← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ومنها حرية العلم والتعليم والتأليف. ولقد ظهرت هذه الحرية في أجمل مظهر في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإِسلام، إذ نشر العلماء فتاواهم ومذاهبهم، واحتج كل فريق لرأيه، ولم يكن ذلك موجباً لمناوأة ولا لحزازات. وقد قال رسول الله ﷺ : "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها. فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه" (١). وهذا هو المقام الذي تحقق فيه مالك بن أنس حين قال له أبو جعفر الخليفة: إني عزمت أن أكتب كُتُبك يعني الموطأ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدّوها إلى غيرها. فقال الإِمام: "لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم [وعملوا به ودانو له] من اختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم، وإنّ ردهم عما اعتقدوه شديد. فدع الناس وما هم عليه [وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم] (٢) ". ولولا اعتبار حرية الأقوال لما كانت الإقرارات والعقود والالتزامات وصيغ الطلاق والوصايا مؤثّرةً آثارها. ولذلك يسلب عنها التأثير متى تحقق أنها صدرت في حالة الإكراه. وأما حرية الأعمال فهي تكون في عمل المرء في خويصته، وفي عمله المتعلّق بعمل غيره. فأما الحرية الكائنة في عمل المرء في الخويصة فهي تَدْخل في تناول كل مباح. فإن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، إذ ليس لأحد أن يمنع المباح عن أحد، إذ لا يكون أحد أرفق بالناس من الله تعالى.

стр. 1647

ونريد بالمباح هنا المأذون فيه ولو بالعموم فيدخل المكروه. ومن تناول المباح الاحتراف بأنواع الحرف المباحة، والنزول بالمَوَاطن المأذون في نزولها، وتناول ما أبيح للناس من الماء والكلأ، والتصرف في المكاسب بالوجوه المباحة، واختيار المطاعم والملابس والمساكن، وتناول الشهوات المأذون فيها. ولذلك كان تصرف الزوجة في مالها غير موقوف على رضي زوجها على اختلاف في مقدار ذلك (١). وأما الحرية الكائنة في عمل المرء المتعلّق بعمل غيره فالأصل فيها أنها مأذون فيها، إذا لم تكن تضر بغيره. (وهذا المقام يتحقّق فيه معنى الجمع بين فرعين من مقاصد الشريعة: وهما حرية العمل الذي لا يتجاوز عاملَه، وحرية العمل الذي يؤثر في عمل غيره تأثيراً لا إضرار فيه. والإضرار يتحقّق بتعطيل حقًّ مأذونٍ فيه لمستحقه، أو إتلاف ذلك

стр. 1648

الحق، ويترتب على ذلك غُرْم ما أتلفه. وفيه تفاصيل طويلة) (١). ومن حرية الأعمال المتعلقة بأعمال الغير ما يلزم المرء نفسه بموجب حرية تصرّفه من العقود والالتزامات لمصلحة يراها. فإن إلزامه نفسَهُ بها أثرٌ من آثار حرية العمل أوجب به حقاً لغيره عليه على التفصيل في العقود التي تجب بمجرد التعاقد القولي والتي لا تجب إلَّا بالشروع في العمل. ثم إن للشريعة حقوقاً على أتباعها تُقيَّد حريةُ تصرّفاتِهم بقدرها، وذلك في صلاحهم في الحال أو في المستقبل. مثل إلزامهم بإقامة المصالح العامة كفروض الكفايات، أو بإقامة مصالح مَن جعلت الشريعة مصالحَهم موكولةً إلى شخص معين كنفقة القرابة. ومتى تجاوز المرء حدود حريته في هذا النوع أوقف عند الحد الشرعي بالغرم مثل ضمان التفريط، أو العقوبة بدون قبول توبة كالحرابة، أو بعد الاستتابة كالردة، وأمثلة ذلك لا تعوزك. واعلم أن الاعتداء على الحرية نوع من أنواع الظلم. ولذلك لزم أن يكون تمحيص مقدار ما يخول للمرء من الحرية في نظر الشارع موكولاً إلى ولاة الأمور المنصوبين لفصل القضاء بين الناس. فلذلك كان انتصاف المعتدى عليه لنفسه بنفسه ظلماً يستحق التعزير. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٢). ولذلك سمّى عمرُ ﵁ بعض هذا الانتصاف استعبادًا في قضية ابن عمرو بن العاص مع الذي وطئ ثوبه

стр. 1649

فضربه ابن عمرو، فلما شكاه إلى عمر قال له عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". فإن ابن عمرو جرى عليه اعتداء خطأ بوطء ثوبه، إذ ربما اتسخ الثوب أو هلهل. ولكنه لما باشر الانتصافَ لنفسه بنفسه تجاوز عن حدِّ الحق فعامل غيرَه معاملةَ عبد له، ثم أذن عمر المعتدى عليه بأن يقتص من ولد عمرو بن العاص فضربه ضربات بمقدار ما ضربه ابن عمرو (١). ومن أجل هذا كان السجن موكولاً للحكام. وليس لغيرهم السجن، لما فيه من التسلط على الحرية، وكذلك التغريب. وقد حاطت الشريعة في كثير من تصاريفها حرية العمل بحائط سدِّ ذرائع خرم تلك الحرية. كما منعت وكالة الاضطرار، وهي توكيل المدين ربَّ الدين على بيع ونحوه عند محل الأجل (٢)، وكما منعت

стр. 1650

كثيراً من الشروط الواقعة من رب المال على العامل في القراض والمزارعة والمغارسة والمساقاة ونحو ذلك. كما سنبينه في موضعه من المقاصد الخاصة بأنواع المعاملات (١)، وبعضُه ذُكر في مبحث سدّ الذرائع (٢).

