الحِجر: لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" (١).
جمع المؤلف، في تعليقه على حديث باب نزول النبي ﷺ الحجر، جملة من روايات الحديث، رتبها على فقرتين:
الفقرة الأولى: تتناول روايةَ عبد الرزاق ورواية يحيى بن بكير، ورواية عبد الله بن المبارك.
والفقرة الثانية: مقصورة على رواية واحدة له هي رواية معن.
وتعرض الشيخ ﵀ في الفقرة الأولى إلى ثلاث مسائل، الأولى ما يلاحظ في الروايات الثلاث من تقديم وتأخير لبعض ألفاظه على بعض، والثانية في تحرير القول في معنى النهي عن دخول الحجر ووجهه، الثالثة تأويل آخر للحديث.
المسألة الأولى: في بيان موقع "باكين" في رواية عبد الرزاق لحديث الباب. قال: "أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين". والظاهر أن جملة "أن يصيبكم" مقدمة من تأخير وذلك للاهتمام، وأن محلَّها التأخير عن باكين لأن "أن يصيبكم" متعلق بباكين، والمتعلق به مقدم. وتشهد لهذا الروايات الثلاثُ الأخرى للحديث. ففي رواية يحيى بن بُكير وردت الجملة على هذا النحو: "إلا أن تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم" وفي رواية ابن المبارك: "إلا أن تكونوا باكين يصيبكم"، وكذلك في رواية معن: "إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم".
стр. 387
المسألة الثانية: إن النهي عن دخول مساكن الذين ظلموا ليس على إطلاقه. والحالة التي يجوز فيها الدخول هي حالة الاتعاظ والاعتبار والبكاء، والشعور بالضراعة والخشوع، كما يدل على هذا قوله جل وعلا: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١). فإن كانت هذه هي الحالة المطلوبة عند دخول الحجر أو نحوه من مساكن المعذَّبين الذين ظَلَموا، فهي تقتضي عدم جواز الدخول لمن كان هازئاً أو آسفاً على أهل تلك المساكن. وهذا من عادات الجاهلية، يشهد له قول ابن سوادة:
وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تَزيَّنُ بالسَّنام
وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام (٢)
المسألة الثالثة: أن يكون معنى قوله في الحديث: أن يصيبكم؛ تعليقاً للنهي عن دخول الديار ويكون "إلا أن تكونوا باكين" استثناء لحالة الترخيص في الدخول.
وخصَّ المؤلف الفقرة الثانية من تعليقه بذكر رواية معن للحديث، والإشارة إلى ما تميّزت به في نظمها من تقديم وتأخير يظهر بينها وبين بقية الروايات. والأصل أن مجرد الدخول لتلك الديار لا يصاب فاعلوه بما أصاب أهليها من العذاب، لأنّهم لم يرتكبوا ما ارتكبه الظالمون من الجرم.
ورواية معن أَبينُ وأخفُّ من رواية سالم عن ابن عمر. والحديث ينظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣) وهذا من غضب الله عليهم إذ قدر أن تكون
стр. 388
ديارهم خراباً. و"إلا قليلاً" أي قليلاً من السكنى. وذلك ما كان يفعله المربي الصالح العالم الفقيه الشيخ محرز بن خلف الصديقي (١) حين ينزل بأطلال قرطاجنة للموعظة. يشهد لهذا شعره في هذا الغرض:
مررت بِرَبْع بالسراب تلفّعا ... وطود جلال بالخطوب تصدّعا
فقلت وقد أجرت جفوني أدمعا ... خليلي مرّا بالمدينة واسمعا
مدينة قرطاجَنَّة ثم ودّعا
ومما اشتملت عليه الفقرة الثانية من التعليق، ذكر ارتباط "أن يصيبكم" بـ "باكين" والتنبيه على أن هذا الحديث غير موجود في موطأ الليثي. وأن التقنّع كان من الرسول ﷺ لكمال كراهيته آثار الظالمين. فهو يأبى أن يراها، ولذلك لم يأمر به. وختم المؤلف هذه الإفادات بالإشارة إلى حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهاهم عن الشرب من آبار الحجر عدا البئر التي شربت منها ناقة صالح. وهو ما سبق لهم الحديث عنه عند تعليقه على باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٢).
* * *
السابع: عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٣)
قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختفٍ بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن. فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به. فقال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ
стр. 389
بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).
هذا الخبر ليس مروياً عن النبي ﷺ ، ولكنه بيان من ابن عباس ﵄ للآية. وقد اشتمل عليه التعليق كما في الحديث السادس السابق، وجعله المؤلف فقرتين أيضاً.
الأولى: في النهي عن سبّ المشركين لتجنيبهم سبّ القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فإنهم كفروا بما هو أشد وأقطع من قول وفعل، ولكن لما في النهي من سدّ لذريعة السبّ، فلا يزدادون كفراً ولا يزدادون قسوة في قلوبهم ولا نفوراً عن الإسلام. فإن ذلك يتعارض مع أصل الدعوة والرسالة، لأن النبي ﷺ بعث مرغباً لا منفّراً. وينظر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ...﴾ إلى قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢). وبالرغم من كون سبّ آلهتهم قربة، نهى الله رسوله عنها لأنّها ذريعة لازدياد كفرهم وتصلّبهم فيه.
وفي بيان معنى الاختفاء بمكة يريد به على وجه الاستعارة: الانزواء والاستضعاف، إذ ليس المقصود منه الاختفاء الحقيقي لمنافاته لقوله: فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته.
والثانية: نقل لما ورد ببعض النسخ الأم من التعليق بما نصه: قال الفربري: قال محمد بن عياش: هُشيم صاحب تدليس. وفي أخرى قال محمد بن عباس: وابن عياش هذا غير معروف لديَّ. وهو لا محالة أحد أصحاب البخاري المتقدمين على الفربري ومن جاء بعده (٣).
* * *
стр. 390
الثامن: حديث عائشة ﵂ -، قالت: "جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل مسيك. فهل عليّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا. قال: لا، إلا بالمعروف" (١).
نبّه المؤلف أن في بعض روايات الحديث: "أن أطعم مِن الذي له عيالنا بدون إذنه".
بدأ الشيخ ﵀ ببيان ألفاظ الحديث.
"قال: لا": أي لا تطعمني، بدليل قوله: "إلا بالمعروف".
وفسّر المعروف في هذا الحديث بقوله: ما يحمله مثل أبي سفيان من الإنفاق على مثل عياله.
والحكم: جواز إنفاق المرأة من مال زوجها عند غيابه على عيالها بالمعروف. ووجهه:
١ - أن الإنفاق بالمعروف واجب عليه لعياله، فليس له حق منعهم منه.
٢ - أن أبا سفيان لشدّة شحه، لو توقّفوا على إذنه لما أذنهم.
٣ - أنه لو شكوه للرسول في كل حاجة لشق ذلك عليهم، ولحدث بسببه بينه وبينهم شنآن.
ومقتضى الحكم ولازمه أن ما تجاوز المعروف من الإنفاق لا حق لها ولا لعياله فيه، إلا برضا صاحبه.
ويتبيّن مما قضى به الرسول ﷺ أنه أقام المرأة في هذه الحال
стр. 391
مقام الوكيل على أبنائها وعيال بيتها على وجه الرخصة. فهي راعية المنزل وربة البيت.
وهنا شرع المؤلف في الحديث عن مسألة أصولية مقصدية اختلفت فيها أنظار الأئمة. فقال: إن هذا التصرّف من الرسول ﷺ فتوى وتشريع يعم هنداً وغيرها من أزواج الأشحة. وهذا هو قول مالك. وذهب الشافعي إلى أنه من قبيل القضاء. وردّ الشيخ هذا الوجه بكون مأخذه ضعيفاً. وأكّد ما ذهب إليه إمامه بأن هنداً جاءت إلى الرسول ﷺ مستفتية لا مدّعية، وأن إحضار زوجها كان ممكناً، فلا يكون الأمر من باب القضاء على الغائب.
