← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٥ - النسخة البيرمية: وهي ذات خطّ تونسي جميل. تمّ نسخها في رجب ١١٢٠. وتملّكَها الشيخ محمد بيرم الرابع سنة ١٢٥٦. وهي من اقتناء المكتبة الوطنية. بها نقص نحو عشرين ورقة من أثناء ترجمة ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار إلى أواخر ترجمة أبي بكر بن رحيم. وهي مختلفة في ترتيب تراجم الرجال عن نظائرها وسابقاتها. وعددها بها ٦٨٤٢. والنسخ المطبوعة التي رجع إلى أغلبها الإمام الأكبر عند تحقيقه للقلائد في الثمانينات من القرن الرابع عشر، ستة: ١ - ط. باريس ١٢٧٧ بعناية الأديب سليمان بن علي الحرائري، وعلى الأصح الجزائري. كان كاتباً لدى قنصل فرنسة بتونس ١٢٩٢. ذكرها سركيس في معجم المطبوعات. وهي خالية من الفهارس. ٢ - ط. بولاق: وهي نظيرة طبعة باريس إلا في القليل من كلماتها. وهذا من عمل المصحِّح لدار الطباعة. ذكرها سركيس أيضاً. وبها فهرس المترجم لهم. ٣ - ط. الثانية ١٢٨٤. وقف على طبعها السيد إسماعيل الجيلاني. ذكرها سركيس، وهي مساوية لطبعة باريس. ولها فهرس بأسماء المترجم لهم. ٤ - ط. الآستانة ١٣٠٢. ذكرها سركيس. وقال الشيخ: لم نطلع على هذه الطبعة. ٥ - ط. دار التقدم العلمية. ذكرها سركيس في معجمه. وهي موجودة متداولة. ٦ - مصوّرة من طبعة باريس التي ذكرناها صدر القائمة، نشر

стр. 632

المكتبة العتيقة، وأخرجتها ط. قيس الأراضي بتونس ١٣٨٦/ ١٩٦٦، قدم لها الأديب الشيخ محمد بن محمد الشاذلي العنابي. وبإثر وصف هذه الطبعات المختلفة، نبّه الشيخ ابن عاشور إلى أن جميع هذه الطبعات كان خالياً من ضبط الكلمات بالشكل، عرِيّاً عن التعاليق المتعينة بله الشروح المبيّنة (١). وعدد الوزراء والكتاب والعلماء والأدباء والقضاة المترجم لهم في القلائد حسب ما ورد في النسخ المخطوطة والمطبوعة من هذا الكتاب أربعة وستون. أضاف إليهم في العقد الأول من القرن الخامس د./ حسين يوسف خرموش ستة عشرة ترجمة وقف عليها في نسخة مشهد. فأصبحت عِدّتهم بذلك ثمانين ترجمة. وصورة ذلك كالآتي:

стр. 633

فهارس من نسخ "قلائد العقيان" للفتح ابن خاقان المعتمدة لدى المحقق فهرس التراجم بالنسخ المعتمدة عند المحقق من مخطوطة ومطبوعة سوى ط. الآستانة - فهرس التراجم مخط. مشهد الإيرانية القسم الأول في محاسن الرؤساء وأبنائهم ودرج أنموذجات من مستعذبات أنبائهم - المعتمد بن عباد ... ١ ... ٦١ - ٨٦ ... ١ ... ٥١ - ١٠٩ - ابنه الراضي أبو خالد ... ٢ ... ٨٧ - ٩٤ ... ٢ ... ١١٠ - ١١٩ - المتوكل أبو محمد عمر بن المظفر ... ٣ ... ٩٥ - ١٢٢ ... ٣ ... ١٢٠ - ١٤٥ - المعتصم محمد بن صمادح ... ٤ ... ١٢٣ - ١٣٢ ... ٤ ... ١٤٦ - ١٥٦ - أبو مروان عبد الملك بن رزق ... ٥ ... ١٣٣ - ١٣٤ ... ٥ ... ١٥٧ - ١٦٩ - أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر ... ٦ ... ١٤٥ - ١٧٢ ... ٦ ... ١٧٠ - ٢٠٦ القسم الثاني في غرر حلية الوزراء وفقر الكتاب والبلغاء - أبو الوليد بن زيدون ... ٧ ... ١٧٥ - ٢٠٠ ... ٧ ... ٢٠٧ - ٢٤٩ - أبو عامر محمد بن مسلمة ... . . . . ... . . . . ... ٨ ... ٢٤٩ - ٢٥٢ - أبو بكر محمد بن عمار ... ٨ ... ٢٠١ - ٢٣٤ ... ٩ ... ٢٥٣ - ٢٨٨ - أبو عيسى بن لبون ... ٩ ... ٢٣٥ - ٢٤٤ ... ١٠ ... ٢٨٩ - ٢٩٦ - أبو عامر بن الفرج ... . . . . ... . . . . ... ١١ ... ٢٩٧ - ٢٩٨ - أبو عمر الباجي ... ١٠ ... ٢٤٥ - ٢٤٨ ... ١٢ ... ٣٠٠ - ٣٠٢ - أبو بكر بن القصيرة ... ١١ ... ٢٤٩ - ٢٥٤ ... ١٣ ... ٣٠٥ - ٣١٣ - أبو المطرف بن الدباغ ... ١٢ ... ٢٥٥ - ٢٦٠ ... ١٤ ... ٣١٤ - ٣٢١ - أبو القاسم بن الجد ... ١٣ ... ٢٦١ - ٢٧٢ ... ١٥ ... ٣٢٢ - ٣٣٦ - أبو بكر محمد بن أحمد بن رُحيم ... ١٤ ... ٢٧٣ - ٣٠٦ ... ١٦ ... ٣٣٧ - ٣٦٦ - أبو عامر بن أرقم ... ١٦ ... ٣١٩ - ٣٢٨ ... ١٧ ... ٣٦٧ - ٣٧٦ - أبو محمد بن القاسم ... ١٥ ... ٣٠٧ - ٣١٨ ... ١٨ ... ٣٧٧ - ٣٩٠ - أبو محمد بن سفيان ... ١٧ ... ٣٢٩ - ٣٣٤ ... ١٩ ... ٣٩١ - ٣٩٩ - أبو الحسن بن الحاج ... ١٨ ... ٣٣٥ - ٣٤٤ ... ٢٠ ... ٤٠٠ - ٤١١ - ابنه أبو محمد ... ١٩ ... ٣٤٥ - ٣٤٦ ... ٢٠ ... ٤١١ - ٤١٣

стр. 634

أبو محمد بن عبدون ... ٢٠ ... ٣٤٧ - ٣٥٤ ... ٢١ ... ٤١٧ - ٤٢٨ بنو القبطرنه ... ٢١ ... ٣٥٥ - ٣٧٠ ... ٢٢ ... ٤٢٩ - ٤٤٤ أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الرزاق ... . . . . ... . . . . ... ٢٣ ... ٤٤٥ - ٤٤٦ أبو محمد بن الجبيِّر ... ٢٢ ... ٣٧١ - ٣٨٤ ... ٢٤ ... ٤٤٧ - ٤٦١ أبو أيوب بن أبي أمية ... . . . . ... . . . . ... ٢٥ ... ٤٦٢ - ٤٦٥ أبو محمد بن عبد الغفور ... ٢٣ ... ٣٨٥ - ٣٩٢ ... ٢٦ ... ٤٦٦ - ٤٧٦ أبو بكر بن عبد العزيز ... ٢٤ ... ٣٩٣ - ٣٩٨ ... ٢٧ ... ٤٧٧ - ٤٨٤ ابنه أبو القاسم ... . . . . ... . . . . ... ٢٨ ... ٤٨٤ - ٤٨٥ أبو جعفر بن أحمد ... ٢٥ ... ٣٩٩ - ٤٠٢ ... ٢٩ ... ٤٨٦ - ٤٩٠ أبو مروان بن مثنى ... . . . . ... . . . . ... ٣٠ ... ٤٩١ - ٤٩٢ أبو الحسن بن اليسع ... ٢٦ ... ٤٠٣ - ٤٠٨ ... ٣١ ... ٤٩٣ - ٤٩٩ أبو محمد بن مالك ... ٢٧ ... ٤٠٩ - ٤١٢ ... ٣٢ ... ٥٠٠ - ٥٠٤ + رسالة أبو القاسم بن السقاط ... ٢٨ ... ٤١٣ - ٤٢٠ ... ٣٣ ... ٥٠٥ - ٥١٧ أبو عبد الله بن أبي الخصال ... ٢٩ ... ٤٢١ - ٤٣٤ ... ٣٤ ... ٥١٨ - ٥٣٧ أبو محمد بن عبد البر ... ٣٠ ... ٤٣٥ - ٤٤٠ ... ٣٥ ... ٥٣٨ - ٥٤٤ أبو الفضل بن حسداي ... ٣١ ... ٤٤١ - ٤٤٦ ... ٣٦ ... ٥٤٤ - ٥٥١ أبو عامر بن ينّق ... ٣٢ ... ٤٤٧ - ٤٥٠ ... ٣٧ ... ٥٥٢ - ٥٥٤ أبو بكر بن قزمان ... ٣٣ ... ٤٥١ - ٤٥٢ ... ٣٨ ... ٥٥٥ - ٥٥٧ أبو بكر بن الملح ... ٣٤ ... ٤٥٣ - ٤٥٦ ... ٣٩ ... ٥٥٨ - ٥٦٦ أبو زكريا بن صمادح ... . . . . ... . . . . ... ٤٠ ... ٥٦٧ - ٥٧٠ أبو جعفر بن مسعدة ... . . . . ... . . . . ... ٤١ ... ٥٧١ - ٥٩٥ القسم الثالث في لمع أعيان القضاة والفقهاء ولمح أعلام العلماء السراة أبو الوليد الباجي ... ٣٥ ... ٤٥٧ - ٤٦٢ ... ٤٢ ... ٥٩٩ - ٦٠٤ تمام الترجمة + قصيدة - أبو مروان بن سراج ... ٢٦ ... ٤٦٣ - ٤٦٦ ... ٤٣ ... ٦٠٥ - ٦٠٧ - أبو محمد بن الوليد المخزومي ... . . . . ... . . . . ... ٤٤ ... ٦٠٨ - ٦٠٩ - أبو عبد الله بن حمدين ... ٣٨ ... ٤٧١ - ٤٧٦ ... ٤٥ ... ٦١٠ - ٦١٤ - أبو عبيد البكري ... ٣٧ ... ٤٦٧ - ٤٧٠ ... ٤٦ ... ٦١٥ - ٦٢٠ - أبو بكر بن أبي الدَّوس ... . . . . ... . . . . ... ٤٧ ... ٦٢١ - ٦٢٢ + فصل

