الامتحانات:
يجتاز التلميذ بجامع الزيتونة امتحانات ثلاثة:
الأول: عند التحاقه بالدراسة لأوّل مرّة. وهو امتحان الكفاءة الذي تقدّم ذكره.
الثاني: الامتحان العمومي السنوي، وهو امتحان نقله من سنة إلى ما فوقها، أو من كتاب إلى ما فوقه. ويكون ذلك بعد تمام القراءة للكتاب مدة سنة. ويشهد بذلك الشيوخ في دفتر دروس التلميذ. فإن خالف التلميذ ذلك بارتكاب مغالطة، وحضور دروس لم يتهيأ لها، ولا أذنت له فيها لجنة الامتحان سحب منه الدفتر كما قدمنا، ومنع من مزاولة ما لم يؤذن له فيه من الدروس.
وامتحان النقلة هذا تعيّنه النظارة العلمية وتُكَلَّف به لجنة من المدرسين الرسميين، يجتمعون له مساءً بالجامع. وينفرد كل عضو من أعضاء اللجنة بتلميذ يسأله في العلوم التي زاولها ذلك العام. وما يكتشف الشيخ من حال التلميذ يَكتبه الممتحن شاهداً به في دفتر دروس التلميذ، ناصاً على تقدّمه، أو استمراره على دروس سنته، أو على النزول به عن مرتبته إلى ما دونها.
ويلاحظ بخصوص امتحان النقلة أن كثيراً من الطلبة ممّن لا حاجة لهم إلى الحصول على شهادة الإعفاء من المجبى (١)، لم يكونوا يحرصون على المشاركة فيه في الأول. وقد حاول الشيوخ
стр. 212
حملهم على ذلك وإلزامهم به بشتى الوسائل النافعة، للتحقّق من نتائج دراساتهم.
امتحان التطويع:
هو امتحان نهاية الدراسة بالجامع. تتوّج به مزاولة التعليم سبع سنوات بالمعهد، يتنقَّل الطالب فيها في كل سنة من درجة إلى ما فوقها. ويحصل الناجح فيه على شهادة التخرج من الزيتونة، واسمها التطويع.
ولا يقبل الطالب للمشاركة في هذا الامتحان إلا بشروط:
عرضه لدفتر شهادات دروسه على لجنة مخصصة بذلك، تتولى تصفّح شهادات الشيوخ له، للتأكّد من حصوله على النصاب المطلوب من الدروس في مختلف الفنون للمشاركة في الامتحان.
وعند قبول اللجنة ترشّحه، يكلّف الطالب بإلقاء درس أمام لجنة الامتحان المعيّنة لذلك، يختاره بنفسه من كتاب مقرّر للدراسة أو تعيّنه له اللجنة. ويقضي من الوقت نصف ساعة في الإعداد لإلقاء الدرس.
وبتمام هذا الإجراء يُسجَّل الطالب في قائمة المرشّحين للمشاركة في امتحان التطويع.
ومواد الامتحان ثلاث، متنوعة بين كتابي وشفاهي.
ويعرف الامتحان الكتابي في اصطلاح جامع الزيتونة بالمقالة. ويكون في موضوع من موضوعات الفقه، إمّا في العبادات وإمّا في المعاملات. ويحدَّد الموضوع بالإعلان عنه في وقته، أمام الطلبة المشاركين في الامتحان، على طريق القرعة بسحب ورقة من الأوراق المتضمّنة لموضوعات المقالة.
стр. 213
فإذا اجتاز الطالب هذه المرحلة بنجاح أجري عليه الامتحان الشفاهي. ويتكوّن من مادتين هما؛ الدرس والأسئلة. ولا يقبل للمشاركة في الأسئلة إلا من ثبت نجاحه في الدرس.
وتُعيّن الدروس بسحب كل تلميذ بطاقة من بطائق مختلطة تكون بصندوق، تُحدَّد موضوع درسه من الكتاب المعيّن له.
وفي المرحلة الأخيرة يشارك المترشّح في مادة الأسئلة التي تجرى عليه في علوم: الفقه، والنحو، والصرف، والبلاغة، والمنطق، والحساب، والمساحة، والتاريخ، والجغرافية. والملاحظ أنها تكون مشتركة بين تلامذة اليوم الواحد من المتقدّمين للامتحان الشفاهي. وحفاظاً على سريّتها وعدم تسرّب شيء منها أو من أجوبتها إلى من ينتظر دوره لاجتياز الامتحان في هذه المادة، يجمع الطلبة ما سوى الأول منهم، في قاعة تُشدّد الحراسة عليها، قطعاً لضروب التحيُّل والتسمّع إلى ما يجري خارجها بقاعة الامتحان (١).
العطل والإجازات:
يأذن النظام في تعطيل الدروس بجامع الزيتونة مدّة طويلة في كل عام. وهي تستغرق شهرين من الصيف من منتصف شهر ٧ إلى منتصف شهر ٩ الميلاديين، وكاملَ شهر رمضان، والأسبوع الأول من شوال، و٩ أيام في عيد الأضحى، و٤ أيام في المولد، ويوماً واحداً يوم عاشوراء. وهذه الفترات منظور في تقديرها إلى أسباب عبادية أو مواسم وتقاليد، فلا تكون موزّعة على السنة الدراسية توزيعاً يوفر الراحة والاستجمام. وإنها مع ذلك لتجد من الطلبة
стр. 214
تذييلاً أولاً وآخراً. فعطلة الصيف تبدأ عملياً من بداية يونيو، والعطل القصيرة تتقدمها من المتطوّعين أيامُ ارتقابها مما يعوق انتظام الدراسة على الوجه المطلوب، ويحول دون الوفاء بالمقرّرات وختم الكتب (١).
تلك هي عامة الأوضاع والملابسات التي كانت تقارن حياة هذا الشباب من طلاب المعهد. فلا يُرجى من ورائها تحريك الطاقات والمواهب، ولا شحذ ملكات الإبداع، ولا إبراز علامات النبوغ، ولكنها، واحسرتاه، تَصرِف عن العمل والدرس، وعن مباهج الحياة إلى الحرص على اختصار مرحلة الانتساب إلى المعهد، للخروج إلى معترك الحياة قصد سدّ الحاجة والاندساس في مجتمعات أغنى وأرقى. ولسان حالهم يردّد قول علي بن الجهم:
والناس منهم عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
لو يرزقون الناسُ حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدّق (٢)
وبعد العرض المُزجي الموجز لأوضاع التعليم بالجامع الأعظم، جامع الزيتونة، إثر صدور ترتيب خير الدين - وهو عرض تجنبنا فيه الكثير من التفاصيل والجزئيات التي لا يتسع لها المقام - أحببنا أن نقف عند مطلبين هامين: التآليف والعلوم، تماماً كما فعل الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. ذلك أن بيان المنهج الإصلاحي يعتمد أساساً على التآليف التي يكون بها تقدّم العلوم، وتطوّرها، وتبلّغ القصد من الدرس، وتحقّق الانتفاع الشامل والكامل لرواد المعرفة وطلاب العلم.
стр. 215
المطلب الأول: الكتب والمصنفات المقررة للدراسة:
أغراض التأليف:
سبق لنا ذكر هذا الموضوع، بطريقة سريعة، عند الحديث عن الدروس. وإنا لنذكّر في بداية هذا المطلب بالأغراض السبعة التي فيها يُكتَب، ومن أجلها يؤلّف. جمع ذلك المتقدمون في قولهم:
ألا فاعلمن أن التآليف سبعة ... لكل لبيب في النصيحة خالصِ
فشرح لإغلاق، وتصحيح مخطىءٍ، ... وإبداع حَبْرٍ مُقدِم غيرِ ناكص
وترتيب منثور، وجمع مفرق، ... وتقصير تطويل، وتتميم ناقص
والذي حمل العلماء ورجال الفكر على طلب هذه الأغراض، والحرص على العناية بها، وتوفير الجهد في مجالاتها، تقديمُ شيء نافع لمن حولهم ولمن يليهم من الأجيال ممّن وقفوا على التراث العلمي الإسلامي الذي وصل غزيراً إلى أشياخهم، ولم يقدروا على الاستفادة منه مباشرة بأنفسهم، استفادة صالحة، أو ممّن كان هذا التراث محجوباً عنهم غيرَ واقع في حوزتهم، وهم في حاجة إلى التعرّف عليه والإفادة منه.
التأليف بعد القرن السادس:
بعد خمسمائة عام من العطاء الفكري والعمل الجاد العلمي، كان من الطبيعي أن تختلف طرائق اللاحقين عن طرائق الأئمة السابقين، لاقتناعهم بما فيه غنى مما هو متوفّر من التصانيف في نظرهم. وبدل التقدم بالعلوم، ومواصلة النشاط الإبداعي، طفِقَ أكثرهم يختصر ويزيد وينقص حسب ما يبدو له. وعلى هذا الأساس نشأت عقدة اللسان، واختفت مسائل العلم تحت الألفاظ، وانشغل المؤلفون عن النقد. وحمل هذا كثيراً منهم على العناية باختزال
стр. 216
حرف، أو نقص كلمة، كما فعل محمد بن ناماور الخونجي ٦٤٦ في الجمل "مختصر نهاية الأمل في المنطق"، وخليل بن إسحاق ٧٦٧ في مختصره الفقهي، والتقي ابن السبكي ٧٧١ في جمع الجوامع في أصول الفقه، والجلال المحلِّي ٨٦٤ في شرحه لجمع الجوامع (١).
