٤ - إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية (١).
٥ - تحريم وصل المرأة شعرها (٢).
٦ - حكم تعدّد الزوجات (٣).
٧ - حكم التجنس (٤).
٨ - الإفطار في رمضان (٥).
تحليل بعض هذه الفتاوى، وبيان ما قارنها من مواقف وصفات:
ويتجلّى لنا من تحليل هذه الفتاوى بعض مواقف وصفات الشيخ ابن عاشور الفقيه المفتي، التي نعدّ منها:
١ - الجرأة في الحق، والأخذ بما ذهب إليه العلماء من آراء وأحكام، ولو كانت مخالفة لما عليه الجمهور، سواء كانت من مقتضى اللفظ، أو من الملابسات المرتبطة به، أو من دلالات السياق.
٢ - عمق التحليل للأسئلة الواردة عليه، والإجابة عما يرتبط بها من مسائل من غير مواربة، ولكن مع قوة في النظر وقدرة على التمحيص بارزتين.
٣ - الاعتماد على مفادات التراكيب والنصوص الشرعية التي يعود إليها ويستنبط منها، وإن أذى به ذلك إلى الانفراد بالرأي والالتزام به، ما دام هو الحق في نظره والأقوى والأوفق بسنن التشريع وتطوّرات الزمان.
стр. 422
١ - الفتوى الترنسفالية
(حكم أكل الموقوذة ولباس القبعة)
إن مجال تقرير الأحكام في الفقه الإسلامي في هذا العصر، وفتوى الناس فيما يقصرون عن معرفة حكم الله فيه، يتطلّب من المنتصب لهذا المهم تحريراً لمناط الحكم، وتحقيقاً أو حرصاً على إيراد الأدلة القوية الثابتة على صحّته باستمدادها من الكتاب والسنة، وعدم معارضته أو مناقضته للقواعد العامة المعتبرة في الشرع، وأن تكون فتواه بما يراه أقوى دليلاً، وأقوم قيلاً، وأنفى للحرج على المسلمين. وذلك مع الالتفات إلى مقصد الشارع من الحكم وإلى حكمته في تشريعه. وهذا هو منهج المحقّقين من الفقهاء المجتهدين في الدين، الملتزمين بالحق، لا يثنيهم عمَّا قام عليه البرهان لديهم أيُّ رأي أو اتجاه مخالف مهما كان مصدره، ولا يمنعهم من الإعلان عما توصلوا إليه بعدَ النظر، وأيقنوا أنه الحق الذي تطمئن إليه نفوسهم، وإن نازعهم المقلدون هذا الرأيَ، أو خالفهم فيه العابثون بالدين، المناوئون لهم، المتحاملون عليهم.
وأمام تعدد الآراء واختلافها قديماً وحديثاً، وعدم الانصياع أحياناً كثيرة لما هو مقتضى الدرس، ونتيجة البحث والتبصر، وأمام غلواء المكابرين والمعاندين، ورفضهم كلّ الآراء في القضايا المستجدّة إذا خالفت ما اعتادته العامة أو أنكرته الخاصة من المقلّدة، بحكم التزمت والجمود، يبتعد الناس عن الصواب، وتنشأ النزاعات والفتن، وتحتجب الحقائق، وتنتشر الغَواية والضلال يحكمهما الهوى المتَّبَع.
ولتصوير منهج الإمام الأكبر في فتاواه، نقدم نماذج من آرائه المساندة لما يراه من حق، أو تقضي به الملابسات والظروف
стр. 423
والأعراف. فمن ذلك: موقف الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور من الفتوى الترنسفالية.
وَرَدَ على الأستاذ الإمام مفتي الديار المصرية من الترنسفال، أحدِ أقاليم اتحاد جنوب إفريقيا، استفتاءٌ ذو ثلاث شعب، من أحد المسلمين هناك، وقد كان السؤالان الأولان:
١ - حكم لبس المسلم القبعة، لأن كثيراً من أفراد الناس في الترنسفال يلبسون القبعات لبعض مصالحهم، وعود الفوائد إليهم.
٢ - حكم أكل الموقوذة، ونحوها من ذكاة أهل الكتاب، لأن ذبح نصارى هذه البلاد مخالف للذكاة الشرعية عندنا، فهم يضربون البقر بالبلطة ثم يذبحونها بغير تسمية، وكذلك يذبحون الغنم بغير تسمية.
وذهب الأستاذ الإمام محمد عبده في إجابته عن السؤال الأول إلى أن لبس القلنسوة إذا لم يقصِد فاعلُه الخروجَ عن الإسلام والدخولَ في دين غيره لا يعدّ مكفّراً، وإذا كان اللباس لحاجة من حجب الشمس، أو دفع مضرة أو مكروه، أو تيسير مصلحة لم يكره ذلك لزوال التشبّه (١).
وقال في الإجابة عن السؤال الثاني: يجوز أكل ذبيحتهم تلك، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢)، ولأن الله سبحانه حين أباح لنا طعامهم كان أعلمَ بحالهم ونوع ذكاتهم (٣)،
стр. 424
ويدل هذا على أن ذبائح أهل الكتاب حلال عند جماهير المسلمين، وإن لم يكن ذبحها على الطريقة الإسلامية (١).
ووَجَدَت هذه الفتوى معارضةً شديدة من بعض شيوخ العصر. وانقسم الناس حولها، وتحوّل الأمر من استفتاء يجيب عنه رجل مختصّ منتصب رسمياً لإرشاد الناس وبيان أحكام الدين لهم، إلى قضية خلاف ونزاع يبالغ في إنكار وجه الحكم فيها عليه خصومُه من المحافظين المتشدّدين يتّهمونه في دينه وعلمه، ومن السياسيين للنيل من سمعته والتحقير له، وهو زعيم الإصلاح بمصر، ورائد التحرّر الفكري، الداعي إلى الاجتهاد الذي يضطلع به بوصفه أكبر أعلام الأزهر الشريف، ومفتي الديار المصرية يومئذ.
وبتدخّل من ملك مصر الخديوي عباس، والتآمر بين رجال الحزب الوطني على المفتي، انقسم الناس واختلفت الصحف المصرية ووسائل الإعلام، بين مواجهة للمفتي، مندِّدة به، ومتحاملة عليه كالظاهر واللواء والمؤيد، وبين مناصرة ومؤيدة له، ومدافعة عنه كالأهرام والمقطم والمنار والوطن اليومية، أو التمدن والنيل والممتاز والرائد العثماني.
واشتهرت هذه الفتوى في ربوع العالَمين العربي والإسلامي، كما كانت سبباً في إثارة السياسيين والفقهاء عليه. فحمل هذا عدداً كبيراً من العلماء على إعادة النظر فيها، والتنبيه إلى أصولها ومراجعها التي اعتمد عليها الإمام.
وكان من بين أنصاره ومؤيديه في ذلك جماعة من علماء
стр. 425
الأزهر، نشر لهم الشيخ محمد رشيد رضا مقالاً بعنوان إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترنسفالية. ومن بين أفراد هذه الجماعة الشيخ أحمد أبو خطوة، والشيخ سعيد الموحي، وشيخُ رواقِ الحنابلة، وعدد من علماء المغرب العربي منهم الشيخ المهدي الوزاني كبير علماء فاس (١)، وأحد أعلام تونس الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور (٢) الذي لم ينشغل عن فتوى الأستاذ الإمام، بل وقف موقف المحلل لها، المؤيّد لمضمونها بما كتبه فى المسألتين قائلاً فيهما:
أما لباس القلنسوة فحسبهم من حيث التقليد أن الفقهاء ما قالوا: إن لبس أي شيء من ثياب الكفار غير موجب للرِّدّة إلا أن يكون ذلك اللباس لباساً دينياً حيث تنضم إليه قرائن تفيدُ كثرتُها قطعاً بأن صاحبه انفسخ عن الدين (٣).
وأما المسألة الثانية المتعلّقة بذبائح أهل الكتاب فهي ماضية بجملة من الأدلة:
١ - سبقَ أئمةُ المالكية إلى القول بمثل ذلك. فهذا ابن العربي صاحب كتاب أحكام القرآن يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: إن الله سبحانه قد أذن في طعامهم، وقد علم أنهم يسمّون غيره على ذبائحهم، ولكنهم لمّا تمسّكوا بكتاب الله، وعلِقوا بذيل نبي، جعلت لهم حرمة على أهل الأنصاب. والتسمية عند بعض الشَّافعية ليست بشرط، وإن سمى النصراني الإله حقيقة لم
стр. 426
تكن تسميته على شرط العبادة، والتسمية على غير وجه العبادة لا تعقل وظن بعضهم أن أكل طعامهم رخصة. والرخصة حلّ تأصّل في الشريعة الإسلامية، فلا يقف على موضعه، بل يسترسل على محصّله كلها، كسائر الأصول في الشريعة، ثم قال ما محصّله: واختلاف تذكيتهم، التي يجيزها أحبارهم ورهبانهم، عن الذكاة الشرعية عندنا لا يمنع من أكل ذبائحهم، لأن الله تعالى أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه (١).
