← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٢ - المقال الثاني: الشمائل المحمدية (١). ٣ - المقال الثالث: المقصد العظيم من الهجرة (٢). ٤ - المقال الرابع: الرسول ﷺ والإرشاد (٣). ٥ - المقال الخامس: الإسراء (٤). ٦ - المقال السادس: وفود العرب في الحضرة النبوية (٥). ويمكن أن نضمّ إلى هذه المقالات ما نشره بالمشرق. وقد وقفنا من ذلك على جملة منها: ٧ - إعراض الرسول ﷺ عن الاهتمام بتناول الطعام (٦). ٨ - مجلس رسول الله ﷺ (٧). ٩ - المعجزات الخفيّة للحضرة المحمدية.

стр. 317

١٠ - معجزة الأمية (١). ١١ - الكتاب الذي همّ به رسول الله ﷺ قبل وفاته (٢). قصة المولد: وقد توّج الإمام الأكبر هذه الجوانب من حياة الرسول ﷺ بكتاب قصة المولد الذي جرى فيه على غرار المتقدّمين من أهل العلم أمثال الحفاظ: أبي بكر بن أبي عاصم من أهل المائة الثالثة، وابن كَثير، وابن الجزري الشيرازي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني، والسَّخاوي، والسيوطي، وأضرابهم. والكتاب رسالة فريدة علمية متينة، تناولت من الأغراض والموضوعات: التعريف بقريش والمفاضلة بينها وبين سائر القبائل، نسب المصطفى فيها. حياته بمكة قبل البعثة، البعثة، شدّة المشركين عليه وعلى أصحابه، أعمامه، رسالته العامة، اتساع الدعوة، مغازيه، شمائله ﷺ ، وبذلك كانت محل عناية الباحثين من المؤرّخين وغيرهم. وقام بتلخيصها نجله الأكبر العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور. فشاع ذكرها بين الناس لما جمعته من سنيّ المقاصد وبديع الفوائد. ورأيت الكثيرين يحتفون بها احتفاءهم بنبيّهم، تطلعاً إلى كمال معرفته، ويحرصون على التميز بها على الأقران، والإفادة منها، واستنساخها ما وسعهم ذلك. وقد تمّ طبعها بتونس ١٣٩٢ - ١٩٧٢.

стр. 318

السُّنَّة: بمثل اهتمام الإمام الأكبر بالقرآن الكريم حفظاً ورواية ودراية، وبمثل اشتغاله به، ﵀، درساً ومحاضرة وتأليفاً، انصبت عنايته الكبرى على جوانب من السيرة النبوية الشريفة، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، وعلى السنة ودواوينها. فالتهم كل ما وقع تحت يده منها، أو تمكن من التعرّف والوقوف عليه في مصنّفاتها وكتبها عن طريق ما تحمّله عن جدّه من ذلك في دروسه بالبيت، أو ما تلقّاه عن أشياخه بجامع الزيتونة. وقد بقيت مظاهر هذه العناية مصاحبة له، يدلّ على ذلك ما ورد من وصف مجالسه العلمية في إجازة نجله العلامة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور إياي يوم الأربعاء خامس شهر رمضان المعظم من سنة ١٣٦٦ (١). قال ﵀: ختمت بين يديه (شيخ الإسلام العلامة الكبير) بمقام سيدنا أبي زمعة البلوي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ومبايعه بيعة الرضوان، قراءةَ كتاب الشمائل النبوية للإمام أبي عيسى الترمذي ﵁، في اليوم الثامن من شهر ربيع الأول ١٣٤٩. وقد كنت منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً ملتزماً في شهر رمضان المعظّم من كل سنة أن أقرأ بين يديه كل ليلة بعد صلاة التراويح مقداراً من الحديث الشريف قراءة ضبط وتحقيق بمحلنا بالمرسى. فقرأت عليه في تلك المجالس صحيح الإمام مسلم من أوله إلى

стр. 319

آخره، وهو ينظر في صفحاته ويشكلها ويثبت الروايات بالقلم الأحمر. وختمت عليه في تلك المجالس أيضاً موطأ الإمام مالك بن أنس ﵁، مرتين. ثمّ أضفت الآن ثالثة قرأتها بين يديه، زاده الله سناء، بالروضة الشريفة من مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة في شهر ذي الحجة ١٣٦٣. وقرأت عليه صحيح البخاري من أوله حتى أتينا الآن على أربعة أخماسه. وقرأت عليه جامع الترمذي، قراءة في غاية الضبط والدقة يتناول أثناءها، أدام الله عزَّه، تصحيح النسخة المطبوعة بمصر مع شرح ابن العربي، ونقابلها بأربع نسخ خطية من خزائن جامع الزيتونة الأعظم، ونراجع لتحقيقها ما شاء الله من دواوين السنة، وكتب الرجال واللغة مثل الإصابة، وتهذيب التهذيب، والكاشف للذهبي، ونهاية ابن الأثير، ولسان العرب، وقاموس الفيروزآبادي وشرحه (١). وعكوف طويل كهذا على كتب الحديث وتدريسها لطلاب الزيتونة حَمَلا دون شك هذا الإمام على أن يضع شرحاً للمغلق من الأحاديث، محاولاً حلّ معاقدها، أو يكتب بعض البحوث والدروس في السُنة النبوية الشريفة، أو يتولّى، بعد تدبّر معانيها، القيام بنقد أسانيدها ومتونها. تآليف الإمام الأكبر في السُّنة: وإلى جانب هذه المقالات العلمية الأنموذجية نقف له على تآليف رائعة متنوّعة في موطأ الإمام مالك، وفي صحيح البخاري.

стр. 320

ومقالاته كثيرة متنوعة يمكن أن نردّ ما ظفرنا به منها إلى ثلاثة أقسام: شروح، وبحوث، ونقد. ففي القسم الأول منها وقفنا له على عدد من المقالات من مطبوعة ومخطوطة. المطبوع من المقالات في السُّنة: ١ - المقال الأول: تحقيق رواية الفربري لصحيح مسلم (١). ٢ - المقال الثاني: الفربري ورواية الصحيحين (٢). ٣ - المقال الثالث: دفع إشكال في حديث نبويّ: "سألت ربّي أن لا يسلّط على أمّتي عدواً من سوى أنفسهم". كتبه إجابة عن تساؤل أحد طلبته. وهو حديث طويل مختلفة ألفاظه. رواه مسلم عن ثوبان. وأبو داود، والترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبان عن ثوبان أيضاً. ونصّه كما ورد في صحيح مسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُويَ لي منها. وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. وإني سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ، وإنّي أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من أقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً أو يسبي بعضهم بعضاً" (٣).

стр. 321

وقد تتبع الإمام الأكبر هذا الحديث مع إشكاله في عديد الشروح لعياض والنووي والأبّي من شرح مسلم، ولابن العربي في شرح الترمذي، والخطابي في شرح كتاب أبي داود، ووجد أنهم لم يتناولوه بما يستحقه من البيان. فتولّى، ﵀، شرحه مقتصراً على محل الإشكال من رواية مسلم (١). ٤ - المقال الرابع: في شرح حديث: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة". أخرجه أبو داود بسندٍ رجالهُ من رجال الصحيح عن أبي هريرة (٢). وذكر الشيخ ابن عاشور أن هذا الحديث رواه ابن ماجه بسند فيه ضعف عن أنس مرفوعاً، وعن أبي هريرة بزيادة: مِنْ عِلم يعلمه، وعن أبي هريرة بأسانيد أخرى، وبسند أكثرُ أهله من رجال الصحيح عن أبي سعيد الخدري، وفيه صفوان بن سليم متكلَّم فيه. كما رواه الترمذي عن أبي هريرة. وقال: حديث حسن. وروي عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعمرو بن العاص مرفوعاً بأسانيد ضعيفة متفاوتة (٣). ٥ - المقال الخامس: في شرح حديث: "من لم يهتمَّ بالمسلمين فليس منهم". ذكره الغزالي في مبحث النصيحة للمسلمين من كتاب آداب الصحبة، الإحياء؛ ورواه الحاكم في مستدركه عن

