← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

التي لأجلها بعث الله بهذا الدين رسولَه محمداً خاتماً للرسل، أو عن الآثار التي أبقاها لنفع البشر. وهذا المهم لا يتأتّى إلا لمن أدرك علاقة الدين بالمدنية، وتأثيرَه في ارتقاء الأمة. ويتطلّب هذا المكسب الجليل النظرَ أولاً في تاريخ الأمة وتطلُّعها للدين، وإلى الحال الذي كانت عليه زمن ظهوره، وثانياً إلقاء نظرة واسعة فاحصة لهيئة مجتمع الأمة المتديّنة بالإسلام في أزهى عصور اتباعها لتعاليمه، ثم التعرُّف إلى ملاك محاسن هذا الدين بمطالعة تاريخ المسلمين في صدر الإسلام وما يليه، والتطلُّع إلى معرفة مقوّماته، وعلى دستوره الذي تنطق به أخلاق أفاضل المسلمين في أجلى مظاهر تفرعها عن المبدأ الإسلامي. يتناول هذا الكتاب تمهيداً بيّن فيه مؤلفه حقيقة الدين ومعنى الإسلام، ووجهَ إقامته لأصول النظام الاجتماعي بين الناس. فالدين اعتقادات وأعمال، على من يرغب في اتباعها أن يلتزم بها رجاءَ حصول الخير له في حياته الأولى الدنيوية وفي حياته الأخروية الأبدية ... وذلك عبارة عن مجموع تعاليم يريد الشارع أن تصير عادة وخُلقاً لطائفة من الناس، تبعث فيهم الفضائل والإحسان لهم ولغيرهم. والأديان السماوية كلُّها تقصد ممن خوطبوا بها حفظ نظام العالم وصلاح أحوال أهله. فوظيفتها تلقين أتباعها ما فيه صلاحهم ممّا قد تحجبه عنهم مغالبة الميول، وسوء التبصّر في عواقب الأمور. جاء الإسلام فكان خاتمة الأديان، واتّسم بعالَمية الرسالة، واتسعت أصول دعوته وفروعها، وامتزج فيه الدين بالشريعة، فضبط للأمة أحوال نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، وألزم،

стр. 667

المتمسكين بعقيدته الخاضعين لسلطانه، اتباع ما خطط لهم من قوانين في المعاملات وغيرها. واقتضى هذا الوصف أن تكون للإسلام دولة تمكن القائمين عليها من تحكيم شريعته، وتنفيذ قوانينه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، وقد دعا البارىء سبحانه إلى وجوب الأخذ به، أي بالفطرة، وبما ترتبط به من التوحيد، والحق، والعدل. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢). فتكون الفطرة والتوحيد والحق والعدل لدى المؤمنين استجابة لأمر الله وتحقيقاً لإرادته، واتخاذَ تشاريعه وأحكامه أساساً لإقامة أصول النظام الاجتماعي بينهم. وفي ذلك إبرازُ حقائقه وخصائصه، وبيانُ سبل الإصلاح للفرد وللمجتمع. ويَنفُذُ شيخنا ﵀ من هذه الحقائق الدينية الإسلامية إلى الصميم من موضوعه المتمثل في الإصلاح بأشكاله المختلفة. فيبحث عن جملة قضايا من بينها ما نوّه به من: إصلاح الاعتقاد، وإصلاح التفكير، وإصلاح العمل. وإذا كانت أصول عقيدة الإسلام هي وحدانية الله تعالى، وأنها أساس تفكير الإنسان فيما هو مرتبط بحاجاته، نبا عنه الباطل، وتلاشت من حوله الأوهام، وكان التهيؤ لقبول التعاليم السديدة، والعمل الصالح، وإصلاح التفكير بحسب التدبير لشؤون الحياة العاجلة والآجلة، ابتغاء النجاح في الحياتين الدنيا والأخرى. إصلاح الفرد: إصلاح الفرد ضرورة للإنسان لتحصيل العلم بما يجب سلوكه،