стр. 635

- أبو الحسن بن سراج ... ٤٠ ... ٤٩٥ - ٥٠٢ ... ٤٨ ... ٦٢٣ - ٦٢٨ - أبو أمية إبراهيم بن عصام ... ٤١ ... ٤٩٩ - ٥٠٢ ... ٤٩ ... ٦٢٩ - ٦٣٥ + قصيدة - أبو بكر غالب بن عطية المحاربي ... ٤٣ ... ٥٠٧ - ٥١٠ ... ٥٠ ... ٦٣٦ - ٦٤٠ - أبو محمد بن سماك ... ٤٢ ... ٥٠٣ - ٥٠٦ ... ٥١ ... ٦٤١ - ٦٤٥ - أبو الحسن بن أضحى ... ٤٥ ... ٥٢٧ - ٥٣٢ ... ٥٢ ... ٦٤٦ - ٦٥٤ - أبو محمد عبد الحق بن عطية ... ٤٤ ... ٥١١ - ٥٢٦ ... ٥٣ ... ٦٥٥ - ٦٧٢ - أبو عبد الله بن اللُّوشي ... ٤٦ ... ٥٣٣ - ٥٣٨ ... ٥٤ ... ٦٧٤ - ٦٨٢ - أبو الفضل عياض بن موسى ... ٤٧ ... ٥٣٩ - ٥٤٦ ... ٥٥ ... ٦٨٣ - ٦٩١ - أبو بكر بن العربي ... . . . . ... . . . . ... ٥٦ ... ٦٩٢ - ٦٩٤ - أبو الحسن بن بيَّاع ... ٤٨ ... ٥٤٧ - ٥٦٠ ... ٥٧ ... ٦٩٥ - ٧٠٧ - أبو محمد بن السيد البطليوسي ... ٣٩ ... ٤٧١ - ٤٩٤ ... ٥٨ ... ٧٠٨ - ٧٣١ - أبو بكر بن الجُراوي ... . . . . ... . . . . ... ٥٩ ... ٧٣٢ - ٧٣٦ القسم الرابع في بدائع نبهاء الأدباء وروائع فحول الشعراء - ابن خفاجة ... ٤٩ ... ٥٦١ - ٥٨٦ ... ٦٠ ... ٧٣٩ - ٧٦٤ - أبو بكر عبادة بن ماء السماء ... . . . . ... . . . . ... ٦١ ... ٧٦٥ - ٧٦٦ - ابن وهبون المرسي (أبو محمد عبد الجليل) ... ٥٠ ... ٥٨٧ - ٥٩٤ ... ٦٢ ... ٧٦٧ - ٧٧٥ - ابن اللباتة (أبو بكر الداني) ... ٥١ ... ٥٩٥ - ٦١٠ ... ٦٣ ... ٧٧٦ - ٧٩٠ - ابن شرف (أبو الفضل) ... ٥٢ ... ٦١١ - ٦٢٦ ... ٦٤ ... ٧٩١ - ٧٠٨ - ابن صارة الشنتريني (أبو محمد) ... ٥٣ ... ٦٢٧ - ٦٥٤ ... ٦٥ ... ٨٠٩ - ٨٤١ + زيادات - أبو الفضل بن الأعلم ... . . . . ... . . . . ... ٦٦ ... ٨٤٢ - ٨٤٩ - الأعمى التطيلي (أبو جعفر) ... ٥٤ ... ٦٥٥ - ٦٦٨ ... ٦٧ ... ٨٥٠ - ٨٦٧ + زيادات - ابن البني (أبو جعفر) ... ٦٣ ... ٧١٧ - ٧٢٢ ... ٦٨ ... ٨٦٨ - ٨٧٥ - ابن صهيب (أبو العلاء) ... ٥٦ ... ٦٧٩ - ٦٨٢ ... ٦٩ ... ٨٧٦ - ٨٧٩ - ابن العطار (أبو القاسم) ... ٥٧ ... ٦٨٣ - ٦٩٠ ... ٧٠ ... ٨٨٠ - ٨٨٨ - ابن عيشون (أبو عامر) ... ٥٨ ... ٦٩١ - ٦٩٦ ... ٧١ ... ٨٨٩ - ٨٩٣ - الأسعد بن بليطة ... . . . . ... . . . . ... ٧٢ ... ٨٩٤ - ٩٠١ - أبو الحسن علي بن جودي ... . . . . ... . . . . ... ٧٣ ... ٩٠٠ - ٩٠١ - أبو الحسن حَكم بن محمد غلامُ البكري ... ٥٩ ... ٦٩٧ - ٧٠٢ ... ٧٤ ... ٩٠٢ - ٩٠٧

стр. 636

- ابن الفخار المالقي (أبو عبد الله) ... ٦٠ ... ٧٠٣ - ٧٠٨ ... ٧٥ ... ٩٠٨ - ٩١٣ - أبو عامر بن المرابط ... ٦١ ... ٧٠٩ - ٧١٢ ... ٧٦ ... ٩١٤ - ٩١٨ - أبو بكر يحيى بن بقي ... ٥٥ ... ٦٦٩ - ٦٧٨ ... ٧٧ ... ٩١٩ - ٩٢٧ - أبو الحسن باقي بنُ أحمد ... ٦٢ ... ٧١٣ - ٧١٦ ... ٧٨ ... ٩٢٨ - ٩٣٠ - أبو بكر باجة بن الصائغ ... ٦٤ ... ٧٢٣ - ٧٣٨ ... ٧٩ ... ٩٣١ - ٩٤٧ - أبو عبد الله بن عائشة ... . . . . ... . . . . ... ٨٠ ... ٩٤٨ - ٩٥٢ مكتبة مشهد بإيران + ١٦ ترجمة التراجم الزائدة من نسخة مشهد ٨ - أبو عامر محمد بن مسلمة: ٢٤٩ - ٢٥٢. تنفرد نسخة مشهد الإيرانية بإيراد هذه الترجمة وغيرها. ومعظم هذه التراجم من كتاب مطمح الأنفس في ملح أهل الأندلس للمؤلف. ١١ - أبو عامر بن الفرج: ٢٩٧ - ٢٩٨. توجد هذه الترجمة في نسخة مشهد. وهي من المطمح: ١٨٦؛ الذخيرة: ٣/ ١/ ١٠٣؛ المغرب: ٢/ ٣٠٣؛ الحلة: ٢/ ١٧١؛ النفح: ٣/ ٤٠٨، ٥٤٢ - ٥٤٣. ٢٣ - أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الرزاق: ٤٤٥ - ٤٤٦. المغرب: ٢/ ١١٥؛ الخريدة: ٢/ ٤٢٠. ٢٥ - أبو أيوب بن أبي أمية: ٤٦٢ - ٤٦٥. المطمح: ٢١٥؛ الخريدة: ٢/ ٤٩١؛ المغرب: ١/ ٢٤٨؛ الذخيرة: القسم الثاني؛ المسالك ١١/ ٤٢٤؛ النفح: ٣/ ٥٥٠. ٢٨ - أبو القاسم بن أبي بكر بن عبد العزيز: ٤٨٤ - ٤٨٥. الخريدة: ٢/ ٤٣٩؛ النفح: ٤/ ٦٥.

стр. 637

٣٠ - أبو مروان بن مثنى: ٤٩١ - ٤٩٢. المطمح: ٢٢١؛ الخريدة: ٢/ ٤٤٣؛ النفح: ٣/ ٥٥٩، ٤/ ١٣٤. ٤٠ - أبو زكريا بن صمادح: ٥٦٧ - ٥٧٠. المطمح: ٢٢٢؛ المغرب: ٢/ ١٩٦؛ الذخيرة: ١/ ٢/ ٧٣٧؛ الحلة: ٢/ ٩٢؛ النفح: ٣/ ٣٦٩؛ البيان المغرب: ٤/ ١٢٢. ٤١ - أبو جعفر بن مسعدة: ٥٧١ - ٥٩٥. الذيل والتكملة: ٢/ ٤٦٨؛ الديباج: ١/ ٢٥٥؛ البغية: ١/ ٣٧٣؛ الجذوة: ١/ ١٣٧؛ السلوة: ٣/ ٢٤١؛ أعلام المغرب العربي: ٣/ ٢٣٩؛ النفح: ١/ ١٧٩؛ بحث بمجلة أبحاث اليرموك: ٢/ ٤٤. ٤٧ - أبو بكر بن أبي الدوس ٦٢١ - ٦٢٢. المطمح: ٣٠٠؛ تكملة الصلة: ١/ ٤١٢؛ المغرب: ٢/ ٧٢؛ فهرست بن خِير: ٤٢٣؛ النفح: ٤/ ٣٠. ٥٦ - أبو بكر بن العربي: ٦٩٢ - ٦٩٤. المطمح: ٢٩٧؛ المغرب: ١/ ٢٥٤؛ بغية الملتمس رقم ١٧٩؛ الصلة رقم: ١٢٩٧؛ المرقبة العليا: ١٠٥؛ الأزهار: ٣/ ٨٦ - ٩٥؛ وفيات الأعيان: ٤/ ٢٩٦؛ الشذرات: ٤/ ١٤١. ٥٩ - أبو بكر بن الجُراوي: ٧٣٢ - ٧٣٦. الإحاطة: ٢/ ٤٧٦؛ المغرب: ٢/ ١١٦، ٢٦٩. ٦١ - أبو بكر عبادة بن ماء السماء: ٧٦٥ - ٧٦٦. الإحاطة: ٢/ ٤٧٦؛ المغرب: ٢/ ١١٦، ٢٦٩.