وترتّب على هذا الاتجاه تعقيد شديد، عطل الأفهام عن الغوص على المعاني، وصرَف الأذهان إلى شرح المغلقات، وأضاع الوقت على الدارسين. فتحوّل بذلك النظر إلى مجالات لفظية حول العبارات ومعاني الكلمات.
وكانت النتيجة لهذا التكوين مكابرة ولجاجاً، وقصوراً عن الحجاج.
الاعتماد على النقل أساساً:
غير غريب أن تطغى مع هذا كثرة النقول في مؤلّفات هذا العصر، تفاخراً من أصحابها بسعة المعرفة وكثرة التحصيل، وإن خلت كتبهم من النظر وإعمال الفكر والنقد. وإن في هذا المنهج لانحرافاً عن مثل ما كان يقوم به السكاكي في نقوله، في مواضع شتى من كتابه المفتاح، عن الزمخشري أو عن الجرجاني وأضرابهما، قصد دعم رأي، أو إقامةِ برهان على صحّة معنى، أو بيانٍ لمذاق له (٢).
وقد نظر الأستاذ الإمام إلى أولئك النقلة فوجدهم فئتين:
الفئة الأولى: تنقل ما يصل إليها أو يقع تحت يدها.
стр. 217
والفئة الثانية: تزيّن تأليفها بالنقل عن العلماء والمشاهير أمثال الغزالي وعبد القاهر وابن العربي، لكنك قلّما تجد مَن نهج على منوال هؤلاء العظماء، لأن التقليد إذا صافحه الضعف والفتور، تعلق بسفاسف الأمور. وربما مرّ أصحاب هذه الفئة على مواضع مشكلة من كلام المتقدمين، فيتحاشونها، ولا يقدمون على تحقيقها، مثل كلام عبد القاهر في المعاني الثواني، والغزالي في باب البيان من المستصفى، وابن العربي في حديثه عن المتشابه في شرح الترمذي (١).
وبقدر ما كانت النقول لدى السابقين تأكيداً وتقوية لما يصوّرونه من أغراض، ويبدونه من آراء، كانت عندهم شاهداً على ضعف العقل، وذهاب الملكات، وكثرة التهريج. وحين استقرّ في أذهانهم العجز عن ملاحقة السابقين قالوا: "ما ترك الأول للآخر"، "وما أصحّ علم من تقدم"، وإذا لم يقدروا على المفاضلة والترجيح، ولو بعد تكلّف وإجهاد، بين أنظار المتقدمين واختلاف آرائهم، استسلموا قانطين، وذهبوا مرددين: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٢). وغير بدع من الأمر أن يتولّد عن هذه الحالة النفسية لديهم تقديس مطلق للمتقدّمين، أشعرَهم بالنقص، وعدم القدرة على الإتيان بما أتَوا به، وأنّى للتابع أن يبلغ مبلغ الرائد في سداد رأيه، وصحّة نظره، وقدرته على الاجتهاد. ووقع في يقينهم أن كلَّ مسطور يظفرون به أو يقفون عليه ينتسب إلى السابقين صحيح لا يمكن الطعن فيه ولا يُتردّد في الأخذ بما فيه. ونشأت عن هذه العقلية نزعات كان قد نبّه إليها الشيخ ابن عاشور في قوله:
стр. 218
"فإنه لما سدّت منافذ التفكير في العلم والتوسعة فيه، مال العلماء إلى التفكير في عبارات السابقين، ثم لما عُنوا بطريقة الاستحضار مالوا في تآليفهم إلى الاختصار، وحين شعروا بسماجة الإعادة للمسائل ابتكروا طريقةَ خلطِ التأليف الموضوع في مسائل علم ما بمسائل أخرى من علوم أخرى لأدنى مناسبة أو ملابسة" (١).
المحافظون المقلِّدون:
أصرّ هؤلاء على مواقفهم، مكتفين بما ورثوه، قانعين بما وصل إليهم، نابذين كل جديد، ومهاجمين كل ما يظهر في مجالات فنونهم وعلومهم مما يخالف أو يناقض ما عرفوه من تصوّرات واعتادوه من آراء، يلبسون له جلد النمر، يحضرون له سيَاط الزجر. وذلك لجمود أفكارهم، وقصورهم عن الاتسام بسِيمَى المحقّقين من العلماء. وربما كان ذلك أيضاً بسبب حسد الأكفاء والعمل على إطفاء مواهب المعاصرين، والتعصّب الممقوت لأشياخهم وكبار علمائهم، وإن تغيرت العصور وقامت بها الحجة عليهم. وإنك لتجدهم يكيدون لمن ليس من حزبهم، لوقف الناس عند ما بلغ إليه العلماء الأقدمون، غير متجاوزين في شيء مقالاتِهم وسلوكَهم وطرائقَهم. ومن أجل ذلك ألقوا في نفوس الحكام والملوك أن الخروج عن ذلك قيد شبر كالإلحاد في الدين، وأن في إطلاق الحرية للرأي والعلم نكراناً لفضيلة العلماء الماضين، إلى غير ذلك من كلمات لفّقوها، وأحاديث وضعوها، ورهبانية في تقديس المتقدمين ابتدعوها (٢).
ولم تنجُ من مغالطاتهم وصنوف كيدهم سوى طائفة قليلة من
стр. 219
العلماء البارزين لم تجرؤ على إعلان معارضتها لهم، ولكنها جرت على طرائقهم، فضمّنت ما حرّرتْه من شروح وحواشٍ وتعليقات تصحيحَ كثير من الأفهام، وإبداء ما رأته من مقالات وأفكار صائبة.
ولو أن المقلّدين رضوا باستدراك النقص، وتصدّوا لإصلاح الكتب والمؤلّفات مما تزخر به من أخلال، لأعانوا الطلاب بعد طول دراساتهم للعلوم اللغوية والعربية، ومثافنتهم لفَنَّي المعاني والبيان، واستغراقهم غالب أوقاتهم في العكوف على العلوم الشرعية، على الانتفاع بما تخصّصوا فيه، والظهور في مختلف مجالات الدرس والبحث والإنتاج قادةَ فكر، وأئمةَ علم، وأمثلةً ونماذجُ يُحتذى حذوها ويُقتدى بها.
تحرير الموقف من العلماء السابقين:
وهكذا تتعانق الأجيال، وتلتقي على الخير. فلا يكون الفضل بسبب التقدّم زماناً مطلقاً، ولا بما لابس أولئك العلماء من تقديس لأخذهم بمناهج المتصوّفة أو بظهور الكرامات، أو بالانتماء إلى طائفة معيّنة ونحلة خاصة، أو بالحفاظ على عادات وتقاليد ليست من جوهر العلم ولا مما يتَّصل به أو يتولّد عنه، وإنما أسباب التفضيل التي يقرّ بها العامة والخاصة، ويرونها معايير توزن بها جهودُ الرجال وطاقاتُهم، واتساعُ مواهبهم، وألوان إنتاجهم التي تقوم عليه المدارس العلميّة النافعة، والمذاهب الفكرية الراشدة.
وقدم الناس في كل عصر مَن تميّز من بينهم بالإقبال على العلم والإعراض عن زخارف الدنيا، والنصيحة للكَافة وللخاصة، ومن جهة ثانية المتقنين للعلوم، الواضعين لقواعدها، المبدعين في صنوفها، الذواقين الكاشفين عن أسرارها، والأسخياءَ الذين تَرَقَّوْا بتلك
стр. 220
العلوم، وأفاضوا على القريب والبعيد من معارفها. فبهذا يتعارف الخيّرون، ويتنادى المُصلحون، وتبرز الصلة متينة قوية بالمضي على نفس المنهج، وتتواصل الجهود بين السابقين واللاحقين. وهذا ما حمل الشيخ ابن عاشور على التنويه بهؤلاء في قوله: "إنهم غرسوا لنُنمي، وأسّسوا لنَشِيدَ، وابتدأوا لنزيد. ولست مقتدراً أن أقنع نفسي بأنَّهم كانوا في درجة واحدة من العلم، بل منهم العالم المنشىء لقواعد وأصول، ومنهم الذي لم يشتهر اسمه إلا بفضل عوارض" (١). وهذا التفاوت بين الأعلام المشهورين يرجع بدون شك إلى ما فطروا عليه، وإلى ما هذبوه ونمّوه من ملكات، وما رزقهم الله من مواهب وقدرات، أو اكتسبوه من طاقات وتخصّصات.
المطلب الثاني: عيوب التأليف:
وإنا كلما تقدمنا في مطالعة المذكرات الإصلاحية للشيخ ابن عاشور أيقظتنا إضاءات وتنويرات، ونبّهتنا لأهميتها آراء وملاحظات، وذكرتنا عند مطالعتها قواعد وأصولاً، يغفل عنها المدرِّسون ولا يجهلونها، وإنما هي الرتابة والتعوّد وعدم الالتفات إلى أحوال المخاطبين، وبُعد أصحاب التصانيف عن أصول البلاغة صناعة لا نظراً، أفقدتهم أسس النجاح، وجعلتهم فيما يقرّرون أو يكتبون يُملِّون وينفِّرون لما يشوب تآليفهم من عيوب تورث طُلّابَهم العياءَ وقلةَ الفهم.
ولذلك وجبت العناية بالتآليف تعريفاً وعرضاً، تحليلاً ونقداً، توجيهاً وإصلاحاً. ومن كان في أوائل هذا القرن يقدر على ذلك مثل
стр. 221
العلامة ابن عاشور؟! فهو لسعة معرفته بهذا الموضوع، وكمال إحاطته بالفنون والمؤلفات، وغوصه في دراسة مناهجها وضبط خصائصها، قد تولَّى إلى جانب التاريخ لهذه الظاهرة العلمية التي تعلّقها طوال حياته بيان أوصافٍ وتعليلات وملاحظات وأحكام لا تجد الحديث عنها في كتاب، ولا في حلقة درس إلا نزراً، ومن القليل القليل من أهل العلم.
