← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عن سلف الأمة. وهذا فقط ما يجعله مشتبهاً عند العامة بالمسائل الاعتقادية لارتباطه بالتصديق بوقوع شيء أو عدم وقوعه، لكن مجرد كونه من مطلق المدركات العقلية أو مما يطمئن إليه القلب لا يجعله مندرجاً في الواجبات الدينية المومى إليها حتى يكون من خصوص ما يجب اعتقاده شرعاً. وهكذا فإنه لا يجعل من الأمور الاعتقادية إلا ما قام عليه البرهان العقلي، وما جاء به الخبر الشرعي القطعي الثبوت والدلالة، فإن لم يحصل هذا فهو بعيد عن أن يكون من مسائل أصول الدين. وإذا بحث فيها، كمسألة الخلافة أو الإمامة، فإن ذلك واقع عرضاً بقصد رفع الفتنة وما ينجم عنها من تفسيق المسلمين أو تكفير بعضهم لبعض. والمحور الثاني: بيان لواقع هذه القضية من حيث انتشارها معتقَداً في المجتمعات الإسلامية من بدايات الإسلام. والمثبتون لها قائلون بأنها فكر موروث مشوب بمسحة عقَدية. وموقفهم إزاءها مختلف بحسب المذهب الذي ينتسبون إليه أو الجماعة التي يرتبطون بها. وأكثر المتلقّين لها والقائلين بها الإمامية من الشيعة، ومِن دونهم بعض أهل السنة وبعض الصوفية. فالطائفة الأولى تدّعي أن المَهدي الذي يخرج في آخر الزمان هو موجود من قبل، وهو مُختفٍ. وهذا القول مردود باطل في عقيدة أهل السنة، تصدّى الكثيرون لتفنيده والرد عليه مثل النسفي والتفتازاني. والثانية تزعم خروج المهدي وظهوره آخر الزمان من غير ادِّعاء وجود سابق له ولا اختفاء. وهم في الحقيقة متأثّرون بما أذاعته

стр. 352

الإمامية والرافضة من آثار بشأنه. رووها وتمسّكوا بها من غير درس أو تمحيص. وقد روّجوا لذلك بوجوب اتباعه عند ظهوره. وهذا يوجب التساؤل عنه للتعرّف عليه، وليتمكن معتقدوه من اتباعه. ودعوى ظهوره هذه بعد سباته أو اختفائه لا يتوسّمها المتوسّمون، كما قال الإمام الأكبر، بملامح وجهه ولا باسمه واسم أبيه، ولا بخفق أعلامه، ولا بأفق ظهوره، فإن جميع ذلك يمكن تلبيسه وادعاؤه باطلاً كما وقع غير مرة، ووجوب اتباعه لا تقرّه أحكام الملة بما وضعه علماؤها من قواعد وأقاموه من شروط تغني عن الملامح والرموز، إذ الإمام العدل، الواجب اتباعه والدخول في حزبه وأنصاره هو من استكمل شروط الإمامة والقدرة على حماية البيضة وقت الحاجة إلى ذلك. ولا التفات إلى الأخبار الملفّقة والرموز الجبرية، كما سيتم بحثه في المحورين القادمين؛ الثالث والرابع. المحور الثالث: تاريخي عنون له بنشأة القول بالمهدي المنتظر. واعتبر ذلك من عمل شيعة الهاشميين لَمَّا أخفقوا في دعوتهم بعد استتباب الأمر لبني أمية. وقد قامت دعوتهم تلك على أساسين: ديني، وعنصري. الأول لأن هذا الرواج للمنهج السياسي أمر بالغ الأهمية عن طريق الوسائل الاعتقادية، وخاصة بين العامة لتلقّيهم الأشياء المنسوبة إلى الدين بمزيد الاعتبار دون تأمّل ولا إقامة برهان، والثاني لتعزيز خطّتهم ودعم حقّهم في الإمامة بعصبية أعجمية تنافح عنهم وتمكن لهم. وقد قام دعاتهم لذلك باختلاق أثارة من علم الأولين، وبوضع أخبار ينسبونها إلى الرسول ﷺ على أنها من علم الغيب المقطوع بوقوعه. ومن شأنهم فيما يصوغونه من ذلك دسّ أمارات تناسب زمانهم أو حالهم أو أنسابهم أو مواطنهم أو اسم أحد من أئمتهم ليتبين كونهم المقصود من ذلك الخبر. وقد دعت الشيعة

стр. 353

الهاشمية لإسناد الأمر إلى من بقي من أبناء الإمام علي وهو محمد بن الحنفية، وادعى غلاتهم أنه لم يمت ولن يموت حتى ينصر دين الله، وأنه مختفٍ بغار في جبل رضوى ولقّبوه بالمهدي. وزعم جمهور من الشيعة الإمامية أن المهدي المنتظر هو محمد بن السيد الحسن العسكري. وأنه اختفى صغيراً وأنه لا يموت، وأنه المهدي الذي سيخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. ويدحض هذا الزعم اتفاق جمهور علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. وراحت بعد ذلك فرق كثيرة كانت تطمع في الإمامة تدعي ذلك وتنسبه إليها. وتضع له الأخبار للتأثير على العامة، كالذي اخترعه أصحاب الدعوة الهاشمية بخراسان، وعزوا روايته لابن مسعود، وأجروا على لسانه قولَه: قال رسول الله ﷺ : إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة ثم الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطَونه فيقاتلون وينصرون (العباسيون الهاشميون). وكان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنّى يتطلّع إلى الخلافة، ويزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها. وحين طلبه الأمير في خلافة أخيه السَّفَّاح اختفى في شِعاب جبل رضوى. ولقب أبو جعفر المنصور ابنه محمداً بالمهدي، وأخذ له العهد بالخلافة، وساعده على ذلك أنه سميّ رسول الله ﷺ ، وأن أباه سميّ أبي الرسول. وهم يروون من الأخبار في المهدي ما وضعوه على لسان النبوّة: لِما يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. وبهذا انقطعت أيامَ المهدي مطامع العلويين. وكذلك انتحل لقب المهدي هذا زعماء ورؤساء كالمهدي العبيدي بإفريقية، والمهدي بن تومرت داعية الدولة

стр. 354

الموحّدية بها، والحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبره هو أيضاً، وزعم أصحابه أنه اختفى إلى زمن مرقوب. المحور الرابع: مناقشة الآثار المروية في هذا الباب، وهي كثيرة. أسندها رواتها إلى ثمانية عشر صحابياً. ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان: الأول اختلف نقاد الرجال في تعديلهم وتجريحهم اختلافاً متكافئاً. وقد روى أخبارهم الترمذي وأبو داود وابن ماجه. ومجموعها ثمانية طرق. والثاني أباه أهل النقد لانفراد المصنفات المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع بإخراج أحاديثهم. وذلك مثل معاجم الطبراني. ودلائل النبوّة للبيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم. تفصيل القول في طُرق الأحاديث: ولكون أسانيد القسم الأول أشبه ما يروى في هذا الموضوع، وقف الإمام الأكبر عندها مفصلاً القول في طرقها. وهي ثمانية: ١ - حديث ابن مسعود: لو لم يبق من الدينا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. ٢ - حديث علي: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً. ٣ - حديث أم سلمة: المهدي من ولد فاطمة. ٤ - حديث أبي سعيد الخدري: المهدي منّي، أجدى الجبهة،

стр. 355

أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين. ٥ - حديث أبي سعيد الخدري: إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً من سنين. فيجيء إليه رجل فيقول: يا مهدي أعطني. قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله. ٦ - حديث علي: المهدي منّا أهل البيت يُصلح الله به في ليلة. ٧ - حديث ثوبان: يقتتل عند كبركم ثلاثة كلُّهم ابن خليفة لا يصير إلى واحد منهم حتى تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونهم قتلاً لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئاً لا أحفظه - قال: فإذا رأيتموهم فبايعوهم ولو حبواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي. ٨ - حديث عبد الله بن الحارث: يخرج ناس من قبل المشرق فيوطئون للمهدي. أخرج هذه الأحاديث جماعة من بينهم: الترمذي وأبو داود وابن ماجه. وقد تعقّب الإمام هذه الطرق طريقاً طريقاً. وقال عن جميعها: كلها متكلم فيها. وأتبع ذلك بنقدها من جهة المصطلح، ومن جهة النظر. قال: فتكون هذه الأحاديث من قسم الحديث الضعيف، لأن أسانيدها لم تسلم من الاشتمال على راوٍ ضعيف. وبعض رواة أسانيدها مطعون فيهم، وأن من تُكُلم فيه مثلهم، وإن كانوا قد قبلهم بعض أهل النقد، فقد ردَّهم بعضهم، فتعارض فيهم الجرح والتعديل والرد والقبول. ومن المعلوم أنه استقر عند علماء الحديث وأصول الفقه أن الجرح إذا صدر من أهل المعرفة، قدم على التعديل الصادر منهم، فيقدَّم الجرح. وهذه القاعدة مسلَّمة معمول بها. وفي آخر نقده لأحاديث هذا القسم من جهة اللفظ يصرّح بأن