٢ - بنى الشيخ ابن عاشور هذه الفتوى على عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ...﴾ الآية، في حمله على كل ما ذبحوه، ممّا أحل الله لهم أو حرّمه الله عليهم أو حرّموه على أنفسهم، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وتبعه عليه أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم وعبد الله بن وهب (٢). ونقل بهرام عن ابن وهب جواز أكل ما ذبح للصليب أو غيره من غير كراهة نظراً إلى أنه من طعامهم (٣).
٣ - الأخذ بما قرّره الحنفية في أصولهم من أن العام الوارد بعد الخاص يكون ناسخاً له، وعموم طعام أهل الكتاب وارد بعد ذكر المحرمات، فيشبه أن يكون وروده مورد النسخ بعد النص.
٤ - جعل قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ معطوفاً على آية: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ من باب عطف الجملة على الجملة، وفيه دليل على أن طعام أهل الكتاب حلال متى لم يكن على
стр. 427
شروطنا. وفي هذا رخصة ومنَّة لكثرة مخالطة المسلمين أهل الكتاب. فلو حرّم الله عليهم طعامهم لشقّ ذلك عليهم (١).
وقد أحدث هذا التأييدُ ما أحدثته الفتوى الأصلية الصادرة عن الأستاذ الإمام. وحمل الشيخ بلحسن النجار بتونس، وهو من المتشدّدين، على فتوى الإمام الأكبر، وعارضه فيها معارضة شديدة (٢).
٢ - ثبوت دخول الشهر شرعاً، وتوحيد المواسم الدينية
ليست هذه فتوى واحدة أو مزدوجة، ولكنها كسابقتها إجابة عن سؤالين مختلفين:
السؤال الأول منهما والإجابة عنه ترجع إلى شهر رمضان ١٣٥٥/ ١٩٣٦. وملخصه: هل نقل الخبر بثبوت دخول شهر رمضان شرعاً بالتليفون ونحوه كالإذاعة، من بلد إلى آخر ملزم لأهل البلد المخبَر بالصيام؟ وهل يقاس هذا النوع من الإخبار في الأمور العبادية على مثله في الأمور العادية؟
والسؤال الثاني والإجابة عنه ينفصل في حدود الزمن عن الأول بثمانية وثلاثين عاماً لوقوعه بعده في جمادى الثانية ١٣٩٣/ ١٩٧٣. وملخصه: الاستفتاء عن اتخاذ تقويم قمري يعتمد الحساب الفلكي ببيان موقف الشريعة من ذلك.
стр. 428
ولظن عدد من القراء أن الفتوى الثانية تتصل بالأولى، وفي موضوعها، وأنّها أو بها تعديل لأحكامها، أحببنا الجمع بينهما مع اختلاف زمني وقوعهما، لبيان تغايرهما موضوعاً وحكماً.
الفتوى الأولى:
عند التأمل نجد الإمام الأكبر قد مهّد لفتواه هذه بتقدير ما يقع الناس فيه من جدل وحيرة. فحسَم الأمر بأن فصلَ القول في ذلك حتى تكون فتواه علمية شرعية. وهذا ما عناه في بداية إجابته من قوله: إن هذه المسألة قد كثر فيها خوض الخائضين وتخليط الناظرين، يخلطون بين مختلف الأقوال، ومختلف الصور والأحوال. وإنما الفتوى إجادة التنزيل لا كثرة القال والقيل.
ولبناء فتواه على أسس ثابتة مرعية، وقواعد واتجاهات حكمية وفقهية، ذكر أولاً ما بين طرق ثبوت الأمور الشرعية في العبادة والمعاملة من اختلاف مع طرق ثبوت الأمور العادية. ولبيان ذلك قدم لنا صوراً وأمثلة تشهد لهذا الاختلاف، ولأن الأمر كما قيل في العاديات مطلق، وهو في غيرها محصور ومقيّد.
فطريق ثبوت أوقات الصلوات أذان المؤذنين وإخبار المؤقتين.
وطريق ثبوت نجاسة الماء إخبار رجل أو امرأة موصوف بالعدالة. وطريق ثبوت شهر الصيام أو الفطر الشهادة برؤية الهلال ليلة ثلاثين من الشهر السابق، إذا كان الرائي رجلين عدلين أو جماعة مستفيضة، أو بإكمال الشهر السابق ثلاثين يوماً.
وطريق ثبوت الحقوق يكون بشهادة عدلين، وشهادة عدل
стр. 429
وامرأتين فيما يرجع للمال. إذا لم يوجد إلّا رجل عدل واحد.
وطريق ثبوت العيوب إخبار من له معرفة بها، وإن لم يكن عدلاً.
ولتأكيد ما ذهب إليه من التفريق بين الرواية والشهادة يقول إثر هذا: وقد يحصل الاطمئنان لطريق من طرق الثبوت العادية، ولا يجزىء ذلك الطريق في الأمور الشرعية، لأن الشريعة عيّنت لأسباب ثبوت التكاليف طرقاً خاصة، رعْياً لأهميتها، ولما يترتَّب عليها من المصالح. فلا يجوز لنا أن نتعداها بقياسها على الأمور العادية.
وعَقِب هذا التفريق الدقيق بين طريق الرواية وطريق الشهادة أشار الإمام إلى اختلاف أئمة الفقه في وجوه طريق ثبوت رمضان. والمشهور من مذهب مالك وعامة أصحابه، ما عدا ابن الماجشون، أن طريق ثبوت رمضان من قبيل الشهادة. وهو وإن كان فيه شائبة الرواية وشائبة الشهادة فقد غلب عليه عند مالك شائبة الشهادة لأدلّة من السنة الصحيحة (١)، ولمراعاة إجراء أمر المسلمين على انتظام في القطر الواحد وفي سائر الأقطار بقدر الإمكان، ولاتقاء تعريض عبادتهم إلى ظهور ما يناقضها من تبيّن كذب المُخبر أو توهُّمه. ويترتب على كون قبوله من طريق الشهادة أن لا يكون ثبوته بواسطة القضاة، وأن يكون ثبوته بواسطتهم شبيهاً بالحكم الرافع للخلاف. وكون هذا الأمر قابلاً لتعيين العمل بأحد المذاهب من قبل السلطان هو من قبيل تخصيص القضاء بمذهب معين. وعلى هذا جرى الأمر بتونس، إذ أسندت مهمة ذلك من أمر الصوم والفطر إلى قاضي
стр. 430
الأهلّة بها، وهو قاضي المالكية. وطريق ثبوت الشهر لديه، إذا لم يكن على كمال ما قبله، رؤيةُ المكلف بمراقبة الهلال، أو إخبار رجلين عدلين برؤية هلال رمضان ليلة ثلاثين، أو شهادة مستفيضة وإن لم يكونوا معروفين بالعدالة. وثبوت دخوله عند القاضي المالكي موجب للثبوت العام لما قدمنا. وثبوت رمضان شرعاً نوعان: ثبوت عام وهو الأغلب، وثبوت خاص وهو النادر، وطريق الثبوت العام يحصل بثلاثة وجوه:
١ - حصوله بشهادة عدلين أو جماعة مستفيضة عند القاضي برؤية الهلال كما قدمنا.
٢ - حصوله بخطاب قاضي بلد آخر إياه بثبوت رؤية هلال رمضان عنده، إذا توفّرت في ذلك شروط خطاب القضاة.
٣ - حصوله بنقل ناقل للقاضي أن الشهر ثبت في بلد آخر حضره الناقل.
وهذان الوجهان الأخيران مبنيَّان على القول بأن ثبوته في موضع يعمُّ سائر الأقطار إذا نقل إلى قضاتها، وهو المشهور.
وإن كان الناقل ناقلاً عن رؤية عدلين فلا بد أن يكون الناقل عدلين أيضاً، اتفاقاً بين رجال المذهب، لأنه من باب نقل الشهادة.
وإن كان الناقل ناقلاً عن شهادة مستفيضة فقد اختلف علماء المذهب فريقين:
ذهب الشيخ أبو عمران الفاسي وابن رشد الجد وخليل وبهرام وابن فرحون إلى أنه لا بد أن يكون الناقل للقاضي عن المستفيضة عدلين، إلا إذا وجّه القاضي من تلقائه عدلاً يستكشف له الخبر عن ثبوت الشهر في بلد ما، فحينئذٍ يعمل القاضي بخبره، ويثبت بها الشهر ثبوتاً عاماً.