وأنّه وإن اعتبر قضاءً فإن قضاء الرسول ﷺ من جهةٍ قضاءٌ بالنسبة إلى الخصمين، وهو تشريع لغيرهما ممن يساويهما في الوصف المؤثّر، سواء جاء في خصومة أم مستفتياً.
وختم الإمام تعليقه على حديث النفقة هذا ببيان طريق التوصل إلى الحق قائلاً: وليس لصاحب حق عند آخر مَنعَهُ منه، أَن يعمد إلى أخذ حقِّه بنفسه بغصب أو خلسة، اعتباراً للمقصد الشرعي من إقامة القضاة والحكام، ولأن مثل هذا التصرّف يؤول إلى التقاتل والتهارج. فلا تتجاوز الرخصة محل العذر، وهو عسر الرفع إلى القاضي، أو توقع ضرر من الخصومة هو أعظم من ضرر ترك الإنفاق (١).
* * *
التاسع: من حديث طويل لأبي هريرة ﵁ -
قوله ﷺ : "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (٢).
стр. 392
توقف المؤلّف عند هذه الجملة وحدها لبيان معنى الجليس وحقوقه.
الجلساء، التعريف في هذا اللفظ للتعظيم. وهو على حد قول الشاعر:
هم القوم كل القوم يا أم مالك
وواحد الجلساء: الجليس، وهو المشارك فى المجلس. ولكون المجالس والجلساء تختلف، ميّز الله في هذا الحديث القدسي الجليس الذاكر لله بكونه أكرم صنف، وميّز فئة، فقال: "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم". وفي هذا إيماء قوي يرفع منازل هؤلاء الجلساء، لأنّهم يجتمعون على ذكر الله.
ومعنى "الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" أنه لا يكون دونهم منزلة، وأنهم لا يتميّزون عليه تميّزاً يلحق به أذى. فهم سعداء متلائمون متوادّون.
وقوله: "لا يشقى بهم جليسهم" يحتمل السببية أو الملابسة. فالباء من "بهم" سببية، وهي بمعنى لا يكون الجلساء سبباً في تعب جليسهم وإعناته وإيذائه. وهذا كما في قول الطرماح:
وإني شقي بآلام ولا ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل
أو توسع في استعمال الباء للدلالة على الملابسة، وصار المعنى انتفاع جليسهم بهم على وجه الكناية، إذ في السلامة من الأذى إكرام له. قال الشاعر:
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاعٍ جليس
أراد أن جليسه مكرم سعيد.
стр. 393
وهذا الاستدلال ينظر إلى قول الله جل ذكره: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (١) أي لم أكن شقياً مع دعائك، فإني لم أعهد عدم استجابة دعائي.
وجرى قوله: "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" مجرى المثل، وأصبحت دلالته بمعنى أن الجلساء لا يختصون عن جليسهم بمزية، ولا يستأثرون عليه بخير. فلما أكرمهم الله بالمغفرة أكمل لهم الكرامة، فلم يحرم منها جليسهم حتى لا تثلم كرامتهم بحرمان جليسهم من المغفرة التي أَعطوها (٢).
* * *
العاشر: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ -، أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته" (٣).
هذا الخبر من مشاكل الآثار التي عني المحدثون والفقهاء ببحثها وتجلية المراد منها. وهو يحتاج، لحمله على الوجه الحقيقي المطلوب، إلى تفكُّر وتدبُّر. وقد وردت نصوص من الكتاب والسنة بمعناه. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (٤) وفي الحديث الصحيح إلى جانب الخبر موضع التعليق والبحث، وهو قوله ﷺ : "إن الله حدد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت
стр. 394
عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تسألوا عنها" (١).
ولبيان وجه الإشكال في هذا الأثر، وضع الإمام الأكبر إطاراً لتصوّر الإشكال ودفعه، يعتمد فيه على قواعد ثلاث أساسية لا نزاع فيها:
١ - إن أحكام الشريعة تكون على وفق ما في الأفعال الثابتة هي لها من مصالح ومفاسد.
٢ - إن الفعل المُحَرَّم جدير بالتحريم، والواجب جدير بالإيجاب ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢).
٣ - أن ثبوت الحكم للفعل، من تحريم وغيره، يكون عند تعلُّق حكم الله بذلك.
ويبيّن المشكل، بل يبيّن وجه الإشكال بعد في هذا الحديث بقوله: فكيف يكون السؤال عن الحكم مقتضياً ورود تحريمه؟ ولذلك لم تظهر تبعة للسائل من جراء سؤاله، ولعله يكون مستأهلًا للثناء شرعاً، إذ يكون سؤاله سبباً في دفع مفسدة فعل بتحريمه أو جلبِ مصلحةٍ بإيجابه.
وبالتأويل والنظر في هذا الخبر وما يقتضيه، وبالاستفادة بما اتجه له الشيخ من رأي يَصرِف الإشكالَ ويدفعُه، فإن بعض الأفعال قد يشتمل على مفسدة عارضةٍ، وقد تتفاوت مفسدته بالقوّة والضعف باختلاف الأوقات أو باختلاف أحوال الناس. فيقتضي الأمر من الشارع السكوتَ عن تحريمه وقت عروض المفسدة له، وَيكِل الانكفاف عن فعله للناس لتحرّجهم منه، كامتناعهم من الجماع ليل
стр. 395
رمضان حتى نزل قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١) أو لأن الناس في زمن رسول الله ﷺ كانوا صالحين. فهو يكل بعض الأحكام العارضة إلى ما يعلم من زهدهم وورعهم؛ أو لأَنَّ في ذلك بعدَ وفاة النبي ﷺ تفويضاً إلى أفهام الفقهاء في الدين، فيردُّون ذلك بالاجتهاد إلى الكتاب والسنة. وقد يتعذر تحديد كيفية التحريم لتشعّب صوره، ودقة الفروق التي تؤقّت التحريم، وعُسر وضع عموم الناس تلك الصور مواضعَها. فيترتب على هذا أنه إذا حرم تحريماً غير مفصل دخل على الناس حرج بذلك، وإذا فصّل فُتح، لأسباب الأفهام الضعيفة، باب التقصيد فيه. وهذا لا يناسب منهج الشرع، فيكون سؤال السائل عن ذلك الحكم موقعًا للناس في حرج، ومغلقاً في وجوه العلماء باب الاجتهاد من تفصيل وتأويل. وربما قام الدليل على ذلك ككراهية الرسول ﷺ تناقل الناس أنه حلّل أو حرّم غير ما حلّله القرآن أو حرَّمَهُ. وهذا ما أثار عند علماء الأصول النظر في الأحكام الثابتة بالكتاب، وما هو معلوم من الدين بالضرورة.
والجُرْم، في كلام النبي ﷺ ، إمّا أن يراد به الذنب فقوله: "من أعظم الناس جرماً"، أي من أعظمهم ذنباً، وصف بذلك السائل لتسبّبه في حرج مستمر على المسلمين. ومثال هذا ما روي من النهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، وتحريم عودة المرأة إلى زوجها بعد الملاعنة، والرجم في الزنى. وقد رأينا رسول الله ﷺ أعرض عن المقرّ على نفسه ثلاث مرات لعله ينصرف.
стр. 396
ويمكن حملُ الجُرم على الشيء المكدِّر للناس لا على الذنب، فيكون المراد منه أن السائل الذي يَحْرُم الشيء بسبب سؤاله أعظم الناس إحراجاً لقومه بذلك السؤال.
ثم أورد المؤلف، عقب هذا التعليق الجيّد المفيد، مثالًا ثانياً لبعض ما أشكل من الآثار، وهو في نفس الكتاب ونفس الباب، ففي حديث زيد بن ثابت في صلاة الليل قال: "إن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، وفيه: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
ووجه الإشكال في هذا الحديث: أن الله إذا أراد أن يفرض على الأمة فريضة لا يتوقف مراده على ظهور حِرص الأمة على فعل شيء فيكتبَ عليهم. ذلك أن شرع الأحكام من الله تعالى يكون على حسب ما فيها من مصالح ومفاسد. فلا يؤثر حِرصٌ ولا زهادةٌ من الخلق في فعل من الأفعال حكماً يقتضي تشريع ذلك الفعل.