стр. 356

علماء السنة اتفقوا على عدم قبول الحديث الضعيف فيما عدا فضائل الأعمال. ومن جهة النظر يعود شيخنا ﵀ إلى القسمين المتقدِّمين من الآثار المروية في قصّة المهدي المنتظر. ويقف عند القسم الأول، فيشير أولاً إلى الأسباب التي روّجت لظهور هذه الأخبار الكثيرة، ولتطايرها في الآفاق، وثانياً إلى ما يمكن أن تحدثه الروايات والطرق لهذا الحديث من الريبة في صحته، لشدّة حرص مُشِيعيه على رواجه بين الناس. ويحملنا هذا الأمر أيضاً على التساؤل عن إحجام إمامي الجامع الصحيح البخاري ومسلم عن إخراجه في كتابيهما مع ما توافر لهذا الخبر من الرواية عن ثمانية عشر صحابياً بأسانيد مختلفة. وهو يختم بعد ذلك هذه الملاحظة بقوله: وإنه لمن الغريب أن يسكت رسول الله ﷺ عن قضية أهم وأوكد، وهي قضية الخلافة، فيترك الخوض فيها لاجتهاد أصحابه يبحثون عن طريق حلها في إشارات من أفعاله ﷺ في حياته. وفيما يتطلّعون إلى ما يحقّقه من المصلحة العامة، ويولي اهتمامه قضية قائم يقوم في أمته في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جَوراً. وخلاصة القول لدى الإمام من هذه الوجهة أن روايات هذا الحديث مستبعدة مسترابة، لا نستثمر منها عقيدة لازمة، ولا مأمورات جازمة. فإذا تحوّل إلى القسم الثاني من الروايات النازلة في الضعف عن تلك الطرق، قال: إنها إذا تأملها الناقد البصير وجد مخيّلةَ التحزب والعصبية واضحة فيها، ووجد معظمها يصوّر اليأس من الحكم الأموي، ومن نجاح أمر الأمة على يديه، وأن هذه الغاية لن يتمّ بلوغها إلا بتولي بني هاشم الأمر، سواء أكانوا علويين أم عباسيين أم هاشميين زبيريين. وإنك متى تتبعت آثاره في هذا القسم الثاني وجدت

стр. 357

بعض رواياته تتجاوز الإشادة بالمهدي أو التبشير به إلى تعيين المقصود الأخص من منتحليها. فمن تسمية للقبائل التي ينحدرون منها، مثل تميم وكلب وأهل الشام وأهل العراق، ومن تسمية للبلاد التي يكون ظهورهم بها، مثل مكة والمدينة والعراق والكوفة وخراسان ونحوها، إلى تعيين الأشخاص بأنسابهم وألقابهم؛ كالسفياني، والقحطاني، والنفس الزكية، والسفاح، والمنصور، وشعيب بن صالح التميمي. وفي نهاية هذا النقد العلمي الجامع بين النظر في أسانيد وروايات تلك الأحاديث وفي متونها، يعود شيخنا إلى التأكيد على ما ذكره في التمهيد من أن العناية بمثل هذه القضايا غير مفيد، وأنه يرى للمسلمين الإعراض عن الاشتغال بمثل هذه البحوث تعضيداً أو تزييفاً. فهي مسائل لا تفيدهم عملاً في دينهم، ولا في دنياهم (١). كُتُب الإمام الأكبر في السّنة: أما تآليف الإمام الأكبر في السنة: فـ كشف المغطّى، والنظر الفسيح. وهذان الكتابان نمط فريد من التصنيف يَكملُ به جميع ما قاله المحدّثون والشراح من رجال العلم النبوي في موطأ الإمام مالك الذي يعتبر كما قال الإمام الشافعي: أصحّ كتاب يظهر على الأرض بعد كتاب الله، وفي الجامع الصحيح للإمام البخاري الذي كان صاحبه يذبّ عن السّنة الكذب، فلم يخرّج في كتابه إلا صحيحاً، وما ترك من الصحيح أكثر، احترازاً من التطويل. الكتاب الأول: كشف المغطّى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطّا . نبتت فكرة تصنيفه في ذهن شيخنا ﵀ من أيام تولّيه

стр. 358

تدريس مادة كتاب الإمام مالك. وكان يأسره ويشدّه إليه جانبان هامان منه: جانب السنّة والآثار، وجانب الفقه والفتوى. وهو قد استعد لهذا الغرض بطول مزاولته للموطأ وكثرة مثافنته له. وهو ككبار أئمة العلم ممّن حدثنا عنهم أو سعدنا بلقائهم في حلقات الدروس، لا يقدم على محاضرته أو إملائه لموضع درسه من الكتاب إلا بعد الرجوع إلى أهم المصادر، واستيفاء مقالات العلماء البارزين فيه، وتعليقات الشيوخ المتمكّنين عليه. وهكذا يمكننا أن نعدّ من مصادر كشف المغطى الأساسية دروسَ الإمام في الموطأ وما رجع إليه فيها من شروح وتصانيف كانت متداولة بين الأساتذة والطلاب، مثل المنتقى للباجي، وشرح الزرقاني وتعليقات السيوطي على الموطأ، أو كانت عزيزة نادرة اجتمع له منها: القبس لابن العربي، وقسم من ترتيب المسالك له، وقطعة من التمهيد لابن عبد البر، وقطعة من الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار لابن زرَق، وتعليق لأبي محمد بن السيد البطليوسي في غريب الموطأ، ونسخة من مشارق الأنوار لعياض، وصلت إليه متأخّرة بعد أن كاد يفرغ من وضعه لكتابه. وقد كان في أول الأمر يتطلّع إلى وضع شرح وافٍ على الموطأ يشتمل على ما انقدح له من رأي في جلسات الدرس وقبلها، فَيُلمّ بما كتبه الشراح، مضيفاً إليه ما حصل له من أفهام، أو حرّره من حقائق، أو استدركه من أنقاص، أو حلّه من مشاكل. لكن عوائق كثيرة حالت دونه ودون رغبته السامية تلك، فاقتصر على تصنيف الكشف، هذا المختصر، إنجازاً لبعض ما عزم عليه وتقييداً لملاحظاته وتعليقاته على الموطأ بما لم يسبق إليه. وفي بداية هذا التأليف ومقدمته عرّف بموطأ الإمام مالك بن

стр. 359

أنس وذكر أن طريقة الإمام مالك كانت جامعة بين التمحيص والتصحيح والتقرير والتحرير. وهكذا أثبت في موطئه ما صحّ عنده من الآثار المروية عن رسول الله ﷺ ، وما روي عن الخلفاء الراشدين، وفقهاء الصحابة، - ومَن بعدهم - من فقهاء المدينة، وما جرى عليه العمل عندهم. فجمع بين النصوص التشريعية من السنة الصحيحة، وبيّن استنباط الأحكام والتطبيقات وفتاوى الأئمة في ذلك العصر. ولتيسير الإفادة من هذا الكتاب جعله على أبواب الفقه كي يتسنّى لطلاب الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، ولِشُدَاة العلم والأدب أن يظفروا بسرعة. كلٌّ بما هو في حاجة إليه من ذلك الموطأ، وأن ينهلوا من ينابيعه العذبة ما فيه من شفاء للصدر وتزكية للنفس. وتبويب الموطأ كان مثالاً جرى عليه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، كما سار مسلم على مثل ما سار عليه في تقسيمه جامعه الصحيح إلى كتب. وتعرّضت هذه المقدّمة إلى شروط الصحة عند أهل الأثر، وإلى طرق نقد الأخبار من جهتي الأسانيد والمتون. فنبّه إلى ما التزم به الإمام مالك من ذلك في كتابه، مع مقارنته بشروط الصحة عند الإمامين البخاري ومسلم. وتميّز الموطأ ببعض العبارات والكلم والمصطلحات التي أطلقها صاحبه على بعض التصرّفات فيه كقوله: باب جامع، والأمر المجتمع عليه، والأمر الذي أدركت عليه أهل العلم، أو سمعته من أهل العلم، وقوله: فيما نرى، أو فيما أرى والله أعلم، وعلى مذهب من لقيته، وحتى وقع الحق، وهو شيء استحسنته من قول العلماء، ومالك عن رَجل، ومالك عن الثقة عنده، وما جاء في جواز كذا، وما جاء في تحريم كذا، ونحو ذلك.

