← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رابعاً: ما يغلب على كثير من المؤرخين من تعصّبات وأغراض تحجب عنهم الحقائق مهما كانت جلية، وما ينتصبون له من المفاضلة والحكم على الأشياء دون موضوعية أو تجرّد. وهذا ما وصمت به جملة من كتب التاريخ، فلم يؤخذ بها ولا اعتمد عليها لبُعدها عن الحقيقة والإنصاف. ولم تسلم من ذلك سوى مصنّفات قليلة عرف أصحابها بالتحرّي والنقد وصحة النقول والروايات. وهذه مثل تاريخ محمد بن جرير الطبري، وتاريخ ابن الأثير الجزري، وتاريخ ابن خلدون. خامساً: التساهل في رواية الأخبار مع سوء المآخذ وفساد الاستنتاج، كما هو شأن مؤرخي عصرنا في الشرق. ولاجتناب هذه الطريقة وما يترتّب عليها من مساوىء وأخطاء يوصي المؤلف المؤرخين بأن يحتاطوا للأمر بالاستناد إلى ما دلّت عليه الآثار كآثار المصريين، وإن كانت هي الأخرى لم تخلُ من مبالغات، أو باعتماد كتب الماضين المتقدمين مثل مؤرخ اليونان (بلوتارك)، ومؤرخ الرومان (حانون القرطاجني)، أو باستمداد التاريخ من الاستنتاجات الصحيحة الواضحة، لأن الغرض من علم التاريخ هو الاعتبار بأسباب نجاح الدول والأمم وبأسباب خيبتها، ولا يحصل ذلك إلا بسلامة الاستمداد وصحة المصادر. ثم يحذّر الشيخ في نهاية ذكر السبب الخامس، المؤرِّخَ ويوصيه بأن لا تشتبه أو تختلط عليه الأحوال المقارنة للأفعال، فيظنها سبب نجاح الفعل أو خيبته، فإن الاشتباه خطر عظيم. وحين تتبيّن عوائق التقدّم بعلم التاريخ يدعونا المؤلف إلى منهج جديد، هو تجريد هذا العلم عما يملأ حوافظ التلامذة من ذكر

стр. 282

الحوادث والسنين إلى الاقتصار على الجانب العملي النفعي منه، وهو معرفة أحوال الأمم والدول وأسباب النهوض والسقوط لديها، فيكون ذلك طريقاً للاعتبار، ويفيد منه الدارس نظراً واقتداء واتقاء، تماماً كما يقدّمه لنا القرآن الكريم للاتِّعاظ بما سيقت القصة التاريخية لأجله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢). العلوم الفلسفية والرياضية يُنهي الشيخ ابن عاشور ﵀ نظرته إلى العلوم ونقدَها، بالحديث عن فنون كادت تكون أجنبية، أو هي أجنبية عما يدرّس ويتلقّى من تكوين ومعارف بالجامع الأعظم. وفي هذا الفصل على قصره يشعر القارىء من جهة بالحسرة والتبرّم، ومن أخرى بالحرص والتطلّع. حسرة وتبرّم بما كان يعوز التعليم الزيتوني من تدريس للمواد الفلسفية والرياضية. والجامع الأعظم هو المدرسة الكبرى الوحيدة للتعليم في البلاد بالحاضرة وأطراف الإيالة. وهو بمعزل عن علوم كثيرة نافعة، كأنها غير ذات جدوى بالنسبة للطلبة وسكان البلاد. ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن الكتب القليلة الموجودة كانت في محتواها مقصورة على ما هي عليه في لغة اليونان، وأن الكتب الموضوعة للتدريس قديمة لم تبق مناسِبةً لزمننا. وقد حصلت في موادها تغييرات وتطوّرات كثيرة لم تظهر في الكتب العربية

стр. 283

المترجمة بما يساير ما هي عليه في اللغات الأجنبية التي وضعت فيها. وأمر آخر هو أن فنوناً عديدة لم تنقل بعد إلى العربية، فظلت محجوبة عنا زمناً طويلاً؛ منها الجيولوجيا أو علم طبقات الأرض، والتاريخ الطبيعي، وعلوم الاقتصاد، والعمران أو الاجتماع، والفلسفة، على أن مثل هذه المادة الأخيرة لم تكن تعرف إلا من خلال كتب الكلام؛ مثل كتاب المواقف للإيجي المستمدة مادته الفلسفية من مقالات اليونان. وهذا الوضع المزري الذي جمدنا عليه يقتضي بدون شك التغييرَ والإصلاح. أما التطلع والحرص فكانا يظهران في المناداة بأمرين: أولهما: ترجمة كتب العلوم المعاصرة ترجمة لائقة، ومواكبة لما هي عليه عند غيرنا من التطوّر والتقدّم العلمي، عساها تكفي الطلاب العرب كلَلَ التخبّط فيما لا طائل تحته، وتساعد المقبلين عليها على السمو بهمة إلى منازل قرنائهم في الأمم المعاصرة. ثانيهما: توسيع نطاق ترجمة هذه العلوم الرياضية والفلسفية توسيعاً هاماً يحيط بأكثر الفنون الموجودة في الخارج، وفي اللغات الأخرى. فإن ما نمارسه منها مقصور على مقدمات ومبادىء الحساب، والجغرافيا، والهندسة والمساحة ولا يتجاوزها إلى الطبيعة، والكيمياء، والفيسيولوجيا، والجيولوجيا، والجبر، والفلك، وحوادث الجو، والطب، وعلوم السياسة، والاقتصاد، والفلاحة، والصنائع، والتجارة، وتهذيب الأخلاق وغيرها. فإن هذه العلوم ليست حكراً على أحد. وقد كان لأسلافنا عناية بها، ونحن في أشدّ الحاجة إليها. وإن في تنشيط هذه الحركة والإقبال على شتى نواحي

стр. 284

العلم واختصاصاته لقوّةً للأمة، ونهضة بها، ورقياً وتقدماً لأفرادها. وبعد هذه الوقفات التأمّلية في سير إصلاح التعليم الزيتوني، التي صاحبنا فيها الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ﵀، عن طريق ما دوّنه من ذلك في كتابه أليس الصبح بقريب؛ وبعد تلمّسنا للأسباب التي دعته إلى ذلك نجده قد سار على خطى شيوخه ومعاصريه في الداخل والخارج، وعمل على مواصلة ما أنجزه المشيران الأمير أحمد باشا باي الأول، والأمير محمد الصادق باي، من تنظيمات وترتيبات، أهمها ما كان أعدّه بنظر فاحص، وتوجّهٍ إصلاحي صادقٍ الوزير أبو محمد خير الدين. وتملكه حبُّ المشاركة في هذا العمل الجليل الذي نادت به ثلّة من المصلحين من أمثال الأستاذ البشير صفر رئيس الجمعية الخلدونية، بما دبّجته أقلامهم أو أعربت عنه خطبهم ومحاضراتهم من مواقف متجاوبة مع الحركة الإصلاحية العامة بتونس، فتصدى الإمام بكل جهوده إلى حركة إصلاح التعليم الزيتوني، يوجهها ويقيّمها متنقلاً بها من مرحلة إلى مرحلة قدر الوسع. * * *

стр. 285

العمل الإصلاحي للتعليم بالزيتونة بجانب ما فطر عليه الشيخ ابن عاشور من تحليل دقيق، وعميق نظر، ونقد نافذ، سلَّطهُ في مجال التعليم على ذاته من السنة الأولى من مباشرته للتدريس، وقد تخرّج في ذلك العام بشهادة التطويع، اقترنت بنواحي نشاطه واهتماماته جوانب أخرى شجعته على الدعوة إلى الإصلاح، وعلى محاولته وبذل الجهد لتحقيقه، والمضي فيه بقوة واجتهاد. وقد مرّ في خوضه لمعركة الإصلاح بتجربة كبيرة وفريدة أكسبته خبرة واسعة، وجعلته الأكثر معرفة بأحوال الزيتونة: جامعة، ومراكز تعليم، ومدرسين، وطلبة، وكتباً، وعلوماً، والأقدر على تقويم كل عنصر من هذه العناصر في ذاته أولاً، وبالإضافة إلى المحيط الفكري والثقافي والعلمي المعاصر ثانياً. وللمضي قدماً في مجال الإصلاح والتغلّب على ما يوضع في طريقه من معوّقات وعقبات، نبّه الشيخ ﵀ إلى شروط الإصلاح وواجباته، وجعل من نفسه بعزمه وسلوكه ومنهجه فيه مثالاً يحتذى، وقدوة لمن يروم من بعده القيام بمثل عمله، كلّما دعت الظروف أو الحاجة إلى ذلك، أو اقتضاه الأمر واستوجبته المصلحة. شروط القائمين على إصلاح التعليم من أبرز الخلال التي يتعيّن على القائم بعملية الإصلاح التحلّي بها الصبر على ما يمكن أن يلحقه من المكاره أو يناله من المكائد