стр. 322

حذيفة مرفوعاً؛ والطبراني عن أبي ذر مرفوعاً؛ والسخاوي في المقاصد الحسنة، وفي شُعب الإيمان للبيهقي، من رواية وهب بن راشد عن فرقد عن أنس؛ والسيوطي في جمع الجوامع. قال: رواه الحاكم عن ابن مسعود وتعقّبه، والبيهقي وابن النجار عن أنس، وفي الجامع الصغير (١). ومن المخطوط من المقالات: تعليقات على شرح حديث أم زرع. بحوث وضعها الإمام الأكبر ابتداءً، إما رغبةً في تحرير مسائلَ وتفصيل قضايا حديثية، ومنها ما كان استجابة لطلب ورد عليه حمله على تدوين ما عنّ له فيه، إجابة لرغبة السائل، أو شرحاً لما يتّصل بموضوعه أو يتناوله من تصوّرات أو أغراض أو أحكام. البحوث في الحديث: القسم الأول: من هذه البحوث وهي خمسة: ١ - درس في موطأ الإمام مالك ﵁ -. الحديث الأول من باب جامع القضاء وكراهيته: ثني مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي: أن هَلمّ إلى الأرض المقدّسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عملُه. وقد بلغني أنك جُعلت طبيباً تداوي. فإن كنت تُبرىء فنعمّا لك، وإن كنت متطبّباً فاحذر أن تقتل إنساناً فتدخل النار. فكان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثم أدبرا عنه، نظر إليهما.

стр. 323

وقال: ارجعا إليّ. أعيدَا عليّ قصّتكما. متطبب، والله (١). تعرض الشيخ ابن عاشور أولاً إلى بيان موضع هذا الحديث من كتاب القضاء في الموطأ؛ وإلى التنبيه على وجوب حماية الحقوق إذا ترتَّبت على اقتضاء المصلحة العمرانية آثارٌ قد تكون ضارة بالناس. فيكون على التشريع أن يحميهم من ذلك بوجه تسلم به المصلحة من الإضرار. ثم إلى تقرير قواعد العدل لإصلاح الدهماء وإقناع الحكماء والعلماء، والتذكير بدعائم ذلك من الحرية والإخاء؛ والتأكيد على أن في القضاء مجاهدة، وأنه يبلغ بصاحبه مرتبة الفضيلة إذا التزم الحق في قضائه، والحديث عن شروط القضاء؛ مع تحريرات ونقول مهمّة. وبعد تفصيل القول في جملة هذه العناصر ترجم المؤلف لأبي الدرداء، وذكر مؤاخاة الرسول ﷺ بينه وبين سلمان، وقول معاذ: اطلبوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وتخلّص إلى أن الحوار الذي دار بين هذين الصحابيين يرقى به، بفضل تلك الشهادة، إلى مرتبة الحديث النبوي، إذ هو دائر بين الحكمة والعلم المشهود بهما لهما. ثم مضى في شرح حديث الباب هذا، يَذكر نقولاً ثابتة، ومقارنات مفيدة، مُورداً نظائره ومتمّماته لاستجلاء معناه وتحقيق المراد منه (٢). ٢ - ومن البحوث: من يجدّدُ لهذه الأمة أمر دينها (٣): كان عمله فيها انطلاقاً من حديث سليمان بن داود المهري:

стр. 324

أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها أمر دينها". قال أبو داود: رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني لم يُجِز به شراحيل (١). وافتتح الباحث حديثه بوصف الإسلام بكونه خاتم الأديان، وأن شريعته عامة باقية. ونعتَ الشريعةَ بكونها إرشاداً صرفاً، وأن للفضائل والصالحات تضاؤلاً وتخلفاً بكرور الأزمان، وأن لدأب النفوس في المسير حنفاً وانحرافاً إذا امتد الميدان. فاحتاج الأمر بموجب ذلك إلى تجديد أمر الدين. وهو ما اقتضاه قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). والحفظ لا يتحقق إلا بثلاثة مقامات: هي الرجوع إلى أصل التشريع عند الإشكال، وتجديد ما رثّ من أصول الدعوة، ومقام الذبّ عن الدين وحمايته، ولا يضطلع بالمقامين الأولين غير أهل العلم. ثم تولى الإمام الأكبر بيان طرق الحديث ورواته. ثم بيَّن معناه بتفصيل القول في المراد بـ "التجديد" وبـ "أمر الدين" في هذا الحديث، قبل أن يتحدث عن دعائم الإسلام: العقيدة والشريعة، وحماية البيضة، مؤكداً أن التجديد الديني يكون بإصلاح الناس في الدنيا من جهتي التفكير والعمل، ومن جهة تأييد سلطان الدين. وبعد الوقوف عند معنى التجديد، وعند المقصود من مضي المائة سنة، باعتباره مظنّة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد، جعل شطر بحثه

стр. 325

الثاني عن المجدّد وزمن ظهوره وتعيينه، وبيان صفاته وصنفه وعدده مستعرضاً آراء العلماء في ذلك من أمثال ابن السبكي والمجد ابن الأثير، ومتعمّقاً جوانب هذا الموضوع الشريف دراسة وتمثيلاً (١). ويقع هذا البحث في عشرة مقالات (٢). ٣ - تحقيق مسمى الحديث القدسي (٣): وضع مترجمنا هذا البحث إثر صدور كتاب الأحاديث القدسية عن لجنة القرآن والحديث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة. وقد دلَّ هذا على تتبعه لأكثر ما يصدر من كتب العلم. فكتاب الأحاديث القدسية مستمدة أحاديثه من الموطأ والصحيحين ومن كتب السنن الأربعة. وفي الثناء على اللجنة التي أصدرته يقول الشيخ ﵀: "فحمدت عناية أعضاء اللجنة واهتمامهم بهذا العمل، إذ قلّ من اهتمّ بإخراج الحديث القدسي في كتاب مفرد". وبعد هذا التقديم لكتاب الأحاديث القدسية تناول الإمام الأكبر أربعة محاور لبحثه: المحور الأول - في التنبيه على ما ورد من ذكر للحديث القدسي: أولاً: في شرح الحديث الرابع والعشرين من شرح الأربعين النووية لابن حجر الهيتمي. قال: والأحاديث القدسية أكثر من مائة جمعها بعضُهُم في جزء كبير.

стр. 326

ثانياً: في شرح الأربعين النووية لعلي قاري. قال فيه: الأحاديث القدسية أكثر من مائة. ونبّه الإمام إلى أن هذا الجزء لم تسبق له معرفته ولا معرفة من جمعه. المحور الثاني - فيمن تولّى جمع الأحاديث القدسية: - محمد عبد الرؤوف المناوي بوضعه لكتاب الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية. ترجم له حاجي خليفة في كشف الظنون، وذكرته اللجنة ضمن مصادرها. - علي قاري صاحب الأحاديث القدسية والكمالات الأنسية. اشتمل على أربعين حديثاً قدسياً. قال الشيخ - طبع ١٣١٦: ولم أقف عليه. - محيي الدين بن عربي. جمع أربعين حديثاً قدسياً. قاله حاجي خليفة. وعند مقابلة هذه المجاميع الثلاثة بالأحاديث القدسية نجد أولاً: الاتفاق كبيراً في عددها. فهي تبلغ في الأكثر المائة أو تزيد عليها بقليل، كما يفيده كلام المناوي وعلي القاري. وهي في كتاب الأحاديث القدسية الصادر عن المجلس الأعلى تبلغ أربعمائة حديث، باعتبار المكرر باختلاف الروايات واختلاف الأسانيد، وعلى نحو مائة وثمانية وستين بطرح المكرر منها. وثالثاً: أن ما يحق أن يسمى حديثاً قدسياً من المنصوص عليه في كتاب الأحاديث القدسية للجنة القرآن والحديث لا يتجاوز في الواقع أربعة وخمسين حديثاً. وقد أتبع الباحث ذكر ذلك بإثبات أرقام ما يصحّ منها مع التنبيه على أنه لم يتوصل إلى هذه الحقيقة إلا بعد إلغاء إثبات أكثر ما ورد في الكتاب من روايات.