стр. 360

وتحدث الشيخ ابن عاشور في مقدمة كشف المغطّى عن أسانيد مالك العالية وطرقها. فهو يروي عن عدد كبير من الصحابة، منهم ابن عمر وأنس بن مالك وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله وأبو شريح الكعبي وأبو سعيد الخدري وعمر بن أبي سلمة. وأخذ الموطأ من أصحاب الإمام عنه ألف وثلاثمائة راوٍ، رتبهم عياض في كتاب المدارك على حروف المعجم. ومن الموطآت الشهيرة المعروفة: موطأ يحيى بن يحيى الليثي وهو أشهرها وأوعبها، وموطأ مطرف، وموطأ يحيى بن بكير، وموطآت أخرى كثيرة تنسب إلى أبي مصعب، ومحمد بن عبد الله، وابن القاسم، وابن وهب، والقعنبي، ومحمد بن الحسن، ومعن بن عيسى بن دينار، وعبد الله بن يوسف، وعبد الله الزبيري، وسويد بن سعيد، وعلي بن زياد، والزهري، وأحمد بن إسماعيل السهمي، وابن أبي ذئب. وختم الإمام الأكبر هذه الدراسة ببحث لغوي يفسّر به وجه تسميته بالصحيح. وعني بهذا الكتاب، الأول من كتب الصحاح، عدد من الأئمة والفقهاء والمحدثين، فوضعوا عليه شروحاً كثيرة وتفاسير جيدة. وأحصى العلماء عدد ما ورد فيه من أحاديث بلغ بها الأبهري ١٧٢٠ حديثاً: ٦٠٠ منها من المسند المتصل، ٢٢٢ مراسيل، ٦١٣ موقوفة. وأحاديث أخرى ما بين منقطع، وبلاع، وأقوال الصحابة، وفقهاء التابعين، وما استنبطه الإمام في الفقه استناداً إلى العمل أو إلى القياس أو إلى قواعد الشريعة. ولكثرة هذه الأحاديث وتنوّعها لم يكتب عن كل واحد منها في كشف المغطّى. ولكنه كما قال: اقتنع فيه بإثبات أهمّ ما يلوح له من

стр. 361

النكت والمسائل وكشف المشاكل، أو تحقيق مبحث، أو فصل نزاع، أو بيان استعمال عربي فصيح، أو مفرد غير متداول. ولا يتَّسِع الظرف لاستعراض ما تناوله كشف المغطّى من أحاديث ومسائل بلغت نحو الثلاثمائة، وأنّى لنا ذلك في مثل هذه العجالة، وإني لأكتفي بذكر أمثلة من ذلك انتزعتها من عدة كتب وأبواب من الموطأ، لنتبين من عمل شيخنا فيها المنهجَ الذي سار عليه، والطريقةَ التي اعتمدها فيه وأنواعَ الملاحظات والإفادات التي قدّمها لنا وأفادنا بها. * * * أمثلة تحدِّد منهج الإمام مالك في الموطأ: فمن أمثلة ذلك: ١ - مالك عن ابن شهاب: "أن عمر بن عبد العزيز أخّر الصلاة يوماً، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوماً وهو بالكوفة. فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري. فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ... " الحديث (١). بدأ الإمام الأكبر ببيان خصائص هذا الحديث قائلاً: هذا حديث أغرّ: فيه مراجعة فقيهين لأميرين، وفيه تلقّي تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي، ورسول عن رسول. وكان عمر بن عبد العزيز أمير المدينة، وكان المغيرة بن شعبة أمير الكوفة. ثم أشار إلى ما في هذا الحديث من بيان إجمالِ آياتِ أوقاتِ الصلوات.

стр. 362

وفيما بدا من إنكار الفقيهين، عروة بن الزبير وأبي مسعود الأنصاري، على الأميرين عمر بن عبد العزيز والمغيرة بن شعبة، تأخيرَ الصلاة ليس من أجل الغفلة عنها إلى خروج الوقت، وإنّما للتأخّر بها عن أول الوقت. فالسلف كانوا يخشون تعيّنه لإيقاع الصلاة، وأن في التأخّر عن أول الوقت بدون عذر إثماً. ذاك كان دأبهم في المحافظة على السنة. فكانوا يرون أن وقت أول الواجب الموسع هو أول الوقت، وأن ما بعده قضاء سدّ مسدّ الأداء. وهذا خلاف رأي الجمهور الذي يعتبر جميع وقت الواجب الموسع محلاً للأداء. وهذا الحديث مما رواه البخاري عن عبد الله بن سلمة عن مالك (١). ومحل الاحتجاج فيه لمقالة السلف: أن جبريل نزل فصلّى عند الوقت أي في بدايته، وصلّى الرسول ﷺ بصلاته. وهكذا عقبت الصلاةُ النزولَ بلا تريث، وفيه الإشعار بوجوب المبادرة إلى الصلاة. ويقابل هذا الرأي قول الفقهاء: أوقات الصلاة ذات مبادىء ونهايات، وأن الأمر إنما جاء لتأكيد الأداء في أول الوقت، أو هو أمر لغير ذي العذر بالمبادرة إلى الصلاة. وفي هذا سعة، والشريعة لا يفارقها التيسير. وقد اشتمل هذا التعليق على ملحظ لطيف دلّ على أهمية الصلاة وشرفها: يظهر الأول في صلاة جبريل الأوقات الخمسة برسول الله، تبليغاً عملياً لأوصافها وكمال أدائها. ويظهر الثاني في فرض الله الصلاة بحضرة الملائكة في الإسراء، وبيان حقيقتها وصور القيام بها عن طريق نزول الروح الأمين جبريل ﵇ بها (٢). * * *

стр. 363

٢ - مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "استقيموا ولن تُحصوا، واعملوا وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (١). أورد الشيخ ﵀ هنا الجزء الأول من الحديث. فنوّه بإيجاز لفظه واتساع دلالته، جاعلاً إيّاه من جوامع الكلم. ووقف عند كلمتي: الاستقامة والإحصاء؛ شارحاً معنييهما، ذاكراً دلالتيهما الحقيقية والمجازية. فالاستقامة على الحقيقة مشتقة من القَوام أي الاعتدال وعدم الاعوجاج. قال سحيم: وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرتُ كعوبَها أو تستقيما وهي "مجاز" بمعنى حُسن العمل. وقول: ولن تحصوا، من الإحصاء. وهو معرفة كامل العدد. وهو هنا بمعنى: ولن تحيطوا بكمال الاستقامة. وقد ذكر على دلالة هذا اللفظ شواهد من القرآن. ومجازُ: ولن تحصوا، العجزُ عن العمل. وفي آخر التعليق بعد شرح الكلمتين السابقتين في الحديث، يذكر أن الواو في "ولن تحصوا" هي واو الحال. والمعنى: استقيموا وإنكم لن تحصوا غاية الاستقامة. فالكلام مسوق مساق الإغراء بالعمل على حدّ قولك: افعل كذا ولا تقدر، أو قولك: ولا أظنّك تفعل (٢). * * * ٣ - "أن رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث معادن القبلية. وهي من ناحية الفُرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها - إلى اليوم - إلا الزكاة" (٣).

