصرّف منه في نفسه بحريّته. فهو بحريّته وضع لنفسه قيوداً لمصلحته.
ويقابل الحرية بهذا المعنى العبوديةُ. وهو أن يكون المتصرّف غير قادر على التصرّف أصالة إلَّا بإذن سيّده. وقد نشأ هذا الوصف - أعني العبودية - عن الغلبة والقوة في أزمنة تحكيم القوة. فكان من أجلّ مظاهره وأسبابه الأسر في الحروب والغارات. فالأسير في مدّة
стр. 1637
الأسر هو العاني، ثم إذا شاء الذين أسروه إبقاء حياته جعلوه عبداً يخدمهم ولا يتصرّف إلَّا على حسب إرادتهم، وجعلوا ذلك الوصف قابلاً للنقل من يد إلى يد. فكان القوم الذين يأسِرون الأسيرَ ربّما دفعوه إلى قوم آخرين لهم معه إحن وترات ليقتلوه أو يعذّبوه بالخدمة، وربّما باعوه فانتفعوا بثمنه فصار عبداً لمن دفع فيه الثمن.
المعنى الثاني ناشئ عن الأول بطريقة المجاز في الاستعمال، وهو تمكّن الشخص من التصرّف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض. ويقابل هذا المعنى الضربُ على اليد، أو اعتقالُ التصرّف. وهو أن يُجعل الشخصُ الذي يسوء تصرُّفه في المال، لعجز، أو لقلة ذات يد، أو لقلة كافٍ، أو لحاجة، بمنزلة العبد في وضعه تحت نير إرادة غيره في تصرّفه، بحيث يسلب منه وصف إباء الضيم ويصير راضياً بالهون.
وكلا هذين المعنيين للحريَّة جاء مراداً للشريعة إذ كلاهما ناشئ عن الفطرة، وإذ كلاهما يتحقّق فيه معنى المساواة التي تقرّر أنها من مقاصد الشريعة. ولذلك قال عمر ﵁: "بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" (١)، أي: فكونهم أحراراً أمرٌ فطري.
فأمّا المعنى الأول فإطلاقه في الشريعة مقرر مشهور. ومن قواعد الفقه قول الفقهاء: "الشارع متشوِّف للحرية" (٢). فذلك استقراؤه
стр. 1638
من تصرفات الشريعة التي دلّت على أن من أهم مقاصدها إبطالَ العبودية وتعميمَ الحرية. ولكن دأب الشريعة في رعي المصالح المشتركة وحفظ النظام وقف بها عن إبطال العبودية بوجه عام وتعويضها بالحرية، وإطلاق العبيد من ربقة العبودية، وإبطال أسباب تجدّد العبودية مع أن ذلك يخدم مقصدها. وكان ذلك التوقّفُ من أجل أن نظام المجتمعات في كل قطر قائم على نظام الرق. فكان العبيد عَمَلةً في الحقول، وخَدَمةً في المنازل والغروس، وَرُعاة في الأنعام. وكانت الإماء حلائل لسادتهن، وداياتٌ لأبنائهم. فكان الرقيق من أكبر الجماعات التي أقيم عليها النظام العائلي والاقتصادي لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإِسلام. فلو جاء الإِسلام بقلب ذلك النظام رأساً على عقب لانفرط عقد نظام المدنية انفراطاً، تعسَّرَ معه عودةُ انتظامه. فهذا موجب إحجام الشريعة عن إبطال الرقّ الموجود.
