الإسلام حقّ الإرث في المُتَموَّلات خاصّة، وكان أمر الجاهلية يخوّل أبناء الميت وإخوته أن يرثوا زوجته.
المرتبة التاسعة: مجردُ المصادفة دون عمل أو سعي. وهذه أضعف المراتب.
وللعلماء في اعتبارها خلاف. فلذلك لا تجري أمثلتها إلَّا على رأي بعض العلماء مثل القرعة في القسمة في مذهب مالك (١)، ومثل ما ورد في حديث الاستهام على الأذان (٢)، ومثل اعتبار كبر السنن في المحاورة كما ورد في حديث حُوِيِّصة ومُحِيِّصة (٣)، ومثل الجلوس
стр. 1682
على اليمين في استحقاق الابتداء بالشرب من يد الجليس كما ورد في حديث ابن عباس (١).
стр. 1683
تنبيه: قد يكون صاحب الحق واحداً وهو أخص كيفية الانتفاع. وقد يكون متعدداً محصوراً مثل الشركاء في الأشقاص في دار أو أرض، وقد يكون متعدداً غير محصور.
وذلك في حقوق أصحاب الأوصاف، كالجيش والفقراء وطلبة العلم فيما جعل لهم، وكالمرعى للقبيلة، وفي الحقوق العامة للمسلمين مثل حق بيت المال. ومتى طلب بعض المتعدد انفراده بما يختص به من الحق أجيب إليه, لأنه الأصل فيما يقبل التجزئة.
وقد يؤول التصرف في بعض أصناف هذا النوع إلى إقامة أمناء على استعمال الحق المشترك. وهو ما سنتكلم عليه في المقصد من وضع الحكام (١).
تنبيه ثان: إن سَلْبَ الحق لمن تبيّن أنه غير أهل له مقصد شرعي. وقد يرجع إلى المراتب المتقدمة، مثل سلب الحق عمن لا تساعده الخلقة على نواله، ومنه سلب حق الجهاد عن النساء كما في الحديث المفسر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (٢).
стр. 1684
وللعلماء في أمثلة من هذا اختلافٌ، مثل سلب حق القضاء عن المرأة (١).
وقد يكون سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقّين إياه على جانب آخر، كما تقدم في المرتبة السادسة.
وقد يكون سَلْبُ الحق لأجل ثبوت حقّ آخر، كما تقدم في المرتبة الثالثة والمرتبة الرابعة. ومن هذا أيضاً: سَلْبُ حقّ التصرف في المال عن المعتوه، وهو يرجع إلى زوال ما في الخلقة من المقدرة على تدبير الأمور. وسَلْبُ حقِّ التصرف أيضاً عن السفيه، وهو يرجع إلى شيء من هذا، مع مراعاة حق صاحب المال الذي لا يستطيع حفظَ حقه، ومراعاة حقوق عائلته وورثته.
تنبيه ثالث: لا يُنتزع الحق من مستحقّه إلَّا لضرورة تقيم مصلحةً عامة، كأخذ أرض للحِمى أو لنزول جيش يدفع عن الأمة، وإلَّا لِدَفعه في قضاء حق آخر انتفع به المنتزَعُ منه كبيع القاضي رَبع المدين، وإلَّا لِحق مرجَّح كالشفعة.
стр. 1685
د - مقاصد أحكام العائلة
انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جامعتها. فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها. وكان ذلك من أول ما عُني به الإنسان المدني في إقامة أصول مدنيته بإلهام إلهي روعي فيه حفظ الأنساب من الشك في انتسابها، أعني أن يثبت المرء انتساب نسله إليه كما قد أشرنا إليه في مبحث أنواع المصلحة المقصودة من التشريع (١).
ولم تزل الشرائعُ تُعنى بضبط أصل نظام تكوين العائلة الذي هو اقتران الذكر بالأنثى المعبَّر عنه بالزواج أو النكاح. فإنه أصل تكوين النسل، وتفريع القرابة بفروعها وأصولها. واستتبع ذلك ضبط نظام الصهر، فلم يلبث أن كان لذلك الأثرُ الجليل في تكوين نظام العشيرة فالقبيلة فالأمة. فمن نظام النكاح تتكون الأمومة والأبوة والبنوة. ومن هذا تتكون الأخوة وما دونها من صور العصبة. ومن امتزاج رابطة النكاح برابطة النسب والعصابة تحدث رابطة الصهر. وجاءت شريعة الإِسلام مهيمنة على شرائع الحق، فكانت الأحكام التي شرعتها للعائلة أعدل الأحكام وأوثقها وأجلّها.
ولا جرم أن الأصل الأصيل في تشريع أمر العائلة هو إحكام آصرة النكاح، ثم إحكام آصرة القرابة، ثم إحكام آصرة الصهر، ثم إحكام كيفية انحلال ما يقبل الانحلال من هذه الأواصر الثلاث.