стр. 364

توقّف المؤلّف عند كلمة "قطع له" في هذا الحديث بمعنى أعطاه، ووجد أن من اللغويين مَن لا يقبل هذا الاستعمال في هذا الغرض، وأن الموجود (أَقْطَعَ) الرباعي متعدّياً بنفسه، ولم يذكروا (قَطَع له). وذكر أن الكلمة هنا واردة بصيغة الماضي الثلاثي ومعداة باللام فَعَل - لـ. وقال: وهي بلفظ المضارع الثلاثي أيضاً كما في حديث الصحيحين: "إن رسول الله ﷺ أراد أن يقطع للأنصار من البحرين فقالوا: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين" (١). وللجمع بين مقالة اللغويين وما ورد في نصوص السنة من ذلك، ما نقله عن عياض في المشارق من قوله: أصله من القطع، كأنه قطعه له من جملة المال. وصحّح الإمام هذا الاستعمال بجريانه على القياس في اللغة (٢). * * * ٤ - عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطاب أنه قال: "سألت عبد الله بن عمر عن الحيتان يقتل بعضها بعضاً، أو تموتُ صَرَداً" (٣). تعرّض المؤلّف هنا في تعليقه على هذا الحديث إلى التعريف بأحد رجال الإسناد فيه، وإلى تفسير كلمة لغوية. فالأول قوله: سعد بن نوفل الجاري، ينسب إلى الجار، اسم مرفأ بالمدينة قديم، استعمله عمر عليه. وهذا الراوي ذكره الحموي

стр. 365

في الجار في معجم البلدان، ولم يرد ذكره لا في تهذيب التهذيب لابن حجر، ولا في إسعاف المبطّأ للسيوطي، ولا في الكاشف للذهبي. وذكر الحموي: أن سعد الجاري هذا مختلف في حديثه، وأن له ولدين هما عبد الرحمن وعمر، وكلاهما من المحدثين. والثاني تحرير جملة "أو تموتُ صَرَداً". الصّرَد بالتحريك شدة البرد، وهو منصوب على نزع الخافض. قال النابغة: فارتاع من صوت كلاب، فبات له ... طوعَ الشوامت من خوف ومن صَرَدِ (١) * * * ٥ - عن أبي الزبير المكي: "أن رجلاً خطب إلى رجل أختَه. فذكر أنها قد كانت أحدثت. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فضربه، أو كاد يضربُه. ثم قال: مالك وللخبر؟ " (٢). هذا الخبر يعرض علينا تصرّفين متقابلين: أحدهما تصرف رجل يشهّر بأخته لدى خاطبها، صوناً له من الارتباط بما يكره والوقوع فيما يحذر، معتبراً ذلك من الخلال الكريمة التي يأمر بها الشرع، وثانيهما التصرّف المقابل له تصرّف عمر بن الخطاب، الوقّاف عند أحكام الشرع الذي غَضب على الأول أشدّ الغضب وضربه أو كاد أو عزم على ضربه تأديباً له لتصرّفه تصرّفاً غير شرعي بما قام به. ولتحرير الوجه الفقهي في هذه القضية يلفت المؤلف النظر إلى زجر رسول الله ﷺ رجلاً أخبر بزنى رجل مسلم. فقال: هلا سترته بردائك؟ ويقتضي هذا بدون شك تحقيق مقصد شرعي سامٍ، يتمثّل في ستر المسلم فيما زلّ فيه من المعاصي ما لم يُخش من ذلك ضرر

стр. 366

على الأمة. قال ﷺ : "فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة". ومن هذا التقرير تتضح لنا عناية المؤلف بالمقاصد الشرعية، واهتمامه بها، وترتيبه الأحكام عليها. فالستر على المسلم فيه مصالح كثيرة تجلب منفعة أو تدرأ ضرراً. فممَّا تجلبه من المصالح: إبعاد المقترف للذنب عن استخفاف الناس به وكراهيتهم له. وأن من حَصَلت منه المعصية على وجه الفلتة إذا ستر أمره بقي له من وقاية مروءته ما يصدّه عن معاودة الوقوع في ذلك الإثم. ومن المفاسد التي يدرؤها الأخذ باعتبار مصلحة الستر على المسلم فيما حصل منه واجباً بل محمدة، إن في التسميع بالمعاصي مظنّة قصد التشويه به بالذنب، وأنه بإشاعة المعاصي يسهل أمرها على متجنّيها. وهو مما جاء التحذير منه، والتهديد عليه في الذكر الحكيم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١)، كما أن التشهير يحدث عداوة بين المشهِّر والمشهَّر به. وهذا ينافي مقصد الإسلام من دوام الألفة والمحبة بين المسلمين. ويساير الإمام نصّ الحديث، فيذكر أن ما حصل من الأول من سوء التصرّف كان ممّا لا منفعة فيه للخاطب، وأنّه بسبب ذنب مضى، وليس هو عيباً بالخلقة كعيوب الأبدان والأخلاق، مِن مرض أو جنون أو حماقة، يجب الإعلام به لتجنيب الخاطب الغرر، على أن النصيحة لا تكون من ولي المرأة، فإن في مثل هذه مضاعفة لسوء التصرّف الذي يشير إليه الفقعسي الحماسي: رأيت مواليَّ الأُلَى يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلَّب

стр. 367

ومن أجل التبغيض في مثل هذه الفعلة ورد بآخر الحديث الاستفهام الإنكاري من الخليفة الراشد عمر: مالك وللخبر؟ (١). * * * ٦ - قال عمر: "فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله" ووقع فيه: "وإما أن تَرفَع من سُوقنا" (٢). وفي التعليق على هذين الحديثين بيان للأول: أي كيف شاء الله له، بمعنى كيفما تيسّر له. وتصحيح للثاني أساسه ضبط صيغة الحديث الثاني: أن تَرفَع من سوقنا، بفتح التاء الفوقية والفاء من نفس الكلمة. قال الشيخ ابن عاشور: ولا يصحّ ضم الفوقية، لأن حاطباً لم يكن ملازماً للسوق. وأيّد هذا بأن هذه هي الرواية التي وقف عليها في نسختين صحيحتين. وأكّد هذا بما وقع في قصّة حاطب من قول عمر له: وإلا فارفع من سوقنا. وهي الرواية المنقولة عن عيسى بن دينار، نقلها عنه ابن أبي الخصال. قال: كان حاطب يبيع من زبيبه بأقل ممّا يبيعه به أهل السوق. فقال له عمر: إمّا أن تبيع كما يبيع الناس، وإلا فارفع من سوقنا. ومن رواية أخرى قال عمر: حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً. وهم إذا وضعوا بجنبك اعتبروا بسعرك، فإمّا أن تَرفَع في السعر، وإمّا أن تُدخل زبيبك البيتَ فتبيعه كيف شئت. وتمام هذه الرواية أن عمر بن الخطاب أتى حاطباً في داره. فقال: إن الذي قلت لك ليس بعزيمة ولا قضاء، إنّما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد. فبع كيف شئت (٣). * * *

стр. 368

٧ - بلغ مالكاً أن رسول الله ﷺ : "نهى عن بيع وسلف". قال مالك: ولا بأس أن يشتري الثوب من الكتان أو الشطوي أو القصبي بالأثواب (١). التعليق هنا لا يتصل بنوع الحديث ولا بمتنه، وإنما هو منصبٌّ على الجملة من تفسير مالك التي أوردها إثره. أجرى المؤلف أولاً مقارنة بين رواية يحيى وبين رواية ابن وضاح في نقل كلام مالك. فاقتران الشطوي بلفظ "أو" أو بحرف العطف "و" ثابت في رواية يحيى، غير وارد عند ابن وضّاح. وعند ابن عبد البرّ في الحاشية "الواو" خطأ لم تقع لغير يحيى. ويرى الإمام الأكبر أن الشطوي وما عطف عليه أصناف من الكتان، فلا وجه لعطف أولها على الكتان بأو ولا بالواو لأن الكتان نوعها. أما بقية الأصناف المذكورة بعد فإثبات "أو" فيها متعين. ثم أضاف ﵀، إلى ما ذكر من أنواع الكتان، القوهيَّ نسبة إلى قُوهستان بلد بكرمان، وأصله كوه ستان. فكوه جبل، وستان المكان، بمعنى بلد الجبال. والقُوهي ثوب أبيض ينسج بقوهستان. ورد في شعر نُصَيْب: سُوِّدْتُ فلم أملك سوادي، وتحته ... قميص من القوهي بيض بنائقه (٢) * * * ٨ - عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل

стр. 369

واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيعَ الخيار". قال مالك: وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به (١). موقف معلن فيه عن رفض العمل بهذا الحديث المروي عن ابن عمر وابن حزام، من طرف الإمام مالك. لذا أعقبه ﵀ بقوله في موطئه: ليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به. وقد سبق لنا الحديث عن هذه المسألة في بداية فصل احتياج الفقيه إلى معرفة المقاصد الشرعية (٢). وأشار ﵀ إلى وقوع الخلاف في هذه المسألة بين الفقهاء كما فصّل فيها القول ابن العربي في القبس (٣). والمهمّ الذي نبّه إليه الشيخ ﵀ في كتابه: أنه لم يجد فيمن عَمَد إلى تحرير المذهب من قام ببيان المراد من قول الإمام مالك: ليس لهذا عندنا حد محدود ... إلا كلمة لابن العربي، قال: هي إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط الخيار ومدة مجهولة لبطل إجماعاً. وكيف يثبت حكم بالشرع بما لا يجوز شرطاً في الشرع. وهذا شيء لا يتفطّن إليه إلا مثل مالك. قال الشيخ ابن عاشور: وجد الإمام محمَل الحديث غير بيّن، لأن المجلس لا ينضبط. وشأن التشريع في الحقوق أن يكون مضبوطاً، لتتمكن للمتعاملين المطالبة بالحقوق، ويتيسر للقضاة فصل القضاء. ويضيف بعد هذا: إن الحديث من غير ضبط يجعله مانعاً من الاستفادة منه، لكونه مجملاً لم يصحبه ما يبيّنه، ولا أمر معمول به، كما قال مالك.