وللإجابة عما يوهمه الحديث من الإشكال يقول المؤلف: يمكن أن يكون قد نصب الله لنبيه علامات تؤذن بأنه سبحانه سيكتب على الأمة عملاً، وتُقبل الأمة على عمل من الأعمال الحسنة فيجعلُ الله ذلك الإقبال تيسيراً أو تهيئة لتحمّل ما سيكتب عليها. فأشفق الرسول ﷺ لما رأى من حرصهم على صلاة الليل أن يكون من هذا القبيل. وربما كانت الكراهية للشيء القبيح أمارة على تهيئة النفوس لتلقي تحريم. ومثال ذلك كراهيتهم للخمر بعد واقعة حمزة مع علي، ثم الرسول ﷺ (١)؛ وبعد قراءة الإمام في صلاته: ﴿قُلْ
стр. 397
يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (١).
ولم يمنع اشتغال المؤلف ببيان مواضع الإشكال في الخبرين ومحاولته دفعه من أن يمضي على ما التزمه من تحقيق النصوص التي بين يديه، ينظر في الحديث السادس من الباب وهو حديث أنس: أكثر عليه جماعة من السؤال فرأى عمر بن الخطاب ﵁ الغضب في وجهه ﷺ . فبرك على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال ذلك، ثم قال النبي ﷺ : "أولى، والذي نفسي بيده ... " الحديث.
ولفت ما في النُّسخ كتابةُ أولى بالإمالة، فدلّ ذلك على أنها ليست مركبة من "أو" العاطفة و"لا" النافية. فلا اعتداد بزعم من قال بذلك. ولكنها أولى التفضيلية من الولْي تجيء بها العرب في مقام التحذير، والتهويل ومنه قوله : ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ (٢).
فمن هذه الأمثلة التي استعرضناها من الكشف والنظر الفسيح يتضح لنا المنهج العاشوري في تأمّلاته وملاحظاته وتعليقاته وتحريراته، وهو وإن قام على أسس المطالعة الواسعة والعلم التام بما كتبه الشيوخ في مختلف الجوانب التي تتصل بنص الحديث، فإنه يرتكز دون شك على النظر الدقيق والقدرة على اختراق الأشكال والصور، بل على استخدامها والاستلهام منها لجواهر المعاني وأبعاد الإيحاء للنصوص الشريفة من السنة النبوية التي شغلت نفسه وخالطت لبه وملأت رُوْعَه وقلبه.
* * *
стр. 398
أصول الفقه والفقه والفتاوى
قضى الإمام الأكبر مدّة طويلة بجامع الزيتونة طالباً وأستاذاً وداعياً من دعاة إصلاح التعليم، فشيخاً مديراً لهذا المعهد. وعيّن عضواً حاكماً بالمجلس المختلط العقاري، ثم قاضياً، فمفتياً، فشيخ إسلام رئيساً لأعضاء المجلس الشرعي من كبار فقهاء المالكية بالديوان (المحكمة الشرعية العليا بتونس). فأهّله هذا دون شك، بما أحاط به من علم، وعُرف به من اتساع مدارك، وما فطر عليه من ذكاء، ودأب عليه من نظر وبحث، وما وقف عليه من آراء وأنظار وأصول ومقاصد، وما حصل له من مشاكل وتوفّر له من تجارب، إلى الظهور على أقرانه في مختلف الميادين الفكرية والعلمية التطبيقية، وفي مجالات أصول الفقه والفقه والفتوى.
كان يسلك طريقين إلى الاجتهاد في الفقه:
أحدهما: مسلك الأصوليين وأصحاب القواعد.
وثانيهما: مسلك أصحاب المقاصد يستنبط الأحكام لكلّ المستجدّات من المصدرين الأساسيين الكتاب والسنة، ويعتمد في تحقيق مناطها وضبطها القياسَ والاستحسانَ والعرفَ ومراعاةَ المصالح، جارياً في ذلك على وفق أصول الشريعة التي حدّدها الأئمة الفقهاء في كلّ مذهب، كاشفاً عن سَنَن الرشاد، غير معسّر ولا منفّر، ولا دافع بالناس إلى المشاقّة في الدين، أو إلى المخالفة
стр. 399
والمعارضة لأحكامه، جاعلاً الإيمان متحكّماً في نفوسهم، وحاملاً لهم على اعتقاد أن الشريعة لا بدّ أن تكون محترمة بين الكافة، نافذة في الأمة، لتحصل المنفعة المقصودة منها كاملة (١) ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
وما ألمعنا إليه هنا يدل دلالة واضحة على اشتغاله الدائم وعمله الدؤوب بما يمكّن للدين في نفوس المؤمنين، ويعمّ به النفع بين الخاص والعام. وإنّا وإن حرمنا حتى الآن من الوقوف على جميع ما أثبته له مترجموه من تصانيف ودراسات وأحكام وفتاوى مما بقي مخطوطاً لم يتولّ طبعه في حياته، وقعد عن ذلك وارثوه من طلابه أو أفراد أسرته، نأمل أن ينكبّ الدارسون والمحقّقون على تخريج هذه المادة الغزيرة العلمية ونشرها.
جملة من موضوعات ما حرره الإمام من هذه المادة:
١ - تقييداته على جملة من النوازل الشرعية التي عني بتحريرها أيام توليه القضاء أو مدة رئاسته للمجلس الشرعي.
٢ - مجموع في المسائل الفقهية التي تكثر الحاجة إليها ويعوّل في الأحكام عليها.
٣ - أماليه على مختصر خليل التي تدل علي اهتمامه بأكبر مدونة شائعة ومعتمدة في الفروع بين الطلاب والشيوخ بجامع الزيتونة.
٤ - نقده العلمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق. وهو ما لم نقف، من طبعته للأسف، إلا على ورقات قليلة منه
стр. 400
لا تصور طريقته ولا منهجه فيه، كما لا تدل على أهمية ما تناوله من قضايا ومسائل تعقيباً على الكتاب، وإبطالاً لمزاعم صاحبه، على نحو ما فعله صديقه الشيخ محمد الخضر حسين بوضعه لكتاب نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم الصادر بالقاهرة ١٣٤٤، والشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر بنشره لكتاب حقيقة الإسلام وأصول الحكم.
٥ - الآراء الاجتهادية أو مجموعة الفتاوى التي عدَّ منها د. محمد يونس السويسي ثمانيةً وثمانين فتوى في رسالته عن المفتين في تونس (١). وقد تناولت هذه الفتاوى شتى الموضوعات في المسائل العبادية، وأحوال الأسرة، وقضايا المعاملات، وجملة من الشؤون العامة. وتولّت بعض المجلات نشر قسم منها مثل المجلة الزيتونية، ومجلة الهداية الإسلامية القاهرية، ومجلة الهداية الإسلامية التونسية، ومجلة المنار، كما طلعت بها علينا الصحف اليومية بتونس كالزهرة والنهضة والوزير والعصر الجديد والعمل والصباح (٢).