وأما إحجامها عن إبطال تجدّد سبب الاسترقاق الذي هو الأسر في الحروب، فلأن الأمم التي سبقت ظهور الإِسلام قد تمتّعت باسترقاق من وقع في أسرها وخضع إلى قوتها. وكان من أكبر مقاصد سياسة الإِسلام إيقافُ غُلواء تلك الأمم والانتصافُ للضعفاء من الأقوياء. وذلك ببسط جناح سلطة الإِسلام على العالم، وبانتشار أتباعه في الأقطار. فلو أن الأمم التي استقرّت لها سيادة العالم من قبلُ أمِنت عواقب الحروب الإِسلامية، وأخطرُ تلك العواقب في نفوس الأمم السائدة هو الأسر والاستعباد والسبي، لما تردّدت الأمم
стр. 1639
من العرب وغيرِهم في التصميم على رفض إجابة الدعوة الإِسلامية اتكالاً على الكثرة والقوة، وأمنا من وصمة الأسر والاستعباد. كما قال صفوان بن أمية (١) في مثله: "لأَنْ تَرُبْني قريشٌ خير من أن ترُبْني هوازن" (٢). وكما قال النابغة:
حذاراً على أن لا تُنال مقادتي ... ولا نِسْوَتي حتَّى يَمُتْنَ حرائرا (٣)
فنظر الإِسلام إلى طريق الجمع بين مقصديه نشر الحرية وحفظ نظام العالم بأن سلط عوامل الحرية على عوامل العبودية مقاومة لها بتقليلها وعلاجاً للباقي منها. وذلك بإبطال أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق، وقصره على سبب الأسر خاصة. فأبطل الاسترقاقَ
стр. 1640
الاختياري وهو بيعُ المرءِ نفسَه، أو بيعُ كبير العائلة بعضَ أبنائها. وقد كان ذلك شائعاً في الشرائع. وأبطل الاسترقاق لأجل الجناية بأن يحكم على الجاني ببقائه عبداً للمجني عليه. وقد حكى القرآن عن حالة مصر: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ (١)، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٢).
وأبطل الاسترقاق في الدَّين الذي كان شرعاً للرومان، وكان أيضاً من شريعة سُولون (٣) في اليونان من قبل. وأبطل الاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية الواقعة بين المسلمين. وأبطل استرقاق السائبة كما استرقّت السيارة يوسفَ إذ وجدوه.
ثم إن الإِسلام التفت إلى علاج الرق الموجود والذي يوجد، بروافع ترفع ضرر الرق. وذلك بتقليله بتكثير أسباب رفعه، وبتخفيف آثار حالته. وذلك بتعديل تصرف المالكين في عبيدهم الذي كان غالبه معنتاً.
فمن الأول، وهو تكثير أسباب رفعه: جعل بعض مصارف الزكاة في شراء العبيد وعتقهم بنص قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٤)،
стр. 1641
وجعل العتق من وجوه الكفارات الواجبة في قتل الخطأ (١)، وفطر رمضان عمداً (٢)، والظهار (٣)، وحنث الأيمان (٤). وأمره بمكاتبة العبيد إن طلبوا المكاتبة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (٥) أمر وجوب أو ندب على خلاف بين العلماء (٦).
стр. 1642
ومن أعتق جزءاً له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه فدفعه وعتق العبد كله (١). ومن أولد أمته صارت كالحرة فليس له بيعها ولا هبتها ولا له عليها خدمة ولا غلة، وتعتق من رأس ماله بعد وفاته (٢).
والترغيب في عتق العبيد، قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ (٣) الآية. وكان الترغيب في عتق من يتنافس فيه أقوى. ففي حديث أبي ذر: "أفضل الرقاب أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها" (٤)، وفي الحديث: "ورجل له أمة فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها
стр. 1643
فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوّجها فله أجران" (١). وأحسب أنَّ من حكمة هذا أن ما كان من العبيد بهذا الوصف يكون بقاؤه في الرق تعطيلاً لانتفاع المجتمع به انتفاعاً كاملًا، ويكون إدخاله في صنف الأحرار أفيد لهم.
ومن الثاني النهي عن التشديد على العبيد في الخدمة. ففي الحديث: "لا يكلّفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه فليعنه" (٢). والأمر بكفاية مؤنتهم وكسوتهم. ففي حديث أبي ذر قال رسول الله ﷺ : "عبيدكم خولكم (٣) * إنّما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن جُعل أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس" (٤). والنهي عن ضربهم الضرب الخارج عن الحد اللازم، فإذا مثل الرجل بعبده عتق عليه (٥).