стр. 668

حتى يسلم من الوقوع في مساوىء الأغلاط، ومن التردّي في مهاوي الخسران. والإصلاح للفرد وللجماعة من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، يحمل على إقامة نظام الاجتماع المطلوب. وبإثر الاستقراء العاجل لأصول نجاح المرء والجماعة، وبعد بحث هذا الموضوع من أطرافه، يلفت المؤلف النظر إلى ثمان نواح: هي تلقي العقيدة، والشريعة، والعبادة، وتحصيل النجاة في الحالين، والحزم، وحُسن المعاملة، والأحوال العامة، ومصادفة الحق في المعلومات (١). إصلاح الجماعة: إن تحقيق هذا المقصد الذي يعتدّ به الإسلام، ويعتبره الغرض الأسمى، حمل المؤمنين على الانتساب لجامعة جدّ متسعة وكبيرة، هي الجامعة الدينية الإسلامية التي تفوق أهميةً وقوة كل ما سبقها من ألوان الأنظمة القائمة على الترابط، والتساند والتعاضد. وذلك كنظام العائلة، والمصاهرة، والقبيلة، والأمة. وإذا ما نظرنا في الجامعات الدينية مثل جامعة إسرائيل المحصورة في بني إسرائيل: اليهود، أو في الجامعة المسيحية التي خرجت عن حدود شعب إسرائيل لتنتشر بين شعوب أخرى عن طريق الحواريين دعاة النصرانية، وجدنا الجامعة الإسلامية - كما أقامها الله ورضيها لنا - قائمة على أصلين عظيمين هما: العموم والدوام. وألفيناها متجاوبة مع الفطرة، رباطُها الدين الحق، والخطاباتُ الإلهية الموجهة لأفراد الأمة الإسلامية، والتي نخص بالذكر منها في هذا

стр. 669

المحل قوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١). الأُخوة الإسلامية: وتعرّض المؤلف إلى الأُخوة الإسلامية. وهي التي تمثل الدعم الروحي والتأييد النفسي لأفراد تلك الجامعة الدينية، إذ جعلها الله ﷻ أخوَّة بين كل أفراد الأمة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢). وصرّح بهذه الأخوة الدينية رسولُ الله ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة عنه قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (٣). وما الأخوة الإسلامية إلا رابطة وثيقة بين المسلمين، أبطل بها الحكيم العليم عصبيات ثلاث: عصبيات النسب والحلف والوطن. وتحقَّق على اعتبارها من مظاهر القوَّة والعزة ما يشهد له التعارف والتواصل بين المسلمين، ويؤكده الاتحاد النامي بينهم رغم اختلاف الأمم الداخلة في الإسلام. قال الإمام الأكبر: "فلم يحفظ التاريخ لدين ولا لدولة ولا لدعوة استطاع واحد منها أن يضم إليه مختلف الأمم ويجعلهم أمة واحدة لا يرى بعضهم فارقاً بينهم مثل ما للإسلام من ذلك". إصلاح العمل: يكون إصلاح العمل بطلب الاستقامة. وله ارتباط وثيق بصحة العقيدة وسلامة التفكير. ولاحتياج هذه الجوانب الثلاثة من الإصلاح

стр. 670

إلى بيان ما يحرسها، وقف الإمام عند الوازع النفساني يبسط فيه القول، ويكشف عن أثره في تحقيق صلاح الفرد والمجتمع. ثم دعاه هذا إلى الحثّ على اكتساب العلم، مريداً من العلم هنا، ما يبثه الله تعالى من العداوة في نفوس المؤمنين لخواطر الشر الصارفة لهم عن الخير، والمردية لهم في الشرور. ولقد أنهى المؤلف عرض مباحث إصلاح الأفراد المومى إليها أعلاه بالحديث عن تعميم الدعوة للإصلاح الفردي بين المسلمين، ومجيء الخطاب بدعائم الإصلاح لسائر الناس من رجال ونساء، وبيض وسود، وسادة وسوقة (١). وكما تميز الإسلام على غيره من الشرائع بعموم الدعوة حقيقة، تميّز بعموم فروعها غالباً. وتوجّه الشيخ ابن عاشور عقب عنايته بأحد نوعي الجنس، وحملته طبيعة البحث والنصفة للحق على أن يخص المرأة بكلمة يسيرة يبيّن فيها أوضاعها في مختَلف الشعوب قديماً، وعند العرب في الجاهلية، وما تحقّق لها من تسوية الإسلام بينها وبين الرجل في تكاليف شتى، في العديد من النواحي كالاعتقاد والعمل والآداب والمعاملات ونحوها. ومن ذلك رفع الإسلام الإصر عنها وإعلانُه عن حقوقها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). نظام سياسة الأمة: أما أصول نظام سياسة الأمة فقد كانت ظاهرة وملموسة بمكة التي عني فيها الإسلام بإصلاح الفرد، وبالمدينة التي قامت على إصلاح الجماعة. وازدادت تجلّياً وقوة بعد أن نزلت التشريعات

