خالد أنه اشترى من رسول الله ﷺ عبداً أو أمة فأمر رسول الله ﷺ أن يكتب له: "هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبداً أو أمة، بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة" (١).
الثاني: أن يكون صاحبُ المال حرَّ التصرف فيما تملّكه أو اكتسبه تصرفاً لا يضر بغيره ضراً معتبراً، ولا اعتداءَ فيه على الشريعة. ولذلك حجّر على السفيه التصرف في أمواله. ولم يجز للمالك أن يفتح في ملكه ما فيه ضرر بمالك آخر مجاور له. ومُنِعت المعاملة بالربا لما فيه من الأضرار العامّة والخاصة.
الثالث: أن لا يُنتزعَ منه بدون رضاه. وفي الحديث: "ليس لعِرقٍ ظالمٍ حقّ" (٢). فإذا تعلق حقّ الغير بالمالك وامتنع من أدائه أُلزم بأدائه. ومن هنا جاء بيع الحاكم، والقضاء بالاستحقاق. ولرعي هذا المقصد كان المتصرف بشبهة في عقار فائزاً بغلاته التي استغلها إلى يوم الحكم عليه بتسليم العقار لمن ظهر أنه مستحقه.
وتقريراً لهذا المقصد قررت الشريعة التملّكَ الذي حصل في زمان الجاهليّة بأيدي من صار إليهم في تلك المدّة، ومن انتقل إليهم منها. فقد قال رسول الله ﷺ : "أيما دار أو أرض قُسمت في
стр. 1752
الجاهلية فهي على قسم الجاهليّة، وأيّما دار أو أرض أدركها الإِسلام فلم تقسم فهي على قسم الإِسلام" (١) *.
وأما العدل فيها فذلك بأن يكون حصولها بوجه غير ظالم. وذلك إما أن تحصل بعمل مُكتسبِها، وإما بعوض مع مالكها أو تبرع، وإما بإرث. ومن مراعاة العدل حفظ المصالح العامّة ودفع الأضرار. وذلك فيما يكون من الأموال تتعلق به حاجةُ طوائف من الأمة لإقامة حياتها، مثل الأموال التي هي غذاء وقوت، والأموال التي هي وسيلةُ دفاع العدو عن الأمة مثل اللامة والآطام بالمدينة في زمن النبوّة. فتلك الأموال وإن كانت خاصة بأصحابها إلا أن تصرّفهم فيها لا يكون مطلقَ الحرية كالتصرّف في غيرها.
وهذا وجه النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية في غزوة خيبر، بناءً على القول بأنه تحريم عارض لا ذاتي، وهو قول كثير من العلماء. قالوا: لأنها كانت حمولتَهم في تلك الغزوة (٢). وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان
стр. 1753
على عهد النبوّة، فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام (١). وكانوا يضربون على أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم. ولذلك كان من الحق إبطال الاحتكار في الطعام. وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "لا حُكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا. ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء [الله] وليمُسك كيف شاء [الله] " (٢).
стр. 1754
يا - الصحة والفساد
وعلى رعي مقاصد الشريعة من التصرفات المالية تجري أحكام الصحة والفساد في جميع العقود في التملّكات والمكتسبات. فالعقد الصحيح هو الذي استوفى مقاصد الشريعة منه، فكان موافقاً للمقصود منه في ذاته، والعقد الفاسد هو الذي اختلّ منه بعض مقاصد الشريعة.
وقد يقع الإغضاء عن خلل يسير ترجيحاً لمصلحةِ تقريرِ العقود، كالبيوع الفاسدة إذا طرأ عليها بعض المفوّتات المقرّرة في الفقه (١) *.
وقد كان الأستاذ أبو سعيد بن لب مفتي حضرة غرناطة (٢) في
стр. 1755
القرن الثامن يفتي بتقرير المعاملات التي جرى فيها عرف الناس على وجه غير صحيح في مذهب مالك إذا كان لها وجه ولو ضعيفاً من أقوال العلماء.
стр. 1756
يب - مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان
علمتَ ممّا قدّمناه آنفاً أن الشريعة قصدت من تشريعها في التصرّفات المالية إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة. وقد مضى أن الثروة تتقوَّمُ من المتموَّلات، ومن العمل. فالعمل أحد أركان الثروة وآلة استخدام ركنيها الآخرين.
ونريد من العمل، في مبحثنا هذا، نوعاً من أنواع جنس العمل، وهو خصوص العمل الذي يقوم به غيرُ صاحب مال في مال غيره ليُحصَّل بعمله جزءاً من إنتاج مال استعمله صاحبه لتحصيل جزء مثله معه.
ولأجل كون القادرين على العمل والإنتاج يكثر فيهم من ليس بيده مال يستعين به على العمل المثمر المنتج، أو بيده مال لا يوازي مقدار مقدرته على الإنتاج، وكون كثير من أصحاب الأموال يُعجزهم العمل في أموالهم عملاً يوازي ما تستدعيه مقادير تلك الأموال من النتائج، لا سيما أصحاب الأموال الذين انجرَّت لهم الأموال من تلقاء غيرِهم بعطية أو ميراث، كان الأصلان العظيمان من أصول الثروة - وهما المال والعمل - معرَّضين للعوائق، وتعطيل الإنتاج في أحوال كثيرة. وذلك رزء على أصحابهما وعلى الأمة.