وفي الحديث: "النهي عن أن يقول الرجل: عبدي أو أمتي.
стр. 1644
وليقل: فتاي وفتاتي، والنهي عن أن يقول العبد لمالكه: سيدي وربِّي. وليقل: مولاي" (١).
فمن استقراء هاته التصرّفات ونحوها حَصَلَ لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بثَّ الحرية بالمعنى الأول.
وأما المعنى الثاني فله مظاهرُ كثيرة هي من مقاصد الإِسلام. وهذه المظاهر تتعلق بأصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم. وبجمعها أن يكون الداخلون تحت حكم الحكومة الإِسلامية متصرفين في أحوالهم التي يخوّلهم الشرعُ التصرف فيها غيرَ وجلين ولا خائفين أحداً. ولكل ذلك قوانين وحدود حدّدتها الشريعة لا يستطيع أحد أن يحملهم على غيرها. ولذلك شدّد اللهُ النكيرَ والتقبيح على قوم أشارت إليهم آية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، فشمل قولُه: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ تحريمَ المباحات الذي صُدِّرت الآية بالاستفهام عنه استفهام إنكار.
стр. 1645
فحرية الاعتقادات أسّسها الإِسلام بإبطال المعتقدات الضالة التي أَكره دعاةُ الضلالة أتباعَهم ومريديهم على اعتقادها بدون فهم ولا هدى ولا كتاب منير، وبالدعاء إلى إقامة البراهين على العقيدة الحق، ثم بالأمر بحسن مجادلة المخالفين وردهم إلى الحق بالحكمة والموعظة وأحسن الجدل، ثم بنفي الإكراه في الدين. وقد بسطتُ القول في ذلك في كتاب أصول نظام الاجتماع الإِسلامي (١). ولولا أن من أصول الشريعة حرية الاعتقاد ما كان عقاب الزنديق الذي يسرّ الكفر ويظهر الإيمان غير مقبولة فيه التوبة إذ لا عذر له فيه.
وأما حرية الأقوال فهي التصريح بالرأي والاعتقاد في منطقة الإذن الشرعي. وقد أمر الله ببعضها في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (٣).
стр. 1646
ومنها حرية العلم والتعليم والتأليف. ولقد ظهرت هذه الحرية في أجمل مظهر في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإِسلام، إذ نشر العلماء فتاواهم ومذاهبهم، واحتج كل فريق لرأيه، ولم يكن ذلك موجباً لمناوأة ولا لحزازات. وقد قال رسول الله ﷺ : "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها. فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه" (١). وهذا هو المقام الذي تحقق فيه مالك بن أنس حين قال له أبو جعفر الخليفة: إني عزمت أن أكتب كُتُبك يعني الموطأ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدّوها إلى غيرها. فقال الإِمام: "لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم [وعملوا به ودانو له] من اختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم، وإنّ ردهم عما اعتقدوه شديد. فدع الناس وما هم عليه [وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم] (٢) ".
ولولا اعتبار حرية الأقوال لما كانت الإقرارات والعقود والالتزامات وصيغ الطلاق والوصايا مؤثّرةً آثارها. ولذلك يسلب عنها التأثير متى تحقق أنها صدرت في حالة الإكراه.
وأما حرية الأعمال فهي تكون في عمل المرء في خويصته، وفي عمله المتعلّق بعمل غيره. فأما الحرية الكائنة في عمل المرء في الخويصة فهي تَدْخل في تناول كل مباح. فإن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، إذ ليس لأحد أن يمنع المباح عن أحد، إذ لا يكون أحد أرفق بالناس من الله تعالى.
стр. 1647
ونريد بالمباح هنا المأذون فيه ولو بالعموم فيدخل المكروه. ومن تناول المباح الاحتراف بأنواع الحرف المباحة، والنزول بالمَوَاطن المأذون في نزولها، وتناول ما أبيح للناس من الماء والكلأ، والتصرف في المكاسب بالوجوه المباحة، واختيار المطاعم والملابس والمساكن، وتناول الشهوات المأذون فيها. ولذلك كان تصرف الزوجة في مالها غير موقوف على رضي زوجها على اختلاف في مقدار ذلك (١).