стр. 286

والدسائس بسبب اختلاف الأنظار والآراء، ولانقسام الناس في هذا بين جامدين تقليديين لا يقدرون على شيء من التغيير، ومتطوّرين مصلحين يتّقدون عزماً وحماساً للتحول إلى الأفضل والأقوم. وكذلك الصمود والثبات على المبدأ بصورة لا تني، وعزم لا ينثني في التلبس بالإصلاح والقيام بواجباته. ومنها الشجاعة على تغيير الأوضاع السيئة التي تمرّ بها مؤسسة الزيتونة، والصدع بالرأي الصحيح، مهما كانت منزلة المخالفين في الرأي قوةً وسلطاناً وجاهاً ودهاء وخبثاً ومكراً. ثم القدرة الفائقة على التنبيه إلى أسباب الانحطاط والتخلّف في كل ما يمسّ مظاهر الحياة الجامعية ولبابها، وعلى التذكير بالمسالك الكفيلة بإصلاحها وتغيير أوضاعها. والنظرة الشاملة الواسعة هي تلك التي لا تقف عند إصلاح أوضاع الطلبة في مساكنهم ومعاهدهم، وانتظامهم وإقبالهم على دروسهم، وقيامهم بواجباتهم، أو عند إصلاح المدرسين والأساتذة بحملهم على القيام بعملهم على أكمل الوجوه، والتطوير والتغيير لمناهجهم، أو عند المؤلفات والكتب المعتمدة للتدريس بالدعوة إلى إصلاحها وتنقيحها، أو تعويضها بما يكون خيراً منها وأجدى في التنظيم العقلي والتكوين العلمي، مع تذييلها بما يتأكّد القيام به من تمارين وتطبيقات لا تعين على تكوين الملكات ومضاعفة قدرة الدارسين فحسب، ولكنها تمتد وتتطلع إلى علوم أخرى أصبح الناس في أشد الحاجة إليها وإلى المعرفة بها، بل والإتقان لها. فتكتب لدارسيها المشاركة في الحياة العملية، وترفع عنهم وصمة البعد عن واقع الحياة، بما يتطلّبه من تجهيز وإعداد. فالعلوم لا حدّ لها، والتخصّصات فيها متنوعة وكثيرة، والعلوم الرياضية والطبيعية والتقنيات المتقدّمة عماد القوة، وأساس التقدّم، وطريق الخير

стр. 287

والازدهار للأمة جمعاء. فإذا أَهملت ذلك وقنَعت بما دُونه، ذبلت زهرتها، وذهبت نضارتها، وأصبحت فريسة للأمم الأخرى ذات السيادة العلمية والتقدم الفكري والعلمي والثقافي. فبتلك الشروط التي ألمعنا إليها قبل، وبهذه المجموعة من الصفات المميّزة، أمكن للإمام الأكبر أن يخترق أسوار المحافظين، وأن يحدث تغييراً ملموساً وتطوراً باهراً في حياة الزيتونة والزيتونيين. هذا، وإن لم يتمّ له في الولاية الأولى لمشيخة الجامع الأعظم مرادُه وغايتُه من العمل الإصلاحي لِقِصَر مدّتها أوّلاً، ولما أحكمه المعارضون للإصلاح من مقاومة نسفوا بها الجهود الإصلاحية ثانياً. فقد نادى بالتغيير المدرسون أنفسهم بعد ذلك. وعقدوا في شوال ١٣٦٣/ أكتوبر ١٩٤٤ مؤتمرهم العلمي، ووضعوا فيه برنامجاً مفصلاً لخطط إصلاح التعليم، وانعقد إجماعهم على ذلك. ولما تبيّن لهم أنه لا يقدر على تنفيذ برنامجهم الإصلاحي غير الإمام الأكبر طالبوا بإرجاعه إلى المشيخة. وعقدت الحكومة لجنة للنظر في البرنامج المقدّم من طرفهم، ووافقت عليه في ذي القعدة ١٣٦٣/ نوفمبر ١٩٤٤. وبعد نحو ثلاثة أشهر في ربيع الأول ١٣٦٤/ فبراير ١٩٤٥ صدر الأمر العلي الملكي بتعيين الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور شيخاً للجامع الأعظم وفروعه. * * *

стр. 288

عودة الإمام الأكبر إلى مشيخة الجامع الأعظم تقدم شيخ الجامع يؤيّده جلالةُ الملك، وتناصرُه الأسرة الزيتونية بأسرها، ينجز من اليوم الأول من ولايته الجديدة مراحلَ الإصلاح: يقوّي الروح الزيتونية، ويضع الحكومة بإنجازاته وابتكاراته أمام الأمر الواقع (١). وقد أقام رئيس الجمعية الخلدونية الشيخ عبد الرحمن الكعاك حفل استقبال لشيخ الجامع الأعظم بمناسبة تعيينه من جديد على رأس المؤسسة العلمية الأولى جامع الزيتونة، مؤكداً لشيخها عزم الجمعية الخلدونية على اتخاذ موقفها المناسب إلى جانب الجامعة الزيتونية لقطع المراحل الأخيرة في سبيل تمكين الثقافة القومية من التطور والازدهار والسيادة (٢). وتلا هذا الاحتفال الاقتبال الذي أقامته جمعية الزيتونيين والذي جمع الخريجين من رجال القضاء والإدارة والمهن الحرة. وكان مما قاله الإمام الأكبر بهذه المناسبة: "ما كان فخر جامع الزيتونة بشيوخ الشريعة وأساطين التدريس في عديد الأجيال بأعظم من فخره

стр. 289

بخريجيه من كبار الوزراء، وعظماء الكتاب، ومشاهير الحكام والمحامين، ورجال الصحافة والاقتصاد. فلنعقد العزم على خدمة شرفنا الأثيل الذي يمثله معهدنا الرفيع العماد، فنكون أحِقَّاء بمجد بُنوّته، ونضمن له النجاح في خدمة الجامعة الإسلامية وبخاصة الأمة التونسية" (١). وتدفّقت إثر ذلك روح التشجيع للإصلاح، وللتنويه برائده في النوادي والصحافة والجمعيات الطالبية، خطباً ومقالات وأشعاراً، كلُّها يسير في ركاب الإصلاح ويواكبه، ويعلن عن دعمِه له ومناصرتِه. وقد أجاب الشيخ ﵀ الأمةَ التونسية جمعاء عن هذه المواقف الشريفة، وعن تعزيزها لجامعة الزيتونة في الاضطلاع برسالتها على خير وجه بقوله، من خطاب نهاية السنة الأولى الدراسية من ولايته الجديدة لمشيخة الجامع الأعظم وفروعه: "فما تزال عموم الأوساط الإسلامية تبدي لنا من المعاضدة والتأييد ما بعث الأمل إلى مدى بعيد، وبشّر بالفوز في عملنا بخير مزيد، وأوجب عليَّ أن أصرّح، في هذا الجمع الجليل على لسان الزيتونيين بفائق الشكر وعظيم الامتنان لعموم الأمة التونسية، وبخاصة لقادتها ومثقّفيها وصحافييها وجمعياتها، على ما وجهوه للهيئة العلمية في شخصي من مظاهر الثقة والاعتبار. فكان هذا الجو المستنير المختص بمعهدنا المقدس دافعاً إلى مواصلة الجهد في إبلاغه نحو الغايات السامية التي يرجوها له الجميع" (٢).

стр. 290

الخطاب المنهجي للإمام الأكبر تضمّن الخطاب المنهجي عدّةَ أغراض ومحاور، أكدّ عليها ونوّه بها الإمام لارتباطها ارتباطاً جذرياً بإصلاح التعليم، مقدماً لها بما يشعر بماضي الأمة في الحضارة الفكرية الإسلامية، وحظّها منها، وذلك قوله: "لم يكن حظ الأمة التونسية في هذا المضمار من بين الأمم حظاً منقوصاً. فقد سايرت في ذلك تطوّرَ العصور تمهيداً أو إكمالاً، ونشطت في أحوال أورثت تكاسلاً وإقبالاً. فمعهدها هذا الجليل بأصله وفروعه ومدارسه المبثوثة في الحاضرة والإيالة ... لم يزل مأوى تأرز إليه علوم الشريعة، وعلوم اللغة العربية، فكان وجهة الأولين لحفظ قوانين الشريعة أصولاً وأحكاماً، وغذاء حياة العربية كتابة وكلاماً". وبعد أن أشاد بدور الزيتونة في مواكبة العصور نهضة وتطوراً، وَصَفَ دورها العظيم في الحفاظ على المقوِّمين الأساسيين للأمة التونسية: دينها الإسلامي، ولغتها العربية. وتناول بعد ذلك النقاط الرئيسة لكل معهد علمي، وهي الطلبة، والمادة العلمية ومتطلباتها، والأساتذة. وأعلن: أولاً: عن توجّهاته نحو طلبة المعهد، وعنايته بهم. وثانياً: عن تقديره للدور المنوط بالأساتذة والشيوخ وبتجاوبهم مع الحركة الإصلاحية وتحملهم الأمانة كاملة. وثالثاً: عن وجوب الاهتمام بالعلوم الموجودة بالزيتونة وتطويرها إلى ما ينبغي أن تكون عليه، وضبط البرامج، واختيار المناهج، والعناية بالتعليم في كل مراحله، حتى في المرحلة الابتدائية المهيأة للالتحاق بالجامع، وفي سائر المراحل وخاصة المرحلة الثانوية.