стр. 1686
هـ - آصرة النكاح
لما أراد مبدع الكون بقاء أنواع المخلوقات جعل من نظام كونها ناموس التولد. وجعل من ذلك الناموس داعية جبلية تدفع أفراد النوع إلى تحصيله بدائع من أنفسها غير محتاج إلى حدوٍ إليه أو إكراه عليه، ليكون تحصيل ذلك الناموس مضموناً، وإن اختلفت الأزمان والأحوال. وتلك الداعية هي داعية ميل ذكور النوع إلى إناثه.
وقد ميّز الله تعالى نوع الإنسان بالاهتداء إلى الفضائل والكرامات واستخلاصها من بين سائر ما يحفُّ بها من شريف الخصال ورذيل الفعال. وجعل له العقل الذي يعتبر الأعمالَ باعتبار غاياتها ومقارناتها، وأخذه منها لبابها كيفما اتفق. فبينما كان قضاء شهوة الذكور مع الإناث اندفاعاً طبيعياً محضاً لم يلبث الإنسان منذ النشأة الموفقة أن اعتبر ببواعثه وغاياته ومقارنتها، فرأى في مجموع ذلك حباً ووداً ولطفاً ورحمة وتعاوناً وتناسلاً واتحاداً وإقامةً لنظام العائلة ثم لنظام القبيلة ثم الأمة. وفي خلال تلك المعاني كلها معان كثيرة من الخير والصلاح والعلم والحضارة. فألهم إلى أن تلك الداعية ليست هي بالنسبة إلى نوعه كحالها بالنسبة إلى بقية أنواع الحيوان الذي لا يفقه منها غير اندفاع الشهوة. وعَلِم أن مراد خالقه من إبداعها في نوعه مراد أعلى وأسمى من المراد في إيداعها في الأنواع الأخرى. فأخذ الإنسانُ بإرشاد هداته وإعانة امتثاله يكسو هاته الداعية إهاباً غير الإهاب الذي برزت فيه بادئ بدء الخلقة. فإن
стр. 1687
المحامد والغايات السامية التي أثمرتها هذه الداعية صيرت جذرها الأول شيئاً ضئيلاً في جنب ما حبي به من عظيم الكمالات. فأصبح بحق مشرَّفاً بشرف آثاره ونتائجه.
وقد أشار إلى هذا التطور قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١).
فاعتبر قوله: ﴿مِنْهَا﴾ وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ﴾ وقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ وقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، فإن ذلك كله مظاهر اهتداء إلى ما في تلك الحالة من الفضائل والعواقب الصالحة.
كما تكون تلك الداعية الشهوانيّة أمراً ذميماً إذا حفّت بها آثار قبيحة سيئة مثل مفاسد الزنا والبغاء والوأد والاستهتار والتهتك. وتلك المذمات قد كانت مغضوضاً عن قبحها في الجاهلية كما في بعض العوائد السخيفة. أخرج البخاري في صحيحه من حديث عروة عن عائشة ﵂: "أنها أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء:
فنكاح منها هو نكاح الناس اليوم يخطبُ الرجل إلى الرجل وَلِيَّتَه أو ابنته فَيُصْدِقها ثم يَنكِحها.
ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهُرت من طَمْثِها: "أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه"، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه. فإذا تبيَّن حملُها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد. فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.
стр. 1688
ونكاح آخر يجتمع الرهطُ ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلُّهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فَيُلْحَقُ به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا، وكُنَّ ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن. فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها اجتمعوا لها، ودعوا لهم القافّة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون. فالتاطَ به ودُعي ابنُه ولا يمتنِع من ذلك. فلما بعث سيدنا محمَّد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم" (١) اهـ.
وقد اقتصرت في حديثها على ما هو متعارفُ جَهْرٍ بينهم. ولم تذكر السفاح والمخادنة المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢) مقتصراً القرآن على هذين, لأن تلك التي في حديث عائشة كانت مباحة في الجاهلية فأبطلت. فأما ما يقع سرّاً وهو السفاح والمخادنة (٣) * فلم يكن مباحاً في الجاهلية، إذ كان أولياء النساء والبنات لا يقرّون ذلك. قال امرؤ القيس:
تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشرًا ... عَليَّ حراصاً لو يشرُّون مقتلي (٤)
стр. 1689
وقال عبد بني الحسحاس:
وهن بنات القوم إن يشعروا بنا ... تكن في بنات القوم إحدى الدهارس (١)
في: تعليلية، والدهارس: المصائب. وكانت عندهم علاقة أخرى تقرب من السر وهو الضماد (٢) *. وعند غير العرب من الأمم كيفيات أخرى عديدة.
فكان اعتناء الشريعة بأمر النكاح من أسمى مقاصدها, لأن النكاح جِذم نظام العائلة. وأن مقصدها منه قصرُ الأمة على هذا الصنف من الزواج دون ما عداه مما حكي في حديث عائشة.
