← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد انتصب الإمام مالك والبخاري ومسلم ويحيى بن معين ومن سار على نهجهم لرد ما انتشر من الضلالات والإفك، وكانوا يتشدّدون في البحث عن عدالة الرواة. ولم تسلم أكثر المستدركات على البخاري ومسلم، عند الإمام الأكبر، من التساهل في الرواية لا سيما مستدركات الحاكم والبيهقي. هذا وقد كان للسببين المذكورين فيما لحق علم الحديث من اختلال، أثر كبير في الفقه والعقائد وآداب الدين. ولا بدع إذا وجدَ ذلك كلُّه مواجهةً ورداً من الصحابة ﵃ وأئمة الهدى ﵏. فقد روي عن عمر أنه حين روي له حديث فاطمة بنت قيس في نفقة المعتدّة قال: "لا نترك كتاب الله وسُنّة نبيّه لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت" (١). وقدّم الإمام مالك القياس الجلي والعملَ الثابت بالمدينة على خبر الواحد الصحيح. ونبّه الإمام الشافعي إلى أن السنة لا تُخصّص القرآن ولا تنسخه. ومن الفقهاء والمتقدّمين مَن ردّ الحديث الغريب كابن عبد البر. ويمكن أن نخلص من هذا إلى بيان وجه الإصلاح في عصرنا لعلم الحديث. وذلك: أولاً: بسدّ باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة كتبَ الحديث، فإن في الأحاديث الحسان بلاغاً لطالب الفضائل. ثانياً: بطرح الاشتغال بضبط أحوال الرواة بعد ما فحص الحفاظ صحيح الحديث من عليله.

стр. 247

ثالثاً: بالاقتصار في الرواية والنقل على ذكر الصحابي راوي الحديث، وبيان درجة ما رواه في نظر أهل النقد، كما فعل السيوطي في الجامع الكبير. رابعاً: بتذييل ذكر الحديث بمنازع علماء الفقه في الاستنباط، وهو ما درج عليه إمام دار الهجرة في مُوَطَّئِه. ٣ - علم الفقه هو العلم القائم على استنباط العلماء تفاريعَ الأحكام من القرآن والفقه في جميع الشؤون التي تدعوهم إليها الحاجة، فبيَّنَ المؤلف ابتداءً قيام هذا العلم ونشاطه من عهد النبوة، وتصدُّرَ ذوي الشأن فيه، ممن تميّز بجودة الفهم وأصالة الرأي لإذاعته وضبط أحكامه. وقد تبع نبغاء فقهاء الصحابة أتباعُهم في بلاد كثيرة بالمدينة والكوفة وبلاد الشام. وكان الداعي إلى العناية به تحقيق العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وكان الباعث على تدوينه حفظ ما تجمع لهم من الآراء في ذلك، ليحفظوا على الناس أزمانهم في عمل قد قضّاه فيها من قبلهم، مع الاحتياج في هذه الصناعة إلى صفات، يقل اجتماعها، من قوّةِ الرأي، وفهمِ أساليب العرب، والشعورِ بمقاصد الشريعة، وصفة العدالة، والفراغ من الشغل بغير علم الشريعة. وبعد ذكر أوصافهم من التمحيص، والدّقة، والحذر من التشديد في الأحكام، أو الجزم بها عندما تكون قوية الظن، ينتقل المؤلف إلى تقسيم كتب الفقهاء وطرائقهم في الفقه إلى قسمين: الأول: تذكر فيه الفروع وأنواع الحوادث مذيّلة بأحكامها، كما يظهر ذلك في مدوّنة مالك وجامع محمد بن الحسن الشيباني.

стр. 248

والثاني: تذكر فيه الكليّات الفقهيّة (الأصول القريبة)، وتُفَرَّع عليها المسائل الجزئية كما هو صنيع القرافي في فروقه، وابن نجيم في أشباهه. وسبق هؤلاء وتبعهم عدد من الفقهاء إلى هذا الصنيع مثل العز بن عبد السلام والمقرّي والونشريسي. وقد نبّه إثر ذلك، في بيان أطوار هذا العلم، إلى أن طريقة التفريع كانت أقرب وأسهل، وأن جهد أكثر المؤلفين كان مقتصراً عليها، منصباً على التقديرات وتكرير الفروع. وقد أتى الفقهَ من هذا الوجه أقدمُ فساد أَوجبَ تأخّره حين طمع القاصرون في روايته من غير نظر في علم الفقه، فلفت المؤلف النظر إلى أن جماع التشريعات تضمّنها الكتاب الكريم. فالقرآن تبيان لكل شيء، وجعل دورَ الفقهاء استنباطاً لتفاريع الأحكام منه في جميع الشؤون التي تدعوهم إليها الحاجة، وبدون خدمة علوم أخرى، وأصبحت مسائله صوراً لها أحكام، تؤخذ مسلمة من كل من يقف عليها. ولا ينكر الشيخ ﵀ الحاجة إلى التفريع وإلى توضيح المشكلات؛ وإنما الذي ينكره هو حصر مسائل الفقه في ذلك. وربما زاد الأمرَ إشكالاً عنايةُ بعض الفقهاء بنقل الخلاف المذهبي، وذكر الأقوال الكثيرة في المسألة الواحدة. فتشتَّتَتِ الأفكار واختلفت الأفهام. ولولا تصدّي أمثال ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب ومحمد بن بشير إلى مواجهة هذا الوضع بالترجيح بين الأقوال المختلفة لصعب على الناس تعاطي الفقه. ومن أجل زيادة بيان وضع هذا العلم، أولى الإمام الأكبر تقرير هذه الحقائق عناية خاصة بتفصيل القول في ذكر أسباب تأخّره، وبيان طرق علاجه، بضرب الأمثلة على ذلك من عمل المهرة من متقدمي الفقهاء.

стр. 249

تأخر العلوم الفقهية وأسبابه: ومن أسباب اختلال هذا العلم: أولاً: التعصّب للمذاهب، والعكوف من أصحابها على كلام أئمتهم واستنباط الأحكام منه بالالتزام ونحوه. وأصبح قصارى عمل هؤلاء نقل الفروع، وجمع الغرائب المخالفة للقياس، ونقل الخلاف. ومضوا على ذلك معطِّلين الاجتهاد والتفقّه في الدين. وقد ذكر الباجي مقالة الإمام مالك في هذا. قال: "لا أعلم قوماً أشد خلافاً على مالك من أهل الأندلس، لأن مالكاً لا يجيز تقليد الرواة وهم لا يعتمدون غير ذلك" (١). ورد المقّري في قواعده على الاتجاه نفسه من التعصب للمذاهب بوضع الحِجَاج على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ أو المرجوحية، فإن في ذلك بعداً عن النصفة للحق، وتثبيتاً للخطأ في الفقه، وإيثاراً للهوى على الهدى (٢). وقد أنكر هذا التصرف كافةُ العقلاء، وقال أبو العلاء: فمجادل وصلَ الجدالَ، وقد درى ... أنّ الحقيقة فيه ليس كما زعم (٣) ثانياً: مقاومة النظر في الفقه بمنع الترجيح والتعليل، والتشنيع على من يقوم بذلك، واتهامه بإرادة إحداث مذهب جديد، أو قول ثالث. وهذا من المغالطات التي يعتمدها العَجَزَة، وذوو الحظ القليل من العلم. ومما يُبطل جمودهم على منهجهم صنيعُ سحنون،

стр. 250

رحمه الله، بإخراجه فروع المدوّنة مذيّلة بأحاديث صحيحة تخالفها، تنبيهاً على أنه مختار غيرَها. وفي غلق باب النظر مانع من تعليل الخلاف، ومن التوصّل إلى توحيد المذهب، ومن القدرة على الاجتهاد في أحكام محدثاتٍ كثيرة. ودليل بطلان هذا المنحى لدى الفقهاء أن أئمة المذاهب راعوا في المستنبطات الاجتهادية المصالح والمفاسد، ومقاصد الشريعة في الخلق، وحاجات الأمة وعوائدها، ودفع الشتات. ومما يحقّقه النظر ويساعد عليه تحسينُ الحالة العمومية في تصاريف الأقضية الشرعية، وأحكام المعاملات المدنيّة والمنافع الاجتماعية، ذهابُ هذا الناقد المصلح، مقبلاً غير مدبر، في قضايا آمن بها، ومارسها وأَسْهم في الاشتغال بها. فهو يعدل عن التلفيق فيها، وعن استنباط الأحكام من كلام الأئمة بشأنها، لكون هذا مردوداً، نبّه على ذلك المقّري في غير ما موضع، في ما نصّ عليه من أن نقلَ القول وعزوَه إلى المذهب يحتاج إلى دراية وخبرة. فليس كل كتاب يمثل المذهب. وإنما هناك كتب اعتمدها الفقهاء والمفتون، وأخرى حذّروا منها. قال المقري في تفصيل هذا المعنى: "ولمّا غلب وصف التقليد في الناس جنحوا إلى القال والقيل، إذ لم يسمع منهم إلا ما نقلوه عن غيرهم لا ما رأوه من عند أنفسهم، حتى كان العز بن عبد السلام يقول بالرأي، فإن سئل عن المسألة أفتى فيها بقول الشافعي ويقول: لم تسألني مذهبي. وإنها لإحدى كُبَر دواهي التقليد. فالتقليد مذموم، وأقبح منه تحيّز الأقطار، وتعصب النظَّار. فترى الرجل يبذل جهده في استقصاء المسائل، ويستفرغ وسعه في تقدير الطرق وتحرير الدلائل، ثم لا يختار إلا مذهب من انتصر له وحدَه، لمحض

