← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

ط - مقاصد التصرفات المالية ما يُظَنُّ بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها إلَّا أن يكون لثروة الأمة في نظرها المكان السامي من الاعتبار والاهتمام. وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها، والمشيرة إلى أن به قِوامَ أعمالها وقضاءَ نوائبها، نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتُها يقينًا بأن للمال في نظر الشريعة حظاً لا يستهان به. وما عَدُّ زكاة الأموال ثالثةً لقواعد الإِسلام وجعلُها شعارَ المسلمين، وجعلُ انتفائها شعارَ المشركين في نحو قوله تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١)، ونحو قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٢) * إلَّا تنبيه على ما للمال من القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً. وقال الله تعالى في معرض الامتنان: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (٣).

стр. 1717

وقال في معرض المواساة بالمال ثناءً وتحريضاً: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١)، ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢)، وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ (٦)، وقال: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٧) أي: يسافرون في التجارة، وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٨) أي تتّجروا في أشهر الحج، وقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (٩). ونبّه على ما في المال من قضاء نوائب الأمة فقال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١٠)، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١١).

стр. 1718

وقال رسول الله ﷺ : "إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة (١) *، ونعم عون الرجل الصالح هو ما أطعم منه الفقير" الحديث. وقال: "إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا. وأشار بيده إلى البذل" (٢)، وقال: "ما يَنقِمُ ابن جميل إلَّا أنه كان فقيراً فأغناه الله" (٣). وفي صحيح مسلم: أن أناساً من أصحاب

стр. 1719

رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور (١) * يُصلُّون كما نصلّي ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم، قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة" ... إلى أن قال: فرجع الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثل ما فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٢). وفي الحديث: "إن لله ملَكاً يدعو: اللهم أعط منفقاً خلفًا ومُمسكاً تلفاً" (٣). فحرض على الإنفاق بوعد الخَلف للمال، وحذّر

стр. 1720

من الإمساك بوعيد التلف. وقال رسول الله ﷺ لكعب بن مالك: "أمسك بعض مالك فهو خير لك" (١). وقال لسعد بن أبي وقاص: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس" (٢) إلى غير ذلك من أدلة طافحة. وإنما أَفَضْتُ في ذكر الأدلة لإزالة ما خامر نفوسَ كثير من أهل العلم من توهم أن المال ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاءً، وأنه غير لاق من معاملتها إلا رفضاً. لكن الجانب الروحاني من الشريعة المنبّه على جعل انصراف الهمّة إلى الفضائل النفسانيّة والكمالات الخُلقيّة في الدرجة الأولى. والداعي الشيطاني العارض غالباً للمستدرجين من أهل الثروة والمال بوضع ذلك في أساليب كفران نعمة الرزّاق دون وضعها في مواضع

стр. 1721

شكره، قد صرَفا أقوال الشريعة عن الصراحة في الحث على اكتساب المال، وفي بيان محاسن اكتسابه لِمَن أقام نفسه في مقام السعي والكد، لكيلا ينضم حثُّها إلى ما في داعية النفوس من الحرص على المال. تلك الداعية التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (١)، وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية (٢) حذاراً من أن يحصل من اجتماع الداعيتين تكالب الأمة على اكتساب المال والافتتان به، مُعرضين عما خلا ذلك من أسباب الكمال. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) وقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ (٤). وفي الحديث الصحيح: "أخاف عليكم أن تنافسوا فيها كما تنافس الذين من قبلكم فتُهْلِكَكُم كما أهلكتهم" (٥) فشبه التنافسَ

стр. 1722

المحذور بتنافس الذين من قبلنا، وهو التنافس الذي تتمحض له الأمة فتنصرف عن التنافس في الفضائل والأخلاق الحميدة. وربما دحضت كثيراً من صفات الكمال سعياً وراء جلب المال. لذلك اقتنعت الشريعةُ في هذا الشأن بأن لم تنهَ الناسَ عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، وبأن بيَّنت ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد رغبةً ورهبة، وبأن لم تغبن أصحاب الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن هم أنفقوها في مصارفها النافعة. قال الله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢). وفي الحديث: "ما زُكّي فليس بِكَنْز أو ما أُدِيَ زكاتُه فليس بكنز" (٣). وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤). وقد أجمع الصحابة في عهد عثمان بن عفان على مخالفة أبي ذر

стр. 1723

في دعوته الناس إلى الانكفاف عن جمع المال، وإنبائه إياهم بأن ما جمعوه يكون وبالاً عليهم في الآخرة، إذ كان يجهر بذلك في دمشق ويقول: "بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم" (١)، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (٢) الآية. فقال له معاوية بن أبي سفيان أمير الشام: ذلك نازل في أهل الكتاب لا فينا، وما أدّي زكاته فليس بكنز. فيأبى أبو ذر أن ينكفّ عن مقالته حتى شكاه معاوية إلى عثمان، فكتب إليه عثمان أن يرجع إلى المدينة، ثم تكاثر الناس عليه فاختار العزلة في الرَّبَذَة (٣) *. هذا وقد تقرر عند علمائنا أن حفظَ الأموال من قواعد كليات الشريعة الراجعة إلى قسم الضروري. ويُؤخذُ من كلامهم أن نظام نماء الأموال وطرق دورانها هو معظم مسائل الحاجيات كالبيع