فكان مما اهتدى إليه أهل العقول إيجاد طرائق تتألف فيها
стр. 1757
أموال أصحاب الأموال وأعمال المقتدرين على العمل ليحصل من مجموع ذلك إنتاج نافع للفريقين.
وكان من حِكمة التشريع الإِسلامي أن لا يوصد في وجوه الفريقين سلوك الطرق المثلى من تلك الطرائق بوجه عادل مع الغضَّ عمّا يتطرق ذلك من مخالفة مّا للتشريعات التي بُنيت عليها أحكامُ المعاملات المالية في المعاوضات.
إن المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان هي إجارة الأبدان، والمساقاة، والمغارسة، والقِراض، والجُعل، والمزارعة. وهي كلُّها عقودٌ على عمل المرء ببدنه وعقله، وعلى قضاء وقت من عمره في ذلك، ما عدا المغارسة، فإن فيها إحضار متموِّل قليل من جهة عاملها، وهو الأعواد المغروسة إلَّا أنّها تافهة بالنسبة إلى أهمية العمل. وكذلك ما يحصل في المساقاة بقلّةٍ من إصلاح دلو وإصلاح الحوض.
فهذه العقود لا تخلو من غرر لعسر انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه، وعسر معرفة العامل ما ينجر إليه من الربح من جراء عمله، ولعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال فيها من إنتاج أو عدمه، غير أن الشريعة ألغت هذا الغرر لأن إضرار مراعاته أشدُّ من إضرار إلغائه، لِمَا في مراعاته من حرمان كثير من الأمة فوائد السعي والاكتساب. وهي أيضاً لا تخلو من إضرار يلحق العامل في أحوال كثيرة، إذا عمل عمله في المساقاة أو المزارعة فلم يثمر الشجر، أو عمل في الجُعل فلم يحصل المجاعل عليه، أو عمل في القِراض فلم يَنضّ ربح. فيكون العامل قد أضاع الوقت وتجشم مشقة العمل ولم يحصل له شيء. وقد ألغت الشريعة هذا لأن بقاء أهل العمل بطالين أشدُّ عليهم من أضرار الخيبة في بعض الأحوال.
стр. 1758
وإذ قد كان العَمَلَة في هذه العقود هم مظنّةَ الحرص على التعجل بانعقاد هذه العقود، من جراء حاجتهم إلى الارتزاق، وكونهم لا يستطيعون لذلك حيلة إلا بعمل أبدانهم، ولطالما رأيناهم يقحمون أنفسهم في التعاقد على أعمال تنوء بهم حين لم يجدوا ما يعملون فيه، فلو ضيّق عليهم الشروطَ أصحابُ الأموال الذين يمدّونهم بما يعملون هم فيه لتعطّل عليهم الارتزاق من أعمالهم، أو لأَقدموا على ذلك عند التعاقد وعجزوا عن الإيفاء بها، فتحدث بذلك الخصومات بينهم. ولكان شعور أصحاب الأموال بحاجة العَمَلَة إلى العمل مظنّةَ أن يغريَهم على الرغبة والحرص في زيادة الإنتاج لأنفسهم والإجحاف باستثمار العَمَلَة، كان مقصدُ الشريعة في هذه المعاقدات كلها الحياطة لجانب العَمَلَة لسدّ هذه الذريعة عنهم، كيلا يذهب عملهم باطلاً أو مغبوناً. ولم تر معذرة لأصحاب الأموال في هذا التضييق, لأن لهم طرائق شتى يستثمرون بها أرباح أموالهم. فهم في خيرة من استعمالها أو اكتنازها للإنفاق منها وتقتيرها، بخلاف حال العَمَلَة، فهم إن حرموا مساعدةَ أصحاب الأموال بقوا عاطلين.
ولا يظنَّنَ أحد أن الشريعة تستبيح أموال أصحاب الأموال ليأكلها العَمَلَةُ باطلاً، ولكنّها أرادت حراسة حقوقهم من الاعتداء عليها. فذلك عدل وصلاح للفريقين كليهما.
ولقد استقريت ينابيع السنة في هذه المعاملات البدنية على قلّة الآثار الواردة في ذلك (١) *، وتتبعت مرامي علماء سلف الأمة وخاصة علماء المدينة في شأنها، فاستخلصت من ذلك: أن المقاصد الشرعية فيها ثمانية.
стр. 1759
أحدها: تكثير المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان. وهذا مدلول لاغتفار الغرر فيها. فلولا الحاجةُ إليها لما اغتفرت الشريعة فيها ما لم تغتفره في المعاملات المالية من الجانبين. وقد رجعتْ بذلك إلى قسم المصالح الحاجية. وقد أعطى الأنصارُ حوائطهم للمهاجرين على أن يَكْفُوهم العمل ولهم نصف الثمرة. وعاملَ رسولُ الله ﷺ يهودَ خيبر على أن عليهم عمل النخل، ولهم نصف الثمرة، مع العلم بأن أرض خيبر صارت للمسلمين لأنها فتحت عنوة (١).
وقد كاد أن يتفق علماء الإِسلام على مشروعية المساقاة والمزارعة (٢).
стр. 1760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1761
وقال المالكية بالمغارسة وأهملها الحنفية والشافعية (١).