стр. 1651

كب - مقصد الشريعة تجنّبُها التفريع في وقت التشريع لقد بان من استقراء أقوال الشارع ﷺ وتصرّفاته، ومن الاعتبار بعموم الشريعة الإِسلامية ودوامها، أن مقصدها الأعظم نوطُ أحكامها المختلفة بأوصاف مختلفة تقتضي تلك الأحكام، وأن يتبع تغيرُ الأحكام تغيرَ الأوصاف، إذ لو كانت الشريعة مؤقتة بقوم بخصوصهم أو بعصور بخصوصها لأمكن أن يدَّعي مدَّعٍ أن ما قرر فيها من الأحكام لا يختلف لأن غاية دوامه معلومة. فإذا حَلَّت تلك الغاية بعلم الله تعالى خاطب الناس بنسخ تلك الشريعة. فأما وشريعة الإِسلام عامة دائمة، وتغيرُ الأحوال سنة إلهية في الخلق لا تتخلف، فبقاء الأحكام مع تغير موجبها لا يخلو من أن يكون إقراراً لنقيض مقصود الشارع من تعليق ذلك الحكم بذلك الموجب. فيصير أحد العملين عبثاً، أو أن يكون مكابرة في تغير الموجب وذلك ينافي المشاهدة القطعية أو الظنية في أحوال كثيرة، ويؤول ذلك على التقديرين إلى أن تكون الأحكام مقصودةً لذاتها لا متابعة لموجباتها. ويحق علينا أن نأتي بشيء من استقراء كلام الرسول ﷺ وتصرفه في هذا الشأن لزيادة اطمئنان الناظر في هذا المقام الذي قد يكثر منكروه ويعشو مبصروه. فمن ذلك حديث عاصم بن عدي الأنصاري في الموطأ

стр. 1652

والصحيحين في اللعان: أن عويمراً العجلاني سأل عاصماً أن يسأل له رسول الله ﷺ عمن وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ فسأل عاصم رسول الله. قال عاصم: فكره رسول الله المسائل وعابها (أي كره السؤال سواء كان في هذه النازلة أم في غيرها, لأنه قال: كره المسائل) (١). وفي حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح البخاري قال رسول الله ﷺ : "أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحُرِّم من أجل مسألته" (٢). وفي حديث قيام الليل في الصحيح: "أن رسول الله ﷺ قام ليلة فقام المسلمون معه. فتكاثر الناس في الليلة الثانية والثالثة فلم يخرج رسول الله ﷺ وقال: إنه لم يخفَ علي مكانكُم وخشيت أن يكتب عليكم القيام، ولو كتب عليكم ما قمتم به" (٣). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني صراحة في هذا: "قال رسول الله ﷺ : إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها وحدَّد حدوداً فلا تعتدوها وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٤) *.

стр. 1653

وقال ابن عباس: ما رأيت خيراً من أصحاب محمَّد. ما سألوه إلَّا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلها في القرآن: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ ونحوهما (١). وللحذر من أن يكثر تقوُّل الناس على رسول الله- ﷺ ، أو أن يستند كثير من المتفقهين إلى تصرفاتٍ صدرت عن رسول الله ﷺ في جزئيات، أو إلى أقوال أُثرتْ عنه غير مؤداةٍ كما صدرت منه، أو غير مبين فيها الحال الذي صدرت فيه، من أجل ذلك ما حكى ابن العربي في العواصم: "كان عمر لا يمكّن الناس أن يقولوا قال رسول الله، ولا يذيعوا أحاديث النبي حتى يُحتاج إليها وإن درست (٢). وهذا لحكمة بديعة، وهي أن الله قد بين المحرّمات والمفروضات في كتابه. وقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣). وقد اتفقت الصحابة على جمع

стр. 1654

القرآن لئلا يدرس، وتركت الحديث يجري مع النوازل. وأكثر قوم من الصحابة التحديث عن النبي ﷺ فزجرهم عمر" (١) اهـ. وأقول: قد تتبعت تفريعَ الشريعة في زمن الرسول ﷺ فوجدت معظمَهُ في أحكام العبادات، حتى إنك لتجد أبواب العبادات في مصنفات السنة هي الجزء الأعظم من التصنيف بخلاف أبواب المعاملات. وذلك لأن العبادات مبنيةٌ على مقاصد قارة، فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة. فأما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور. فالحملُ فيها على حكم لا يتغيّرُ حرجٌ عظيم على كثير من طبقات الأمة. ولذلك كان دخول القياس في العبادات قليلاً نادراً، وكان معظمه داخلاً في المعاملات. ولذلك نجد أحكام المعاملات في القرآن مسوقةً غالباً بصفة كلية، حتى إن الله تعالى لمّا فصّل أحكام المواريث قال رسول الله ﷺ : "إن الله تولّى قسمة الفرائض بنفسه" (٢).

стр. 1655

وتفاريعُ الشريعة في المعاملات على مقصدين: تارة يكون المقصد حملَ الناس على حكم مستمر مثل تحريم الربا، وتارة يكون قضاء بين الناس فيكون الفرع المقضيُّ به بياناً لتشريع كلي. وهذا مقام يحتاج إلى تدقيق الفرق فيه. وقد قال أئمة أصول الفقه: إن لم ينصّ الشارع فيه بشيء، فأصلُ ما هو مضرّة أن يكون حكمه التحريم، وأصلُ ما هو منفعة أن يكون حكمه الحِل (١). وإذ قد جعلنا سدَّ الذرائع من أصول التشريع، وكان سدُّها في أحوال معينة، لزم أن يكون موكولاً لنظر المجتهدين سدّاً وفتحاً بأن يراقبوا مدّة اشتمال الفعل على عارض فساد فيمنعوه، فإذا ارتفع عارض الفساد أرجعوا الفعلَ إلى حكمه الذاتي له (٢).

стр. 1656

كج - مقصد الشريعة من نظام الأمة أن تكون قوية، مرهوبة الجانب، مطمئنة البال لم يبق للشك مجال يخالج به نفسَ الناظر في أن أهم مقصد للشريعة من التشريع انتظامُ أمر الأمة، وجلبُ الصالح إليها، ودفعُ الضر والفساد عنها. وقد استشعر الفقهاء في الدين كلُّهم هذا المعنى في خصوص صلاح الأفراد. ولم يتطرّقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام. ولكنهم لا ينكر أحد منهم أنه إذا كان صلاحُ حال الأفراد، وانتظامُ أمورهم مقصد الشريعة، فإن صلاح أحوال المجموع وانتظامُ أمر الجامعة أسمى وأعظم. وهل يُقصد إصلاحُ البعض إلَّا لأجل إصلاح الكل؟ بل وهل يتركَّب من الأجزاء الصالحة إلا مركَّب صالح؟! وهل ينبت الخطيَّ إلا وشيجُه (١)؟! وبذلك فلو فرض أن الصلاح الفردي قد يحصل منه عند إلاجتماع فساد، فإنّ ذلك الصلاح يذهب أدراجاً، ويكون كما لو هبت الرياح فأطفأت سراجاً. وقد امتنّ الله على المسلمين وغيرهم من الأمم الصالحة بما