стр. 638

٦٦ - أبو الفضل بن الأعلم: ٨٤٢ - ٨٤٩. المطمح. ٧٢ - الأسعد بن بليطة: ٨٩٤ - ٩٠١. المطمح: ٣٤١؛ الذخيرة: ١/ ٢/ ٧٩٠؛ الجذوة: ١٦٦؛ بغية الملتمس رقم: ٥٨١؛ المغرب: ٢/ ١٧؛ الخريدة: ٢/ ١٦٦؛ النفح: ٤/ ٥١؛ الرايات: ٨١؛ الحلّة: ٢/ ٨٣. ٧٣ - أبو الحسن علي بن جودي: ٩٠٠ - ٩٠١. المطمح: ٣٥٨؛ الخريدة: ٢/ ٢٥٢؛ المغرب: ٢/ ١٠٩؛ معجم الصدفي: ٢٩٠؛ النفح: ٣/ ٣٣٤، ٧/ ٥٧. ٨٠ - أبو عبد الله بن عائشة: ٩٤٨ - ٩٥٢. المطمح: ٣٤٥؛ الذخيرة: ٣/ ٢/ ٨٨٧؛ الخريدة: ٢/ ٦٧١؛ المغرب: ٢/ ٣١٤؛ النفح: ٤/ ٥٣؛ مسالك الأبصار: ١١ ورقة ٤٥٤؛ الرايات: ١١٣. وقد شجع الإمام الأكبر على تحقيق هذا الكتاب ما ظفر به من عمل العلامة الأديب محمد بن قاسم بن زاكور الفاسي فيه، وشرحه عليه. ونبّهنا إلى طريقته في التحقيق بقوله: "فأول ما صرفتُ إليه العناية ضبط نسخة القلائد، وشكل معظم كلماتها". وقد علل إقدامه على هذا الجزء الأول من العمل بقوله: "فإن التردد في حركات الكلمات عند المطالعة يزيل بهجة المطالع الحاصلة من فصاحة الكلام، بما يحصل من قلق النفس من جراء التردّد في كيفية النطق ... كما يزيل بهجة القارىء في نفسه، وبهجة سامعيه

стр. 639

بما يتلى عليهم" (١). وكانت المرحلة الثانية، بعد إقامة نصّه وضبطه، تتمثّل في جملة من الاهتمامات، كالتعريف بالمترجم له، لأن ديباجة الفتح لا تغني عن ذلك شيئاً. فهو في بداية كل رسم يذكر صاحب الترجمة: اسمه ونسبه ونسبته ومولده وخبر وفاته، كما يذكر مصادر ذلك، كأن يقول: من الإحاطة أو المعجم أو الصلة أو المغرب أو أزهار الرياض أو غيرها. ولا يكتفي مترجَمُنا بذلك، وإنّما يعمد إلى المقارنة بين الروايات والنصوص، مناقشاً تلك المصادر، مرجّحاً ما يقتضيه النظر الصحيح، وإن تعلّق ذلك بما ضبطه ابن زاكور في شرحه، أو قاله أحد أعلام الصناعة بشأنه. وقد جعل التعاليق على كل ترجمة متوالية العد، متعلقة بها. ومن مقارناته بعد ذلك ما يعلّق به على كلام الفتح كقوله في تع ٢ من ترجمة ابن أبي الخصال ٢٩: وهذا من قوله: حاملُ لواء النباهة الباهرُ بالرواية والبداهة، إلى قوله: وله أدب بحره يزخر، ومذهب يباهي به ويفخر. هذه الأسطر ثبتت في المطبوعات (٢). وهي غير موجودة في المخطوطات الخمس ولا علّق عليها ابن زاكور. ولعلها كلمات كتبها بعض من طالع الكتاب في طرة نسخة منه، مستدركاً على المؤلف، فأدخلها الناسخ في أصله غير مفرّق بين المخرج والتطرير. فطبعت طبعة سليمان الحرائري على تلك النسخة، وتناقلتها الطبعات التي بعدها. فإنها عوّلت على طبعة الحرائري، وليست محكمةَ التصحيح. ثم نراه وقد ورد ذكر أبي يحيى محمد بن الحاج في ترجمة ابن

стр. 640

أبي الخصال يقول في تعليقه: هو الذي أثار الفتنة بقرطبة. ويقف عند قول الفتح: "مستقلًّا" فيشرحها بقوله: أي قائماً. ويعلق على كلام القلائد: إلى أن تورّطوا في تلك الفتنة التي ألقحوا حائلها، فيذكر أخبار الفتنة والصراع. كما ينبّه إلى المقصود من قول الفتح: وطمعوا أن يغتالوا من أمير المسلمين ملكاً معصوماً، قائلاً: هو علي بن يوسف بن تاشفين. ويشرح جملة من التراكيب كقوله: "والبيت قد غصّ، وإن أبقى عليَّ درَكاً وبوّأني دَرَكاً ... ولا كلُّ إشراف بإشراف"، وقول ابن خاقان: وكثيراً ما يمتدّ شططه، فتحذف نقطه، ويهجر نمطه، وإن سامحناه في الضبط وأمتعناه بالنقط نبذ الوفاء فحذفنا ألفاً، وجفا الكريم فألغينا الميم (١). وقد يتعرض إلى تأويل سابق أو رأي فيما هو بصدده. فيقول معلّقاً على "وله بعد ما بقي ما أُلقِي" فيقول: لم يظهر المراد من هذا، وتكلّف له ابن زاكور بما ليس بمقبول (٢). وعلى هذا النحو جرى في تعقيباته الستة والستين على كلام الفتح في رسم ابن أبي الخصال فلينظر ما فيه هناك. وعَقِب نصوص تراجم قلائد العقيان وضع المحقّق فهارس ثلاثة: فهرس الشعر، وفهرس الأعلام والقبائل، وفهرس الأماكن والبلدان والأشياء. * * * شرح المقدمة الأدبية للإمام المرزوقي شرح الشيخ ابن عاشور المقدمةَ الأدبية التي كتبها الإمام أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي، ممهّداً بها لشرحه لديوان

стр. 641

الحماسة اختيار أبي تمام. وقد وصفها شيخنا الإمام الأكبر بما يبرز حقيقتها، ويحدد منزلتها، ويبين أثرها بقوله: "فقد كانت خير رائد لمنتهج روض الفصاحة، وأبصرَ مقدمة لجحفل البلاغة. تفتح لمقتفيها ما استعصت به خفايا النكت من الصياصي، وتمكن بيد متقنها من جياد السبق أجفل النواصي، إذ كانت أحاطت بمعاقد الأدب، وتعاطت بمحجتها أفنانَه فتدلّى يانعُ ثمره واقترب". ولِمَا توفَّرت عليه من الأهمية بحسب موضوعها وأغراضها، ومنهج المرزوقي فيها، تعلّقَ بها البلغاء والنقّاد، وتطلّعوا عن طريقها إلى التعرف على قوانين في القول، معيدين النظر فيها، متدبّرين جملة ما انتظمته من أحكام، وفصّلته من حقائق علمية وقضايا فنية وذوقية. وهي لذلك كما قال شيخنا في مقدّمة شرحه لها، جديرة بما يَنشرُ مطاويها الوفيرة الأغراض، ويصدّق شيْم من اتبع صوب بروقها المتكررة الإيماض، إذ هي من قبيل اللَّمحة الدالة، والخريدة الملتحفة غير المتجالّة. فهي خليقة بفسر كثير من معانيها، إذ كانت مفرغة في دقة صياغة، ولو أخذت على غرها لم يدرك غورَها سوى الراسخين في البلاغة. وهكذا لما انكشفت له أسرارها، وتراءت له منزلتها وفرائدها، عقد عزمه على تجليتها لطلاب الأدب، وعني بها عناية فائقة بتوضيح دقائقها، مستخدماً في ذلك عمق معرفته باللغة والآداب، ومنبّهاً إلى آراء العلماء والبلغاء والكتاب والشعراء، سائراً في شرحه هذا على النهج القويم الذي تعوّده، وتمكّن منه الأئمة السابقون، مكتفياً في بعض المواضع بالإحالة على كتب الأدب.

стр. 642

فهي جملة من الفنون لا يدركها إلا من دُبجت لهم من طلابها، ولا يجاريها أو يرتع في ميادينها إلا كل حاذق مفن من المترسلين والشعراء الذين يدركون بنظرهم وطباعهم ما احتوته الآثار الفنية الأدبية من معان، ويؤكّدون ما ورد بها من نظريات وأصول وقواعد ونماذج في اللغة وعلومها، والبلاغة وأسرارها، ويُجلون للمتأدبين ضروب العمل الفنّي من نثر ونظم وخطابة وكتابة. ولارتباط شرح الإمام للمقدمة بكل ما حوته أو دلت عليه قوانين اللغويين والبلغاء، وما تنطق به من آراء واتجاهات فنية وأدبية، يتعين على الدارس أن يقرأ المقدمة مجرّدة عن الشرح، ليتصوّر أغراضها ويحدّد عناصرها، ثم يُتبع بذلك النظر في شرح هذه الرسالة العلمية النقدية ليجد فيها طلبته ويبلغ بها حاجته، ويصل عن طريقها إلى أسباب النجاح في الفنين، والقدرة على الترسل والنظم، بتنمية فطرته وشحذ قريحته وصقل مواهبه. ولكل من تخير النثر أو الشعر سبيل. فإذا حذق الأديب أحدهما قصر به عن الآخر سعيه، وحيل بينه وبين التفوّق فيه. وإذا الناس والمبدعون في صناعة الكلام أجناس: منهم الكتاب البلغاء، ومنهم الشعراء المبدعون. ولا يستطيع أكثر المترسّلين أن يجيدوا الشعر، ولا غالبُ المهرة من الشعراء أن يقدروا على إنشاء الرسائل والكتب. وتمايزت الفئتان كل واحدة بما خصّت به وبرعت فيه. وكان التنازع والتنافس بينهم قائماً دائماً. "ذلك أن مبنى الترسّل ومبنى الشعر مختلفان، والمتولّي لكل واحد منهما يختار أبعد الغايات لنفسه فيه ... واختلفت الإصابتان لتباين طرفيهما وتفاوت قطريهما". فالعناية بأحد الأسلوبين وإجادته تُباعد الفكر حتماً عن الاهتمام بالآخر والاشتغال به. ولم يُقدَّر الجمعُ بين الفنيْن إلا لطائفة قليلة من

стр. 643

الأدباء بسلوكها نظامَ البلاغة وظهورها فيه في المنظوم والمنثور. ذكر المرزوقي من بينها أعلاماً كالصولي، وأبي علي البصير، والعتّابي، وضم إليهم الإمام الأكبر جماعة ثانية برزت في الترسّل والنظم جميعاً، منها من ذكره الجاحظ في بيانه، وابن رشيق في عمدته، مثل محمد بن عبد الملك الزيات، والحسن بن وهب، وسعيد بن حميد، وأبي الحسين بن الخلال المهدوي، وزاد في لآلىء هذا العقد لسانَ الدين بن الخطيب. وآثار هؤلاء جميعهم ومَن خَلفَهم من أصحاب البيان إمّا معدودةٌ من المطبوع: "وهو الشعر الذي يصدر عن الشاعر بالسجيّة والطبيعة الناشئة عن تدرّبه بسماع أشعار البلغاء، واندفاع طبيعته لمحاكاة أشعارهم حتى ليكون الشعر البليغ الصادر عنه كالطبع، فلا يَصرف فيه تعمُّق رويّة، ولا معاودة تنقيح وتثقيف". وإما أن تكون من المصنوع "الذي دخلته الصنعة من تهذيب وتنقيح للشعر، وإبداع للمحاسن البديعية واللطائف اللفظية". وهذا يكون بالاعتماد على القواعد والنكت، وصور الأمثلة لما تلقَّوه أو لقّنوه بالتعليم، فيعتبرون تلك نماذج يُحاكونها وأمثلةً يسيرون عليها. وإذا كانت الدعامة الأولى لكتاب ديوان الحماسة لأبي تمام هي اختيارات حبيب بن أوس الطائي نفسه الموفّقة، يلي ذلك سعة علم الإمام المرزوقي شارح الحماسة، وعمق نظره، وتقحّمه المعجب لعلوم اللغة وفنون الأدب، وإثارته عرض شرحه لمكنوناتها، ثم نباهة الإمام الأكبر البادية في تحليله لنصوص المقدمة وشرحها، واستكماله ما تدعو الحاجة إليه من حضور جملة من الحقائق والأوصاف حضوراً ذهنياً يعين على سعة النظر وجمع كل ما تتطلبه المقولة أو الجملة من أغراض ومعانٍ: أوائل وثوان.