стр. 1724

والإجارة والسَّلَم. وقد ألمعنا إلى قاعدة حفظ الأموال ونمائها في مبحث أنواع المصلحة المقصودة من التشريع (١)، وأما تفصيل ذلك فموضعه مبحثنا هذا. وقد أشرت في المبحث المتقدم [إلى] أن المقصد الأهم هو حفظ مال الأمة وتوفيره لها، وأن مال الأمة كان كُلًّا مجموعياً فحصول حفظه يكون بضبط أساليب إدارة عمومه، وبضبط أساليب حفظ أموال الأفراد وأساليب إدارتها. فإن حفظ المجموع يتوقّف على حفظ جزئياته، وإن معظم قواعد التشريع المالي متعلقة بحفظ أموال الأفراد وآئلة إلى حفظ مال الأمة, لأن منفعة المال الخاص عائدة إلى المنفعة العامة لثروة الأمة. فالأموال المداولة بأيدي الأفراد تعود منافعُها على أصحابها وعلى الأمة كلَّها, لعدم انحصار الفوائد المنجرَّة إلى المنتفعين بدوالها. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٢). فالخطاب للأمة أو لولاة الأمور منها. وأضاف الأموالَ إلى ضمير غير مالكيها لأن مالكيها هنا هم السفهاء المنهي عن إيتائهم إياها. وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ يزيد الضميرَ وضوحاً ويزيد الغرضَ تبياناً، إذ وَصَفَ الأموال بأنها مجعولة قيامًا لأمور الأمة (٣) *.

стр. 1725

فالمال الذي يدال بين الأمة ينظر إليه على وجه الجملة وعلى وجه التفصيل. فهو على وجه الجملة حقٌّ للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير. فمن شأن الشريعة أن تضبط نظام إدارته بأسلوب يحفظه مُوزَّعاً بين الأمة بقدر المستطاع، وتعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه بقطع النظر عن كون المنتفع به مباشرة أفراداً خاصة أو طوائف أو جماعات صغرى أو كبرى. ويُنظر إليه على وجه التفصيل باعتبار كل جزء منه حقاً راجعاً لمكتسبه ومعالجه من أفراد أو طوائف أو جماعات معيّنة أو غير معيّنة، أو حقّاً لمن ينتقل إليه من مكتسبه. وهو بهذا النظر ينقسم إلى مال خاص بآحاد وجماعات معيّنة، وإلى مال مرصود لإقامة مصالح طوائف من الأمة غير معيّنين. فالأول من هذا النظر هو الأموال الخاصة المضافة إلى أصحابها. والثاني هو المسمّى في اصطلاح الشريعة بمال المسلمين أو مال بيت المال بمختلف موارده ومصارفه. وقد كان أصلُه موجوداً في زمن النبوءة، مثل: أموال الزكاة، ومثل: أذواد الإبل المعدودة لحمل المجاهدين، واللامة المرصودة للبس المجاهدين. وفي الحديث: "إن خالداً قد احتبس أدرعه وأعْتُدَه في سبيل الله" (١). وكذلك ما جعل لنفع المسلمين. وفي الحديث: "من

стр. 1726

يشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين" (١)، فاشتراها عثمان وجعلها للمسلمين. ولقصد تحصيل الاستبصار في هذا الغرض الجليل، ولندرة خوض علماء التشريع فيه خوضاً يقسّمه ويبيّنه، رأيت حقيقًا عليّ أن أشبع القول فيه وفي أساسه. إن مال الأمة هو ثروتها، والثروة هي ما ينتفع به الناس آحاداً أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضارّ، في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي، انتفاع مباشرةٍ أو وَسَاطة. فقولنا: في مختلف الأحوال والأزمنة والدواعي إشارة إلى أن الكسب لا يعد ثروة إلَّا إذا صلح للانتفاع مددًا طويلة، ليخرج الانتفاع بالأزهار والفواكه. فإنها لا تعتبر ثروة ولكن التجارة فيها تعد من لواحق الثروة. وقولنا: مباشرة أو وساطة, لأن الانتفاع يكون باستعمال عين المال في حاجة صاحبه، ويكون بمبادلته لأخذ عوضه المحتاج إليه من يد آخر.

стр. 1727

وتتقوّم هذه الصفة للمال باجتماع خمسة أمور: - أن يكون ممكناً ادخاره. - وأن يكون مرغوباً في تحصيله. - وأن يكون قابلاً للتداول. - وأن يكون محدود المقدار. - وأن يكون مكتسباً. فأما إمكان الادخار فلأن الشيء النافع الذي يُسرِعُ إليه الفساد لا يجده صاحبه عند دعاء الحاجة إليه في غالب الأوقات، بل يكون مرغماً على إسراع الانتفاع به ولو لم تكن به حاجة. وأما كونُه مرغوباً في تحصيله فذلك فرعٌ عن كثرة النفع به. فالأنعام والحب والشجر في القرى ثروة، والذهب والفضة والجواهر ونفائس الآثار في الأمصار ثروة، والأنعام وأوبارها وأصوافها وأحواض المياه والمراعي وآلات الصيد في البوادي ثروة (١) *.