стр. 251

التعصّب له، مع ظهور الحجّة الدامغة، ثم ينكف عن محَجَّتِها إلى الطرق الزائغة، فلا يحمل نفسه على الحق إذا رآه، لكن يطلب التوفيق ولو على أبعد طريق بينه وبين هواه" (١). كما أنه لا يعتمد عمل أي فريق من العلماء بتونس أو فاس أو الأندلس، ولكنه يمضي في النظر والاجتهاد بالتزام قواعد النحارير في هذا المجال، معلناً موقفه من جمود الجامدين قائلاً: ولا علينا إذا أخطأ الجاهلون، فإنهم من الآن في ظلماتهم يعمهون (٢). وتَتْبعُ هذه الأسباب أسبابٌ كثيرة أخرى منها: ثالثاً: عدم العناية بجميع النظائر والقواعد للفروع بذكر الحكم الجامع، فيستغنى بذلك عن كثرة التفريع. رابعاً: إهمال النظر في مقاصد الشريعة لتحرير المذاهب وإطلاقها ودعم النظر الاجتهادي، كأمر الخليفة الأول بجمع القرآن، وحماية الخليفة الثاني للحمى، وجمع عثمان للمصحف، ومغادرة الإمام علي إلى الكوفة، والحرص على جمع تلك المقاصد لتدبّرها

стр. 252

والانتفاع بها كما يشهد لذلك عمل الغزالي وابن العربي والشاطبي. فإن في انتفائها في مجال تقدير الأحكام جموداً للفقه، وحصراً لوظيفته، ومعولاً ينقض أحكاماً كثيرة نافعة. خامساً: ضعف الفقهاء في جملة من العلوم ضعفاً يورث قصوراً في الاستنباط كعدم العلم بالسنّة واللغة وأصول الفقه، وبعلوم الاجتماع وحاجات الأمة. سادساً: الانكباب على الكتب المعقّدة المشتَّتةِ مباحثُها، المحتاجةِ إلى الشروح والحواشي والهوامش؛ مثل خليل وشروحه - وهو شأن كثير من مصنفاتنا في العلوم الإسلامية - مع وجود المهذب من الكتب مما هو أقرب وأوضح وأفيد، كمختصر ابن الحاجب. وقد مثّل بمختصر خليل وما تبعه مراعاة لانتشاره بين أكثر الطلبة عدداً، وهم من المالكية. سابعاً: اختلاف الفقهاء في أصول الاستنباط كالذي عليه الأمر في أصول الفقه بين أصحاب المذاهب. ثامناً: العناية البالغة بقضايا العبادات، والتقصير في النظر والاجتهاد في فقه المعاملات والأقضية والنوازل وصور التوثيق. والملاحظ أن الإمام الأكبر قد ألمع، في غضون حديثه عن أسباب تأخُّر علم الفقه، إلى جملة من وسائل الإصلاح التي يحتاج إليها لاستعادة هذا العلم صحته ودوره في الحياة العملية. ٤ - علم أصول الفقه كان النظر فيه متفرّعاً عن بعض وجوه أسباب الضعف العامة، كما أنه ارتبط بنتائجه الظاهرة بين الفقهاء بسبب امتداد الزمن مرّة، وتعدّد المذاهب أخرى، واجتهاد النظر في المهم من قضاياه.

стр. 253

وقد كانت الغاية من هذا العلم أساساً ضبط القواعد التي يستطيع العالم بها فهم أدلة الشريعة، ثم استخدَامها لاستمداد الأحكام الشرعية منها. وربما ثَنَّوا على هذا بأنه بحكم بحثه في الأصول والقواعد العامة يمكنه جمع ما تتفق عليه الآراء بين الفقهاء ودفع الخلاف في الفقه. هذا وقد مرّ علم أصول الفقه بمراحل كان في أوّلها في كتب السلف صوراً من الجدل الفقهي. فمسائل الأصول والجدل كان مخلوطاً بعضها ببعض، ولم يظهر هذا العلم متميّزاً ومفرداً بالتأليف إلا في رسالة الإمام الشافعي. وتعدّدت المحاولات فيه للكشف عن الأصول وضبطها في مختلف المذاهب. وظهر كتاب الإشارة للباجي. وبدت التصانيف في هذا العلم متنوّعة بين شافعيّة ومالكية وحنفية، وما يكثر فيها الحجاج ككتب الباقلاني والغزالي والباجي، وأخرى سلك أصحابها سبيل الإيجاز والاختصار كملخّص القاضي عبد الوهاب ومختصر ابن الحاجب. وضع علم أصول الفقه: ومثلما عرضت للفقه وغيره من العلوم جوانبُ الضّعف كالتي فصّلنا القول فيها قبل، نجد علم أصول الفقه قد تأثّر في تأخّره ببعض ما أوردناه من الأسباب العامة مما نبّهنا عليه في علمي التفسير والفقه. وأبرز هذه الأسباب: أولاً: تأخّر تدوين هذا العلم عن علم الفقه، فجاءت قواعده أحياناً مخالفة للفروع بحسب تباين المذاهب. ومن ثم ظهرت في أقوال العلماء سمات الاطِّراد والاختلاف والنقض بين تلك القواعد ومسائل الفقه عندهم. ولا يصحّ هذا بعد إمعان النظر، وإنما هو

стр. 254

الترتيب الزمني للفنَّيْن، وتأصيل الأصول بعد ضبط أحكام الفروع. ثانياً: اشتمال مادة علم الأصول، وهو علم آلات الاجتهاد، على كثير من المسائل الأجنبية عنه، من علوم المنطق والنحو والكلام وغيرها. فالغزالي أكثر في المستصفى من إيراد المسائل المنطقية، وتبعه في ذلك ابن الحاجب، فخصّ قسماً من مختصره الأصلي بمسائل هذا العلم. وذكروا في نفس كتب علم الأصول مسائل لا طائل من بحثها فيه، مثل معاني الحروف والاشتقاق والوضع والترادف والدلالات بأنواعها. ومثل تعبد النبي ﷺ بشرع من قبله قبل نبوءته، ومسألة أقل الجمع، أو التكليف بالمحال وغيرها. وهذا ما تخلّص منه الإمام الشاطبي في موافقاته واعتبر الخوض فيه من العبث. ثالثاً: إغفال المؤلِّفين فيه ذكر مسائل مهمّة، أبرزُها المقاصد الشرعية التي هي بحق منهج من مناهج الاجتهاد، وطريق من طرق ضبط الأحكام الشرعية في القضايا المستجدّة، مكتفين من ذلك بما أوردوه منها في مسالك العلّة، مثل مباحث المناسبة والإخالة والمصلحة المرسلة، حتى جاء الشاطبي ففتح الباب على مصراعيه، وجعل جزءاً كاملاً من كتابه قائماً على بحث هذا العلم وتتبع مسائله وقضاياه. رابعاً: غلق باب الاجتهاد، وتحجير النظر في علم أصول الفقه، حتى كاد أن يَنْسَى الطلابُ مسائله وقضاياه، لولا تولّي الشيخ ابن عاشور الأول تدريس المحلّي على جمع الجوامع، والشيخ سالم بوحاجب تدريس العضد على مختصر ابن الحاجب. فبهذا انتعش علم أصول الفقه بجامع الزيتونة، وعاد الطلاب إلى الاعتناء به.