ولأجل هذا المقصد جَزَمنا بضعف القول بقصر المساقاة على النخيل والكروم، ورجحنا القول بجواز المساقاة في الشجر والزرع المحتاج إلى العمل على القول بتخصيصها بالشجر دون الزرع. ورجحنا ما جرى عليه العمل بالأندلس من إعطاء أرض الحبس مغارسة (٢).
стр. 1762
الثاني: الترخيص في اشتمالها على الغرر المتعارَف في أمثالها، وهو من لوازم الأمر الأول. فقد أشرت إلى ذلك في طالعة هذا المبحث ممّا دلّ على أن الغرر لازمٌ لحقائق هذه العقود. وأحسب أن الغرر لم يُغتفر في شيء من العقود سوى العقود على أعمال الأبدان. وينبغي أن لا تغفل عن كون الغرر المغتفر هو الغرر فيما يعسر انضباطه من العمل، ومدته، واختلاف أزمانه من حَرًّ وقر. فأما ما يتيسر فيه ذلك فلا بد من ضبطه وبيانه. مثل بيان نوع العمل، ومقدار الأجر، ومقدار رأس مال القِراض، ومقدار ما للعامل من الربح في القِراض، أو من الثمرة في المساقاة، أو من الجزء في المغارسة.
الثالث: التّحرّز عما يثقل على العامل في هذه العقود، لكي لا يستغل ربُّ المال اضطرارَ العامل إلى التعاقد على العمل. فينتهز ذلك للتجاوز في أرباح نفسه. ولذلك قالوا: لا يجوز أن يشترط على عامل المساقاة عمل كثير غير عمل بدنه إلا ما لا بال له كشد الحظيرة وإصلاح الضفيرة (١) *، ولا اشتراط نفقةٍ على العامل كنفقة الدواب وعبيد الحائط (٢) *. ولا يجوز أن يشترط على عامل المغارسة
стр. 1763
تكسير أرض شعراء (١) *، ولا جعل جدار للأرض المغترسة، بخلاف أن يشترط على ربّ الأرض فهو جائز ولازم.
وإنما قال علماؤنا في المزارعة - إذا أعطى ربُّ الأرض لعامل المزارعة الأرضَ محترثةً -: لا يجوز أن يشترط على العامل أن يحرثها عند انتهاء مدة المزارعة ويسلمها لربها محترثةً كما وجدها، لمراعاة هذا المقصد. وهو أن يكون ربّ الأرض بعد أن حرث أرضه احتاج إلى عامل يزرعها. وأنّ العامل لولا أنّه وجدها محترثةً لَمَا تقبّلها، فيكون الشرط عليه بأن يتركها محروثةً إلجاء له.
الرابع: أن هذه العقود لم يُعتبر لزومُ انعقادها بمجرد القول، بل جُعلت على الخيار إلى أن يقع الشروع في العمل عندنا (٢). أما الجُعل والقِراض فباتفاق (٣)، وأما المغارسة والمزارعة فعلى
стр. 1764
الراجح (١). ولم يُستثنَ منها إلا المساقاة، فقالوا: لزومها بالعقد (٢) , لأن في تأخير لزومها إضراراً على الأشجار والزرع.
стр. 1765
وعندي أنه ينبغي أن تكون جميعُ العقود المشتملة على عمل البدن غيرَ لازمة بمجرد القول، بل تلزم بالشروع في العمل.
وحيث كان معنى ذلك آيلاً إلى خيار العامل كان الوجه أن يُضرَب للعامل في هذه العقود آجالٌ لابتداء العمل، كشأن بيع الخيار بما ينفي المضرة عن صاحب المال، مثل إبّانَ ابتداء الخدمة في المساقاة، وإبان الحراثة في المزارعة، وإبان ابتداء الغرس لذلك العام في المغارسة، كي لا يضيع بالتأخير على صاحب المال عام كامل.
الخامس: إجازة تنفيل العَمَلة في هذه العقود بمنافع زائدة على ما يقتضيه العمل بشرط دون تنفيل رب المال. فقد قال أئمتنا: يجوز أن يشترط عامل المساقاة على رب الحائط الانتفاع ببياض من الأرض لنفسه. ولا يجوز اشتراط ذلك لرب الأرض ويوجب الفسخ (١).
السادس: التعجيل بإعطاء عوض عمل العامل بدون تأخير ولا نظرة ولا تأجيل, لأن العامل مظنّة الحاجة إلى الانتفاع بعوض عمله، إذ ليس له في الغالب مؤثل مال. وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة" - فذكر - "ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٢). وهذا صادق بتأخير إعطائه
стр. 1766
أجرَه وبحرمانه منه بالكليّة، وإن كان الثاني أشدَّ، فجعلَه كحق لله تعالى. ولذلك قال: "أنا خصمهم" أي دون صاحب الحق. وهذا تنويه عظيم بهذا الحق، وزجر شديد عن التهاون به.
وفي حديث ابن عمر وجابر وأنس أن رسول الله ﷺ قال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" (١) *. ولذلك كان تأجيل خدمة المغارسة جائزاً تحديدُه بقدر تبلغه الأشجار أو مدّة أو إثمار، ولا يجوز أن يكون التأجيل إلى مدة تتجاوز إبان الإثمار (٢). وهو من موجبات فساد العقد.
السابع: إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل فلا يُلزَمُ بإتمامه بنفسه.