ذكر ﵀ أمثلة من كتب جيّدة انبنت عليها النهضة في العلوم، وقام بها تأسيس النظر في عدّة فنون. وهذه معلومة مشهورة، ولكنَّها أُتبعت بعد وضعها وتصنيفها بأخرى استندت إليها، ورام الشيوخ في حلقات الدرس أن يلقّنوها طلابهم، ويعلّموهم ما شملته من قواعد ونظريات وأفكار. ولعله من الواجب، لاكتشاف بعض الحقائق والأسرار، أن ننظر بتأمّل في كتاب أليس الصبح بقريب. فهو يركز ملاحظاتِ مؤلفه ونقدَهُ على الكتب المدرسية، المقرَّرَة للمرحلة الأولى من التعليم الزَّيتوني، والتي يقوم التلميذ بدراستها ولمّا يبلغ في الغالب من العمر خمسة عشر عاماً.
بعض كتب المرحلة الابتدائية:
من أهم ما يُبدأُ به من المقرر كتابان: المقدمة الآجُرُّومية في النحو، وإيساغوجي في المنطق. وهما متقاربان حجماً، متباينان سهولة وصعوبة.
فالمقدمة الآجُرُّومية، نسبة إلى مؤلفها محمد بن محمد بن داود بن آجُرُّوم ٧٤٣، أوّل كتاب يدرس في علم النحو. وهو مفيد. نظمه يحيى بن موسى العَمريطي ٨٩٠، وأسماه الدرّة البهيّة.
وإيساغوجي كتاب لأثير الدين مفضّل بن عمر الأبهري ٧٠٠.
стр. 222
مختصر أيضاً. وضعه صاحبه للتعريف بالكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، وما يتصل بذلك من المصطلحات المنطقية الواجب استحضارها لمن يبتدىء في شيء من العلوم (١). والملاحظ لدى عامة الدارسين أنه كان من الأفضل تأخير دراسة هذا الكتاب سنتين أو ثلاث حتى يتهيأ التلميذ لذلك.
وكتاب القطر المعيّن لدراسة النحو في السنة الثانية ابتدائي هو كتاب قطر الندى وبلّ الصدى. مقدمة في النحو لابن هشام ٧٦٢. قال عنه الشيخ ابن عاشور: "وفيه مسائل تقرأ في علم النحو هي كما تقدم من عويصات المسائل أو من محاجاته" (٢).
والألفية أو الخلاصة في النحو لابن مالك الطائي الجَيَّاني ٦٧٢. هي أرجوزة مفيدة من مقررات السنة الثالثة والرابعة بجامع الزيتونة، عليها شروح كثيرة مهمة.
الاضطراب والاختلاط:
اشتملت كثير من الكتب الدراسية على اضطراب وإخلال بسبب الإجمال. فغاضت المعاني، وتشتّتت المقاصد، ونقصت الفوائد. وهو ما اشتكى منه ابن خلدون في مقدمته، والشاطبي في موافقاته (٣).
أما صور الاختلاط في التعليم والتأليف فكثيرة. كان يؤتى بمسائل علم المنطق في مبادىء علم الأصول، ويفصّل الحديث في
стр. 223
فلسفة الأجرام في باب التشبيه، ويَرِدُ ذكر الحواس الباطنة في الفصل والوصل من علم البلاغة، ويختلط التصوّف بالفقه، وعلم الكلام بمبادي النحو عند تعريف لفظ الكلام، فيتناول القولُ بالمناسبة مبحثَ دلالة الكلام أهي وضعية أم عقلية (١). وتداخل العلوم هكذا، أوجب ربط بعضها ببعض ضيقاً في تلك المؤلّفات، وكثرةَ الخلاف في مسائلها، كما أورث بالانتقال من مادة إلى أخرى في نفس الدرسِ والحصة، وما يستوجبه هذا من تقديم وتذييل، شرودَ عقل التلميذ، وعدمَ فَهمه، وعجزَه عن مسايرة الشيوخ في تقريراتهم، والإفادة من جهودهم وتحريراتهم. ومما يلاحظ فيما ذكرنا أن من الخلط المشار إليه ما هو مادي علمي، ومنه ما هو منهجي تصوّري. وكلاهما يحتاج إلى تغيير وإصلاح في الكتب ومواد التدريس.
من اختلاط المسائل:
عرّف النحاة اللفظ بأنه الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية. وهذه العبارة واضحة الدلالة يفهمها التلميذ في يسر، ويسهل عليه حفظها، لكن الشارح أراد إبراز معارفه، ونسي أنه يتحدث في النحو مع تلامذة مبتدئين، فأتى بتعريف ثانٍ ليس هذا موضعه، ناقلاً عن المتكلمين قولهم: "اللفظ حركة في اللسان يخلقها الله عند حاجة المتكلم"، ويتبعه المحشِّي مؤكداً للتعريف الثاني الكلامي بقوله: "إن الشارح لم تزلّ به قدمه بل جرى على أصول الأشعري في الكسب". ويعقب الشيخ ابن عاشور على هذا كلِّه، مبدياً رأيه في هذا الصنيع قائلاً: "فجاءتك مسألة خلق الأفعال، والخلاف بين الأشعرية والمعتزلة والجبرية. كل هذا والتلميذ يَعُدّ
стр. 224
ما في الجامع من أساطين، ويشيّع بنظره مساعي المارين، فإن شئت أن تعلم ما حصل من المسألة فاسأل العادّين، لأن التلميذ لم يعرف بعد معنى الكلام، فكيف به إلى دقائق علم الكلام" (١).
ومن أمثلة ذلك أيضاً ما يجري من تلقين مسائل التوحيد في مقدمات الكتب الفقهية. فهذا عبد الواحد بن عاشر ١٠٤٠ يورد في نظمه المرشد المعين على الضروري من علوم الدين في حدوث العالم قوله:
[وذا محال] وحدوث العالم ... من حدث الأعراض مع تلازم
وبالرغم من سهولة التعبير فإن إشاراته لا يدركها الأطفال ولا يَعُونها - ولو درّسها المدرس، وأوضحها الشارح - إلا بجهد وعنت. ومن يستطيع منهم فهم كلام مياره في شرحه وتعليل حقيقته حين يقول: وحدوث العالم ... لما قدم في برهان الوجود حدوثَ العالم، ذكر هنا برهان ذلك؛ وهو ملازمته للأعراض الحادثة، فإن أجرام العالم يستحيل انفكاكها عن الأعراض، كالحركة والسكون. وهذه الأعراض حادثة بدليل مشاهدة تغيّرها. فلو كانت قديمة للزم أن لا تنعدم، لأن ما ثبت قِدَمُه استحال عدمه، وإذا ثبت حدوثها واستحال وجودها في الأول، لزم حدوث الأجرام واستحالة وجودها في الأزل قطعاً لاستحالة انفكاكها عن الأعراض، إذ حدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة (٢).
وإن في هذا الشرح إيغالاً أيضاً في استعمال الاصطلاحات التي لم يألفها التلميذ بعد.
стр. 225
ومن الخلط التصوّري المنهجي طريقة علماء المنطق المتجلّية في كتبهم عند تفصيلهم القول في اختلاف علمائهم في لزوم النتيجة للمقدمات. وهو الشأن في العاديّات، فيتساءلون أهذا الأمر عقلي أم عادي؟ ويبنون ذلك على مناهج المتكلّمين بمراعاة اصطلاحهم، ويُهَوّل على من يقول منهم: هو عقلي أو واجب، بأن فيه تحكيماً للعقل أو الإيجاب. وهما نزعتان ضالتان (١).
وقد يكون فساد التصوّر متولّداً عن تقديس من لا يستحق التقديس، وإنما هو العبد الصالح تظهر على يديه الكرامات، وهو معزول عن صفة العلم ومنازل العلماء. ومن هنا كان خطأ المِقَّرِي فيما رواه في كتابه الأزهار من تقويمه لمنزلة أبي الحسن الصّغيّر تعقيباً على ما رواه القَبَّاب عن الإمام ابن عرفة من قوله بشأنه: وكثيراً ما نجد في تقييد الشيخ أبي الحسن: "يؤخذ من هذه المسألة". فلا أدري صورة ذلك الأخذ ما هو؟ هل هو من طريق الاستقراء أو الاستنباط أو القياس أو المفهوم. وكل قسم من هذه الأقسام يفتقر إلى شرط، ولا شيء من ذلك ... قال المقري: "لا يقع في ذهنك قصور الشيخ في قوله: "يؤخذ من هذه المسألة" ... واعلم أرشدك الله أن الشيخ أبا الحسن كان إمام وقته في فقه المدوّنة، وهو المستقل برئاستها بعد شيخه الفقيه ابن راشد. ما أخذ عنه حتى ظهرت على يديه الكرامات الخارقة في شفاء أصحاب العلل المزمنة، وغير ذلك" (٢).
ومن الدلائل على سقم هذا المنهج اعتمادهم كلام الصالحين
стр. 226
اعتماداً يقضون به على العلم. وربما نزّلوا كلامهم منزلة ما لا يقبل الطعن، كأخذهم أجوبة صاحب الإبريز التي يرويها عن شيخه الصالح عبد العزيز الدباغ (١) فيعتقدون أنها تمام مراد الله أو رسوله من كلامه المفسر فيها (٢).