стр. 431
وذهب أحمد بن خالد بن ميسر إلى قبول العدل الواحد في الشهادة المستفيضة، ويثبت به الشهر عند القاضي، وهو اختيار ابن أبي زيد وابن يونس والباجي لاعتبارهم إياه مخبراً لا شاهداً أو ناقلاً للشهادة.
وإن كان الناقل نَقَلَ ثبوت الشهر عند قاضي بلد آخر فحكمه كحكم النقل عن الشهادة المستفيضة قولان.
والذي به العمل ويجري على القواعد، قول الفريق الأول.
وأما طريق الثبوت الخاص فيحصل بالوجه الثالث من الوجوه الثلاثة المتقدمة. لا يخالف في ذلك غير ابن رشد الذي يرجح الاكتفاء بالعدل الواحد على ما ذهب إليه ابن ميسر وموافقوه.
ويترتب على التفاصيل المذكورة لزوم عرض الإخبار بالتليفون على قاعدة ثبوت الشهر شرعاً فلا نجريه على اعتيادات الناس في مخاطباتهم العادية. فإن كان الإخبار بالتليفون وارداً إلى قاضي البلد الذي لم ير فيه الهلال فإن كان المخبِر قاضياً، وكان المخبَر قد تحقق صوته، أو اصطلحا على علامة بينهما لم يطلع عليها غيرهما، ثبت الشهر في هذه الصورة بهذا الخطاب التليفوني. وكذلك إن كان المخبِر نائبَ القاضي المخبَر كقضاة الكور لقاضي الجماعة. وإن كان المخبِر غير قَاضٍ ولا نائباً عن المخبَر اشترط في قبوله لدى القاضي المخبَر أن يكون خبر عدلين معروفي العدالة لدى قاضي الجماعة المخبَر، وأن يكون إخبارهما بصريح الشهادة بكونهما سمعا من العدلين أو من المستفيضة أو من القاضي الذي ثبت لديه الشهر.
وكما يثبت الشهر عند القاضي بخطاب قاضٍ آخر بالتليفون يثبت عند نواب القاضي، وعند كل من له ولاية تخوّله الإعلان بثبوت
стр. 432
الشهر إذا تلقى الإعلام بذلك من القاضي أو نوابه. ويثبت عند العامة بالعلامات المرفقة بثبوت الشهر. وأما إخبار الناس بعضهم لبعض فهو من الإخبار الخاص على ما سبق، ويُقصَر حكمه على المخبَر وأهله، واختلف في إجبارهم على الصوم وحملهم عليه، ولا ينبغي أن يشيع ذلك في الناس فيوقعهم في حيرة، ولم يجب عليهم الصوم بخبره، ولم يجزِهم إذا صاموا بخبره، لأن الثبوت العام لا يكون إلا من القاضي أو أحد نوابه.
وحكم ثبوت رمضان بواسطة المذياع من بعض مراكز الإذاعة في البلاد الإسلامية يتحقق به ثبوت رمضان ثبوتاً شرعياً عند السامعين. فإذا اصطلح قضاة الأمصار التي بها مراكز إذاعية على تنظيم الإخبار بثبوت الشهر لدى أحدهم بواسطة المذياع، فيلزم أن يعين كل واحد منهم رجلاً يوجه من طرف القاضي للإخبار بثبوت دخول الشهر، وبذكر المخبِر العلامةَ المصطلح عليها بينهم، فيكون ذلك من قبيل خطاب القضاة (١).
الفتوى الثانية:
لم يتقيد الإمام الأكبر في هذه الفتوى بالمذهب الواحد. ونبّه في أولها إلى أن الأهلَّة مواقيت للصيام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، وإلى أن حق تقليل الاختلاف بين أحوال المسلمين يقضي بأن لا يُغفل عن تغيّر الأحوال عما كانت عليه في القرون الماضية. فاتصال أخبار البلدان وتعرفهم لأحوالهم لم يعد
стр. 433
بطيئاً أو معرضاً للشك والنسيان، ومبادرة كل بلد إلى الأخذ بما يحصل لديه من ثبوت الشهر شرعياً أمر ممكن.
وقد قامت الأدلة على أن ثبوت دخول الشهر سابق في بعض البلاد عنه في البلاد الأخرى، وجرت أقوال المذاهب الأربعة على أن لا عبرة باختلاف المطالع. ومن ثمّ فلو صام أهل البلد تسعة وعشرين يوماً برؤية الهلال في بلدهم، وصام أهل بلد آخر ثلاثين يوماً بالرؤية، فإن الذين صاموا تسعة وعشرين يوماً يجب عليهم قضاء صيام يوم.
قال الحنفية: هذا قول أكثر المشايخ (١).
وقال الشافعية: في المسألة قولان مصحّحان.
وقال الحنابلة: لا خلاف في أن رؤية أهل بلد تلزم بقية البلدان.
ويتبيّن من هذا أن ما ذهب إليه ابن رشد الحفيد وابن جزي من الإجماع على اعتبار خلاف المطالع بين البلاد التي ثبتت فيها الرؤية وبين البلاد النائية عنها جداً مثل بُعد الأندلس من الحجاز ادعاء غير صحيح.
وللإجابة عن السؤال المطروح، وهو اعتماد الحساب الفلكي لإعداد تقويم قمري، لا بد بعد بيان ما سبق أن نعود إلى تأصيل النظر فيه بردِّه إلى ثلاث قواعد ينبني عليها الجواب.
توقيت فريضة الصوم:
القاعدة الأولى:
إن الصوم عبادة وَقَّت لها الشارع وقتاً تقع فيه، وهو شهر رمضان. وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من الكتاب (البقرة: ١٨٣ -
стр. 434
١٨٥، ١٨٧). وبمجموع ذلك حصل تعيين العبادة المفروضة، وتحديدها، وحصر زمانها. فوجب على الناس تعيين هذا الشهر مبدأ ونهاية. وكان العمل في ذلك يوم نزول القرآن للتعريف بحدود الشهر الاحتكامَ إلى تجدد ضوء الهلال عقب محاقه. ولمعرفة وجود الهلال عقب المحاق في علم الله طرق:
الرؤية البصرية: وهي الطريق الحسي الضروري الذي لا خلاف في العمل به.
مرور ثلاثين ليلة من وقت استهلال الهلال الذي سبَقَه: وهذا الطريق قطعي تجريبي، إذ رصد الناس، في جميع الأرض، وفي كل العصور، أحوال ظهور الهلال فوجدوه لا يتأخّر عن ذلك التقدير من الأيام، وتحقق لديهم ذلك واشتهر. فصار قطعياً. وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة.
دلالة الحساب الذي يضبطه العلماء بسير النجوم: وهو علم لا يتطرق قواعدَه الشكُّ، وحساب تحققت سلامته من الغلط، ويسمى هذا الحساب تقويماً. وجرى العمل به في التقويم الشمسي قديماً وحديثاً، واتبعه المسلمون في تحديد أوقات الصلوات، وأوقات الإمساك والإفطار في رمضان. والتقويم القمري مثله ولا يختلف عنه، وقد جَرَّبَه العرب إلا أن فقهاء المذاهب الأربعة منعوا العمل في إثبات الشهر الشرعي بحساب المنجمين وأهل التقاويم، ويبدو أن هذا الموقف كان بسبب أن وجود الهلال لم يكن يعرف في العصور الماضية سوى بالرؤية. لذلك قال النبي ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاقدروا له". ويتعين أولاً أن نلاحظ خلو متن الحديث من صيغة قصر الصوم على حالة رؤية الهلال. وقياس حساب المنجمين على رؤية الهلال قياس جلي.
стр. 435
والملاحظ ثانياً أن رؤية العين تتعذر بعد مضي ساعات من تكوين الهلال، وبعد خروجه من بقايا شعاع الشمس عند الغروب، يكون حساب التقويم أولى منها، وربما احتاج ضعفاء البصر إلى الاستعانة على الرؤية بوضع نظارات ولكن النظارات متفاوتة في تقريب المرئي، فليس سواء النظارات العادية والمنظار المكبّر والتليسكوب. وغني عن ذلك التقويمُ لأنه طريق علمي يكسب الظن القريب من القطع بثبوت الهلال. وإذا كان الشرع قد اعتمده في ضبط أوقات الصلاة فلا وجه لترك قياس وقت ثبوت شهر الصوم على الصلاة، إذ لا فرق بينهما إلا بأوصاف طردية لا تؤثر في الإجراء الشرعي.