стр. 1657

مكَّنَ لهم في الأرض وما أصلح من أحوالهم. فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (١)، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٢)، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). فعلينا أن نتخيّل الأمة الإِسلامية في صورة الفرد الواحد من المسلمين فتعرِضُ أحوالها على الأحكام التشريعية كما تُعرَضّ أحوال الفرد. فهنالك يتّضح لنا سبيل واضحة من الإجراء التشريعي في أحوال الأمة. وإن من أعظم ما لا ينبغي أن يُنسى عند النظر في الأحوال العامة الإِسلامية نحو التشريع هو باب الرخصة. فإن الفقهاء إنّما فرضوا الرخص ومثّلوها في خصوص أحوال الأفراد. ولم يعرجوا على أن مجموع الأمة قد تعتريه مشاق اجتماعية تجعله بحاجة إلى الرخصة كما قدمناه في فصل الرخصة (٥). وليس القول في سدّ الذرائع ورعي المصالح المرسلة بأقلّ أهمية من القول في الرخصة. وتعلّقُهما بمجموع الأمة من خواصهما بحيث لا يفرضان في أحوال الأفراد بخلاف الرخصة.

стр. 1658

كد - واجب الاجتهاد من أجل هذا كانت الأمة الإِسلامية بحاجة إلى علماء أهلِ نظر سديد في فقه الشريعة، وتمكّن من معرفة مقاصدها، وخبرةٍ بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرةٍ على إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها، واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بمواضع النقب من أديمها. ولقد هدانا الله إلى هذا بما أمر به من الاعتبار في أدلة الشريعة، وبذل الجهد في استجلاء مراده. حصل لنا ذلك من استقراء آيات كثيرة من الكتاب، وأخبار صحيحة من السنة. وقد ذمَّ أمماً في وقوفهم عند الظواهر وإعراضهم عن النظر والاستنباط. كما في قوله تعالى في توبيخ بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (١). فدلّت على أنهم لم يؤخذ عليهم الميثاق أن لا يأخذوا الفدية من أسرى قومهم, لأن ذلك لا يتصوّر وقوعُه مباشرة، وإنّما أخذ عليهم أن لا يخرجوهم من ديارهم لأن ذلك قد تدعو إليه المغاضبة

стр. 1659

والمعاقبة. فلمَّا عصَوا الأمر وأخرجوا بعضَ قومهم، ثم عاملوهم معاملة الأمم العدوة، فحاربوهم وأسروهم ولم يطلقوهم إلَّا بعد أن أخذوا عليهم الفداء، نعى عليهم ذلك لأن المفاداة تقتضي أنهم اعتبروهم غرباء في أوطانهم، أرقاء عندهم، حتى يفدوا أنفسهم فيقروهم. وذم أيضاً الذين أخذوا يسألون التوقيف في حكم كل مسألة كما جاء في قصّة البقرة. وقد بيناه في مبحث تجنب التحديد والتفريع من هذا الكتاب (١). فالاجتهاد فرض كفاية على الأمة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. وقد أثِمت الأمة بالتفريط فيه مع الاستطاعة ومِكْنة الأسباب والآلات (٢) *. وقد اتفق العلماء على أنه مما يشمله الأمر في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤). وشهاب الدين القرافي يقول في كتاب التنقيح في باب الإجماع: "لو لم يبق مجتهد واحد والعياذ بالله" (٥) *.

стр. 1660

والتقصير في إيجاد الاجتهاد يظهر أثرهُ في الأحوال التي ظهرت متغيّرة عن الأحوال التي كانت في العصور التي كان فيها المجتهدون، والأحوال التي طرأت ولم يكن نظيرها معروفاً في تلك العصور، والأحوال التي ظهرت حاجة المسلمين فيها إلى العمل بعمل واحد لا يناسبه ما هم عليه من اختلاف المذاهب، فهم بحاجة في الأقل إلى علماء يُرجِّحون لهم العمل يقول بعض المذاهب المقتدى بها الآن بين المسلمين ليصدر المسلمون عن عمل واحد. وفي كل هذه الأحوال قد اشتدّت الحاجة إلى إعمال النظر الشرعي والاستنباط والبحث عمَّا هو مقصد أصلي للشارع وما هو تبع، وما يقبل التغيّرَ من أقوال المجتهدين وما لا يقبله. ونستعرض هنا أمثلة إجمالية. منها مسائل بيع الطعام، ومسائل المقاصّة، ومسائل بيوع الآجال، ومسألة كراء الأرض بما يخرج منها، ومسألة الشفعة في خصوص ما يقبل القسمة، ففي كثير منها تضييق. وإن أقلّ ما يجب على العلماء في هذا العصر أن يبتدئوا به من هذا الغرض العلمي هو أن يسعَوا إلى جمع مجمع علمي يَحْضُرُهُ من أكبر العلماء بالعلوم الشرعية في كل قطر إسلامي على اختلاف مذاهب المسلمين في الأقطار، ويبسطوا بينهم حاجات الأمة ويصدروا فيها عن وفاقٍ فيما يتعين عمل الأمة عليه، ويُعلموا أقطار الإِسلام بمقرراتهم؛ فلا أحسب أحداً ينصرف عن اتباعهم (١)

стр. 1661

ويعيّنوا يومئذ أسماء العلماء الذين يجدونهم قد بلغوا مرتبة الاجتهاد أو قاربوا. وعلى العلماء أن يقيموا من بينهم أوسعَهم علماً وأصدَقهم نظراً في فهم الشريعة. فيشهدوا لهم بالتأهّل للاجتهاد في الشريعة. ويتعيّن أن يكونوا قد جمعوا إلى العلم العدالة واتباع الشريعة لتكون أمانة العلم فيهم مستوفاة، ولا تتطرّق إليهم الريبة في النصح للأمة (١).