стр. 1728

وأما قبول التداول، أي التعاوض به فذلك فرعٌ عن كثرة الرغبة في تحصيله. وهذا التداول يكون بالفعل، أي بنقل ذات الشيء من حوز أحد إلى حوز آخر، ويكون بالاعتبار، مثل عقود الذمم كالسَّلَم والحوالة وبيع البرنامج ومصارفة أوراق المصارف، أي: البنوك (١) *. وأما كونه محدودَ المقدار فلأن الأشياءَ التي لا تنحصر مقاديرها لا يقصد الاختصاص بمقادير منها، فلا تُدَّخر، فلا تُعدّ ثروة. وذلك مثل البحار والرمال والأنهار والغابات. على أن مثل الأخيرين قد يُعدّ وسيلة ثروة باعتبار ما يحصل بهما من خصب وتشغيل. ولم يقع الاصطلاح على عدّ البحار ثروةً وإن كانت قد تسهل مواقعها لبعض الأقطار السفر فيها دون بعض آخر (٢). وأما

стр. 1729

المعادن فقد اعتبرت ثروة وإن كانت غير محدودة المقادير إلا أن المستخرج منها يكون محدود المقدار لما يستدعيه استخراجه من النفقات الجمة. وأما كونه مكتسباً فأن يحصل لصاحبه، أو لمن خلفه بسعيه بأن لا يحصل له عفواً, لأن الشيء الذي يحصل عفواً لا يكون عظيم النفع كالحشيش واحتطاب الغابات وأسراب بقر الوحش وحمره بقرب منازل قبائل البادية. واعلم أن من جهات توازن الأمم في السلطان على هذا العالم جهةَ الثروة، فبنسبة ثروة الأمة إلى ثروة معاصريها من الأمم تُعَدُّ الأمة في درجة مناسبة لتلك النسبة في قوتها، وحفظ كيانها، وتسديد مآربها وغناها عن الضراعة إلى غيرها.

стр. 1730

ي - الملك والتكسب لإثراء الأمة وأفرادها طريقان أحدهما التملّك، والثاني التكسّب. وقد مضت الإشارةُ إليهما إجمالاً في مبحث مقصد تعيين الحقوق لأصحابها (١). فالتملّك هو أصل الإثراء البشري. وهو اقتناء الأشياء التي يستحصل منها ما تسدّ به الحاجة بغلاته أو بأعواضه أي أثمانه. والأصل الأصيل في التملك الاختصاص. فقد كان من أصول الحضارة البشرية أن يدأب المرء إلى تحصيل ما يحتاج إليه لتقويم أَوْدِ حياته وسلامته. فهو يصيد لطعامه، ويجتني الثمر لفاكهته، ويحطب للوقود، ويبني البيت أو الخُصَّ للتوقي من الحرِّ والقر، ويتوخّى منازله بجوار المياه خشية العطش، ويرتبط الفرس ويعد السلاح للدفاع، ويقتني نفائس الحلي والثياب للتزين. وهو يتجشّم في السعي لنوالِ ذلك عرَقَ القِربة أو وحشةَ الغُربة. وهو يعمد إلى السَّبق إلى الأشياء المباحة للناس كالحشيش وورق الشجر والتقاط النبق ليأخذ منها حاجته قبل أن يستنفدها الناس، ويحول مجرى الماء إلى أرضه قبل أن يحوله آخر، يتحمل لذلك كله ما يبلغ به الجهد والتعب وإعمال الرأي.

стр. 1731

وكل ذلك التدبير يبعثه على التكثير من ادخار ما قد يتطلبه، والاحتفاظ بما يفصّل عن حاجته، ادخاراً لشدائد الأزمان أو تباعد المكان. ويزيده حرصاً على هذا الادخار شعوره بإمكان الفقدان لعجز أو عدم. ولذلك قال الأعشى: "كجابية الشيخ العراقي تفهق" (١) * وهو قد سمّى ذلك التحصيل والادخار ملكاً، ورأى أن سعيَه يخوّلُه حقَّ الاختصاص بما جمعه. فإذا امتدت إليه أيدي الطامعين في ابتزازه رأى عملَهم ظلماً وحمي غضبه وقام إلى مدافعتهم. فلمّا أُشربت قلوبُ البشر حب العدل احترموا ممتلكاتِ الناس، وصادقوا على أحقية أصحابها بها، ورأى [كل أحد] لنفسه الحق في أن يتصرف فيما حصله تصرفاً مطلقاً لا يقبل فيه تدخلَ متدخَّل. وقد قصّ الله تعالى أن أهل مدين عجبوا من شعيب أن يضيّق عليهم بعض المعاملات، فشافهوه بالإنكار والتهكم به إذ ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٢). واعتبر الإِسلامُ في أصل التملك معنى ما ذكرنا. ففي الحديث:

стр. 1732

"من أحيا أرضاً ميتة فهي له. وليس لعرق ظالم حق" (١). ثم اعتبر تفرع أحوال التملك عن هذا الاختصاص ومراعاة جهود المرء في تملّكه فكانت أسباب التملك في الشرع هي: - الاختصاص بشيء لا حقَّ لأحد فيه كإحياء الموات. - والعمل في الشيء مع مالكه كالمغارسة. - والتبادل بالعوض كالبيع، والانتقال من المالك إلى غيره كالتبرعات والميراث. فالمِلك تمكّنُ الإنسان شرعاً من الانتفاع بعين أو منفعة من تعويض ذلك أو من الانتفاع به وإسقاطه للغير، فخرج التصرف بوجه العصمة (٢) *. وأصل الشريعة في تصرف الناس في أموالهم ومملوكاتهم هو إطلاق التصرف لهم للأحرار الرشداء منهم، فلا ينتقض ذلك الأصل إلا إذا كان المالك غيرَ متأهَّل لذلك التصرف. وقصورُ التصرف يكون لصِبًى أو سفه أي: اختلال العقل في التصرف المالي، أو إفلاس مدين، أو عدم حرية أو حجر في جميع المال أو بعضه. فهذا في التبرّع مما زاد على الثلث من مريض مرضاً مخوفاً، ومن تصرّف معلّق مما بعد الموت وهو الوصية وما يؤول إليها من تبرع، وتبرع ذات الزوج بما زاد على ثلث مالها.

стр. 1733

وأما التكسب فهو معالجة إيجاد ما يسد الحاجة إما بعمل البدن أو بالمراضاة مع الغير. وأصول التكسُّب ثلاثة: الأرض، والعمل، ورأس المال. وللأرض المكانة الأولى في هذه الأصول الثلاثة. وإذا أطلقنا الأرض هنا فمرادنا ما يصل إليه عمل الإنسان في الكرة الأرضية بما فيها من بحار وأودية ومعادن ومنابع مياه وغيرها، إلَّا أن الحظ الأوفر من ذلك والأسبق هو للأرض بمعنى سطحها الترابي، فإنه منبت الشجر والحب والمرعى ومنبع المياه. قال الله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (١). وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢). وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣). وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٤). والأرض تتفاوت بالخصب، وأثراها أخصبُها, ولذلك كانت الرمال أقل ثروة من غيرها. وأما العمل فهو وسيلة استخراج معظم منافع الأرض، وهو أيضاً طريقٌ لإيجاد الثروة بمثل الإيجار والاتجار، وقوامه سلامة العقل وصحة الجسم. فسلامة العقل: التمكن من تدبير طرق الإثراء، والصحة لتنفيذ التدبير، مثل استعمال الآلات واستخدام الحيوان.

стр. 1734

ومنه الغرس والزرع والسفر لجلب الأقوات والسلع. وقد امتنّ الله تعالى به فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١). وقال: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢). وقد يكون العمل صادراً من جامع المال لتحصيل أصل ما يتموّله تملكاً كالاحتطاب وإحياء الموات. أو تكسباً مثل مبادلة مالِهِ بما هو أوفر. وقد يكون العمل من غير جامع المال، وهو العمل في مال غير العامل ليحصل العامل بعمله جزءاً من مال صاحب المال كالإجارة على عمل البدن. وأما رأسُ المال فوسيلة لإدامة العمل للإثراء، وهو مال مدّخر لإنفاقه فيما يجلب أرباحاً. وإنما عدّ رأس المال من أصول الثروة لكثرة الاحتياج إليه. فإذا لم يكن موجوداً لا يأمن العاملُ أن يعجز عن عمله فينقطع تكسُّبُه. والأظهر أن تعد آلات العمل في رأس المال، مثل المحركات ومزجيات البخار وآلات الكهرباء وكذلك دواب الحرث والمكاراة. إذا علمت هذا، فالمعاملات المالية بعضُها راجع إلى التملّك، كبيع ديار السكنى والأطعمة المأكولة، وبعضها راجع إلى التكسّب، كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون. وكذلك عقودُ الشركات من قراض ومزارعة ومغارسة ومساقاة، وعقودُ الإجارات في الذوات والدواب والآلات والسفن والبواخر والأرتال. والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها.

стр. 1735

فالرواج دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق. وهو مقصد عظيم شرعي دل عليه الترغيب في المعاملة بالمال، ومشروعية التوثّق في انتقال الأموال من يد إلى أخرى. ففي الترغيب في المعاملة جاء قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقول النبي ﷺ : "ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (٢). وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ما موتٌ أحبّ إليّ بعد الشهادة في سبيل الله من أن أموت متجراً" (٣) , لأن الله قرن بين التجارة والجهاد في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ

стр. 1736

يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وفي الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلْها الزكاة" (٢) *. وقد دلت إشارة قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (٣) على أهمية إدارة التجارة في نظر الشريعة حتى رخصت في ترك الإشهاد المحثوث عليه حرصاً على نفي العوائق عنها. ومن الشواهد في ذلك أن العرب كانوا يحرّمون التجارة في الحج إذا دخل شهر ذي الحجة بأسواقهم مِجنَّة وذو المجاز وعكاظ. وكانوا يقولون لمن يتّجر في العشر من ذي الحجة: هؤلاء الداج وليس بالحاج (٤). فأبطل الإِسلام ذلك بحكم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥) أي في أيام الحج.