واحتج الفقهاء على عدم اعتماد الحساب الفلكي بقول الرسول ﷺ : "إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا". وهذا لا يمنع من اعتماد التقويم لكون الحديث من قبيل مسلك الإيماء إلى علة قياس الحساب على رؤية الهلال بالبصر. ومعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً. هذا وإن للناس غنية عن اعتماد الحساب واعتماد المراصد الفلكية في أشهر بلاد الإسلام.
القاعدة الثانية:
اعتبار فقهاء المذاهب الأربعة أنه إذا رؤي الهلال نهاراً فهو لليلة القادمة بدون تفصيل. وإذا رؤي ليلاً فذلك بداية الشهر القمري في البلد الذي رؤي به الهلال، وفي كل بلد يشاركه في الليل. فبداية اليوم على هذا تكون بغروب الشمس لا بطلوع الفجر. وعلى هذا الأساس يكون ثبوت الصوم والفطر.
стр. 436
القاعدة الثالثة:
عند تعارض الرؤية مع الحساب، يقدم الحساب وترد الرؤية بالاستبعاد العادي إذا كانت بصرية. ذكر فقهاء المالكية أن مخالفة التقويم للشهادة موجب رد الشهادة في غير شهادة رؤية هلال الشهر الشرعي، فهو لا يوجب رد شهادة رؤية هلال الصوم وهلال الفطر. وللشافعية في هذا قولان، اختار السبكي رد شهادة الرؤية بتلك المخالفة (١) لأن الحساب قطعي والرؤية ظنية. وكلام فقهاء الحنفية غير صريح ولم أقف على قول الحنابلة.
وبعد استعراض المذاهب في المسألة قال الشيخ ابن عاشور: الوجه الشرعي في نظري رد الشهادة باستبعادها كما في مختصر خليل. والقول بذلك يستند إلى أصل وهو قول النبي ﷺ : "لا يشهد حضري على بدوي" ولا شك أنه لو ادَّعَى شاهدان أنهما رأيا الهلال في مكان غيّم الغيم سماءه أن لا تقبل شهادتهما. وفي شهر الحج تكون رؤية هلال ذي الحجة بواسطة المرصد، ويعتبر بحالة مكة وما حولها، لأن الحج عبادة يقوم بها الحجيج الذين يحلّون بمكة، فمبدأ تلك العبادة هو الشهر الذي كان مبدؤه بمكة.
وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة ١٨ (٦/ ٣) ينص على أمرين:
أولاً: إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصيام والإفطار.
ثانياً: يجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي
стр. 437
والمراصد، مراعاة للأحاديث النبوية، والحقائق العلمية (١).
٣ - حكم قراءة القرآن عند تشييع الجنازة وحول الميت وحول قبره عند دفنه
ورد هذا السؤال على الشيخ ابن عاشور طلباً لبيان حقيقة هذا الأمر وتطلعاً إلى وجه الحكم فيه. فكتب يقول أولاً:
إن السنّةَ في المحتضِر، وفي تشييع الجنازة، وفي وقت الدفن هي الصمت للتفكر والاعتبار. فإذا نطق الحاضر فليكن نطقه بالدعاء للميت بالمغفرة والرحمة. فإن دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مرجوّة الإجابة. وأما قراءة القرآن على الميّت حين موته، أو حين تشييع جنازته، وحين دفنه فلم تكن معمولاً بها في زمن الرسول ﷺ وزمان الصحابة، إذ لم ينقل ذلك في صحيح السنّة والأثر، مع توفر الدواعي على نقله لو كان موجوداً، إلا الأثر المروي في قراءة سورة يس عند رأس الميت، على خلاف فيه. ولهذا كان ترك القراءة هو السنّة، وكان أفضل من القراءة في المواطن الثلاثة المذكورة.
وبعد هذا التقرير الذي لا يدفعه دافع ولا يردّه منكر، التفت الشيخ إلى بيان حكم من فعل ذلك. وهذا القسم من الإجابة هو المبحوث فيه على الحقيقة والمختلف عليه. فجاء في الجزء الثاني من فتواه قوله: وحينئذٍ تكون قراءة القرآن في تلك الصورة إما مكروهة، وإما مباحة غير سنة فتكون مندوبة، وإما مندوبة في بعضها دون بعض.
وفي ختام هذه الفتوى ورد قوله: وعليه فكل من يتصدّى لمنع
стр. 438
أقارب الأموات من تشييع جنازتهم بالقراءة فقد أنكر عليهم بغير علم، واجترأ عليهم بالتدخل بدون سبب يحق له ... فإن هم تجوزوا ذلك، فحق على ولاة الأمور في البلدان أن يدفعوا عن أهل المأتم عادية من يتصدى بزعمه لتغيير المنكر دون أن يعلم. وتفصيل القول في ذلك يعود أولاً إلى ما يشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من خصال تقتضي أن يكون رفيقاً بما يأمر، رفيقاً بما ينهى، وعدلاً بما يأمر، عدلاً بما ينهى، وعالماً بما يأمر، عالماً بما ينهى (١).
فإن لم يقدر الداعي على القيام بواجب الدعوة إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه. وذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهره للسلاح بين الناس قد يكون مخرجاً للفتنة، وآيلاً إلى فساد أكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). وإلى هذا المعنى أشار بعض المفسّرين حين قالوا: لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. والذي يقرر هذا المعنى هو مدلول النص القرآني ذاته. فهناك دعوة إلى الخير، ولكن هناك كذلك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان.
وقد عزز الإمام الأكبر هذه المعاني بقوله: وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط مبيّنة في الفقه والآداب الشرعية، إلا أني أنبّه إلى شرط أساء فهم بعض الناس له، وهو قول بعض الفقهاء: يشترط أن لا يجرّ النهي إلى منكر أعظم. ولما كان تعيين الكفاءة
стр. 439
للقيام بهذا الفرض في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراتب القدرة على التغيير وإفهام الناس ذلك، رأى أئمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها وسمّوا تلك الولاية الحسبة (١).
وقد أثارت هذه الفتوى كسابقتيها جدلاً قوياً ونزاعاً عنيفاً ومهاجمة للإمام الأكبر في علمه وورعه والتزامه المنهج العلمي في تقريره، وسلقته أقلام جريدة البصائر الجزائرية بألسنة حداد (٢).
وإنا لنعجب من هذا كله خصوصاً إذا تأمّلنا المحاور الثلاثة التي جمعها هذا النص، وقدّرنا ما في التحامل على صاحب الفتوى من تعصّب وعناد، دفعت إليهما ظروف المعركة الإصلاحية بالجزائر، وقامت على اتجاهاتها حركتُهم.
٤ - إحرام المسافر إلى الحج في المركبة الجوية
تردّد النظر في إلحاق حكم راكب الطائرة وحكم راكب السفينة إذا كان محل نزوله بأرض الحجاز متجاوزاً ميقات الإحرام المعيّن من طرف أهل الفقه.
والأصل المعتمد في ذلك هو ما رواه ابن نافع عن مالك: لا يُحرِم الحاج في السفينة. وهذا يحتمل وجوب النزول إلى الميقات. وفيه مشقّة ينبغي نفيها عن الدين. ويحتمل أن يريد أنه يرخص له تأخير الإحرام إلى النزول إلى الأرض.
стр. 440
وما رواه أيضاً في النوادر عن محمد بن المواز. قال مالك: من حج في البحر من أهل مصر وشبههم، يحرم إذا حاذى الجحفة. اهـ. وظاهره أن ذلك حكم إحرامه، ولا يجوز له تجاوز سمت المحاذاة غير محرم بالنيّة والتجرد من مخيط الثياب.
وفصّل سَنَد فقال: إن كان المسافر في البحر محاذياً للبر، مثل السفر في بحر القلزم، أحرم إذا حاذى ميقات أفقه، لأنه يمكنه النزول إلى البر ليحرم من ميقاته - أي بدون مشقة، لأن البر قريب - ويجوز تأخير الإحرام للمشقّة، لكن عليه هدي لأن التأخير رخصة، والرخصة تدفع الإثم في التجاوز ولا تسقط وجوب الهدي.
وأما من سافر في بحر لا يحاذي الشواطىء، مثل بحر الهند وبحر اليمن وبحر عيْذاب، فيجوز له تأخير الإحرام ولا هدي عليه، لأنه إذا جاز له التأخير انتفى وجوب الهدي، حتى يدل دليل على وجوب الهدي مع جواز التأخير، ولا دليل عليه. فلا يحرم حتى يصل إلى البر، إلا أن يخرج على البر أبعد من ميقات أفقه. اهـ. ووافقه القرافي في الذخيرة، وابن عرفة، والتادلي وابن فرحون في شرح ابن الحاجب وفي مناسكه. قال الحطاب: وشاهدت الوالد يفتي به غير مرة. اهـ.