стр. 1662

القسم الثالث في مقاصد التشريع التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس

стр. 1663

أ - المعاملات في توجُّه الأحكام التشريعية إليها مرتبتان: مقاصد ووسائل هذا الباب هو المدخل لتمييز الأحكام الشرعية المنوطة بتصرفات الأمة ومعاملاتها, ليعرف ما هو منها في رتبة المقصد، فهو في المرتبة الأولى في محافظة الشرع على إثباته وقوعاً ورفعاً، وما هو في رتبة الوسيلة فهو في المرتبة الثانية تابع لحالة غيره. وهو مبحث مهمّ لم يفِ المتقدّمون بما يستحقه من التفصيل والتدقيق، واقتصروا منه على ما يرادف المسألة الملقبة بسدّ الذرائع، فسمّوا الذريعة وسيلة والمتذرع إليه مقصداً. ونحن قد قضينا حق البحث في سدّ الذرائع. وجعلنا مبحث المقاصد والوسائل متطلعاً إلى ما هو أعلى من ذلك. ولم أر من سبق إلى فرض هذا في غير بحث سدّ الذرائع سوى ما ذكر في كتاب القواعد لعز الدين بن عبد السلام (١)، وما زاده شهاب الدين القرافي في الفرق الثامن والخمسين (٢)، وأنا أجمع بين كلاميهما لعدم استغناء أحدهما عن الآخر وهو هذا:

стр. 1664

"انقسام المصالح والمفاسد إلى الوسائل والمقاصد: فموارد الأحكام ضربان: أحدهما مقاصد، والثاني وسائل. فالمقاصد هي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. والوسائل هي الطرق المفضية إليها. والوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل. وإلى [ما هو متوسط] (١). ثم تترتب الوسائلُ بترتب المصالح والمفاسد. فمن وفّقه الله للوقوف على ترتب المصالح عرف فاضلها من مفضولها، ومقدمها من مؤخرها. وقد يختلف العلماء في بعض رتب المصالح فيختلفون في تقديمها عند تعذر الجمع. وكذلك من وفّقه الله لمعرفة رتب المفاسد فإنه يدرأ أعظمها بأخفَّها عند تزاحمها. وقد يختلف العلماء في بعض رتب المفاسد فيختلفون فيما يُدرَأُ منها عند تعذر دفع جميعها. والشريعة طافحة بما ذكرناه" (٢) اهـ. ثم قال عز الدين - في أثناء كلام في فصل بيان رتب المصالح -: "وجعل الجهاد تلو الإيمان في الحديث لأنه ليس بشريف في نفسه وإنما وجب وجوب الوسائل" (٣). وقال: "ولا شك أن نصب القضاة والولاة من الوسائل إلى جلب المصالح [العامة والخاصة]. وأما نَصب أعوان القضاة [والولاة] فمن وسائل الوسائل، وكذلك تحمُّلُ الشهادات وسيلةٌ إلى أدائها، وأداؤها وسيلة إلى الحكم بها، والحكم بها وسيلة إلى جلب المصالح ودرء المفاسد" (٤).

стр. 1665

وأنت ترى كلامهما مقتصراً على تخصيصها بمبحث المصالح والمفاسد، فغرضنا نحن أوسع، والفقيه إليه أحوج. إن الأحكام المنوطة بتصرّفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة، وإن كانت قد توجد متماثلةً في الرتب المعبَّرِ عنها في الفقه وأصوله بأقسام الحكم الشرعي، هي في الاعتبار الشرعي متفاوتةٌ بحسب كون مناطِها من التصرّفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشرع، أو في نظر الناس. فلذلك تعين أن نبحث عن بيان هاتين المرتبتين من التصرفات.

стр. 1666

ب - المقاصد والوسائل المقاصد هي الأعمال والتصرّفات المقصودة لذاتها، والتي تسعى النفوس إلى تحصيلها بمساعٍ شتى، أو تُحمل على السعي إليها امتثالاً. وتلك تنقسم إلى قسمين: مقاصد للشرع، ومقاصد للناس في تصرّفاتهم. قال الإِمام الأكبر: مقاصد الشرع فبصرك فيها حديد وعهدك بها غير بعيد، إذ سبق تفصيلها في القسمين الأول والثاني من هذا الكتاب (١). وإنّما يتفرعّ عنها ما يختصّ بهذا القسم الثالث من الكتاب، وهو معرفة المقاصد الشرعية الخاصة بأبواب المعاملات. وهي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرّفاتهم الخاصة، كي لا يعود سعيهُم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أُسِّس لهم من تحصيل مصالحهم العامة، إبطالاً عن غفلة أو عن استزلال هوًى وباطِل شهوةٍ. ويدخل في ذلك كلُّ حكمة رُوعيت في تشريع أحكام تصرّفات الناس، مثل قصد التوثّق في عقدة الرهن، وإقامة نظام المنزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق. وأمّا مقاصد الناس في تصرّفاتهم فهي المعاني التي لأجلها

стр. 1667

تعاقدوا أو تعاطَوا أو تغارموا أو تقاضَوا أو تصالحوا. وهي قسمان: قسم هو أعلاها، وهو أنواع التصرّفات التي اتفق عليها العقلاء أو جمهورهم لمّا وجدوها ملائمة لانتظام حياتهم الاجتماعية، مثل البيع والإجارة والعارية، وما كان من أحكام تلك الأنواع مقصوداً بها لذاته لكونه قوام ماهيتها، كالتوزيع في الإجارة، والتأجيل في السَّلَم، والمنع من التفويت في التحبيس. ويعلم هذا النوع باستقراء أحوال البشر. وقسم هو دون ذلك، وهو الذي يقصده فريق من الناس أو آحاد منهم في تصرّفاتهم لملاءمة خاصّة بأحوال مثل العُمْرى والعريّة، ومثل الكراء المؤبّد المعروف بالإنزال عندنا في تونس، وبالحكْر في مصر، وبالنصبة في حوانيت التجارة في أسواق تونس، ويعبّر عنها بالجِلسة في المغرب الأقصى، ورهن غلة الوقف الخاص - أعني أوقاف الذرّية في بلاد الجريد التونسي -، وبيع الوفاء عند الحنفية في كروم بخارى. وهذا القسم يُتعَرَّف عليه بالأمارة والقرينة والحاجة الطارئة. وهذه المقاصد بقسميها منها ما يدُعى بحق الله، ومنها ما هو حق للعبد. فحقُّ الله تعالى لا يراد به ما يعطيه ظاهر هذه الإضافة، من أنه حقّ لذات الله تعالى, لأن حقّ ذات الله تعالى إنّما يدخل في العقائد والعبادات المشار إليهما بقول رسول الله ﷺ : "حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" (١) وبقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ

стр. 1668

وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ (١). فذلك ليس مرادَنا هنا، بل المراد بها حقوق للأمة فيها تحصيل النفع العام أو الغالبَ أو حقُّ من يعجز عن حماية حقّه. أوصى الله تعالى بحمايتها، وحمل الناس عليها, ولم يجعل لأحد من الناس إسقاطها. فهي الحقوق التي تحفظ المقاصد العامة للشريعة، وتحفظ تصرّفات الناس في اكتساب مصالحهم الخاصة بأفرادهم أو بمجموعهم من أن تتسبب في انخرام تلك المقاصد. وتحفظ حق كلّ من يُظَنُّ به الضعف عن حماية حقه مثل حق بيت المال، والقاصر، وحضانة الصغير الذي لا حاضن له. وحق العباد التصرّفات التي يجلبون بها لأنفسهم ما يلائمها، أو يدفعون بها عنهم ما ينافرهم، دون أن يفضي ذلك إلى انخرام مصلحة عامة أو جلب مفسدة عامة، ولا إلى انخرام مصلحة شخص أو جلب

стр. 1669

مصلحة له، أو جلب مضرّة له في تحصيل مصلحة غيره. وحقوق العباد هي الغالب. ويقترن الحقان - حق الله، وحق العبد - في مثل القصاص والقذف والاغتصاب، فيغلب حق الله في الغالب. وقد يغلب حق العبد إذا لم يمكن تداركُ حقِ الله، مثل عفو القتيل عن قاتله عمداً، لأن حق الاستحياء الذي حرُم لأجله القتلُ وبولغ في التهديد عليه قد فات، فرجح حقُ العبد، على أنَّ حق الله قد يبقى منه أثر قليل، فلذلك يضرب القاتل المعفو عنه مائة ويحبس عاماً (١).

стр. 1670

وأما الوسائل فهي الأحكام التي شرعت لأن يتمّ بها تحصيل أحكام أخرى. وهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل، إذ بدونها قد لا يحصل المقصدُ، أو يحصل معرّضاً للاختلال والانحلال. فالإشهادُ في عقد النكاح وشهرتُه غيرُ مقصودين لذاتهما، وإنما شُرعا لأنهما وسيلة لإبعاد صورة النكاح عن شوائب السفاح والمخادنة. والحَوز للرهن ليس مقصوداً لذاته ولكنه شرع لتحقيق ماهية الرهن وحصول التوثّق الأمّ، حتى لا يرهنه الراهن مرّة أخرى عند دائن آخر فيفوت الرهن الأول. وتنقسم الوسائل - كانقسام المقاصد - إلى ما هي حقوق الله تعالى مثل منع الرشوة عن ولاة الأمور. فهي حقّ الله تعالى ليس مقصوداً لذاته، ولكنه شرع لقصد تحقّق إيصال الحقوق إلى أصحابها من أهل الخصومات، وتحقّق أهلية من تُسنَد إليهم الولايات. والتنجيز في العطايا وسيلةٌ لإتمامها خشية حصول مانعها. وهي من حقوق الله تعالى، لئلا تكون العطايا إبطالاً للمواريث، أو توسعاً في الإيصاء بأكثر من الثلث. وكون العقود لازمة بالعقد أو بالشروع في العمل وسيلة لعدم

стр. 1671

نقضها. وهي حق الله تعالى ليحصل مقصد الشريعة من رفع الخصومات بين الأمة. ويدخل في الوسائل الأسبابُ المعرَّفات للأحكام، والشروط، وانتفاء الموانع. ويدخل أيضاً ما يفيد معنى كصيغ العقود، وألفاظ الواقفين في كونها وسائل إلى تعرف مقاصدهم فيما عقدوه أو شرطوه. وقد اتضح أن الوسائل مجعولةٌ في الدرجة الثانية من المقاصد. فلذلك كان من قواعد الفقه أنه إذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة (١) * ومن الأمثلة الصالحة لهذا مسألةُ النكاح في المرض فإنه مفسوخ، وفسخه وسيلة إلى مقصد حفظ حقوق الميراث. فإذا لم يفسخ حتى برئ المريض فقد رجع مالك إلى عدم فسخه وأمَرَ بمحو ما كان قاله في فسخه (٢). وكذلك تزوّج الحاضنة بأجنبي يُسقِط حقَّها في الحضانة. فإذا لم يقم وليُّ المحضون حتى طلقت الحاضنة فالأظهر أنه لا ينتزع منها المحضون, لأن ذلك الانتزاع وسيلة لمقصد عدم ضيعة المحضون. فلما سقط اعتبار الضيعة بعد طلاق الحاضنة لم يبق وجه لاعتبار الوسيلة. وكذلك حكمُ استعمال بعض صيغ العقود في غير ما وُضعت له إذا قرن بها ما يصرفها إلى مقصود، مثل استعمال لفظ "وهبتُ" في عقد الإنكاح إذا قرن بلفظ "صداق"، وكذلك لفظ "مَلكتُكَها".

стр. 1672

ومنه تعارُضُ لفظ الواقف مع مقصده إذا قام على مقصده دليل غيرُ لفظه، وكان لفظه يخالف ذلك. ولذلك قال الفقهاء: إذا استقامت المعاني فلا عبرة بالألفاظ. وقد تتعدد الوسائلُ إلى المقصد الواحد، فتعتبر الشريعةُ في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلاً للمقصد المتوسَّل إليه بحيث يحصل كاملاً، راسخاً، عاجلاً، ميسوراً، فتُقدِّمها على وسيلة هي دونها في هذا التحصيل. وهذا مجال مُتسِّع ظهر فيه مصداقُ نظر الشريعة إلى المصالح، وعصمتها من الخطإ والتفريط. ولم أر من نبّه على الالتفات إليه. وأحسب أن عظماء المجتهدين لم يغفلوا عن اعتباره. ويجب أن يكون تَتبع أساليب مراعاة الشريعة لهذا الأصل من أكبر ما يهتم به المجتهدون والفقهاء في الاستنباط والتشريع وتعليل الشريعة، وما يهتمُ به القضاة والولاة في تنفيذ الشريعة، فإنه متشعب متفنن. فإذا قدَّرنا وسائلَ متساويةً في الإفضاء إلى المقصد باعتبار أحوالِه كلِّها سوّت الشريعةُ في اعتبارها، وتخيَّر المكلّفُ في تحصيل بعضها دون الآخر، إذ الوسائل ليست مقصودة لذاتها، مثاله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (١). فهذا خطاب للناس والمقصود منه حصول هذا العقاب. فإذا قام به وليُّ المرأة أو قام به زوجها أو قام به القاضي كان ذلك سواء. فإذا عرضت أحوالٌ في الناس أضعفت سلطةَ ولي المرأة أو سلطة الزوج، كان تكليفُ القضاة بمباشرة ذلك متعيّناً, لأنه أوقعُ في دوام ذلك الإمساك وتعجيله وعدم اختلاله. فإنا نجد في الأزمان التي بلغ فيها نظام القضاة أقصى حدِّه