стр. 1767
ولذلك قالوا في عامل المساقاة - إذا عجز عن الإتمام -: إنه يأتي بعامل آخر لا يضر بصاحب الحائط ولو كان دون العامل الأول في الأمانة. وإذا لم يجد من يخلفه في العمل فإن له أن يبيع حظه في الثمار إذا بدا صلاحُها، ويستأجر من يُكمِل العملَ، ويكون للعامل الأول ما فضل. وقال المالكية في عامل المغارسة: إن له أن يبيع حقَّه في العمل لآخر يقوم مقامَه (١). وهي مسألة من غُرر مسائل الفقه المالكي.
الثامن: الابتعاد عن كل شرط أو عقد يشبه استعباد العامل، بأن يبقى يعمل طول عمره أو مدة طويلة جداً بحيث لا يجد لنفسه مخرجاً، ولأجل هذا نجد علماءنا يقولون بفساد المساقاة في الشجر الذي لا ينقطع إثماره في وقت من السنة كشجر الموز وكالقضب (٢). وكذلك ما تطول مدة إثماره لصغره كالمساقاة على وَدِيِّ النخل ونشء شجر الزيتون.
وقد قال علماء إفريقية: إن تلقيحَ الشجر الذي لا يُنتفع به كجبوز الزيتون العتيق في جبل وسلات بقرب القيروان يجري مجرى المغارسة لا مجرى المساقاة.
وعندي أن تأجيل مدة المساقاة في الشجر المخلف للأثمار كالموز أجلاً يحصل فيه الانتفاعُ للعامل خير من إبطال المساقاة في
стр. 1768
مثله، لِمَا علِمتَ من المقصد الأول أن تكثير هذه المعاملات مقصودٌ للشريعة. ولأجل هذا كانت المزارعة المسماة عندنا في تونس بشركة الخماس (١) * - التي كان معظم مزارعات تونس جارياً عليها - هي شركة منافية لمقصد الشريعة لا محالة، وإن كانوا يزعمون أن الضرورة دعت إليها.
стр. 1769
يج - مقاصد أحكام التبرعات
عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. فهي مصلحة حاجية جليلة، وأثرُ خُلق إسلامي جميل. فبها حصلت مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجمّ من مصالح المسلمين.
وليس الذي نعمد إليه بالبحث في كتابنا هذا هو مطلق العطايا والتبرعات التي تسخو بها أيدي أولي الفضل فتضعها في أيدي العفاة، أو تتلطف بها إلى الأحبة والأقارب من صدقات يومية وعطايا موسمية. فإن تلك التبرّعات لا تتبعها نفوس أصحاب الحقوق. وهي من جملة النفقات التي جرت بها عوائد كل الناس في أحوالهم وتصرفاتهم الخاصة. وقد دخلت تلك الترغيبات الدينية وألحقت بالقربات. وإنما الذي نريده هنا هو التبرعات المقصود منها التمليك
стр. 1770
والإغناء وإقامة المصالح المهمة الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون، ويتشاكس في الاختصاص بها المتشاكسون.
فالصدقة والهبة والعارية قد تكون من الشقّ الأول داخلة في عداد النفقات، وقد تكون من الشقّ الثاني إذا كان المتبرع به ريعاً أو عقاراً أو مالاً عظيماً. والحبس والعمرى والوصية والعتق لا تقع إلا في الشقّ الثاني، فتكون غنى وتمليكاً سواء كانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع أو مصالح عامة للأمة. كما يعطى لطلبة العلم والفقراء وأهل الخير والعبادة وإقامة الحصون وسدّ الثغور وتجهيز الجيوش ومداواة المرضى. فهذه تبتدئ ابتداء شبيهاً بالقربات، يدفع المرءَ إليها حبُّه الخير وسخاء نفسه بالفضل، ثم هو يعزم عزمه ويُلزم نفسَه فتصير تلك القرباتُ إلى انتقال حق المتبرع بها إلى المتبرع عليه، فتأخذ حكم الحقوق التي يتشاحُّ الناسُ في اقتنائها وانتزاعها وفي استبقائها ومنعها. فربّما عرضت ندامة المتبرّع أو كراهة وارثه أو حاجره، وربما أفرط المتبرع عليه في تجاوز حدّ ما خُوّل له. فكانت بسبب هذا العارض الكثير التطرق إليها جديرة بتسليط قواعد الحقوق ومقاصد التشريع عليها. وقد نجد في استقراء الأدلة الشرعية منبعاً ليس بقليل يرشدنا إلى مقاصد الشريعة من عقود التبرعات.
المقصد الأول: التكثير منها لما فيها من المصالح العامة والخاصة. وإذ قد كان شحّ النفوس حائلاً دون تحصيل كثير منها، دلّت أدلة الشريعة على الترغيب فيها، فجعلت من العمل غير المنقطع ثوابه بعد الموت. ففي الحديث الصحيح: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ... " (١) إلخ.
стр. 1771
والصدقات الجارية والأوقاف التي في زمان رسول الله ﷺ منه ومن أصحابه كثيرة، منها: صدقة عمر، وقد أشار عليه بها رسول الله ﵊ (١). وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري، فإنها كانت بإشارة رسول الله ﷺ (٢). وصدقة عثمان ببئر رومة، قال
стр. 1772
رسول الله: "من يشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين" (١) فاشتراها عثمان وتصدّق بها للمسلمين. وتصدّق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه تُوفّيت (٢). وكانت هذه الصدقات أوقافاً ينتفع
стр. 1773
المسلمون بثمرتها على تفصيل في شروطها. فلا شبهة في أن مقاصد الشريعة إكثار هذه العقود.