ومن فساد التصوّر أيضاً جعل العلم علمين: علم معرفة وخبرة ودراية، وعلم كشف. وقد يحمل على هذا الاعتقاد انتشار هذه الأفكار بين الناس واعتدادهم بها، في غفلة عن تعاطي الأسباب وتسلق المعرفة بالنظر وبذل الجهد. وإن من كبار العلماء من وقع في هذه الأوهام أو تسلطت عليه.
فهذا القطب الشيرازي ٧١٠ يقول في ديباجة شرحه للمفتاح: "إنه قد ألقي إليّ على سبيل الإنذار، من حضرة الملك الجبار، بلسان الإلهام، لا كوهم من الأوهام، حال نصب شبكة الغيبة، وهي حال بين النوم واليقظة، ما أورثني التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار السرور" (٣). وقال سعد الدين التفتازاني ٧٩٢ في شرح التلخيص عند حديثه عن الإعجاز وما يقرب منه، وتقريرِه ما عطف على حد الإعجاز: "ومما ألهمت بين النوم واليقظة" (٤).
ولقد كان من ضعاف المشتغلين بالعلم، غير المتمكنين منه من كان يعتقد أن الأمر المشكل إذا رُئي في النوم ما يبيّنه، فقد فسّر بوجه لا يقبل الخطأ. فهم يرون الأحلام كشفاً، ويثقون بأنفسهم وهم نائمون بما كانوا يشكّون فيه وهم أيقاظ (٥).
стр. 227
سير حركة التأليف في العلوم الإسلامية ونقد كتب التدريس:
إن من يُعِد النظر، متدبِّراً سير حركة التأليف في مختلف أطوارها، يجد هذا محكوماً في طبيعة الزمان بحال الأمة. وذلك ما حمل الشيخ ابن عاشور، بين يدي نقده لأوضاع الكتب في عصره وما قبل عصره، على استعراض أحوال التأليف ومدارسه ومناهجه قديماً وحديثاً، مذكّراً بما كان من ذلك في صدر الإسلام عند نشأة العلوم الإسلامية وظهور الكتب الأصلية فيها، وبما كان من نشاط فكري في العواصم الفكرية بمصر والشام، والقيروان وإفريقية والأندلس والمغرب. فإذا قضى من ذلك وطره، ولو في عبارات موجزة مختصرة، انتقل إلى النظر في الكتب المدرسية التي يزاول الطلبة دراستها والنظر فيها، بما يتلقّونه عن شيوخهم، وما يمارسونه من التدرّب أو المراجعة لها بإشرافهم.
وقد لاحظ الإمام العلامة المصلح بُعدَ هذه التآليف عن المنهج المحمود. وذلك لخلوّها من مراعاة أبسط قواعد التربية والتعليم، وجهل مؤلفيها بأحوال الطلاب الفكرية، وباستعدادات ومؤهلات المقبلين على دراستها في أطراف البلاد الإسلامية.
والحق أن عامة المصنِّفين في مواد العلم الإسلامي كانوا يحدّدون الغاية من تدريس ما يضعونه من الكتب في مختلف العلوم، فيحفلون بها وبموضوعاتها وبأصولها وفروعها خدمة للعلم الشرعي وللسان العربي. ولم يكن يشغَل عامتهم إلا من قلّ منهم، التفكيرُ عند وضع تأليفه في أيِّ فنٍّ أو مادة بسن التلميذ أو الطالب، وبمرتبته الفكرية أو الدراسية، إذ لم يكن هذا من شأنهم ولا مقصوداً منهم ولا مطلوباً عندهم. وهم يسبقون المدرسة والمعهد والطلاب، فلا يضعون في الاعتبار عند التأليف حاجاتهم، وإنما هي كتب موضوعة
стр. 228
كمقدمات للعلم، فمختصرات أو نَظْم لها، أو شروح وحواشٍ وتعليقات، أو مطولات. ومن أجل ذلك تختلط فيها مسائل العلوم، ويكثر الجدل والمناقشات، وترد فيها القضايا الكثيرة في غير تناسب بينها ولا ترتيب. فلا يتصوّر بعد ذلك تمكّن الشيوخ أو الإدارة أو الطلاب من اختيار كتبهم للدراسة، مراعين في ذلك التكوين العلمي والتدرج المعرفي والجانبين الضروريين النظري والتطبيقي، وبخاصة في المرحلة الأولى من التعليم.
قال الأستاذ الإمام الأكبر: "إنّ كُتُبَ التعليم عندنا لمّا لم يضعها أصحابُها لغرض التعليم، أو لم يراعوا فيها انتساب بعضها من بعض نظراً إلى طبقات التعليم، اعتمد كل واحد من المؤلفين طريقة توخّى فيها ما اعتقده الأصح للناظرين، ولم يلتفت أكثرهم في الماضي إلى وجوب التدرّج للتلميذ؛ أي: إلى تنقله من معلوم إلى مجهول" (١). ولم يكن في تقديري أن هذه هي حال الزيتونة، ولكنها السمة الغالبة على غيره من المعاهد؛ كالأزهر والقرويين وسائر المعاهد الدينية.
المطلب الثالث: العلوم:
جاء هذا الفصل في أليس الصبح بقريب إكمالاً لما قبله، وتجلية للرؤية المطلوبة في موضوعاته ومسائله، وتفصيلاً للآثار المترتبة على ذلك في ميداني التأليف والعلوم. وبعد أن تعرض قائد الإصلاح ورائده في جامعتنا الزيتونية إلى الحديث عن ثمرات العلوم وغاياتها، وبيان أطوار العلوم في الأمة، وربطَ تأخّرَ الأمة بتأخر
стр. 229
العلوم فيها، وقف بنا عند جملة قضايا مهمة: منها: القصد من تدوين العلوم، ولفت النظر إلى العلوم الإسلامية، وبيان أصناف المقبلين على العلم في مجتمعاتنا، منتقلاً من ذلك إلى ذكر الأسباب العامة، أسباب ضعف العلم وتأخّره عندنا. وَلَكَمْ يكون حريّاً برجال التربية والتعليم أن ينتبهوا إلى فقرات هذا الفصل، لِمَا له من علاقة أكيدة وارتباط كبير بما يتدبّرونه من قضايا، ويتناولونه من مشاكل تربوية وتعليمية، كان اعتمادهم في أكثرها على الآراء والنظريات البيداغوجية التي وضعها أصحابها لمجتمعات غير مجتمعاتنا، وأطفال غير أطفالنا، فيفيدون مما حرره العلماء، ويجدون فيه الغناء عن لوك مقالات المربِّين في القرون الوسطى من غير أهلينا.
وقد كان التمهيد لذكر أسباب التأخّر بالعودة بنا إلى حصر العلوم الإسلامية التي كان يعنى بها الشيوخ، متفرّغين إليها تلقيناً وتقريراً وبياناً وتحريراً. وأبرزها الفقه واللغة والنحو وتفريع الفروع الفقهية والمسائل العلمية. وذلك للنظر في محتوى هذه العلوم وطُرق عرضها.
وكان أول ما انصرف إليه الشيخ ﵀ من الحقائق في هذا العلم هو التنبيه إلى أن تدوين العلوم كان من السلف بداعي النصح للخلف. وهذا لا يتم إلا متى حصل الإغناء من الأولين لمن بعدهم عن إضاعة الأوقات فيما فرغوا منه من استقداح الأفكار فيما جمعوه ودونوه من معارف وعلوم. وهكذا تقتصر مهمة الخلف على الزيادة على ما أخذوه عنهم وورثوه منهم. ويَضمن هذا عن طريق النظر والدرس والاستنتاج إيجاد الملكة العلمية، وترقية الأفكار، وصقل مرايا العقول. ولا يحصل الغرض الشريف من ذلك بأمر الناس بمتابعة ما وضع لهم، أو بتلقي ما بلغ إليهم من وضع الواضعين بكل
стр. 230
تسليم، ولكنه يكون بصرف نظر المتعلم إلى نتائج تلك العقول ودرسها، فيتّبعها أو ينبذها إلى أحسن منها أو أوضح. وبهذا يجري الطالب على نسق أسلافه بعد تكوّن ملكته، فيستدرك عليهم، وينمي ما وصلوا إليه بتأملاته وإضافاته.
ملاحظات حول طلاب العلم:
طلاب العلم عندنا في تلك الفترة ليسوا على نمط واحد كما دلّت عليه التجربة وشهد به الواقع، ولكنهم أنماط وأصناف:
منهم من أخذوا علوماً ليسوا في حاجة إليها، تباهياً وتجملاً بها، وشاركوا في الانتساب إلى علوم عالية مقتصرين في الجملة على ألفاظ وحقائق يسردونها لا يفقهونها ولا ينتفعون بها.
وتميّزت طائفة ثانية بقوّة حوافظها. فكانت تعرض الكتب عن ظهر قلب من حفظها، فيعجب بها السامع، وينجذب المشاهد لما يكون منها أو يجده فيها. فيظن بها خيراً، ويعتقد أن ما هي عليه هو العلم، وإن كانت هذه الطائفة ساذجة ضعيفة الفكر.
وقد انقسم الناس إزاء هذه الطائفة الأخيرة وإزاء مناهج التعليم عندها. فمِنْ مقلد قادر على التقليد، وآخر بدت منه المحاولة، ولكن خار عزمه عن المتابعة، وضعفت قدرته عن المسايرة. وهؤلاء كلهم، وهم الكثرة، من المعجبين بتلك الطائفة، المباهين بقدرتها على الاستظهار والحفظ.