стр. 255

٥ - علم الكلام عرّف الشيخ ابن عاشور علم الكلام بكونه العلم الذي يعرف به إثبات العقائد الإسلامية بإثبات الحجج ودفع الشبه. ومن المصطلحات التي تطلق بإزائه ما وراء الطبيعة أو الإلهيات عند اليونان، وعلم العقيدة والتوحيد عند جمهور كبير من المسلمين. وهذا العلم توجبه الفطرة، ويقتضيه النظر. نبّه إلى ذلك القرآن الكريم في قوله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وخالف في اتباع سبيل المؤمنين أقوامٌ غلبت الحيرةُ عقولَهم، واستهوتهم الأهواء، فتساءلوا عن الذات، وعن مصدرِ وجودِها، وعن النهاية التي تلحق هذا الوجود. وقامت هواجس الشك والبحث والنقد، وتعدّدت الآراء منذ القدم تبعاً لوفور الأدلة، مصيبة ومخطئة، وثارت المجادلات بين الناس. وحسم الأمر في الجاهلية الأولى أولاً بظهور الصابئة التي أثبتت للعالم صانعاً مقدّساً مخالفاً للحوادث، لا يقدر أحد على إدراك كنهه. ولكنهم إلى جانب ذلك اتخذوا وسائط من المقرّبين إليه للتعرّف عليه، وعبَدوا الكواكب باعتبارها مدبّرة لهذا العالم، ورمزوا لها بصور وتماثيل تشخص أرواحها، فاتخذوا بعلاً رمزاً للشمس. وساد هذا المذهب الاعتقادي بين الآشوريين، وظهر مثله بين المصريين الذين كانوا يعبدون كبراءهم وما يجرّ لهم نفعاً كالنيل والبقر. وفي الجاهلية الثانية ظهرت الفلسفة والماورائيات، وتعدّدت المذاهب المختلفة بين طاليس وبيتاغورس وأفلاطون وأرسطوطاليس.

стр. 256

وعلى أساس الخلافات بين رواد فلسفة الاعتقاد عند اليونان انتشرت أفكارهُم واتجاهاتُهم الفلسفية النظرية، مُتسربة إلى العرب قبل الإسلام، متميّزة ومفارقة للمنهج الديني الرباني الذي كان سائداً في أواخر عهد الصحابة لظهور الطوائف أو الفرق التي كان منها نفاة القدر. وقام النزاع على أشدّه بين السنة والمعتزلة يتقدم أولئك الحسن البصري حامي حمى العقيدة الإسلامية، ويتقدَّم أصحاب هذه الفرية معبدُ الجهني وغيلانُ الدمشقي ويونسُ الأسواري. العقيدة الإسلامية ومدارس علم الكلام وهكذا اختلطت بين الخاصة والعامة في بلاد الخلافة المذاهب العقدية السليمة الصافية المستمدة من الذكر الحكيم ومن السنّة الصحيحة النبوية بآراء الفلاسفة وأصحاب النِّحل، فلزم أن ينتصب للردّ عليها عدد من المتكلمين العارفين بالسنّة، والقادرين على إبطال تلك الفلسفات من سنة ومعتزلة وغيرها. وافترقت الأمة بعد ذلك أربع فرق: الأولى: التي رفضت البحث والفلسفة. وتمسكت بظواهر الشريعة مثل السلف والمالكية والحنابلة والظاهرية وغيرهم. الثانية: رفضت الشريعة معتمدة مقالات الفلاسفة والأخذَ بها، وهم الملاحدة. الثالثة: طائفة أوّلت الشريعة وطوّعتها لموافقة الفلسفة كالباطنية والحكماء. الرابعة: طائفة مقابلة لها أوّلت الفلسفة وطوّعتها لتوافق الشريعة. ومن هؤلاء الأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة.

стр. 257

ومن هذه الصورة المختصرة جداً، التي تشي بالغليان الفكري الذي أوجده اختلاف الملل والنحل في ذلك الوقت، وبما كان لرؤساء هذه الفرق من تأثير بالغ في كثير من الأوساط الشعبية التي تنازعتها نماذجُ مذاهب الباحثين في الكلام والعقيدة. أولها: مذهب أهل السنة، من سلفية وخلَفية، الذي يقوم على المصادر الأساسية الإسلامية التي ألمعنا إليها قبل. وأصحاب هذا الاتجاه هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن نهج منهجهم بعد ذلك من أهل الحديث ومتقدمي الفقهاء والحنابلة والظاهرية. ثانيها: مذهب المكفِّرين بالكبائر. وهم الخوارج. وخالفتهم المعتزلة وهم فلاسفةُ المتكلمين القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، والذين كانوا حريصين على إثبات العقائد بالأدلة البرهانية، وأفرطوا في ذلك. ثالثها: مذهب القائلين بالقَدَر والجبر. وقد انساق وراءهم جمهور المتصوّفة الذين زيّنوا للعامة مقالاتهم. وتوسَّطت بين هذه الفرق فرقة رابعة كان منزعها تأييد مذهبها الشرعي بالفلسفة. وقامت مدرسة هؤلاء على الأشعرية والماتريدية فتعرضوا لسخط السلفيين الذين اعتبروهم من المرجئة، ولغضب المعتزلة الذين اتهموهم بالجبرية. ولإقبال أكثر هذه الفرق على الفلسفة وآلتها وهي المنطق، تعرّضوا لنقد كبار العلماء ممن ذموا الفلسفة منذ القديم لزلزلتها أصول الإيمان الفطري والأدلة الإقناعية، كما لقوا من خصوم آلة المنطق التي استخدمها الفلاسفة مَن أوسَعهم ذماً كالإمام الشافعي الذي يقول: "إذا سمعت أحداً يقول: هل الاسم عين المسمّى أو غيره؟ فاعلم أنه من أهل الكلام ولا دين له" (١).

стр. 258

وممّا روي عنه في ذمّ علم الكلام قوله: "ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما توهّمته قط، ولأن يُبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه، سوى الشرك بالله، خير من أن يبتليه الله بالكلام" (١). وقال الزعفراني: سمعت الشافعي يقول: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل منكَّسين، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة وأخذ بالكلام" (٢). ومما رووا عنه في ذم الجدل: لم يبرح الناس حتى أحدثوا بِدَعاً ... في الدين بالرأي لم تُبعث بها الرسلُ حتى استخفّ بدين الله أكثرهم ... وفي الذي حملوا من حقه شغل (٣) إن هذه المعركة الكلامية تنطفىء معها أصول العقيدة السمحة، وتكاد تنمحي بسبب غلبة الجدل والمناقشات الفكرية التي سندها طُرقُ البحث والنظر الشائعة يومئذ. وفي هذا يكمن تدلّي علم الكلام واحتياج الأمر فيه إلى التنبيه على جملة أسباب يتأكد الانصراف عنها وتحاشيها لرجوع هذا العلم إلى حقيقته بين المسلمين، وقيامه بوظيفته لديهم. فمن ذلك الاختلاف في الاصطلاحات والصفات وتعددها، والغلو في التنزيه، والقول بما لا يعقل واعتقاده، والتنابز وإلزام لوازم المذهب، وإدخال أشياء في التوحيد ليست منه. وقد قامت حركة محاولة الإصلاح أولاً على يدي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين عبد الملك الجويني حين فصلا الفلسفة عن الاعتقاد، ووجَّها هذا العلم بتوجيه العقيدة الإسلامية بما يوافق الحجج المنطقية، ثم بسلوك الإمام الغزالي في الصراط المستقيم

стр. 259

وابن السيد البطلوسي في كتاب الإنصاف منهجاً يقي الخلق من ضلالات الخلاف. واقترح الغزالي أن تساق للعامة في العقيدة الأدلة الإقناعية، وللخاصة جملة من الأدلة بحسب السن والعلم لتفادي التقليد في الدليل والمدلول. وهو ما لا يمكن لصحة العقيدة. وذهب أحد المتأخّرين عند تحديده - في بعض محاضراته - علمَ الكلام، إلى القول بأن من يعلم علم الكلام على طريقة تكفل له الانتفاع به في الوصول إلى اليقين والإيمان، يمتلىء قلبه خشية من الله. ويكون ذلك بإطلاق النظر في آيات الله في الآفاق حتى يَبلغ الغاية. * * *