стр. 644

ولعل تقدير المرزوقي لديوان الحماسة وولوعَه بما ورد فيه من مقطّعات يؤكد ما أجمع عليه النقاد من أن حماسة أبي تمام جمعت أبدعَ وأهمَّ المقطّعات الشعرية مثلما جمع الضبي في مفضلياته أَعلَى القصائد روعة وإبداعاً. وهذا التقدير بل هذه النظرة المتميّزة عند المروزقي لاختيارات أبي تمام هي التي حملته على شرحه وتفسيره لها، كما أنها حدت به إلى التنويه بصنيعه، والتنبيه فيه على أصول النقد، مما اعتمده المتخيّرون للنظم: مقطعاته وقصائده، وفق المنهج العلمي الذي عرفه أهل اللسان بفضل علمهم وإحاطتهم بأحكام اللغة وأسرارها، ودربتهم وممارستهم لفن القول. فذهب يقول: "هذا الكتاب وإن عظم حجمه وكثُر ورقه، فإنه لا يُمَلُّ تصفُّحهُ وقراءتُه، إذ كان كل باب من أبوابه ذا فنون من آثار العقول الصحيحة والقرائح السليمة، ولأن غوامض المقاصد إذا تبرّجت لك في روائع المعارض، وأقبل فهمك رائداً لقلبك، يتشمّم نوادر الزهر في مغارس الفطن، ويتخيّر فرائد الدرر من قلائد الحكم، فكلما ازداد التقاطاً زادك نشاطاً". وأحسب المرزوقي في هذه الفقرة يعني شيخنا، لما سخّر له نفسه من تدريس هذا الكتاب وشرحه سنوات عدّة بجامع الزيتونة الأعظم، ولما علّق به على مقدمته من تعاليق مفيدة، جمعت الفرائد إلى الشوارد، وهيأت لدارس شرح المرزوقي أصولاً ومعارف، وجوانب نقدية وبلاغية، وصوراً رائعة من فنون النظم والنثر ألمع إليها المؤلف واختارها لتكون عند دارسي الأدب من مقوّمات الثقافة الأدبية والنقدية. وربما تأكدت الصلة بين شارح الديوان وشارح المقدمة لما التزماه واتفقا عليه من آراء وأفكار، واعتمداه من أصول وأنظار، تُكسِب القلوبَ استجلاء، والنفوس مَيْلًا واستحباباً. وقد

стр. 645

استمرت بينهما هذه الرابطة زائدة نامية، ودامت دوام فوائد هذا العلم قائمة باقية. وشرح المرزوقي - كما وصفه محقِّقهُ عبد السلام محمد هارون - ليعدّ أكبر شروح حماسة أبي تمام، وأكثرها عناية بمعاني الشعر وبالنقد والموازنة. وأن المقدمة التي وضعها مؤلّفه بين يدي هذا الشرح لهي مقدمة نفيسة جريئة تُعَدّ وثيقة هامة في تاريخ النقد الأدبي: نقد الشعر ونقد النثر. وقد ضمّنها مسائل شتّى تتعلق بموازنة النظم والنثر أيهما أشرف وأعلى قدراً. وأتبع ذلك كلامه على المقايسة بين منزلة الشاعر والكاتب، والعلةَ في كثرة الشعراء وقلة النثار، ولماذا لا يستطيع الأديب أن يجمع الإجادة في الفنيْن، والحديث عن أثر الصنعة والطبع في الآثار الأدبية، في قيمتها وفي جمالها، ومتى تستحسن الصنعة، وما مدى العلاقة بين ذوق الأديب فيما يصنع بيانه من إنتاج أدبي، وفيما يختار من بيان غيره". وفي هذه الجملة تصوير عام لموضوعات المقدمة وما اشتملت عليه من مسائل، مهّد لها شارحُ الحماسة بإشارات، هي عنوان لما بثّه في مقدمته من آراء وموضوعات وعالجه من قضايا. وقد جعل الطريق إلى ذلك أولاً التساؤل الذي أجراه على لسان صاحب له متأدب، فيما جاراه فيه وحادثه به. فهو يتقدّم بقارئه عن طريق ترتيب شارح الحماسة لأسئلته ومحاوره وإجابته عنها من غرض إلى غرض، ومن موضوع إلى موضوع: باحثاً أمرَ الشعر وفنونَه، وما ناله الشعر في الجاهلية وما بعدها من حَظوة، والتساؤل عن شرائط الاختيار له والانتقاء منه، وكذا التمييز بين النظم والنثر، وما يحمد ويذم من الغلوّ أو القصد في الشعر، ثم معرفة قواعد هذا الفن التي يتأكّد الكلام فيها وعليها، ووجوب تأخير الحكم على أهل الصناعة فيها إما

стр. 646

بالإساءة أو الإحسان، حتى يتمّ فحص أشعارهم والتأمّل في مآخذها وإدراك مدى شأوهم فيها. وقد ذكر في بداية حديثه الأسبابَ التي حملت المؤرخين والأدباء على التنويه بفنّ الشعر وبأصحابه قائلاً: "إن الله قد أقامه للعرب مقام الكتب لغيرها من الأمم. فهو مستودع آدابها، ومستحفظ أنسابها، ونظام فخارها يوم النفار، وديوان حجاجها عند الخصام". ولكثرة ما روي منه جيلًا بعد جيل، واختزنته ذاكرة الأيام زمناً إثر زمن، احتاج العلماء بالأدب، والبصراء بالشعر، إلى صقل مواهب الناشئة بما يختارونه لها من شعر رفيع ونظم بديع. وهذه العملية المزدوجة التي قادت الرواة والأدباء إلى وضع المنتخبات والاختيارات، حرصاً منهم على التكوين والتدريب لمنظوريهم من شداة الأدب، وعلى تقديم ما يروق لهم منه، عنايةً بهم وتلقيناً لما يَصْطَفُونه من الشعر، تهذيباً لأذواقهم وتوجيهاً لهم. وقد عدّ مؤرخو الأدب من هذه المجاميع جملة ذكروا منها الأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، والمفضليات ومختارات شعراء العرب لابن الشجري، كما لفتوا النظر إلى ما شرعه أئمة الأدب ورواد الشعر من حماسات، اجتمع الناس عليها وأفادوا منها كحماسة أبي تمام، والبحتري، وما جمعه من ذلك الخالديان والعسكري والأعلم الشنتمري وأبو الحجاج يوسف البياسي الأندلسي وأبو الحسن بن أبي الفرج البصري. ولعلّ أشهر المجاميع المفضليات، وأجود الحماسات حماسة أبي تمام. وقد صرّح المرزوقي بذلك عند قوله: "وقضيت العجب كيف وقع الإجماع من

стр. 647

النقاد على أنه لم يتّفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمام، ولا في اختيار القصائد أَوفى مما دوّنه الضبّي في مفضلياته". ومما لا شك فيه أن إجماع النقاد هذا، وما كان يتميّز به الإمام المرزوقي من معرفة بوجوه الكلام والنظم، والتصرفات القولية، وبإدراكه الدقيق لمحاسن ومساوىء الصناعتين، وتصنيفه حسب ذلك للكتاب والشعراء مميّزاً بين درجاتهم، وكذلك تصوره وبيانه للحد الذي يؤهل القارىء والسامع لفهم الأدب ونقده شعره ونثره، حتى يتمكّن الناظر من تجريد الشهادة في شيء منه، وَيبُتَّ الحكمِ له أو عليه، عن دراية سابقة وخبرة تامة، لهي المزايا الأربعة: الأولى اتصلت منها بالشعر وبأبي تمام، والثلاث الباقية الكاشفة عن قدرات المرزوقي العلمية والذوقية، البلاغية والنقدية التي جعلته يقصرُ ما يستفضله من وقته، ويستخلصه من وكده، على عمل شرح لاختيارات أبي تمام في ديوان الحماسة. وقد كان هذا العمل العلمي الأدبي الممتع، والبالغ غاية الجودة، مقتضياً من الدارس الوقوف على كل فصل من فصوله والاستغناء بما ورد فيه من قواعد وأحكام يجلّيها لنا مؤلفه أحسن تجلية، ويفصل القول فيها بعد الإشارة المجردة إليها وتقديم الذكر لها، فيتعرف الناظر من المقدمة على أبرز الموضوعات التي بحثها الشارح، وإن كانت في ذاتها كثيرة ومتعدّدة. ولو أردنا أن نتتبع القضايا المبحوثة ومتفرعاتها في المقدمة الأدبية لخرجنا عن الحد المألوف في تقديم الكتب والتعريف بها. ولذلك حرصاً على الوفاء بهذا الغرض نكتفي بتناول عناصر أربعة، هي:

стр. 648

١ - شعر أبي تمام واختياراته . ٢ - الاختلاف بين مدرستي الألفاظ والمعاني في أدبنا العربي. ٣ - عمود الشعر. ٤ - النقاد ومذاهبهم. شعر أبي تمام واختياراته: يفرق كل النقاد بين صنيعي أبي تمام في اختياراته وفي شعره. فهو وإن كان رأس مدرسة شعراء المعاني وعميدَها، فإن لاختياراته أهميةً بالغة: فهو يقطف من كل بستان ما ينطق بالإبداع والتفنن، ويروي عن الطائيين وغيرهم، وعن رواة الشعر وأئمة الأدب في عصره وقبل عصره. وقد اهتبل المرزوقي الفرصة ليقدم لنا تصوراته وأفهامَه لأشعار رجال الحماسة، غير غافل عن إبراز جملة من الفوارق بين نظم أبي تمام وما جمعه هذا العالم والشاعر النابغ، من بدائع وأنماط في ديوان الحماسة. يقول المرزوقي في ذلك: "إن أبا تمام معروف المذهب فيما يقرضه، مألوف المسلك لما ينظمه، نازعٌ في الإبداع إلى كل غاية، حاملٌ في الاستعارات كل مشقّة، متوصّلٌ في الظفر بمطلوبه من الصنعة أين اعتسف وبماذا عثر، متغلغلٌ إلى توفير اللفظ وتغميض المعنى أنى تأتَّى له وقدر" (١). فإذا تطلعت إلى معرفة رأيه في اختياراته أفادك: أنه عادل فيما انتخبه في هذا المجموع عن سلوك معاطف ميدانه، ومرتض ما لم يكن فيما يصوغه في أمره وشأنه. فقد فَلَيته فلم أجد فيه ما يوافق

стр. 649

ذلك الأسلوب إلا اليسير. ومعلوم أن طبع كل امرىء - إذا ملك زمام الاختيار - يجذبه إلى ما يستلذّه ويهواه، ويصرفه عما ينفّر منه ولا يرضاه" (١). غير أن هذا الرأي أو الحكم لا يخضع للفطرة وحدها. وهو ليس على إطلاقه لكونه عند أرباب الصناعة وأهل النقد يعود إلى مرجعية من القواعد تثبّته وتزكّيه. وهي لا تجتمع إلا لباحث أو دارس، وإلى صنوف من التحصيل لا يحيط بها إلا كل مِفَنٍّ ممارس، وإلى أضرب من المقايسة والمقارنة والمفاضلة والموازنة، لا تتّفق إلا لمن اتّسعت مداركُه، وكثرت روايتُه، ووقف عند الصور الأدبية والأمثلة الشعرية مستجلياً مفاتنها وروائعها، مستكرهاً ومحذراً ممّا يعرض لها من اختلاف واضطراب. الاختلاف بين مدرستي الألفاظ والمعاني: ولا يتمّ إدراك ذلك في الصناعة الأدبية إلا بالنظر في عنصرين أساسيين يكونان على درجة رائعة من الإيحاء، وفي منزلة عالية من إحكام البناء. وهذان العنصران هما: اللفظ والمعنى. تتفاوت مراتبهما، ويعلو وينزل قدرهما بقدر ما يكون من إجادة وإحسان، وإبداع وإمتاع، خاصة في جانب الألفاظ والمباني. وقد جعلت طائفة من النقاد صلة ثابتة بين العنصرين، فربطوا بين المعاني والألفاظ، وقدّروا الأولى بمنزلة الأرواح، والثانية بمنزلة الأجسام. قال ابن رشيق: "فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، وإن ضعف المعنى واختل بعضه كان اللفظ من ذلك أوفر حظاً. ولا تجد معنى يخلّ إلا من جهة اللفظ، وجريه

стр. 650

فيه على غير الواجب. وإن اختل المعنى كله وفسد، بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه، وإن حَسُن طلاوةً في السمع" (١). ومن أجل هذا تحدَّث النقاد عن المعاني وأفردوها بالدرس. فأطلقوها على عدة أقسام. منها: أصل المعنى، وهو الأغراض والصور العامة التي تستفاد استفادة أولية من مختلف صيغ الخبر والإنشاء. ومنها: المعاني الأول، وهي الأغراض الخاصة التي قصدها البلغاء لنكتة مثل رد الإنكار، ومنها: الثواني - أو معنى المعنى - بحسب اختلاف أئمة البلاغة في ذلك كالجرجاني والسكاكي. وهي في جملة ذلك عبارة عن الخواص الكلامية التي تفيد كيفيات في المعاني الأول، مثل القصر والاستغراق والكناية والمبالغة، مما يتميز به كلام بلغاء العرب. وقد تحدّثوا في هذا الباب عن شرف المعنى وما يستفاد من الكلام ويتلقّاه السامع مستغنياً به عن غيره في استفادة الغرض الذي يومىء إليه. ونعتوا هذا المعنى بالشرف والصحّة، وبالمعجب الجزل العذب، والمحكم الزاهر الفاخر. وتُقابل شرفَ المعنى سخافتُه إذا قلّت جدواه، أو لدلالته على تعلّق تفكير صاحبه بصور ضعيفة. ولتوجيه الناشئة وبيان المسالك الرشيدة في هذا الغرض، الواجبِ اتباعُها، دعا النقاد البلغاء فيما تجيش به نفوسهم ويريدون إبلاغه إلى نفوس السامعين إلى أن يتخيّلوه في خلدهم، ثم يكتبونه

стр. 651

بأحسن صورة تكفل لهم وقوعَه لدى السامعين موقعاً حسناً يفي بالمراد والغرض أكملَ وفاء. ومن أسباب شرف المعنى أن يكون مبتكراً غير مسبوق أو مزيجاً بعضه مسبوق وبعضه مبتكر. وبمقدار زيادة الابتكار على المسبوقية يكون دنُوّه من الشرف. وقد ذكر المرزوقي أمثلة لشرف المعنى بدت في ابتكارات كثيرة عند بشار وأبي تمام وأبي الطيب، وجعل قريباً من ذلك ما ورد منها عند أبي نواس وابن الرومي والمعرّي. وأمّا شروط تحقّق شرف المعنى فهي تختلف باختلاف محالّها من أغراض الكلام. نبّه إلى ذلك ابن الأثير في المثل السائر بقوله: "إن الكاتب أو الشاعر ينظر إلى الحال الحاضرة ثم يستنبط لها ما يناسبها من الغائب" (١). وإذا كان العمق في استجلاء محاسن الكلام طريقاً لمعرفة خصائص المدرستين: مدرسة الألفاظ ومدرسة المعاني، وسبيلًا للوقوف على بديع تصاريف المباني، وجميل تضاعيف المعاني، وجب الانتباه إلى مناهج النقاد في اختياراتهم، وهي كثيرة، لاتساع مجال الطبع فيها، وتشعّب مراد الفكر لها. فمن النقاد والبلغاء من يرى فِقَر الألفاظ وغررها كجواهر العقود ودررها، وأن ما جاء منها محرّراً مَصفّى من كدر المعنى والخطل، مقوّماً من أود اللحن والخطأ، سالماً من جنف التأليف، موزوناً بميزان الصواب، قَبِله الفهم والتذّ به السمع. وإذا ورد على

стр. 652

ضدّ هذه الصفة، صدِىء الفهم منه، وتأذّى السمعُ به تأذّيَ الحواس بما يخالفها. وهؤلاء رواد مدرسة الألفاظ. ومنهم من لم يرض بالوقوف عند الحد الذي وصفناه، فتجاوزه في التقدير، والتزم من الزيادة عليه تتميمَ المقاطع، وتلطيف المطالع، وعطفَ الأواخر على الأوائل، ودلالة الموارد على المصادر، وتناسب الفصول والوصول، وتبادل الأقسام والأوزان، والكشف عن حجب المعاني بألفاظ هي في الاختيار أولى، حتى يطابق المعنى اللفظ، ويسابق فيه الفهمُ السمع. وهذا في اعتقاد القائلين به ما لا غاية وراءه ولا قصد بعده. والفريق الثالث مَن ترقّى، كما قال المرزوقي، إلى ما هو أشقّ وأصعب. فلم يقتصر على أفانين التصرّف البلاغي التي ألمعنا إليها حتّى طلب البديع، وأوغل في الترصيع والتسجيع، والتطبيق والتجنيس، وعكَس البناء في النظم، وأقبلَ على توشيح العبارة بألفاظ مستعارة. ولكل هذه التصرّفات القولية عند النثّار والشعراء منزلة من النفوذ، ودرجةٌ من الاعتلاء. وفي تأكيد هذا النهج الموسوم بمنهج مدرسة الألفاظ يقول ابن طباطبا في تخيّره للشعر: "فهو ما إن عَرِي من معنى بديع لم يعرَ من حسن الديباجة. وما خالف هذا فليس بشعر" (١). وأصحاب الألفاظ هم الأكثرون من أصحاب الذوق والبلغاء، غير أنهم ليسوا متمرّسين في علوم المعاني والبيان. وقد وضعوا العناية باللفظ في الدرجة الأولى، اعتباراً منهم لكون حُسن الديباجة

стр. 653

اللفظية يجعل الكلام مقبولاً، ولو كان عريّاً عن معنى بديع. ويقابل هؤلاء فريق من أصحاب الألفاظ المتخيَّرة، والتعابير الساحرة الرائعة جماعةٌ من البلغاء والنقاد قصدوا فيما تجيش به الخواطر إلى أن تكون استفادةُ المتأمّل له، والباحث عن مكنونه من آثار عقله أكثر من استفادته من آثار قوله. وهؤلاء هم أصحاب المعاني الذين ألمّوا بالعلوم العربية وصور البيان، غير أنهم لم يكمل لديهم ذوق صناعة البلاغة. فصرفوا اهتمامهم الأول إلى المعاني التي يريد البليغ التعبير عنها، ولم يحفلوا بجانب ذلك بالصنعة ولا تكلّفوا المحسنات. ولكنهم في عرض منازع المعاني يطيلون القول في بيان رسومها. وإنّما أجادوا أيّما إجادة في تحرير القول في ذلك بياناً وضبطاً، وتحليلاً وتصويراً، إذ جعلوا ذلك من مميزات مدرستهم. فالمتأمّلون في أقوالهم وأشعارهم يلفون فيها معاني فائقة، ترجع إلى المجاز أو التشبيه، أو إلى الإيجاز أو التلميح أو التمليح. وقد نوّه بأصحاب هذه المدرسة ابن الأثير حين قال: "ينبغي أن يتيقَّن المؤلف أن المعاني أشرف من الألفاظ، وأن هذه الصناعة من النظم والنثر، التي يتواضعها البلغاء بينهم، وتتفاضل بها مراتب البلاغة، إنما هي شيء يستعان عليه بدقيق الفكرة وكثرة الرويّة. ومن المعلوم أن الذي يستخرج بالفكر وينعم فيه النظر هو المعنى دون اللفظ. فمن المعاني ما يكون مبتدعاً فيذكر صاحبه معنى لم يسبق إليه" (١). وبقدر اختلاف النقاد والبلغاء في اتجاهاتهم وأحكامهم يرى المرزوقي أن من هذه مناسبَ المعاني لطُلّابها، ومن تلك مناصبَ الألفاظ لأربابها، وأن أجود ما يكون الإبداع فيه، والإمتاع به، ما