وبعد ذكر المراجع المعتمدة التي أكدت رأي سند ووافقته تخلّص الإمام الأكبر إلى ذكر فتواه قائلاً: الحق أنه لا يحرم حتى ينزل إلى البر، لأن تكليف النزول في أثناء السير لأجل الإحرام مشقة، وتكليفهم الإحرام في السفينة مشقة أيضاً لطول مدة التجرد ولوازم الإحرام.
أما المسافر في الطائرة فهو لا يمر بالأرض أصلاً، ولا يتصور
стр. 441
فيه إمكان النزول قبل الوصول إلى المنازل الملائمة لنزول الطائرة، فلا يتصور فيه إمكان النزول حتى يرخص له التفادي عنه بالإحرام في الطائرة، ولأن الإحرام في الطائرة مشقة ومضرّة، لشدة برودة الجو، ويحتاج إلى التدثر بالثياب، وفي الغالب لا يوجد في ثياب الإحرام ما يصلح للتدثر.
وأما موقع الإحرام في صورة من لا يحرم حتى ينزل إلى البر، ففي شرح الحطاب عن سند: لا يرحل الحاج عن جدة إلا محرماً، لأن جواز التأخير إنما كان للضرورة، وهل يحرم إذا وصل البر، أو إذا ظعن من جدة؟ الظاهر إذا ظعن، لأن سنة من أحرم وقصد البيت أن يتصل إهلاله بالمسير. اهـ. (١).
٥ - وجهُ تحريم وصل الشعر أو الباروكة
هذه قضية لم يسأل عنها الإمام الأكبر ليفتي فيها برأي، وإنما هي من الموضوعات التي تناولها في تفسيره (٢)، ونبّه عليها في مقاصده (٣).
وقد اشتهرت بين الناس الأحاديث الخمسة التي صدّر بها ابن حجر تفسيره للباب ٨ باب وصل الشعر، من الكتاب ٧٧ كتاب اللباس من فتح الباري (٤).
وهي حديث معاوية الذي يقول فيه: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 442
ينهى عن مثل هذا (أي وصل الشعر). ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم"، يشير إلى ما في وصل الشعر بقَصة منه من التزوير.
وحديث أبي هريرة: "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة".
وحديث عائشة: سألت النبي ﷺ عن جارية من الأنصار تمعط شعرها فقالت: أَفَنَصِلُها؟ فأنكر النبي عليها ذلك.
وحديث أسماء بمعنى السابق، وكذا حديث ابن عمر.
وقد استنبط الفقهاء من الحديث الأول حكم وصل الشعر واختلفوا في ذلك مذاهب متعددة:
قال الجمهور بمنع وصل الشعر بشيء آخر سواء كان شعراً أم لا.
وقال الليث: الممتنع من ذلك وصل الشعر بالشعر.
وعن سعيد بن جبير: لا بأس بالقرامل.
وفرّق بعضهم بين ما إذا كان ما وصل به من الشعر من غير الشعر مستوراً بعد عقده مع الشعر، وبين إذا ما كان ظاهراً. فمنع الأول فقط قوم لما فيه من التدليس، وأجاز بعضهم الوصل مطلقاً سواء كان بشعر آخر أو بغير شعر إذا كان بعلم الزوج وإذنه (١).
ودلت الأحاديث الأربعة الأخرى على حرمة وصل الشعر للفاعل والمفعول به. واعتبر العلماء ذلك النهي نهيَ تحريم لا نهي تنزيه.
ويقابل هذه الآراء أو بعضها ما جاء في كلام عائشة من أن
стр. 443
المراد بالواصل المرأة تَفْجُر في شبابها ثم تصل ذلك بالقيادة (١). قال الشيخ ابن عاشور: وقد كانت تتخذ من هذا التزيين سمة لها، وجرت العواهر والمشركات على ذلك. وإلا فلو فرضنا هذه منهياً عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك. وليس من تغيير خلق الله التصرفُ في المخلوقات بما أذن الله فيه، ولا ما يدخل في معنى الحُسن ... وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنما يكون إثماً إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان (٢).
وإذا عدنا إلى مقاصد الشريعة وجدنا الإمام الأكبر يقول في سياق حديثه في هذا الموضوع: ومن معنى حمل القبيلة على عوائدها في التشريع إذا روعي في تلك العوائد شيء يقتضي الإيجاب أو التحريم يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعود ... فإن الفهم يكاد يضلّ في هذا، إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزيّن المأذون في جنسه للمرأة ... فيتعجب من النهي الغليظ عنه. ووجهه عندي الذي لم أر من أفصح عنه أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها (٣).
٦ - تعدد الزوجات
في هذا الموضوع كلام مفصّل جليل لا يجوز أن يُنْحَرَف به إلى
стр. 444
إباحة تعدد الزوجات أو منعه، وإنما هو الرخصة المقيّدة، تَحدَّثَ عن جميع ملابساتها الإمام الأكبر في تفسيره لقوله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١). وبذلك تحصَّل القول الفصل من كلامه في مفردات عديدة قصدها الشارع أو نبّه عليها، نقف عند بعضها لمزيد البيان. فمن ذلك: أحوال وأحكام النكاح في الجاهلية والإسلام، وتحديد عدد الزوجات وتوزيعه، وأهداف التعدد، والعدل بين النساء، والاكتفاء بالواحدة والاقتصار عليها لمن لا يستطيع العدل بينهن، أشار إلى المقارنة بين ما كان عليه الزواج في الجاهلية وما جاء به الإسلام بقوله: قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي وقتادة: كانت العرب تتحرَّج في أموال اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء. فكانوا يتزوّجون العشرة فأكثر فنزلت الآية في ذلك. وعلى هذا القول فمحل الملازمة بين الشرط والجزاء إنما هو فيما تفرع عن الجزاء من قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ... وقال عكرمة: نزلت في قريش. كان الرجل يتزوج العشر فأكثر، فإذا ضاق ماله عن إنفاقهن أخذ مال يتيمة فتزوج منه.
وقال مجاهد: الآية تحذير من الزنى.
وليس قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إثباتاً لمشروعية النكاح، لأن الأمر معلّق على حالة الخوف من الجَور في اليتامى، فهو إذن للإرشاد. ومشروعية النكاح ثابتة بالإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع، ونكاح المقت، والمحرّمات من الرضاعة، والأمر بأن لا يخلو النكاح من الصداق.
стр. 445
وتعدّد الزوجات مع التوزيع مثنى وثلاث ورباع يكون باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطَّوْل، والزيادة على الأربع محرّمة بالسنة تمهيداً لشرع العدل بين النساء. فقد قال ﷺ لغيلان بن مسلمة حين أسلم على عشر نسوة: أمسك أربعاً وفارق سائرهن. وظاهر الخطاب للناس يعم الحر والعبد عند مالك، وهو قول أبي الدرداء، والقاسم بن محمد، وسالم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومجاهد. وبه قال أبو داود خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. وينسب التنصيف للعبد إلى عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والحسن.
وإنما شرع تعدّد الزوجات للقادر العادل لمصالح جمة: منها تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها، ومنها كفالة النساء اللائي هن أكثر من الرجال عدداً، ومنها الحيدة عن الزنى الذي حرمته الشريعة لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب وانتظام العائلات، ومنها قصد الابتعاد عن الطلاق إلا للضرورة.
والاقتصار على الواحدة حق لمن يخاف عدمَ العدل بين الزوجات، أي عدم التسوية بينهن في النفقة، والكسوة، والبشاشة، والمعاشرة، وترك الضر عن كل ما يدخل تحت قدرة المكلف وطوقه دون ميل القلب.
وقوله: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إشارة إلى الحكم الذي يسلم معه الإنسان من الجور. فإن التعدّد يعرّض المكلَّف إلى الجور، وإن بذل جهده في العدل لما في النفس من رغبات وغفلات. وهكذا يصبح الاقتصار على المرأة الواحدة ساداً لذريعة الجور، كما تتضمن الآية ترغيباً في الاقتصار على الواحدة تقليصاً للنسل وتقليلاً للنفقة فيبقيان على الزوج مالَه ويدفعان عنه الحاجة.
стр. 446
وفي بيان هذه الأحكام وتقريرها في تفسير الإمام التحرير والتنوير ما يبطل تأوّلات المخالفين، وتقولات الملفّقين، ويدفع المؤمنين إلى الالتزام بشرع الله والعمل بكتابه وسنة رسوله (١).
٧ - حكم التجنس أو فتوى التجنيس
التجنّس: الحصول على جنسية، وأصله فهو مطاوع للأول، والتجنيس والجنسية هي الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو لأمة.