стр. 260

ب - من علوم الوسائل بكثير من العمق ونفاذ البصر في فحص مواد هذه العلوم كان نقد الإمام لعلوم الوسائل التي أتقنها أجودَ إتقان. ووقف على أنواع التصانيف فيها، ومارسها ممارسة طويلة بسعة فهم وقوة حفظ وإبداع تأليف. وكان تعرّضه لجملة فنون اللغة العربية في مراحل قوتها وأطوار ضعفها. فأقبل على دراسة مادتها، وبيان أسباب تدنّيها وانحطاطها، معقّباً على ذلك ببيان طرق إصلاحها. وكذلك كان تدبّرهُ وبحثُه لفنونها الأدبية من شعر ونثر، ونظرُه في أساليب الكلام، عند العرب وأئمة فنّ القول، انطلاقاً من نقد علوم العربية نحوها وصرفها، وأسرار العربية بجملة وجوهها الفنية والبلاغية، مما كان مطروحاً على ساحة النظر والدرس بين الطلاب، كعلوم المعاني والبيان والبديع لتحصيل النطق العربي السليم، واكتساب الملكة الأدبية والفنية للإسهام في الإنتاج الفكري والأدبي، إسهاماً يربط حياة الفرد والجماعة بحياة اللغة العربية في هذا العصر. ومن بديع صنع الإمام الأكبر تقديمُه نقد العلوم اللغوية والبلاغية بفذلكة فيها تعريف بحياة اللغة العربية، وما مرّت به من أطوار وما امتزج بها وبالعرب من أسباب كانت علَّة تَمايُزِ مراحلها، وموجبَ رجوعها القهقرى أمام الأمراض الاجتماعية التي انتابت اللغة من القرن الخامس، وأنواع الصراعات التي أساءت إليها مادة وجوهراً وقواعد وأسلوباً. فسمج اللسان واعتلّ، وذهب

стр. 261

من اللغة ما كانت تعرف به من فصاحة وإبداع وعمق وإمتاع. أسباب تدهور العلوم اللسانية من أشدّ الأسباب، تأثيراً على هذا اللسان وإضعافاً له وإعجاماً، وجود فئات ثلاث: ١ - كتّاب تلقوا اللسان العربي تلقِّياً علمياً صناعياً لا سماعياً ذوقياً، تشهد لهذا قصص كثيرة أودعها الأبشيهي كتابه المستطرف في جماعة من النحاة تنكيتاً عليهم، بذكر أخطائهم. ٢ - الأدباء والشعراء المولَّدون، ممن أفسدوا المجاز والاستعارة، ناسِين أن القصد منهما تخييل المعاني وإحضار صورها في الأذهان. ٣ - طائفة من غير المحقّقين أفسدت اللغة بتفسيرها ألفاظ القرآن بقوة معنى الكلام من غير رجوع إلى أصول تلك الكلم ودلالاتها فيما تعارف عليه أهل اللسان مما جرت به الاستعمالات العربية. فترتّب على ذلك كثرة المشترك من الألفاظ، وتداخلت المعاني، واختلطت الحقيقة بالمجاز، وهم في غفلة عن الإبدال في لهجات العرب، مع مبالغتهم وتوسّعهم في معاني الحروف، بما حصل منه التَّشتِيتُ في الأفهام والخلط في المعاني، واستعمال ألفاظ كثيرة دخيلة غير عربية، كما نلمس ذلك في قاموس الفيروزآبادي. وتوقِّي هذه الآثار لا يكون إلا بتتبّع أساليب العرب الفصيحة، والابتعاد عن سقط الكلام وحوشيِّه، ورعونة التعبير والإجحاف فيه، والحفظ والعناية والتمرّس بالقرآن الكريم بصورة تتّحد بها دلالات الألفاظ، وتسطعُ بها في النفس الصور والاستعمالات الرائعة والأساليب البليغة العجيبة.

стр. 262

ولا شك أن بجانب تلك الأسباب، التي ألمعنا إلى طرق تحاميها والتغلب عليها، أسباباً لا ترجع إلى استعمالات الجهلة باللغة العربية وأسرارها، ولكنها عرضت للغة الضاد نفسها لأسباب: أولاً: إشراف الأسلوب العربي على الاضمحلال لتقادم العهد به، واحتكام المتحدّثين به إلى اختيارات شخصية، غير مؤصَّلة ولا مقبولة. ثانياً: سوء التعليم فيها وما تَبِعه من اختلال الأفهام أو جرَّ إليه من استعمالات فاسدة هابطة مختلّة. ثالثاً: البعد عن أمرين ضروريين لعصمة اللسان من الخطأ، هما حفظ كلام العرب من أشعار وخطب، ومعرفة تاريخ أحوال العرب وعاداتها، ثم جريان الكلام على مناهج مقبولة ومعانٍ مستعذبة وتصوّرات دقيقة. وهو ما يحتاجه الأديب والخطيب والكاتب والشاعر. وذلك برجوع هؤلاء إلى كلامِ العرب نثرِه ونظمِه، والتأدّبِ به والتعاملِ معه تعاملاً يضمن صحّة التأليف وسلامة الحس والذوق، وإلمامهم بتاريخ العرب وأيامها وأهوائها وعاداتها وهو ما تتفاوت به الملكات، وتتمايز به القدرات لدى الأدباء الباحثين عن الأساليب الدقيقة، وعن روائع القول البديعة. رابعاً: أخلال القواميس اللغوية، والغفلة عن التفقّه فيها لتنقيتها من اختلاط الحقيقة والمجاز في دلالات المفردات، كما فعل الثعالبي في مقدمة فقه اللغة، والزمخشري في أساس البلاغة. خامساً: صرف العناية عن تحقيق مسميات الأسماء وردُّ ذلك إلى المتعارف عليه والشائع بين الناس منها. وكثيراً ما تكون تلك المسمَّيات لا معروفة على التحديد، ولا مدلولاتها شائعة. ويمكن

стр. 263

تدارك ذلك بتتبّع استعمال المتكلّمين بالعربية في مختلف البلاد الإسلامية. وقبل الانتقال إلى فني الإنشاء والشعر، يلفت الشيخ ابن عاشور نظر المتدبّرين إلى أن الأمة إذا سَمَتْ مداركها، وارتقت لغتها، وأُودعت من دقائق الحكمة والشعر والخطابة ما كان به انتصاب أعلامها وارتفاع شانها وتنويه الخاصة والعامة بها، فهي لا محالة مصونة بتراثها، متجدِّدة من نفسها. والعربية جمعت من دواعي الخلود الاعتبارين العلمي والديني. فهي لغة الحضارة الإسلامية، وعن طريقها انتشرت العقيدة في ربوع الإسلام. وهذا كافٍ للتمسك بها والعودة إليها. فهي مقدّسة بقداسة الدين الذي نشرته، ومحصَّنة بما نقلته للأمم والشعوب من الحضارات القديمة وطوّرته، وكذلك بما نمته من علوم إنسانية وطبيعية ورياضية طوال قرون. الأدب وما من شكّ في أنه لا يُقتدر على إحياء اللغة العربية إلا بمخالطة أهلها، واكتساب خصائصهم اللغوية والأدبية. فإن انقطعَ هؤلاء أمكنَ الرجوع إلى الكتب الأصيلة القديمة، وإلى دواوين العرب التي حفظت لنا مجالسهم الرائعة، ورسائلهم النادرة، وخطبهم المؤثّرة، وأشعارهم الساحرة. وفي آخر هذا الفصل يدعو المؤلف إلى: ١ - إنشاء مدرسة خاصة لصغار التلاميذ، يؤدَّبون فيها بتلقين الفصحى والتمرّن عليها، والأخذِ بفنون هذه اللغة من أشعار وخطب ورسائل، مع التعمّق في دراسة القرآن والتخرّج به في مباني الألفاظ وتصرّفات المعاني.

стр. 264

٢ - إنشاء جمعية من جلّة العلماء تعنى بإحياء المفردات المناسبة، وتمحيص الحقيقة من المجاز، وتعليق كل لفظ على المعنى المناسب له. وفي ذلك طريق عملي ونافع يُعين على إحيائها وإبراز أهمّ خصائصها. وقبل أن يقف عند علوم العربية وأسرارها، يؤكّد على وجوب العناية بفنون هذه اللغة من شعر ونثر، لتكوين الملكة اللسانية علماً وعملاً وحسّاً وذوقاً. فمعرفة طرائق العرب في ذلك شرط أساسي، وحفظ نماذج من الكلام البليغ يرسم في الفكر أمثلة ومقاييس يسير عليها الكاتب والشاعر، والدربة والممارسة شرط لشحذ الملكة وتعويدها انتقاء الصيغ، وتخيّل الأفكار وأدائها بأبلغ صورة في الكلام المتميّز الذي يخضع لشروط الصحة والإحسان، وضوابط الإحكام والإبداع. والشعر في بداية عصر المؤلف كان يعرف بالكلام المقفّى الموزون. فهم يكتفون بذلك، ولا تنشغل عقولهم بطلب المعاني الجيّدة والمبتكرة. فتوقفُ الشعر عند القوافي والأوزان لا يكسبه أهمية، ولا يسمو به إلى منزلته العالية عند العرب، بل ينزل به على العكس ليكون مجرد نظم. وما الحرص على التفوُّق فيه علماً وذوقاً وممارسة إلا ليبلغ غايته ويحقّق هدفه. وفي إشارات قصيرة نبّه الإمام الأكبر إلى مقوّمات هذا الفن لتنغرس في نفس الشاعر، ولتتجاوب ثقافته مع إنتاجه ومقدرته مع إبداعه. فالشاعر يحتاج إلى معرفة الأوزان لبناء نظمه أتم بناء، وإلى الاختيار من الأوزان والقوافي أطوعَها لغرضه، وأكثرَها تناسباً مع مقامات النظم وحالات التصوير والتخييل اللازمين للشعر، كما يحتاج إلى شيء من علم العروض لعلاج صحة البيت مثلاً، ولا يتكلف حفظه وإتقانه والإحاطة بكل قواعده إذا كان ذا طبع موهوباً