стр. 1673

قد لا يستطيع وليُّ المرأة أن يمسكها مثلما يمسكها حكم القاضي، وبالعكس نجد في أزمان الحياءَ وسذاجة الناس مباشرةَ وليَّ المرأة ذلك أيسر وأسرع وأمكن. هذا كله بالنسبة إلى الوسائل التي يُطلب تحصيلُها لتحصيل المقصد، أعني التي يتعلق بها خطاب التكليف. فأمّا الوسائل باعتبار تسبُّبها في حصول المقصد، إذا حصل ذلك التسبب، وترتب عليه حصولُ أثره، فلا التفات إلى تفاوتها في كيفية تحصيل المقصد المتُوسَّل إليه وفي ترتُّب آثاره عليه. ولذلك كان الراجحُ اعتبارَ حكم شرب خمر العنب ونبيذ التمر وغيره من الأنبذة المسكرة حكماً متحداً في التحريم، وإقامة الحدِّ إثباتاً أو نفياً، إذ لا فرق بينها عند حصول الأثر المتوسَّل إليه. وكذلك كان الراجحُ اعتبارَ حكم القصاص عن القتل العمد العدوان إذا حصل بآلة من شأنها القتلُ إذا توجهت إلى المصاب بها. ولا التفات إلى الآلات ذات الوصف المذكور في سرعة تحصيل القتل أو كثرة الاستعمال، فيستوي القصاصُ في القتل العدوان إن حصل بسيف، أو بجعبة الرصاص النارية، أو برمي صخرة من عل، أو بوضع المقتول تحت أرجل الفيلة، أو إلقائه إلى السباع.

стр. 1674

ج - مقصد الشريعة تعيين أنواع الحقوق لأنواع مستحقّيها إن تعيين أصول الاستحقاق أعظم أساس وأثبته للتشريع في معاملات الأمة بعضها مع بعض. فإنه يُحصِّل غرضين عظيمين هما أساس إيصال الحقوق إلى أربابها, لأن تعيينها ينوِّرها في نفوس الحكام، ويقرّرها في قلوب المتحاكمين، فلا يجدوا عند القضاء عليهم بحسبها حرجاً. وسيأتي في مقاصد نصب القضاة والحكام أن من مقاصد الشريعة رفعَ أسباب التواثب والتغالب، فيُعلم هناك أن تعيين مُستحقي الحقوق أولُ عون على ذلك المقصد، وأن ذلك المقصد غايةٌ وعلّةٌ لهذا المقصد. وحقوق الناس هي كيفيات انتفاعهم بما خلق الله في الأرض التي أوجدهم عليها، كما أنبأ على ذلك قولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١). فهذا نص القرآن قد جعل ما في الأرض جميعاً حقاً للناس على وجه الإجمال المحتاج إلى التفصيل والبيان. فلو أن ما في الأرض يفي برغبات كل الناس في كل الأحوال وكل الأزمان لما كان الناس بحاجة إلى تعيين حقوق انتفاعهم بما في عالمهم الأرضي. ولكن الرغبات قد تتوجَّه إلى أشياء في أزمان أو بقاع أو أحوال نراها لا تفي بإرضاء تلك الرغبات كلِّها، إمّا لأنّها أقلُّ من حاجات الراغبين، وإمّا لأنّ بعضَها آنقُ من

стр. 1675

بعض، فتنهال الناس إلى طلب الأينق وترك غيره. فلا جرمُ يتوقّع من ذلك تزاحم كثير على متاع قليل، لعله يفضي إلى التواثب والتغالب فيدحض القويُ حقوق الضعيف. وربّما كان عاقبة ذلك تفاني المتكافئين في القوة على التناول، وفناءَ المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. وقد قضت الشريعةُ في تعيين أصحاب الحقوق وبيان أولوية بعض الناس ببعض الأشياء، أو بيان كيفية تشاركهم في الانتفاع بما يقبل التشارك، على طريق فطري عادل، لا تجد النفوس فيه نفرة ولا تُحسّ في حكمه بهضيمة. فلم تعتمد الشريعةُ على الصُدفة ولا على الإرغام، ولكنها توخّت نظرَ العدل والإقناع حتى لا يجد المنصفُ حَرجاً. ثم لما أحكمت سداه وركزت مداه أمرت الأمة بامتثاله وحدّدته تقريباً لنواله. وجماعُ أصول تعيين الحقوق هو أحد أمرين: إما التكوين وإما الترجيح. فالتكوين أن يكون أصلُ الخلقة قد كوّن الحق مع تكوين صاحبه وقرن بينهما، وهو أعظم حق في العالم. والترجيح هو إظهارُ أولويةِ جانبٍ على آخر في حق صالح لجانبين فأكثر. وطريق إثبات هذه الأولوية إمّا حجّةُ العقل الشاهد بالرُّجحان، وإمّا الحجّة المقبولة بين الناس في الجملة. فإن لم يكن شيءٌ من هذين المرجّحين فقد يُصارُ إلى مرجّحات اصطلاحية وضعية مثل السبق إلى التحصيل، وكبر السن الذي هو سبق في الوجود. فإذا فُرض الاستواء بين المراتب المتنازعة الحق فقد يصارُ إلى القرعة،