وكل ما عثرنا عليه في هذا الباب لا يمثل إلا عيّنات، تصوّر اهتماماته، وتدل على علمه وقدرته وجرأته وعمق نظره، من بينها في علم أصول الفقه:
- حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح على شرح تنقيح الفصول في الأصول لشهاب الدين القرافي، تونس ١٣٤١/ ١٩٢٢ - ١٩٢٣. وهذا الكتاب كتاب مدرسي، كان معروفاً
стр. 401
بين المالكية، يرجعون إليه في كثير من مسائل أصول الفقه. وهو إلى جانب ذلك ينطق بما شغل به القرافي مترجمَنا من مسائل وأنظار وآراء وأفكار. وأبو العباس القرافي هو صاحب المؤلفات النفيسة في الفقه كـ الذخيرة، وفي أصول الفقه كـ نفائس الأصول في شرح المحصول للإمام الرازي. وهما موسوعتان جامعتان تضمنتا، إلى جانب مسائل الفروع وقواعد الاستنباط للأحكام، مباحثَ دقيقة كالمناسبة والإخالة في مسالك العلة، ومباحث المصالح المرسلة والتواتر والمعلوم بالضرورة وحمل المطلق على المقيد ونحوها (١)، وهذا ما جعل الإمام الأكبر يعتد بالقرافي، وينوّه بعظيم منزلته، وبمعالجته لمسائل المقاصد الشرعية في قوله: ولحق بالأئمة المتقدمين أفذاذ، إذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع مثل شهاب الدين القرافي المصري المالكي في كتاب الفروق (٢)، ورسالته في المحكم والمتشابه نشرها في إحدى المجلات الشرقية (٣). وكتابه: العقد المنظوم في الخصوص والعموم.
قائمة فيما حرره الإمام من مقالات مختلفة:
وللإمام الأكبر إلى جانب ذلك عدد من البحوث أو المقالات نشرت له بالهداية المصرية وغيرها. ومن ذلك ما جمعه له منها الأستاذ علي رضا الحسيني بعنوان: مقالات الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، وهي إحدى عشرة مقالة:
стр. 402
١ - المحكم والمتشابه.
٢ - حكمة التشريع الإسلامي وأثره على الأخلاق.
٣ - حكم قراءة القرآن على الجنازة.
٤ - من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.
٥ - ورقة مطوية من تاريخ الفلسفة الإسلامية: الشيخ ابن سينا والحكمة المشرقية.
٦ - مسألة خفية من مباحث الفلسفة الإسلامية: وحدة الوجود.
٧ - تحقيق ترجمة عالم كبير وهم الناس في تسميته هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني.
٨ - نظرات على ترجمة السكاكي.
٩ - تذييل لترجمة سعد الدين التفتازاني.
١٠ - اللفظ المشترك في العربية.
١١ - قراطيس في نقد الشعر.
* * *
стр. 403
مقاصد الشريعة الإسلامية
المقاصد غايات ومصالح ومنافع ولذائذ، رُكب في النفس البشرية السعيُ إليها والانجذاب نحوها. فهي زهرة هذا الوجود، ومطمح القلب، وطلبة كل راغب، وبغية كل قاصد، تضع للسالكين مناهج سيرهم، وترسم لهم سبيلهم التي ارتضاها الله لهم خصوصاً، وينبوع الهداية فيها التشريع الإسلامي، ومتفجَّرها ما ورد بشريعتنا الغراء من هدي وحكمة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
وقد بعث الله رسله وخاتم أنبيائه محمداً ﷺ ، وأذِن للهداة الصادقين من الأئمة المجتهدين والعلماء الربانيين أن يبيّنوا للناس دينهم، ويوجِّهوا على طريق أنواره وأسراره عباده المؤمنين إلى كل ما فيه مغنم وخير وسعادة في هذه الدار وفي الآخرة. فكثرت التصانيف في هذا الغرض الشريف، وتعدّدت التآليف التي تنطق بالحق والحكمة، يُتوّجها القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، وتؤسِّسُها وتركزها، في مجتمعاتنا وديارنا وبين أهلينا، نتائج العقول الرشيدة الراجحة، وفيوضات الحكم المفيدة الناجعة، مستقرِّ نعم الله وهدايته ورحمته، يفيء بها الله علينا عطاء وكرماً.
стр. 404
فمن نحو سبعة وخمسين عاماً صدر بتونس عن مكتبة الاستقامة كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام الأكبر سماحة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور شيخ جامع الزيتونة وفروعه. وكان هذا الكتاب في الأصل جملة دروس دوّنها الإمام وألقاها على طلّابه بجامع الزيتونة في مادة المقاصد. وهي لما كان فيها من علم ونفع تقرر تدريس كتاب المقاصد لطلبة السنة الأولى من القسم الشرعي من التعليم العالي بالجامع الأعظم.
ولم يكن علم المقاصد معروفاً أو مهتَمّاً به آنذاك بين الطلاب، إلا من خلال عدد من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي اقترنت ببيان المقاصد والمصالح والحِكَم.
والمقاصد الشرعية متعددة ومختلفة: فمنها المقاصد العامة، ومنها المقاصد الخاصة. وقد جاء بحث عدد من مسائل المقاصد في علم أصول الفقه عند الحديث عن تعليل الأحكام، وعن القياس وأنواعه وأحكامه وحجّيته، وعند الحديث عن العلّة، واستخراج علل الأحكام، وبحثِ وبيانِ المناسبة وطرق التعليل. كما ظهرت فيه بعض التنبيهات، لدى جمهرة من الفقهاء، وفي طوالع أبواب بعض الكتب الفقهية العالية، وخاصة لدى من صرف منهم العناية أكثر من غيره إلى التعليل، وسلك مسلكاً مميّزاً للتنبيه على الحِكَم المفهومة من الأحكام.
وبدأ هذا العلم ينتعش بتقريرات الشيوخ والعلماء، في المشرق والمغرب، على موافقات الإمام الشاطبي، وعلى مقاصد الشريعة للإمام ابن عاشور، وكذلك بمناقشة الطلاب لمسائله في رحاب الأزهر بالقاهرة وفي الزيتونة بتونس، وحمل هذا الاهتمامُ المتزايد من
стр. 405
الأساتذة والطلاب بعلم المقاصد على استكناه التراث الشرعي والرجوع إليه. وأقبل أهل العلم، بجانب ما كانوا يدرسونه من علوم اللغة وأسرارها، على دراسة كتب أصول الفقه بمناهجها المختلفة، وكذلك كتب الخلاف العالي في الفقه، مجدّدين بها العهد، ناظرين ومتدبّرين لما حوته تلك المصادر والمراجع من بحوث الأئمة ودراسات العلماء من أصوليين وفقهاء على مرّ العصور.
لقد سبق في هذا المضمار موافقاتِ الشاطبي ومقاصدَ ابن عاشور عددٌ من العلماء كانوا الواضعين لطرف من قضايا العلم ومباحثه، ومن هؤلاء أصوليون وفقهاء.
فمن الأصوليين:
١ - القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني، شيخ الأصوليين ٤٠٣، صاحب كتاب التقريب والإرشاد وترتيب طرق الاجتهاد.
٢ - القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذانى الأسد آبادي ٤١٥. وله أصول الفقه، والاختلاف في أصول الفقه، والمغني، والعهد.
٣ - إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني ٤٧٨. صاحب البرهان.
٤ - أبو حامد الغزالي ٥٠٥، مؤلف المستصفى، وشفاء الغليل، والمنخول.
٥ - الإمام فخر الدين الرازي ٦٠٦. بكتابه المحصول في علم الأصول.
٦ - سيف الدين علي بن أبي علي الآمدي ٦٣١. وله الإحكام في أصول الأحكام.
ومن الفقهاء الذين عنوا بالمقاصد:
стр. 406
١ - أبو الحسن الكرخي الحنفي ٣٤٠. صاحب المختصر. وشرح الجامع الكبير والجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني.
٢ - أبو زيد الدبوسي. من أكابر أصحاب أبي حنيفة ٤٣٠. له تقويم الأدلة في أصول الفقه، والأسرار في الأصول والفروع.
٣ - العز بن عبد السلام. سلطان العلماء ٦٦٠، وكتابه القواعد.
٤ - الإمام أحمد بن إدريس القرافي ٦٨٤. صاحب الفروق.
٥ - سليمان بن عبد القوي الطوفي، الفقيه الأصولي ٧١٦. بكتبه مختصر الأصول، ومختصر الروضة، وشرحه.