стр. 265

وملهماً. وفي كثرة الأوزان والأعاريض واختلاف البحور وتنوّع القوافي ما جعل الشاعر العربي أروع تخييلاً وأكثر تميزاً من غيره في هذا الفن، لأن الشعر في غير العربية محصور في أوزان محدودة لأغراض مخصوصة. ويتجلّى الشاعر عندنا بمعرفته العميقة بأسرار العربية وأساليبها. وهذا جزء مهم من علم البلاغة اعتمده النقاد للنظر في صحّة المعاني واختلالها، وابتكارها وسرقتها، وبساطتها وتكلُّفها. ولا يبلغ الشاعر من الإحسان أعلى درجاته، ومن الإبداع أرقى صوره إلا إذا التقى لديه حسنُ اختيار المعاني المناسبة للظروف والمقامات التي تدعوه للنظم والإنشاء، وحُسْنُ اللفظ والميزان اللذين يمكّنانه من بديع التخييل وعميق التأثير. والنثر كالشعر، وقع إغفاله والانصراف عن الاعتناء به. وقد كانوا يظنونه كلمات تحفظ وتردَّد في المناسبات. وقالوا: هو غير قابل للتعليم إذ لا قواعد له، ومن ثم وقع إهماله كالتاريخ. وما كانوا يرون في قراءة كلام البلغاء فائدة. فهم يعتبرون ذلك مجرد تظرف. ولم يعلموا أن في مطالعة كتب النثر والشعر من جيد الكلام ومحاسنه ما يورث القراء والمشغوفين بالمطالعة سعةَ في التفكيرِ، وصحةً في التعبير، وفصاحةً في اللسان. وهذا لا يتوقّف على تعلُّم قواعد تدرس، لأن قواعد هذا الفن قواعد إجمالية لتوصيف أحوال الكلام والمعنى. وإنما المعتمد في هذا المجال مخالطة البلغاء والوقوف على آثارهم والإقبال عليها، تفهماً وتذوقاً وحفظاً، ثم محاكاتها والنسج على منوالها والتدرّب عليها. ففي ذلك سر الاقتدار والتأليف في جميع فنون النثر والكتابة. * * *

стр. 266

علوم العربية: النحو والصرف لَزمَ، لتحرير القول في هذين العِلميْن وفيما انتهيا إليه، الوقوف عند مباحث ثلاثة: أولها: تعريف النحو والصرف، ثانيها: تفصيل القصد منهما، ثالثها: بيان ما لحقهما من أسباب الفساد. أما تعريفهما فيقوم على اعتبار النحو والصرف علماً واحداً في الأصل، إذ هما لا يخرجان عن العلم بتركيب اللغة واستعمال مفرداتها، فهما متلازمان. وهذا ما يفسّر تعرّض ابن مالك في خلاصته إلى أبواب كثيرة من التصريف. وإنما اختلف الفنَّانِ عند تخصيص علم النحو بما يبحث عن أحوال الكلم من حيث الإفراد والتركيب في الكلام، وتخصيص علم الصرف بما يبحث عن جوهر الكلمات في الاشتقاق. فعند تفشي اللحن وانتشاره زمن الإمام علي كانت الحاجة ماسة إلى وضع علم النحو. وأما القصد منه فهو: أولاً: حفظ أصول العربية من النسيان. ثانياً: الإعانة على تدبّر وجوه التقديم والتأخير في الكلام، وتصوُّر معاني الحروف، والانتباه إلى محاسن العطف مما شحن به سيبويه كتابه. فكان بذلك عمدة في علم المعاني: واستمداد كثير من قوانين البلاغة. وصرَف الشيخ ابن عاشور النظر عن القصد الآخر من النحو

стр. 267

وهو الحاجة إليه في حصول التفاهم؛ كبحث أحوال (ما) وورودها في الكلام بمعانٍ مختلفة من تعجب واستفهام ونفي ونحوه. فإن هذا التمييز بين أحوالها في الاستعمال يمكن أن يقتنص من سياق الكلام، ومما يبرز فيه من قرائن وعلامات. وفي مقابل هذا ركّز المؤلف على أن طلب علم النحو كان من أجل التعرّف على وجوه تحسين الكلام. وذلك ما ظهر في أجلّ طور من أطوار ارتقاء اللغة العربية، ومن ثمّ كانت بداية علم البلاغة والاشتغال بعامة فنونها. وأما علم الصرف فهو الأدخل في علوم اللغة. فإن المتكلم بها من غير إتقانه والإلمام به لا يتمّ له ما يريد من استعمالها، ولا يحصل له ذلك إلا مع طول معاناة. تأخّر علوم العربية وأسبابه إن أسباب اختلال هذين العلمين وانحطاطهما مع تطوّر الأزمنة واختلاف المراحل التي أقبل فيها الطلاب على معرفة فني النحو والصرف فهي: أولاً: إطالة المباحث في العلمين بتبيين العلل والأسباب. وهو ما أقبل عليه الدخلاء على اللغة المعنيون بضبطها المضطرون إلى التأمل في دقائقها. فإن ذلك يجمع عليهم المتفرّقات، ويهديهم إلى خبايا تذكّرهم عند النسيان، وتكشف لهم أسرار الاختلاف عند الاشتباه. وقد نبغ في هذا المولدون من العرب كالخليل بن أحمد والموالي كسيبويه. لكن الاشتغال بذلك في كل مراحل التعليم موجب للتشويش على الأذهان. فكانت النتائج عقيمة. فإن الطلاب كانوا يتخرَّجون،

стр. 268

وقد شَدَوا محفوظات كثيرة من القواعد، وارتسمت في عقولهم جملة من قضايا الحجاج واللَّجاج دون إتقان لحسن التعبير أو رعي لقواعد الفنين. وكم كان ما يدّعونه من وراء ذلك من شحذ الأذهان قميناً بأن يصرف في خدمة مسائل العلوم التي تحتاج إلى التفكير والحل. ثانياً: كثرة الخلاف بين منهج البصريين الذين وضعوا قواعدهم في النحو على أساس القياس، والجمع بين النظائر في الاستعمال، وتأويلهم ما ورد من نادر كلام العرب على خلاف ذلك، ومنهج الكوفيين الذين اعتمدوا كل ما ورد من كلام العرب باعتباره أصلاً معتبراً عندهم في الاستعمال. فذكروا لذلك الشواهد التي تحضرهم في كل مسألة خلافية بينهم وبين البصريين. وقد كان الخلاف شديداً وحاداً بين أنصار المذهبين. فكان أبو حيان الأندلسي، كما قال ابن الخطيب، حاملَ لواء سيف النصرة للدفاع عن نَحْوِ البصرة، وكان ابن مالك الأندلسي أيضاً أقلَّ حدّة منه ولكنه الحكم والعدل بين الفريقين. فناله لذلك من أبي حيان شديدُ الإذاية كلما ذكره في كتبه. ولو تُرك التعرّض لمثل هذه الخلافات إلى المطوّلات، وإلى المراحل العالية، وجرّدت منه كتب التعليم لاستقام أمر تكوين الطلاب وإكسابهم العصمة في اللسان والقدرة على البيان. ثالثاً: الاستناد في تقعيد القواعد لدى المتأخّرين من النحاة، على التمثيل لها بصيغ مصنوعة أو أبيات وشواهد منحوتة أو موضوعة. وقد نجم عن الأولى إقصاء الأذواق، في تكوينها وصقلها عن الاستعمال العربي، وترتَّب على نوعي الشواهد المصنوعة والمذكورة خطأٌ في استنباط القواعد، لأن الأبيات الواردة من ذلك أكثرها موضوع أو منحوت. وهو ما شهد به المؤرخون للغة العربية وآدابها حين أثبتوا انتحال الأشعار، ووضع خلف الأحمر الكثير

стр. 269

منها. وأمثال هذه الأبيات تقصر عن أن تكون أساساً لبناء القواعد عليها، لأن ذلك لا يُعتمد عليه إذا لم يكن ممّا جرى به كلام العرب حقاً. والتقعيد إنما هو لكلام العرب لا لما انتحله الرواة. ومن الخطأ في استنباط القواعد من اللحن ما أوردوه من الأمثلة: ١ - مكرهٌ أخاك لا بَطَل، في لغة من يلتزم الألف في إعراب الأسماء الخمسة. وهذا باطل قد ردّه الجاحظ في البيان والتبيين وعده لحناً (١). ٢ - قول الشاعر الحماسي: كذاك أدِّبْتُ حتى صار من خلقي ... أنّي وجدت ملاكُ الشيمة الأدبُ (٢) ففي ظاهر البيت إلغاء لعمل أفعال القلوب عند التقديم، وهو ما يحملهم على تقدير ضمير الشأن أو لامِ الابتداء لتصحيح الكلام.