стр. 1676

وهي من حكم البخت، وقد يُصارُ إلى قسمة الشيء بين المتعددين اكتفاءً ببعض الانتفاع. و [نستطيع أن] (١) نستقري ما بدا لنا من أنواع الحقوق على مراتبها إلى تسع مراتب، مرتّبة على حسب قوّة موجب الاستحقاق فيها لمستحقِّيها: المرتبة الأولى: الحق الأصلي المستحَق بالتكوين وأصل الجبلة. وهو حقّ المرء في تصرّفات بدنه وحواسه ومشاعره، مثل التفكير والأكل والنوم والنظر والسمع. وحقّهُ أيضاً فيما تولّد عنه، كحق المرأة في الطفل الذي تلده ما دام لا يعرف لنفسه حقاً، أو لم تُثبت له الشريعة حقاً، فإذا ميّز وعرف لنفسه الضرَّ والنفع ارتفع حق الأم بمقدار تمييز الطفل، وصار القولُ له في مقدار ما يُميز. ولذلك قال إبراهيم لابنه إسماعيل وهو غلام مميز: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٢) فجعل له التخييرَ في الإذن بأن يذبحه وعدمه. ويلتحق بهذه المرتبة الحقُّ في كلّ ما تولّد من شيء فيه حقّ معتبر، مثل نسل الأنعام المملوكة لأصحابها، وثمر الشجر، ومعادن الأرضين. فإن الحق في أصولها ثابت بمرتبة دون هذه المرتبة. ويكون في المتولِّد منها أقوى منه في أصولها. المرتبة الثانية: ما كان قريباً من هذا, ولكنه يخالفه بأنّ فيه شائبةً من تواضع اصطلح عليه نظامُ الجماعة أو الشريعة. وذلك مثل حقّ الأب في أولاده الذين جعلهم الشرع بسبب

стр. 1677

الاختصاص أولاداً له واعتبرهم نسلاً منه, لأن اختصاص المرأة بالرجل بطريقة الزواج، وصيانَتَه إياها، وتحقق حصانة نشأتها، اقتضى اعتبارَ الحمل العالق بها في مدة ذلك الاختصاص حملاً من ذلك الزوج. فجعل الزوج أباً لذلك الولد، وسَفَهَ كلُّ من ينفيه عن صاحب عصمة أمه. ولم يجعل حقَّ محاولة نفيه إلا لصاحب العصمة إن ثبت عنده قطعاً أن الحمل ليس منه. وقد كانوا في الجاهلية يثبتون الأنساب بطرق شتى. فكانوا يأخذون بقول الأم غير ذات العصمة، إن حملت بولد من سفاح، أن تقول: هو من فلان - أحدِ أخدانها - وربّما عاضدوا ذلك بالقافة أو باستنطاق الكهان. وكان الأمرُ في بغاء الإماء أوسعَ من ذلك. المرتبة الثالثة: أن يكون المستحقُ وغيرُه سواءً في إمكان تحصيل الحق، ولكن بعض المستَوِين قد سعى بجهد، وعمل بيده أو بدنه، أو بابتدار لتحصيل الشيء قبل غيره، كالاحتطاب والاختباط والصيد والقنص واستنباط المياه وإقامة الأرحاء على الأنهار والمصائد على الشطوط. المرتبة الرابعة دون هذه، وهي أن يكون الطريقُ إلى نوال الشيء هو الغلبة والقوة. وقد كان ذلك في اصطلاح البشر في مدد الفوضى أقوى من النوع الذي في المرتبة الثالثة، غيرَ أن ذلك لمّا كان معظمه مذمومًا في نظر الشريعة والعقول السليمة جعلناه دون المرتبة التي قبله. وهذا مثل القتال على الأرض، والغارة على الأنعام، ومثل الأسر والسبي في الاسترقاق. وقد أقرّت الشريعة ما وجَدته بأيدي الناس من آثار هذه الوسيلة. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال لمولاه هُنَيْءٍ حين جعله

стр. 1678

على الحمى: "وايم الله إنّهم ليرون أني قد ظلمتهم. إنها لبلادُهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإِسلام. والذي نفسي بيده، لولا المال (أي الإبل) الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً" (١). ومثل هذا النوع ما أقرّته الشريعة في الحقوق العامة دون الخاصة. وذلك حقوقُ الجهاد والمغانم والسبي، لكنه حقّ لعموم المسلمين. ثم يختص ببعضِهم بالقسمة أو بتنفيل أمير الجيش. المرتبة الخامسة: حقّ السبق الذي لم يصاحبه إعمال جهد في تحصيل الحقّ. وذلك مثل مقاعد الأسواق للباعة غير أصحاب الدكاكين، ومقاعد المتسوّقين فيها، ومجالس المساجد، ومثل السقي من السيح والأودية من كل ماء ليس بمملوك، وتزوج ذات الوليين لأول الزوجين اللذين زوج كلاً منهما أحدُ الوليين إذا لم يكن دخول، وترجيحُ الزوج الذي سبق بالبناء بالمرأة على الزوج الآخر وإن كان أسبق عقداً، ومثل الالتقاط على تفصيل فيه في الإِسلام وعدم تفصيل في بعض الشرائع، مثلما حكى الله عن السيارة: ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ (٢) بشر نفسه بأنه ملكه بالالتقاط. المرتبة السادسة: أن يكون المستحق قد نال الحق بطريق

стр. 1679

ترجيحه على متعدد من المستحقين في مراتب أخرى لتعذر تمكين الجميع من الانتفاع بالشيء المستحق. وهذا مثل جعل حضانة الأولاد حقّاً لأمهم دون أبيهم إذا حصل الفراق بين الأبوين. فإنهما كانا معاً صاحبَي ذلك الحق حين الاجتماع. فلما تفرّقا تعذّر قيامهما به جميعاً، فرجح جانبُ الأم. ومثل جعل النظر في مال الأولاد الصغار للأب دون الأم ترجيحاً لتدبير الأب مع أن حقّ الأم في ذات الولد أقوى, لأن حقّها من المرتبة الأولى. وفي هذه المرتبة صورٌ وأمثلة كثيرة في الولايات. وحقوق أصحاب هذه المرتبة تُعتبَرُ بالنسبة للجانب المرجّح. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في الإشراف في باب الإيلاء: "الحقوق معتبرة بمن جُعِلت له. فالتربص في الإيلاء حق للزوج. فلذلك لا ينظر فيه إلى حال الزوجة من حرية ورقّ" (١). المرتبة السابعة: نوالُ الحقّ ببذل عوض في مقابلته يدفع إلى