وحكم التجنس، أو فتوى التجنيس، قضية شاعت في البلاد التونسية وشغلت الناس كلهم بداية من العقد الثاني للقرن العشرين. وسببها في حقيقة الأمر موقفان متناقضان متدافعان: موقف المحتل الأجنبي الفرنسي، وموقف المناضل المكافح التونسي.
يدعو الأول إلى تكثير سواده في البلد بإدخال العناصر الكثيرة المتساكنة بتونس من إيطاليين ومالطيين ويهود وغيرهم في جنسيته ليكونوا فرنسيين، وفي صفه. ويفتح الباب على مصراعيه لتحويل السكان الأصليين العرب عن قوميتهم والإنعام عليهم بجنسية الحاكم المغتصب. وشرعت لهذه الغاية قوانين التجنس: الأول الصادر بتونس في ٣/ ١٠/ ١٩١٠، والثاني المؤرخ في ٢٠/ ١٢/ ١٩٢٠. ثم محاولة التجنيس بصفة أوسع وأشمل في ١٩٣٣ للسيطرة على كل المؤسّسات والهيئات النيابية وبالزيادة الملموسة في مرتبات حاملي الجنسية الفرنسية بتونس من أصحابها ومن الملحقين بهم.
ويتولّى الثاني الدفاع عن بلده والذود عن حوضه وبذل كل الوسائل
стр. 447
واستخدام كل طرق المقاومة والكفاح من أجل أن يبقى وطنه محافظاً على هويته، متميزاً بقيمه وعاداته وتقاليده، وعقيدته وشرعه ونظامه، غير قابل للاستلحاق ولا للذوبان في الغير مهما كان هذا الغير.
وسبق كل تدبير كيدي من الفئة الأولى ما روّجته الفئة الثانية عن المتجنس من كونه مفارقاً للجماعة، فاراً من الأحكام الشرعية إلى الأحكام الأجنبية، مرتداً عن الإسلام، لا ينبغي أن يعامل معاملة المسلمين ولا أن يدفن في مقابرهم.
وحين أيقن الفرنسيون بقصورهم عن تحقيق رغبتهم والوصول من وراء قوانين التجنيس إلى هدفهم قرروا استعمال الحيلة. وجرت مشاورات بين المقيم العام ممثل فرنسة، والباي حاكم البلاد، والوزير الأكبر للحكومة التونسية. وتقدم الجانب الفرنسي عن طريق الوزير الأكبر باقتراح استصدار فتوى في التجنيس من المجلس الشرعي بقسميه الحنفي والمالكي تسهيلاً لإقبال التونسيين على الدخول في الجنسية الفرنسية. ونص السؤال المطروح على المجلس الشرعي:
إذا اعتنق شخص جنسية يختلف تشريعها عن أحكام الشريعة الإسلامية، ثمّ حضر لدى القاضي الشرعي ونطق بالشهادتين، وأعلن أنه مسلم، وأنه لا يرتضي غير الإسلام ديناً. هل يحق له طول حياته أن ينتفع بنفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المسلمون؟ وهل يحق له بعد وفاته أن تُصلى عليه صلاة الجنازة، وأن يدفن في مقبرة إسلامية؟
ما من شك في أن هذا السؤال قد تسرّب إلى أوساط كثيرة، ولمّا تقعِ الإجابة عنه من طرف فقهاء الشريعة، وقد أثار مع الغموض إشاعات عديدة منها: أن الحكومة (الفرنسية) ضغطت على المجلس الشرعي لإصدار فتوى موالية للمتجنسين ولفائدتهم، كما حملت الأنباء
стр. 448
صحفَ المعارضة الصادرة يومئذٍ بالفرنسية: العمل التونسي، وصوت الشعب، وصوت التونسي، على إطلاق صيحة الفزع منذرة بأن الجنسية التونسية أصبحت مهدّدة بالخطر، وأن عملية التجنيس سوف تستشري بسبب ما روّجته العامة من احتفاظ المتجنّسين بحقوقهم كمسلمين.
ومن ثم استطاعت الصحف الوطنية بواسطة الحملة الصحفية التي نظمتها إثارة الرأي العام التونسي، وبث روح المناهضة للمسلمين المتجنسين بصورة تكاد تكون جماعية. ومثل هذه الحملة التي أُسقط بها ما بأيدي الفرنسيين، وقضت بالانتصار عليهم، قد مسّت بشدّة وعنف أعضاء المجلس الشرعي، وبخاصة الإمام الأكبر، لترويج المعادين له والمتحاملين عليه بأنه كان متعاوناً مع الاستعمار وموالياً له في قضية التجنيس. وربما كان في مثل هذا التصرّف تخييب لآمال المستعمرين بما نتج عن هذا الموقف العدائي من فجوة عميقة وبُعدِ شقّة بين الأمة وقادتها العلماء، فلا ينفع المستعمر بعد ذلك الالتجاء إليهم، أو سدّاً لطريق انزلاق الفقهاء وراء استفتاء الإقامة العامة بما يعزّز موقفها ويكون حرباً على الحركة الوطنية وأصوات المعارضة.
وجدَّت أحداث كثيرة فحيل بين المتجنسين وبين دفن موتاهم في مقابر المسلمين. وكان الإضراب العام الذي أغلقت بسببه الأسواق والمحلات التجارية يوم ١٤/ ١٢/ ١٣٥١ الموافق ٨/ ٤/ ١٩٣٣، احتجاجاً على ما تخيّلوه أو توقّعوه من صدور فتوى التجنيس أو فتوى توبة المتجنس عند المجلس الشرعي. وكان إضرابُ طلبة الجامع الأعظم عن الدروس. وانتشر الاستنكار الشعبي في أطراف البلاد، وتظاهرت جماهير المواطنين أمام قصر الباي بحمام الأنف إعراباً عن استيائها من فتوى التجنيس.
وتضاربت السياسة الوطنية ودارُ الشرع بسبب ما لفّق من أخبار
стр. 449
وادعي من تصرّفات لم تكن قائمة إلا في أذهان المتوهّمين والحمقى من الناس. وكادت تستعر نار الفتنة بين أفراد طبقات الشعب. وتحوّل الصراع فيما بين المستعمر والمواطنين إلى ما كاد أن يقضي على وحدة الشعب وتماسك طبقاته وأفراده. وما هي إلا فترة حتى رفع الحجاب عن حقيقة تلك الفتوى، وظهرت للتونسيين فتوى عامة تحملُ في سطورها ونصوصها مواقف التأييد والمناصرة للشعب، والرفض لما كان يلتمسه المستعمر من الشيوخ من تيسير التجنيس وتسهيل أمره، بضمان حقوق للمتجنسينَ قد تنازلوا عنها بتجنّسهم وابتغائهم الانتساب إلى أمة غير أمتهم ووطن غير وطنهم.
وشاهدُ ذلك أولاً ما أجاب به فقهاء الحنفية بالإثبات في جواب مختصر على صيغة الاستفتاء المذكور أعلاه. واختلفت فتوى الدائرة المالكية عن فتوى الدائرة الحنفية إذ أضافت إلى وجوب النطق بالشهادتين لدى القاضي الشرعي التصريحَ في الوقت نفسه بأن (المتجنس) يتخلّى عن الجنسية الجديدة التي اعتنقها. وتضيف فتوى المالكية في تقرير مونصورن: ولا يهم كثيراً بعد ذلك لو احتفظ بالجنسية التي اعتنقها وبقي خاضعاً لقوانينها إذا ما تعذر عليه التخلّص منها. وزاد أحد أعضاء المجلس الشرعي من المالكية: ينبغي أن تتمثل توبة المتجنس في الإقلاع عن الامتيازات التي تحصّل عليها بموجب جنسيته الجديدة.
وعقَّب صاحب التقرير على هذين النصين من فتوى الأحناف وفتوى المالكية بقوله: لكن فتوى المالكية تجعل من المستحيل الإقدام على نشرهما. وفي هذا تبرئة للعلماء مما ألحق بهم، وتجنيب لهم مما وُصِمُوا به. وهذه شهادة من خَصمٍ لم يتمكن من الاستفادة من فتوى التجنيس أو ردة المتجنس، فأسرّها ولم يعلنها إلا في
стр. 450
التقرير الذي رفعه إلى وزير الخارجية الفرنسي في ذلك العهد.
وكما جاءت الشهادة بهذه البراءة وبالتقيّد بالملة والدين آل رجال الشرع على أنفسهم قولَ الحق وخدمةَ دينهم. فظهر الجواب حول جواز ردة المتجنّس بشروط ذكروها استحال معها استغلال هذه الفتوى حسب المصادر الاستعمارية نفسها (١). ويضيف د. الغالي: ولكن الإشاعة الكاذبة روّجت لهذه الفتوى ونسبتها للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور للنيل من منزلته العلمية، وتعطيل جهوده الإصلاحية، والحدّ من إشعاعه (٢).