стр. 1737

وفي التوثّق وردت أدلة كثيرة في مشروعية الإشهاد والحث عليه، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). ومنها عمل النبي ﷺ كما سيأتي في مقصد القضاء والشهادة (٢). ومحافظةً على مقصد الرواج شرعت عقود المعاملات لنقل الحقوق المالية بمعاوضة أو بتبرع. وهي من قسم الحاجي كما تقدم (٣). وجعل لزومها حصول صيغ العقود وهي الأقوال الدالة على التراضي بين المتعاقدين. واشتُرطت فيها شروط لفائدة المتعاقدين كليهما. فإذا استوفت شروطَها فهي صحيحة، وبصحّة العقد ترتّب أثرُه. وكان الأصلُ فيها اللزومَ بحصول الصيغ. وتسهيلاً للرواج شُرعت عقود مشتملة على شيء من الغرر، مثل المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض، حتّى عدّها بعض علمائنا رخصاً، باعتبار أنها مستثناة من قاعدة الغرر، وإن لم يكن فيها تغيير حكم من صعوبة إلى سهولة لعذر. واعتبروا في إطلاق اسم الرخصة عليها أن تغييرَ الحكم أعمُّ من تغييره بعد ثبوته، أو تغيير ما لو ثبت لكان مخالفاً للحكم المشروع.

стр. 1738

ولأجل مقصد الرواج كان الأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلَّا بشرط. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) كما استدل لذلك القرافي في الفرق السادس والتسعين والمائة (٢). وأما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد بل حتى يقع الشروع في العمل، وهي الجُعْل (٣) والقِراض (٤) باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف (٥)، فإنما نُظر فيها إلى عذر العامل لأنه قد

стр. 1739

يخِف إلى العقد لرغبة في العوض ثم يتبيّنُ له أنه لا يستطيع الوفاءَ بعمله. فمصلحةُ العقد بالأصالة في لزومه وتأخر اللزوم في هذه لمانع عارض، خلافاً لظاهر كلام القرافي في الفرق التاسع والمائتين (١). ومن معاني الرواج المقصود انتقالُ المال بأيد عديدة في الأمة على وجه لا حرج فيه على مكتسِبِه. وذلك بالتجارة وبأعواض العَمَلة التي تدفع لهم من أموال أصحاب المال. فتيسير دوران المال على آحاد الأمة وإخراجه عن أن يكون قاراً في يد واحدة أو متنقلاً من واحد إلى واحد مقصدٌ شرعي، فُهمت الإشارةُ إليه من قوله تعالى في قسمة الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٢). فالدُّولة - بضم الدال - تداول المال وتعاقبه، أي: كيلا يكون مال الفيء يتسلمه غني من غني كالابن البكر من أبيه مثلًا أو الصاحب من صاحبه. والشريعة قد بلغت إلى مقصدها هذا بوجه لطيف. فراعت لمكتسِبِ المال حقَّ تمتعه به. فلم تصادره في ماله بوجه يحرجه لما

стр. 1740

هو في جبلة النفوس من الشُحَّ بالمال، فجعلت لحالة المال حكمين أحدهما حكمه في مدة حياة صاحبه، والثاني حكمُه بعد موت صاحبه. فأما في الأول فأباحت لمالك المال في مدة حياة تصرّفَه فيه واختصاصَه به حثاً للنّاس على السعي في الاكتساب لتوفير ثروة الأمة وإبعاد المُفشلات عنها، فلم تجعل عليه في مدة حياة مكتسِبِه إلَّا حق الله فيه وهو الزكاة على اختلاف أحوالها، وتخميس المغانم. والثاني حكمُه بعد موت مكتسبه. وفي هذه الحالة نفذت الشريعة مقصدَها من توزيع الثروة تنفيذاً لطيفاً, لأن مكتسب المال قد قضى منه رغبتَه في حياته، فصار تعلق نفسه مسألة بعد وفاته تعلقاً ضعيفاً إلا إذا كان على وجه الفضول. فعلمُ المكتسب باقتسام ماله بعد موته لا يثبّطه عن السعي والكد في تنميته مدة حياته، فشرع الإِسلام قسمة المال بعد وفاة مكتسبه. وقد كانوا في الجاهليّة يوصون بأموالهم لأحب الناس إليهم أو أشهرهم في قومهم تقرباً إليهم، وافتخاراً بهم، فأبطل الإِسلام ذلك. فأوجب الوصيَّة للأقارب بآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). ثم نسخ بشرع المواريث المبيَّن في القرآن والسنّة، ولم يُجعل لصاحب المال حقٌّ في صرفه بعد موته إلا في ثلث ماله أن يوصي به لغير وارث (٢)، فتمّ مقصد التوزيع بحكمة، وهي جعل المال صائراً إلى قرابة صاحبه لأن ذلك مما لا تشمئز منه نفسه، ولأن فيه عوناً على حفظ المال في دائرة