стр. 1680

صاحب الحقّ إرضاء له, لأنه ثابت له بمرتبة من المراتب المتقدمة، وهو التعاوض فيما يقبل التعويض، وسيأتي (١). وقد قال عمر في كلامه مع هنيء مولاه: "إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإِسلام" (٢). وهذه المرتبة هي أوسعُ المراتب وأشهرُها في تحصيل الحقوق في نظام الحضارة الإنسانية. المرتبة الثامنة: أن يَنَال الحقَّ - بعد انقراض مستحقّه - أقربُ الناس إليه وأولاه بأخذ حقوقه. وللعوائد والشرائع أنظار متفاوتة في تعيين صفة القرب. والإِسلام أعدل الشرائع في ذلك حين رسم حقوق الإرث، وبناها على اعتبار القرابة الأصيلة والعارضة بقطع النظر عن المحبّة وضدها كما سيأتي. قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣). وجعل الأصل في ذلك هو الرابطة العائلية. فالإرث سببه النسب والزوجية والولاء. وجعل لكلًّ حدّاً ينتهى إليه. فإذا انتهى إليه صار المالُ بمنزلة مال لا مالك له، فيعود إلى الأصل - أعني جامعة الأمة -. وقد بنى الإِسلام ذلك على أصل الفطرة. فلم يمنع قرابة النساء منه، وما كن يأخذن شيئاً من مال الميت عند أكثر الأمم، إلَّا أنه عَدَّلَ ذلك على كيفية سنشرحها في آصرة القرابة (٤). وقد حصر

стр. 1681

الإسلام حقّ الإرث في المُتَموَّلات خاصّة، وكان أمر الجاهلية يخوّل أبناء الميت وإخوته أن يرثوا زوجته. المرتبة التاسعة: مجردُ المصادفة دون عمل أو سعي. وهذه أضعف المراتب. وللعلماء في اعتبارها خلاف. فلذلك لا تجري أمثلتها إلَّا على رأي بعض العلماء مثل القرعة في القسمة في مذهب مالك (١)، ومثل ما ورد في حديث الاستهام على الأذان (٢)، ومثل اعتبار كبر السنن في المحاورة كما ورد في حديث حُوِيِّصة ومُحِيِّصة (٣)، ومثل الجلوس

стр. 1682

على اليمين في استحقاق الابتداء بالشرب من يد الجليس كما ورد في حديث ابن عباس (١).

стр. 1683

تنبيه: قد يكون صاحب الحق واحداً وهو أخص كيفية الانتفاع. وقد يكون متعدداً محصوراً مثل الشركاء في الأشقاص في دار أو أرض، وقد يكون متعدداً غير محصور. وذلك في حقوق أصحاب الأوصاف، كالجيش والفقراء وطلبة العلم فيما جعل لهم، وكالمرعى للقبيلة، وفي الحقوق العامة للمسلمين مثل حق بيت المال. ومتى طلب بعض المتعدد انفراده بما يختص به من الحق أجيب إليه, لأنه الأصل فيما يقبل التجزئة. وقد يؤول التصرف في بعض أصناف هذا النوع إلى إقامة أمناء على استعمال الحق المشترك. وهو ما سنتكلم عليه في المقصد من وضع الحكام (١). تنبيه ثان: إن سَلْبَ الحق لمن تبيّن أنه غير أهل له مقصد شرعي. وقد يرجع إلى المراتب المتقدمة، مثل سلب الحق عمن لا تساعده الخلقة على نواله، ومنه سلب حق الجهاد عن النساء كما في الحديث المفسر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (٢).

стр. 1684

وللعلماء في أمثلة من هذا اختلافٌ، مثل سلب حق القضاء عن المرأة (١). وقد يكون سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقّين إياه على جانب آخر، كما تقدم في المرتبة السادسة. وقد يكون سَلْبُ الحق لأجل ثبوت حقّ آخر، كما تقدم في المرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة. ومن هذا أيضاً: سَلْبُ حقّ التصرف في المال عن المعتوه، وهو يرجع إلى زوال ما في الخلقة من المقدرة على تدبير الأمور. وسَلْبُ حقِّ التصرف أيضاً عن السفيه، وهو يرجع إلى شيء من هذا، مع مراعاة حق صاحب المال الذي لا يستطيع حفظَ حقه، ومراعاة حقوق عائلته وورثته. تنبيه ثالث: لا يُنتزع الحق من مستحقّه إلَّا لضرورة تقيم مصلحةً عامة، كأخذ أرض للحِمى أو لنزول جيش يدفع عن الأمة، وإلَّا لِدَفعه في قضاء حق آخر انتفع به المنتزَعُ منه كبيع القاضي رَبع المدين، وإلَّا لِحق مرجَّح كالشفعة.

стр. 1685

د - مقاصد أحكام العائلة انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جامعتها. فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها. وكان ذلك من أول ما عُني به الإنسان المدني في إقامة أصول مدنيته بإلهام إلهي روعي فيه حفظ الأنساب من الشك في انتسابها، أعني أن يثبت المرء انتساب نسله إليه كما قد أشرنا إليه في مبحث أنواع المصلحة المقصودة من التشريع (١). ولم تزل الشرائعُ تُعنى بضبط أصل نظام تكوين العائلة الذي هو اقتران الذكر بالأنثى المعبَّر عنه بالزواج أو النكاح. فإنه أصل تكوين النسل، وتفريع القرابة بفروعها وأصولها. واستتبع ذلك ضبط نظام الصهر، فلم يلبث أن كان لذلك الأثرُ الجليل في تكوين نظام العشيرة فالقبيلة فالأمة. فمن نظام النكاح تتكون الأمومة والأبوة والبنوة. ومن هذا تتكون الأخوة وما دونها من صور العصبة. ومن امتزاج رابطة النكاح برابطة النسب والعصابة تحدث رابطة الصهر. وجاءت شريعة الإِسلام مهيمنة على شرائع الحق، فكانت الأحكام التي شرعتها للعائلة أعدل الأحكام وأوثقها وأجلّها. ولا جرم أن الأصل الأصيل في تشريع أمر العائلة هو إحكام آصرة النكاح، ثم إحكام آصرة القرابة، ثم إحكام آصرة الصهر، ثم إحكام كيفية انحلال ما يقبل الانحلال من هذه الأواصر الثلاث.
следующие страницы →