стр. 671

الكفيلة بإيجاد الأمة الراقية، وبناء المجتمع الكامل. ولتصوّر ملابسات تلك الظروف ينبغي أن نتعرّف على مدينة طيبةَ الطيّبة، وعلى سكانها وروادها ومن هاجر إليها. ويكفي لذلك أن نقرأ ما وصفها به في تلك الآونة الإمام الأكبر حين قال: "كمل المجتمع الإسلامي بالمدينة يومئذٍ. وصار أهله سواءً في التحلّي بالفضائل النفسية والعملية. وما ظنك بمجتمع يتوسّطه رسول رب العالمين، يسوسُه، كيف يكون مثالاً صالحاً للمسلمين، وقدوة لكل مجتمع يأتي بعدهم" (١). وفي هذا المجتمع الذي تزاوجت فيه سلوكيات الأفراد الكاملة الخيّرة مع ما دعا إليه الإسلام من تشريعات وأحكام برز من أصول نظام سياسة الأمة فنَّانِ أصليان - على حد تعبير مؤلفنا - هما: - فن القوانين الضابطة لتصرّفات الناس في معاملاتهم. - وفن القوانين التي بها رعاية الأمة في مرابع الكمال، وذودُ أسباب الاختلال عنها (٢). مكارم الأخلاق: ومقوّمات الفن الأول، الذي رعته أصول بناء المجتمع الإسلامي الأول، تبرز بوجه عام في مكارم الأخلاق: من عدالة واتحاد ومؤاساة تُوجِّه إلى الحق، وتقود إلى الخير بهدي الدين وروح الإسلام (٣). والمراد بمكارم الأخلاق هنا حصول الدربة بالتدريج على

стр. 672

ملاحظة الوصايا وإدراك الفضائل، وملاحظة ذلك ملاحظةً مستمرة في كل الأعمال والأحوال، حتّى تكاد تصبح غرائزَ فُطِر عليها أفراد ذلك المجتمع الذي يقول عنه الرسول ﷺ : "خير القرون قرني" (١). وذلك بسبب ما حصل بتلك المكارم من نتيجة الدربة عليها، والمراقبة لها، والالتزام بها. وما اكتسبه المسلمون من جراء ذلك من إلف لها، وجفاء لأضدادها (٢). وتمّت للمجتمع الإسلامي من بعد الإيمان الاستقامةُ على أمر الله. وهي عبارة عن العدالة التي عرّفها الإمام بالملكة التي تمنع من قامت به من اقتراف الكبائر، وعن المروءة التي هي استيفاء الرجولة الكامنة: بأن لا تفعل في سرّك ما تستحي أن تفعله بحضور غيرك (٣). وممّا يشهد لذلك ما ورد في الأثر: "من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته". وعدَّ المؤلف من صفات الكمال هذه ما بلغ تمام حقيقته فيهم. فمن ذلك الإنصاف من النفس. وهو خصلة رفيعة دعا إليها الرحمن في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٤). وقد روضت آداب القرآن أتباعَ الملة على هذه الخصلة بما جاء من قوله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥)، كما حثت السُّنة على ذلك في قوله ﷺ :

стр. 673

"الكيّس من دان نفسه" (١)، ووردت آيات وأحاديث أخرى تدعو إلى الاتحاد ليصبح لهم عنواناً ومكرمة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٢)، وقول النبي ﷺ يحرِّض معاذَ بنَ جبل وأبا موسى الأشعري على الوفاء: "وتطاوعا ولا تختلفا" (٣). المواساة: وكانت المواساة بعد، وهي كفايةُ حاجة محتاج الشيء مما به صلاح الحال، سمةً للمجتمع الإسلامي، وخلّةً من خِلاله. أكَّد الدينُ على اعتبارها أصلاً من أصول نظام الإسلام، وجرت بها توجيهات القرآن وأوامرُه، والسُّنة وحِكَمُهَا، وقامت عليها من شواهد التاريخ الإسلامي ما أعلى من مقامها ورفع من منزلتها. وهي في شرعة الإسلام جبرية واجبة، واختيارية مندوب إليها. وصورها كثيرة تنطق بها عدةُ تصرّفات مفروضة وإحسانية، كالزكاة، والصدقة، والإنفاق، والهبة، والإسلاف، والعارية، والعريّة، والإرفاق، والعمرى، والإسكان، والإخدام، والمنحة (٤). وأكمل صور المواساة ما لم يُبتغَ فيه سوى وجه الله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٥)، ويقول الإمام الأكبر في التنويه بها واعتبارها مقصداً من مقاصد الشارع: ولتحقيق هذا المعنى من جعل المؤاساة خلقاً للمسلمين جاءت