стр. 291

ورابعاً: عن عزمه على تفقّد المؤسسات العلمية التي تتكون منها الزيتونة، فيما تؤديه من رسالة، وتبلّغه من أمانة على الوجه الأقوم السديد إن شاء الله. ولا بدع أن يكون الاهتمام بالطلبة وشؤونهم من أُولى وأَوْلى الواجبات ومن أمهات قضايا الإصلاح. "فالمتعلم هو القطب الذي تدور حوله حركة التعليم، والنصح له جامع غايات النظم التعليمية". وتحدث الإمام بمناسبة نهاية العام الدراسي في توجّع وإكبار عما مرّ على التلامذة مروراً مُرًّا، إذ كان حلول ذلك العام عقب نهاية الحرب. وأقبل الطلبة فيه على العلم، وقد قلّت الأزواد ورقَّت الثياب، ورغم ذلك تجلّد الطلبة وصابروا. وحمله هذا الواقع المرير على تدبّر الأمر لحل المشاكل قائلاً: "إن ما صرفناه من عزم وجهد وطموح وانكباب على البحث في حل المشاكل التي تعترض العاملين في سبيل الإصلاح الزيتوني ليدفعنا إلى العمل. وإني لأجعل في مقدمة ذلك النظر في مدارس سكنى الطلبة. وهي مشكلة عظيمة في حياة الطلبة من جهة قلّتِها وضعف مرافقها. وحسب السامع أن يعلم أن أكثر من نصف عدد التلامذة يلاقون عناء قاسياً من ذلك، على أن نظام المدارس مرتبط بنظام التلامذة في قَرَن. إذ لا يُستطاع ضبط أحوال التلامذة وصونُهم وتوفير راحة بالهم في مدة الطلب إلا بإبلاغ نظام المدارس الغاية التي تقتضيها أمثالها. وهذا يتوقّف على إصلاح الموجود وإيجاد المفقود. وقد سددنا الجانب الأول بإيجاد دائرة خاصة تابعة للمشيخة تختص بالنظر في تنظيم شؤون المدارس. وأما الجانب الثاني فأرى حقاً على الأمة أن تجعل للاعتماد على نفسها الحظ الأوفر في إقامة مصالح نشأتها.

стр. 292

لذلك بادرنا بتوجيه الدعوة لنخبة من أفاضل الأمة فكوّنوا لهذا الغرض جمعية الحي الزيتوني تداركاً للوضع وعملاً على إصلاحه". وعرض الإمام الأكبر في خطابه الجامع هذا نظرته الإصلاحية للتعليم بالزيتونة، منبّهاً على نوعية الخريجين وصفاتهم وما ينتظر منهم قائلًا: "علينا أن يكون طلبة العلم في المعهد الزيتوني علماء بالأصول الإسلامية والآداب الدينية والأخلاق القويمة وعلوم آداب اللغة العربية، وما يتحصل بذلك من تاريخ الأمة وتاريخ أحوال وضعيتها بين الأمم المعاصرة لها في سائر عصورها وتاريخ رجالها". ولم يغفل هنا عن التذكير بما تمّت إضافته من العلوم الطبيعية والرياضية إلى العلوم الشرعية والدينية، مذكراً بأن المعهد لم يخلُ من طلب ما تكمل به مدارك خريجيه، تكميلاً يؤهِّلهم لمسايرة أحوال مجتمعهم. ولتطور الأزمان واختلاف العصور اتجه سماحته اتجاهاً أرشد في إصلاح التعليم قائلاً: "لقد أصبح تقارب الثقافة بين الأمم ضربة لازب، وصار ما يعد تكملة موضوعاً الآن في عداد الواجب. ولذلك كله لم يغن التلميذ الزيتوني عن أن يضرب مع أمم عصره بسهم صائب. فلا بد أن يصعد في جو الثقافة الزمنية إلى مرتقى لا يقعد به عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بدلائل الحياة السعيدة، كما أنه لم يغنَ عن الأخذ بالنصيب الكامل مما يتناوله أمثالُه من علوم التبصّر، فلا يعدم بصَارةً بأحوال العلم تبصّر خريجي المعاهد الراقية. وبرامج ذلك توضع على وفق المناسبة للمراتب التي يُختار التلميذ إليها على وجه تحصُل به التكملة ولا يضاع معه الأصل". وفي مكان آخر من هذا الخطاب التوجيهي، وبعد الذي تمّ من تحديد الدرجات العلمية للشهادات يقول: "علينا أن نكللها بضبط

стр. 293

البرامج الملائمة لها: من تعيين المواد والأبواب، والتآليف المقروءة، والساعات المقررة لذلك، وكفاءةِ من يوكل لهم رعيُ ذلك من مدرسين وقيّمين. وذلك جمعاً بين توفير المعلومات، ودقّة الأوقات، وراحة الأذهان، والدربة على العمل بالمعلومات". وقد كان لزاماً أن يؤخذ إلى جانب ذلك بعين الاعتبار وضع الفروع الخمسة الزيتونية الموجودة بالداخل: بصفاقس وسوسة والقيروان وقفصة وتوزر. فقام الشيخ ﵀ أولاً بزيارتها، ووعد بالنظر في إصلاحها وإخضاعها للنظام العام الذي عليه جامع الزيتونة وفرعه اليوسفي بالعاصمة، تطلعاً إلى أن تصير في مستقبل قريب منابعَ علم البحر الأعظم، بحرِ جامع الزيتونة بما يزيد من فيضه ويرفعُ من رتبته. وتوجَّه أخرى إلى مشكلة مستعصية كان يلتقي بسببها الملتحقون بالتعليم الزيتوني التقاء فوضوياً، غير مبني على أساس علمي أو بيداغوجي موحّد. ذلك أن مصادر الورود إلى هذا التعليم تنم عن تفاوت كبير بين التلامذة، إذ تعدّدت المدارس التي تخرجوا منها، وتنوّعت بين مدارس قرآنية، ومدارس رسمية، وكتاتيب أو زوايا. وكان من أولئك التلامذة من لم ينل من التعليم الابتدائي إلا حظاً زهيداً. ووعد الشيخ في هذا الخطاب ببحث هذا الأمر قائلاً: "وسنعد لهذه العقدة علاج حلِّها في مفتتح السنة الدراسية بمعونة الله". وكان التفاته بعد ذلك إلى شيوخ التدريس والأساتذة يهيب بهم إلى توحيد الصف، وتضافر الجهود، والعمل على النهوض بمعهدهم، مخاطباً إياهم بقوله: "وأنا، حين أعرض هذا البرنامج الذي أراه خير كفيل لتحقيق آمالنا في الإصلاح، يخامرني اليقين بأنّي واجد من أبنائي السادة شيوخ التدريس ما أعرف منهم من تسهيل سبل هذا المُهم، بما يبذلون في إعانتنا من سامي الهِمم، لما أبدوه من

стр. 294

التفاف حول المشيخة، ومعونة على مقرّراتها، ومصارحتنا بما يتوسّمون منه صلاحاً للعلم، ولقيامهم بالمهام العلمية التي تسند إليهم بفرط رغبة وعمل بعزيمة". الجهود الإصلاحية ومضى الشيخ لا يثنيه عن القيام بواجبه والتطبيق للإصلاحات عائق أو مانع. وما أن أسندت إليه قيادة المسيرة العلمية بالزيتونة حتى شمّر عن ساعد الجد، وأخذ في تنفيذ برنامج واسع النطاق. وهذا ما حمل طلاب الجامع وشيوخه على إقامة مهرجان للاحتفاء به بمناسبة مرور سنة على توليته. فكان أشبه بالبيعة الجماعية له. وجدير بهذه الشخصية النادرة، كما قال فضيلة الشيخ محمد المختار بن محمود في خطابه أمامه بهذه المناسبة، أن تعلَّقَ عليها آمال، وتفرض عليها تكاليف، وتناط بها حقوق، ويعهد إليها بمستقبل أمة (١). وقد اقتضى ذلك من الإمام الأكبر أن يجيب عن هذه التحية بتأكيد الالتزام بالعمل الإصلاحي، ودعوة الزيتونيين إلى التآلف والتعاون والمساعدة على النهوض بهذا المعهد الجليل. وفي هذا يقول: "أما أبنائي طلبة الجامع الأعظم وفروعه فإني أعدّ احتفالهم بي في هذه الذكرى احتفالاً بذكرى إجابتي داعي واجب دعاني إلى إحقاقه، وسعي نبراس هُدى أَنِسته يتطلب زيادة ائتلاقه. فلنجعل ذلك تذكرة لنا لنتكاتف على العمل لنفع ذلك المعهد العظيم، كلٌّ بما هو في دائرة عمله. ففي هذا المعهد انفتحت كمائم إنتاجنا، ومنه بدأ نور سراجنا. فإذا دأبنا على خدمته وإعلاء كلمته، كنا قد وفّيناه حق نعم