стр. 327

ولعل الطريق الصحيح إلى معرفة ذلك هو تصوّر معنى الحديث القدسي تصوراً دقيقاً كاملاً. وهذا ما حمل الشيخ على تعريف الحديث القدسي أو الرباني أو الإلهي. فوضع بين أيدينا تعاريف كثيرة منها تعريف الجرجاني، وتعريف الجويني الذي نقله السيوطي في إتقانه، وتعريف الهيتمي، وتعريف علي القاري، وما ورد من ذلك في شرح جمع الجوامع للمحلي، وما ذكره الطيبي في نفس الغرض. وقد استخلص الباحث من مجموع هذه التعاريف حداً جامعاً مانعاً للحديث القدسي جاء فيه: "هو كلام من الله تعالى صادر منه في الدنيا، غير مخاطب به معيّن، موحى به إلى رسوله ﷺ بألفاظ معيّنة غير مقصود بها الإعجاز، ولا التعبّد بتلاوتها، ليبلّغها إلى الناس، مع تفويض التصرّف في ألفاظها بما يؤدّي المقصود". وبناء على هذا الحد ذكر الإمام أمثلة لما لا يصح أن يعتبر حديثاً قدسياً. مثل: حديث أبي هريرة: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١). قال ابن عاشور: يشبه أن يكون هذا الحديث قدسياً وليس بالقدسي، لأنه قول إلهي يتعلق بأحوال قوم مخصوصين. ومثل حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.

стр. 328

ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر. ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" (١). عقّب عليه الشيخ ابن عاشور بقوله: الحديث ليس بقدسي لأنه حكاية قول من الله للملائكة وليس قولاً يراد تبليغه، وإنما المراد تبليغ القصة كلها مع ما اشتملت عليه. ومثل ذلك أيضاً: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً. فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، وأن تُناصحوا مَن ولاه الله أمركم. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال" (٢). قال: ليس بحديث قدسي لأنه نسبة فعل إلى الله لا نسبة قول. ومنه أيضاً حديث: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (٣). وكتب الشيخ الإمام بحوثاً أخرى اقترحها عليه بعض الهيئات أو الأفراد. منها:

стр. 329

٤ - نشأة علم الحديث والتعريف بموطأ الإمام مالك: اقترحته عليه جمعية النهضة الإسلامية بالرباط في ١٩ ربيع الأول ١٣٩٠، ووافاها به ١٣ جمادى الأولى ١٣٩٠. وهو بحث جليل، غني بما تناوله من مسائل، رغم وجازته. افتتحه بذكر بدايات التعامل مع علم الحديث والحاجة إليه. وإذا تتبعنا الأطوار التي مرّ بها الاشتغال بعلم السنة حتى وضع الإمام مالك الموطأ وجدناها متعددة، تسير مع تطورات العصور ومقتضياتها، ويتزايد إقبال الدارسين عليها واهتمامهم بها في كل طور من أطوارها. أ - فالصحابة في أول الأمر كانوا في عظيم الحاجة إلى السنة، لما حدث لهم من نوازل يدعوهم الأمر فيها إلى الفتوى والقضاء بين الناس. فعندما أثيرت قضية ميراث الجدة، وجزية المجوسي، وتحقيق معنى الربا، اشرأبت الأعناق إلى من يحفظ من الصحابة في ذلك شيئاً. فكان تقدم هؤلاء واستشارتُهم لما لهم من رواية في ذلك عن الرسول ﷺ . وكان الخلفاء الراشدون والصحابة من حولهم، وأكثر الصحابة لا يكتبون، يعتمدون الحفظ والرواية. فكان ذلك مرجعَهم. ب - المرحلة الثانية استند فيها أبو بكر ﵁ إلى إذن رسول الله ﷺ بالكتابة في الصدقات، فسأل أنس بن مالك الذي كان عاملاً على الزكاة عن ذلك. وكتابةُ رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم في الصدقة. ج - الموقف الثالث: موقف عمر بن الخطاب الذي استشار الصحابة في كتابة السنن، ثم عدل عن ذلك. د - ذهاب الحفاظ لولا بقية من الصحابة كانت المرجعَ في

стр. 330

السنة (العلم). فعبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير كانا يكتبان الحديث لعبد الله بن عمر ويستشيرانه. وهذا الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أراد تدارك الأمر فكتب أواخر القرن الأول إلى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أحد فقهاء المدينة: "أن اكتب إليّ ما كان من سنة أو حديث". هـ - تلقُّفُ العلم من التابعين في مسائل كادت تُوقِع الناس في الفتنة بسبب اختلاف المذاهب والنحل والأحزاب، كمسألة الخلافة. فكانوا يحتجّون بما يصنع لهم من أحاديث موضوعة لمذاهبهم، وابتغاءَ دعم سياساتهم. فكثر بذلك الكذب عمداً أو جهلاً، تقليداً أو تحريفاً. واحتاج أهل الحديث إلى الذب عن السنة، وإخراج ما صح منها عن النبي بإخضاعه إلى نقد الرواة، وضبط أحوالهم، وعرض مروياتهم على أصول الشريعة ومشهور السنة. وهكذا تمّ نقد الأسانيد والمتون على وجه يحصل به الاطمئنان إلى ما يرويه العلماء والمحقّقون من السنة الشريفة: المصدر الثاني للتشريع. وعقب هذا تعرَّض الباحثُ إلى انتشار السنة في الآفاق، وإلى عناية الأئمة بنقدها والتأليف فيها. فذكر أول المصنفات والكتب في ذلك، وهو الموطأ للإمام مالك بالمدينة، وكتاب عبد الملك بن جريج بمكة، وكتب الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهُشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري. وجميع مصنفات هؤلاء الأئمة يعود إلى عصر واحد. وأتبع الباحث هذا بما لاحظه مؤرخو المادة من اختلاف في الآثار المدوّنة قوّة وضعفاً، منتهياً إلى تقديم طريقة أهل المدينة في

стр. 331

الجمع والاختيار على غيرها. وتأكيداً لرأيه خصّص قسماً من هذا البحث بما يعرّف بشروط الصحة التي هي القاعدة الأساسية المنطلق منها إلى عملية نقد الحديث. فشروط الصحة ثلاثة: أولها: تحقّق أمانة الراوي فيما رواه. ويشمل هذا العدالة والسلامة من الابتداع. ثانيها: تحقّق عدم الالتباس والاشتباه. وهو نتيجة قوّة التمييز التي تحول بين الراوي وبين التدليس والغفلة. وهذان الشرطان يكفلان الاطمئنان إلى صحة الإسناد. ثالثها: تحقّق مطابقة ما يرويه الراوي للثابت من أمر النبي ﷺ . وعنه تتولّد شروط الترجيح عند التعارض. وهذا الشرط يرتبط بنقد المتن والتأكد من صحة معنى الحديث. وقال آخرون: إن من الأسباب الموجبة للطعن في الحديث وردّه ما ذكروه من الكذب، والنسيان، والخطأ، والترويج، والتفاخر. وقد فصّل القول في كل شرط من الشروط، وكل سبب من هذه الأسباب مترجمنا، مبيناً طريقة إمام دار الهجرة في نقدها، ومشيراً إلى طريقته في دفع كل سبب من الأسباب الخمسة المتقدمة. وبهذا ينتهي الجزء الأول من بحثه المقصود منه بيان مقام السنة إلى ظهور الإمام مالك، وما أخذ به من الأحكام والقواعد ليسلم لمدوّني ما يروونه من الأحاديث والأخبار. وفي بداية القسم الثاني من البحث تحدّث عن غرض الإمام مالك من تأليف الموطأ، وعدّ ما اشتمل عليه من مواد: وهي جمع ما صحّ عنده من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ومن أقوال الصحابة