стр. 270

وإنما وقعوا في ذلك لأنهم نقلوا البيت مفرداً عن سابقه وهو: أُكَنّيه حين أناديه لأُكرمَه ... ولا أُلقِّبه، والسوأةَ اللقبا (١) وقد جعل ابن جني في شرحه للحماسة الرفع أحد روايتين. قال الشيخ ابن عاشور: "وهو بعيد عن معنى البيت الأول" (٢). ٣ - قول الشاعر: وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... تغنّت على ورقاء خُضرٍ قيودُها بكسر خضر. ومن فساد التقعيد الخطأ في الإعراب، كالإعراب الناشىء عن سوء الفهم حين احتجوا بهذا على ثبوت إعراب المجاورة. وهذا ليس صحيحاً لأن خضر المكسورة مع كونها وصفاً لحمامة ينقضه وقوع الموصوف لورقاء واحدة الورق به أي الحمام، ويمكن أن يعتبر "خضرٍ" صفة لورقاء بمعنى الشجرة، والقيود الأغصان على تشبيهها بمقيّد في سلاسل. * * *

стр. 271

علم البلاغة عُرف هذا العلم قديماً بعلم البديع مرّة، وبعِلم البيان أخرى. ثم قسّمه المتأخرون إلى فنون ثلاثة: المعاني والبيان والبديع. فالمعاني منه: ما يُبحث فيه عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال. والبيان: ما يعرف به إيراد المعاني بطرق مختلفة في وضوح الدلالة من حقيقة ومجاز. والبديع: هو تحسين الألفاظ أو المعاني بما يجعلها مستظرفة لدى السامع. والغاية من هذا العلم، بمختلف شعبه، ضبطُ طرق الاستعمال للكلام البليغ، والتمرينُ على أن يكون التعبير مفيداً لجميع مراد المتكلم بأسرع طريق وأنفذه إلى فهم السامع. وتتضمَّن مسائلُه بعضَ قواعد الاستعمال مطلقاً. وهو بذلك تكميل لما تركه علم النحو أو لم يستوعبه من تعليم أحوال لسان العرب. وإذا كان النحو والصرف قد انصرفا من جهة إلى إفادة كيفية أخذ المفردات وتركيبها دفعاً للخطأ وبطءِ الفهم، فإن علم البلاغة اتجه إلى إفادة كيفية الإسناد، وأسلوب العرب في التعبير. وهذا التلازم بل التكامل بين علوم العربية وأسرارها، الملاحظ في المصنفات الشهيرة من الأمهات في هذا العلم، ينبّه عند المقارنة بين النحو والبلاغة إلى أن هذا العلم قد تناول مع مشاركته لعلم النحو موضوعات خاصة به كالفصاحة

стр. 272

والإيجازِ والإطنابِ والفصلِ والوصلِ ومسائلِ البيان. وتوفّرت المؤلفات النقدية والأدبية على العناية بأمثلة رائعة نجدها عند قدامة بن جعفر في نقد الشعر، وعند الجاحظ في البيان، وعند الزمخشري في تفسيره، وعند المرزوقي في شرحه لديوان الحماسة، وعند غيرهم من جهابذة الفن. وإنما بدأ الاشتغال بعلم البلاغة بصورة دقيقة رائعة ومعمّقة مع عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني في مصنفيه أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز. ومن يبحث في مصنفات هذا الفن يجدها قد عُنِيت في المحل الأول ببيان الطرق والمسالك إلى اختيار المعاني الجيّدة والألفاظ القريبة. ثم تبعتها تآليف أخرى أتمُّها المفتاح للسكاكي الذي شغل الناس بروائعه وإبداعاته، فصُرِف الكثيرُ من العلماء والنقّاد من بعده إلى شرحه أو التعليق عليه أو اختصاره، من غير تفكير في اكتشاف جوانب جديدة تعين على تطور هذا العلم وتقدّمه. وممن عنى بالمفتاح الأئمة: سعد الدين التفتازاني، والسيد الشريف، والأستاذ عبد الحكيم. وأصبحوا بما قدّموه من ذلك قطب الدائرة. وإن لاحظنا لديهم خلطاً في المسائل واشتغالاً بغير الفن عند إطالة الحديث عن تعريف الجنس، والحديث عن (الـ) الاستغراقية، وهل هما بمعنى، أم بينهما تفاوت؟ أو عند بيان مسألة عطف الإنشاء على الخبر، ومسألة الخلاف في حدِّ البلاغة، ثم هل هي مطابقة الكلام لجميع مقتضى الحال أو لمقتضى الحال في الجملة، كما ورد ذلك كثيراً في مباحث المطول (١). وجاء بعد هذا اختصار المفتاح للقزويني، وكان دقيقاً متميّزاً

стр. 273

لولا انصرافه عن الشواهد من كلام العرب إلى التمثيل بالتراكيب الصناعية. ولا ينسى المؤلف، في ختام هذه الملاحظات وما لازمها من تقويم لمسائل العلم وكُتبه التي اشتغلت بهذا الفن، أن يلفت نظر طالب هذا العلم إلى وجوب التدرّب أو إجراء التمارين اللازمة لتربية الملكة والذوق. وذلك بأن يعهد إلى الطلبة بالحكم على ما يرونه من حسن في الكلام وقبحه، بإشراف الشيوخ والأساتذة الذين يقومون بتصويب أو تخطئَة ما يقدّمونه من الآراء في ذلك. ويُنهي الشيخُ ﵀ هذا الفصل بالحديث عن علم الوضع، وعن رسالة العضد الإيجي فيه، منبّهاً إلى أهمية هذا التأليف وموضوعاته وما حظيَ به من عناية الشرّاح والمحدّثين. وعلم الوضع في الحقيقة ألصق بعلمي العربية والبلاغة. وهو لا يتميّز عنهما في كثير. وموضوعه كما حدّده المؤلف البحثُ عن المعاني التي وضعت لها الألفاظ من ذوات وأحداث، ومن أنواع أو أشخاص، ومن كلي أو جزئي. * * *

стр. 274

ج - العلوم المساعدة العلوم الإنسانية لم يكن اشتغال الإمام الأكبر، بما يدرَّس من العلوم الأساسية بالجامع الأعظم من مقاصد ووسائل، بالذي يمنعه من بيان رأيه واضحاً في العلوم المساعدة؛ كعلمي المنطق والتاريخ أو العلوم الفلسفية والرياضية. علم المنطق لعلم المنطق أو الاستدلال صلة بعلوم العرب، كما ذكر ذلك السكاكي (١). وهو لا يبحث في شيء زائد عن أسرار النحو كما صوّره ابن سينا (٢). وهو لارتباطه بهذه الفنون وَرَدَ تابعاً لها، ولكونه

стр. 275

حاكماً على جميع العلوم في الصحَّة والسقم، والقوَّة والضّعف، وأجلّها نفعاً وأعظمها، جعله الفارابي رئيساً لها، ولكونه آلة في تحصيل العلوم المكتسبة النظرية والعملية عدّه ابن سينا خادماً للعلوم. مهّد ابن عاشور لتفصيل القول فيه بتعريفه. فهو علم يعصم الأفكار من الخطأ في المطلوب التصوّري الذي تتعرّف منه حقيقة الشيء، وفي المطلوب التصديقي الذي يتعرَّف منه العلم مع دليل ما. وهو من علوم الأوائل، نقل عن اليونان في عصر النهضة. وشمل من الأبواب الكليات الخمس، والتعريفات، والتصديقات، والقياس، وختموا مطالبه بذكر الصناعات الخمس: البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والمغالطة أو السفسطة. تشهد لذلك أصول المؤلفات المنقولة عن أرسطو وأمثاله، ممّا وضع بعدها من التآليف. وسمّي بالمنطق لأن الغاية منه استقامة المنطق، كما عرف بالميزان لأنه قانون اللّسان من حيث إنه آلة التعبير عن المعاني. ويخلص الشيخ ابن عاشور من تعريفه لهذا العلم وبيان الأصل فيه ومصدره، ونقله إلى لغة العرب، وأَوْجُه تسمياته لينبّهنا إلى أن موضوعات هذا العلم ومسائله فطرية عقلية، وأنه لذلك موجود في كل لغة، وأن فائدته تحريك الذهن بمسائله وتمرينه، وإقامة الحجّة على المكابر وقت الجدل، حين يريد مغالطة الفطرة ومغالبة الحق. وقد ذكر لهذا المعنى ما يصوّره في القرآن العظيم، وهو قول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ (١).