٨ - الإفطار في رمضان
مثلما كانت الفتوى السابقة صراعاً مع الاستعمار وتمت بإذن الله الغلبة عليه. فإن هذه الفتوى كانت مواجهة للنظام في البلاد. ذلك أن الرئيس بورقيبة دعا الشعب التونسي إلى تعطيل فريضة الصيام، متعلّلاً بأن الشعب محتاج إلى مزيد بذلِ الجهدِ للتنمية والتقدم بالبلاد، واعتبر ذلك جهاداً أكبر يخرج به الشعب من التخلّف، ومن ثم فإنّ عليه مقاومة الكسل والخمول الذي يزيد بالصيام. ومن أجل ذلك حُمل الشعب على الإفطار ليقوى على عدوّه. وطلب الرئيس من الإمام الأكبر الإدلاء بتصريح في هذا الشأن، فقام ﵀ بالإعلان في الإذاعة بأن الصوم ركن من الأركان الخمسة الأساسية للدين، وأن الإفطار لا يجوز إلا لأعذار حددها الشرع لا يمكن تجاوزها، وأن من أفطر متجاوزاً ما حدده الشرع فإن عليه القضاء والكفارة.
* * *
стр. 451
علوم الوسائل: علوم اللغة والعربية والبلاغة والأدب
علوم العربية هي الأساس في معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم. وسبيل الوصول إلى ذلك لمن لم يكن عربي السليقة هو أن يحذق علوم اللسان العربي، ثم يبذل الجهد في اكتساب الذوق بالاطلاع على استعمالات العرب وأساليبهم في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم. ويدخل في هذا ما يجري مجرى الاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين (١).
فإذا حصل هذا الأمر لهم، واكتملت لدى الدارس أصوله وقواعده، ومسائله وأحكامه، استطاع بدون ريب أن ينفذ في قراءته وتدبره للنصوص إلى أدق المعاني وأخفاها وأكمل الصور التعبيرية وأنفسها. ولاكتمال المعرفة بأساليب الكلام البليغ لا بد من تصور ذلك نظراً، وإدراكه تطبيقاً، وحضور ذهن.
وقد جمعت تآليف الإمام الأكبر بين هذه الجوانب، وخاصة في تفسيره للقرآن، وشرحه للسُّنة، وتفصيله وبيانه للنصوص البديعة الواردة من كلام العرب في أشعارها وخطبها ورسائلها.
стр. 452
وإنه لمن المفيد في هذا الباب عندما نتحدث عن عنايته بالمادة اللغوية أن نذكر أمثلة لذلك نستجليها من التحرير والتنوير قبل أن نتحدث عن تحقيقاته اللغوية، أو مباحثه ومقالاته في هذا الفن. وكذلك نفعل بعدُ إن شاء الله عند التأمل في عرضه لقوانين العربية وأساليب العرب في أفانينها القولية وتصرفاتها النظمية.
وإنه ليكفي للوصول إلى هذه الغاية أن تمد يدك إلى أية صفحة من صحف التحرير، في أية آية تعرض لك، وأيّ موضوع يطالعك لتلمس من قريب طريقته، وتقف على منهجه في كل علوم اللغة وأسرارها.
فهو عندما يقف عند اللفظ لتفسيره وبيان مدلوله يهتم بالكشف عن معانيه بضبط وتحقيقٍ، مما خلت عن ضبطه كثير من قواميس اللغة (١)، ويتصرّف في إبراز ذلك بذكر أصله وبيان اشتقاقه، والإشارة إلى جملة معانيه مستجلياً الأفهام المختلفة منه، مقارناً بينها ومرجحاً، بحسب ما يقتضيه السياق ويحدّده المقام. وبقدر ما يعتمده من النقول عن اللغويين وأئمة الأدب المتقدّمين في ذلك، يلجأ في غالب الأحيان إلى الطريقة التطبيقية من خلال القواعد العربية للكشف عن دلالات المادة اللغوية، كما كان يفعل الأئمة من رجال القرن الرابع.
وهنا عيّنات من التفسير للمادة اللغوية نكتفي منها بأمثلة ثلاثة: هي تفسيره أو تعريفه للملائكة، وبيانه وتحقيقه لمعنى المال، وضبطه وتفريقه بين السَّلْم والسَّلَم.
стр. 453
عيّنات من المادّة اللغوية:
١ - الملائكة
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١).
بدأ صاحب التحرير والتنوير بالحديث عن صيغة الملائكة في الجمع والإفراد. فقال: (الملائكة) جمع (ملَك)، وأصل صيغة الجمع (ملائك)، والتاء لتأكيد الجمعية. والظاهر أن تأنيث الملائكة سرى إلى لغة العرب من كلام المتنصّرين منهم، إذ كانوا يعتقدون أن الأملاك بنات الله، واعتقده العرب أيضاً. قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ (٢).
(فملائك) جمع (مَلْأَك) (كشمائل) و (شَمْأَل)، ومما يدل عليه أيضاً قول بعض شعراء عبد القيس أو غيره:
ولست لإنسيٍّ ولكن لِمَلْأَك ... تنزّلُ من جو السماء يصوِّب
ثم قالوا: ملَك تخفيفاً.
واختلفوا في اشتقاق (مَلَك) أو (مَلْأَك) على ثلاثة أقوال حكاها الإمام الأكبر: القول الأول: قول أبي عبيدة، والثاني قول الكسائي، والثالث ينسب إلى ابن كيسان.
فعند أبي عبيدة هو (مَفعَل) من (لَأَكَ) بمعنى أَرْسَلَ. ومنه قولهم، في الأمر بتبليغ رسالة (ألِكْني إليه)، أي كن رسولي إليه. وأصل (ألِكني) (أَلْإِكْنِي)، وإن لم يعرف له فعل وإنما اشتق اسم الملك من الإرسال، لأن الملائكة رسل الله، إما بتبليغ أو تكوين، كما في الحديث: "ثم يرسل إليه - أي للجنين في بطن أمه - الملَكَ
стр. 454
فينفخ فيه الروح". فعلى هذا القول هو مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول.
وهو عند الكسائي مقلوب، ووزنه (مَعْفَل). وأصله (مَأْلكَ) من (الألُوك) و (الألوكة) وهي الرسالة. ويقال: (مَألَك) و (مَأْلوك). فقلبوا فيه قلباً مكانياً فقالوا: (مَألك)، فهو صفة مشبهة.
وقال ابن كيسان: هو مشتق من (المَلْك). والمَلْك بمعنى القوة. قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ (١). والهمزة مزيدة فوزنه (فَعْأَل) (كَشَمْأَل).
وفي الترجيح بين هذه الأقوال ذكر صاحب التحرير أن قول ابن كيسان هذا مردود بأن دعوى زيادة حرف بلا فائدة دعوى بعيدة. ورد مذهب الكسائي بأن القلب خلاف الأصل. فترجّح مذهب أبي عبيدة. وروى القرطبي عن النضر بن شميل أنه لا اشتقاق للملك عند العرب. وإنما هي كلمة معربة عن العبرانية. ويؤيِّد هذا أن التوراة سمت الملك ملاكاً. وليس وجودُ كلمة متقاربة اللفظ والمعنى في لغة بدال على أنها منقولة من إحداهما إلى الأخرى إلا بأدلة يتعيَّن ذكرها.
وفي بيان المراد من لفظ الملائكة يقول الشيخ ابن عاشور: هي مخلوقات نورانية سماوية مجبولة على الخير، قادرة على التشكّل في خرق العادة، لأن النور قابل للتشكّل في كيفيات، ولأن أجزاءه لا تتزاحم ونورها لا شعاع له. فلذلك لا تضيء إذا اتصلت بالعالم الأرضي. وإنما تتشكل إذا أراد الله أن يَظهر بَعضُهم لبعضِ رسلِه
стр. 455
وأنبيائه على وجه خرق العادة. وقد جعل الله تعالى لها قوة التوجه إلى الأشياء التي يريد الله تكوينها، فتتولى التدبير لها. ولهذه التوجهات الملكية حيثيات ومراتب كثيرة تتعذر الإحاطة بها. وهي مضادة لتوجهات الشياطين. فالخواطر الخيرية من توجّهات الملائكة وعلاقتها بالنفوس البشرية، وبعكسها خواطر الشر (١).