стр. 674

الأوامر والنواهي بتجريد أنواع المؤاساة عن كل ما فيه حظ عاجل لنفس المواسي، وكل ما فيه إضرار بالمؤاسَى، وعن اتباع النفس لما واسَت به وتعلقَها به. فتنزيهُها عن حظِّ نفسِ الباذل ثبت بالنهي عن طلب الأجر العاجل عن المعروف (١). وإذا كانت دعائم الإسلام قائمة على مثل هذه الأسس بلغت الأمة من العزّة والقوّة والمنَعة والفضل ما تكون به خير أمة. فتضامُن أفرادها وتعاونهم. وتكافلهم وتساندهم يجعل منهم عنواناً للخير، وبرهاناً على بلوغ القصد. وذلك ما رضيه لهم الإسلام، وأراده منهم، توصلاً إلى إقامة أصول النظام الاجتماعي الإلهي في المجتمعات الإنسانية. وتناول شيخنا ﵀ في الفن الثاني من هذا القسم عدّة مزايا ومكارمَ هي من شأن ولاة الأمور، وممّا ينبغي أن تتصف به سيرهم وتصرفاتهم. فذكر المؤاساة والحرية، وضبط الحقوق، والعدل، ونظام أموال الأمة، والدفاع عن الحوزة وإقامة الحكومة، والسياسة، والاعتدال والسماحة، وترقية مدارك الأمة رجالاً ونساء، وصيانة نشأتها عن النقائص، وسياسة الأمم الأخرى، والتسامح بالوفاء بالعهود، ونشر مزايا الإسلام وحقائقه في البشر (٢). ولكل وصف من هذه الأوصاف طريق لتعميم الإسلام ونشره بين الكافة. ووقف المؤلف عند كل وصف من هذه الأوصاف، فكشف عن سر التكليف بطلبه، ليتحدث بعد هذا عن دَور الحكومة والدولة الإسلامية وواجبَاتها، وشكل الحكومة الإسلامية ونزعتها، ومعنى

стр. 675

الديموقراطية الإسلامية. وواجبات الدفاع عن الممالك الإسلامية، وعن أفراد الملة كلها، ثم عن مال الأمة وتوفيره، وعن مراعاة أصول الاقتصاد الإسلامي فيما يتصل به من أحكام المعاملات. ودليل عناية الشارع بهذا وتكريمه للمتّصفين به قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١)، مبدياً في ذلك التفصيل والتعليل، والأحكام والمقاصد، ومواقع التهم وإبطالها، والدفاع عن الإسلام وأنظمته ما لا يحق لباحث الغفلةَ عنه. وذلك لما حقّقه النظام الإسلامي من التسامح ورفض التعصب، وضبط العلاقات والسلوك والمعاملات فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض، وفيما بين المسلمين وغيرهم من غير الأعداء وأهل الحرب. وقد أعلن الإمام الأكبر عن ذلك في قوله: "إن التاريخ لم يحفظ أن أمة سوّت رعاياها المخالفين لها في دينها برعاياها الأصليين مثل أمة المسلمين. تُصور ذلك قوانين العدالة، ونوالُ حظوظ الحياة بقاعدة: لهم ما لنا وعليهم ما علينا" (٢). ويخلص المؤلف من هذا البيان والتقرير إلى التنويه بأصول نظام الاجتماع الإسلامي الذي يُعدّ لوناً فريداً متميّزاً بقيمه ومبادئه، ونبله وعظمته. ومما ذكره في هذا الصدد قوله: "لقد مازج المسلمون أمماً مختلفة الأديان، دخلوا تحت سلطانهم من نصارى العرب، ومجوس الفرس، ويعاقبة القبط، وصابئة العراق، ويهود أريحا. فكانوا مع الجميع على أحسن ما يعامل به العشير عشيره. فتعلموا منهم وعلّموهم، وترجموا كتب علومهم، وجعلوا لهم الحرية في إقامة

стр. 676

رسومهم، واستَبْقَوا لهم عوائدهم المتولّدة عن أديانهم" (١). ولم يقتصر شيخنا على ما قدّمنا الإشارة إليه من موضوعات اقتضت نظرَ أصول النظام الاجتماعي فيها في الإسلام، بل رام الاستفادة من المقارنة بين أصول المسلمين في ماضيهم وحاضرهم، فختم كتابه البديع بقوله: "إن كوارث هذه الأمة ومصائبَها ما طلع قرنُها إلا حين أخذت عامّتها تحيد عن هدي العلماء، وعن اللجا في مشاكل الأمور إليهم. فلما تجرأت عامة المسلمين على الارتماء بأنفسهم في مضايق التدبير دون هدي من علماء الشريعة، وصاروا أتباع الناعقين من دعاة الضلالة وهواة التسلّط الذين اتخذوا من عامة الأمة جنداً. فمزّقوا بأسيافهم إهاب الإسلام، وكانوا أنكى عليه من أعدائه، وافترسوه باسم سلاطينه وأمرائه. حاق بالمسلمين الفشل وأصبح هاديهم السيف والأسل" (٢). هذه صورة مجملة لمحتويات كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، شَرَعنا بها الطريق إلى التعريف به، منبّهين من خلال ذلك إلى القضايا الأساسية التي تناولها المؤلف، وجعل منها قواعد وأصولاً لبناء الفرد والمجتمع بناء إسلامياً، محدّداً خصائصهما، مميّزاً لهما، ومنظّماً للعلاقات بينهما، كما يُملي ذلك الوحي، وتتطلبه الظروف والأحوال، وتحدّده المصالح المعتبرة، ومقاصد الشارع فيما أبدعه وخلقه، وحِكَمهُ المتجلّية فيما أمر به ونهى عنه. ولعل فيما أثرناه ممّا حرره المؤلف في التمهيد لكتابه هذا،