стр. 654

لا يتمّ للكلام حسنه وبلاغته إلا باجتماع شرف لفظه وشرف معانيه. عمود الشعر: أُطلق هذا العنوانُ قبلُ عند أبي الحسن الآمدي في موازنته، كما ذكر ذلك لنا الإمام الأكبر. ومحصله عنده أنه الأسلوب الذي سلكه فحول الشعراء من عهد الجاهلية وما بعده في بلاغة الكلام وإحسان المعاني، والبعد عن التكلّف، وتجنّب استكراه الألفاظ والمعاني. ولعله مأخوذ من قول البحتري في مقارنته بين شعره وشعر أبي تمام: "أنا أقْوَم بعمود الشعر، وأبو تمام كان أغوص على المعاني" (١). وحصر المرزوقي عمود الشعر في جملة من الخصال، مَن لزِمها بحق وبنَى شعرهُ عليها كان عندهم المُفلِق المعظّم والمحسن المقدّم. وقد سبق لصاحب المقدمة ذكر هذه الخصال عند حديثه عن درجات صعود المعنى في مصاعد الشرف. وتلك الخصال هي مجموع الشرائط اللفظية، والإصابة في الوصف، والإجادة والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامه، والاستعارة، ومشاكلة اللفظ للمعنى. وجعلوا لكل وصف أو شرط من هذه الشروط عياراً يضبطه ويدلّ على تحقّقه. فعيار المعنى عرضه على العقل الصحيح والفهم الثاقب. وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال. وعيار الإصابة في الوصف الذكاءُ وحُسن التمييز. فما وجدوه صادقاً في العلوق ممازجاً في اللصوق يتيسر الخروج عنه والتبرؤُ منه فذلك سيماء الإصابة.

стр. 655

وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحُسن التقدير. فأصدقه ما لا ينتقص عند العكس. وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن الطبعُ واللسان. وعيار الاستعارة الذهن والفطنة. وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به. ثم يُكتفى منه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له. وعيار مشاكلة اللفظ للمعنى وشدّة اقتضائهما للقافية طول الدربة ودوام الدراسة. فإذا حكما بحسن التباس بعضهما ببعض لا جفاء في خلالها ولا نبر، ولا زيادة فيه ولا قصور، وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني قد جعل الأخص للأخص والأخس للأخس فهو البريء من العيب. هذا عمود الشعر ومعاييره يضعه المرزوقي بين أيدي طلّاب الأدب ورواده. فلا يتأولونه بعد اليوم ضروباً شتى من التأوُّل تختلف معها تصوّراتُهم واتجاهاتُهم، وتتناقض معها آراؤهم وأحكامهم، وتضيع بها الحقائق العلمية والمدركات الفنية، فتنطمس بسبب ذلك مسالك الإبداع وطرقه وتنطفىءُ لوامع الأدب وروائعه. النقاد ومذاهبهم: وبقدر ما يعنى الباحث بالنظر في أسباب جودة الكلام ومحاسنه، وما يزداد به بهاء وجمالاً، يتعيّن عليه أن يكون قادراً على معرفة عيوب التأليف والنظم، مستشعراً لعلل الاختلال وأسباب الرداءة، كأن يكون اللفظ وحشياً أو غير مستقيم، أو غيرَ مستعمل في المعنى المطلوب، أو به زيادة أو نقصان يُفسد المعنى أو فاقدَ الالتئام بين أجزاء البيت في القَسم أو التقابل أو التفسير، أو بمعناه تناقض،

стр. 656

أو فيه خروج إلى ما ليس من مقتضى العادة أو الطبع، أو يكون الوصف فيه غير لائق بالموصوف، أو يكون في البيت حشو لا طائل فيه. وهكذا بإدراك الناظر الدقيق وإحساسه العميق ترتفع منازل الدارسين لفنون الأدب، وتتجلّى صفات الناقد الذي يُقبل نقده ويرتضى حكمه. ومن ثمة نعتوا صيارفة الكلام بعدّة أوصاف. فالناقد البارع كما نبّه إلى ذلك المرزوقي في مقدمته: - هو من عرف مستور المعنى ومكشوفه، ومرفوض اللفظ ومألوفه فميَّزَ المعنى المبتدع الذي لم تقتسمه المعاوض، ولم تعتسفه الخواطر، ونظر وتبحَّر ودار في أساليب الأدب فتخيّر. وطالت مجاذبته في التذاكر والأبحاث والتداول والابتعاث. وبان له القليل النائب عن الكثير، واللحظ الدال على الضمير، ودرى تراتيب الكلام وأسرارها، كما درى تعاليق المعاني وأسبابها. إلى غير ذلك مما يُكمل الآلة ويشحذ القريحة. فتراه لا ينظر إلا بعين البصيرة، ولا يسمع إلا بأذن النِّصفة، ولا ينتقد إلا بيد المعدِلة. فحكمه الحكم الذي لا يبدّل، ونقده النقد الذي لا يغيّر (١). ومن هذا البيان المفصل، من كلام المرزوقي في النقد، يتحقّق لدى العلماء بفن القول وغيرهم أن أسباب الاختيار عند أهل الصناعة حقيقية لا وهمية. وقد عزز الإمام الأكبر حقيقة الناقد هذه بما نقله عن الآمدي في موازنته من قوله: "وأنبّه على الجيّد وأفضله، وأبيّنُ الرديء

стр. 657

وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التخليص، وتحيط به العناية، ويبقى ما لم يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره إلى الاحتجاج. وهي علة ما لا يعرف إلا بالدُّربة ودائم التجربة وطول الملابسة. وبهذا يفضّل أهلُ الحذاقة بكل علم وصناعة مَن سواهم ممّن نقصت قريحته وقلّت دربته، بعد أن يكون هناك طبع فيه تقبّل لتلك الطباع وامتزاج، وإلّا لا يتم ذلك" (١). ولعلنا نختم هنا أهم عناصر المقدمة بما ختم به المرزوقي مواضع درسه القائم على المقارنة والمفاضلة. وهو عنوانان: (١) سبب تأخر الشعراء مرتبةً عن الخطباء والكتّاب. (٢) قلّةُ المترسّلين من الكتاب، وكثرة المفلِقين من الشعراء، ونباهة أولئك وخمول هؤلاء. للجاحظ في ترتيب الشعراء مع الخطباء والكتاب كلامٌ نقله عن أبي عمرو بن العلاء. يفيد أن المنزلة الأولى في الجاهلية كانت للشعراء لفرط الحاجة إليهم. فالشعر يقيّد مآثرهم، ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم. ولكنّهم عندما كثروا واتخذوا الشعر مكسَبة، ورحلوا إلى السُّوقة وتسرّعوا إلى أعراض الناس، تدنّت منزلتُهم. وقال أهل النقد في ذلك: الشعر أدنى مروءة السَّرِي وأسرى مروءةَ الدنيء (٢). ومن أسباب تأخّر المنظوم عن رتبة المنثور: ١ - ورود القرآن نثراً، وبه الإعجاز.

стр. 658

٢ - احتياج الملوك في الجاهلية إلى الخطباء، وعدُّهم الخطابةَ أكمل أسباب الرئاسة، وأفضل آلات الزعامة. ٣ - قيام النثر مقام النظم لا العكس. ٤ - النثر يحتاج في محصِّله إلى آلات لا يقتضيها ولا يتطلّبها النظم. ٥ - ارتفاع منازل الكتاب إلى درجة الوزراء، وبقاء الشعراء دونهم. فلا تعلو درجتُهم عن رتبة المستعطين. فثبت بهذا فضل النثر على الشعر من عهد الجاهلية، وعززه الإسلام (١). هذا وجوانب القول - في مقدمة المرزوقي وشرح الشيخ ابن عاشور لها - كثيرة فسيحة لا يُلمّ بها جميعِها هذا التقديم لشرح مقدمة المرزوقي. ويكون من الضروري أن نضيف إلى مَا قدّمناه بعض الإشارات الدالّة على أهميّة هذا الأثر البلاغي النقدي الأدبي. فالإمام الأكبر، بجانب ما عرضه من آراء بلاغية ونقدية، ترجم لعدد من الكتاب والشعراء، وأنزلهم منازلهم مثل أبي تمام صاحب الاختيارات، والصولي التركي الأصل ذي النثر البليغ والشعر الرقيق، وأبي علي البصير الفضل بن جعفر الكوفي الضرير المتميّز في فني النثر والنظم، والعتّابي الشاعر المجيد والكاتب البديع الترسّل (٢). كما ترجم لعبد القاهر الجرجاني وللحاتمي وللسكاكي، وتحدَّث عن أئمة الأدب والكتاب كابن الأثير، ونوّه بابن طباطبا الشاعر أحد دعاة المدرسة اللفظية، وذكر جملة من آثاره مع وصفه له بالفطنة وصحّة الذهن. ولم يُغفل في شرحه للمقدمة ذكر المبرد إمام العربية، والحسن بن رجاء الشاعر الكاتب، وابن أبي عيينة أحد

стр. 659

الشعراء المطبوعين (١). ومن عناية المؤرّخين ورجال ديوان الإنشاء بالكتابة أن سجَّلوا في ذلك ملاحظات، ووضعوا مصنّفات واسعة في هذا الغرض، مثل خواطر الحريري في مقاماته، وكتاب القلقشندي صبح الأعشى، ونهاية الأرب للنويري. وفي الجزء الثاني، المتعلق بقلة المترسلين ونباهتهم، وكثرة الشعراء وخمولهم، ينقل المرزوقي ومعه شارحه فقرات من كلام ابن الأثير. كان تصوير ابن الأثير للفئتين على الوجه التالي: فقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلّق بكل علم حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه، وذلك لما يفتقر إليه الخواصّ من كلّ فن (٢). وفي مكان آخر من مَثَله السائر يقول: إن الكتابة تفتقر إلى سبعة أنواع من الآلات: هي علوم العرَبية، وعلم اللغة، وأمثال العرب، والاطلاع على تأليف من تقدّمه من أرباب الصناعة المنظومة والمنثورة، ومعرفة الأحكام السلطانية، وحفظ القرآن، وحفظ ما يحتاج إليه من السنة (٣). وهذا أمره واضح في مساندته للكتّاب وتقديمهم على الشعراء بما اكتساه من مبالغة وإسراف في عدّ العلوم التي يحتاج إليها الكاتب دون الشاعر، وبعض هذه الشروط مما كانت تحتاجه الصناعة في