стр. 370

ويختم تقريره هذا بقوله: إن الأدلة المجملة لا تكون أدلة تفقّه، فيجب التوقّف والرجوع إلى القواعد الشرعية، إذ الأصل في البيوع الانضباط وطرح الغرر (١). * * * ٩ - عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب كان يأكل خبزاً بسمن. فدعا رجلاً من أهل البادية فجعل يأكل ويتّبع باللقمة وضَر الصحفة. فقال عمر: كأنك مقفر! فقال: والله ما أكلت سمناً ولا لُكْتُ أكلاً به منذ كذا وكذا. فقال عمر: لا آكل السمن حتى يَحيا الناسُ من أول ما يَحْيَوْن (٢). ويحتاج هذا الحديث إلى تحقيق روايته، وبيان وجوهها في الجزأين. وهذا ما عُني به صاحب الكشف ضابطاً ومقارناً: وَرَد الجزء الأول منه في المشهور من الروايات بلفظ: ولا رأيت آكلاً به، وبذلك يكون مناسباً لرواية الجزء الثاني بصيغة: لا آكل السمن حتى يَحيَا الناس. والرواية الثانية: ولا رأيت أُكْلاً به، بضم همزة أُكْل، بمعنى: ولا رأيت طبيخاً بالسمن. وهي دون الرواية الأولى. والرواية الثالثة - وهي الأخيرة في الرتبة -: ولا لُكْتُ أكلاً به، يعني أنه ما أكل سمناً محضاً، ولا مضغ طعاماً مأدوماً بالسمن. وورد الجزء الثاني من الحديث بصيغة قول عمر: لا آكل

стр. 371

السمن حتى يُحيا الناس من أول ما يُحيون. وفيه روايات ثلاثة أيضاً: الأولى: بضم الياء الأولى في الفعلين، وبكسر الثانية في (يُحيِي) وضمها في (يُحْيُون): حتى يُحيِي الناس من أوّل ما يُحيُون. الثانية: بفتح الياء الأولى والياء الثانية في الفعلين: حتى يَحيَا الناس من أول ما يَحيَون. وبالضبط الأول وردت في أصل ابن أبي الخصال، وكذا عند الطلمنكي وعند أبي علي الصدفي. الثالثة: بضم الياء الأولى في الفعلين وفتح الياء الثانية فيهما: حتى يُحيَى الناس من أول ما يُحيَونَ. هكذا ضبطها أبو عمر بن عبد البر، وأبو الوليد الوقشي. واختار الوقشي في الفعل الأول (يُحيِي) بضم الياء الأولى وكسر الثانية فاختار في الفعل الوجه الأول. ويتقرر ببيان ما ذكر هنا من الأوجه: أن يكون مِنْ (أحيا) يقال: أحيا القومُ إذا حَيِيَتْ ماشيتُهم أو صاروا في الحيا، أي الخصب. كذا في القاموس. أي مشتقاً من الحَيى بالقصر وهو المطر. وقال ابن السيد البطليوسي: أحيا الناس يُحيُون، إذا حييت أموالهم وأخصبوا، على حدِّ قولهم: أَهْزَلَ الناسُ، فهم مُهزِلون إذا أجدبوا فهزلت أموالهم. ونبّه الشيخ ﵀ على أن هذا الوجه هو الذي رجّحه أكثر الرواة للموطأ وهو الأظهر عربيّة. ويكون من حَيِيَ الناس إذا صاروا أحياء، بمعنى رجعوا إلى

стр. 372

حالة الشِّبع، على تشبيه الجدب والجوع بالموت، وتشبيه الشبع والخصب بالحياة على نحو قوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. قال ابن السيد في شرح مشكل الموطأ: والفقهاء يروونه يَحيا ويَحيَون بفتح الياءين في الفعلين. وهذا الوجه دون الأول. أو يكون يُحيَى ويُحيَون، بضم الياءَيْن الأولين في الفعلين، وفتح الثانيتين فيهما على أنه مبني للمجهول. وهذا أضعف الوجوه (١). * * * ١٠ - عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة". فقال رجل: يا رسول الله لا تخبرنا؟ فسكت رسول الله ﷺ . ثم عاد رسول الله ﷺ فقال مثل مقالته الأولى. فقال له رجل: لا تخبرنا يا رسول الله. فسكت رسول الله ﷺ . ثم قال رسول الله ﷺ مثل ذلك أيضاً. فقال الرجل: لا تخبرنا يا رسول الله. ثم قال رسول الله ﷺ مثل ذلك أيضاً. ثم ذهب الرجل يقول مثل مقالته الأولى. فأسكته رجل إلى جنبه. فقال رسول الله ﷺ : "من وقاه الله شرّ اثنتين دخل الجنة: ما بين لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه وما بين رجليه" (٢). هذا الحديث من باب تقديم العلم وعرضه، أو من باب النّصيحة، أو من باب التبشير والترغيب، والظاهرة التي يتجلّى فيها هذا الخبر أنه لم يكن حديثاً يروى فحسب، أو كلاماً ينقل، ولكنه

стр. 373

حوار وتجاوب بين الرسول ﷺ وصحابته، وحِرْصٌ من النبى ﷺ على الإبلاغ، ومن أهل مجلسه على التحمّل. وتعمُّق الإمام الأكبر في بيان وجوه معانيه وأسراره متولدٌ بدون شك من وقوفه على الروايتين الواردتين فيه. فيحيى بن يحيى الليثي وابن القاسم روياه بلفظ: "لا تخبرنا"، بصيغة النهي. ورواه عبد الله بن مسلمة القعنبي بلفظ "ألا" التي للعرض. وقال: ألا تخبرنا، بزيادة الهمزة على "لا" في الرواية الأولى. ويترتب على هذا الاختلاف في الرواية اختلاف في المعنى، وحصول تأويلات لضبط دلالته، وسبب داع إلى الترجيح بين الروايتين المختلفتين أو الجمع بينهما، وهذا الاهتمام بلفظ الحديث ومتنه يكشف عن إرادة قوية وعزم شديد على تتبّع الآثار النبويّة، ودقّة فهمها، وجودة تقديمها، وضرب المثل في حُسن الدراية. يقول الشيخ ابن عاشور: ففي رواية يحيى وابن القاسم أشكل على الشارِحين موقع لفظ "لا تخبرنا" في الرواية الأولى، فتأوّله المتأوّلون. وذهب الباجي في المنتقى إلى أن الرجل أراد أن تتسابق أفهام الحاضرين، اجتهاداً منهم، إلى تعيين هذين الاثنين. وهذا أقرب ما ورد من التآويل. وليس في حكاية الراوي ما يؤذن بأن رسول الله ﷺ أراد اختبارَ فهمِ أصحابه، فيكون لفظ "لا تخبرنا" ما اقتضاه الكلام، ولأن الخبر متعلق بأمر الآخرة، وهو مما لا مجال للعقول في تعيينه. وفي رواية القعنبي: "ألا تخبرنا" وهى أقرب الروايات. فهي تقتضي أن رسول الله ﷺ قال ذلك وسكت قليلاً أو اشتغل بشيء. فقال ذلك أربع مرات.