فكيف يقول شريح (١) * بحظر التحبيس؟! وقد قال مالك لمّا أُخبر بمقالة شريح: "رحم الله شريحاً تكلّم ببلاده ولم يَرِد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم وما حبّسوا من أموالهم. وهذه صدقات رسول الله ﷺ سبعُ حوائط. وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خَبراً" (٢).
المقصد الثاني: أن تكون التبرعات صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردّد, لأنها من المعروف والسخاء، ولأن فيها إخراج جزء من المال المحبوب بدون عوض يخلفه. فتمحّض أن يكون قصد المتبرع النفعَ العام والثوابَ الجزيلَ. ولذلك كان من مقصد الشارع فيها أن تصدر عن أصحابها صدوراً من شأنه أن لا تعقبَه ندامة حتى لا يجيء ضر للمحسن من جراء إحسانه فيحذر الناس فعل المعروف، إذ لا ينبغي أن يأتي الخير بالشر كما أشار إليه قول الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (٣). فطيب النفس المقصود في التبرّعات أخص من طيب النفس المقرّر في المعاوضات.
ومعنى ذلك أن تكون مهلة لزوم عقد التبرّع عقب العزم عليه وإنشائه أوسع من مهلة انعقاد عقود المعاوضة ولزومها.
стр. 1774
وقد علمنا ذلك من أدلة في السنّة، ومن كلام علماء الأمة. ففي الحديث الصحيح: "أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغناء وتخشى الفقر، ولا تترك حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا" (١). وهذه الحالة تقتضي التأمل والعزم دون التردد إلى وقت المضيق. ويتحقق حصول مهلة النظر بأحد أمرين هما التحويز والإشهاد.
وقد كان اشتراط الحوز في التبرّعات ناظراً إلى هذا المقصد، بحيث لا يعتبر انعقاد عقد التبرع إلا بعد التحويز دون عقود المعاوضات. ولذلك كان حدوث مرض الموت قبل تحويز العطية مُفيتاً لها وناقلاً إياها إلى حكم الوصية. ففي الموطأ عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادّ (٢) * عشرين وسقاً من ماله بالغابة. فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بُنية ما من الناس [أحد] أحبُّ إليَّ غنى بعدي منك، ولا أعزُّ عليّ فقرًا بعدي منك. وإني كنت نحلتكِ جادّ عشرين وسقاً فلو كنت جدَدْتيه واحتزْتيه كان لك. وإنما هو اليوم مال وارِث [وإنما هما أخواك
стр. 1775
وأختاك] فاقتسموه على كتاب الله" (١).
وأمّا الإشهاد بالعطية فهو قائم مقام الحوز في أصل الانعقاد، وبذلك قال مالك: وأراه مأخوذاً من حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: أن النعمان بن بشير قال: إن أباه بشيراً أعطاه عطية، فقالت أمه عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله ﷺ قال: "أأعطيت سائر ولدك مثل هذا"؟ قال: لا، قال: "فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع فردَّ عطيته (٢). فهو دليل بيَّن على أنها اعتبرت غير منعقدة قبل الإشهاد، ودليل بيِّن على أن الإشهاد في العطايا كان من المتعارف عندهم، فلذلك شرطت عَمْرة أن يكون الإشهاد لرسول الله ﷺ .
ومعلوم أن المتبرع قد يخشى تأخّر الحوز، فهو يعمد إلى الإشهاد ثم يتبعه بالحوز. وهذا عندنا كاف في تحقق التبرع. فيصير المتبرَّع عليه مالكاً لِمَا تبرَّع به المتبرِّع، وله حق مطالبته بالتحويز عند المالكية (٣). وقد قال كثير من العلماء - منهم: الشافعي وأبو حنيفة -
стр. 1776
بأن الحوز شرطُ صحّة انعقاد التبرع، بحيث لا يلزم الوفاء بالتبرع إذا لم يحصل الحوز. ففي هذا توسعة على فاعل المعروف حتى ينضمَّ تنجيزُه إلى قوله. والحنفية قائلون بجواز الرجوع في الهبة بعد الحوز إلا في سبع صور وهو من هذا القبيل (١).
وأما الذين قالوا بانعقاد التبرع ولزومه بمجرد القول، وفيهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود الظاهري، وينسب إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد عاملوه معاملةَ بقية العقود، وأغضَوْا عما في ذلك من المعروف الذي لا ينبغي أن يكون مضيَّقاً فيه على أهله خشيةَ إجفال الناس عنه، فإن في ذلك تعطيلَ مصالح جمة.
стр. 1777
ولا أحسب جعل اعتصار الهبة حقاً للأب من ابنه إلا ناظراً إلى تدارك سرعة الآباء إلى عقد التبرعات لأبنائهم دون مزيد التأمل بداعي الرأفة. وتيقّن أن مال ولده مالٌ له، فإذا عرضت ندامة جعل له الشرع مندوحة للرجوع في هبته. وهو مع ذلك فيه إبقاءٌ لمعنى حقّ الأبوة بأن لا يكون الابن سبباً في التضييق على أبيه. وألحقت به الأم ما دام الأب حياً على تفصيل في ذلك محلُّه كتب الفقه.