стр. 332

والتابعين، وما عليه عمل أهل المدينة، مُودِعاً في مروياته جملة من الأحكام الشرعية، مفسّراً للغريب، مورداً من الآثار ما يسلم عنده في معيار النقد. ويظهر ممّا نقله الشيخ أن لأبي جعفر المنصور يداً في إنجاز هذا العمل الهام، بدعوة الإمام مالك إلى ضمِّ هذا العلم وتدوين كتبه وتجنب إيراد شدائد عبد الله بن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود فيه. ونصحه بأن يقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة. وما زال الإمام مالك، بعد جمعه سبعة آلاف أو أربعة آلاف من الأحاديث في موطئه، يتعهَّده مرّة بعد مرّة إلى أن جعله نحواً من سبعمائة حديث. كل ذلك حرصاً منه على الصحة، وبعداً عن المشتبه فيه من مرويات المتقدّمين. ولهذا الغرض اعتبر الموطأ أصحَّ الكتب بعد القرآن. وقد ذكره أهل العلم منوّهين به كإِلْكِيا الهرَّاسي، وسليمان بن بلال، وابن مهدي، وأبي بكر ابن العربي. ومن وصف هذا الأخير له قوله في مقدمتِه لـ عارضة الأحوذي: اعلموا، أنار الله أفئدتكم، أن كتاب الجعفي هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطأ هو الأول واللباب، وعليهما بناء الجميع كالقشيري والترمذي (١). والإمام مالك مختلف في منهجه عن الإمامين في صحيحيهما بقبوله الحديث المرسل والمقطوع. فهو يراه صحيحاً وحجة. وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، وعلى طريقته جرى الترمذي. ورأي مالك عند الإمام الأكبر هو الأرجح، لأن العبرة بتحقّق أو ظنّ صحة النسبة إلى رسول الله ﷺ .

стр. 333

وفي نهاية البحث ذكر الإمام الأكبر بعض الموطآت المروية عن الإمام مالك. وعدّ منها موطأ سُويد بن سعيد، وقطعة من موطأ القعنبي، وقطعة من رواية علي بن زياد، وقطعة من رواية صاحب الإمام عبد الرحمن بن القاسم، وقطعة من رواية الزهري. وختم هذه الدراسة ببحث لغوي يفسر به وجه تسمية هذا الصحيح بالموطأ (١). ٥ - حديث: "شفاعتي لأهل الكبائِر من أُمتي ": اقترحه الأستاذ حسين إبراهيم بن موسى. نشر ذلك على صفحات مجلة هدي الإسلام، راغباً من الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور أن يتناول بالدرس والتحقيق حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢). فاستجاب لذلك مترجمنا، لما لهذا الموضوع من تعلق بالسيرة وبأصول الدين. وقد اخترنا أن يكون هذا الموضوع من جملة البحوث التي أوردناها في هذا المقام. تناول هذا البحث جوانب ثلاثة: أولاً: تعريف الشفاعة لغة، وذكر الشواهد على ذلك من القرآن والسنة وكلام العرب وأشعارها. والحديث عن قصة شفاعة أبي حامد الإسفراييني في تولية الخليفة القادر بالله محمود الغزنوي ولاية خراسان.

стр. 334

ثم بيان المراد بالشفاعة الثابتة لرسول الله ﷺ . وذكر نظائر هذا الحديث ممّا أوردته في العديد من الأبواب كتبُ السنة مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم. وذكر السيوطي في الجامع الصغير: أن الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أنس، ورواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس، والحاكم عن جابر، ورواه الطبراني عن ابن عباس، والخطيب عن ابن عمر (١). ثانياً: بيان حكم هذه الشفاعة. وهو الثبوت على الجملة بأدلة القرآن، وبما ورد في الصحيح. والشفاعة خمسة أقسام كما ذكر ذلك علي القاري في مرقاة المفاتيح: ١ - الشفاعة العظمى في إراحة الأمم من هول الموقف. ٢ - الشفاعة لإدخال قوم من المؤمنين الجنة بغير حساب. ٣ - الشفاعة فيمن استوجب النار ولم يدخلها وهم العتقاء. ٤ - الشفاعة لإخراج المؤمنين من النار. ٥ - الشفاعة لرفع الدرجات في الجنة عند الله. والأقسام الأربعة الأولى: منها ما هو من اختصاص الرسول ﷺ وهو الشفاعة العظمى، ومنها - وهو الثاني والثالث - ما ثبت بصحيح الأخبار التي لا معارضَ لها من مثلها، ومنها - الرابع - الذي وردت بعض صحاح الأخبار بأن الأنبياء والملائكة يشفعون هذه الشفاعة. جزم به عياض. والقسم الخامس والأخير ليس من الشفاعة على

стр. 335

الحقيقة، وإنما هو مجاز وتسامح لأنه وساطة ووسيلة لزيادة النفع، وهو كسابقه ليس من خصائص الرسول ﷺ . ثالثاً: تعرّض الباحث إثر هذا إلى إثبات الشفاعة على الإطلاق وفي كل أفراد الأمة. وذكر موقف عياض من ذلك، وإلى تخصيصها بأهل الكبائر. ثم خلص إلى تحديد رأيه بقوله: إثبات شفاعة النبيين وصالحي المؤمنين والملائكة شفاعة مجازية، لأنها إما دعاء، وإما شهادة وتعريض بالتشفّع، وإما تلقّي الإذن بذلك من الله تعالى. وعلى هذا يكون حمل حديث الموطأ والصحيحين، المصرِّحِ بـ "أن رسول الله ﷺ أعطي الشفاعة، ولم يُعطها أحد قبله" على ظاهره. ثم أشار إلى آراء أصحاب أهل الأهواء من المبتدعة، كالخوارج في عصر الصحابة، فإنّهم أنكروا الشفاعة. وهذا بناءً على أصلهم أن مرتكب الكبيرة مستوجب الخلود في النار إلا أن يتوب وقولهم هذا منصبٌّ على الأقسام الثاني والثالث والرابع من الشفاعة. وبقولهم أخذت المعتزلة. وحديث جابر بن عبد الله من أعظم الحجج على بطلان مقالتهم. أما مذهب أهل السنة فهو اعتقاد أن الشفاعة ثابتة، ودليل ذلك أنها جائزة عقلاً، وأنها ليست بقبيحة (١). القسم الثاني: تنبيه على جملة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وفيه أربعة عشر حديثاً: ومن هذا القسم مقالات ورسائل نقدية أكثرها تحقيق لنظر أو بحث في أثر. منها:

стр. 336

١ - التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس (١): وهو بعد بيان خطر ذلك على السنة، ودعوته إلى الذبّ عنها، والتحفّظ من المشكوك فيه منها، يورد جملة من الأحاديث الموضوعة والضعيفة تنبيهاً عليها. وهي في هذا المقال أربعة عشر حديثاً: ١ - أنا مدينة العلم وعلي بابها. حديث موضوع، سيأتي تفصيل القول فيه في المقال الثاني من هذا القسم. ٢ - أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة في الجنة عربي. رواه الحاكم، وقال الأئمة: هو ضعيف. ٣ - إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم. أخرجه ابن عدي في كتاب الضعفاء. ٤ - إذا ذلت العرب ذلّ الإسلام. صحّحه العراقي، وضعّفه المناوي. ٥ - بعثت لأتمم صلاح الخلق. ك والبيهقي. ضعيف. ٦ - حبّ العرب إيمان، وبغضهم نفاق. ك. ضعيف. ٧ - حبّ العرب إيمان، وبغضهم كفر. فمن أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني. ضعيف. ٨ - طلب العلم فريضة على كل مسلم. ضعيف. خصّه شيخنا ﵀ ببحث في رواياته وطرقه.