стр. 295

أسداها، وارتدينا حلّة فخر هو الذي نسج لُحمتها وحاك سَداها" (١). وتحقق بحمد الله لحركة الإصلاح ما أمّلَته، وبذل الأساتذة والطلاب وكثير من رجال الفكر وسراة البلاد وكذا المؤسسات والجمعيات أقصى ما في الوسع من قدرات للوفاء بما في الذمة، وبما عاهدوا عليه الله، من تطوير التعليم الزيتوني، تأصيلاً وتعصيراً، حتى أصبحت الجامعة الزيتونية مضرب المثل، والأنموذج الذي على المؤسسات العلمية في الداخل والخارج أن تتبع خطاه وتسير على أثره. التعاون العلمي والعملي بين الزيتونة والخلدونية: ولاحظنا في مجال التعاون والتناصر كيف مضى الجامع الأعظم وفروعه تساعده الجمعية الخلدونية بتونس على تذليل الصعاب، وتوفير أسباب النجاح لتطبيق الإصلاح في زمن قصير. وبعد أن كان المعهد القومي الإسلامي العلمي متمثلاً في الزيتونة التي تتكوّن من الجامع الأعظم والجامع اليوسفي بتونس، ومن خمسة فروع لها داخل الإيالة لا يزيد عدد طلابها على ثلاثة آلاف من المرسَّمين في التعليم الزيتوني بمختلف درجاته المتوسطة والثانوية والعالية، ظهر إقبال كبير وحرص شديد على الانتساب لهذا المعهد، والنهل من منابعه بفضل ما أحدثه رئيس الجامعة الزيتونية من فروع، وما أثاره من كوامن العزائم، وصادق المشاعر. وتضاعف عدد الفروع إلى خمسة وعشرين فرعاً بين الحاضرة وأطراف المملكة من بينها فرعان لتعليم البنات، وامتدت هذه الفروع الزيتونية إلى قسنطينة والجزائر، ونما عدد الطلاب فبلغ العشرين ألفاً.

стр. 296

وتكونت في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي بالزيتونة شعبة العلوم العصرية ١٩٥١ لتدريس اللغات والرياضيات والطبيعيات والتاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة العربية. فكانت النتائج الباهرة والمسابقة الشريفة العلمية بين مدارس الدولة الرسمية وجامع الزيتونة بشعبتيه الأصلية والعصرية. وخصصت للمواد الجديدة جملة مراكز. والْتَحَقَ بالزيتونة لتدريس المواد العلمية المعاصرة بها مدرسون من أساتذة التعليم الثانوي بالمدارس الرسمية التابعة لإدارة العلوم والمعارف، ودعا الأساتذة من مختلف الجامعات في المشرق للتعاون مع الزيتونة، والإسهام في نهضتها العلمية المباركة، وتكوّنت من خريجي الشعبة العصرية إرساليات لاستكمال تخصّصاتها بجامعات القاهرة وبغداد ودمشق، وكذلك بفرنسة وموسكو. وبعد أن كانت الخلدونية منذ نشأتها مؤسسة ثقافية شعبية حرّة، بها عدة فصول، يُدرّس فيها لطلبة الزيتونة، من المرحلة الأولى للتعليم الثانوي، ما كانوا يحرصون على استكماله من مبادىء العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية. ويحصل المتخرّجون منها على شهادة التحصيل في المعارف العملية. كانت بهذه الجمعية قاعة كبرى للمحاضرات ومكتبة عامرة تزخر بأجود الكتب والدوريات العربية والفرنسية، تمّ انتقاؤها واقتناؤها للرقي بمستوى روادها، وتزويدهم بما يحتاجون إليه من دراسات وبحوث، تتسع بها مداركهم، وتنمو بها ملكاتهم ويكتسبون عن طريقها رأياً وفكراً وأدباً وعلماً، مع ما يتلقاه الكثير منهم من محاضرات بها، تغرس في نفوسهم العزم والإيمان ببلوغ أسنى المراتب وتحقيق أشرف المقاصد، وتدفع بهم قدماً إلى التجديد والإصلاح متأثرين بأعلام النهضة الفكرية ودعوتها.

стр. 297

وفي سنة ١٣٦٦ - ١٩٤٧ بعد أن أسندت رئاسة الجمعية الخلدونية للعلامة الراحل الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور نجل الإمام الأكبر ولسان الدعوة الإصلاحية، اندفعت الخلدونية في سير حثيث ممهَّدة ومواكبة لكل مظاهر التطور في جامع الزيتونة الأعظم. وقدّر رئيس الجمعية الخلدونية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه المؤسسة، فاتخذ من فصولها معهداً للتعليم الثانوي المعاصر تدرّس به كل المواد العلمية باللسان العربي، ويكون التخرّج منه بالحصول على شهادة الباكالوريا العربية (١). ومن خريجي المدرسة الخلدونية الحاصلين على هذه الشهادة تكونت ثلة من الأساتذة المساعدين للتعليم بالشعبة العصرية بالمعاهد الزيتونية، وكانت من خريجيها العناصر الأولى للإرساليات العلمية التي توزعّ أفرادها بين الجامعات الشرقية والغربية، كل حسب تخصصه ومؤهلاته، وما يرغب في التخصّص فيه من فروع العلم على اختلافها. واتخذ رئيس الجمعية الخلدونية من القاعة الكبرى للجمعية مقرًّا لمعاهد ثلاثة هي: معهد البحوث الإسلامية، ومعهد الحقوق العربي، ومعهد الفلسفة. ولئن احتجب المعهدان الأخيران بسرعة لوجود المراكز العلمية المنافسة لهما؛ فإن معهد البحوث الإسلامية الذي تمّ تأسيسه في ربيع الأول ١٣٦٥/ يناير ١٩٤٦ قد عمل جاداً بمحاضراته الثلاث الأسبوعية على مدى خمس سنوات لتحقيق الغاية من تأسيسه التي تضمَّنها نظامه. وهي بعث الروح الثقافية الإسلامية، وقيادة

стр. 298

أهليها إلى الشعور بوحدة العالم الإسلامي وعظمته، والوقوف على حقائقه الوجودية، وتكوين الاستعداد لدراسة حرّة لا تتأثر بالظروف العارضة ولا بالتيارات الخارجية، وإنما تستوحي سيرها من المعارف التاريخية والجغرافية المستندة إلى الأصول الصحيحة المتمشية مع روح الجامعة الإسلامية الكبرى (١). وهكذا اختلف الوضع، وبرزت النتائج، وانعكست آثار ذلك على الروح الشعبية. وتعاظمت همّة الأسرة الزيتونية من مشيختها وأساتذتها وطلابها تشاطرُها الخلدونية اهتماماتها وانتصاراتِها، وتقاسمها مفاخرها وابتهاجاتِها. وسرعان ما استكمل التعليم الزيتوني ببلادنا عناصره الأساسية من تلقين للدين، وإلمام بمصادره، وتعمق في علومه، وغوص على مقاصده، مضيفاً إلى ذلك ما يتأكد الإلمام به من معارف وعلوم ومواد ضرورية تعين على مواكبة العصر، وتفتح الآفاق أمام الخريجين، وتمكّن طلبة الجامع الأعظم من الإسهام في المسيرة الثقافية العلمية إسهاماً يضمن لجامعتهم أن تكون مستقراً ومركزاً لمقوماتنا الذاتية القومية من جهة، ومجالاً للعناية بالمواد المعروضة لا المفروضة من علوم العصر من أجل بناء المستقبل وإيجاد التوازن ودعم وتوطيد النهضة المباركة في ربوعنا. وقد توّج هذه الجهود العظيمة والمسيرة القويمة، مؤتمر الثقافة الإسلامية الذي عقدته الخلدونية بتونس في ذي القعدة ١٣٦٨/ سبتمبر ١٩٤٩ ودعت إليه من أطراف العالم الإسلامي علماء ومفكرين وكتّاباً ومندوبين عن الجامعات والمنظمات الثقافية الإسلامية (٢)؛ فكان

стр. 299

لنجاحه الأثر الكبير في نفوس المواطنين، وفي نفوس رجال الفكر والعلم الإسلامي، مما دعا أحد كبار شعراء مصر بعد فترة من الزمن أن يشيد في بعض قصائده بهذه المعاني قائلاً: قم كرّم الزيتونة العظمى وقل ... لَيكادُ يشرق في حماك حراء * * * كم طاهر أو فاضل ملأوا الدنا ... عِلماً تقصَّى خطوَه الفقهاءُ فإذا بفيضهم الصدور حفيلةٌ ... وإذا بنورهم العقول وِضاءُ يا أخت أزهرنا الشريف سلمتما ... قُدْسَين تقصُر عنكما الغماءُ تحميكما وتشدُّ من أزريكما ... يَس والفرقان والإسراءُ وقد زاد من التفاف الناس حول الزيتونة ما قامت به هذه المؤسسة على مدى ألف وثلاثمائة سنة من الحفاظ على المقومين الأساسيين للملة: الدين الحنيف واللغة العربية، وما كان من انتشار فروعها في الآفاق وتعهدِ الإمام الأكبر بمراقبتها وتغيير أوضاعها ورفعها إلى المستوى اللائق والمطلوب، لتصبح منارات هداية ومنابع علم ومعرفة؛ ثم توزع أبناؤها وخريجوها بين طبقات الشعب كلها معلمين، وفقهاء ومدرسين، وقضاة ومحامين، وتجاراً وفلاحين، وأصحاب صناعات، حتى إنك لا تكاد تجد بيتاً من البيوت في تونس أو غيرها من العواصم والمدن والقرى إلا وله نسبة أو أدنى نسبة بذلك الجامع الأعظم تربطه به وتشدّه إليه. وتوغل التونسيون في النزعة القومية في أعقاب الحرب العالمية الثانية بفضل قيام الجامعة العربية. ونما الشعور لديهم بوجوب العمل من أجل إقامة الجامعة الإسلامية. وبدأت مظاهر ذلك ودلائله، فانفصلت الحركة السياسية التونسية عن التبعية للحزب الاشتراكي الفرنسي، وقامت الحركة الوطنية في أوجها مستقلة، يسندها ويدعو