٦ - الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية: ٧٢٨. صاحب الفتاوى الكبرى، والقواعد النورانية.
٧ - الإمام محمد بن أبي بكر بن قيّم الجوزية ٧٥١. مؤلف إعلام الموقعين، والفوائد.
٨ - الإمام أبو إسحاق الشاطبي ٧٩٠. وله الموافقات، والاعتصام.
٩ - الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ١٣٩٣. صاحب التحرير والتنوير، ومقاصد الشريعة الإسلامية.
وبعد فاصل زمني يمتد اثنين وخمسمائة عام بين وفاة الشاطبي وولادة ابن عاشور اكتمل علما الفقه وأصول الفقه، وورث اللاحق عن السابق ما نشر فيهما من حقائق وأسرار، وتحقيقات وأنظار.
وتميز الشاطبي بوضعه كتاب الموافقات الأصولي، مخصّصاً جزأه الثاني بما بحثه من مقاصد وقواعد ظلت دائماً متأثرة بالمنهج الأصولي المتعارف. وظهر ابن عاشور بمنهجه الجديد الذي نبّه إليه في الأسطر الأولى من تمهيده لكتاب مقاصد الشريعة الإسلامية (١).
стр. 407
فقام بنقد علم أصول الفقه، وأنكر على العلماء ما كانوا يتردّدون فيه من جدل عقيم، فرّق ولم يجمع، لا بين الفقهاء ولا بين الأصوليين. وتملكت الإمامَ رغبة شديدة في تجديد علم أصول الفقه، ووضع علم مستقل دعا إليه هو: علم مقاصد الشريعة (١).
وقد كان لهذين العلَمين البارزين، في القرنين الثامن والرابع عشر، أثر بعيد في إقبال العلماء والطلاب على دراسة أصول الفقه دراسة جديدة، وعلى متابعة خطا الإمامين فيما عنيا به من بحث علم أسرار التشريع، يضعان الأصول له والقواعد، وينهجان به منهجاً يختلف عن منهج الفقهاء والأصوليين السابقين. وفي مقابلة عمل السابقين الذين كانوا لا يحتكمون إلى الأدلة الضرورية ولا إلى القريبة منها؛ تطلع المعاصرون، بريادة الشيخ ابن عاشور فيما يعرض لهم من اختلاف فقهي، إلى الاحتكام المنطقي في مسائل الشريعة، سيراً على ما اعتمده أصحاب النظر والتأليف في العلوم العقلية، من الاحتكام إلى الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة (٢).
أحدثت المدرستان لهذين الإمامين نشاطاً فكرياً بين المعاصرين، وظهرت تآليف كثيرة في المقاصد وعلم أصول الفقه.
فمنها ما يرجع إلى تحرير موضوعاته والنظر في قواعده، وبيان طرق تحديد المقاصد، وتنويعها إلى عدد من الأقسام.
ومن هؤلاء:
١ - علال الفاسي بكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها.
٢ - فهمي محمد علوان صاحب القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي.
стр. 408
٣ - د. القادري برسالته الإسلام وضروريات الحياة.
٤ - د. خليفة با بكر الحسن وكتابه فلسفة مقاصد التشريع.
٥ - د. خليفة با بكر الحسن ود. أحمد مرعي بما بحثاه من المقاصد الشرعية والقواعد الفقهية.
٦ - عبد الرحمن بن عبد الخالق وكتابه المقاصد العامة.
٧ - د. يوسف العالِم المقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
٨ - عامر بن عبد الرحمن بتفصيله النظر والقول في الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
٩ - محمد تقي مدرسي صاحب التشريع الإسلامي مناهجه ومقاصده.
وممن بحث المقاصد مع بيان علاقتها بجانب من جوانب الأصول أو الفقه الإسلامي:
١ - د. محمد سعيد اليوبي في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية.
٢ - د. عثمان المرشد مؤلف المقاصد من أحكام الشريعة وأثرها في العقود.
والقسم الثاني من المؤلفات، التي أفادت كثيراً من هذه النهضة العلمية المباركة، يقوم على محاور وجوانب، ترتبط أساساً بالعالمين الأصوليين الفقيهين: الإمام الشاطبي وكتاب الموافقات، والإمام محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية.
أما الأول فهو وإن نوّه به الباحثون وأثنوا على كتابه، ونعته اليوبي بقوله: "فَتَح من هذا العلم مُغلقَه، وحلَّ مُشكلَه، وفصّل مجملَه، وبسط مسائلَه، وشرح قواعدَه، ورتّب أبوابَه، وأضافَ له
стр. 409
إضافات حسنة" (١). غير أن لبعض الدارسين مآخذ على أسلوبه ومنهجه في تقرير المسائل. فهو حين يأخذ في تحقيق الموضوع والاستدلال له يأخذه الاضطراب والخلط والتكرار والتعقيد. يصف ذلك الشيخ عبد الله دراز، في مقدمة تحقيقه لكتاب الموافقات، فيقول: "إنه في مواطن الحاجة إلى الاستدلال بموارد الشريعة والاحتكام إلى الوجوه العقلية، والرجوع إلى المباحث المقررة في العلوم الأخرى، يجعل القارىء، ربما ينتقل في الفهم من الكلمة إلى جارتها، ثم منها إلى التي تليها، كأنه يمشي على أسنان المشط، لأن تحت كل كلمة معنى يشير إليه، وغرضاً يعوّل في سياقه عليه. فهو لما يوجد بالكتاب من صعوبة في تناول أغراضه يحتاج في تيسير معانيه وبيان كثير من مبانيه إلى إعانة مُعانيه" (٢).
وأما الثاني وهو صاحب كتاب المقاصد الذي لم يعرف حقَّه بعض المتجنِّين عليه مؤلفُ كتاب المناظرات في أصول الشريعة الإسلامية حين قال عنه: "ولكي يسوِّغ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور تأليف كتابه مقاصد الشريعة المستلهم من الموافقات أو الذي اعتمد فيه كثيراً عليه، حرص على أن يبرز في كتاب الشاطبي أنه تطوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد، بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود" (٣). فجعل الكاتب الأمرَ خصومة بين سابق ولاحق، ولم يتدبّر نزعة الحق التي أعرب عنها الإمام في قوله عن الشاطبي: "الرجل الفذّ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين" (٤).
стр. 410
أجل اتخذ مؤلف المقاصد كتاب الموافقات في غير استحياء أو استخفاء أسوة له في صنيعه، واصفاً خطته في المقاصد بقوله: "على أنه أفاد جد الإفادة، فأنا أقتفي آثاره ولا أهمل مهماته، ولكن لا أقصد نقله واختصاره" (١).
ولا ينكر عالم بأصول الفقه، باحثٌ في قضاياه، مقدرٌ للصلة بين علم أصول الفقه القديم وعلم المقاصد الجديد، أهميةَ كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية. فهو مليء بالفوائد والمباحث المبتكرة، متجه عن قصد إلى مسائل المعاملات وما يراعى فيها من مقاصد. يقول الإمام الأكبر: "وإني قصدت في هذا الكتاب خصوص البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب التي أرى أنها تختص باسم الشريعة، والتي هي مظهر ما راعاه الإسلام من تعاريف المصالح والمفاسد وتراجيحها" (٢).
ومن الاهتمام والعناية بالعمل الأول التأسيسي (تجوزاً) كتاب الموافقات الذي طبع ست مرات:
الأولى: بتونس ١٣٠٢/ ١٨٨٤ في أربعة أجزاء بتحقيق ثلاثة من علماء الزيتونة: الشيوخ علي الشنوفي وأحمد الورتاني وصالح كَايجي.
والثانية: بقازان عاصمة جمهورية التتار بروسيا ١٣٢٧/ ١٩٠٩. ولم يصدر منها سوى الجزء الأول.
والثالثة: بمصر بالمطبعة السلفية ١٣٤١/ ١٩٢٢ وهي ذات أربعة
стр. 411
أجزاء. حقق الجزءين الأولين منها الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين، وحقق الجزءين الباقيين سماحة الشيخ محمد حسنين مخلوف.