وفي هذا التعريف للملائكة جزآن:
الأول: عرض له أكثر اللغوين وتركوا الثاني. فالذي تعرضوا له هو بيان اللفظ من حيث صيغته واشتقاقه. ورد هذا مجملاً في بصائر ذوي التمييز؛ ومفصّلاً عند ابن الأنباري في كتابه الزاهر. وزاد هذا من الشواهد الشعرية عليه قول لبيد:
وغلام أرْسَلَته أمُّه ... بألُوك فَبذلْنا ما سأل
وألُوك في البيت بمعنى الرسالة، كما ورد بنفس المعنى لفظان آخران المَألك والمَلْأك.
قال عدي:
أبلغ النعمان عني مَأْلكا ... أنه قد طال حبسي وانتظاري
وقال آخر:
أيها القاتلون ظلماً حسيناً ... أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبي ومَلْأك ورسول
كما ورد على لفظ (ألكِني) قول أبي ذؤيب الهذلي:
ألِكني إليها وخيرُ الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر
стр. 456
وبلفظ الملائك، هكذا بلا هاء، جاء قول حسان:
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... فأنصاره حقاً وأيدي الملائك
وقد تميز هذا القسم الأول من التعريف بلفظ الملائكة في التحرير والتنوير بذكر أن التاء فيه لتأكيد الجمعية، وارتباط صيغة التأنيث للملائكة بمعتقد نصارى العرب. وبحث لفظ "ملائكة" وذكر مفرده، وقارن بين آراء أبي عبيدة والكسائي وابن كيسان والنضر بن شميل في اشتقاقه ومعناه.
الثاني: تناول بيان حقيقة الملائكة من الناحيتين الخلقية والسلوكية (١).
٢ - المال
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
قال في التعريف بهذه المادة عن طريق ذكر ما ورد في النصّ القرآني: الأموال جمع مال. ولم ينظر إلى صيغة اللفظ ولا إلى اشتقاقه للعلم بهما، ولكنه جرى في هذا المحل على طريقة المناطقة والعلماء من أصوليين وفقهاء ونحاة وغيرهم، فوضع حدّاً جامعاً مانعاً مطرداً منعكساً معرفاً المال بقوله: "ما بقدره يكون قدر إقامة نظام معاش أفراد الناس في تناول الضروريات والحاجيات والتحسينيات بحسب مبلغ حضارتهم حاصلاً بكدح".
стр. 457
وفي هذا التعريف منع لدخول المواهي غير المقصودة من لفظ المال في الحد، واتساع شمول الأنواع المختلفة المدلول عليها به. ولذلك عقب الحد بقوله: فلا يعد الهواء مالاً، ولا ماء المطر والأودية والبحار مالاً، ولا التراب مالاً، ولا كهوف الجبال وظلال الأشجار مالاً. ثم قابل هذه الأشياء بأجناسها مما في اكتسابه كدح وعمل، فأدخلها في مسمى المال قائلاً: ويعد الماء المحتفر بالآبار مالاً، وتراب المقاطع مالاً، والحشيش والحطب مالاً، وما ينحته المرء لنفسه في جبل مالاً.
ولم يبادر إلى ذكر الأموال بذواتها، ولكنه رتب هذا على ذكر أنواع المال الثلاثة ليميز كل واحد منها بما يندرج تحته من صنوف، فيواطىء بهذا المعنى اللغوي المعنى الشرعي.
فالنوع الأول يتمثل فيما تحصل منه تلك الإقامة بذاته دون توقف على شيءٍ أجنبي. وهو الأطعمة كالحبوب والثمار والحيوان لأكله وللانتفاع بصوفه وشعره ولبنه وجلوده ولركوبه. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢). وقد مضى بعد ذلك إلى الاستشهاد على مراده بالآثار والشعر. فذكر عن عمر قوله: "لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً". وقال: وسَمَّت العرب الإبلَ مالاً كما في قول زهير:
صحيحياتِ مال طالعات بمخرم
стр. 458
ثم أردف ذلك ببيان أفضلية هذا النوع على غيره من الأموال، مورداً من الحديث في ذلك قوله ﷺ : "يقول ابن آدم: مالي مالي، وإنما مالك ما أكلت فأمريت، أو أعطيت فأغنيت". ونبّه عقب هذا الحديث على أن الحصر فيه للكمال في الاعتبار من حيث النفع المادي والنفع العرضي.
والنوع الثاني هو ما تحصل تلك الإقامة به وبما يكمله، ممّا يتوقّف نفعه عليه كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ وللإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الحطب والصوف ونحو ذلك. وهذا النوع دون النوع الأول.
والنوع الثالث ما تحصل الإقامة بعوضه مما اصطلح البشر على جعله عوضاً لما يراد تحصيله من الأشياء. وهذا هو المعبّر عنه بالنقد أو بالعملة. وأكثر اصطلاح البشر في هذا النوع على معدني الذهب والفضة أو على غيرهما مما يقوم مقامهما كالنحاس والودع والخرزات والحديد الأبيض والأوراق المالية.
والمراد بالفصل الوارد في التعريف، وهو قوله: حاصلاً بكدح؛ حصوله أو اكتسابه بسعي فيه كلفة ومشقة.
ولإكمال تصوير هذا الحديث للمال بيَّنَ المؤلف طرقَ اكتسابه وهي ثلاثة:
الطريق الأول: طريق التناول من الأرض بلا مزاحمة أو بمزاحمة، فيكون تحصيله بالسبق كسكنى الجبال والتقاط الكمأة.
الطريق الثاني: الاستنتاج بالولادة والزرع والغرس والحلب، وبالصنعة كصنع الحديد والأواني واللباس والسلاح.
والطريق الثاني: هو التناول من يد الغير، فيما لا حاجة له به،
стр. 459
إما بتعامل بأن يعطي المرء ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه غيرُه، ويأخذ من الغير ما زاد على حاجته مما يحتاج إليه هو، أو بإعطاء ما جعله الناس علامة على أن مالكه جدير بأن يأخذ به ما قدّر بمقداره كدينار ودرهم في شيء مقومٍ بهما، وإما بقوّةٍ وغلبةٍ كالقتال على الأراضي وعلى المياه (١).
٣ - السِّلْم
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٢).
ورد لفظ السِّلْم بأوجه ثلاثة: بفتح وكسر السين مع سكون اللام، والسَّلَم بفتح السين وَاللام.
الوجه الأول: بفتح السين وسكون اللام؛ قرأ به نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر.
الوجه الثاني: بكسر السين وسكون اللام؛ قرأ به باقي العشرة.
الوجه الثالث: بفتح السين واللام جميعاً، وورَدَ به قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٣)، وقوله : ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٤).
وبعد ذكر هذه الأوجه ذهب صاحب التحرير والتنوير إلى بيان معنى السلم. فقال: هو الصلح وترك الحرب. وأنشد عليه قول عباس بن مرداس:
стр. 460
السَّلمُ تأخذُ منها ما رضيتَ به ... والحربُ تكفيك من أنفاسها جُزَعُ
بفتح السين، وأنشد عليه قول زهير:
وقد قلتما إن ندرك السَّلْم واسعاً
وبكسر السين اشتقاق السلم من السلامة، وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد. وأسلم نفسه: أعطاه إياها بدون مقاومة. واستسلم: طلب السِّلم، أي ترك المقاومة.
تقول العرب: أسِلْم أم حربٌ؟ بمعنى أأنت مسالم أم محارب. هذه المعاني كلها كما ذكر الإمام بعضها من بعض. وهو ما جزم به أئمة اللغة.
ومن معاني السلم بلغاته الثلاث دين الإسلام. قال هذا ابنُ عباس ومجاهد وقتادة، وجعلوا شاهداً عليه قول امرىء القيس بن عابس الكندي:
دعوتُ عشيرتي للسَّلم لمّا ... رأيتهمو تولَّوا مدبرينا
فلست مبدّلاً بالله ربّاً ... ولا مستبدلاً بالسَّلم دينا
وهذا من مقالات المفسّرين، ومن أخذ عنهم أو تأثّر بهم من اللغويين. ذكره بهذا المعنى صاحب الكشاف. وهذا الإطلاق غير موثوق به، ويحتمل بيت الكندي المسالمة، أي المسالمة للمسلمين، وقوله: ديناً، بمعنى العادة اللازمة.
وفرق أبو عمرو بن العلاء فجعل السِّلم، بكسر السين: الإسلام. والسَّلم، بفتحها: المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة قَائلاً: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس. وبعد ذكره للروايات الواردة في استعمال لفظ السلم، واختلاف دلالتيه المفصّل القول فيهما، جعل هذا التصرّف من قبيل استعمال المشترك في معنييه، مطبقاً هذه القاعدة على الآية في استخلاص المراد منها