стр. 300

لدعمها رجال الزيتونة وطلابها. وشارك الشيوخ في مؤتمر ليلة القدر، وأفلتت قيادة الحركة النقابية من أيدي الاشتراكيين والشيوعيين، وقامت جامعة الموظفين التونسيين متميزة بمكتبها ونظامها ورجالها وأهدافها. وأقام العمال حركتهم بتكوين الاتحاد العام التونسي للشغل في رحاب الزيتونة وبقاعة المحاضرات للجمعية الخلدونية. وتوجّس المستعمرون وأعداء الفكر الإسلامي خيفة من هذه التطورات، وجمعوا لذلك مكرهم وكيدهم للإيقاع بهذا التوجه القومي العارم، وهذه الروح الإسلامية القوية العتيدة. وحين تميّزت الزيتونة في هذه المرحلة بالتعليم العالي الديني الإسلامي، مثل سائر كليات الجامعة المتعددة والمختلفة التخصّصات، تكوّنت لذلك الجامعة الزيتونية وأسندت إلى سماحة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عمادة هذه الجامعة، واستمر على إدارتها أربع سنوات من ١٩٥٦ إلى ١٩٦٠. وبعد أن كان التعليم العالي بالزيتونة بالجامع الأعظم منقسماً إلى ثلاثة أقسام: شرعي، وأدبي، وقراءات، يتخرج منه الطالب بشهادة العالمية في الشعبة التي انتسب إليها طَوال سنيّ الدراسة الثلاثة، انتقل التدريس بالجامعة الزيتونية إلى مبنى كبير ذي فصول عديدة خارج المسجد، وتعددت كلياتها. فكلية الشريعة يقضي بها الطلاب سنتين، وفي الثالثة تنقسم إلى شعبتين: شعبة أصول الدين، وشعبة القضاء؛ وكلية اللغة العربية يقضي بها الطلاب سنتين، وفي الثالثة تنقسم هي الأخرى إلى شعبتين: شعبة الآداب، وشعبة اللغة، وكلية القراءات للتخصص في علوم القرآن والدراسات القرآنية تمتد الدراسة بها ثلاثَ سنوات أيضاً. وقد اختير للجامعة بكلّ كلّياتها وشعبها نخبة من الأساتذة

стр. 301

المهرة المتميزين بالعمق والدقة وجودة النظر، ووُضعت لها المناهج لكل سنة، يُعدّها المجلس العلمي بها، وينتقي لها أهم الكتب والمصنفات للدروس والبحوث والمحاضرات. وكانت تصدر في بداية كل سنة نشرة تضبط المناهج والأوقات، وترتب الدراسات والفنون التي يتعيّن الاشتغال بها لتمكين الطالب عند التخرج من الحصول على الملكة العلمية والنظرة الواسعة الفقهية واللغوية، والقدرة على البحث والاجتهاد فيما قد يعرض من الوقائع والنوازل المستجدّة. زرع المُعَوِّقات وإقامة العقبات في وجه الإصلاح: خشِيت سلطات الحماية من تفاقم الوضع، ومن تضافر جهود المواطنين على نقض أهدافها السياسية وتخطيطاتها الاستعمارية في كل المجالات. فحاولت أن تقضي على حركات الإضراب الطالبية بجامع الزيتونة وفروعه، مثلما قامت بشنّ حملاتها على العناصر الشبابية، ورجال الحركة القومية، وتسليط ألوان القمع والاضطهاد عليهم: إيقافاً وتعذيباً وسجناً وإبعاداً، متّهمة هؤلاء وأولئك بالتنكّر للمدّ الحضاري الأوروبي الذي أقامت عليه فرنسة سياستها في المستعمرات، وبالتآمر مع أعداء النظام على أمن الدولة والعمل على التخلص من الاحتلال بكل صوره وجميع مظاهره وأشكاله. وهكذا لم تدع الإدارة الاستعمارية فرصةً تسنح إلا استغلتها من أجل إضعاف روح التكتّل القومي الهش، وفصل أتباعها السائرين على نهجها عن الثقافة العربية التونسية، كما عملت جاهدة على التحقير من شأن التعليم الزيتوني العربي الإسلامي أصليّه وعصريّه بصرف الناس عنه، مستعينة في ذلك بدعاة الفرنكوفونية الذين كانوا يسعون إلى مرضاتها، ويعملون جاهدين لاكتساب الأنصار من

стр. 302

المترددين وضعاف العزائم، موقرين في نفوسهم أن تقدم الشعب وتحقيق متطلباته لن يكون إلا بالخضوع للواقع، والسير وراء الأقوى، والأخذ بأسباب العزّة والقوّة من الحضارة الأوروبية القائمة، وإن أدى ذلك إلى اضمحلال الذاتية القومية بجميع مقوماتها وبالذوبان في الغير. وهو الاتجاه السياسي القديم الذي أملاه زويمر ودعا له من وقت احتلال فرنسة للجزائر عام ١٨٣٠. وتلت هذه الجهود الماكرة والدعايات السياسية المضلّلة ألوانٌ من التصرّفات الإدارية الاستعمارية، تمثلت: أولاً: في تحجيم التعليم الزيتوني بعد انتعاشه. وقد يكون من الضروري هنا أن نصف ما كان عليه التعليم بتونس من فوضى، وما كان عليه المعلمون والأساتذة من حيرة. فالتعليم الزيتوني الذي كان يشق سبيله في شعبتيه العلمية والعصرية بفضل الجهود الإصلاحية الذاتية، إلى الظهور على غيره والتقدم عليه، وجد من المواطنين إقبالاً وعناية. فهو بشعبته العصرية يمثل بادرة فريدة من نوعها، وتجربة رائدة في تاريخ التعليم المُعَرَّب بتونس. وازدادت أهمية واعتزاز المجتمع التونسي العربي المسلم به، لأنه تمكّن من جهة على المحافظة على أهمية العلوم العربية والشرعية، ومن جهة ثانية أقام تعليماً عصرياً تجهيزياً علمياً يعدّ خريجيه للتخصص في الجامعات الشرقية والغربية، كما لبّى رغبات الأمة في تحقيق التجربة الأصلية باستيعاب العلوم العصرية دون التفريط في علوم الشريعة الإسلامية (١).

стр. 303

ووقع أثر هذا الصراع الموجه بين هذا المعهد الديني والعلمي في جميع مراحله، وبين المعاهد الأخرى المخالفة له مضموناً وهدفاً. فكان محاطاً بمعاهد ذات صبغة ومناهج فرنسية ترمي إلى فرنسة العقول بإخضاع تلامذتها، لما يخضع له التلميذ الفرنسي، والنوع الثاني من التعليم كان مقصوراً على المدرسة الصادقية والمعاهد التي جرت مجراها، وكانت تمثل التعليم التونسي خالياً - أو يكاد - من العلوم الإسلامية. وحين اشتد الصراع وطغى العدوان الفرنسي قام ساسة ومفكرون تونسيون بإدخال أنواع من التطوير، تأكد بها القضاء على المعهد والجامعة الزيتونية. وكان هذا التصرف على مراحل: أولاً بإلحاق هذا التعليم بوزارة التعليم بعد أن كان من نظر رئاسة الحكومة ثم من نظر وزارة الدولة والمؤسسات الإسلامية. واستمر دعاة الإصلاح والمسؤولون عنه يحرصون على تعريب التعليم، ثم على توحيده. وكان من آثار ذلك فقط ترك التعليم الزيتوني مقصوراً على التعليم العالي دون أن تكون له روافد تسنده. ورغماً على الإصلاحات الجريئة تبخرت شعبة (أ) للتعليم العام التي كانت محط الآمال. وفصل الإمام عن المشيخة، وذَوَتْ الزيتونة وتعليمها العالي. وتواصلت قبل ذلك صور القمع والهدم للزيتونة، فكان من ذلك: أولاً: إيقاف حركة إنشاء الفروع الزيتونية. - التضييق على موارد التعليم الزيتوني بالحد من الاعتمادات المالية الضرورية للقيام بشؤون التعليم على الوجه المطلوب. - منع الأساتذة التابعين لإدارة التعليم والمعارف من الإسهام بدروسهم بالشعبة العلمية والعصرية قصد تحقيق النهضة العلمية الزيتونية.