وحقيقته، هو اختصاص الرجل بامرأة أو نساء هُن قرارات نسله حتى يثق من جراء ذلك الاختصاص بثبوت انتساب نسلها إليه. فإن هذا الاختصاص حفّت به أشياء منذ القدم كانت وازعة للمرأة عن الوقوع فيما يفضي إلى اختلاط النسب. تلك الوازعة هي حصانة
стр. 1690
المرأة في نفسها بحسب نشأتها وتربيتها ودينها. وحصانة مقرها بحسب صيانة زوجها إياها، وذب جيرتها عنها, لأنهم أمثال لحال زوجها. ولذلك لم تر الشريعة نقض ما انعقد من عقود هذا النكاح في الجاهلية لأنه كان جارياً على تلك الأحوال الكاملة.
وليس من مقصد الإِسلام فيه لزوم أن يقصد المتعاقدان من عقدهما أنهما يجريان فيه على امتثال الوصايا الشرعية المعبر عنه بالنية، إذ ليس للنيّة مدخل في تقوية تلك الاعتبارات الناشئة على الشعور الغالب بالرُّجلة والمروءة.
بَيْدَ أن الشريعة زادت عقدة النكاح تشريفاً وتنويهاً لم يكونا ملحوظين قبلها، إذ اعتبرتها أساساً لهذه الفضائل، ليزيدها المقصد الديني تفضيلاً وحرمة في نفوس الأزواج وفي نظر الناس، بحيث لم يبق معدوداً في عداد الشهوات. وقد نبّه الأمة لذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١).
وقد ظهر من جميع ما تقدّم أنّ صورة التعاقد في تكوين صلة النكاح على الوجه الأكمل صورة عرضت له من الحرص في تحقق معنى رضى المرأة وأهلها بذلك الاجتماع، وفي تحقق حسن قصد الرجل معها من دوام المعاشرة وإخلاص المحبة، وإلَّا فقد كان الزواج يحصل في أول تاريخ المدنية بمجرد الانسياق بين الرجل والمرأة والمراودة والمرضاة من كليهما حتى يطمئن كل إلى الآخر، ويستقر أمرهما على الوفاق والإلف وبناء العائلة والنسل.
стр. 1691
وقد استقريت ما يستخلص منه مقصد الشريعة في أحكام النكاح الأساسية والتفريعية فوجدته يرجع إلى أصلين:
الأصل الأول: اتضاح مخالفة صورة عقدهِ لبقية صور ما يتفق في اقتران الرجل بالمرأة.
الأصل الثاني: أن لا يكون مدخولاً فيه على التوقيت والتأجيل.
فأما الأصل الأول فقد اتضح لك أمره مما قدمناه آنفاً، وقد راعت الشريعةُ فيه تلك الصور المشروحة في حديث عائشة ﵂ التي قِوامُها التفرقة بين النكاح وبين غيره من المقارنة المذمومة المعرَّضة للشك في النسب. وقوامُ ذلك يحصل بثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يتولّى عقدَ المرأة وليٌّ لها خاصٌّ إن كان أو عامٌّ, ليظهر أن المرأة لم تتولَّ الركون إلى الرجل وحدها دون علم ذويها, لأن ذلك أول الفروق بين النكاح وبين الزنا والمخادنة والبغاء والاستبضاع. فإنها لا يرضى بها الأولياء في عرف الناس الغالب عليهم، ولأن تولّي الوليّ عقد مولاته يهيئه إلى أن يكون عوناً على حراسة حالها وحصانتها، وأن تكون عشيرتُه وأنصارُه وغاشيتُه وجيرتُه عوناً له في الذبّ عن ذلك [وهذا متفق عليه في الجملة بين فقهاء الأمصار فيما به الفتوى] (١).
واشتراط الولي في عقد النكاح هو قول جمهور فقهاء الأمصار. وقال أبو حنيفة: هو شرط في نكاح الصغير والمجنون والرقيق (٢). والوليّ العام القاضي إن لم يكن للمرأة وليّ من العصبة.
стр. 1692
الأمر الثاني: أن يكون ذلك بمهر يبذله الزوج للزوجة. فإن المهر شعار النكاح لأنه أثر من المعاملات القديمة عند البشر التي كان النكاح فيها شبيهاً بالملك. وكانت الزوجة شبيهة بالرقيق. فليس المهر في الإِسلام عوضاً عن البضع كما يجري على ألسنة الفقهاء على معنى التقريب، إذ لو كان عوضاً لروعي فيه مقدار المنفعة المعوض عنها, ولوجب (١) تجدد مقدار من المال كلّما تحقق أن المقدار المبذول قد استغرقته المنافع الحاصلة للرجل في مدة من مدد بقاء الزوجة في عصمته، مثل عوض الإجارة، ولو كان ثمنَ المرأة لوجب إرجاعُها إياه للزوج عند الطلاق.
كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٢) الآية. فهو عطية محضة، ولكن المهر شعار من شعار النكاح وفارق بينه وبين الزنا والمخادنة. ولذلك سماه الله تعالى نحلة. فقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣). فأما تسميته أجراً في قوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤) فمؤول (٥). ومن أجل هذا حرم نكاح الشغار لخلوّه من المهر. وقد اصطبغ النكاح في صورته الشرعية بصبغة العقود من أجل الإيجاب
стр. 1693
والقبول، وصورة المهر. وما هو إلَّا اصطباغ عارض. ولذلك قال علماؤنا: "النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة" (١).
ولست أريد بهذا أن الشريعة لم تلتفت إلى ما في الصداق من المنفعة الراجعة إلى الزوجة، ولكني أردت أن ذلك ليس هو المعنى الأول في نظر الشريعة، وإلَّا فأنا أعلم أن محاسن المرأة ومحامدها نعمة منَّ الله بها عليها، وخوّلها حقّ الانتفاع بها من أجل رغبات الرجال في استصفائها. فللمرأة حقّ في أن يكون صداقُها مناسباً لنفاستها, لأن جمال المرأة وخلقها من وسائل رزقها. ولذلك لم يكن للوصي والسلطان تزويج اليتيمة بأقل من صداق مثلها.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢).
فمعنى ترتّب هذا الجواب على هذا الشرط هو ما ورد عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن ذلك فقالت: "هي اليتيمة تكون في حجر وليّها [تشركه في ماله] فيعجبه مالها وجمالها، فيريد [وليّها] أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فَنُهُوا [عن] أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن
стр. 1694
من الصداق. فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. [قال عروة: و] قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (١). والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب هو الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٢) الآية. فقوله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٣) يعني رغبة أحدهم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال. [قالت عائشة:] فَنُهُوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها [من يتامى النساء] إلَّا بالقسط من أجل أنهم يرغبون عن نكاح اليتامى من اللاتي يكن قليلات المال والجمال" (٤) اهـ.
فعلمنا أن انتفاع المرأة بالصداق وبمواهبها التي تسوق إليها المال شيء غير ملغى في نظر الشريعة, لأنه لو أُلغيَ لكان إلغاؤه إضراراً بالمرأة. ولذلك قال الله في شأنه: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي أن لا تعدلوا. فسماه بما يساوي الجور.
الأمر الثالث: الشهرة, لأن الإسرار بالنكاح يقرّبه من الزنا, ولأن الإسرار به يحول بين الناس وبين الذبّ عنه واحترامه، ويعرَّض النسل إلى اشتباه أمره، وينقص من معنى حصانة المرأة. نعم قد يدعو داعٍ
стр. 1695
إلى الإسرار به عن بعض الناس مثل الضرة المغيارة. فلذلك قد يُغتفر إذا استُكمل من جهة أخرى مثل الإشهاد وعلم كثير من الناس. وقد قيل: إن المتواصى بكتمانه المطلق نكاح سر، ولو كان الشهود ملءَ الجامع. وفيه خلاف والأظهر أن السرّ في مثل ذلك مبطل (١)، وأما الإسرار به عن بعض الناس فلا يضرّ. ويجب النظر في أن التوثيق بتسجيل الإشهاد لعقد النكاح تسجيلاً يقطع تأتّي إنكاره أو الشك فيه هل يقوم مقام الشهرة في معظم حكمتها؟ فذلك مجال للاجتهاد.
فالشهرة بالنكاح تحصَّل معنيين:
أحدهما: أنها تحث الزوج على مزيد الحصانة للمرأة إذ يعلم أن قد علم الناس اختصاصه بالمرأة فهو يتعيّر بكل ما تتطرق به إليها الريبة.
الثاني: أنها تبعث الناس على احترامها وانتفاء الطمع فيها إذ صارت محصنة. وقديماً قال عنترة:
يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حلّت له ... حَرُمت عليّ وليتها لم تَحرُمِ (٢)
أراد أنها صارت ذات زوج فمنع هو من التطرق إليها مروءة.
ومن أجل هذا الأصل الذي ذكرناه جعل القرآن النكاح
стр. 1696
إحصاناً، فسمّى الأزواج محصِنين بصيغة اسم الفاعل، وسمّى الزوجات محصَنات بصيغة المفعول. فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (١)، وقال: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢). وأطلق على النساء ذوات الأزواج لقب المحصَنات. وقال: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٣) بالبناء للنائب، أي أحصنهن الزواج. وفي غير هذه الآيات أيضاً (٤).
وأما الأصل الثاني: فإن الدخول في عقدة النكاح على التوقيت والتأجيل يقرّبه من عقود الإجارات والأكرية، ويخلع عنه ذلك المعنى المقدس الذي ينبعث في نفس الزوجين من نية كليهما أن يكون قريناً للآخر ما صلح الحال بينهما، فلا يتطلبا إلَّا ما يعين على دوامه إلى أمد مقدور. فإن الشيء المؤقّت المؤجل يهجس في النفس انتظارَ مَحِلِّ أجله، ويبعث فيها التدبير إلى تهيئة ما يخلفه به عند إبان انتهائه. فتتطلع نفوس الزوجات إلى رجال تعدنهم وتمنينهم، أو إلى افتراض في مال الزوج. وفي ذلك حدوث تبلبلات واضطرابات فكرية، وانصراف كل من الزوجين عن إخلاص الود للآخر. وهذا يفضي لا محالة إلى ضعف تلك الحصانة التي ألمحنا إليها آنفاً. ولذلك رُخِّص نكاح المتعة في صدر الإِسلام ثم نُسِخ يوم خيبر (٥).