стр. 374

وترجِّح روايةَ القعنبي خمسة أمور: أولها: أن من شأن أهل مجلس رسول الله ﷺ الحرصَ على الاستفادة. واحتمال - كون المراد اختبار تنبّههم - لم يحك الراوي ما يقتضيه. ثانيها: أن المقام مقام تبشير وترغيب. فلا يظنّ أنّ الرجل قال: "لا تخبرنا" بسبب ما تأوّله ابن حبيب فيما حكاه الزرقاني عن الباجي عنه. ثالثها: أن السكوت من رسول الله ﷺ في كلّ مرّة كان بقصد التشويق للخبر. رابعها: أن سكوت بقية الحاضرين عن الرجل بينهم في مراجعته دليل على أن هذا الرجل كان سائلاً عمّا فيه رغبة جميعهم. خامسها: أن رجلاً بجنب السائل أسكته خشية أن يكون فيما يفعله إلحاح لا يتناسب ووقت اختيار الرسول الإعلام بذلك. أما وجه الجمع بين الروايتين فيكون بسبب تحديث الراوي بقول أحد الحضور في المجلس، فحدّث الراوي بقول هذا مرّة، وبقول الآخر مرّة أخرى، فتكون كلتا الروايتين مما حدّث به مالك أو زيد بن أسلم أو عطاء (١). الكتاب الثاني: النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح . هذا الكتاب هو صنو كشف المغطّى في نوعه ونهجه ومادته

стр. 375

ومسائله. ولئن كان الكشف تعليقات وإفادات بعد مراجعات وتحقيقات لموطأ الإمام مالك، فإن الثاني مثله تعليقات وإفادات هي نتيجة لمراجعات وتحقيقات قام بها المؤلف في كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري. وهذان الكتابان، الموطأ والجامع الصحيح، أكثر كتب السنة انتشاراً، وخاصة في البلاد المغربية بين الشيوخ والطلاب بجامع الزيتونة، وبين الفقهاء والمتعلمين بجامع القرويين. والأول منهما فيه، مع ما دوّن به من أحاديث صحيحة: فقهٌ وأحكام وفتاوى. فهو الأصل الذي تخرّج عليه المالكية في مختلف الديار، بجانب ما يروونه من مسائل تضمّنتها المدوّنة المروية عن ابن القاسم عن الإمام مالك. والثاني: هو أهم كتب الصحاح، وأولها بين المحدّثين تكوّنت به كما تكوّنت بنظيره مدرسة علمية معروفة المعالم، ملموسة النتائج. وفي تمهيده أو خطبته بعد حمد الله مستحِق الحمد ووليَّه، جماعُ ما أراد المؤلف الإشارة إليه بطريقة موجزة وملهمة. وتلك هي خاصية الكتابين. عرّف الإمام فيها بصحيح البخاري مشيداً ومنوّهاً، واصفاً عناية علماء المسلمين به بقوله: "وقد انصرفَتْ عناية علمائنا إلى إيضاح معانيه، ومتابعة أغراضه، انصرافاً لا يعرف له نظير فيما صرفوا إليه الهمة من غيره حتى أغنوا الناظر، وشرحوا الخاطر، وعقدوا للعلم الأواصر. ولم يكن ما وضعه الإمام الأكبر بتأليفه هذا بقصد المسابقة أو المعارضة للشراح المتقدّمين، ولكنها آراء تخطر وملاحظات تظهر، وهو ماضٍ في رواية الصحيح، فتستوقف طَرَف الطَّرْف، وتستحث بياناً لذلك الحرف.

стр. 376

فرأى صاحب التعليق تدوين ما حضره من خواطر بلمحات تدل الأريب، ولا يحار في توسّعها الرأي المصيب، تفادياً من التطويل، وإبقاء على الناظر صاحب الرأي الأصيل. وكانت طريقته في النظر الفسيح اجتناب تكرار التعاليق التي دوّنها في كشفه، ووضع الأحاديث والتعليقات مواضعها فيما تكرر وروده من ذلك في كتاب الجامع. فهو يتولّى الحديث بالشرح والتحرير في الباب الذي تتضمَّنُ معناه ترجمتُه، أو فيما هو مَظِنة لذكره فيه. ولا ينسى في آخر ديباجة الكتاب تقدير ما وقف عليه من الفوائد في كتاب المشارق لعياض وتضمين قدر منها في تقريراته. ثم هو بحكم تتبعه لكتب الجامع وأبوابه يجري على نسقه ولا يخالف ترتيبه. ويذكر ما يعنّ له من المسائل في محالها منه. وإذا كانت جملة أحاديث البخاري قد بلغت نحواً من ٢٧٦١ من الأحاديث الموصولة من غير المكررات والشواهد، فإن النظر الفسيح قد توقّف فيه المؤلف عند ستة وعشرين وأربعمائة موضع. اخترنا منها، للتعرّف على إفادته وتحريراته وضبطه وتقريراته، عشرة مواضع اعتبرناها كفيلة بتصوير طريقته. وقد وردت هذه المسائل في أحاديث عرضت فيها أو دلت عليها الموضوعات التي أراد الشيخ الوقوف عندها: * الأول: المقدمة التي وضعها المؤلف بين يدي كتاب التفسير. * الثاني: من كتاب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ . * الثالث: من باب كتابة الإمام للناس من كتاب الجهاد والسير.

стр. 377

* الرابع: هي أحاديث باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلَّفة قلوبهم. * الخامس: حديث باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة. * السادس: الحجر. * السابع: باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. * الثامن: حديث عائشة في باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها. * التاسع: حديث أفضل الذِّكر. * العاشر: فيما يكره من كثرة السؤال. * * * الأول: مقدمة كتاب التفسير في البخاري وما ذكره المؤلف في بداية كتاب التفسير ليس تعليقاً أو بياناً، أو تحديد رواية أو مقارنة بين وجوه رواية، لذا أكتفِي بالإشارة إلى أن المؤلف أراد لشرف الموضوع أن يحدّد طريقةَ البخاري واصطلاحاتِه ومصادرَه وبعضَ روايات القراء لبعض الآي إرشاداً للقارىء وتنبيهاً للناظر. ونصُّ ما أورده في هذا المقام: اصطلح البخاري ﵀ في كتاب التفسير على أن يخرج في تفسير كل سورة ما صحّ عن النبي ﷺ والسلف من معاني بعض الآيات، أو من أحكامها، أو نسخها، أو من أسباب نزولها. وربما افتتح كل سورة بتفسير غريب كلماتِها على حسب القراءة التي كان يقرأ بها البخاري، وهي قراءة عاصم بن أبي النجود. فهو

стр. 378

لا يذكر قراءة غيره إلا قليلاً، ولا يلتزم في ترتيب كلمات القرآن مواقعها من الآي. وقد اعتمد فى تفسير غريب اللغة على أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي عبيدة معمر بن المثنى البصري اللغوي. وكل ما لم يعزُهُ فهو عن ابن عباس. ولذلك يكثر أن يقول: وقال غيره؛ من غير أن يتقدم ذكر ابن عباس. كما اعتمد في تفسير المعاني على ما يروى عن ابن عباس غالباً من رواية السدّي وعطاء وعلي بن أبي طلحة. ولم يتقصَّ القراءات، ولا ذكر الاختلاف بين القراء إلا نادراً (١). * * * الثاني: حديث عائشة ﵂ -، قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة. ومنه: قول خديجة لرسول الله ﷺ : كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق ... الحديث (٢). موضع النظر والتعليق في هذا الحديث جملة: "وتُعِين على نوائب الحق". يذكر المؤلف أنه لم يرد لها بيان شافٍ في شروح الصحيحين، وفي كتب غريب الحديث واللغة، وإنما هو بيان معنى النوائب والاقتصار عليه، دون ذكر لمعاني الحق، وللمناسب منها لهذا المقام، ومن غير التفات إلى إضافة النوائب إلى الحق أو شرح لذلك.