стр. 304

- حجب تأشيرة الدخول للمملكة عن كثير من الأساتذة الضيوف الذين يتعاونون مع الزيتونة في نطاق تبادل الزيارات. وثانياً: دعوة مجلس الإصلاح للتعليم الزيتوني للانعقاد في محرّم ١٣٦٩/ مارس ١٩٥٠. وحمله على اتخاذ قرارات تعسّفية مناقضة لما تمّ اعتماده من تدابير للنهوض بالتَّعليم في الجامع الأعظم. وثالثاً: بثّ الفتنة بين أساتذة الزيتونة وتقسيمهم إلى مؤيدين للإصلاح ومناهضين له، وزعزعة الحركة الطالبية بإيجاد الفُرقة والنزاع بين الكتلة وصوت الطالب. ورابعاً: إيقاع المصادمات المفتعلة بين رجال الزيتونة من أساتذة وطلاب، وبين العناصر الوطنية عن طريق التحريشات المدبرة والسعايات الحاقدة. وقد كانت نهاية هذه التطوّرات إقصاء فضيلة الشيخ الجليل محمد الشاذلي بِالقاضي عن إدارة المدارس التي ساسها بما عرف به من عزم ورعاية وحكمة. وذوت الزيتونة أو كادت، وعاد عزيز أباظة يشيد بدورها الخالد في قوله: يا حجة الإسلام إنك، إن دَجَتْ ... رِيَبٌ عليه، سراجُه الوضّاءُ تحمين حوزته كما تحمي الألى ... والوا إليها القلعةُ العصماء فإذا امتَحنت فعزمةٌ سلَفيّة ... وإذا هززتِ فصخرة صماء نشروا على دنيا العروبة علمَهم ... وصلاحَهم أعلامُك العلماءُ وعلى المطهّر من حماك تفقّه الـ ... ـحفّاظ والقرّاء والحكماءُ ولم تفتر حركة الإصلاح بعد ذلك. فتتابع التجديد والنظر في برامج الشعبتين الأصلية والعصرية، واستمرت إرساليات الخريجين

стр. 305

إلى المشرق وإلى أوروبة، كما تحصّل الطلاب بعزمهم الشديد وصبرهم وصمودهم على بناء مراكز مناسبة للتعليم الزيتوني. ثم تعطّل ذلك كله بعد اتخاذ القرارين الحكوميين القاضيين بتوحيد القضاء بالبلاد التونسية، وبتوحيد التعليم في كل المدارس والمعاهد الابتدائية والثانوية. ومع تزايد الإقبال على الزيتونة من طرف طلاب العلم، وأمام تكاسُل الإدارة الاستعمارية وقعودها عن تشجيع هذه المؤسسة الأم للتعليم ببلادنا، قامت إدارة الجامعة الزيتونية باستئجار كثير من الدور والمنازل الكبيرة لإيواء شُعَب التعليم بأقسامها، كما أسَّست بالتعاون مع أهل البر والإحسان في بلادنا مقراً كبيراً لإقامة الطلبة، هو الحي الزيتوني. ومن مظاهر التطوير العلمي للتعليم الزيتوني تعديل المناهج، واختيار الكتب الصالحة للتدريس. وبدأت حركة التأليف تظهر بتونس في مختلف العلوم كالرياضي والطبيعي منها باللغة العربية. ولا بدع إن تغنّى الشعراء بهذه النهضة الكبرى المباركة، أو فاخروا بهذه الأمجاد الرفيعة. فقد جاء من ذلك على لسان مصطفى خريف: فدى لأبي الزيتونة القرم وابنها ... وشيخ علاها، جاحد الفضل كافره لقد كاد نور العلم فيها لينطفي ... فأوقده الشهم ابنُ عاشور طاهرُه إمام على نهج الحقيقة سائر ... هَداه إلى نهج الحقيقة فاطرُه أخو عزمات لا تلين لغامز ... ورَبُّ مزايا ليس تفنى مآثره * * *

стр. 306

القسم الخامس مؤلفات الإمام الأكبر

стр. 307

تمهيد: كانت حياة شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور حافلة بالنشاط العلمي والفكري. بدأت ثمارُ ذلك تظهر من حين تخرّجه بالجامع الأعظم جامع الزيتونة واستكماله الدراسة به إلى أن التحق بربِّه. وهو نمط فريد من الشيوخ لم نعرف مثله بين معاصريه أو طلابه، أو مَن كان في درجتهم من أهل العلم. إذ كان انكبابه على الدرس متميّزاً، واشتغالُه بالمطالعة غيرَ منقطع، مع عناية دائمة مستمرة بالتدوين والكتابة، وتقديم ما يحتاج إليه الناس من معارف وعلوم، وأذواق وآداب، وملاحظات وتأمّلات. فلا بدع إذا اطَّردت جهوده واستمر عطاؤه في مختلف مجالات الدرس والثقافة: في حقول المعرفة الدينية والشرعية، وفي الدراسات اللغوية والأدبية، وفي معالجة أوضاع التعليم بالزيتونة والعمل على إصلاحها، مع ذبِّه عن الإسلام أصوله وآدابه، وتطلّعه كل يوم إلى مزيد من المعرفة بكل ما يمكن أن يقع تحت يده من كتب فريدة ومخطوطات ومصنفات في شتى العلوم والفنون. وهبه الله متانة علم، وسعة ثقافة، وعمق نظر، وقدرة لا تفتُر عن التدوين والنشر، وملكات نقدية يتضح أثرها في طريقة الجمع بين الأصول والتفريعات وما يلحق بها من تصرفات وإبداعات. وهكذا صدرت مقالاته وتحقيقاته وبحوثه وتآليفه متدفّقة متوالية من غير انقطاع أو ضعف. فنُشر منها ما نُشر، وبقي الكثير منها محفوظاً بخزانة آل عاشور ينتظر مَن يتولى نشره وطبعه وتحقيقه.

стр. 308

وقد عمدنا في هذه العجالة إلى محاولة ضبط هذا التراث الفكري والعلمي الذي ورثناه عن سماحة شيخنا، بدون تفصيل أو نقد لمحتوى الكتب والمقالات التي ألفيناها بين أيدينا، وإنما هي الإشارات واللمحات الدالة. وذلك لضيق هذه المقدمة عن الاتساع للغرض. ولكننا، بإذن الله، نقدم بهذا الباب كتاب المقاصد الشرعية وهو الأثر الكبير الهام بعد التحرير والتنوير والمقصود من هذا التأليف، والذي يحتاج منا إلى بيان مباحثه وضبط مسائله، وإلى المقارنة بينه وبين غيره من الكتب المتقدمة التي استمد منها الشيخ عناصر بحثه في المقاصد والمصالح. مؤلفات شيخ الإسلام الإمام الأكبر: يتّضح لكل من يقف على تنوّع مؤلفات الإمام مع كثرتها أنها متميزة مادةً ووضعاً وإعداداً وقصداً. ورأينا ابتداءً أن نصنفها تصنيفاً عاماً نفرق به بين ما أعده من مقالات وبحوث ودراسات وكتب في العلوم الشرعية ، وبين ما وجدناه من ذلك في علوم العربية وأسرارها، وفي العلوم الأدبية المختلفة، وفي سائر الاهتمامات، مشيرين في كل قسم من هذه الأقسام إلى ما وقفنا عليه من بعض آثاره في الصحف والمجلات المحلية والمشرقية التي يمكن للباحثين الرجوع إليها والاستفادة منها. وقد يكون تعريفنا بذلك مفصّلاً أحياناً ومختصراً أخرى حسب الإمكانات المتوفرة، وما تتسع له هذه العجالة من تقديم كتاب المقاصد. العلوم الشرعية: يشتمل هذا القسم على ما أثر عن شيخنا من مقالات أو كتب في التفسير، والسيرة والسنّة، والأصول والفقه والفتاوى، ومقاصد الشريعة.

стр. 309

وتضمنت المجلةُ الزيتونية مجموعةً من دروس التفسير للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، اشتمل عليها كتاب التحرير والتنوير. وهي من جملة ما نشرته المجلة تباعاً في مجلداتها: ١ - ٩. ويمكن أن نلحق بهذه الدروس أو المقالات التفسيرية: أولاً: تحرير معنى قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (١). أورده المؤلف في مجموعة من البحوث جمعها نجلُه الأُستاذ عبد الملك في كتاب أسماه تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة. وعنوان البحث جواب لأحد الفضلاء في تحرير مسألة في علم الهيئة: ١٧٣. ثانياً: تحقيق ترجمة عالم كبير وأحد رجال الإصلاح، وَهَم الناسُ في تسميته. هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المفسّر صاحب كتاب: جامع التأويل لمحكم التنزيل (٢). * * * أما كتاب التفسير للإمام الأكبر فهو كما قدمنا التحرير والتنوير. وهو جملة دروس ألقاها على طلابه بالجامع الأعظم أسماها أمالي. أول ما طبع من التفسير: جزء عم وسبح بتونس سنة ١٩٥٦، كما نُشرت المقدمات مستقلة وهي تتصل بعلوم القرآن، ونُشر بالقاهرة المجلدان الأولان منه، سنة ١٩٦٥، ١٩٦٦، وطبع كاملاً ابتداء من ١٩٦٨ بتونس. وهو يحتوي على خمسة عشر مجلداً، بها تفسير ثلاثين جزءاً بتجزئة القرآن.