وتقابل هذه الجماعة فئةٌ أخرى كانت معارضة لهذا المنهج، غير قابلة له، تستنقص قيمة عمل المولعين بالحفظ، ولا تلتفت إليه. لكن هذه الفئة إما معارضة في نفسها تخونها العبارة، فلا تقدر على التعليق أو التغيير عما عليه تلك الطائفة من تقصير ومعايب، وإما قادرة
стр. 231
على نقدها وبيان فسادها، ولكنها محدودة العدد لا يظهر منها إلا القليل النادر الفينة بعد الفينة.
ويعلق الإمام الأكبر على هذه الظاهرة بقوله: "فأصبحت قلّة هؤلاء وكثرة أولئك وبالاً عظيماً على العلم. وهو أصل تشعب الناس في العلوم، وسبب ابتهاج كل فريق بنصيبه منها. وفي هذا يكمن أحد سببي تأخر العلوم. وهما وجود مسائل لا حاجة إليها يطال بها التعليمَ، وهي ليست من العلم في شيء، مستمدةٌ من فنون أخرى تذكر لأدنى علاقة، وإهمال مسائل وعلوم مهمة وقع إغفالها أو الانصراف عنها لسبب من الأسباب المرفوضة الواهية" (١).
ولتفصيل هذه المعاني وتقريرها أتبع الشيخ ابن عاشور ما تقدم من ملاحظات حول العلم: حقيقته والغاية منه بعامة، وحول العلوم الإسلامية وانقسام الطلاب إزاءها حسب ميولهم وأهوائهم، بذكر جملة أسباب عامة اقتضت ضعف طلب العلم وتأخر العلوم، بقصد تجنّبها وتلافي الوضع الشائن الذي هبطت إليه. وقد جعل منها، على سبيل التمثيل لا الحصر ولا الإحاطة، أربعة عشر سبباً فرعياً تعرض للعلوم وطرق مزاولتها.
الأسباب العامة لضعف التعليم وتأخر العلوم:
إن هذه الأسباب متنوّعة بين اجتماعي ومنهجي وتصنيفي.
فمن الأسباب الاجتماعية:
أولاً: توقيت سير العلم بسبب ما عرض لبعض الدول كالدولة العباسية من اهتزازات وأزمات وفتن. فلم يَعدُ اللاحقون ما حرّره
стр. 232
المبدعون ودبّجه المتقدّمون، كما حالت الظروف دون الانطلاق، بل دون استئناف الجد في طلب العلم في أكثر مجالاته لانطفاء سرجه، وذهاب من بقي من العلماء في البلاد.
ثانياً: ما ظهر في نفوس الطلاب من طموح إلى اكتساب أوسع ما يمكن من المعرفة، وقادهم ذلك إلى حب المشاركة في جميع العلوم. فاختلطت مادة الدرس بعدة قضايا يتوقّف بعضها على فهم بعض. فكلّت الهمم، وحال ذلك دون أهل العلم ودون تحقيق علم من العلوم ينبغون فيه. وانتقلوا من الاختصاص بأحد فنون العلم، مثل الأئمة المشاهير الذين سبقوهم، إلى الاكتفاء بنظرة شمولية سطحية لم تساعدهم على التقدّم بالفكر والعلم. وأمام هذا الانتكاس، الذي حصل لهم بموجبه ضيقُ الوقت مع اتساع العلم، رضوا من العلم بالانتساب إليه، واقتنعوا بما ألمّوا به من قليل المسائل في كلِّ علمٍ.
ثالثاً: انتشار الطرائق الصوفية بين المسلمين التي بثت في نفوسهم الرضا بالموجود، واحتقار سائر العلوم ما عدا المعرفة بالله بحسب تصوّراتهم. وفي غمرة هذا المنزع الجديد تعوّدت النفوس على قبول ما لا يفهم والاقتناعِ به، كتلك التي امتلأت بها كتب المتصوّفة من الرموز والمغلقات والدعاوى التي لا دليل عليها، وأصبح من توجيهات قادة الفكر عندهم في ذلك الحين أن يتعلم الناس سماع ما لا يفهم، وأن يقتنعوا بكل ما يسمع، جاعلين من دلائل علو العلم وشرفه استعصاء فهمه على الإنسان.
وقد احتاج هذا المنزع إلى طول وقت وإلى بذل جهود كبيرة لاقتلاعه من النفوس وتحريرها منه.
стр. 233
رابعاً: ما حصل بسبب تأثير المنهج الصوفي المعارفي من تهاون بعدّة علوم نافعة. فقد حقّر أصحاب ذلك المنزع جملة من العلوم العقلية العليا والشرعية مما عجزت عنه أقلامهم؛ كعلم أصول الفقه، وعلم البلاغة، والتاريخ، والعمران أو الاجتماع، وأسرار التكليف، ومقاصد الشريعة، كما رفضوا العلوم المنقولة عن اليونان تنزّهاً، والعلوم الأدبية مثل الشعر والكتابة وآداب المجالسة لكون الاشتغال بها في نظرهم إضاعة للوقت. أما العلوم المستظرفة والفلسفية التي منها نقد العلوم، والبحث في أسرارها وعللها، فقد رأوها ملهاة يحسن الانصراف عنها. فهي لم تكن تجد نصيراً من غير أهلها الراضين بها والمقبلين عليها.
من الأسباب المنهجية:
أولاً: تداخل العلوم وربط بعضها ببعض. فإنك لا تكاد تجد فناً من الفنون العلمية خالياً من استخدام الحكمة أو علم الكلام، وإن أوجب ذلك ضيقاً في العلوم وكثرة للخلاف. وقد مثل صاحب كتاب أليس الصبح بقريب لذلك فقال: تراهم في المنطق مثلاً يختلفون في لزوم النتيجة للمقدمات أهو عقلي أم عادي؟ ثم يختلفون اختلافاً طويلاً أساسه المراعاة لاصطلاح فرق المتكلمين، لأن هذا شأن العاديات، ويهوّل على من يقول: هو عقلي أو واجب بأن فيه تحكيم العقل أو الإيجاب، وهما نزعتان ضالَّتان.
ثانياً: الاحتجاج للاصطلاح في القديم، ولو كان في ضبط دلالة اللفظ الواحد. فقد اختلف البيانيُّون والنحاة في وجه التقديم، وإن أوجب ذلك اختلافاً في الفهم. فقال البيانيون: هو للحصر، وذهب النحاة إلى أنه لإظهار الاهتمام بالمقدَّم. كما اختلفوا في أصول الفقه في ضبط مدلول مفهوم المخالفة. فقال الجمهور: يفيد
стр. 234
النقيض، وذهب ابن أبي زيد إلى إفادته الضدّ، وليسا شيئاً واحداً. وعقّب المؤلف على هذين المثالين في تحرير المصطلحات بقوله: "وعندي أن لاحترام الاصطلاح حدًّا، وهو أن يحترم ما دام غير مخلّ بشيء في العلم وغير قاصر في ذاته. وانتقد صنيع الغزالي في تبديل الأسماء المنطقية في مقدمة المستصفى، لأن مثل هذا التبديل يوجب تشويشاً" (١). أما إذا كان التغيير عدولاً إلى ما هو أوضح فهو الاصطلاح، وينبغي أن يشاع ليعرفه أهل العلم.
ثالثاً: الإعجاب بآراء المتقدمين، وتنزيههم عن الخطأ، وانحصار العلم في تداول ما تناقلته الأجيال بعضها عن بعض. وقد يحصل النقل لقولين متجانبين في موضوع واحد وهما متضادان، فيحاولون إصلاح ذلك بضروب من التكلّف؛ كقلب الحقيقة إلى مجاز، وتقدير المضاف، وجعل الجزئي كلياً، وغير ذلك. وربما أبطلوا أحد القولين، ولا يكون في الغالب هذا الإبطال أو الترجيح إلا لفائدة ما يختارونه من الأقوال.
ولبيان هذا التصرُّف غير المنطقي وما يترتب عليه من آثار أورد الشيخ ابن عاشور من شرح الحموي على الأشباه والنظائر مسألةً من باب الردّة في كتاب السير في ذكر الأنبياء وناقشها (٢). ثم أتبعها برأيه في كلام القدامى والاعتناء به، مشيراً إلى أن القواعد العلمية التي أسسها لنا السلف يقرؤها الطلاب ويعتمدونها لتوسيع أنظارهم وخدمة آرائهم لا لتستعبد أفكارهم. ومتى استأسرت القواعد الأفكار بانَ
стр. 235
خطأ النظر. وإننا متى اقتصرنا في مناهجنا على ما أسسه لنا الأسلاف، ووقفنا عند ما حدّدوه رجعنا القهقرى في العلم والتعليم. أما إذا جعلنا أصولهم أسساً نرتقي بالبناء عليها، فإنا نستكمل ما فاتهم ونستدركه عليهم، وإن لم نحظَ بما فاتنا من علومهم ولو قليلاً.
رابعاً: سيطرة التقليد في العلم وهو ما نعاه الغزالي والباقلاني وغيرهما على كثير من العلماء والمؤلفين. ولا ننسى أن هذا المسلك أضرَّ بالعلوم الإسلامية. ومن ملاحظات الإمام الأكبر على هذا قوله: "وقد وجدت أن التقليد في العلوم هو الذي ينشىء الإعجاب لعالميها بما علموا، لأنهم ما قُلِّدوا حتى غالطوا أنفسهم، وظنوا أن ما علموه منزّه عن الطعن والخطأ. فأصبحت مناظرتهم وانصياعهم عما علموا شيئاً عسيراً". ثم قال: "والبؤس العظيم للأمة إذا تداخلت العوائد والعلوم، ومُوّهت بعض العوائد الضالة بطلاء الدين والأصول".