стр. 1741

القبيلة. وإنما تتكون الأمة من قبائلها، فيؤول ذلك إلى حفظه في دائرة جامعة الأمة. ولم تحرِم الشريعة أولي الأرحام من حقًّ في المال. وقد كان أهل الجاهلية يحَرمون جانب المرأة من الميراث، فمن أين يجيء طمع أولي الأرحام! وقد سمَّى القرآنُ ذلك فريضة. وأكد المحافظة عليها بقوله في صدر آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وقوله في خلالها: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقوله في آخرها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية (١). ومن وسائل رواج الثروة القصدُ إلى استنفاد بعضها. وذلك بالنفقات الواجبة على الزوجات والقرابة. فلم يترك ذلك لإرادة القيّم على العائلة بل أوجب الشرع عليه الإنفاق بالوجه المعروف. وهو مما شمله قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٣)، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٤). ومن طرق الاستنفاد نفقات التحسين والترفه. وهي وسيلة عظيمة لانتفاع الطبقتين الوسطى والدنيا في الأمة من أموال الطبقة العليا. وهي أيضاً عون عظيم على ظهور مواهب أهل الصنائع

стр. 1742

والفنون في تقديم نتائج أذواقهم وأناملهم. هذه النفقاتُ هي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٢). غير أن الشريعة لم تعمد إلى هذا النوع من الاستنفاد بالطلب الحثيث اكتفاء بما في النفوس من الباعث عليه كما قدمنا الإشارة إليه في أوليات هذا المبحث (٣)، وتجنّباً من أن يصير التحريض عليه حملاً للأمة على السَّرفِ الذي يعرّض صاحبه لاختلال ثروتَه فيكون اختلالاً لجزء من نظام الثروة، وذلك قد يجرّ إلى اختلال الكل. ومن وسائل رواج الثروة تسهيل المعاملات بقدر الإمكان، وترجيح جانب ما فيها من المصلحة على ما عسى أن يعترضَها من خفيف المفسدة. ولذلك لم يُشترط في التبايع حضورُ كلا العوضين، فاغتفر ما في ذلك من احتمال الإفلاس. وشُرعت المعاملات على العمل مثل المغارسة والمساقاة واغتفر ما في ذلك من الغرر. وشرعت البيوعات على الأوصاف كالبرنامج (٤) واغتفر ما في ذلك من

стр. 1743

الضرر، قصداً في جميع ذلك إلى تسهيل المبادلة لتيسير حاجات الأمة، وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (١). وتختلف أنواع المتمولات في سهولة رواجها اختلافاً عظيماً. والأصلُ في سهولة الرواج يعتمد خفّةَ النقل، وقبولَ طول الادّخار، ووفرةَ الرغبات في التحصيل، وتيسرَ التجزئة إلى أجزاء قليلة. فالحبوب من القمح والشعير ونحوهما أيسر رواجاً من التمر والزبيب والتّين المجفّف، وأخف نقلاً، وأطول ادخاراً، وأكثر مرغوبية، وأيسر تجزئة. والفواكه دون ذلك في جميع هذه الصفات. والألبان واللحوم ضعيفة في جميعها. والسَمن والعسل مستويان في صفة الادّخار والنقل، ومختلفان في وفرة المرغوبية. والأنعام أقوى في وفرة المرغوبية وخفة النقل، وأعسر ادّخاراً وتجزئة. والرباع والعقار دون غيرها في معظم الصفات عدا صفة المرغوبية. فإن الناس في اقتنائها أرغب، وعدا صفة الادّخار لأن الخطر عنها أبعد. وأهم ما اصطلح عليه البشر في نظام حضارتهم المالية وضع النقدين أعواضاً للتعامل. فقد كان التعامل الطبيعي في البشر يحصل بالتعاوض في الأعيان بحسب الاحتياج الباعث على الرغبة في صنف من أصناف الأشياء المنتفع بها. وكلّما قرب قوم من البداوة والبساطة قلّ التعامل بالنقدين بينهم. وهو المعنى الذي من أجله نرى الفقهاء يقسمون الناس إلى أهل ذهب وأهل فضة، وأهل أنعام، وكان من