стр. 310

التحرير والتنوير لا يعد كتاب التفسير: التحرير والتنوير من بين كتب التفسير المعاصرة. فهو بالمنهج العلمي ألصق، وبطرق السابقين المتقدمين ألحق. لا يقف صاحبه من آثار الأسلاف في هذا الميدان موقف الطاعن أو الذامِّ، ولكن موقف المهذِّب والمستدْرِك. صدّر الإمام الأكبر تفسيره بمقدمات في علوم القرآن. وجعل تلك المقدّمات قسماً من الجزء الأول من التحرير، تناول فيه عدداً من القضايا الهامة مثل: التفريق بين التفسير والتأويل، واستمداد علم التفسير، والتعريف بالمنهجين المعتمدين في تفسير القرآن: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي. كما بحث مقاصد التفسير، وأسباب النزول، وعرّف بالقراءات، وتحدّث عن قصص القرآن، وختم جملة هذه المباحث بتقسيمات القرآن وترتيباته وأسماء ذلك. وخصص المقدّمتين التاسعة والعاشرة: الأولى ببيان أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن ينبغي أن تكون مرادة منها، والثانية بإعجاز القرآن. وفيها من جملة المباحث ذكر مبتكرات القرآن وعاداته. ومضى الشيخ ابن عاشور في تفسيره على نمط فريد في عصرنا الحاضر، يداني به كبار أئمة التفسير المعتمدين، ويجنح بطلّابه فيه إلى مختلف الطرق، تمكيناً لهم من فهم النص القرآني فهماً كاملاً، وتدريباً لهم على الغوص على لطائف معانيه وإشاراته، غوصاً يسمح لهم بالانتباه إلى دقائقه، مع التربية لملكاتهم والصقل لمواهبهم والارتقاء بأذواقهم. فهو يخاطب به في حلقات درسه طبقة خاصة من طلبة الدراسات العليا، وعدداً من المدرِّسين الذين كانوا يُهرعون إلى مجلسه للتأدّب به والتعلّم منه والتخرّج عليه. فهو يبني بهذه الطريقة

стр. 311

جيلاً جديداً يتلقّى المشعل من يده، وينهج منهجه في سيره، فيعمّ بذلك نفعُه العامةَ والخاصةَ، ويحفظ به اللغة وآدابها، ويُعنى فيه بالقرآن الكريم الذي وعد سبحانه بحفظه في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وقد اعتمد الإمام الأكبر المنهج الصحيح في تفسيره، المنهج الذي لا غنى عنه لدارس ولا لباحث ينظر في كلام الله تعالى. فنبّه إلى أن تفسير التراكيب القرآنية ينبغي أن يجري على تبيين معاني الكلمات بحسب استعمال اللغة العربية، ثم بأخذ المعاني من دلالة الألفاظ والتراكيب وخواص البلاغة، وباستخلاص المعاني المستنبطة منها عن طرق دلالات المطابقة والتضمين والالتزام مما يسمح به النظم البليغ ولو تعددت المحامل والاحتمالات، وكذلك بنقل ما يؤثر عن أئمة المفسّرين من السلف والخلف مما ليس مجافياً للأصول ولا للعربية، مع تجنّب الاستطراد والاندفاع في أغراض شتى ليست من مفادات تراكيب القرآن. وقد جعل من أهم مصادره في تحريره: تفسير الكشاف للزمخشري، والمحرر الوجيز لابن عطية، ومفاتيح الغيب للرازي، وتفسير البيضاوي الملخص من الكشاف ومن مفاتيح الغيب بتحقيق بديع، وتفسير الشهاب الآلوسي، وما كتبه الطيبي والقزويني والقطب والتفتازاني على الكشاف، وما كتبه الخفاجي على البيضاوي، وتفسير أبي السعود، وتفسير القرطبي، والموجود من تفسير الشيخ محمد ابن عرفة التونسي من تقييد تلميذه الأبِّي. وهو بكونه تعليقاً على تفسير ابن عطيّة أشبه منه بالتفسير. لذلك لا يأتي على جميع آي القرآن،

стр. 312

وتفاسير الأحكام، وتفسير الإمام محمد بن جرير الطبري، وكتاب درة التنزيل المنسوب لفخر الدين الرازي، وربما نسب للراغب الأصبهاني. وإنك إذا تأملت تفسير العلامة الشيخ ابن عاشور ألفيت العقل الراجح، والرأي الصائب، وسعة الفكر، وقوة البيان، مع الحجة القوية والبرهان القاطع. وقد استعد لهذا الدور الجليل بما اكتسبه من علم وخبرة وذوق وملكة في اللغة وآدابها، وبما حصل له من وراء ذلك من مدارك وتصرّفات، هي نتيجة طبيعية لممارساته لفنون القول. لذلك تراه، وهو المزوّد بهذه الثقافة العالية الواسعة، والخبرة العميقة الطويلة، يسلك، في تفسيره وفي تحريره للمعاني والمقاصد، الطريقةَ التطبيقية التي جرى عليها الزمخشري وابن الأنباري وابن الشجري وأمثالُهم. فإذا ما قصرت هذه عن الوفاء بما أراد، عاد إلى محفوظه ومروياته من كلام العرب وأشعارها مستشهداً ومستنبطاً، معلناً عن ابتكاراته وأفهامه الخاصة بقوله: "وعندي" وهكذا يضم هذه الطريقة الاستنتاجية التي كان عليها المبرِّد إلى الطريقة التطبيقية، وهذا الاجتهاد هو ما لا يتسنّى لكل أحد، ولا نأنَسُه بكثرة عند أمثاله من المتقدّمين في هذا العلم. ومن يُعِد النظر في منهج العلامة الإمام الأكبر في تفسيره يُلْفِ به طِلْبةَ الباحث والدارس من المتعمّقين المتخصّصين. ففيه أحسنُ ما في التفاسير وأحسنُ ممّا في التفاسير (١).

стр. 313

اعتمد الإمام الأكبر في الأساس أغراض التفسير التي دعا إليها الله في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). وقد نبه إلى ذلك في المقدمة الرابعة من تفسيره، وجعل أغراض التفسير بحسب استقرائه ثمانية (٢). ومما جاء في هذه المقدمة قوله: فغرض المفسِّر بيانُ ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان يحتمل المعنى ولا يأباه اللفظ، أي من كل ما يوضّح المراد من مقاصد القرآن أو ما يتوقّف عليه فهمه أكمل فهم، أو يُخفى المقصد تفصيلاً وتفريعاً مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء، أو لتوقع مكابرة من معاند أو جاهل فلا جرم كان رائد المفسِّر في ذلك أن يعرف على الإجمال مقاصد القرآن مما جاء لأجله، ويعرف اصطلاحَه وعاداتِه في إطلاق الألفاظ. وللتنزيل اصطلاحات وعادات تعرض صاحب الكشاف إلى شيء منها في متناثر كلامه في تفسيره (٣). وقد رأينا من الباحثين المعاصرين الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم يقارن بين تفسير المنار للأستاذ الإمام، وبين التحرير والتنوير للإمام الأكبر. فعجبنا من اعتباره صاحب التحرير جارياً على المنهج الذي اختاره الإمام محمد عبده، وجرى عليه أبناء مدرسته مثل السيد محمد رشيد رضا والشيخ عبد القادر المغربي والشيخ محمد مصطفى المراغي وأمثالهم. ثم أظهر التردد في ذلك عند قوله عن الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: إنه أحد أبناء هذه المدرسة ولكن على نمط آخر فريد. ويكشف عن إصابته وجه الحق بعد هذه المقالة بقيامه في كلمة موجزة بالمقارنة بين الأثرين. وذلك حين يقول

стр. 314

عن الإمام الأكبر في تفسيره: فلقد جمع هذا التفسيرُ خلاصة آراء السابقين، وزبدة أفكار المعاصرين في أسلوب أدبي رفيع، وتقسيم علمي بديع (١). ومن المفيد أن نعرّف بمنهجي الإمامين المتقدمين: فالإمام محمد عبده اعتمد أسلوباً خطابياً مقنعاً يظهر تأثيره في التصرفات القولية التي تتكوَّن منها مادة تفسيره، وفي المحاور الهامة التي كان يتناولها للاستحواذ على الجماهير من مخاطبيه وقرائه، وفي أنواع الجدل وصور المقارنة وطرق المناقشة ذات الأثر البيّن في تقديم آرائه وتركيز نظرياته التي يدعو إليها. والإمام محمد الطاهر ابن عاشور له اتجاه آخر أساسه ثقافته الأدبية والشرعية، واتساع أفقه العلمي وتمكنه من علوم الوسائل والمقاصد جميعها، مع انتصابه للتدريس والتأليف زمناً طويلاً، وقيامه بالدعوة الإصلاحية فيهما. ويتضح موقف صاحب التحرير من آثار الأسلاف في هذا الميدان. فهو غير موقف الطاعن والذامِّ، ولكن موقف المهذب المستدرك. حمله على الالتزام بذلك مخالفته لعدد من المتقدمين كانوا، فيما صوَّرهم به، أحدَ رجلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون، وآخر آخذ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون. وفي كلتا الحالتين ضر كثير. وهناك حالة أخرى يجبر بها الجناح الكسير وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده، وحاشا أن ننقضه أو نبيده، علماً بأن غَمضَ فضلهم كُفران للنعمة، وجحد مزايا سلفنا ليس من حميد خصال الأمة. فالحمد لله الذي صدق الأمل ويسر إلى هذا الخير ودل (٢).