стр. 677

ما وجد ما صدقه في القسم الأول، وفي القسم الثاني بفنيه من أصول النظام. وذلك لما بين أطراف الكتاب من تناسق وتساوق، وارتباط وتزاوج. من القضايا التي تعرّض لها الإمام في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: حديثه عن منهجه: توسعه في ذكر الفطرة والصفات الفاضلة التي ذكرها موزّعة، بين الفنين من القسم الثاني من كتابه، ومدى أهميتها وارتباطها بغرض البحث، وبما يترتب عليها في الحياة العملية من آثار. ولفته النظر إلى المسائل العلمية والكلامية والاجتماعية والسياسية لأهميتها، ودورها في توجيه الفكر الإسلامي وتصحيحه. ثم تنبيهه إلى المقاصد التي ذكرها في موضوع أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وتفصيله القول فيها. الفطرة: وقد حمله هذا المنهج الذي اعتمده وسلكه في مؤلَّفه على المقارنة بين الاتجاهين: الأصولي والمقصدي، قائلاً: "أئمة الفقه لم يستعملوا مصطلح "الفطرة" في أصول الشريعة، مكتفين في علم الأصول بذكر ما يدعو إليه من مصطلحات، المقصود منها إفهام الطالبين وإقناع المجادلين ... فهم يحفلون في باب القياس بذكر العلة وتعريفها، ويمثلون بعلل الأحكام الصالحة لإلحاق فرع قياس بأصله لمساواتهما في علّة الحكم، ولا يهتمون ببيان

стр. 678

الحكمة التي هي منشأ علل كثيرة، وإنما يتعرّضون لها استطراداً في ذكر شروط العلة، إذ يعدّون من شروط القياس بالعلة اشتمال العلة على حكمة أو أن تكون ضابطاً لحكمة. فإذا تكلّموا في قياس النبيذ على الخمر في التحريم جعلوا العلّة فيه الإسكار، ولا يجعلونها فساد العقل ... وينبّه الإمام العلماء المتفهّمين للشريعة والمتفقّهين فيها، والمنفّذين لأحكامها والسائسين للأمة بها، بأن عليهم أن يسايروا (الفطرة) هذا الوصف الجامع، ويجعلوه رائدهم وعاصمهم في إجراء الأحكام، بمنزلة إبرة المغناطيس لربان السفينة" (١). ثم ينهي مناقشته للأصوليين بتوجيههم وتوجيه غيرهم من العلماء إلى ما هو بسبيله في هذا الكتاب، فيعلن: "أن الباحث عن نظام الاجتماع الإسلامي يجدُ وصف الفطرة أجدى عليه من قواعد كثيرة. ولا جرم أن يكون أهل هذا الفن أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد الأصوليين" (٢). وأما تفصيله القول في هذا الوصف الجامع - وهو الفطرة - الذي حمل الباحثين في علمي الاجتماع والمقاصد على اعتماده فهو كما يصوره لنا: "كل فعل يحب العقلاء أن يتلبّس به الناس، وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة، وكل فعل يكرهون أن يُقابَلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة" (٣).

стр. 679

وحقيقة الفطرة في الأصل الخلقة والهيئة التي في نفس الإنسان، وهي المعدّة والمهيّأة لأن يميز بها المرءُ الله تعالى، ويستدلَّ بها على ربه، ويعرفَ شرائعه (١). وتطلق الفطرة على قابلية الخلق للتوحيد ودين الإسلام (٢). كما تعني مجموع شريعة الإسلام، بجميع أصوله وقواعده لتفجُّره جميعه من ينبوع معنى الفطرة (٣). ويمعن في بيان ذلك والتمثيل له فيقول: "الفطرة وصف عام تكون به دالة على ما خلق الله عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي جسداً وعقلاً. فسير الإنسان على رجليه فطرة جسدية، ومحاولة مشيه على اليدين خلاف الفطرة، وعمل الإنسان بيديه فطرة جسدية، ومحاولة عمله برجليه خلاف الفطرة، واستنتاج المسبّبات عن أسبابها والنتائج من مقدّماتها فطرة عقلية، ومحاولة استنتاج الشيء من غير سببه من فساد الوضع كما يقول علماء الجدل، وهو خلاف الفطرة العقلية. والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية، وإنكار السوفسوطائية ثبوتها خلاف الفطرة العقلية" (٤). فلا بدع إذا كان هذا الوصف العظيم صالحاً لأن يكون الأصل العام لفهم مناحي التشريع والاستنباط منها. ولا بدع أيضاً من وصف دين الإسلام بدين الفطرة "الفطرة الإنسانية"، لأن الله جلّت حكمته سوَّى فيه بين الوصفين: الحكمة والفطرة. فهو حين أراد أن يجعله