стр. 660

الدواوين. والحق أن الشاعر أيضاً يحتاج إلى قسم من هذه العلوم وإلى مثلها، كما فصل ذلك رجال النقد، وفي مقدّمتهم حازم القرطاجني في منهاج البلغاء في أقسامه الثلاثة: المباني والمعاني والأسلوب. واستنتج المرزوقي من الواقع، ومن هذه الآراء المفصّلة الأغراض في مواضع من نهاية المقدمة، يسانده الإمام الأكبر: "لما كان الأمر على هذا صار وجود المضطلعين بجودة النثر أعزّ، وعددهم أغزر، [لصعوبة هذا الفن وشدّة الاحتياج إليه في مناحي الحياة ومختلف الدوائر. وقد وَسَمت الكتابةُ المترسِّلين بشرفها وبوأتهم منزلة رئاستها ...] أما الشعراء فإن أغراضهم، وإن كانت رائعة للنفوس، ومرغوبة عند أهل الذوق السليم، لكنهم دون الكتاب لأن مرتبة هؤلاء مهيبة، وآثارهم عجيبة" (١). وشارح المقدمة في كل قضية من قضايا النقد يبحثها، يروي عن هؤلاء وغيرهم كالجاحظ والخوارزمي من الأدباء الكتاب، وعن عدد من الشعراء والخطباء المتقدّمين، وعن طائفة من المولّدين أمثال أبي الطيب والمعري وابن زيدون فيحلل آثارهم، ينقدها مرّة، ويقارن في كل طائفة منهم بين مسالكهم ومناهجهم الفنية مرّة أخرى، مثبتاً مراجعه في هذا الغرض بما ينقله عن دلائل الإعجاز، والمفتاح، والبيان، والكامل، والمثل السائر، والمقامات، والعمدة، ونقد الشعر، والموازنة، والأغاني، وجمهرة أشعار العرب، وجمهرة الأنساب، وتاج العروس، إلى غير ذلك من كتب الأدب واللغة والبلاغة والنقد.

стр. 661

وربما أضاف إلى هذا كله أخباراً ونكاتاً بلاغية نقدية كحديثه عن واقعة بعكاظ نقد فيها النابغة شعر حسّان، وعما عرض لوالي اليمامة في خطبته الوعظية من الضعف، وقصة عبد الله بن السمط مع المأمون، وقصة بشار مع رؤبة بن العجاج. ولم يكتف بذلك، بل تجاوزه إلى بعض التعليقات العلمية والتفسيرية من بينها: - تنبيهه على أن الإعراب ليس ما يتوقف عليه معنى الكلام، بل تتوقف عليه سرعة الفهم. وهو فن لفصاحة الكلام العربي. - وضبطه لقبائل الخيل بقوله: قبائل جمع قبيلة، وهي من أربعين من الخيل إلى ستين. - وملاحظته النقدية لبعض العروض حين قال: على أن بعض العروض في بعض الموازين لا يخلو من ثقل، مثل الضرب الثاني المقطوع من بحر المنسرح وهو: مستفعلن مفعولات مستفعلن ... مستفعلن مفعولات مفعولن - نقله كلام الأخفش في القافية لجعله إياها الكلمة الأخيرة من كل بيت. وهو ما يتعارض مع إطلاقها عند علماء القوافي في بيان أحكام آخر البيت على الساكنين اللذين في آخر البيت مع ما بينهما من حروف متحرّكة، ومع التحرّك الذي قبل الساكن الأول. - ضبطه لبعض الصيغ أو المفردات التي يعثر عليها في بعض النصوص التي يستشهد بها، كما في نقله لكلام الجاحظ في بيان المختار المستقيم من الألفاظ حين قال: "ومتى شاكل اللفظ معناه وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقاً ولذلك القدر لِفْقاً"، علّق على صيغة الكلمة الأخيرة بقوله: اللفق، بكسر اللام وسكون الفاء،

стр. 662

شقة من ثوب تضم إلى أخرى. يقال: لفَقَ الثوب، من باب ضرب، إذا ضمت شقة إلى أخرى بخياطتها. فاللِّفق، بكسر اللام، زنة فِعل بمعنى مفعول مثل ذِبح بكسر الذال. - وشرح كلمة الرمضة بالأرض التي اشتدت حرارة مرعاها من شدة الرمضاء. وفي قولهم: "لا يرمضون" استعارة مكنية. وتعدد شرحه للكلمات اللغوية، وبلغ ذلك نحواً من ١٠٦ موضع أوردها المرزوقي في - مقدمته - مثل: الوكد، والمجاذبون، والمدافعون، والاجتواء، والأعطاف، والأقدار، والمطرح، وبعضها استعمالات تحتاج إلى بيان. مثل: جارَيتني، وعلى اتساعها، وتعطيك مرادك، وثالثة وهي جملة المصطلحات البلاغية والنقدية كالأتيّ، والأبيّ، والمقصّدات، والأسلوب، والمترسلون، والمفلقون، والأرداف، والتصاريف. والطبع، والفِقر، والغرر، والإغفال، والإعطال، والمطبوع، والمعارض، والإطباق، والمناسب، والمناصب، والمصنوع، ونحو ذلك. وهذا المعجم الصغير الموزعة مفرداته أشتاتاً أثناء شرح الإمام لمقدمة المرزوقي يثير أهمية عند الباحث، ويوطىء به الشارح على عادته لإيصال المعاني للقارىء والسامع بأسرع طريق، وأدق أسلوب. ولعل الدافع إلى ذلك دقّة الاستعمالات اللغوية، وشرح ما أغلق من الكلمات، وضبط جملة من التصرّفات القولية، وتحديد العديد من المصطلحات التي يحتاج إليها الدارس والمتأدِّب في مجالات البلاغة والنقد. * * *

стр. 663

أصول النظام الاجتماعي في الإسلام هذا الكتاب هو جملة مقالات نشرها الإمام الأكبر تباعاً في مجلة هُدى الإسلام القاهرية سنتي ١٣٥٤ - ١٣٥٥/ ١٩٣٥ - ١٩٣٦. عالج فيها الأوضاع الاجتماعية في العالم الإسلامي. كما قام قرينه وصديقه ورفيق دربه شيخ الأزهر من بعد الإمامُ الأكبر، محمد الخضر حسين، فنشر مقالات له هو الآخر في نفس الغرض. وهي التي ضَمَّها كتابُه رسائل الإصلاح. ومَن من رجال العلم الديني والثقافة الإسلامية ممّن بلغ مرتبتيهما أو أدرك شأويهما لم يُقبل ولو فترة قليلة، على العناية بهذا الموضوع الجليل والغرض الشريف، يسهم في بناء معلمه وإقامة صرحه، ولو بلبنات قليلة تكسبه فضيلة الانتساب إلى هذا الفن الذي يقوم أساسه على الفكر الديني والحضارة الإسلامية، وتتمثل أهدافه وغاياته في تقديم صورة صادقة مضيئة عن المجتمع الإسلامي، كما تنطق بذلك السنة المطهرة، والسيرة النبوية العطرة، وتاريخ صدر الإسلام. فيكون هذا طريقاً للمقارنة بين الأوضاع المختلفة للمجتمع الإسلامي ماضيه وحاضره في بلاد الإسلام، ولتحديد ما قوَّضَ البناءَ من انحراف عن المنهج، ومروق عن تعاليم الدين. ومن هذا الدرس والبحث والنظر ما يتوصل به إلى معرفة العدل والحرية والمساواة، وما يقتضيه الأمر من بيان للحقوق والواجبات التي جعلها الإسلام قواماً للحياة وتقدُّم العمران. وهكذا يتّجه العالمان الجليلان والشيخان المُصلحان إلى تصوير الغاية

стр. 664

من كتابيهما، وبيان مناهج الإصلاح التي يتحتّم الأخذ بها، وإلى وضع النصوص القطعية القدسية، والأمثلة التاريخية الحية ونحوها بين أيدي الجماهير والشعوب، للاهتداء بها، وبشدان مسالك النجاة عن طريقها، والخروج بالناس من الظلمات إلى النور ومن الوهم والتخيل إلى الحق واليقين. وتأكيداً لحقيقة هذه الدعوة والبلوغ بها إلى تغيير ما بالمسلمين من أوضاع، وتطهير المجتمع ممّا غلب عليه من أهواء ونوازع، تردّى بسببها في مهامه فيح مظلمة، يلفت الشيخ محمد الخضر حسين أنظار قرائه وأسماعَهم قائلاً: "إني قد طرقت في هذه الرسائل نواحي هي في حاجة إلى أن تبحث بفكر لا يتعصّب لقديم، ولا يفتَتِن بجديد، يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويوثق بالرواية بعد أن يسلمها النقد إلى الصدق" (١). ويشاكل هذا الاتجاه في الحديث عن المجتمع الإسلامي وإصلاحه قول الإمام الأكبر في المحاضرة التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية) بتونس عام ١٣٢٤، وبما وصلها به من مقالات في الغرض نفسه ضمنها كتابه أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: "وإذ لم يكن من خلقي أن أطرق مثل هذه المواضيع باللهجة المنبعثة عن التمنّي والتخيّل، بل اعتدت أن أرِدَها ورود الباحث عمّا يشهد له الواقع والأدلة الحقّة، كان كلامي متوخّياً طَريق التحقيق، ومتوقّعاً أن يُورِد عليه من يريد نقضه من عدو للدين أو صديق" (٢). وبقدر ما نلمس في المقالة الأولى من دعوة رفيقة إلى الحق، لينة