стр. 315

السيرة النبوية الشريفة: جملة ما وقفنا عليه في هذه المادة يمليه في الغالب حبُّ صاحب السيرة، والتشرّف بالانتساب إليه، ومحاولة التقرّب منه بدوام ذكره، والائتساء به، والتنويه به تنويهاً يملأ أفئدة الناس وأرواحهم جلالاً وجمالاً، وحباً وتقديراً، وانجذاباً وتعلّقاً. ولا يكاد يوجد عالم مؤمن أو إمام تقي ورع، إلا وذكر رسول الله ﷺ يملأ قلبه ورُوعَه، ويمَازج عقله وفكره، ويجري على قلَمه ولسانه. وهكذا أقبل الناس على العناية بالسيرة النبوية التي إذا ما أطلقت انصرفت في التوّ إلى سيرة رسول الرحمة ونبيّ الأمة سيدنا محمد ﷺ . وربّما كان هذا خصيصي لبعض البيوت يتوارثها أعضاؤها، ويحافظون عليها مَنقَبَةً لهم في الخالدين، وسمةً تربطهم بعباد الله الصالحين، وعنوانَ موالاة بين أيديهم لسيد العالَمين خاتم الرسل والنبيين خير عباد الله أجمعين. فسماحة شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور الأول قد ارتبط برباطه الأوفى بالحضرة الشريفة النبوية بكتابه المعروف شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح، وحفيدُه وسميُّه قد نقل هذا اللون من الولاء لنجله الأكبر العلامة محمد الفاضل ابن عاشور صاحب كشف الذعرات بوصف الشعرات. مقالات الإمام الأكبر في السيرة والشمائل: تميّز الإمام الأكبر مترجمنا بجملة من الآثار في هذا الباب نذكر منها ست مقالات وكتاباً: ١ - المقال الأول: نسب الرسول ﷺ (١).

стр. 316

٢ - المقال الثاني: الشمائل المحمدية (١). ٣ - المقال الثالث: المقصد العظيم من الهجرة (٢). ٤ - المقال الرابع: الرسول ﷺ والإرشاد (٣). ٥ - المقال الخامس: الإسراء (٤). ٦ - المقال السادس: وفود العرب في الحضرة النبوية (٥). ويمكن أن نضمّ إلى هذه المقالات ما نشره بالمشرق. وقد وقفنا من ذلك على جملة منها: ٧ - إعراض الرسول ﷺ عن الاهتمام بتناول الطعام (٦). ٨ - مجلس رسول الله ﷺ (٧). ٩ - المعجزات الخفيّة للحضرة المحمدية.

стр. 317

١٠ - معجزة الأمية (١). ١١ - الكتاب الذي همّ به رسول الله ﷺ قبل وفاته (٢). قصة المولد: وقد توّج الإمام الأكبر هذه الجوانب من حياة الرسول ﷺ بكتاب قصة المولد الذي جرى فيه على غرار المتقدّمين من أهل العلم أمثال الحفاظ: أبي بكر بن أبي عاصم من أهل المائة الثالثة، وابن كَثير، وابن الجزري الشيرازي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني، والسَّخاوي، والسيوطي، وأضرابهم. والكتاب رسالة فريدة علمية متينة، تناولت من الأغراض والموضوعات: التعريف بقريش والمفاضلة بينها وبين سائر القبائل، نسب المصطفى فيها. حياته بمكة قبل البعثة، البعثة، شدّة المشركين عليه وعلى أصحابه، أعمامه، رسالته العامة، اتساع الدعوة، مغازيه، شمائله ﷺ ، وبذلك كانت محل عناية الباحثين من المؤرّخين وغيرهم. وقام بتلخيصها نجله الأكبر العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور. فشاع ذكرها بين الناس لما جمعته من سنيّ المقاصد وبديع الفوائد. ورأيت الكثيرين يحتفون بها احتفاءهم بنبيّهم، تطلعاً إلى كمال معرفته، ويحرصون على التميز بها على الأقران، والإفادة منها، واستنساخها ما وسعهم ذلك. وقد تمّ طبعها بتونس ١٣٩٢ - ١٩٧٢.

стр. 318

السُّنَّة: بمثل اهتمام الإمام الأكبر بالقرآن الكريم حفظاً ورواية ودراية، وبمثل اشتغاله به، ﵀، درساً ومحاضرة وتأليفاً، انصبت عنايته الكبرى على جوانب من السيرة النبوية الشريفة، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، وعلى السنة ودواوينها. فالتهم كل ما وقع تحت يده منها، أو تمكن من التعرّف والوقوف عليه في مصنّفاتها وكتبها عن طريق ما تحمّله عن جدّه من ذلك في دروسه بالبيت، أو ما تلقّاه عن أشياخه بجامع الزيتونة. وقد بقيت مظاهر هذه العناية مصاحبة له، يدلّ على ذلك ما ورد من وصف مجالسه العلمية في إجازة نجله العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور إياي يوم الأربعاء خامس شهر رمضان المعظم من سنة ١٣٦٦ (١). قال ﵀: ختمت بين يديه (شيخ الإسلام العلامة الكبير) بمقام سيدنا أبي زمعة البلوي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ومبايعه بيعة الرضوان، قراءةَ كتاب الشمائل النبوية للإمام أبي عيسى الترمذي ﵁، في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول ١٣٤٩. وقد كنت منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً ملتزماً في شهر رمضان المعظّم من كل سنة أن أقرأ بين يديه كل ليلة بعد صلاة التراويح مقداراً من الحديث الشريف قراءة ضبط وتحقيق بمحلنا بالمرسى. فقرأت عليه في تلك المجالس صحيح الإمام مسلم من أوله إلى

стр. 319

آخره، وهو ينظر في صفحاته ويشكلها ويثبت الروايات بالقلم الأحمر. وختمت عليه في تلك المجالس أيضاً موطأ الإمام مالك بن أنس ﵁، مرتين. ثمّ أضفت الآن ثالثة قرأتها بين يديه، زاده الله سناء، بالروضة الشريفة من مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة في شهر ذي الحجة ١٣٦٣. وقرأت عليه صحيح البخاري من أوله حتى أتينا الآن على أربعة أخماسه. وقرأت عليه جامع الترمذي، قراءة في غاية الضبط والدقة يتناول أثناءها، أدام الله عزَّه، تصحيح النسخة المطبوعة بمصر مع شرح ابن العربي، ونقابلها بأربع نسخ خطية من خزائن جامع الزيتونة الأعظم، ونراجع لتحقيقها ما شاء الله من دواوين السنة، وكتب الرجال واللغة مثل الإصابة، وتهذيب التهذيب، والكاشف للذهبي، ونهاية ابن الأثير، ولسان العرب، وقاموس الفيروزآبادي وشرحه (١). وعكوف طويل كهذا على كتب الحديث وتدريسها لطلاب الزيتونة حَمَلا دون شك هذا الإمام على أن يضع شرحاً للمغلق من الأحاديث، محاولاً حلّ معاقدها، أو يكتب بعض البحوث والدروس في السُنة النبوية الشريفة، أو يتولّى، بعد تدبّر معانيها، القيام بنقد أسانيدها ومتونها. تآليف الإمام الأكبر في السُّنة: وإلى جانب هذه المقالات العلمية الأنموذجية نقف له على تآليف رائعة متنوّعة في موطأ الإمام مالك، وفي صحيح البخاري.

стр. 320

ومقالاته كثيرة متنوعة يمكن أن نردّ ما ظفرنا به منها إلى ثلاثة أقسام: شروح، وبحوث، ونقد. ففي القسم الأول منها وقفنا له على عدد من المقالات من مطبوعة ومخطوطة. المطبوع من المقالات في السُّنة: ١ - المقال الأول: تحقيق رواية الفربري لصحيح مسلم (١). ٢ - المقال الثاني: الفربري ورواية الصحيحين (٢). ٣ - المقال الثالث: دفع إشكال في حديث نبويّ: "سألت ربّي أن لا يسلّط على أمّتي عدواً من سوى أنفسهم". كتبه إجابة عن تساؤل أحد طلبته. وهو حديث طويل مختلفة ألفاظه. رواه مسلم عن ثوبان. وأبو داود، والترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبان عن ثوبان أيضاً. ونصّه كما ورد في صحيح مسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُويَ لي منها. وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. وإني سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ، وإنّي أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من أقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً أو يسبي بعضهم بعضاً" (٣).
следующие страницы →