стр. 1744

حقهم أن يزيدوا في التقسيم أهل الحبوب والثمار مثل الأوس والخزرج وثقيف. فإن هذا القسم قد كان كثيراً في بلاد العرب في الجاهليّة والإِسلام. فالتعامل بالنقدين أيسر من التعامل بالأعيان من الأشياء من سائر الجهات، وبخاصة من جهة سهولة تجزئة القيمة، وسهولة التعاوض في الأمور الثقيلة في التسليم كالمقادير الكثيرة، وفي الأشياء التي يعسر فيها تعاوض الأعيان كالرباع والعقار؛ إلّا أن النقدين عند حالة الاضطرار، مثل حالة الحصار وحالة الجدب والمجاعة، لا تغني عن أصحابها شيئاً. فالنقدان عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، وهي أحوال الأمن واليسر والخصب. ومن أحسن ما ظهر فيه مزيّة التعامل بالنقدين أنه يمكن فيه تمييز البائع من المشتري. فباذل النقد مشتر وباذل العوض بائع، ولأن النقدين يُطلبان ولا يُعرضان بخلاف بقية المتمولات فإنها يلحقها العرض والطلب. ولا يلحق العرض بالنقدين إلَّا نادراً، كما يضع صاحب رأس المال مقداراً من ماله لمن يرغب المعاملة معه به مثل وضع رأس مال السَّلَم، ورأس مال القِراض، وترويج أوراق البنوك. وقد كان كثير من التعامل في الإِسلام في عهد النبوّة حاصلاً بطريقة المعاوضة. فلذلك كثرت المنهيَّات من بيع الأشياء بأمثالها، لأن غالب تلك البيوع كان يتطرّقه الغرر والتغابن. ولعسر ضبط قيمة العوض، ولكثرة اختلاف صفات وأنواع الجنس الواحد من تلك الأعواض، مثل أنواع التمر والحنطة وصفاتها في الجودة والرداءة والجِدّة والقدم، وكان احتياج أحد المتعامليْن أو كليهما في المعاملة

стр. 1745

الواحدة إلى تحمل الغرر باعثاً للمحتاج منهما على تحمّل الغرر لقضاء حاجته، وباعثاً للآخر على إلجاء المظنون به الاحتياج إلى تحمّل الغبن والغرر. فالغرر والغبن لا يكادان يفارقان معاوضات الأعيان. ولذلك اغتفر فيها ما لا بد منهما ولم يغتفر ما زاد على ذلك. ألا ترى إلى إباحة بيع الجزاف في الأشياء التي تكال وتوزن ولم يبح بيع النقدين جزافاً (١). وقد جاء في حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء الأرض أنه قال: كانت الأرض تكرى بالطعام ونحوه. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ. قال حنظلة بن قيس: فقلت لرافع: فكيف هي - أي الأرض - بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم (٢) *. قال البخاري في صحيحه عن الليث بن سعد: "إن الذي نُهي عنه من ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة" (٣). وفي حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله فسألناه عن الصّرف. فقال: "إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نَساء فلا يصلح" (٤) *. يعني فلم يمنع فيه التفاضل كما

стр. 1746

منعه في بيع الطعام بمثله. وما أحسب ذلك إلَّا لانتفاء الغرر بإمكان ضبط الدنانير والدراهم. وفي الموطأ عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب (١) *. فقال رسول الله ﷺ : "أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ " قال: لا، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل، بع الجَمع (٢) * بالدراهمَ ثم ابتع بالدراهم جنيباً". وقد ظهر من هذا كله أن من مقاصد الشريعة تكثيرَ التعامل بالنقدين ليحصل الرواجُ بهما. وفي سنن أبي داود (٣) * عن عبد الله بن

стр. 1747

مسعود: "نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين إلّا من بأس". وما أحسب نهي رسول الله ﷺ عن استعمال الرجال الذهب والفضة إلا لحكمة تعطيل رواج النقدين بكثرة الاقتناء المفضي إلى قلّتهما. وفي مشروعية التوثّق جاء قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٣). وأما وضوح الأموال فذلك إبعادُها عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان. ولذلك شرع الإشهاد والرهن في التداين. وأما حفظُ الأموال فأصله قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). وقول النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم

стр. 1748

هذا" (١)، وقوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس" (٢). وقوله: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (٣). وهو تنويه بشأن حفظ المال وحافظه، وعظم إثم المعتدي عليه. وإذا كان ذلك حكم حفظ مال الأفراد فحفظُ مال الأمة أجلُّ وأعظم. إذن فحقَّ على ولاة أمور الأمة ومتصرفي مصالحها العامة النظر في حفظ الأموال العامّة سواء تبادلُها مع الأمم الأخرى، وبقاؤها بيد الأمة الإِسلامية. فمن الأول: سَنُّ أساليب تجارة الأمة مع الأمم الأخرى،

стр. 1749

ودخول السلع وأموال الفريقين إلى بلاد أخرى، كما في أحكام التجارة إلى أرض الحرب، وأحكام ما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين على ما يدخلونه من السلع إلى بلاد الإِسلام وأحكام الجزية والخراج. ومن الثاني: نظام الأسواق والاحتكار وضبط مصارف الزكاة والمغانم ونظام الأوقاف العامة. وحقَّ على من وُلِيَ مال أحد أن يحفظه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١)، وقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾ (٢). وحقَّ على كل أحد احترامُ مال غيره. ولذلك تقرّر غرم المُتلَفات وجَعل سببها الإتلاف. ولم يلتفت فيها إلى نيّة الإتلاف لأن النيّة لا أثر لها في ذلك. وأما إثبات الأموال فأردت به تقرّرها لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا منازعة. فمقصد الشريعة في ثبات التملك والاكتساب أمور: الأول: أن يختص المالك الواحد أو المتعدد بما تملكه بوجه صحيح، بحيث لا يكون في اختصاصه به وأحقيته تردّد ولا خطر. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣) فليس يدخل على أحد في ملكه منعُ اختصاصه إلَّا إذا كان لوجه مصلحة عامة. وقد