стр. 1697
واتفق جمهور علمائنا على بطلانه وفسخه. ومن العلماء من شذّ فجوّزه، قيل: مطلقاً وينسب إلى الشيعة الإمامية (١)، وقيل: في ضرورة السفر خاصة. وكأن قائل هذا ينظر إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين خشية الوقوع في الزنا. وينسب إلى ابن عباس نسبة مشهورة (٢).
стр. 1698
ولما استقام معنى قداسة عقدة النكاح في نظر الشرع أمر الزوجين بحسن المعاشرة وبالقوامة على النساء. وجعل الإضرار باختلال ذلك مفضياً إلى فسخ عقدة النكاح بحكم الحاكم بالطلاق إذا ثبت الضرر. ففي القرآن: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). وقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٣).
стр. 1699
وأحسب أن تحديد تعدد الزوجات إلى الأربع، دون زيادة، ناظرة إلى تمكين الزوج من العدل وحسن المعاشرة، كما أومأ إليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١). حكم وجوب إنفاق الرجل على زوجه ولو كانت غنية تحقيقٌ لآصرة الزوجية، كما أن جعل الزوجية سبب إرث تحقيق لقوة تلك الآصرة.
стр. 1700
و - آصرة النسب والقرابة
تبتدئ آصرة القرابة بنسبة البنوّة والأبوّة، [فعن اتصال الذكر بالأنثى نشأ النسل] (١) ولكن النسل المعتبر شرعاً هو الناشئ عن اتصال الزوجين بواسطة عقدة النكاح المتقدمة المنتفي عنها الشك في النسب. واستقراء مقصد الشريعة في النسب أفادنا أنها تقصد إلى نسب لا شك فيه ولا محيد به عن طريقة النكاح بصفاته التي قررناها. فأما ما كان قبل الإِسلام من الأنساب المعتبرة في اصطلاحهم الناشئة من بغاء أو استبضاع أو نحوهما مما عدا النكاح فقد أقرته الشريعة اعتماداً على ثقة أهل الجاهلية به, لأن الثقة بالنسل قبل تحديد قواعد النكاح في الإسلام موكولةٌ إلى ما في الجبِلّة من إباية الناس التحاقَ من ليس من نسبهم بهم. فأصناف المقارنة الواقعة في الجاهلية قد اختلط نادرها بغالب الأنساب الصحيحة, وقد وثق أهلها بالأنساب الملحقة بهم من جرائها. وفي التنقيب عنها وتمحيصها تعذر أو تعسر لا يحسن الاشتغال به وإحداث فتنة فيه، ولأنه يصير ذريعة إلى طعن بعض الناس في أنساب بعضِ التي نشأت في حالة قلة ضبط فلم تهتم الشريعة إلَّا بإبطال الكيفيات التي من شأنها تطرق الشك إليها حتى لا يعود إليها الناس في الإسلام.
وأُلحِق التسرِّي بالنكاح في صحّة النسب الناشئ عنه, لأن
стр. 1701
السيد إذا اتخذ أمته سُرِّيّة له حاطها من حراسته بأقوى مما يحوط به إماء الخِدمة بدافع مركب من الجبلة والعادة. فإذا صارت أمَّ ولد له صارت لها أحكام خاصة.
ولم ترخّص الشريعة في أن يتزوّج الحر الأمة إذا كان يجد طَوْلاً ولم يخش عنتاً، لما في اجتماع سيادتين على المرأة من شبه تعدد الرجال للمرأة الواحدة, لأن سيادة سيد الأمة تثلم تَحققَ حصانتها. ورخصت للعبد أن يتزوج الأمة إذ لا ترضى الحرائر في الغالب بتزوج العبد. ورخصت للحر أن يتزوج الأمة إن خشي العنت ولم يجد طَوْلاً لأجل ضرورة.
ولا شك عندي في أن حفظ النسب الراجع إلى صدق انتساب النسل إلى أصله سائقٌ النسلَ إلى البر بأصله، والأصلَ إلى الرأفة والحنو على نسله سوقاً جبلياً، وليس أمراً وهمياً. فحرص الشريعة على حفظ النسب وتحقيقه، ورفع الشك عنه، نظر إلى معنى عظيم نفساني من أسرار التكوين الإلهي، علاوة على ما في ظاهره من إقرار نظام العائلة، ودرء أسباب الخصومات الناشئة عن المغيرة المجبولة عليها النفوس، وعن تطرق الشك من الأصول في انتساب النسل إليها والعكس. وأُلحقت آصرةُ الرضاع بآصرة النسب بتنزيل المرضعة منزلة الأم، وتنزيل الرضيع منزلة الأخ بقوله تعالى في عد المحرّم تزويجه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١) وبقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢).