وقال البخاري في صحيحه: "قال مالك: العريّة أن يُعْرِيَ الرجلُ الرجلَ نخلةً ثم يتأذّى بدخوله عليه. فرُخِّص له أن يشتريَها منه بتمر" (١) اهـ.
[وهكذا] فَهِمْنا أن الشريعة حريصةٌ على دفع الأذى عن المحسنِ أن ينْجر له من إحسانه، لكيلا يكره الناسُ فعلَ المعروف.
المقصد الثالث: التوسع في وسائل انعقادها حسب رغبة المتبرّعين. ووجه هذا المقصد أن التبرّع بالمال عزيزٌ على النفس. فالباعث عليه أريحية دينية، ودافع خلقي عظيم. وهو مع ذلك لا يسلم من مجاذبة شحّ النفوس تلك الأريحية. وذلك الدافع في خطرات كثيرة أقواها ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (٢). وقد تبيّن ترغيبُ الشريعة فيها في المقصد الأول. ففي التوسع في كيفيات انعقادها خدمة للمقصد الأول.
ولأجل هذا المعنى أباحت الشريعة تعليقَ العطيّة على حصول موت المعطي بالوصية وبالتدبير، مع أن ذلك مناف لأصل التصرّف في المال لأن المرء إنما يتصرّف في ماله مدة حياته. ومن أجل
стр. 1778
ذلك أعملت شروط المتبرّعين في مصارف تبرّعاتهم، من تعميم وتخصيص وتأجيل وتأبيد وسائر الشروط ما لم تكن منافية لمقصد أعلى، فإن الجمع بين المقاصد هو غرض التشريع. وإن كانت تفوت بذلك بعض جزئيات من المقصد الواحد فإنها لا يُعبأُ بفواتها.
والذي رجّحه نظارُ المالكية في شأن الشروط في الحبس والهبة والصّدقة إمضاؤها، مثل اشتراط الاعتصار في الصدقة والهبة (١). وكذلك مسألة اشتراط المتصدِّق أو الواهب أن لا يبيع ولا يهب (٢). وقد اختلف فيها أئمة المذهب على أقوال خمسة استقصاها ابن راشد القفصي في الفائق (٣)، ورجّح منها القول بمضي الشرط وبكون الصدقة والهبة
стр. 1779
بمنزلة الحبس (١). وهذا الأصل الذي أصّلناه هنا يوضّح ترجيحه بخلاف
стр. 1780
المعاوضات. فأما اشتراط عدم التحويز فسيجيء القولُ فيه عقب هذا.
المقصد الرابع: أن لا يُجعل التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير من حق وارث أو دائن. وقد كانت الوصايا في الجاهلية قائمةً مقام المواريث، وكانوا يميلون بها إلى حرمان قراباتهم وإعطائها كبراء القوم لحبّ المحمدة والسمعة. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق (١): "لم يكن أهل الجاهلية يعطون الزوجة مثل ما نعطيها ولا يعطون البنات ما نعطيهن، وربما لم تكن لهن مواريث معلومة يعملون عليها".
فلما أمر الله بالوصية للوالدين والأقربين ثم شرع المواريث كان خيال الوصية الجاهلية لم يزل يتردّد في نفوسهم. فمن أجل ذلك قصرت الوصية على غير الوارث وجعلت في خاصة ثلث المال. كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال له: "الثلث والثلث كثير. إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس" (٢). وقد مضى آنفاً قول أبي بكر لعائشة: "وإنما هو
стр. 1781
الآن مالُ وارث" (١). فعلمنا أن كثيراً من الناس يجعلون الوصية والتبرع وسيلةً إلى تغيير المواريث أو رزية لمال داين، ظنًّا أن ذلك يحللهم من إثمها لأنهم غيروا معروفاً بمعروف. فكان من سدّ هذه الذريعة لزوم كون صورة التبرع بعيدة عن هذا القصد. ولم يقع الاكتفاء بالإشهاد في دفع هذه التهمة لظهور أنه غير مقنع، لكثرة احتمال أن يتواطأ المتبرِّع والمتبرَّع عليه على الإشهاد مع إبقاء الشيء المعطى في تصرّف المتبرع لحرمان الوارث والدائن. فللحوز في هذا المقصد أثر غير أثره المذكور في المقصد الثاني. ومن هنا أيضاً يعلم أن المروي عن مالك وهو بطلان الحبس المجعول فيه التحبيس على البنين دون البنات لأنه من فعل الجاهليّة هو أرجح من حيث الأدلة، وإن كان المعمول به بين علماء المالكية مضيَّه بكراهة أو حرمة أخذاً برواية المغيرة عن مالك (٢).
ومن أجل هذا منع المريض مرضاً مخوفاً من التبرع ولم يمنع من المعاوضة بالبيع ونحوه؛ لأن في البيع أخذ عوض بخلاف التبرع، فالتهمة في تبرع المريض قائمة.