стр. 680

ديناً عاماً لكل البشر، دائماً إلى انقضاء العالم، جعله مساوقاً للفطرة المتقررة في نفوس الناس (١). ووصف دين الإسلام بدين الفطرة "الفطرة الإنسانية" يترجم من جهة ثانية عن الانفعالات الحاصلة لنفوس البشر في حال سلامتها من اكتساب التعاليم الباطلة والعوائد السيئة. والفطرة بهذا المعنى أساس النظم التي أقيمت عليها الحضارة الأولى (٢). ووصف الفطرة هذا هو ما اختص به دين الإسلام دون سائر الأديان. وهو بذلك يتميّز عليها كلِّها بالأوصاف المناسبة المتلازمة الثلاث: العموم والدوام والفطرة (٣). ولا يعني وصف الإسلام بالفطرة الفطرةَ الظاهرية الجسدية، وإنما هي الفطرة الباطنية العقلية لما يتقوّم به الإسلام من عقائد وتشريعات، كلُّها عقلية (٤). ويقصد من كون الإسلام دين الفطرة أن الأصول التي هي فيه من الفطرة، تتبعها أصول وتفريعات هي من المقبول لدى الفطرة (٥). أما المحور الثالث الذي أشرنا إليه قبل، فهو عبارة عن الصفات النبيلة التي يتحلّى بها الفرد أو المجتمع، والتي يكون لها كبير الأثر في العلاقات والمعاملات بين الناس. وتبرز أهميتها بوصف خاص في دراسة أصول نظام المجتمع الإسلامي الذي يقوم على مجموعة كبيرة من مكارم الأخلاق والآداب. نقف عند اثنتين منها، هما السماحة والحرية.

стр. 681

السماحة: أما السماحة فهي سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادّة (١). ويصور الرسول ﷺ هذا المعنى في قوله: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى" (٢). وقد اعتبروا السماحة أكمل وصف لاطمئنان النفس، وأعونَ على قبول الهدي والإرشاد (٣). وجعلوها من أكبر صفات الإسلام لوقوعها طرفاً بين الإفراط والتفريط. ونَعَتوها بالتيسير المعتدل الذي شهد له قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤). وهو ما يلفت الرسولُ ﷺ النظرَ إليه بقوله: "أحبّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة" (٥). ويؤكّد هذا المعنى ما ترجم به البخاري لأحد أبوابه في الصحيح من قوله: "باب الدين يسر" (٦)، وما ذكره غير مرّة الإمام مالك في موطئه عند تنويهه بهذا الوصف الكريم: "ودين الله يسر" وذلك بعد استخلاصه لهذه الحقيقة من استقراء الشريعة (٧). وعقب الإمام الأكبر على هذه النصوص ببيان المزية الكبرى

стр. 682

للسماحة وما يحصل من جفاء وبعد عن الهدي عند الاتِّسام بما يضادها بقوله: "إن للسماحة أثراً في سرعة انتشار الشريعة وطول دوامها، إذ أرانا التاريخ أن سرعة امتثال الأمم للشرائع ودوامَهم على اتباعها كان على مقدار اقتراب الأديان من السماحة. فإذا بلغ بعض الأديان من الشدّة حداً متجاوزاً لأصل السماحة لحِق أتباعَه العنتُ ولم يلبثوا أن ينصرفوا عنه أو يفرّطوا في معظمه" (١). ولاعتبار السماحة أولَ أوصاف الشريعة وأكبرَ مقاصدها، يُرفع بها العنت والحرج عن الفرد والجماعة. وذلك حين يعرض لهم من العوارض الزمنية أو الحالية ما تصير به التكاليف مشتملة على شدّة عليهم، يأذن الرحمن في الرخصة فيها تخفيفاً على المكلفين، وحفظاً للإسلام على استدامَة وصف السماحة للأحكام (٢). الحرية: وأما الحرية فلها أيضاً مقامها الأعلى في تصرّفات الناس وتقرير أحوالهم والرقي بهم. وهي كما صورها الإمام الأكبر خاطر غريزي في النفوس البشرية، فبها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل. وبها تنطق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق. فلا يحق أن تسام بقيد إلا قيداً يُرفع به عن صاحبها ضُرٌّ ثابت أو يُجلب به نفعٌ، حيث لا يقبل رضا المضرور أو المنتفع بإلغاء فائدة دفع الضرر وجلب النفع. وذلك حين يكون لغيره معه حظ في ذلك، أو يكون في عقله اختلال يبعثه على التهاون بضرِّ نفسه وضياع منفعتها (٣). وبقدرِ ما يحرك هذا الخطاب إلى الاستمتاع بقدرٍ فائق من