ثم نشأ عن قداسة آصرة القرابة إكساؤها إهاب الحرمة والوقار.
стр. 1702
فقررت الشريعة معنى المحرمية بالنسب، وهو تحريم الأصول والفروع في النكاح، حتى تكون القرابة التامة مرموقة بعين ملؤها عظمة ووقار وحب بجلال لا يخالطه شيء من معنى اللهو والشهوة. فلأجل ذلك حرم نكاح القرابة المنصوص عليها.
وحكمة تحريم ما حرم تزوجُّه مختلفة بحسب اختلاف أنواع المحرّمات.
فأما المحرمات بالنسب فقال الفخر في تفسيره: "ذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم أن الوطء إذلال وإهانة، فإن الإنسان يستحيي من ذكره. فوجب صون الأمهات عنه" (١). وكذلك القول في البقية.
أقول: وتحرير ذلك، حيث كان معظم القصد من النكاح الاستمتاع كانت مخالطة الزوجين غير خالية من نبذ الحياء. وذلك ينافي ما تقتضيه القرابة من الوقار لأحد الجانبين والاحتشام لكليهما. وذلك ظاهر في أصول الشخص وفروعه وفي صنوان أصوله من عمة أو خالة. وأما صنوان الشخص وهم الإخوة والأخوات فلقصد إيجاد معنى الوقار بينهما.
أما محرّمات الصهر فبعضها إلحاق بالنسب مثل أم الزوجة فإنها
стр. 1703
حرام ولو كانت ابنتها ميِّتة (١)، والربيبة التي دخل بأمها.
وبعضها لدفع ما يعرض من شقاق يفضي إلى قطع الرحم بين من قَصَدت الشريعة قوةَ الصلة فيه. ولهذا لا يجمع بين الأختين، والمرأة مع عمتها أو خالتها (٢).
وأما المحرّمات للرضاع فلأن آصرة الرضاع نزلت منزلة النسب لقول النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٣).
وأما المحرّمات لأجل حقّ الغير فأمرهن ظاهر. ومنها إدخال الأمَة على الحرة على أحد القولين في مذهب مالك أن منعه لما فيه من الضرر للحرة.
وأما الملاعنة فلأن ما جرى بين الزوجين من الملاعنة يتعذّر بعده حسن المعاشرة بينهما.
وأما عدم الدين السماوي: فلأن التجافي بين الاعتقادين واسعُ البون بين دين الإِسلام والأديان غير الإلهية، بخلاف الأديان الإلهية.
ومنها ما هو حقّ الله، مثل المطلَّقة ثلاثاً على من طلّقها إذا لم يدخل بها زوج بعد طلاق الثلاث، والمملوكة والمسترقة للذي يجد طَوْلاً.
стр. 1704
ومنها إدخال الأَمَة على الحرّة عند أبي حنيفة (١)، واحد القولين عن مالك (٢).
وإذ كانت المرأة هي قرارة النسل لم تُبِحْ الشريعة تعدُّدَ الأزواج للمرأة، وأباحت تعدد الزوجات للرجل إلى حد معين. وأباحت للرجل التسرِّي ولم تبحه للمرأة. أما المرأة ذات الزوج فلنفس العلة
стр. 1705
التي لم تُبحْ بها تعدد الأزواج للمرأة الواحدة، وأما غير ذات الزوج فللعلة التي منعت بها تزوجَ الحر الأمة إذا وجد طَوْلاً أو لم يخش العنت كما قدمنا، وهي أن عبد المرأة لا يغار على نسبه منها.
وفي قواعد حفظ النسب في الأحوال التي مضت في الجاهلية، وفي التحديدات التي جاء بها الإِسلام نظرةٌ عظيمة إلى حفظ حقوق النسل عن تعريضها للإضاعة والتلاشي وفساد النشأة التي لا تصاحبها الرعاية.
ومن مُتمِّمات تقوية آصرة القرابة أحكامُ النفقة على الأبناء والآباء باتفاق، وعلى الأجداد والأحفاد عند بعض الأئمة (١)، وجعلُ
стр. 1706
القرابة سببَ ميراث على الجملة (١). والأمرُ ببر الأبوين وبصلة الأقارب وذوي الأرحام مما لا يعرف نظيره في الشرائع السالفة. والترخيص في أن يطعم المرء في بيت قرابته دون دعوة ولا إذن، قال
стр. 1707
تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ (١) الآية.
ومن ذلك حكم إبداء الزينة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (٢) الآية، فعدّ آباء البعولة وأبناء البعولة والإخوان وبني الإخوان وبني الأخوات. ويقاس عليه بالمساواة الأنثى من هذه المراتب كلها مثل أم الزوجة بالنسبة إلى زوج ابنتها وبنت الأخ بالنسبة إلى عمها.