стр. 1782
يد - مقاصد أحكام القضاء والشهادة
أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرّفاتها بأن مقصدها: أن يكون للأمة ولاةٌ يسوسون مصالحَها، ويقيمون العدل فيها، وينفذون أحكام الشريعة بينها, لأن الشريعة ما جاءت بما جاءت به من تحديد كيفيات معاملات الأمة، وتعيين الحقوق لأصحابها إلا وهي تريد تنفيذَ أحكامها وإيصالَ الحقوق إلى أربابها إن رام رائم اغتصابها منهم، وإلّا لم يحصل تمام المقصود من تشريعها, لأن الحقوق معرَّضةٌ للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة، ومعرَّضةٌ لسوء الفهم وللجهل وللتناسي.
وكلُّ واضِع نظام أو باعثِ سفير، أو موصٍ بعمل مّا، إلّا وهو في وقت وضع أعماله يُقدَّر حالةً يكون فيها حائلٌ حول مقصوده فيتخذ لذلك ما يراه من الحيطة.
فلا جَرَم أن كان من أهم مقاصد الشريعة بعد تبليغها إقامتُها وحراستُها وتنفيذُها. ولذلك لزم إقامةُ علماء للشريعة لقصد تبليغها وإقامتها. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (١). وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال لبني ليث حين وردوا عليه: "فارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلَّموهم" (٢) *.
стр. 1783
وتعين إقامة ولاة لأمورها، وإقامة قوة تُعين أولئك الولاة على تنفيذها. فكانت الحكومة والسلطان من لوازم الشريعة لئلا تكون في بعض الأوقات معطَّلةً. وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١).
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، وأقوال رسول الله وتصرّفاته في ذلك بلغت التواتر. فقد تواتر بعثهُ الأمراء والقضاةَ للأقطار النائية. وتولّى رسول الله ﷺ الحُكمَ بنفسه بين المسلمين في حاضرة الإِسلام المدينة. وما توجيهُ القرآن خطاباتٍ كثرةً بضمير الجماعة إلَّا مراد به خطابُ الأمة في أعمال يعلم أنها لا تتمّ وتحصل إلا بمباشرة من ينفذها، أي أن يتولى تنفيذها نفرٌ تقيمهم الأمة لتنفيذها في أشكال ومراتب مختلفة ومتفاوتة. وليس هذا الكتاب
стр. 1784
بمحل بسط الاستدلال على ذلك (١) * لأنه من علائق أصول الدين أو علم السياسة الشرعية.
إن أهمّ المقاصد لتهيئة إقامة الشريعة وتنفيذها هو بثُّ علومها، وتكثيرُ علمائها وحملِتها. وذلك فرضُ كفاية على الأمة بمقدار ما يسدّ حاجتها ويكفي مهماتها في سعة أقطارها وعظمة أمصارها. وقد استودع الله هذه الأمة كتابه مشتملاً على شرائع عظيمة تأصيلاً وتفريعاً. والرسول ﵊ أمرَ أمتَه في مشاهد كثيرة بأن يبلّغ الشاهد الغائب (٢)، وحثّ من يسمع مقالته على أن يعيها ويؤديها كما سمعها (٣). فلم يتلبَّث سلف الأمة في إكثار مصاحف القرآن في أمصار الإِسلام، ثم في تدوين سنة رسول الله ﷺ التي بلّغها عنه ثقات أمته، ثم تدوين آراء أئمة الإِسلام المعبَّر عنها بالفقه، ثم يتبع ذلك صفاتُ حملةِ الشريعة.
وتعين لتحقيق تنفيذ الشريعة إيقاعُ حرمتها في نفوس الأمة. وإن يقين الأمة بسداد شريعتها تجعل طاعتَها منبعثة عن اختيار. وأعظم الشرائع في يقين أمتها بسدادها شريعة الإِسلام، إذ قد قامت الأدلة القاطعة على أنها معصومة لأنها مستندة إلى الوحي. ولذلك لم يزل علماء الأمة حريصين على إرجاع القوانين إلى أدلة الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا
стр. 1785
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). وهذا خاصٌّ بحكم الرسول ﷺ وهو يعطي مراتبَ متفاوتة لمن دون الرسول على حسب قرب حكمه من حكم الرسول ﵊. ولذلك رجّح علماؤنا أن يصرح القاضي في حكمه بمستنده فيه تحقيقاً لمعنى نفي الحرج من الحكم الشرعي بقدر الإمكان (٢).
وليس بنا أن نتعرض هنا إلى مقاصد الشريعة في تبليغها وحراستها, ولا في شروط الخلفاء والأمراء وولاة الأمور من أهل الحل والعقد وقوّاد الأجناد القائمين لذلك، فإن ذلك أيضاً خارج عن
стр. 1786
غرضنا من هذا الكتاب، ولكنّنا سنخص بحثنا هذا بمقاصد الشريعة من أحوال المنوط بهم تنفيذُها في خصوص إيصال الحقوق إلى أصحابها على نحو ما رسمته الشريعة تأصيلاً وتفريعاً. وهؤلاء هم القضاةُ، وأهلُ شوراهم، وأعوانُهم، وما تتألف منه طرق أقضياتهم وهي البينات والرسوم.
وقد بين القرافي في الفرق الثالث والعشرين والمائتين: "أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرّف إلا لجلب مصلحة أو درء مفسدة فيكون الأئمةُ والولاةُ معزولين عما ليس بأحسن وما ليس فيه بذل الجهد. والمرجوح أبداً ليس بأحسن وليس الأخذ به بذلاً للاجتهاد" (١) اهـ.