стр. 337

٩ - من تشبّه بقوم فهو منهم. رواه أحمد والطبراني. وهو ضعيف. ١٠ - من كان يحسن أن يتكلّم بالعربية، فلا يتكلَّم بالأعجمية، فإنه يورث النفاق. ك. أنكره الذهبي. ١١ - الصلاة تُبْئِسُ وتُمَسْكِنُ. لا يعرف أصله. ١٢ - قدّموا قريشاً ولا تَقَدَّموها. وتعلّموا منها ولا تعالموها. لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لخيارها عند الله. أسانيده كلها ضعيفة. ١٣ - يا جابر أول خلق الله نور نبيك. منكر يتردّد بين الضعف والوضع (١). ١٤ - لا عزاء بعد ثلاثة. تفصيل وبيان ومراجعة من الشيخ الرابحي وإجابةٌ من الإمام الأكبر (٢). ٢ - الأسانيد المريضة الرواية في حديث "طلب العلم فريضة ": ما جاء تفصيلاً لما أشير إليه في المقال السابق عن الأسانيد المريضة الرواية لحديث: طلب العلم فريضة. روى هذا الحديث عدد كبير من الرواة من طرق مختلفة متعددة. وقد جعلها الإمام الأكبر ثماني روايات تحدث عن جميعها مع بيان أقوال الحفاظ في رجال أسانيدها، وذكرِ آرائهم في متونها وحالاتها. والروايات الثمانية للحديث هي كالتالي:

стр. 338

١ - طلب العلم فريضة على كل مسلم. ٢ - طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجواهرَ واللؤلؤَ والذهب. ٣ - طلب العلم فريضة على كل مسلم، وإن طالب العلم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر. ٤ - طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد. ٥ - طلب العلم ساعةً خيرٌ من قيام ليلة، وطلب العلم يوماً خير من صيام ثلاثة أشهر. ٦ - اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم. ٧ - طلب العلم فريضة، والله يحب إغاثة اللهفان. ٨ - طلب العلم فريضة على كل مسلم، فكن أيها العبد عالماً أو متعلماً. ولا خير فيما بين ذلك. الرواية الأولى: جاءت مرفوعة عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعلي وجابر وأبي سعيد الخدري. أخرجها ابن عدي في كامله الموضوع للضعفاء، وأخرجها الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، وفي الكبير عن ابن مسعود، وأيضاً عن أبي سعيد الخدري، والخطيب البغدادي في تاريخه عن علي بن أبي طالب. وبعد تتبع رواياته وطرقه حكم ابن عدي على جميع طرقه بالضعف. وقال السيوطي: في كل طرقه مقال، وقال ابن عبد البر: روي من وجوه كلّها معلولة. وخلاصة القول في هذا الحديث وفي

стр. 339

هذه الرواية أن الرأي في سنده أنه حديث ضعيف، وأنه من أوهى مراتب الضعف، لأن رواته بين متروك وضعيف ووضاع وكذّاب ومنكر ومختلف فيه. وإذ قد طعن الأئمة في جميع أسانيده فلا يكتسب قوة باختلافهم. والقاعدة أنه إذا تعارض الجرح والتعديل فالجَرح مقدم، كما قرّره علماء الحديث والفقه والأصول. ويناقش المؤلف بعد هذا ما رواه السيوطي عن المِزِّي، وما ذكره المناوي من تقوَّي الحديث الضعيف بكثرة الطرق والمتابعات. ولتأكيد رأيه يتحدث شيخنا عن الضعيف وأقسامه، ويجعل منه ما ينتهي به الضعف إلى الوضع، ومنه ما يرتقي به إلى درجة الحسن عند بعضهم. وهذا وهم. فإن حديث: من حفظ من أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة العلماء، مع كونه مروياً عن جماعة من الصحابة، ومتعدد الطرق، فلم يرفعه هذا عن درجة الضعف، فإن الحفاظ اتفقوا على ضعفه، لأن جميع طرقه لم يخلُ من علّة. ذكر هذا ابن حجر نقلاً من النووي. ولتقرير هذه الحقيقة ذكر الإمام الأكبر النوعين من الحديث الصحيح والضعيف، معرّفاً الأول بأنه ما تغلُب على الظن صحّة نسبته إلى الرسول ﷺ نظراً لحسن الظن برواته، مع احتمال مرجوح جداً بأن يكون مكذوباً، وكذلك الحديث الحسن. والثاني وهو الضعيف سُوّي فيه ظنّ احتمال عدم صدقِ نسبتِه إلى الرسول ﷺ مع ظنّ احتمال صدق نسبته إليه. وبتكرر طرق الحديث الصحيح أو الحسن يتأكد ظنَّ الصدق والحسن بظنون راجحة مثلهما. وبتكرر طرق الضعيف يبقى هذا على احتماله، ولا يكتسب قوة بتكرر الطرق. وما قرّره الشيخ رحمه الله

стр. 340

في هذا المعنى، من حيث النظر إلى السند في الرواية الأولى لهذا الحديث؛ يجري على بقية الروايات لأنها في غالبها متحدةٌ صدورُها. وعند انتقاله إلى نقد متن هذا الحديث يومىء إلى اشتماله على معنى غير منضبط؛ لأن التعريف في لفظة "العلم" المضاف إليه "طلب" لا يخلو أن يكون للعهد أو للاستغراق، وكلاهما ممتنع. وحملوا الكلام على الاستغراق العرفي، وهو وجوب الطلب لكل العلوم الشرعية، وهذا باطل أيضاً. وطلب تحصيلها على الحقيقة إنما هو فرض كفاية. وإذا كان ظاهر الحديث غير مراد وجب تأويله، ولا دليل على تأويله بمعين. وهذا لا يليق بمقام التشريع. وبمثل هذا العمق في نقد الرجال والمتون جرى الشيخ، ﵀، مع بقية روايات الحديث كما يفصّله مقاله (١). ٣ - مراجعة ونقد الإمام الأكبر لكتاب فتح الملك العلي بصحّة حديث: باب مدينة العلم علي، لأبي الفيض أحمد بن صديق الغماري: [قال الحاكم]: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي بالرملة، ثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها. فمن أراد المدينة فليأت الباب". هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. وأبو الصلت ثقة مأمون؛ فإنّي سمعت أبا العباس محمدَ بن يعقوب في التاريخ يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول:

стр. 341

سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي، فقال: ثقة. فقلت: أليس قد حدّث عن أبي معاوية عن الأعمش: "أنا مدينة العلم"؟ فقال: حدّث به محمد بن جعفر الفيدي، وهو ثقة مأمون، وسمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه القباني إمام عصره ببخارى يقول: سمعت صالح بن محمد بن الحافظ يقول: وسئل عن أبي الصلت الهروي، فقال: دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلم عليه. فلما خرج تبعته فقلت له: ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال: هو صدوق. فقلت له: إنه يروي حديث الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "أنا مدينة العلم وعلي بابها؛ فمن أراد العلم فليأتها من بابها". فقال: قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت (١). وروى الحديث أيضاً جعفر بن محمد البغدادي الفقيه عن أبي معاوية، وعمر بن إسماعيل بن مجالد، وأحمد بن سلمة الجرجاني، وإبراهيم بن موسى الرازي، ورجاء بن سلمة، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمود بن خداش، والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام (٢). وإثر التعريف بموضوع الكتاب أو الرسالة التي عرضها أبو الفيض على الإمام الأكبر، وحتى نكون متصوّرين لجوانبه، ملمّين بجزئياته وعناصره، ينبغي أن نذكّر بأن مداخلات وقعت قبل كتابة المراجعة التي نحن بصدد التعريف بها. يدلّ على ذلك قول شيخنا ﵀: وقد ذكرت في مقالي ما قيل في جعفر بن محمد، وفي

стр. 342

رجاء بن سلمة، وأحمد بن سلمة، وفي عمر بن إسماعيل (١). فيبقى محمد بن جعفر الفيدي، وإبراهيم بن موسى الرازي، وموسى بن محمد الأنصاري، ومحمد بن خداش، والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام. صدّر الإمام الأكبر مراجعته أو نقده للحديث بما يزيل الوحشة من نفس صاحبه بقوله: "رأيت أنكم نحوتم [في كتابتكم] نحو تلقّي الحديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" بالقبول، ولا بدع في ذلك فقد سبقكم إلى ذلك كثير من المحدّثين، كما أن كثيراً منهم نبذوه بالعراء، وكثيراً رموه بأنه وضع وافتراء". ولتأييد وجهة النظر هذه قال: "إن منكريه لم يقتصروا على الطعن في رجال أسانيده، بل قالوا فيه أقوالاً شديدة؛ مثل موضوع، ومنكر، ولا أصل له، وكذب، وكم خلق افتضحوا فيه، ولم يرْوِه عن أبي معاوية أحد من الثقات". وذكر لمثل هذا الحديث نظيراً هو ما روي عن ابن عباس: "أن جلساءه شركاؤه"، ولم يصحّ. فلم يعين البخاري له سنداً بل جزم بعدم صحّة المروي. وقضية أبي الصلت وما ورد من الأقوال فيه تكشف لنا أولاً عن الاعتراض على تعديله لما أورده الحاكم إثر رواية حديثه. وذهبت جماعة إلى أن أبا الصلت وضع الحديث عن أبي معاوية، وقال آخرون: إن أبا معاوية حدّث به ثم كفّ عنه. وذيّل هذه الآراء بقوله: إن كثرة الاختلاف فيه وشدةَ عناية الأئمة بالفحص عن رواته، تؤذن بأنه حديث لم يكن معروفاً عند الحفاظ، وأنه طلع على هذه الأمة طلوع الشواظ.