стр. 665

كريمة على الباحثين. تحمل على الجدال بالتي هي أحسن، تشير المقالة الثانية إلى أن صاحبها يكتفي بأن يسلك في منحاه وتحريره مسالك الدعاة، وهو مع ذلك يتعرَّض في كتابه إلى حقائق يحلّلها، ونظريات يؤسّسها، يقيم على هذه وتلك أصول نظام الاجتماع الإسلامي. كانت البيئة التي عاش فيها الشيخ ابن عاشور، والتي يهتم بأمرها في بلده وخارج بلده هي البيئة الإسلامية التي تدنّت عن منزلتها الأولى، وسقطت عن مراتبها السابقة. وذلك بموجب تحوّلها عن الطريق التي أفادت المسلمين نهوضاً سامياً في بادىء الأمر، وصُدوفها عن أصول دينها القويم. وهو المنهج الذي فُطرت عليه، والأساس الذي يعود إليه رقيُّها، وما أنشأته من حضارة وعمران. وبالنظر في هذه العاقبة الخسرى وأسبابِها، وما نجم عنها من تأخر وضعف في المجتمعات الإسلامية، دعته روحه الإصلاحية إلى البحث عن وسائل التغيير لأحوال المسلمين حتى يعودوا كما بدؤوا في أبهى حال من كمال الارتقاء والعزّة والظهور. وإذا كان المجتمع الذي يعنيه إنما هو المجتمع الإسلامي، المتحقق فيه الانتساب إلى المهيع المرتبط بمبادىء الإسلام وأصوله، فلا بدع بعد ذلك أن نرى شيخنا يقدم بين يدي قوانين الاجتماع الإسلامي ونظمه تحليلاً للمراد من الدين وبياناً للفطرة، فطرة هذه الملة المؤمنة، ويبحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيره في تأسيس المدنية الصالحة، ومقدار ما يقتبسه المؤمن بها من توجيهات يهتدي بها إلى مناهج الخير والسعادة. وفي هذه المقدّمة التي عرض فيها إلى بيان غرضه من الدراسة وقصده من تصنيف الكتاب يقول: "ومن غرضي أن أوضح الحكمة

стр. 666

التي لأجلها بعث الله بهذا الدين رسولَه محمداً خاتماً للرسل، أو عن الآثار التي أبقاها لنفع البشر. وهذا المهم لا يتأتّى إلا لمن أدرك علاقة الدين بالمدنية، وتأثيرَه في ارتقاء الأمة. ويتطلّب هذا المكسب الجليل النظرَ أولاً في تاريخ الأمة وتطلُّعها للدين، وإلى الحال الذي كانت عليه زمن ظهوره، وثانياً إلقاء نظرة واسعة فاحصة لهيئة مجتمع الأمة المتديّنة بالإسلام في أزهى عصور اتباعها لتعاليمه، ثم التعرُّف إلى ملاك محاسن هذا الدين بمطالعة تاريخ المسلمين في صدر الإسلام وما يليه، والتطلُّع إلى معرفة مقوّماته، وعلى دستوره الذي تنطق به أخلاق أفاضل المسلمين في أجلى مظاهر تفرعها عن المبدأ الإسلامي. يتناول هذا الكتاب تمهيداً بيّن فيه مؤلفه حقيقة الدين ومعنى الإسلام، ووجهَ إقامته لأصول النظام الاجتماعي بين الناس. فالدين اعتقادات وأعمال، على من يرغب في اتباعها أن يلتزم بها رجاءَ حصول الخير له في حياته الأولى الدنيوية وفي حياته الأخروية الأبدية ... وذلك عبارة عن مجموع تعاليم يريد الشارع أن تصير عادة وخُلقاً لطائفة من الناس، تبعث فيهم الفضائل والإحسان لهم ولغيرهم. والأديان السماوية كلُّها تقصد ممن خوطبوا بها حفظ نظام العالم وصلاح أحوال أهله. فوظيفتها تلقين أتباعها ما فيه صلاحهم ممّا قد تحجبه عنهم مغالبة الميول، وسوء التبصّر في عواقب الأمور. جاء الإسلام فكان خاتمة الأديان، واتّسم بعالَمية الرسالة، واتسعت أصول دعوته وفروعها، وامتزج فيه الدين بالشريعة، فضبط للأمة أحوال نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، وألزم،

стр. 667

المتمسكين بعقيدته الخاضعين لسلطانه، اتباع ما خطط لهم من قوانين في المعاملات وغيرها. واقتضى هذا الوصف أن تكون للإسلام دولة تمكن القائمين عليها من تحكيم شريعته، وتنفيذ قوانينه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، وقد دعا البارىء سبحانه إلى وجوب الأخذ به، أي بالفطرة، وبما ترتبط به من التوحيد، والحق، والعدل. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢). فتكون الفطرة والتوحيد والحق والعدل لدى المؤمنين استجابة لأمر الله وتحقيقاً لإرادته، واتخاذَ تشاريعه وأحكامه أساساً لإقامة أصول النظام الاجتماعي بينهم. وفي ذلك إبرازُ حقائقه وخصائصه، وبيانُ سبل الإصلاح للفرد وللمجتمع. ويَنفُذُ شيخنا ﵀ من هذه الحقائق الدينية الإسلامية إلى الصميم من موضوعه المتمثل في الإصلاح بأشكاله المختلفة. فيبحث عن جملة قضايا من بينها ما نوّه به من: إصلاح الاعتقاد، وإصلاح التفكير، وإصلاح العمل. وإذا كانت أصول عقيدة الإسلام هي وحدانية الله تعالى، وأنها أساس تفكير الإنسان فيما هو مرتبط بحاجاته، نبا عنه الباطل، وتلاشت من حوله الأوهام، وكان التهيؤ لقبول التعاليم السديدة، والعمل الصالح، وإصلاح التفكير بحسب التدبير لشؤون الحياة العاجلة والآجلة، ابتغاء النجاح في الحياتين الدنيا والأخرى. إصلاح الفرد: إصلاح الفرد ضرورة للإنسان لتحصيل العلم بما يجب سلوكه،

стр. 668

حتى يسلم من الوقوع في مساوىء الأغلاط، ومن التردّي في مهاوي الخسران. والإصلاح للفرد وللجماعة من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، يحمل على إقامة نظام الاجتماع المطلوب. وبإثر الاستقراء العاجل لأصول نجاح المرء والجماعة، وبعد بحث هذا الموضوع من أطرافه، يلفت المؤلف النظر إلى ثمان نواح: هي تلقي العقيدة، والشريعة، والعبادة، وتحصيل النجاة في الحالين، والحزم، وحُسن المعاملة، والأحوال العامة، ومصادفة الحق في المعلومات (١). إصلاح الجماعة: إن تحقيق هذا المقصد الذي يعتدّ به الإسلام، ويعتبره الغرض الأسمى، حمل المؤمنين على الانتساب لجامعة جدّ متسعة وكبيرة، هي الجامعة الدينية الإسلامية التي تفوق أهميةً وقوة كل ما سبقها من ألوان الأنظمة القائمة على الترابط، والتساند والتعاضد. وذلك كنظام العائلة، والمصاهرة، والقبيلة، والأمة. وإذا ما نظرنا في الجامعات الدينية مثل جامعة إسرائيل المحصورة في بني إسرائيل: اليهود، أو في الجامعة المسيحية التي خرجت عن حدود شعب إسرائيل لتنتشر بين شعوب أخرى عن طريق الحواريين دعاة النصرانية، وجدنا الجامعة الإسلامية - كما أقامها الله ورضيها لنا - قائمة على أصلين عظيمين هما: العموم والدوام. وألفيناها متجاوبة مع الفطرة، رباطُها الدين الحق، والخطاباتُ الإلهية الموجهة لأفراد الأمة الإسلامية، والتي نخص بالذكر منها في هذا

стр. 669

المحل قوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١). الأُخوة الإسلامية: وتعرّض المؤلف إلى الأُخوة الإسلامية. وهي التي تمثل الدعم الروحي والتأييد النفسي لأفراد تلك الجامعة الدينية، إذ جعلها الله ﷻ أخوَّة بين كل أفراد الأمة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢). وصرّح بهذه الأخوة الدينية رسولُ الله ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة عنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (٣). وما الأخوة الإسلامية إلا رابطة وثيقة بين المسلمين، أبطل بها الحكيم العليم عصبيات ثلاث: عصبيات النسب والحلف والوطن. وتحقَّق على اعتبارها من مظاهر القوَّة والعزة ما يشهد له التعارف والتواصل بين المسلمين، ويؤكده الاتحاد النامي بينهم رغم اختلاف الأمم الداخلة في الإسلام. قال الإمام الأكبر: "فلم يحفظ التاريخ لدين ولا لدولة ولا لدعوة استطاع واحد منها أن يضم إليه مختلف الأمم ويجعلهم أمة واحدة لا يرى بعضهم فارقاً بينهم مثل ما للإسلام من ذلك". إصلاح العمل: يكون إصلاح العمل بطلب الاستقامة. وله ارتباط وثيق بصحة العقيدة وسلامة التفكير. ولاحتياج هذه الجوانب الثلاثة من الإصلاح

стр. 670

إلى بيان ما يحرسها، وقف الإمام عند الوازع النفساني يبسط فيه القول، ويكشف عن أثره في تحقيق صلاح الفرد والمجتمع. ثم دعاه هذا إلى الحثّ على اكتساب العلم، مريداً من العلم هنا، ما يبثه الله تعالى من العداوة في نفوس المؤمنين لخواطر الشر الصارفة لهم عن الخير، والمردية لهم في الشرور. ولقد أنهى المؤلف عرض مباحث إصلاح الأفراد المومى إليها أعلاه بالحديث عن تعميم الدعوة للإصلاح الفردي بين المسلمين، ومجيء الخطاب بدعائم الإصلاح لسائر الناس من رجال ونساء، وبيض وسود، وسادة وسوقة (١). وكما تميز الإسلام على غيره من الشرائع بعموم الدعوة حقيقة، تميّز بعموم فروعها غالباً. وتوجّه الشيخ ابن عاشور عقب عنايته بأحد نوعي الجنس، وحملته طبيعة البحث والنصفة للحق على أن يخص المرأة بكلمة يسيرة يبيّن فيها أوضاعها في مختَلف الشعوب قديماً، وعند العرب في الجاهلية، وما تحقّق لها من تسوية الإسلام بينها وبين الرجل في تكاليف شتى، في العديد من النواحي كالاعتقاد والعمل والآداب والمعاملات ونحوها. ومن ذلك رفع الإسلام الإصر عنها وإعلانُه عن حقوقها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). نظام سياسة الأمة: أما أصول نظام سياسة الأمة فقد كانت ظاهرة وملموسة بمكة التي عني فيها الإسلام بإصلاح الفرد، وبالمدينة التي قامت على إصلاح الجماعة. وازدادت تجلّياً وقوة بعد أن نزلت التشريعات
следующие страницы →