والرابعة: المصرية من نشر المكتبة الرحمانية بمصر قديماً، وتصوير دار المعرفة ببيروت حديثاً. حققها وعلق عليها سماحة الشيخ عبد الله دراز، وتقع في أربعة أجزاء.
والخامسة: نشر محمد علي صبيح بالقاهرة، وهي بتحقيق فضيلة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وتقع في أربعة أجزاء.
والطبعة السادسة: بالعقربية، في الخبر ١٤١٧/ ١٩٩٧ بتحقيق أبي عبيدة منصور بن حسن آل سلمان. وتقع في ستة أجزاء.
وإلى جانب الاهتمام بـ الموافقات بإقامة نصّه، وضبط مادته والتعليق عليه، عنيت فئة أخرى بنظم الموافقات، فكان منها أحد تلامذة الشاطبي، يقال: إنه أبو بكر محمد بن عاصم الوادي آشي. وقد سمّى عمله هذا نيل المُنَى من الموافقات.
ووضعت له أيضاً مختصرات منها:
- المرافق على الموافق لمصطفى بن محمد فاضل بن محمد ابن مأمِين ماء العينين الشنقيطي القلقمي.
- واختصار الموافقات لإبراهيم بن طاهر بن أحمد بن أسعد العظم.
- وتوضيح المشكلات في اختصار الموافقات لمحمد يحيى بن عمر المختار الولاتي الشنقيطي (١).
стр. 412
وفي هذا العصر ظهرت من الدراسات المعمَّقة التحليلية لكتاب الشاطبي ثلاثة مؤلفات:
الأول: الشاطبي ومقاصد الشريعة لحمادي العبيدي.
والثاني: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي لأحمد الريسوني.
والثالث: الشاطبي والاجتهاد التشريعي المعاصر لعبد المجيد تركي.
ومن اهتمام أهل العلم والباحثين المعاصرين بكتاب مقاصد الشريعة الإسلامية لشيخ الزيتونة. نشرَهُ في عدة طبعات:
الأولى: بتونس وهي المومى إليها أعلاه. نشر دار الاستقامة ١٣٦٦.
والثانية: طبعة أخرى بعد نفاذ الأولى من نشر الشركة التونسية للتوزيع. جانفي ١٩٧٨.
والثالثة: "الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة"، تحقيق ودراسة للأستاذ محمد الطاهر الميساوي. طبع مرتين.
ومن البحوث حول كتاب المقاصد هذا يمكن أن نعدَّ:
نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر ابن عاشور لإسماعيل الحسني.
ومقاصد الشريعة عند ابن عاشور للدكتور سوابعة مخلوف ١٤١٧/ ١٩٩٦.
* * *
стр. 413
الفقه والفتاوى
نذكر من دراسات الإمام ابن عاشور الفقهية ما يمكن عدّه من قضايا الفقه، أو مما صدر عنه من تحرير بعض الأحكام الشرعية، وهذه مثل:
١ - الموقوذة ونحوها من ذكاة أهل الكتاب، ولبس القلنسوة ونحوها من لباس الكفار. وهي رسالة فقهية جاءت مؤيّدة للفتوى الترنسفالية للأستاذ الإمام محمد عبده (١). والظاهر أن الإمام الأكبر لم يوقعها باسمه، ولكن الشيخ محمد رشيد رضا نسبها إليه في قوله: إن أحد علماء تونس أرسل إلينا رسالة في ذلك، أي في حلّية طعام أهل الكتاب (٢). وفي قوله بعد: جاءتنا مقالات تؤيَّد الفتوى وما شرحناه في موضوعنا، وتفصَّل الأدلة عليها. ومنها رسالة من تونس لم أذكر اسم مرسلها هنالك. وهو العلامة الفقيه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور باش مفتي المالكية في ذلك العهد (٣).
٢ - موقع الوقف من الشريعة الإسلامية ، وما يترتب عليه من الآثار. وهو بحث فقهي أُنُفٌ، تلتئم محاوره، وتلتقي عناصره في
стр. 414
الإجابة عن جملة قضايا يثيرها الناس من عصور بعيدة حول الوقف الأهلي (الحُبُس الخاص). وهذه الرسالة تتألف من مقدمة تَلفِت الناظر إلى مقصد الشريعة الإسلامية من تصريف الأموال، ومن أجوبة متعدّدة آخذ بعضها برقاب بعض عن تعريف الوقف في الشريعة الإسلامية، وانقسام الحبس باعتبار المحبس عليه، وهل الوقف من الإسلام؟ وهل يكون فيه حَجر على الرشداء في تصرّفاتهم؟ وهل هو مصلحة أم مفسدة؟ وهل فيه خرق لنظام الاقتصاد العام؟ وهل من حق ولاة الأمور منع الناس من الوقف؟ وهل صدرت قبل عن الفقهاء فتوى بإبطال بعض أنواع الوقف؟
كل هذه المحاور أو العناصر التي تضمَّنها البحث أثارها اقتراح من أحد أعضاء مجلس النواب المصري السيد عبد الحميد عبد الحق إذ نشرت له جريدة الأهرام في ٢٦ جمادي الثانية ١٣٥٥/ أغسطس ١٩٣٦ مقالاً يطالب فيه بتحجير انعقاد الوقف الأهلي، مستنداً لعلل ذكرها في اقتراحه هي التي تومىء إليها الأجوبة الواردة في البحث.
وقد رغب مدير جريدة النهضة بتونس من الإمام الأكبر أن يبدي رأيه من موافقة الأنظار الشرعية أو معارضتها لما تضمّنه ذلك الاقتراح، وعلى تقدير أن لا يرى النظر الشرعي مانعاً منه، فهل تنجر مصلحة للقطر التونسي إذا أجري فيه مثل هذا المقترح أو عمل به؟
فكتب هذه الدراسة المفيدة القيّمة في ٣٢ صفحة، أنجزها في ٢٤ رجب ١٣٥٥ - ١٠ أكتوبر ١٩٣٦ (١).
٣ - الصاع النبوي ، وهو مبحث تناول نشأة الصاع النبوي،
стр. 415
وما ظهر بعده من الأصوع أو الأصواع. وضبطَ به مقدار الصاع النبوي بوجه عام، ومقدارَ الصاع النبوي بمكيال تونس الحالي، ممهداً لهذا البحث بما يدلّ على أهميته وشرف موضوعه. وذلك قوله ﵀: "حقيق على علماء الإسلام أن يهتمّوا بضبط معاني الأسماء التي يناط بها أمر أو نهي في الدين، ضبطاً يساير مختلف الأعصار والأمصار، كي تجري أمور الديانة على سبيل واضحة بيّنة لا يعتريها تردّد ولا يخالجها انبهام. وحق على الأمة أن تطالب علماءها ببيان ذلك لها حتى تكون على بيّنة من الأمر، وحتى تجريَ أعمالها في أمور دينها على طريقة سواء، وإن اختلفت الأسماء وتباعدت الأقطار والأنحاء" (١).
٤ - زكاة الأموال ، وهو تحرير جامع لأحكام هذه الفريضة. بدأ فيه بذكر الموعد الذي اعتاده كثير من أهل تونس لإخراج زكواتهم، ثم تحدث عن نصاب الزكاة وتقديره، وعن زكاة التجارة بنوعيها، الإدارة والاحتكار، وعن مصارفها وطرق أدائها (٢).
٥ - حكم زكاة الأوراق النقدية (٣).
٦ - زكاة الأنعام (٤).
٧ - زكاة الحبوب والأموال (٥).
стр. 416
٨ - الإرث ، مقال نشرته الموسوعة الفقهية (الأعداد التجريبية).