стр. 343

وبعد الاحتجاج بأقوال الفقهاء في متنه وسنده، يفتتح الجزء الأول من البحث بذكر مرجع الاختلاف في الحديث بين رواته ونقاده. فمنهم من سلك مسلك تغليب جانب التهمة والحذر من قبول الرواة، ومنهم من كان متّسماً بحسن الظن فيهم والتسامح معهم. وغير خاف تشدّد عمر بن الخطاب في ذلك. كما يشهد لهذا ما رواه مالك والبخاري عنه في حديث الاستئذان، حتى إذا رضيه واطمأن إليه، قال لأبي موسى راويه: إني لا أتهمك، ولكني أردت ألا يتجرأ الناس على حديث الرسول ﷺ . وبهذا النهج أخذ المحقّقون من المحدّثين مثل الإمام مالك الذي لا يقبل مجهول الباطن وإن كان مستور الظاهر، خلافاً لأبي حنيفة وابن فورك وسليم الرازي الذين قبلوا مستور الظاهر وإن جُهل باطنه. واحتج أصحاب الرأي الأول بمقالات المتقدّمين، كابن عباس وابن سيرين وأبي هريرة، ولزم ذلك أصحابُ مالك كعبد الله بن المبارك وابن مهدي، وأصحابُهم كالبخاري ومسلم. وبعد إيراد الدلائل القائمة على صحة مذهب المحقّقين، يعلن الإمام الأكبر في وضوح عن رأيه مع كبير أدب ورقة مجاملة قائلاً: "وأنا أرى التحرّي أولى بالمسلمين. فقد طفحت عليهم الروايات، فكانت منها دواهٍ وطامّات. فإذا كنّا متّفقين في طريقنا في تغليب جانب التحرير فالمراجعةُ سهلةٌ، ولو لاح الخلاف في أول وهلة، وإن كان كل ينحو إلى منهج من ذينك المنهجين، فالاختلاف في الفروع تبع للخلاف في الأصول. فلنتمسك بوثائق الود، ولا نتَّهم باختلاف الأفهام والعقول". وفي القسم الثاني من البحث يعمد شيخنا الجليل إلى حصر

стр. 344

مدارك الخلاف في طرق متنه، معتمداً في ذلك على ما جاء في فتح الملك العلي نفسه، راجياً أن يكون من الرأيين المتقابلين ما يحمل على الالتزام بالنظرة الموضوعية، والانتهاء إلى القول الفصل في هذه القضية. الطريق الأول: اعتقاد أبي الفيض أن كثرة الرواة عن أبي الصلت توجب تعديله. ويرى الإمام الأكبر عكس ذلك، لأن كثرة الرواة عن المطعون فيه ليست بالتي تفلته من سهام الطاعنين، خصوصاً وأهل الصحيح والحسن من المتحدّثين يمسكون عن المتكلم فيه ولا يروون حديثه. فكيف والذين رووا عن أبي الصلت كلهم متكلم فيهم. الطريق الثاني: اعتبار شهرة أبي الصلت بالزهد والديانة شاهداً لتعديله. والحق أن هناك بوناً بعيداً بين العدالة والديانة، كما يدلُّ على ذلك تصرف الإمام مالك، وتشهد به مقالات أمثال يحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك. وإن الحديث ليحتاج إلى تقى وورع كما يحتاج إلى إتقان وفهم وعلم. الطريق الثالث: إن كلام الحاكم ويحيى بن معين في أبي الصلت يتضارب مع أغلب ما حكاه النقاد عنه. وفي تهذيب التهذيب لابن حجر وغيره من كتب الرجال دليل على ذلك. وقد طعن في أبي الصلت أئمة الحديث نقلاً عن الإمام أحمد والدارقطني وابن عدي. والأخذ بالتجريح وتقديمُه على التعديل أحوط. وفي هذا الطريق ألمع الشيخ ﵀ إلى ما وقع فيه أبو الفيض من لبس في رواية مقالة أبي سعيد الهروي، حيث نقل عن الدارقطني قوله: نعم، ابن الهيضم ثقة. فقال له دعلج: أنا سألتك عن عبد السلام. فقال: نعم ثقة. والرواية الصحيحة كما في تاريخ الخطيب: نعيم بن الهيضم ثقة. قال

стр. 345

سائله: إنما سألتك عن عبد السلام، فقال: نعيم ثقة، ولم يزد. الطريق الرابع: بدأ فيه بذكر رواة الحديث غير أبي الصلت. وتعرّض للباقين ممّن وقعت الإشارة إليهم، وهم محمد الفيدي، وإبراهيم الرازي، وموسى بن أحمد الأنصاري، ومحمود بن خداش، والحسن بن علي بن راشد، وأبو عبيد القاسم بن سلام. فذكر كل واحد منهم مع ما غمز به: فالفيدي في ذاته ثقة غير أن روايته لم تنقل إلينا بسند معروف. وإبراهيم بن موسى روى الحديث عنه محمد بن جرير الطبري، وقال: إنه شيخ لا أعرفه، ولا سمعت منه غير هذا الحديث. فهو إذاً مجهول الرواية غريب عنده. وموسى بن محمد الأنصاري ذكر الإمَامُ روايتَه، في مقاله، ونبّه على أن في سنده محفوظاً بن بحر الأنطاكي، وهو كذّاب. ومحمد بن خداش والحسن بن علي بن راشد، ورأينا متفق على أن الراويين عنهما متهمان. وأبو عبيد حدث عنه الجبريني وهو من الضعفاء. وأشار في هذا الطريق الرابع إلى متابعة سعيد بن عقبة ومتابعته عثمان بن عبد الله ناقلاً كلام ابن عدي فيهما، فلا يتكثر بهما. الطريق الخامس: تعضيد هذا الحديث بالشواهد المعنوية الدالة على فضل الإمام علي. وهذا لا نزاع فيه، غير أن الكلام في فضيلة خاصة وهو أن يكون علي هو الطريق الواضح لعلم رسول الله ﷺ . وهذا الادعاء أو الوضع لا يمكن أن يكون إلا من نحل الرافضة. الطريق السادس: أن كثرة الروايات والطرق للحديث الضعيف

стр. 346

تبلغ به مرتبة الحسن أو الصحّة. لكن هذا، عند التسليم به، ليس محتملاً إلا في الحديث الخفيف ضعفه. أما ما نحن فيه فهو موضوع أو شديد الضعف، فلا تكسبه المتابعات قوّة. ويتعيّن أن يخضع للقواعد كما ذكر ذلك النووي وابن الصلاح. ومن هذا العرض لمحتوى الرسالة العاشورية يخلص الإمام الأكبر إلى نتيجة البحث بقوله: "إن حال أسانيد هذا الحديث يمنع من إدخاله في حقيقة الصحيح وحقيقة الحسن، لفقدان شروطهما فيه، فيدور أمره بين الضعف والوضع" (١). ٤ - حديث أولية خلق النور المحمدي: عن جابر بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله. ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس. فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء. فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أقسام. فخلق من الأول حملة العرش. ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء. فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار. ثم قسم الرابع أربعة أجزاء. فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني

стр. 347

نور قلوبهم وهو المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله". اهـ. وطّأ شيخنا ﵀ للكتابة في هذا الحديث بذكر أمرين: أولهما: أن مجلة هدي الإسلام رغبت منه تحرير القول في هذا الحديث. وأنه لولا سبق الناس إلى بيان الرأي فيه لحسن التخلّي عن ذلك، لأن الأجدر بأهل العلم الاهتمام بتمحيص ما ينبني عليه عمل نجيح أو اعتقاد صحيح، وتوفير الوقت النفيس لما هو أولى بالعناية والبحث للحاجة إليه. وثانيهما: التنبيه على أن قدر الرسول ﷺ ، وهو القدر المنيف، في غنية عن إمداده بحديث صحيح أو ضعيف، لكن تميّز هذه الأمة بالإسناد لحفظ الأصول والروايات، حمل في كل زمن العلماء على نقد الآثار التي بها مغمز، كشفاً للحقيقة، وصرفاً للألباب والأنظار عما يوقع الناس في الخطأ والوهم. وحديث جابر بن عبد الله هذا في أولية خلق النور النبوي من رواية عبد الرزاق في مصنفه أورده صاحب المواهب اللدنية من غير ذكر من رووه عن عبد الرزاق. وبإزائه روايتان أخريان مخالفتان متقاربتان للبيهقي، أوردهما سليمان بن سبع السبتي في كتابه شفاء الصدور. وبعد مقارنة سريعة بين هذه الرواية ترجم الإمام لعبد الرزاق بن همام الصنعاني. وذكر أنه أخذ عن أئمة أهل السنة، وأخرج له البخاري. وأنه عمي في آخر عمره وهو ثقة إمام، غير أنه بعد أن كف بصره انتحل التشيّع. فحمله ذلك على أن يروي عن الضعفاء مثل جعفر بن سليمان الضبعي. كما روى عنه أبو جعفر من الضعفاء وهو ملموز بالكذب، وأبو الأزهر النيسابوري.

стр. 348

وفي بيان مرتبة هذا الحديث قال: هو غير معروف عن الحفاظ، لم يروِه أهل الصحيح ولا أصحاب السير المقبولة مثل ابن إسحاق والحلبي، ولا ذكره عياض في الشفاء لكونه غير مقبول عنده، ولا السيوطي في جمع الجوامع، ولا في كتاب الخصائص له. وبناء على ما تقدم يكون عبد الرزاق قد رواه عن الضعفاء في آخر عمره. أو كذبه عنه المتساهلون والضعفاء. وهذا هو حكم رواية البيهقي له أيضاً. فإنه كان متساهلاً في أحاديث دلائل النبوة وفضائل الأعمال. وإذا كان ابن سبع قد ذكره في شفاء الصدور. فإن كتابه هذا يشتمل على المقبول والمردود. وخلاصة القول فيه أنه مجهول السند: لا ندري من رواه عن عبد الرزاق، ولا من روى عنه عبد الرزاق فيما بينه وبين جابر. فهو لذلك غير صحيح ولا حسن لعدم معرفة رواية مصدره، وإنما هو متردد بين أن يكون ضعيفاً أو موضوعاً. ولم يقف شيخنا ﵀ عند هذا الحد من ضبط صحة الحديث، فذكر أحواله من حيث الرواية والسند، بل تجاوز ذلك إلى نقد متنه من جهتي اللفظ والمعنى. فهو يرى أنه من جهة النظم ضعيف لا يناسب أن يكون لفظ أفصح العرب محمد رسول الله ﷺ . وقد نبّه ابن الصلاح في أصول علم الحديث على أن أحاديث طويلة وضعت، تدل على وضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها. فقوله فيه: "فجعل ذلك النور يدور بالقدرة" حشو من الكلام، وقوله: "ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا .. ولا .. " تطويل ثقيل تنزَّه عنه البلاغة النبوية. وأما من جهة المعنى فهو مردود من خمسة وجوه: الأول: أن كل خبر أَوْهَمَ معنى باطلاً، ولم يقبل التأويل فهو

стр. 349

مكذوب. قاله علماء أصول الحديث وأصول الفقه. وهذا الحديث جمع بين طول اللفظ وطول المعنى وقلة الجدوى. الثاني: أن هذا الحديث معارض بما ثبت في الصحيح عن عبادة بن الصامت وأبيّ بن كعب بقوله ﷺ : "أول ما خلق الله القلم" أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود. وهذا التعارض يلزم فيه التصديق بأحدهما وإبطال معنى الآخر. فلا يمكن الجمع إلا بتأويل. وإنما يصار في مثل هذا إلى الترجيح. الثالث: أن حديث جابر جعل نور أبصار المؤمنين مخلوقاً من الجزء الأول من الرابع مع أن أبصار المؤمنين ليست لها خصوصية في الإبصار على أبصار سائر الناس. الرابع: قوله: "أول ما خلق الله نور نبيك". الظاهر أن هذه الإضافة غير حقيقية فلا تصحّ، إذ المراد من النور هو الحقيقة المحمدية. وخلق الخلق من هذا النور يقتضي إما دخول نقصان عليها بعد خلقها، وإما كون المخلوقات التي اشتقت منها أجزاء لها. فتصبح الحقيقة المحمّدية كلًّا له أجزاء. وهذا معنى سخيف. وقد تضمَّن هذا الحديث الإشارة إلى أن القلم واللوح والعرش والملائكة والسماوات والأرضين معتبرة قبل الحقيقة المحمدية في التجزئة من ذلك النور. وهذا يعود إلى الغرض من هذا الحديث بالنقض، لأنه يبطل المقصود من التعريف بكون الحقيقة المحمدية أفضلَ في سبق الخلق. الخامس: يلاحظ في هذا الحديث خلط في ترتيب المخلوقات من هذا النور، لأن بعضها من الذوات كالقلم. وبعضها من الأجناس كالملائكة، وبعضها من المعاني كالمعرفة بالله وتوحيده. وهذه

стр. 350

جميعها يتعلق الخلق بها تبعاً لخلق محلها وهو العقل. وليس في هذا الحديث ذكر لخلق العقل (١). ٥ - الآثار المروية في مجيء المهدي: هذه رسالة وقعت جواباً عن اقتراح للأستاذ حسين إبراهيم موسى، كتب به إلى مدير مجلة الهدي الإسلامي، يلتمس فيه من الشيخ أن يكتب بحثاً في هذا الغرض. والإمام كما عوَّدنا لا يتناول قضية من قضايا العلم أو السنة إلّا وضع لها إطارها الذي تبرز متجلّية فيه. فيسهل بذلك البيان، ويتحقق من ورائه الفهم، وينتهي منهما إلى الغاية من البحث وهي الحكم في المسألة أو القضية المعروضة. وفي موضوعنا هذا المتعلّق ببحث الآثار المروية في ظهور المهدي أربعة محاور، تتفاوت فيما بينها ضيقاً واتساعاً وطبيعة وأهمية. فالمحور الأول: الذي يمكن أن ينزّل من بقية المحاور منزلة التمهيد من البحث، يحدّد لنا الإمام الأكبر فيه موقعَ هذا الموضوع من واجبات الدين الثلاثة. قائلاً: "ليس العلم به من قبيل العلم الواجب طلبه على الأعيان ولا على وجه الكفاية. فهو لا يرجع إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، ولا إلى ما يتبع ذلك مما يترتب عليه تحقيق وصف الإيمان، ولا هو من الأمور العملية ولا من الأمور الراجعة إلى آداب الشريعة. ولكنه مسألة علمية تتصل بالمعارف الإسلامية قد تكون ذات علاقة بخبر أُثر عن الرسول ﷺ أو