стр. 276

وجعل الآية مثالاً لنقض السالبة الكلية بالموجبة الجزئية عند المناطقة. ومن أسباب انصراف كثير من الناس عن الاشتغال بالمنطق انقسام العلماء إزاءه طائفتين: الأولى: اعتبرته كثير الألغاز فاستهانت به، وعاملته بمثل ما عاملت به الإنشاء والتاريخ والأدب. وربما أصبح من المشهور على ألسنة الغلاة عدُّه مدعاة لتكفير طالبيه ومعتقديه، فكانوا في ذلك على رأي الشافعي في علم الكلام. قال ابن تيمية: "ولهذا ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمّونه ويذمّون أهله وينهون عنه وعن أهله" (١). وأبرز من يمثل هذا الاتجاه المحدّثون والفقهاء. فقد صرّح السيوطي في كتابه عقود الجمان في المعاني والبيان بما نصّه: "إنا معشر أهل السنة لا ننجس تصانيفنا بقذر المنطق الذي اتفق المعتبرون خصوصاً المحدثين والفقهاء من كل المذاهب، من الشافعية وأهل المغرب، على تحريمه والتغليظ على المشتغلين به وإهانتهم وعقوبتهم. وقد جمعت في ذلك تأليفاً نقلت فيه كلام الأئمة في الحظِّ عليه. وهو كتاب مهم. وقد نصّ أئمة الحديث كالسِّلَفي والذهبي وابن رُشيد على عدم قبول رواية المشتغل به، وقد تركت الأخذ عن جماعة لذلك، وبالله التوفيق" (٢). ونازع هذه الفئة كثير من العلماء الذين عنوا بالمنطق مادة درس وتأليف. ورأينا المغيلي في بعض شروح السلّم يعرّض بخصومه ومناقضيه، ويرد على السيوطي بأبيات من شعره.

стр. 277

الطائفة الثانية التي قيل عنها: إنها المتحرّرة مما أصاب الأولى من جمود، صنَّفَت فيه واستخدمت قواعده وقوانينه في عامة العلوم الإسلامية، ومن أجل ذلك نجد تنويه ابن سينا به حين قال: المنطق نعم العون على إدراك العلوم كلها. وقد رَفض هذا العلم وجحد منفعته من لم يفهمه ولا اطلع عليه، عداوةً لما جهل، وتوهّماً لكونه يشوش العقائد، مع أنه موضوع للاعتبار والتحرير (١). وقد ألمع الشيخ ﵀ إلى هذه الحقيقة ببيان موقف الغزالي من علم المنطق وبما اشتهر به من قوله: حكمةُ المنطق شيءٌ عجب ... واختلاف الناس فيها أعجبُ ثم تعرّض لأسباب اختلال هذا العلم فعدّ منها: أولاً: ما أشار إليه قبل من اختلاف مواقف العلماء من هذا العلم وإهمال الجمهور الكبير له. ثانياً: ورود استعمالات كثيرة لدى المناطقة لا تقرّها اللغة العربية. وقد ذكر الإمام الأكبر أربعة أمثلة لهذا: الأول: كقولهم: السالبة تصدق بنفي الموضوع، مع أنه غير موجود في اللغة. واحتجوا لذلك بقول الشاعر: على لا حب لا يُهتدى بمناره (٢) ... [إذا ساقهُ العَوْدُ الدفافيُّ جرجرا]

стр. 278

وهو بعيد عن الصواب لأن هذا من قبيل الكناية، والمنار علامة الطريق ولا يفارقه الاهتداء. فإذا انتفى عنه الاهتداء انتفى ملزومه وهو المنار. الثاني: استعمالهم الرابطة وهي كلمة (هو) لتصحيح الحمل. وهي مفقودة في العربية بهذا المعنى. الثالث: ذكر الاستثناء بـ (لكن) في القياس الاستثنائي مع أن ما بعدها ليس مغايراً لما قبلها. وهي منقولة عن اليونانية. الرابع: وضعهم كلمة (لو) للواقع مع أنها في العربية للامتناع. ثالثاً: فراغ بعض مسائله وشغورها من التمرين في الصناعات الخمس وغيرها. وما ذلك إلا لغفلة المتأخّرين عن الغرض من وضعه. فإن المنطق من العلوم التي لا يظهر أثرها عند دراسة كل مسألة، بل هو من العلوم التمرينيّة التي تظهر نتائجها بعد طول عمل دفعة. وما زال إتقان هذا العلم يحتاج إليه في دراسة كتب التراث، وفي الوقوف على القضايا والمسائل الجدلية أو الخلافية، لأن هذه قائمة على استخدام قوانين المنطق ومرتبطة به في أحوال كثيرة. وإن كان علم المنطق في عصرنا الحاضر قد اضمحل أو كاد لاختفاء المنطق الأرسطي، وقيام منطق العلوم مكانه. * * *

стр. 279

علم التاريخ بدأ الشيخ ابن عاشور حديثه عن هذا العلم بحصر موضع نظره وبحثه. فحرص على تحديد موضوع درسه ببيان أن المراد بالتاريخ ما ألفت فيه الكتب العربية، وهل كانت دراسة هذا العلم في جامع الزيتونة وبين طلابه إلا بالنظر والوقوف عليها وحدها دون غيرها من المصادر. ومن هذا الإطار الذي حصر فيه المادة التي عني ببحثها ونقدها، ومن التجارب التي مرّ بها، والحقائق التي وقف عليها من خلال دراساته الكثيرة ومطالعاته الواسعة، اتجه في كلمته هذه الوجيزة عن علم التاريخ إلى أربع نقاط هي: طبيعة علم التاريخ، ومصادر التاريخ عند العرب، وأسباب ضعف علم التاريخ لديهم، والمنهج الجديد المقترح للإفادة من هذا العلم أكمل إفادة. فإذا كان علم التاريخ كما وصفوه، عبارة عن معرفة أحوال الأمم والطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم، وأنسابهم ووفياتهم ونحو ذلك، وكان موضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم (١)، فإن ذلك يعدّ من الفطرة، لأن حديث الناس بما وقع أو

стр. 280

جرى لهم سنة آدمية. وقد بدأ تدوينه مع عصر النهضة حين أحسّ الناس بالحاجة الأكيدة إلى وزان مستقبلهم بماضيهم. وقد تجلّى هذا الأمر عند العرب من أقدم العصور في أشعارها. فهي ديوانها ومجتلى أخبارها ومفاخرها ومحامدها. ثم برزت حقائق التاريخ ووقائعه وأحداثه في ما تضمنه القرآن الكريم من قصص الأمم الخالية والشعوب الماضية. وألّفت بعد ذلك أنواع من كتب التاريخ كالسير والتراجم أو المصنفات، مثل سيرة ابن هشام وتاريخ البخاري، وسجَلت حوادث الإسلام كما فعل الطبري في تاريخه، ودوّنت أحداث السياسة والوقائع كما في تاريخ المسعودي، وإن اقتصر صاحبه على سرد الوقائع، عَرِيًّا عن النظر في الغاية المقصودة وهي الاستعانة به في السياسة. وهنا يعتذر الشيخ ﵀ لهذا المؤرخ عن تقصيره في هذا الجانب. وأسباب ضعف علم التاريخ كما يراها المؤلف هي: أولاً: إن المسلمين أَجِدَّاء في السياسة إذ لم يكن للعرب من قبل ملك. والسياسة إنما هي خلاصة التجارب المتولّدة عن معالجة أحوال الدول والحروب. ثانياً: نسجه من الأساطير القديمة المعروفة بالميتولوجيا. وهي في غالبها متخيّلة بعيدة عن الواقع، مشحونة بالأغاليط والمبالغات. فلا تذكر أو تروى من أجل تصوير الماضي على حقيقته، ولكنه التفكُّه والأدب. ثالثاً: سيطرة الوهم القديم على العقول بصرفها عن العناية بعلم التاريخ لخلوّه من المسائل الكليّة أي القواعد. وقد وقَر في نفوسهم أن ما خلا من القواعد ليس علماً ولا طائل من دراسته.