وأما الحرية الكائنة في عمل المرء المتعلّق بعمل غيره فالأصل فيها أنها مأذون فيها، إذا لم تكن تضر بغيره. (وهذا المقام يتحقّق فيه معنى الجمع بين فرعين من مقاصد الشريعة: وهما حرية العمل الذي لا يتجاوز عاملَه، وحرية العمل الذي يؤثر في عمل غيره تأثيراً لا إضرار فيه. والإضرار يتحقّق بتعطيل حقًّ مأذونٍ فيه لمستحقه، أو إتلاف ذلك
стр. 1648
الحق، ويترتب على ذلك غُرْم ما أتلفه. وفيه تفاصيل طويلة) (١).
ومن حرية الأعمال المتعلقة بأعمال الغير ما يلزم المرء نفسه بموجب حرية تصرّفه من العقود والالتزامات لمصلحة يراها. فإن إلزامه نفسَهُ بها أثرٌ من آثار حرية العمل أوجب به حقاً لغيره عليه على التفصيل في العقود التي تجب بمجرد التعاقد القولي والتي لا تجب إلَّا بالشروع في العمل.
ثم إن للشريعة حقوقاً على أتباعها تُقيَّد حريةُ تصرّفاتِهم بقدرها، وذلك في صلاحهم في الحال أو في المستقبل. مثل إلزامهم بإقامة المصالح العامة كفروض الكفايات، أو بإقامة مصالح مَن جعلت الشريعة مصالحَهم موكولةً إلى شخص معين كنفقة القرابة. ومتى تجاوز المرء حدود حريته في هذا النوع أوقف عند الحد الشرعي بالغرم مثل ضمان التفريط، أو العقوبة بدون قبول توبة كالحرابة، أو بعد الاستتابة كالردة، وأمثلة ذلك لا تعوزك.
واعلم أن الاعتداء على الحرية نوع من أنواع الظلم. ولذلك لزم أن يكون تمحيص مقدار ما يخول للمرء من الحرية في نظر الشارع موكولاً إلى ولاة الأمور المنصوبين لفصل القضاء بين الناس. فلذلك كان انتصاف المعتدى عليه لنفسه بنفسه ظلماً يستحق التعزير. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٢). ولذلك سمّى عمرُ ﵁ بعض هذا الانتصاف استعبادًا في قضية ابن عمرو بن العاص مع الذي وطئ ثوبه
стр. 1649
فضربه ابن عمرو، فلما شكاه إلى عمر قال له عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". فإن ابن عمرو جرى عليه اعتداء خطأ بوطء ثوبه، إذ ربما اتسخ الثوب أو هلهل. ولكنه لما باشر الانتصافَ لنفسه بنفسه تجاوز عن حدِّ الحق فعامل غيرَه معاملةَ عبد له، ثم أذن عمر المعتدى عليه بأن يقتص من ولد عمرو بن العاص فضربه ضربات بمقدار ما ضربه ابن عمرو (١). ومن أجل هذا كان السجن موكولاً للحكام. وليس لغيرهم السجن، لما فيه من التسلط على الحرية، وكذلك التغريب.
وقد حاطت الشريعة في كثير من تصاريفها حرية العمل بحائط سدِّ ذرائع خرم تلك الحرية. كما منعت وكالة الاضطرار، وهي توكيل المدين ربَّ الدين على بيع ونحوه عند محل الأجل (٢)، وكما منعت
стр. 1650
كثيراً من الشروط الواقعة من رب المال على العامل في القراض والمزارعة والمغارسة والمساقاة ونحو ذلك. كما سنبينه في موضعه من المقاصد الخاصة بأنواع المعاملات (١)، وبعضُه ذُكر في مبحث سدّ الذرائع (٢).