стр. 1750

قال عمر: "والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً" (١). وعلى هذا المقصد انبنت أحكامُ صِحة العقود وحملِها على الصحة، والوفاء بالشرط، وفسخ ما تطرقه الفساد منها لمنافاته لمقصد الشريعة، أو لمعارضة حقّ آخر اعتدي عليه. ولذلك قال رسول الله ﷺ للذي سأله عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرطب إذا جفّ"؟ قال: نعم. قال: "فلا إذن" (٢). فليس الاستفهام بقوله: "أينقص الرطب"، استفهاماً حقيقياً، ولكنه إيماء إلى علة الفساد. وقال في نهيه عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها: "أرأيت إن منع الله الثمرة فِيمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " (٣). والمقصدُ من الاكتساب مثل المقصد من التملك فيما ذكرنا. فبذلك كانت الأحكام مبنيّة على اللزوم في الالتزامات والشروط. وفي الحديث: "المسلمون على شروطهم إلَّا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرّمَ حلالاً" (٤). وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٥). وفي حديث الترمذي عن العداء بن

стр. 1751

خالد أنه اشترى من رسول الله ﷺ عبداً أو أمة فأمر رسول الله ﷺ أن يكتب له: "هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبداً أو أمة، بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة" (١). الثاني: أن يكون صاحبُ المال حرَّ التصرف فيما تملّكه أو اكتسبه تصرفاً لا يضر بغيره ضراً معتبراً، ولا اعتداءَ فيه على الشريعة. ولذلك حجّر على السفيه التصرف في أمواله. ولم يجز للمالك أن يفتح في ملكه ما فيه ضرر بمالك آخر مجاور له. ومُنِعت المعاملة بالربا لما فيه من الأضرار العامّة والخاصة. الثالث: أن لا يُنتزعَ منه بدون رضاه. وفي الحديث: "ليس لعِرقٍ ظالمٍ حقّ" (٢). فإذا تعلق حقّ الغير بالمالك وامتنع من أدائه أُلزم بأدائه. ومن هنا جاء بيع الحاكم، والقضاء بالاستحقاق. ولرعي هذا المقصد كان المتصرف بشبهة في عقار فائزاً بغلاته التي استغلها إلى يوم الحكم عليه بتسليم العقار لمن ظهر أنه مستحقه. وتقريراً لهذا المقصد قررت الشريعة التملّكَ الذي حصل في زمان الجاهليّة بأيدي من صار إليهم في تلك المدّة، ومن انتقل إليهم منها. فقد قال رسول الله ﷺ : "أيما دار أو أرض قُسمت في

стр. 1752

الجاهلية فهي على قسم الجاهليّة، وأيّما دار أو أرض أدركها الإِسلام فلم تقسم فهي على قسم الإِسلام" (١) *. وأما العدل فيها فذلك بأن يكون حصولها بوجه غير ظالم. وذلك إما أن تحصل بعمل مُكتسبِها، وإما بعوض مع مالكها أو تبرع، وإما بإرث. ومن مراعاة العدل حفظ المصالح العامّة ودفع الأضرار. وذلك فيما يكون من الأموال تتعلق به حاجةُ طوائف من الأمة لإقامة حياتها، مثل الأموال التي هي غذاء وقوت، والأموال التي هي وسيلةُ دفاع العدو عن الأمة مثل اللامة والآطام بالمدينة في زمن النبوّة. فتلك الأموال وإن كانت خاصة بأصحابها إلا أن تصرّفهم فيها لا يكون مطلقَ الحرية كالتصرّف في غيرها. وهذا وجه النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية في غزوة خيبر، بناءً على القول بأنه تحريم عارض لا ذاتي، وهو قول كثير من العلماء. قالوا: لأنها كانت حمولتَهم في تلك الغزوة (٢). وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان

стр. 1753

على عهد النبوّة، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام (١). وكانوا يضربون على أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم. ولذلك كان من الحق إبطال الاحتكار في الطعام. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "لا حُكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا. ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء [الله] وليمُسك كيف شاء [الله] " (٢).

стр. 1754

يا - الصحة والفساد وعلى رعي مقاصد الشريعة من التصرفات المالية تجري أحكام الصحة والفساد في جميع العقود في التملّكات والمكتسبات. فالعقد الصحيح هو الذي استوفى مقاصد الشريعة منه، فكان موافقاً للمقصود منه في ذاته، والعقد الفاسد هو الذي اختلّ منه بعض مقاصد الشريعة. وقد يقع الإغضاء عن خلل يسير ترجيحاً لمصلحةِ تقريرِ العقود، كالبيوع الفاسدة إذا طرأ عليها بعض المفوّتات المقرّرة في الفقه (١) *. وقد كان الأستاذ أبو سعيد بن لب مفتي حضرة غرناطة (٢) في

стр. 1755

القرن الثامن يفتي بتقرير المعاملات التي جرى فيها عرف الناس على وجه غير صحيح في مذهب مالك إذا كان لها وجه ولو ضعيفاً من أقوال العلماء.
следующие страницы →