стр. 281

رابعاً: ما يغلب على كثير من المؤرخين من تعصّبات وأغراض تحجب عنهم الحقائق مهما كانت جلية، وما ينتصبون له من المفاضلة والحكم على الأشياء دون موضوعية أو تجرّد. وهذا ما وصمت به جملة من كتب التاريخ، فلم يؤخذ بها ولا اعتمد عليها لبُعدها عن الحقيقة والإنصاف. ولم تسلم من ذلك سوى مصنّفات قليلة عرف أصحابها بالتحرّي والنقد وصحة النقول والروايات. وهذه مثل تاريخ محمد بن جرير الطبري، وتاريخ ابن الأثير الجزري، وتاريخ ابن خلدون. خامساً: التساهل في رواية الأخبار مع سوء المآخذ وفساد الاستنتاج، كما هو شأن مؤرخي عصرنا في الشرق. ولاجتناب هذه الطريقة وما يترتّب عليها من مساوىء وأخطاء يوصي المؤلف المؤرخين بأن يحتاطوا للأمر بالاستناد إلى ما دلّت عليه الآثار كآثار المصريين، وإن كانت هي الأخرى لم تخلُ من مبالغات، أو باعتماد كتب الماضين المتقدمين مثل مؤرخ اليونان (بلوتارك)، ومؤرخ الرومان (حانون القرطاجني)، أو باستمداد التاريخ من الاستنتاجات الصحيحة الواضحة، لأن الغرض من علم التاريخ هو الاعتبار بأسباب نجاح الدول والأمم وبأسباب خيبتها، ولا يحصل ذلك إلا بسلامة الاستمداد وصحة المصادر. ثم يحذّر الشيخ في نهاية ذكر السبب الخامس، المؤرِّخَ ويوصيه بأن لا تشتبه أو تختلط عليه الأحوال المقارنة للأفعال، فيظنها سبب نجاح الفعل أو خيبته، فإن الاشتباه خطر عظيم. وحين تتبيّن عوائق التقدّم بعلم التاريخ يدعونا المؤلف إلى منهج جديد، هو تجريد هذا العلم عما يملأ حوافظ التلامذة من ذكر

стр. 282

الحوادث والسنين إلى الاقتصار على الجانب العملي النفعي منه، وهو معرفة أحوال الأمم والدول وأسباب النهوض والسقوط لديها، فيكون ذلك طريقاً للاعتبار، ويفيد منه الدارس نظراً واقتداء واتقاء، تماماً كما يقدّمه لنا القرآن الكريم للاتِّعاظ بما سيقت القصة التاريخية لأجله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢). العلوم الفلسفية والرياضية يُنهي الشيخ ابن عاشور ﵀ نظرته إلى العلوم ونقدَها، بالحديث عن فنون كادت تكون أجنبية، أو هي أجنبية عما يدرّس ويتلقّى من تكوين ومعارف بالجامع الأعظم. وفي هذا الفصل على قصره يشعر القارىء من جهة بالحسرة والتبرّم، ومن أخرى بالحرص والتطلّع. حسرة وتبرّم بما كان يعوز التعليم الزيتوني من تدريس للمواد الفلسفية والرياضية. والجامع الأعظم هو المدرسة الكبرى الوحيدة للتعليم في البلاد بالحاضرة وأطراف الإيالة. وهو بمعزل عن علوم كثيرة نافعة، كأنها غير ذات جدوى بالنسبة للطلبة وسكان البلاد. ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن الكتب القليلة الموجودة كانت في محتواها مقصورة على ما هي عليه في لغة اليونان، وأن الكتب الموضوعة للتدريس قديمة لم تبق مناسِبةً لزمننا. وقد حصلت في موادها تغييرات وتطوّرات كثيرة لم تظهر في الكتب العربية

стр. 283

المترجمة بما يساير ما هي عليه في اللغات الأجنبية التي وضعت فيها. وأمر آخر هو أن فنوناً عديدة لم تنقل بعد إلى العربية، فظلت محجوبة عنا زمناً طويلاً؛ منها الجيولوجيا أو علم طبقات الأرض، والتاريخ الطبيعي، وعلوم الاقتصاد، والعمران أو الاجتماع، والفلسفة، على أن مثل هذه المادة الأخيرة لم تكن تعرف إلا من خلال كتب الكلام؛ مثل كتاب المواقف للإيجي المستمدة مادته الفلسفية من مقالات اليونان. وهذا الوضع المزري الذي جمدنا عليه يقتضي بدون شك التغييرَ والإصلاح. أما التطلع والحرص فكانا يظهران في المناداة بأمرين: أولهما: ترجمة كتب العلوم المعاصرة ترجمة لائقة، ومواكبة لما هي عليه عند غيرنا من التطوّر والتقدّم العلمي، عساها تكفي الطلاب العرب كلَلَ التخبّط فيما لا طائل تحته، وتساعد المقبلين عليها على السمو بهمة إلى منازل قرنائهم في الأمم المعاصرة. ثانيهما: توسيع نطاق ترجمة هذه العلوم الرياضية والفلسفية توسيعاً هاماً يحيط بأكثر الفنون الموجودة في الخارج، وفي اللغات الأخرى. فإن ما نمارسه منها مقصور على مقدمات ومبادىء الحساب، والجغرافيا، والهندسة والمساحة ولا يتجاوزها إلى الطبيعة، والكيمياء، والفيسيولوجيا، والجيولوجيا، والجبر، والفلك، وحوادث الجو، والطب، وعلوم السياسة، والاقتصاد، والفلاحة، والصنائع، والتجارة، وتهذيب الأخلاق وغيرها. فإن هذه العلوم ليست حكراً على أحد. وقد كان لأسلافنا عناية بها، ونحن في أشدّ الحاجة إليها. وإن في تنشيط هذه الحركة والإقبال على شتى نواحي

стр. 284

العلم واختصاصاته لقوّةً للأمة، ونهضة بها، ورقياً وتقدماً لأفرادها. وبعد هذه الوقفات التأمّلية في سير إصلاح التعليم الزيتوني، التي صاحبنا فيها الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ﵀، عن طريق ما دوّنه من ذلك في كتابه أليس الصبح بقريب؛ وبعد تلمّسنا للأسباب التي دعته إلى ذلك نجده قد سار على خطى شيوخه ومعاصريه في الداخل والخارج، وعمل على مواصلة ما أنجزه المشيران الأمير أحمد باشا باي الأول، والأمير محمد الصادق باي، من تنظيمات وترتيبات، أهمها ما كان أعدّه بنظر فاحص، وتوجّهٍ إصلاحي صادقٍ الوزير أبو محمد خير الدين. وتملكه حبُّ المشاركة في هذا العمل الجليل الذي نادت به ثلّة من المصلحين من أمثال الأستاذ البشير صفر رئيس الجمعية الخلدونية، بما دبّجته أقلامهم أو أعربت عنه خطبهم ومحاضراتهم من مواقف متجاوبة مع الحركة الإصلاحية العامة بتونس، فتصدى الإمام بكل جهوده إلى حركة إصلاح التعليم الزيتوني، يوجهها ويقيّمها متنقلاً بها من مرحلة إلى مرحلة قدر الوسع. * * *

стр. 285

العمل الإصلاحي للتعليم بالزيتونة بجانب ما فطر عليه الشيخ ابن عاشور من تحليل دقيق، وعميق نظر، ونقد نافذ، سلَّطهُ في مجال التعليم على ذاته من السنة الأولى من مباشرته للتدريس، وقد تخرّج في ذلك العام بشهادة التطويع، اقترنت بنواحي نشاطه واهتماماته جوانب أخرى شجعته على الدعوة إلى الإصلاح، وعلى محاولته وبذل الجهد لتحقيقه، والمضي فيه بقوة واجتهاد. وقد مرّ في خوضه لمعركة الإصلاح بتجربة كبيرة وفريدة أكسبته خبرة واسعة، وجعلته الأكثر معرفة بأحوال الزيتونة: جامعة، ومراكز تعليم، ومدرسين، وطلبة، وكتباً، وعلوماً، والأقدر على تقويم كل عنصر من هذه العناصر في ذاته أولاً، وبالإضافة إلى المحيط الفكري والثقافي والعلمي المعاصر ثانياً. وللمضي قدماً في مجال الإصلاح والتغلّب على ما يوضع في طريقه من معوّقات وعقبات، نبّه الشيخ ﵀ إلى شروط الإصلاح وواجباته، وجعل من نفسه بعزمه وسلوكه ومنهجه فيه مثالاً يحتذى، وقدوة لمن يروم من بعده القيام بمثل عمله، كلّما دعت الظروف أو الحاجة إلى ذلك، أو اقتضاه الأمر واستوجبته المصلحة. شروط القائمين على إصلاح التعليم من أبرز الخلال التي يتعيّن على القائم بعملية الإصلاح التحلّي بها الصبر على ما يمكن أن يلحقه من المكاره أو يناله من المكائد
следующие страницы →