ومن حقوق آصرة النسب الميراث وسنتكلم عليه (٣).
стр. 1708
ز - آصرة الصهر
نشأت آصرة الصهر عن آصرتي النسب والنكاح كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (١)، وعن تحقيق معنى الجلال والوقار المقصودين في حب القرابة كما تقدم.
فالصِّهر آصرة بقرابة أهل آصرة النكاح كالربائب وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وأم الزوجة، أو بنكاح أهل آصرة القرابة كزوجة الابن وزوجة الأب.
نشأت رابطةُ الصهر بوصفيها أعني الصهر القريب والصهر البعيد فجعلت أمَّ الزوجة وابنتَها محرّمتين على الزوج، وأبا الزوج وابنَه محرمين على الزوجة، نظراً للحرمة المركبة من قرابة أولئك بالزوجة أو الزوج ومن صهرهما للزوج أو الزوجة. وحرَّمت الشريعةُ زوجة الابن علي الأب وزوجة الأب على الابن. وليس المقصد من ذلك مجرد حفظ أواصر المودة بين الشخص المحرم وبين الشخص الذي وقع التحريم بسببه، فإنا وجدنا تحريم الصهر مستمراً بعد موت الشخص الذي وقع التحريم بسببه بله فراقه، عدا تحريم الجمع بين الأختين. فهذا هو الصهر القريب.
وأما الصهر البعيد فمراتب: منه ما يحرم؛ وفيه الجمع مثل الأختين، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، ومنه ما لا يحرم بحال لضعف آصرته.
стр. 1709
ح - طرق انحلال هذه الأواصر الثلاث
قد جعلت الشريعة لكل آصرة وسيلةً إلى انحلالها إذا تبيّن فساد تلك الآصرة أو تبيّن عدم استقامة بقائها. وهي مندرجة في المقصد العام من ذلك المذكور في مقصد العقود والفسوخ. وغرضنا الآن بيان انحلال آصرة النسب والصهر، إذ ليسا بعقدين، وبيان انحلال آصرة النكاح، إذ كان معنى التعاقد فيه عارضاً غير مقصود. وكان النكاح قد وضع في منزلة أسمى من منازل العقود كما قدمناه في الكلام على آصرته. ولذلك اشتهر عند الفقهاء: "النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة" (١).
فانحلال آصرة النكاح: بالطلاق من تلقاء الزوج، وبطلاق الحاكم، وبالفسخ. والمقصد الشرعي فيه ارتكاب أخف الضرر عند تعسُّر استقامة المعاشرة، وخوف ارتباك حالة الزوجين، وتسرب ذلك
стр. 1710
إلى ارتباك حالة العائلة. فكان شرع الطلاق لحل آصرة النكاح. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (١).
وجعل أمر الطلاق بيد الرجل من الزوجين لأنه في غالب الأحوال أحرصُ على استبقاء زوجه وأعلق بها وأنفذ نظراً في مصلحة العائلة. على أنه قد جعل للمرأة الوصول إلى الطلاق بطريق الخلع، أو بطريق الرفع إلى الحاكم إن حصل إضرار. كما جعل للمرأة أيضاً مخلصاً مما عسى أن يكون في بعض الرجال، أو في عرف بعض القبائل أو العصور من حماقة أو غلظة جلافة، أو تسرع إلى الطلاق اتباعاً لعارض الشهوات، بأن تشترط أن يكون أمر طلاقها بيدها، أو أمر الداخلة عليها بيدها، أو إن أضرَّ بها فأمرها بيدها، أو نحو ذلك.
وفي الحديث الصحيح: "أحق الشروط أن يوفّى به ما استحللتم عليه الفروج" (٢). وقد قال سعيد بن المسيب بإبطال الشروط اللاحقة
стр. 1711
لعقدة النكاح مطلقاً (١) *. وقال مالك بناء عليه: إن الشرط إذا انعقد عليه النكاح كان شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم (٢)، بناء على إلزام المرء بما التزم به، ولأنه مما يشمله لفظ الحديث (٣) *. [وهو مدرك ضعيف. وكيف يقع التطوع
стр. 1712
بمحض اختيار الزوج وقد سماه الرسول ﷺ شرطاً، وقال إنه أحق الشروط أن يوفى به. على أنه إذا كان على الطوع كان أحق بأن لا يلزم الوفاء به من الذي اشترطته المرأة، وما تزوجت إلا على اعتباره] (١).
وأما حكم الحاكم بالطلاق أو بالفسخ فلأجل الضرر، أو لكون النكاح وقع على غير الصفة التي عيّنت له في الشرع.
وانحلال آصرة النسب نيط بآصرة البنوّة لأنها أصل النسب كما قلنا، وعلى نحوها تثبت الأبوّة والأمومة ثم بقية تفاريع النسب. فإذا تقررت البنوّةُ تقرّر ما سواها وإذا انتفت انتفى.