стр. 683

الحرية، نجد كلاماً آخر يختلف عن هذا، غير مناقض له لافتراق الجهة. وهو الذي يقول فيه الشيخ ابن عاشور: "الحرية من الفطرة. وهي مما نشأ عليه البشر، وبها تصرّفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت المزاحمة، فحدث التحجير" (١). وهذا المعنى هو الذي ردّده المحدثون في هذا العصر بقولهم: حرية المرء ليست مطلقة ولكنها تقف بل تنتهي عند وجود حق للغير ليس لها أن تتجاوزه. وتحت عنوان الحرية المنشودة، يذكر المؤلف أصناف الحرية وأنواعها، مفصلاً ومقارناً. فيتحدث عن حرية الاعتقاد قائلاً: "هي أوسع الحريات دائرة، لأن صاحب الاعتقاد مطلق التفكير فيما يعتقده ... وأمرها مختلف بين المسلم وغير المسلم. فهي عند الأول محدودة له بما جاء به الدين ممّا تتكوّن جامعة المسلمين بالاتفاق على أصوله. ولا تقبل من المسلم ردّة، لأنّ المرتدَّ خارج من الملّة ناقض للعهد. وهي عند المسلم فيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة ثابتة فله الخِيرَة من أمره. وحرية الاعتقاد عند غير المسلم من أصحاب الملل الخاضعين إلى حكومة الإسلام دلّت نصوص القرآن والسُّنة على أنهم يُدعون إلى الدخول في الإسلام، فإن لم يقبلوا دُعوا إلى الدخول تحت حكم المسلمين، فيصيرون من أهل الذمة. وكذلك أهل الصلح والعهد يبقون على أصل الحرية في البقاء على ما هم عليه من الملل، لأنهم لم يلتزموا للإسلام بشيء من عقائده (٢).

стр. 684

ويتحدث المؤلف عن حرية الفكر مما يشمل التفكير في الآراء العلمية، والتفقه في الشريعة، والتدبير السياسي، وشؤون الحياة العادية. وهذا النوع من الحرية لا يكاد يستقل بنفسه لارتباطه الوثيق بالقول أو العمل. وهو لا يرى في هذا تحجيراً، إذ يتعذّر كَبتُ الفكر عن الحرّية في المعقولات والتصوّرات والتصديقات. وأعلى مراتب هذه الحرية حرية العلم، أي فهم قواعد العلم المدوّنة. وعلى هذا الوضع من إطلاق الرأي والنظر في العلم في دائرة الأصول الإسلامية نشأ المجتمع الإسلامي في القرنين الأولين، فلم يُرح أحد عن رأي أو نِحلة، ولكنّه إن أخطأ أحد يُبين له خطؤه أو تقصيره بالتي هي أحسن، نصيحة له وتهذيباً، إلا إذا تبيّن منه قصد التضليل. وما حدث في التاريخ بين أهل النحل من نزاع وهرج إن هو إلا انحراف عن الجادة ناشىء في الأخلاق وظاهر في التعصّب، وفي الإفراط في التعصّب: وأكثره لا يخلو من إغراء الدعاة وأهل المطامع (١). وحرّية القول تقوم أساساً على الصدق في الأخبار. "فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صدِّيقاً. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (٢). وأعظم مظاهر حرية القول في الإسلام حرية القول في تغيير المنكر. وحرية العمل أصل أصيل في الإنسان، ومقصد مهم من أصول النظام الذي وضعه الشارع للمجتمع الإسلامي، تدل على ذلك

стр. 685

شواهد الفطرة (١). وما عداه مما لم يحدّد منعه في الشريعة الإسلامية من التصرّف فهو على الإباحة الأصلية، بشرط ألا يحصل من العمل الذي يقوم به المرء إضرار بالغير. والإنسان في تصرّفاته مختار تحمله على الخير تقواه، وينزع به إلى الشر فجوره. وقد هداه الله النجدين، فأمر ونهى، وجعل له من روحه الديني وازعاً يقيه التردّي في الغواية، والوقوع في الضلالة والمهالك ... وإنها لحرب دائرة بين دواعي النفس إذا اعتادتها العاهات الباطنية، وعاودتها العوارض وتقلص ما هي عليه من التعاليم الصالحة والتسلل مما طبعت عليه رويداً رويداً، ويتجلّى ما يكون فيها من صراع بين حالتها السابقة الموروثة، وحالتها الملقّنة المبثوثة (٢). الوازع: ولا يجدي مع هذه الحال إصلاح يقوم به العلماء والصالحون والدعاة والمجاهدون. ومن أجل ذلك احتاج الإصلاح إلى ما يشبه الحارس يذبّ عن النفس ما يتسرّب إليها من دواعي نقض الإصلاح، إلى دواعي الفساد (٣). والذي يحتاج إلى تعهد الغراسة ودوام الحراسة إنما هو الأعمال (٤). وتتم الحراسة عن طريق إيجاد الوزاع يزعها عن الانحراف عما اكتسبه من الصلاح حتى يصير تعلّقها بذلك دائماً (٥). وإذا قامت النفس اللّوامة بمحاسبة صاحبها على ما خالطه أو كان له عاملاً من عوامل خيبته وخسرانه، فليجعل الإيمان عدته، وخشية ربِّه سبيله، وحُبّهُ وحبَّ رسوله ﷺ طريقاً إلى انتصاره.