خامساً: سوء التفاهم، وبلوغ الخلافيات بينهم مبلغاً مشيناً، جرّدهم من الموضوعية، ودعاهم إلى التنابز وإشاعة التشنيع والسباب بينهم، فترتب على ذلك كله انقسامهم إلى فئات وشيع. ولو اتبعوا الحق وابتعدوا عن المكابرة في العلم لما نجم بينهم خلاف ابتداءً، إذ العقلاء يشتركون في صفة تَسُوقُهم رأساً إلى الحق وحده. ومثل هذا الخلاف بنتائجه ظهر بين المعتزلة والأشعرية في مسائل منها: صفات المعاني، وقدرة العبد، والحُسن والقبح.
أحوال التأليف والتصنيف:
أما الأسباب المؤدية إلى جمود التآليف أو تأخّرها فقد فصّلها الشيخ ابن عاشور في كتابه أليس الصبح بقريب (١)، وذلك بإثر عرضه
стр. 236
لأحوال الدروس والمدرِّسين، وأحوال الفنون والكتب، وأحوال التلامذة. وبيّن في هذا المحل:
أولاً: أن فساد طريقة التأليف، وعنونة المسائل، وعدم ترتيب الكتب على درجات تراعى فيها أحوال الطلبة ومستوياتهم، تَرتَّبَ عليه تناقص التأليف، وبقاء الموجود سخيفاً ضعيفاً.
ثانياً: إثارة الأبحاث الجانبية استطراداً، وهي في الغالب غير متعيّنة ولا ذات جدوى، لكونها منصبة على ألفاظ المؤلفين من أجل تأييد المذاهب والآراء بدافع التعصّب والتحزّب. وقد تفشّى ذلك بخاصة عند الفقهاء والمتكلمين. ومن أمثلته الشائعة قضية خلق القرآن. وهي مسألة اقتضتها الرغبة الملحة في البحث. وجلبت هذه المسألة ومثيلاتها تهويلاً أيَّ تهويل على المخالف وتنابزاً بالألقاب واللوازم.
ثالثاً: عدم تطوّر التآليف، بل تدنّيها بسبب اقتصارها أحياناً كثيرة على ذكر القواعد والاصطلاحات، معزولة عما يركزها في الأذهان من شرح وأعمال تطبيقية أو تمارين. وقد ظهر ذلك بالخصوص في أزمنة انقطع فيها العلماء أو قلّوا. فأقبل الطلاب على الكتب المتوفّرة لديهم يستظهرونها. فلا يشحذ ذلك عقولهم، ولا يكسبهم الخبرة والدُّربة. ويعظم خطر هذا التقصير في التآليف في كتب تدريس العلوم العقلية واللسانية، وفي استبدال الأمثلة الصناعية الممجوجة والسمجة في كتبهم بالأمثلة والشواهد الهامة والمفيدة التي كانت تزخر بها تآليف العلماء السابقين المتقدمين.
رابعاً: سلب الحرية عن العلوم لاقتصار العلم في نظر الجمهور على نقل كلام السلف، وانحصار التآليف في نقل ما مضى من غير
стр. 237
بحث، بسبب هيمنة شيع متعصبة، يمجّدون آراء أساتذتهم وشيوخهم. فإذا تجاسر أحد على مخالفتهم عدّ مهوّساً. وهكذا انصرف الناس إلى خدمة كلام السابقين وتطويل المسوّدات والمناقشات في أفهامهم. وأصبح المبتكر عرضة للنكاية أو الاضطهاد، وناهيك بالمعترض على بعض المتقدّمين.
خامساً: إهمال المراقبة للعلوم بسبب إطلاق حرية الفكر ماضياً وحاضراً. وقد نشأ عن ذلك طمع من لا معرفة لهم ولا قدرة على خوض مجالاتها، أو الإدلاء بدلائهم فيها بوضع الرسائل والكتب، فأساؤوا للعلم وللمتعلمين. وهذا أمر يقتضي دون شك ذود الجهلة عنها، وصون العلوم من التحريف والتغيير والتبديل وسوء التأويل.
تلك هي النظرة الفاحصة لأحوال العلوم، وما لحق بعضها من نقص أو اختلال. وتصوير ذلك تصويراً عاماً يذكر أسباب التأخر فيها، كما قدّمها لنا الإمام الأكبر بعد حسن إحاطة منه بجملة العلوم، وإلمام بقضاياها، وطول مثافنة وتدبّر لها. ولم تكن الأسباب التي ذكرها محصُورة فيما ساقه منها، ولكن اكتفى في هذا المقام بإبراز أهم النقاط، يشهد لذلك قوله: "إن كثيراً من الأسباب قد غاب عني لكنه لا يكون أقوى مما ذكرت".
وهو بعد إجماله القول في هذا الغرض الذي يُقصد أساساً منه نقد أوضاع التعليم في عصره بجامع الزيتونة، رأى أن ما قدمه من ملاحظات بعيد عن حسِّ كثير من المدرسين، لكونه مع فوائده الكبيرة لا يمس، على التعيين، علومهم. فدعاه ذلك إلى وقفة جديدة يضع على المشرحة فيها العلوم المتداولة بينهم، وإن تفاوتت في الأهمية، واختلفت فيما نالها من استقرار وجمود، أو إقبال وإدبار من عامة الدارسين والناظرين فيها.
стр. 238
الدروس الأساسية للتعليم بجامع الزيتونة، وبيان طريقة المؤلف في نقد العلوم المقررة:
إن العلوم المتداولة متعددة:
منها العلوم الشرعية كعلوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والكلام.
ومنها علوم اللغة المتصلة بحياة اللغة العربية مادة وفنوناً، وعلوم العربية كالنحو والصرف، وأسرار العربية كعلوم البلاغة من معانٍ وبيانٍ وبديع.
ومنها ما هو دون ذلك في الأهمية عند شيوخ الزيتونة، وهي العلوم الأخرى التي - رغم كبر نفعها ومسيس الحاجة إليها - لم تحظَ بما تستحقه من العناية بينهم. فلم تبلغ في تدريسها المرحلة المتقدمة أو المستوى المناسب لها في عصرنا، وإنما بقيت جامدة في الأكثر، لا تعدو ما نقله العرب منها عن اليونان، وما وضع لها من مقاصد السابقين. وهذه العلوم هي المنطق وعلم التاريخ والعلوم الفلسفية والرياضية.
وقد كان تعامل الشيخ ﵀ مع هذه العلوم في عرضها، وذكر أسباب التأخر فيها، موحَّداً في تعريفه لأكثرها، وذكر أطوارها وأهم مراحلها، مع الإشارة إلى الأمهات والمصادر المدونة فيها. وذلك ما يَبرز بروزاً واضحاً في تناوله لعلوم المقاصد وعلوم الوسائل. ثم يعقّب ذلك في كل علم من العلوم المشار إليها بذكر ما ألمّ بها من أسباب التأخر، وبما يقترحه من وسائل الإصلاح لها.
أما العلوم الأخرى التي أشاد بأهميتها، ودعا إلى ضرورة الإقبال عليها فقد تناولها بطريقة مختلفة ركزت على الإشارة إلى
стр. 239
الأهداف منها، ونبّهت إلى ما هي عليه اليوم عندنا من ضمور بسبب التوقّف عن مسايرة الرواد فيها في البلاد المتقدمة، والانصراف عما ألحقوه بها وطوّروه من محاورها وموضوعاتها ومناهجها. وقد كان الشيخ شديد الحرص في كل ذلك على وضع إضاءات وتنويرات تُوجِّه الأساتذة في إقبالهم عليها، وإلى الإفادة من مطالعاتهم، وضبط تحريراتهم، بالوقوف على ما جدّ من مسائل دقيقة، تمهيداً للاشتغال بتلك العلوم، ومعواناً على تأليف كتب قيِّمة فيها.
ولعل في ذكر أسباب الضعف والتأخر في كلا القسمين من العلوم ما يكفي لتعقّب أعمال المتأخّرين، أو تنقيتها مما لحق بها من شوائب، والأخذ بما دعا إليه الإمام الأكبر من أوجه الإصلاح.
* * *
стр. 240
أ - من علوم المقاصد
١ - علم التفسير
بدأ المؤلف بتعريفه، وذكر مراحله، وتنوّع مناهج المفسرين فيه، بين تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، ثم باختلاف طرق السابقين في العناية بالقرآن بما رجعوا إليه من علوم لخدمته، واستخراج معانيه كاللغة والبيان وعلوم العربية. وهو ينهي ما أجمله من القول في ذلك بالإشارة إلى أن تفسير القرآن أصبح تسجيلاً يقيّد به فهم القرآن، ويضيق به معناه الذي كان السلف يقولون فيه: "إنه لا تنقضي عجائبه ولا تنفد معانيه" (١). ولتقرير هذه الحقيقة من حصر الأفهام، وضعف بيان مراد الله تعالى من كتابه، يذكر أسباب ذلك معقّباً عليها ببيان المنهج الذي يحسن بالمفسرين اعتماده وسلوكه.