стр. 1713
وإطلاق اسم الانحلال على إبطال آصرة النسب فيه تسامح، لأنه ليس بانحلال ما كان منعقداً، ولكنه كشف لبطلان ما كان يُظنّ أنه نسب. فأما النسب الثابت فلا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً.
ولهذا الانحلال طريقان: أولهما اللعان، وثانيهما إثبات انتساب الولد إلى أب غير الذي ينسبه إلى نفسه أو ينسبه الناس إليه. فأمّا اللعان فأحكامه مقررة في الفقه.
وقد ألغى الرسول ﵊ الاعتماد في نفي النسب على عدم الشبه بالأب لأنه ليس بسبب صحيح (١) *. وقد كان العرب
стр. 1714
وكثير من الأمم يغلطون في ذلك ويبنون عليه الطعن في الأنساب جهلاً.
وأما الطريق الثاني، وهو إثبات انتساب ولد إلى أب غير الذي ينتسب إليه أو ينسبه الناس إليه، فقد ابتدأ ذلك في الشريعة الإِسلامية بإبطال ما كان من التبنّي بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١). فذلك رجع بالناس إلى ما يعلمون من إثبات أنساب الأدعياء إلى آبائهم الأصليين، مثل زيد بن حارثة (٢)، إذ كان يدعى زيد بن محمَّد ﷺ . ومثل سالم مولى أبي حذيفة (٣) إذ كان يدعى ابن أبي
стр. 1715
حذيفة. فكان ذلك حقاً مستمراً لكل من يجد نسباً غيرَ حقّ أن يُثبت انتسابه الحق، وينفي انتسابه غير الحق بالبينة الظاهرة أو بالإقرار الذي لا تهمةَ فيه.
وقد حفظت الشريعة في هذا الطريق الثاني حق الولد المنتسب أن يدافع عن نسبه، ولذلك قال علماؤنا بأن لا تعجيز في حق إثبات النسب.
وانحلال آصرة الصهر تابع لانحلال آصرة أصل منشئه على تفصيل فيه. فمنه انحلال تام مثل أخت المرأة وعمّتها وخالتها إذا انفكت عصمة تلك المرأة بموت أو طلاق، ومنه ما لا انحلال فيه مثل أم الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والربائب.
стр. 1716
ط - مقاصد التصرفات المالية
ما يُظَنُّ بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها إلَّا أن يكون لثروة الأمة في نظرها المكان السامي من الاعتبار والاهتمام. وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها، والمشيرة إلى أن به قِوامَ أعمالها وقضاءَ نوائبها، نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتُها يقينًا بأن للمال في نظر الشريعة حظاً لا يستهان به.
وما عَدُّ زكاة الأموال ثالثةً لقواعد الإِسلام وجعلُها شعارَ المسلمين، وجعلُ انتفائها شعارَ المشركين في نحو قوله تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١)، ونحو قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٢) * إلَّا تنبيه على ما للمال من القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً.
وقال الله تعالى في معرض الامتنان: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٣).
стр. 1717
وقال في معرض المواساة بالمال ثناءً وتحريضاً: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١)، ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ (٦)، وقال: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٧) أي: يسافرون في التجارة، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٨) أي تتّجروا في أشهر الحج، وقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (٩).
ونبّه على ما في المال من قضاء نوائب الأمة فقال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١٠)، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١١).
стр. 1718
وقال رسول الله ﷺ : "إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة (١) *، ونعم عون الرجل الصالح هو ما أطعم منه الفقير" الحديث. وقال: "إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا. وأشار بيده إلى البذل" (٢)، وقال: "ما يَنقِمُ ابن جميل إلَّا أنه كان فقيراً فأغناه الله" (٣). وفي صحيح مسلم: أن أناساً من أصحاب
стр. 1719
رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور (١) * يُصلُّون كما نصلّي ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم، قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة" ... إلى أن قال: فرجع الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثل ما فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٢).
وفي الحديث: "إن لله ملَكاً يدعو: اللهم أعط منفقاً خلفًا ومُمسكاً تلفاً" (٣). فحرض على الإنفاق بوعد الخَلف للمال، وحذّر
стр. 1720
من الإمساك بوعيد التلف. وقال رسول الله ﷺ لكعب بن مالك: "أمسك بعض مالك فهو خير لك" (١). وقال لسعد بن أبي وقاص: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس" (٢) إلى غير ذلك من أدلة طافحة.
وإنما أَفَضْتُ في ذكر الأدلة لإزالة ما خامر نفوسَ كثير من أهل العلم من توهم أن المال ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاءً، وأنه غير لاق من معاملتها إلا رفضاً.
لكن الجانب الروحاني من الشريعة المنبّه على جعل انصراف الهمّة إلى الفضائل النفسانيّة والكمالات الخُلقيّة في الدرجة الأولى. والداعي الشيطاني العارض غالباً للمستدرجين من أهل الثروة والمال بوضع ذلك في أساليب كفران نعمة الرزّاق دون وضعها في مواضع