٩ - مقال بعنوان لا صفَر ، وهو وإن نشر في المجلة الزيتونية في باب الوعظ والإرشاد، غير أن المؤلف، بعد حديث مفصّل لمكانة هذا الشهر من السنة القمرية في الجاهلية والإسلام، نبّه إلى العادات غير المستقيمة والبدع التي انتشرت بين الناس. فردّها وأفتى بحرمتها، كصلاة يوم الأربعاء الأخير من شهر صفر التي ابتدعوها تحريفاً للدين. ويوم الأربعاء هذا كان يعرف بين أهل تونس بالأربعاء الكحلاء، أي السوداء لتشاؤمهم منه. وقد ذكر في إبطالها قوله: وهو اعتقاد باطل، إذ ليس في الأيام نحس. قال مالك: الأيام كلها أيام الله، وإنما يفضل بعض الأيام بعضاً بما جعل الله له من الفضل فيما أخبر بذلك رسول الله ﷺ . وأن النافلة التي تقوم بها المبتدعة ويدعون إليها بدعةٌ وضلالةٌ، إذ لا تتلقى الصلوات ذوات الهيئات الخاصة إلا من قبل الشرع. ولم يرد في هذه الصلاة من جهة الشرع أثر قوي ولا ضعيف. فهي موضوعة (١).
١٠ - شهرا رجب وشعبان ، والبحث فيه من نوع البحث المتقدم. وقد أثبت في باب الوعظ والإرشاد أيضاً. واشتمل على آثار كثيرة نقدها المؤلف، وبين ما ورد في الشهرين من أفضلية، وتعرض لبدعة صلاة ليلة النصف من شعبان مناقشاً ما أورده القصّاصون فيها،
стр. 417
وما أذاعوه من عادات يتمسك بها الجُهّال من العامة (١).
من فتاوى المجلة الزيتونية، وعددها ثمانية عشر:
وإضافة إلى هذه المقالات والبحوث نشير إلى بعض ما نشرته المجلة الزيتونية من الفتاوى التي حررها الإمام الأكبر إجابة عما ورد عليه من الأسئلة. ومن موضوعات هذه الفتاوى:
١ - نقل دخول شهر رمضان من بلد إلى آخر بواسطة الهاتف والتليفون أو المذياع والراديو. هل يثبت به الشهر أم لا؟ (٢).
٢ - حكم معاملة أرباب المعاصر لمالكي الزياتين، وإقراضهم شيئاً من المال ثم استيفاؤه زيتاً مع أجرة العصر (٣).
٣ - حكم رجل توفي وترك والدين فقيرين عاجزين وزوجةً وسبعَ بنات قاصرات. وخلف تركة تقدر بمليون فرنك. ولكن هذه التركة مرهونة في دَين قدره ثلاثمائة ألف فرنك، وبما أن قيمة الملك في هذه الظروف منحطّة كثيراً، فلا يمكن بيع شيء من المخلف المذكور لسداد الدين، نظراً للمصلحة في عدم تفويت ملك له قيمة. ولذلك باشر المقدم على هذا الملك دفع الدين المذكور من مدخول كرائه. وبقي الورثة في حالة سيئة من الضيق والاحتياج. فالمطلوب منكم بيان حكم الله فيما يخصّ النفقة على من ذكر لكل فرد من الوارثين. وكيف تكون القسمة
стр. 418
بعد خلاص الدين جازاكم الله عن الإسلام خير الجزاء (١).
٤ - رجل ذو ثروة وله أولاد وبنت. وقد أراد أن يخصص قدراً من ثروته لابنته بعد وفاته، ويترك الباقي على الشياع بين جميع الأبناء، مع أن الأبناء متساوون في الصلاح وضده؛ فهل يجوز له ذلك؟ وهل يصح شرعاً؟ (٢).
٥ - ما قولكم رضي الله عنكم فيمن وقع منه مع زوجته مشاجرة آلت إلى شدة الغضب، فأوقع عليها الثلاث في كلمة واحدة، مع أنه لا قدرة له على التزوج بغيرها، وله أبناء منها؟ (٣).
٦ - إن غالب الناس يحبسون ريعهم وعقارهم على الأولاد دون البنات. فهل تلك الأحباس باطلة، كما ذكر خليل، أم أن ما مشى عليه خليل ضعيف. (٤).
٧ - هل استخلاص أموال الدولة على الحيوان يُطرح منه الزكاة المفروضة شرعاً (٥).
٨ - ما هو حكم الله في بيع حشيشة الدخان؟ وما هو حكم مستعمل تلك الحشيشة؟ (٦).
стр. 419
٩ - المقدار من الزيت يتعلق بالمَصَبّ. هل تحلُّ للبائع أم كيف الحال؟ (١).
١٠ - حكم العمرى في صور وفروع مختلفة (٢).
١١ - هل يحق لمالك الزيت أن يرهنه لدى البنوك ولا يدفع منه فائضاً ربوياً مع التزام الدولة للبنوك بدفع ذلك؟ (٣).
١٢ - من بلغهم الإعلام بدخول شهر شوال بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم، هل يصلّون صلاة العيد بعد بلوغ الخبر أم يصلّونها ضحى يوم الغد، أو لا يصلّونها؟ (٤).
١٣ - تحليف الشاهد بالطلاق لتعزيز شهادته. هل يجوز للحاكم أن يحلّف الشاهد بالطلاق في بلاد يرى أهلها الحلف بها سفاهة، وليستغل الحاكم امتناع الشاهد عن أداء شهادته، تحيّزاً لفريق من المتخاصمين دون الآخر (٥).
١٤ - الزواج من الكتابية لا من الشيوعية التي لا دين لها؟ (٦).
١٥ - حكم رجل تزوج امرأة وولدت له بنين وبنات. وقالت له إحدى القواعد: إنها أخته من الرضاع (٧).
١٦ - استولت الدولة على أرض وقف وبنت بها مسجداً، هل تجوز الصلاة فيه؟ (٨).
стр. 420
١٧ - مشروعية قراءة القرآن جهراً يوم الجمعة قبل خروج الإمام للصلاة (١).
١٨ - حكم قراءة القرآن في محطة الإذاعة (٢).
ومن فتاويه أيضاً ما ورد له فيها من تفصيل واجتهاد وتقرير لبعض القضايا المستفهَم عنها والمُستفتَى فيها. وذلك كالسؤال الذي ورد إليه من المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر ونصه:
اتخذت الجزائر، في نطاق الحرص على وحدة المواسم الدينية في العالم الإسلامي، موقفاً يرمي إلى اتخاذ تقويم قمري يعتمد الحساب الفلكي، فما موقف الشريعة من ذلك. وتاريخ هذه الفتوى ١٠ جمادى الثانية ١٣٩٣/ ١٠ جوليه ١٩٧٣ (٣).
ولعله يكون من المفيد أن نُتبع عرض بعض الفتاوى بأسئلتها والوقوف عندها لمزيد من التعريف والبيان. وهي الفتاوى التالية:
١ - الفتوى الترنسفالية المزدوجة في حكم أكل الموقوذة ونحوها من ذكاة أهل الكتاب، وحكم لباس القلنسوة ونحوها من لباس الكفار.
٢ - ثبوت دخول شهر رمضان ونقل خبر ذلك عن طريق وسائل الإعلام، وقضية توحيد المواسم الدينية في العالم الإسلامي.
٣ - حكم قراءة القرآن عند تشييع الجنازة، وحول الميت، وفي المقبرة عند الدفن (٤).
стр. 421
٤ - إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية (١).
٥ - تحريم وصل المرأة شعرها (٢).
٦ - حكم تعدّد الزوجات (٣).
٧ - حكم التجنس (٤).
٨ - الإفطار في رمضان (٥).
تحليل بعض هذه الفتاوى، وبيان ما قارنها من مواقف وصفات:
ويتجلّى لنا من تحليل هذه الفتاوى بعض مواقف وصفات الشيخ ابن عاشور الفقيه المفتي، التي نعدّ منها:
١ - الجرأة في الحق، والأخذ بما ذهب إليه العلماء من آراء وأحكام، ولو كانت مخالفة لما عليه الجمهور، سواء كانت من مقتضى اللفظ، أو من الملابسات المرتبطة به، أو من دلالات السياق.