стр. 241
كلمة عن المفسرين:
ومما نعاه الشيخ ﵀ على المفسرين:
أولاً: العناية بالتوقيف والنقل تجنباً للخطأ، ودفعاً للعامة من ولوج باب هذا العلم الذي يحتاج إلى تأهّل وسابق إعداد للمشاركة فيه. ومن الملاحظ أن كثيراً من أصحاب هذه السِّمَة كانوا يتساهلون في نقولهم، وإن كانت ضعيفة، ويتجنّبون اعتماد الرأي، ولو كان صواباً. وهكذا وقع منهم الاستشهاد بكثير من روايات الوضّاعين عن ابن عباس، أمثال الكلبي ومقاتل والضحاك، كما نقلوا عن الإمام علي أخباراً ضعيفة لم تصحَّ، واهية الأسانيد، وقد ظهر الاهتمام بالنقل في ذكر أسباب النزول، مما صرف ألفاظ القرآن عن معانيها، واقتباس غير المراد منها من كتب الوعاظ وغيرهم.
وهنا لا بد من تحرير القول في معنى الرأي. قال ابن عطية: الرأي الذميم الذي لا يعتمد هو أن يسأل الرجل عن معنى فيتسوّر عليه برأيه من غير نظر فيما قاله العلماء، أو اقتضاه قانون العلم. وليس يدخل في هذا تفسير اللغويين لغته، والنحويين نحوه، والفقهاء فقهه. فإن القائل على هذه الصفة ليس قائلاً بمجرد رأيه. وهذا هو الصحيح. وليس المراد ألّا يتكلّم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة قد فسّروا واختلفوا، وليس كلّ ذلك سمعوا.
الثاني: عدة سمات منها: ضعف العلم باللغة والبلاغة. فإن قليلي البضاعة منهما لا يقدرون على شيء في هذا العلم، لأنه لا يتم تعاطيه وإحالة النظر فيه إلا بحذق الفنَّيْن. قال الجاحظ في كتابه نظم القرآن: "لا يمكن لأحد أن يغوص على شيء من حقائق الكتاب إلا رجل برع في عِلميْن مختصين بالقرآن هما المعاني والبيان، بعد أن
стр. 242
يكون آخذاً من العلوم بحظٍّ. وهو مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقَّادها" (١).
ويؤكد هذا المعنى السكاكي بما ذكره في مقدمة مفتاح العلوم: "وفيما ذكرنا ما ينبّه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم، تعالى وتقدَّس، من كلامه، مفتقر إلى هذين العلمين: المعاني والبيان، كلَّ الافتقار. فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل" (٢).
ومنها اعتبار القرآن إشارات، تَظهر بتفكيك اللفظ القرآني، كما فعلت الباطنية والإسماعيلية، ومن جرى مجراهما من الصوفية، أو بتحريف الكلم عن مواضعه، كما فعل غلاة الشيعة. ومن هذه التفاسير تفسير القاشاني الباطني، ومنها أيضاً تأويلات المتشبّهين بالعلماء الذين تؤثر عنهم أقوال غثة وأفهام رثة، فيما حاولوه من تفسير القرآن.
الثالث: الضعف في علوم يظنّونها بعيدة عن القرآن وهي ضرورية لإدراك مراميه ومعرفة عظمته، مثل التاريخ وفلسفة العمران والأديان والسياسة.
الرابع: عدم الاهتمام بالعلوم المساعدة ذات العلاقة بالتفسير للكشف عن معاني الآي، والاشتغال بمسائل علوم ليست ذات صلة أو ضعيفة المناسبة. وقد مثل الإمام الأكبر بالتفسير الكبير للإمام الرازي في هذا الصنيع قائلاً: فجاء كتابه بعيداً عن غرض المفسّر.
ومنهج الإصلاح لعلم التفسير أو كتابته ينبني. على طلب الصحّة
стр. 243
للتفسير، ومعرفة طريق استمداده، وتعميق أغراضه ودلالاته، وتوثيق الأفهام فيه، واجتناب كثير من المحاذير التي تَزِلُّ بها القدم، ويبتعد بها المفسر عن أصول صناعته. وهذه الحقائق تذكّر بما اعتاد كثير من العلماء بيانه لتحديد الغرض من التفسير بعامة، وذكر شروط المفسر.
وإذا كان التفسير، كما قال الإمام الأكبر، هو شرح مراد الله تعالى من القرآن، ليفهمه مَن لم يصل ذوقه وإدراكه إلى فهم دقائق العربية، وليعتاد، بممارسة ذلك، فهمَ كلام العرب وأساليبهم من تلقاء نفسه، فإن المفسر أمين على إبلاغ الناس مراد الله من كتابه، ولا يتأتّى له ذلك إلا بمعرفة اللغة وعلومها، وتصوره الدقيق لاستعمالات العربية فيها، والممارسة لجملة من فنونها، ارتياضاً بها، وحذقاً لتصرّفات القول حذقاً يصل به إلى اكتشاف مغالق المعاني وأسرار البيان وخصائص التعبير لدى الأمة من أهل هذه اللغة الذين خاطبهم الله بلسانهم، وأنزل عليهم كتاباً عربياً مبيناً لا يَخْلَقُ على طول الردِّ. فصحة التفسير يكفلها شرح التراكيب القرآنية ببيان المقصود من ألفاظ القرآن بحسب ما جرى عليه استعمالها في اللغة العربية.
واستمداد ذلك يكون باجتذاب المعاني من الدلالة اللغوية للألفاظ، ومن التصرّفات القولية التي وردت بها تراكيبه، ومن الحس بها، والإدراك للخصائص البلاغية التي تتّسم بها تلك التراكيب.
ولا يتأتّى للمفسر أن يغوص على أسرار الكتاب، ويتعمّق معانيه إلا متى اكتمل إدراكه لنظمه البديع، فيتجه به كل اتجاه لتصوّر محامله، والوقوف على احتمالاته مهما تعددت.
وما من شك في أن لثقافة المفسر في هذا أثراً كبيراً في
стр. 244
التوصل إلى الغاية من عمله، ولا يعوقه تحقيق هذا الغرض إذا ما تأيَّد بالمقالات النفيسة لأئمة هذا الفن من المتقدمين والمتأخرين، شرط أن تكون نقوله عنهم غير مجافية للأصول ولا للعربية.
وبجانب هذا كله حذّر الشيخ ابن عاشور من جملة محاذير يضعف بها التفسير ويسخف ويفسد ويبطل.
ومثل ذلك كثرة الاستطرادات، والاندفاع إلى بيان أغراض ليست من مفادات التراكيب القرآنية. فهذا لا يكون تفسيراً، وإنما هو ضرب من التدليس على المطالعين ممن لم تبلغ بهم مراتبهم العلمية مبلغ التمحيص، وتضليلٌ لعامة المسلمين. وكذلك الاقتصار في التفسير على بيان المعنى بحيث يكون عمله بمنزلة نقل الكلام وترجمته من لغة إلى لغة أخرى، فلا يفيد طلاب الهدي الإلهي، ولا شداة المعرفة بالقرآن الكريم.
٢ - علم الحديث
ويراد به فيما أطلق عليه: حفظ ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وما نقل عن أصحابه من سنته وسننهم الراجعة إلى التأسّي به، كما أنه يطلق في الأعم على ما يشمل فنوناً خمسة هي: متن الحديث، ومصطلحه، وصفات النبي ﷺ ، ودلائل نبوّته، وسيرته وغزواته. ولا بد من ملاحظة ما مرّ به العلم من مراحل الرواية والتحمّل والتبليغ والتصنيف. وقد خالط ذلك ما أساء إلى هذا العلم من تدليس ووضع وكذب ممن كان عاجزاً عن الاشتغال به رواية ودراية، نقداً واستنباطاً. وذلك بسبب طلب الشهرة وعلو المنزلة العامة، وهذا من صنيع الوعاظ والقصّاصين وأنصار المذاهب والنِّحل.
стр. 245
وحماة السنّة والذائدون عنها المحققون لها لم يَأْلُ أحدهم جهداً في نقد الرواة، والتعديل والتجريح، وضبط الأسانيد الصحاح. فوضعت بذلك شروط التخريج، وبينت معاني الحديث، ووَضَع الكتب في مصطلح هذا العلم عمداؤه، حتى أصبح علم الحديث أكثر العلوم الإسلامية إتقاناً وإحكاماً، وكتُبُه أسلمَ من الأخلال التي لحقت غيرها من التصانيف.
أسباب الأخلال في علم الحديث:
ولم يعدّ الإمام الأكبر أكثر من سببين دخل عن طريقهما الأخلال بعلم الحديث هما:
أولاً: اغترار الناس بحسن أحوال الرواة من غير نقد، ووقوعهم في مصيبة الذهول، وإن سلموا من مصيبة التدليس والغرور.
الثاني: قصور الهمم عن مزاولة علم الحديث مزاولة نقد وضبط، والاكتفاء بالإجازات في الاهتمام به وتحقيق الانتساب إليه.
ومن خلال السبب الأول بالخصوص تحدّث الشيخ ﵀ عن الوضّاعين بمختلف أنواعهم ونوازعهم ودوافعهم، وما ظهر على أيديهم من بوارق الكذب، بالتدليس في الأسماء، وبحذف من يتهمه الناس من رجال الإسناد في مروياتهم، وبما يزيدونه في الأحاديث الصحيحة من كلام غير ثابت. وأمر التدليس متفاوَت فيه فيمن وُسِم به. وكذلك انتشرت المراسيل، واقتضت تمحيصاً ونظراً من أصحاب الخبرة والعلم بالرواية. وقيّض الله لنصرة سنّة نبيه وتشريعاته علماء الملة بانتصاب أهل العلم لضبط السنن وتحقيقها، خوفاً على عامة المسلمين من الانزلاق في الأخطاء، وتحمل الأحاديث الموضوعة والمدلسة، بإيلافهم الدجالين، واستماعهم لهم والرواية عنهم.