стр. 351

عن سلف الأمة. وهذا فقط ما يجعله مشتبهاً عند العامة بالمسائل الاعتقادية لارتباطه بالتصديق بوقوع شيء أو عدم وقوعه، لكن مجرد كونه من مطلق المدركات العقلية أو مما يطمئن إليه القلب لا يجعله مندرجاً في الواجبات الدينية المومى إليها حتى يكون من خصوص ما يجب اعتقاده شرعاً. وهكذا فإنه لا يجعل من الأمور الاعتقادية إلا ما قام عليه البرهان العقلي، وما جاء به الخبر الشرعي القطعي الثبوت والدلالة، فإن لم يحصل هذا فهو بعيد عن أن يكون من مسائل أصول الدين. وإذا بحث فيها، كمسألة الخلافة أو الإمامة، فإن ذلك واقع عرضاً بقصد رفع الفتنة وما ينجم عنها من تفسيق المسلمين أو تكفير بعضهم لبعض. والمحور الثاني: بيان لواقع هذه القضية من حيث انتشارها معتقَداً في المجتمعات الإسلامية من بدايات الإسلام. والمثبتون لها قائلون بأنها فكر موروث مشوب بمسحة عقَدية. وموقفهم إزاءها مختلف بحسب المذهب الذي ينتسبون إليه أو الجماعة التي يرتبطون بها. وأكثر المتلقّين لها والقائلين بها الإمامية من الشيعة، ومِن دونهم بعض أهل السنة وبعض الصوفية. فالطائفة الأولى تدّعي أن المَهدي الذي يخرج في آخر الزمان هو موجود من قبل، وهو مُختفٍ. وهذا القول مردود باطل في عقيدة أهل السنة، تصدّى الكثيرون لتفنيده والرد عليه مثل النسفي والتفتازاني. والثانية تزعم خروج المهدي وظهوره آخر الزمان من غير ادِّعاء وجود سابق له ولا اختفاء. وهم في الحقيقة متأثّرون بما أذاعته

стр. 352

الإمامية والرافضة من آثار بشأنه. رووها وتمسّكوا بها من غير درس أو تمحيص. وقد روّجوا لذلك بوجوب اتباعه عند ظهوره. وهذا يوجب التساؤل عنه للتعرّف عليه، وليتمكن معتقدوه من اتباعه. ودعوى ظهوره هذه بعد سباته أو اختفائه لا يتوسّمها المتوسّمون، كما قال الإمام الأكبر، بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ولا بخفق أعلامه، ولا بأفق ظهوره، فإن جميع ذلك يمكن تلبيسه وادعاؤه باطلاً كما وقع غير مرة، ووجوب اتباعه لا تقرّه أحكام الملة بما وضعه علماؤها من قواعد وأقاموه من شروط تغني عن الملامح والرموز، إذ الإمام العدل، الواجب اتباعه والدخول في حزبه وأنصاره هو من استكمل شروط الإمامة والقدرة على حماية البيضة وقت الحاجة إلى ذلك. ولا التفات إلى الأخبار الملفّقة والرموز الجبرية، كما سيتم بحثه في المحورين القادمين؛ الثالث والرابع. المحور الثالث: تاريخي عنون له بنشأة القول بالمهدي المنتظر. واعتبر ذلك من عمل شيعة الهاشميين لَمَّا أخفقوا في دعوتهم بعد استتباب الأمر لبني أمية. وقد قامت دعوتهم تلك على أساسين: ديني، وعنصري. الأول لأن هذا الرواج للمنهج السياسي أمر بالغ الأهمية عن طريق الوسائل الاعتقادية، وخاصة بين العامة لتلقّيهم الأشياء المنسوبة إلى الدين بمزيد الاعتبار دون تأمّل ولا إقامة برهان، والثاني لتعزيز خطّتهم ودعم حقّهم في الإمامة بعصبية أعجمية تنافح عنهم وتمكن لهم. وقد قام دعاتهم لذلك باختلاق أثارة من علم الأولين، وبوضع أخبار ينسبونها إلى الرسول ﷺ على أنها من علم الغيب المقطوع بوقوعه. ومن شأنهم فيما يصوغونه من ذلك دسّ أمارات تناسب زمانهم أو حالهم أو أنسابهم أو مواطنهم أو اسم أحد من أئمتهم ليتبين كونهم المقصود من ذلك الخبر. وقد دعت الشيعة

стр. 353

الهاشمية لإسناد الأمر إلى من بقي من أبناء الإمام علي وهو محمد بن الحنفية، وادعى غلاتهم أنه لم يمت ولن يموت حتى ينصر دين الله، وأنه مختفٍ بغار في جبل رضوى ولقّبوه بالمهدي. وزعم جمهور من الشيعة الإمامية أن المهدي المنتظر هو محمد بن السيد الحسن العسكري. وأنه اختفى صغيراً وأنه لا يموت، وأنه المهدي الذي سيخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. ويدحض هذا الزعم اتفاق جمهور علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. وراحت بعد ذلك فرق كثيرة كانت تطمع في الإمامة تدعي ذلك وتنسبه إليها. وتضع له الأخبار للتأثير على العامة، كالذي اخترعه أصحاب الدعوة الهاشمية بخراسان، وعزوا روايته لابن مسعود، وأجروا على لسانه قولَه: قال رسول الله ﷺ : إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة ثم الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطَونه فيقاتلون وينصرون (العباسيون الهاشميون). وكان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنّى يتطلّع إلى الخلافة، ويزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها. وحين طلبه الأمير في خلافة أخيه السَّفَّاح اختفى في شِعاب جبل رضوى. ولقب أبو جعفر المنصور ابنه محمداً بالمهدي، وأخذ له العهد بالخلافة، وساعده على ذلك أنه سميّ رسول الله ﷺ ، وأن أباه سميّ أبي الرسول. وهم يروون من الأخبار في المهدي ما وضعوه على لسان النبوّة: لِما يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. وبهذا انقطعت أيامَ المهدي مطامع العلويين. وكذلك انتحل لقب المهدي هذا زعماء ورؤساء كالمهدي العبيدي بإفريقية، والمهدي بن تومرت داعية الدولة

стр. 354

الموحّدية بها، والحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبره هو أيضاً، وزعم أصحابه أنه اختفى إلى زمن مرقوب. المحور الرابع: مناقشة الآثار المروية في هذا الباب، وهي كثيرة. أسندها رواتها إلى ثمانية عشر صحابياً. ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان: الأول اختلف نقاد الرجال في تعديلهم وتجريحهم اختلافاً متكافئاً. وقد روى أخبارهم الترمذي وأبو داود وابن ماجه. ومجموعها ثمانية طرق. والثاني أباه أهل النقد لانفراد المصنفات المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع بإخراج أحاديثهم. وذلك مثل معاجم الطبراني. ودلائل النبوّة للبيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم. تفصيل القول في طُرق الأحاديث: ولكون أسانيد القسم الأول أشبه ما يروى في هذا الموضوع، وقف الإمام الأكبر عندها مفصلاً القول في طرقها. وهي ثمانية: ١ - حديث ابن مسعود: لو لم يبق من الدينا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. ٢ - حديث علي: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً. ٣ - حديث أم سلمة: المهدي من ولد فاطمة. ٤ - حديث أبي سعيد الخدري: المهدي منّي، أجدى الجبهة،

стр. 355

أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين. ٥ - حديث أبي سعيد الخدري: إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً من سنين. فيجيء إليه رجل فيقول: يا مهدي أعطني. قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله. ٦ - حديث علي: المهدي منّا أهل البيت يُصلح الله به في ليلة. ٧ - حديث ثوبان: يقتتل عند كبركم ثلاثة كلُّهم ابن خليفة لا يصير إلى واحد منهم حتى تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونهم قتلاً لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئاً لا أحفظه - قال: فإذا رأيتموهم فبايعوهم ولو حبواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي. ٨ - حديث عبد الله بن الحارث: يخرج ناس من قبل المشرق فيوطئون للمهدي. أخرج هذه الأحاديث جماعة من بينهم: الترمذي وأبو داود وابن ماجه. وقد تعقّب الإمام هذه الطرق طريقاً طريقاً. وقال عن جميعها: كلها متكلم فيها. وأتبع ذلك بنقدها من جهة المصطلح، ومن جهة النظر. قال: فتكون هذه الأحاديث من قسم الحديث الضعيف، لأن أسانيدها لم تسلم من الاشتمال على راوٍ ضعيف. وبعض رواة أسانيدها مطعون فيهم، وأن من تُكُلم فيه مثلهم، وإن كانوا قد قبلهم بعض أهل النقد، فقد ردَّهم بعضهم، فتعارض فيهم الجرح والتعديل والرد والقبول. ومن المعلوم أنه استقر عند علماء الحديث وأصول الفقه أن الجرح إذا صدر من أهل المعرفة، قدم على التعديل الصادر منهم، فيقدَّم الجرح. وهذه القاعدة مسلَّمة معمول بها. وفي آخر نقده لأحاديث هذا القسم من جهة اللفظ يصرّح بأن
следующие страницы →