٢ - عمق التحليل للأسئلة الواردة عليه، والإجابة عما يرتبط بها من مسائل من غير مواربة، ولكن مع قوة في النظر وقدرة على التمحيص بارزتين.
٣ - الاعتماد على مفادات التراكيب والنصوص الشرعية التي يعود إليها ويستنبط منها، وإن أذى به ذلك إلى الانفراد بالرأي والالتزام به، ما دام هو الحق في نظره والأقوى والأوفق بسنن التشريع وتطوّرات الزمان.
стр. 422
١ - الفتوى الترنسفالية
(حكم أكل الموقوذة ولباس القبعة)
إن مجال تقرير الأحكام في الفقه الإسلامي في هذا العصر، وفتوى الناس فيما يقصرون عن معرفة حكم الله فيه، يتطلّب من المنتصب لهذا المهم تحريراً لمناط الحكم، وتحقيقاً أو حرصاً على إيراد الأدلة القوية الثابتة على صحّته باستمدادها من الكتاب والسنة، وعدم معارضته أو مناقضته للقواعد العامة المعتبرة في الشرع، وأن تكون فتواه بما يراه أقوى دليلاً، وأقوم قيلاً، وأنفى للحرج على المسلمين. وذلك مع الالتفات إلى مقصد الشارع من الحكم وإلى حكمته في تشريعه. وهذا هو منهج المحقّقين من الفقهاء المجتهدين في الدين، الملتزمين بالحق، لا يثنيهم عمَّا قام عليه البرهان لديهم أيُّ رأي أو اتجاه مخالف مهما كان مصدره، ولا يمنعهم من الإعلان عما توصلوا إليه بعدَ النظر، وأيقنوا أنه الحق الذي تطمئن إليه نفوسهم، وإن نازعهم المقلدون هذا الرأيَ، أو خالفهم فيه العابثون بالدين، المناوئون لهم، المتحاملون عليهم.
وأمام تعدد الآراء واختلافها قديماً وحديثاً، وعدم الانصياع أحياناً كثيرة لما هو مقتضى الدرس، ونتيجة البحث والتبصر، وأمام غلواء المكابرين والمعاندين، ورفضهم كلّ الآراء في القضايا المستجدّة إذا خالفت ما اعتادته العامة أو أنكرته الخاصة من المقلّدة، بحكم التزمت والجمود، يبتعد الناس عن الصواب، وتنشأ النزاعات والفتن، وتحتجب الحقائق، وتنتشر الغَواية والضلال يحكمهما الهوى المتَّبَع.
ولتصوير منهج الإمام الأكبر في فتاواه، نقدم نماذج من آرائه المساندة لما يراه من حق، أو تقضي به الملابسات والظروف
стр. 423
والأعراف. فمن ذلك: موقف الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور من الفتوى الترنسفالية.
وَرَدَ على الأستاذ الإمام مفتي الديار المصرية من الترنسفال، أحدِ أقاليم اتحاد جنوب إفريقيا، استفتاءٌ ذو ثلاث شعب، من أحد المسلمين هناك، وقد كان السؤالان الأولان:
١ - حكم لبس المسلم القبعة، لأن كثيراً من أفراد الناس في الترنسفال يلبسون القبعات لبعض مصالحهم، وعود الفوائد إليهم.
٢ - حكم أكل الموقوذة، ونحوها من ذكاة أهل الكتاب، لأن ذبح نصارى هذه البلاد مخالف للذكاة الشرعية عندنا، فهم يضربون البقر بالبلطة ثم يذبحونها بغير تسمية، وكذلك يذبحون الغنم بغير تسمية.
وذهب الأستاذ الإمام محمد عبده في إجابته عن السؤال الأول إلى أن لبس القلنسوة إذا لم يقصِد فاعلُه الخروجَ عن الإسلام والدخولَ في دين غيره لا يعدّ مكفّراً، وإذا كان اللباس لحاجة من حجب الشمس، أو دفع مضرة أو مكروه، أو تيسير مصلحة لم يكره ذلك لزوال التشبّه (١).
وقال في الإجابة عن السؤال الثاني: يجوز أكل ذبيحتهم تلك، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢)، ولأن الله سبحانه حين أباح لنا طعامهم كان أعلمَ بحالهم ونوع ذكاتهم (٣)،
стр. 424
ويدل هذا على أن ذبائح أهل الكتاب حلال عند جماهير المسلمين، وإن لم يكن ذبحها على الطريقة الإسلامية (١).
ووَجَدَت هذه الفتوى معارضةً شديدة من بعض شيوخ العصر. وانقسم الناس حولها، وتحوّل الأمر من استفتاء يجيب عنه رجل مختصّ منتصب رسمياً لإرشاد الناس وبيان أحكام الدين لهم، إلى قضية خلاف ونزاع يبالغ في إنكار وجه الحكم فيها عليه خصومُه من المحافظين المتشدّدين يتّهمونه في دينه وعلمه، ومن السياسيين للنيل من سمعته والتحقير له، وهو زعيم الإصلاح بمصر، ورائد التحرّر الفكري، الداعي إلى الاجتهاد الذي يضطلع به بوصفه أكبر أعلام الأزهر الشريف، ومفتي الديار المصرية يومئذ.
وبتدخّل من ملك مصر الخديوي عباس، والتآمر بين رجال الحزب الوطني على المفتي، انقسم الناس واختلفت الصحف المصرية ووسائل الإعلام، بين مواجهة للمفتي، مندِّدة به، ومتحاملة عليه كالظاهر واللواء والمؤيد، وبين مناصرة ومؤيدة له، ومدافعة عنه كالأهرام والمقطم والمنار والوطن اليومية، أو التمدن والنيل والممتاز والرائد العثماني.
واشتهرت هذه الفتوى في ربوع العالَمين العربي والإسلامي، كما كانت سبباً في إثارة السياسيين والفقهاء عليه. فحمل هذا عدداً كبيراً من العلماء على إعادة النظر فيها، والتنبيه إلى أصولها ومراجعها التي اعتمد عليها الإمام.
وكان من بين أنصاره ومؤيديه في ذلك جماعة من علماء
стр. 425
الأزهر، نشر لهم الشيخ محمد رشيد رضا مقالاً بعنوان إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترنسفالية. ومن بين أفراد هذه الجماعة الشيخ أحمد أبو خطوة، والشيخ سعيد الموحي، وشيخُ رواقِ الحنابلة، وعدد من علماء المغرب العربي منهم الشيخ المهدي الوزاني كبير علماء فاس (١)، وأحد أعلام تونس الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور (٢) الذي لم ينشغل عن فتوى الأستاذ الإمام، بل وقف موقف المحلل لها، المؤيّد لمضمونها بما كتبه فى المسألتين قائلاً فيهما:
أما لباس القلنسوة فحسبهم من حيث التقليد أن الفقهاء ما قالوا: إن لبس أي شيء من ثياب الكفار غير موجب للرِّدّة إلا أن يكون ذلك اللباس لباساً دينياً حيث تنضم إليه قرائن تفيدُ كثرتُها قطعاً بأن صاحبه انفسخ عن الدين (٣).
وأما المسألة الثانية المتعلّقة بذبائح أهل الكتاب فهي ماضية بجملة من الأدلة:
١ - سبقَ أئمةُ المالكية إلى القول بمثل ذلك. فهذا ابن العربي صاحب كتاب أحكام القرآن يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: إن الله سبحانه قد أذن في طعامهم، وقد علم أنهم يسمّون غيره على ذبائحهم، ولكنهم لمّا تمسّكوا بكتاب الله، وعلِقوا بذيل نبي، جعلت لهم حرمة على أهل الأنصاب. والتسمية عند بعض الشَّافعية ليست بشرط، وإن سمى النصراني الإله حقيقة لم