стр. 246
وقد انتصب الإمام مالك والبخاري ومسلم ويحيى بن معين ومن سار على نهجهم لرد ما انتشر من الضلالات والإفك، وكانوا يتشدّدون في البحث عن عدالة الرواة. ولم تسلم أكثر المستدركات على البخاري ومسلم، عند الإمام الأكبر، من التساهل في الرواية لا سيما مستدركات الحاكم والبيهقي.
هذا وقد كان للسببين المذكورين فيما لحق علم الحديث من اختلال، أثر كبير في الفقه والعقائد وآداب الدين. ولا بدع إذا وجدَ ذلك كلُّه مواجهةً ورداً من الصحابة ﵃ وأئمة الهدى ﵏.
فقد روي عن عمر أنه حين روي له حديث فاطمة بنت قيس في نفقة المعتدّة قال: "لا نترك كتاب الله وسُنّة نبيّه لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت" (١).
وقدّم الإمام مالك القياس الجلي والعملَ الثابت بالمدينة على خبر الواحد الصحيح. ونبّه الإمام الشافعي إلى أن السنة لا تُخصّص القرآن ولا تنسخه. ومن الفقهاء والمتقدّمين مَن ردّ الحديث الغريب كابن عبد البر.
ويمكن أن نخلص من هذا إلى بيان وجه الإصلاح في عصرنا لعلم الحديث. وذلك:
أولاً: بسدّ باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة كتبَ الحديث، فإن في الأحاديث الحسان بلاغاً لطالب الفضائل.
ثانياً: بطرح الاشتغال بضبط أحوال الرواة بعد ما فحص الحفاظ صحيح الحديث من عليله.
стр. 247
ثالثاً: بالاقتصار في الرواية والنقل على ذكر الصحابي راوي الحديث، وبيان درجة ما رواه في نظر أهل النقد، كما فعل السيوطي في الجامع الكبير.
رابعاً: بتذييل ذكر الحديث بمنازع علماء الفقه في الاستنباط، وهو ما درج عليه إمام دار الهجرة في مُوَطَّئِه.
٣ - علم الفقه
هو العلم القائم على استنباط العلماء تفاريعَ الأحكام من القرآن والفقه في جميع الشؤون التي تدعوهم إليها الحاجة، فبيَّنَ المؤلف ابتداءً قيام هذا العلم ونشاطه من عهد النبوة، وتصدُّرَ ذوي الشأن فيه، ممن تميّز بجودة الفهم وأصالة الرأي لإذاعته وضبط أحكامه. وقد تبع نبغاء فقهاء الصحابة أتباعُهم في بلاد كثيرة بالمدينة والكوفة وبلاد الشام. وكان الداعي إلى العناية به تحقيق العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وكان الباعث على تدوينه حفظ ما تجمع لهم من الآراء في ذلك، ليحفظوا على الناس أزمانهم في عمل قد قضّاه فيها من قبلهم، مع الاحتياج في هذه الصناعة إلى صفات، يقل اجتماعها، من قوّةِ الرأي، وفهمِ أساليب العرب، والشعورِ بمقاصد الشريعة، وصفة العدالة، والفراغ من الشغل بغير علم الشريعة.
وبعد ذكر أوصافهم من التمحيص، والدّقة، والحذر من التشديد في الأحكام، أو الجزم بها عندما تكون قوية الظن، ينتقل المؤلف إلى تقسيم كتب الفقهاء وطرائقهم في الفقه إلى قسمين:
الأول: تذكر فيه الفروع وأنواع الحوادث مذيّلة بأحكامها، كما يظهر ذلك في مدوّنة مالك وجامع محمد بن الحسن الشيباني.
стр. 248
والثاني: تذكر فيه الكليّات الفقهيّة (الأصول القريبة)، وتُفَرَّع عليها المسائل الجزئية كما هو صنيع القرافي في فروقه، وابن نجيم في أشباهه. وسبق هؤلاء وتبعهم عدد من الفقهاء إلى هذا الصنيع مثل العز بن عبد السلام والمقرّي والونشريسي.
وقد نبّه إثر ذلك، في بيان أطوار هذا العلم، إلى أن طريقة التفريع كانت أقرب وأسهل، وأن جهد أكثر المؤلفين كان مقتصراً عليها، منصباً على التقديرات وتكرير الفروع. وقد أتى الفقهَ من هذا الوجه أقدمُ فساد أَوجبَ تأخّره حين طمع القاصرون في روايته من غير نظر في علم الفقه، فلفت المؤلف النظر إلى أن جماع التشريعات تضمّنها الكتاب الكريم. فالقرآن تبيان لكل شيء، وجعل دورَ الفقهاء استنباطاً لتفاريع الأحكام منه في جميع الشؤون التي تدعوهم إليها الحاجة، وبدون خدمة علوم أخرى، وأصبحت مسائله صوراً لها أحكام، تؤخذ مسلمة من كل من يقف عليها. ولا ينكر الشيخ ﵀ الحاجة إلى التفريع وإلى توضيح المشكلات؛ وإنما الذي ينكره هو حصر مسائل الفقه في ذلك.
وربما زاد الأمرَ إشكالاً عنايةُ بعض الفقهاء بنقل الخلاف المذهبي، وذكر الأقوال الكثيرة في المسألة الواحدة. فتشتَّتَتِ الأفكار واختلفت الأفهام. ولولا تصدّي أمثال ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب ومحمد بن بشير إلى مواجهة هذا الوضع بالترجيح بين الأقوال المختلفة لصعب على الناس تعاطي الفقه.
ومن أجل زيادة بيان وضع هذا العلم، أولى الإمام الأكبر تقرير هذه الحقائق عناية خاصة بتفصيل القول في ذكر أسباب تأخّره، وبيان طرق علاجه، بضرب الأمثلة على ذلك من عمل المهرة من متقدمي الفقهاء.
стр. 249
تأخر العلوم الفقهية وأسبابه:
ومن أسباب اختلال هذا العلم:
أولاً: التعصّب للمذاهب، والعكوف من أصحابها على كلام أئمتهم واستنباط الأحكام منه بالالتزام ونحوه. وأصبح قصارى عمل هؤلاء نقل الفروع، وجمع الغرائب المخالفة للقياس، ونقل الخلاف. ومضوا على ذلك معطِّلين الاجتهاد والتفقّه في الدين. وقد ذكر الباجي مقالة الإمام مالك في هذا. قال: "لا أعلم قوماً أشد خلافاً على مالك من أهل الأندلس، لأن مالكاً لا يجيز تقليد الرواة وهم لا يعتمدون غير ذلك" (١). ورد المقّري في قواعده على الاتجاه نفسه من التعصب للمذاهب بوضع الحِجَاج على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ أو المرجوحية، فإن في ذلك بعداً عن النصفة للحق، وتثبيتاً للخطأ في الفقه، وإيثاراً للهوى على الهدى (٢). وقد أنكر هذا التصرف كافةُ العقلاء، وقال أبو العلاء:
فمجادل وصلَ الجدالَ، وقد درى ... أنّ الحقيقة فيه ليس كما زعم (٣)
ثانياً: مقاومة النظر في الفقه بمنع الترجيح والتعليل، والتشنيع على من يقوم بذلك، واتهامه بإرادة إحداث مذهب جديد، أو قول ثالث. وهذا من المغالطات التي يعتمدها العَجَزَة، وذوو الحظ القليل من العلم. ومما يُبطل جمودهم على منهجهم صنيعُ سحنون،
стр. 250
رحمه الله، بإخراجه فروع المدوّنة مذيّلة بأحاديث صحيحة تخالفها، تنبيهاً على أنه مختار غيرَها. وفي غلق باب النظر مانع من تعليل الخلاف، ومن التوصّل إلى توحيد المذهب، ومن القدرة على الاجتهاد في أحكام محدثاتٍ كثيرة. ودليل بطلان هذا المنحى لدى الفقهاء أن أئمة المذاهب راعوا في المستنبطات الاجتهادية المصالح والمفاسد، ومقاصد الشريعة في الخلق، وحاجات الأمة وعوائدها، ودفع الشتات.
ومما يحقّقه النظر ويساعد عليه تحسينُ الحالة العمومية في تصاريف الأقضية الشرعية، وأحكام المعاملات المدنيّة والمنافع الاجتماعية، ذهابُ هذا الناقد المصلح، مقبلاً غير مدبر، في قضايا آمن بها، ومارسها وأَسْهم في الاشتغال بها. فهو يعدل عن التلفيق فيها، وعن استنباط الأحكام من كلام الأئمة بشأنها، لكون هذا مردوداً، نبّه على ذلك المقّري في غير ما موضع، في ما نصّ عليه من أن نقلَ القول وعزوَه إلى المذهب يحتاج إلى دراية وخبرة. فليس كل كتاب يمثل المذهب. وإنما هناك كتب اعتمدها الفقهاء والمفتون، وأخرى حذّروا منها.
قال المقري في تفصيل هذا المعنى: "ولمّا غلب وصف التقليد في الناس جنحوا إلى القال والقيل، إذ لم يسمع منهم إلا ما نقلوه عن غيرهم لا ما رأوه من عند أنفسهم، حتى كان العز بن عبد السلام يقول بالرأي، فإن سئل عن المسألة أفتى فيها بقول الشافعي ويقول: لم تسألني مذهبي. وإنها لإحدى كُبَر دواهي التقليد. فالتقليد مذموم، وأقبح منه تحيّز الأقطار، وتعصب النظَّار. فترى الرجل يبذل جهده في استقصاء المسائل، ويستفرغ وسعه في تقدير الطرق وتحرير الدلائل، ثم لا يختار إلا مذهب من انتصر له وحدَه، لمحض