стр. 379

وقبل أن يتدارك الأنقَاص التي ربّما احتاج إليها القارىء لِمَتْن البخاري أو الدارس لكتاب الصحيح، ذكر أن جملة: "وتُعين على نوائب الحق" مما جرى مجرى الأمثال في كلام العرب، يدل على هذا نظمها على إيجاز بالغ شأنَ الأمثال، وذكر ورودها على لسان ابن الدَّغُنَّة في حديث عائشة، قال يخاطب أبا بكر: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج، فإنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (١). والحق هنا ضد الباطل، والمراد من النوائب المعنى الاسمي دون الوصفي. وإضافة النوائب إلى الحق من باب الإضافة المحضة. وعدّى لفظ الإعانة بعلى لإفادة الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي. واسم النوائب يشعر بحوادث انتابت وجدّت. وبعد التمثيل لها بجملة من الصور قال: والتقدير: وتعينُ صاحب الحق على تحصيل حقِّه لمن عليه في نوازل الحقّ وتحصيله عند نوائبه (٢). * * * الثالث: حديث حذيفة ﵁ -، قال النبي ﷺ : "اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس". فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل. فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة. فلقد رأيتُنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف (٣). توقَّفَ الإمام عند خمسة أغراض في هذا الحديث:

стр. 380

الغرض الأول: حصر عدد المسلمين؛ أي ما ينبغي أن تشتمل عليه القوائم. وقد أوضح ذلك بقوله: طلب النبي ﷺ من الناس أن يكتبوا له جميع المسلمين من الرجال الذين بالمدينة خاصة دون الأعراب النازلين حولها، فأخرج بذلك النساء، مستدلاً على رأيه هذا بأدلة كثيرة مقنعة. الغرض الثاني: الإشارة إلى أن المقصود عدُّ من كان من المسلمين في وقعة الخندق داخل المدينة، فإنّ جميعهم كان في الجيش يدافع عن المدينة. الغرض الثالث: الإشارة إلى هول هذه الوقعة. وما مسّ فيها المؤمنين من أهوال. قال تعالى ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١). الغرض الرابع: التنبيه على اختلاف راوييْ حديث حذيفة عن الأعمش في عدد المسلمين بالمدينة يومئذٍ. والظاهر أن سفيان عدّ جميع من تلفّظ بالإسلام، وعدّ أبو حمزة المقاتلة من المسلمين دون غيرهم. الغرض الخامس: بيان مقالة حذيفة: فلقد رأيتُنا ابتلينا، فهذا منه إشارة إلى ما كان من فتنة أهل مصر حين نزلوا المدينة في عهد عثمان ناقمين عليه. ونبّه الشيخ ﵀ إلى أن شراح الصحيح افترضوا احتمالات غير واضحة لا بأس من الرجوع إليها (٢). * * *

стр. 381

الرابع: حديث أنس ﵁ -، قال رسول الله ﷺ للأنصار: "إنكم سترون بعدي أَثَرَةً وأموراً تنكرونها". وقال عبد الله بن زيد: قال النبي ﷺ : "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" (١). اشتمل هذا الباب على ستة أحاديث، هذا أقصرها، وتعدّدت محامله بالنظر إلى طرفيه أوله وآخره. ومورده، كما يدل عليه عنوان الباب، أن الأنصار رضوا على أن أعطى رسول الله رجالاً من قريش من فيء هوازن، غير أن فريقاً من حدثانهم كرهوا ذلك، ثم تبيّنوا الحق فآبُوا إلى الله ورسوله ورضوا بما فعله. وهذا الذي أعطاه الرسول ﷺ تألفاً لقريش كان من قسمه الخاص به، وهو خُمس الخُمس، كما يرى ذلك الإمامان مالك والشافعي. ولو كان من أصل الغنيمة لاستأذن الرسول المسلمين فيما هو من ملكهم، وراجع السهم. ونفل رسول الله ﷺ رؤساء القبائل والعشائر جائز، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، وما فعله من ذلك لم يكن عبثاً ولا قدّره سدى بل هو عينُ المصلحة والحكمة والعدل والرحمة. وهذه الأثرة الأولى التي رضيها الأنصار غير طامعين من ورائها في شيء، ولكنه الإخلاص لله ورسوله ودينه، فاقتضت من الرسول أن يُوصيهم بالصبر على الدوام فيما يقضيه الله ورسوله. وقد اختُلف في الأثرة الثانية على أقوال، أظهرها أنها الخلافة آثر بها قريشاً، ووردت بذلك السنة، وادَّعاها كبار الصحابة يوم السقيفة، فلم يتردَّدوا في ذلك لكونها حقاً وليست من الباطل. فالصبر على ذلك صبر واجب، له دخل في الوفاء للدين والإخلاص لله ولرسوله.

стр. 382

وقيل: ورد الحديث إيصاء من الرسول ﷺ للأنصار بالصبر على الجور إن نزل بهم حرمانٌ من حقوقهم، وهذا صبر غير واجب. وقد ذيّل الإمام الأكبر نصَّ هذا الحديث بما نقله عن أنس من قوله: "فلم نصبر". ولعل في هذا إشارة إلى ما كان بين الأنصار ويزيد بن معاوية من نزاع كانت عاقبته وقعة الحرّة. ولم يترك المؤلف هذا الفهم بدون نقاش. فقال: إن أنساً أخذ بعموم الأمر في قوله ﷺ : "فاصبروا" على وجه الاحتياط. وهذا لا يصحّ، لكون الفعل لا عموم له، ولأن لفظ "أثرة" نكرة واردة في سياق الإثبات فلا تفيد عموماً، فالحمل على هذا حمل بعيد، ولا يعدُّ الأنصار مخالفين لما أمرهم به الرسول ﷺ . ويمضي بعد هذا مؤكَّداً لمعنى الأثرة الثانية بأن القصد منها تخصيص المهاجرين بولاية الأمر من بعده. يشهد لذلك ما ورد من زيادة في حديث أنس في باب مناقب الأنصار: "قال: دعا النبي الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرين. فقالوا: لا، إلَّا أن تُقْطِعَ لإخواننا المهاجرين مثله. قال: إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة" (١). وكان في ذلك منهم تعلق بما وصفهم به القرآن. فحرصوا على أن لا يُؤثَروا على المهاجرين بمزية. فجاء الحديث تذكيراً بمنقبتهم هذه خشية أن تحملهم الأنفة على منازعة المهاجرين فيما آثرهم الله به من ولاية الأمر بعد الرسول ﷺ (٢). * * *

стр. 383

الخامس: باب ما لقي النبي ﷺ من المشركين بمكة " ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن منصور، ني سعيد بن جبير قال: ني الحكم، عن سعيد قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى قال: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. فسألت ابن عباس فقال: لما أنزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة: فقد قَتَلنا النفس التي حرّم الله، ودعونا مع الله إلهاً آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ...﴾ الآية. فهذا لأولئك، وأما التي في النساء: الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قَتَلَ فجزاؤه جهنم خالداً فيها. فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم" (١). وتوقف الشيخ ﵀ في هذا الحديث عند نقط ثلاث: تحقيق نسبة الآية الأولى، ووجه إدراج هذا الحديث بين أحاديث الباب، وتأويل ابن عباس للآية الثانية مع ما اقتضاه ذلك من تكلف عند القول في الآية الأولى. أما أولاً: فقد سها الراوي في هذا الخبر إذ أورد فيه ذكر آيتين سأَل عنهما ابنَ عباس: الأولى من سورة الفرقان، والثانية من سورة النساء. فجعل آية الفرقان: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ (٢). وهي من سورة الإسراء لا من سورة الفرقان. وهي غير مقترنة بذكر التوبة، فليست المسؤولَ عنها، إذ لا تعارض بينها وبين آية النساء، وإنما التي هي من الفرقان فقوله سبحانه:

стр. 384

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (١). وأما ثانياً: فقول المشركين: "فقد قتَلنا" قصدوا به إفحام النبي ﷺ حتى يكفّ عن دعوتهم إلى الإسلام. وقد كانوا في الجاهلية مشركين ومجرمين بما ارتكبوا من الفواحش، وهو ما استوجب خلودهم في النار. فلا داعي إذن لدعوتهم إلى الإسلام. وبهذا يظهر إيراد هذا الخبر في هذا الباب لما يؤذن به قولهم من إيذائهم للرسول وقتلهم وتعذيبهم للمساكين، وهو ما كان يجبّه الإسلام لو أنهم آمنوا واستجابوا للداعي. وأما ثالثاً: فنقل سعيد بن جبير تأويلَ ابن عباس لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك وما معه بالدخول في الإسلام. فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عنه، استغناء عن مجموع الجمل المذكورة قبله، وأن المهم قصد التوبة من الشرك، وما ذكر من الفواحش معه إنما ورد من أجل التشويه والتقبيح، فالاستثناء على هذا للمجموع لا للجميع. وهذا التأويل بعيد لأنه ينبغي أن يَرجع إليها جميعها أي إلى مدلول كل جملة منها. فإنّ كل واحد من الأوصاف مقصود بالذم ومرفوع بالتوبة. وإنّما أوكل ابن عباس آية الفرقان بهذا الوجه لحمله آية قتل النفس من سورة النساء على ظاهرها، وجعلها أصلاً في عدم قبول توبة قاتل النفس. فألجأ ذلك إلى تأويل ما يعارضها، وهو قول شاذ، لعموم جريانه على إجماع المسلمين في قبول التوبة في سائر