وأقول: ورد في حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ لما أخذ عليه البيعة شرط عليه: "النصح لكل مسلم" (٢).
وبيَّن القرافي الفرق السادس والتسعين أنه يجب أن يقدَّم في كل ولاية من هو أقومُ بمصالحها على من هو دونه، واستدل على ذلك بأدلة بيَّنة لا حاجة إلى جلبها هنا (٣).
стр. 1787
ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلَّها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانةٌ على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي. وذلك مأخوذ من حديث الموطأ:
"أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضيَ له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحقّ أخيه فلا يأخذْه، فإنّما أقتطع له قطعة من نار" (١).
ففي هذا الحديث دلالة على أن طرق إظهار الحق مختلفة، وأن تلقّي القاضي لأساليب المرافعة أحسنُه ما أعانه على تَبيُّن الحق، وأن القاضي إنما يقضي بحسب ما يبدو له من الأدلة والحجج، وأن على الخصوم إبداءَ ما يوضّح حقوقهم، وأن التّحيّل على الباطل ضلال وملقٍ في النار. وفي حديث الموطأ أيضاً (٢) *: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله. وقال الآخر وكان أفقهَهما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. فقال رسول الله: تكلم" الحديث.
وروى الترمذي وأبو داود عن علي: أن رسول الله ﷺ بعثه إلى
стр. 1788
اليمن قاضياً فقال له: "إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تَقضِيَنَّ حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلام الأول فإنه أحرى أن يتبيّنَ لك القضاء" (١).
فيجب على الحاكم أن يستقصي وجوه الحجج المبيِّنة للحق بقدر ما يستطيعَ ولو بالوصول إلى حفظ بعض الحقوق دون بعض، فإنّ حفظ البعض خير من ضياع الكل.
وقد حكى النبي ﷺ عن داود ﵇: "أنه تحاكمت إليه امرأتان في صبي تزعم كل منهما أنه ابنها فقضى به للكبرى"، مع أن الكِبَر لا أثر له في إظهار الحق. ولكنه لما أيس من الحجة عمد إلى مرجَّح ما، حفظاً لحق المختصم فيه لا لحق المتخاصمتين كي لا يبقى الصبي بدون كافلة. ولم يتطلب داود سبيلاً لحمل إحدى المرأتين على الإقرار، لعله لأنه لا يرى الإكراه على الإقرار. وقد علم أن إحداهما مبطلة لا محالة. ونزع سليمان ﵇ إلى طريقة الإلجاء إلى الإقرار (٢).
стр. 1789
ولم يزل الفقهاء يضيفون إلى أحكام المرافعات ضوابطَ وشروطاً كثيرة ما كان السلف يراعونها. وأحسن طرق فقهاء الإِسلام في ذلك فيما رأيت طريقة علماء الأندلس وهي مفصلةٌ في كتب النوازل والتوثيق (١). وأهمّ أركان نظام القضاء هو القاضي، فإنّ في صلاحه وكماله صلاحَ بقية ما يحفُّ به من الأحوال.
وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغُهُ الحقوق إلى طالبيها. وذلك يعتمد أموراً: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة.
فأصالة الرأي تستدعي العقل، والتكليف، والفطنة، وسلامة الحواس. وفي الحديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٢).
وأما العلم فالمراد به العلم بالأحكام الشرعية التي يجري بها القضاءُ فيما وَلِي عليه من أنواع النوازل. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ لما وجه معاذاً قاضياً إلى اليمن قال له: "كيف تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد"، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد"، قال: أجتهد برأيي ولا آلو. رواه الترمذي وأبو داود (٣). وقد قال مالك: "لا أرى خصال القضاء
стр. 1790
تجتمع اليوم في أحد. فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان أن يولّى العلمُ والورعُ" (١) فيتعين أن يكون القاضي أمثل العلماء الصالحين للقضاء، وبمقدار قوة علمه يزداد ترجُّحُه.
وقد اختلف في اشتراط كون القاضي مجتهداً إن وجد، أي إذا اشتهر بذلك وسُلّمت له مرتبة الاجتهاد من طائفة علماء عصره. وعندي أن العالِم المقلد لمذهب مجتهد مشهور، العالِمَ بالأدلة لا يقصر في استحقاق القضاء عن المجتهد، لا سيّما حين صار المسلمون مقلدين لمذاهب معلومة الصحّة مشهورة العلم. فلعل أولئك المقلدين لا يتلقون علمَ المجتهد المخالف للمذهب الذي تقلدوه. ولذلك فلا ينبغي أن يُختلَفَ في أن ولاية الفقيه المقلَّد إنما تكون للفقيه في المذهب الذي تقلده الناس الذين يقضي بينهم. وقد استمر عمل ولاة الأمصار الإِسلامية على ذلك فكانوا يولون القضاة من علماء مذاهب القوم الذين نصب القاضي فيهم. فإن كان في المصر أتباع لمذاهب كثيرة نصَبوا فيه قضاةً بعدد أتباع تلك المذاهب، ليكون ذلك مُطَمْئناً لهم لما قدمناه في باب حرمة الشريعة، على ما فيه من تشتت، ولكنهم لم يتوصلوا إلى إقناع طبقات الأمم بطريقة أخرى أقرب إلى التسليم. وليست إلَّا طريقةَ أخذ الأصلح من مجموع أقوال العلماء.