стр. 385

المعاصي. وقد أنكر هذا التأويل مجاهد حين تتبع تفسير آية النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١) بأن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالداً فيها، فقال معقباً عليه: إلا من ندم (٢). * * * السادس: ١ - ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "لمّا مرّ النبي ﷺ بالحِجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين. ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي" (٣). ٢ - ثنا ابن بكير، عن مالك، عن عبد الله بن عمر، عن عمر: "أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب الحِجر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم (المعذَّبين) إلا أن تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (٤). ٣ - ثنا محمد، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن أبيه: "أن النبي ﷺ لما مرّ بالحِجر: قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنَّع بردائه وهو على الرحل" (٥). ٤ - ثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا معن، ني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب

стр. 386

الحِجر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (١). جمع المؤلف، في تعليقه على حديث باب نزول النبي ﷺ الحجر، جملة من روايات الحديث، رتبها على فقرتين: الفقرة الأولى: تتناول روايةَ عبد الرزاق ورواية يحيى بن بكير، ورواية عبد الله بن المبارك. والفقرة الثانية: مقصورة على رواية واحدة له هي رواية معن. وتعرض الشيخ ﵀ في الفقرة الأولى إلى ثلاث مسائل، الأولى ما يلاحظ في الروايات الثلاث من تقديم وتأخير لبعض ألفاظه على بعض، والثانية في تحرير القول في معنى النهي عن دخول الحجر ووجهه، الثالثة تأويل آخر للحديث. المسألة الأولى: في بيان موقع "باكين" في رواية عبد الرزاق لحديث الباب. قال: "أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين". والظاهر أن جملة "أن يصيبكم" مقدمة من تأخير وذلك للاهتمام، وأن محلَّها التأخير عن باكين لأن "أن يصيبكم" متعلق بباكين، والمتعلق به مقدم. وتشهد لهذا الروايات الثلاثُ الأخرى للحديث. ففي رواية يحيى بن بُكير وردت الجملة على هذا النحو: "إلا أن تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم" وفي رواية ابن المبارك: "إلا أن تكونوا باكين يصيبكم"، وكذلك في رواية معن: "إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم".

стр. 387

المسألة الثانية: إن النهي عن دخول مساكن الذين ظلموا ليس على إطلاقه. والحالة التي يجوز فيها الدخول هي حالة الاتعاظ والاعتبار والبكاء، والشعور بالضراعة والخشوع، كما يدل على هذا قوله جل وعلا: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١). فإن كانت هذه هي الحالة المطلوبة عند دخول الحجر أو نحوه من مساكن المعذَّبين الذين ظَلَموا، فهي تقتضي عدم جواز الدخول لمن كان هازئاً أو آسفاً على أهل تلك المساكن. وهذا من عادات الجاهلية، يشهد له قول ابن سوادة: وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تَزيَّنُ بالسَّنام وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام (٢) المسألة الثالثة: أن يكون معنى قوله في الحديث: أن يصيبكم؛ تعليقاً للنهي عن دخول الديار ويكون "إلا أن تكونوا باكين" استثناء لحالة الترخيص في الدخول. وخصَّ المؤلف الفقرة الثانية من تعليقه بذكر رواية معن للحديث، والإشارة إلى ما تميّزت به في نظمها من تقديم وتأخير يظهر بينها وبين بقية الروايات. والأصل أن مجرد الدخول لتلك الديار لا يصاب فاعلوه بما أصاب أهليها من العذاب، لأنّهم لم يرتكبوا ما ارتكبه الظالمون من الجرم. ورواية معن أَبينُ وأخفُّ من رواية سالم عن ابن عمر. والحديث ينظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) وهذا من غضب الله عليهم إذ قدر أن تكون

стр. 388

ديارهم خراباً. و"إلا قليلاً" أي قليلاً من السكنى. وذلك ما كان يفعله المربي الصالح العالم الفقيه الشيخ محرز بن خلف الصديقي (١) حين ينزل بأطلال قرطاجنة للموعظة. يشهد لهذا شعره في هذا الغرض: مررت بِرَبْع بالسراب تلفّعا ... وطود جلال بالخطوب تصدّعا فقلت وقد أجرت جفوني أدمعا ... خليلي مرّا بالمدينة واسمعا مدينة قرطاجَنَّة ثم ودّعا ومما اشتملت عليه الفقرة الثانية من التعليق، ذكر ارتباط "أن يصيبكم" بـ "باكين" والتنبيه على أن هذا الحديث غير موجود في موطأ الليثي. وأن التقنّع كان من الرسول ﷺ لكمال كراهيته آثار الظالمين. فهو يأبى أن يراها، ولذلك لم يأمر به. وختم المؤلف هذه الإفادات بالإشارة إلى حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهاهم عن الشرب من آبار الحجر عدا البئر التي شربت منها ناقة صالح. وهو ما سبق لهم الحديث عنه عند تعليقه على باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٢). * * * السابع: عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٣) قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختفٍ بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ

стр. 389

بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١). هذا الخبر ليس مروياً عن النبي ﷺ ، ولكنه بيان من ابن عباس ﵄ للآية. وقد اشتمل عليه التعليق كما في الحديث السادس السابق، وجعله المؤلف فقرتين أيضاً. الأولى: في النهي عن سبّ المشركين لتجنيبهم سبّ القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فإنهم كفروا بما هو أشد وأقطع من قول وفعل، ولكن لما في النهي من سدّ لذريعة السبّ، فلا يزدادون كفراً ولا يزدادون قسوة في قلوبهم ولا نفوراً عن الإسلام. فإن ذلك يتعارض مع أصل الدعوة والرسالة، لأن النبي ﷺ بعث مرغباً لا منفّراً. وينظر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ...﴾ إلى قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢). وبالرغم من كون سبّ آلهتهم قربة، نهى الله رسوله عنها لأنّها ذريعة لازدياد كفرهم وتصلّبهم فيه. وفي بيان معنى الاختفاء بمكة يريد به على وجه الاستعارة: الانزواء والاستضعاف، إذ ليس المقصود منه الاختفاء الحقيقي لمنافاته لقوله: فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته. والثانية: نقل لما ورد ببعض النسخ الأم من التعليق بما نصه: قال الفربري: قال محمد بن عياش: هُشيم صاحب تدليس. وفي أخرى قال محمد بن عباس: وابن عياش هذا غير معروف لديَّ. وهو لا محالة أحد أصحاب البخاري المتقدمين على الفربري ومن جاء بعده (٣). * * *

стр. 390

الثامن: حديث عائشة ﵂ -، قالت: "جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل مسيك. فهل عليّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: لا، إلا بالمعروف" (١). نبّه المؤلف أن في بعض روايات الحديث: "أن أطعم مِن الذي له عيالنا بدون إذنه". بدأ الشيخ ﵀ ببيان ألفاظ الحديث. "قال: لا": أي لا تطعمني، بدليل قوله: "إلا بالمعروف". وفسّر المعروف في هذا الحديث بقوله: ما يحمله مثل أبي سفيان من الإنفاق على مثل عياله. والحكم: جواز إنفاق المرأة من مال زوجها عند غيابه على عيالها بالمعروف. ووجهه: ١ - أن الإنفاق بالمعروف واجب عليه لعياله، فليس له حق منعهم منه. ٢ - أن أبا سفيان لشدّة شحه، لو توقّفوا على إذنه لما أذنهم. ٣ - أنه لو شكوه للرسول في كل حاجة لشق ذلك عليهم، ولحدث بسببه بينه وبينهم شنآن. ومقتضى الحكم ولازمه أن ما تجاوز المعروف من الإنفاق لا حق لها ولا لعياله فيه، إلا برضا صاحبه. ويتبيّن مما قضى به الرسول ﷺ أنه أقام المرأة في هذه الحال
следующие страницы →