стр. 686

وأما الجانب الرابع، وهو المتعلق بالمسائل العلمية من فلسفية، وكلامية، واجتماعية، وسياسية، فإنا نساير فيه المؤلف في أثناء كتابه لنقف على ما يريد كشفه لنا من حقائق تتعلق: أولاً: بوصف الإسلام بكونه حقائق لا أوهاماً. ثانياً: بقضية ترتّب الثواب والعقاب على الأعمال. وقد ظهرت بسببه مذاهب عقدية مختلفة ثلاثة هي: الجبر والاختيار والتوسط. وثالثاً: بقدرة الإسلام على إقامة أصول النظام الاجتماعي. ورابعاً: بإيجاد الجامعة الإسلامية، وإقامة وحدة الإمة على أساس الأخوة الدينية القائمة بين المؤمنين. الإسلام حقائق لا أوهام: أما القضيّة الفلسفية العميقة التي بحثها المؤلف لإثبات كون الإسلام حقائق لا أوهاماً، وأن أهمية ذلك تظهر في تصوّر العقيدة والشريعة الإسلامية على الوجه الصحيح الذي تتميزان به، فقد وضعها بين تعريفه للسماحة وبين الفصل الذي عقده لبيان عمل الإسلام في إقامة أصول النظام. وشعوراً منه بأهميَّة صفة العقيدة والتشريع في الإسلام، وكون هذا الموضوع رغم أبعاده مغفولاً عنه غيرَ معتنى به، قام بتفصيل القول بما يرغّب في التطلّع إلى معرفته، والحرص على جني فوائده. فافتتح الإمام الأكبر دراسته لهذا الموضوع بقوله: "أي غرض أسمى وأسنى من غرضنا هذا الذي سنشرح فيه صفة عظمى من صفات الإسلام، منها تفننت أفنانه، وعليها التقت أواشجه، وبها تجلَّى التمايز بينه وبين غيره من الشرائع، وبإنشاء المتدينين بهذا الدين على مخامرة هذه الصفة عقولهم كانوا أهلاً للنهوض بأعباء الأمانة

стр. 687

التي وُكلت إليهم. وهي إقامة إصلاح التفكير وإعلان الحق بين الناس" (١). ثم حدّد في لغة أرسطية دقيقة، بقدر ما هي مغلقة إلا على من خالط علم المنطق القديم بعض المخالطة، فانتصب معرفاً بكلمات ذات دلالة ووزن في التفريق بين معانيها اللغوية والاصطلاحية. وهذه الكلمات التي نحتاج إلى فهمها ومعرفة معانيها هي الحقائق والاعتبارات والأوهام والتخيّلات. الحقائق: فالحقائق جمع حقيقة. وهي عبارة عن الماهية الثابتة في نفس الأمر. وإن فرّق العلماء بين الحقيقة والماهية، واعتبروا الثانية أعمَّ من الأولى. أما حقيقة الشيء التي قال فيها القدامى: هي ما يكون به الشيء هو هو. فقد حاول الشيخ ابن عاشور أن يضع لها حداً جامعاً مانعاً، فقال: "حقيقة الشيء هي مفهومٌ كلّيٌّ مركب من معقولات ملازمة، أي جواهر أو أعراض أو كليهما، غير مفارقة لجزئيات الكلّي، تتقوّم من مجموعها صورة متعقّلة متميّزة عن غيرها، تدعى حقيقة وكنهاً" (٢). ثم أتبع ذلك بشرح هذا الحدّ وبيانه. وتطبيقاً لهذا التعريف ذكر المجالات والصور التي يقال فيها حقائق. وهي ما دعا القرآن والسُّنة الأمةَ إليه من التعاليم بأسمائها ومعانيها المرادة له والموجودة في نفس الأمر والواقع، وحدّث بها

стр. 688

أرباب العقول من حقائق العقائد الإسلامية وشرائع الإسلام وقوانينه يطبّقونها على الخارج فيجدونها مطابقة للواقع. الاعتبارات: والاعتبارات هي المعاني التي يلمحها المعتبر، ويكون لها وجود في ذهنه، لما لها من تعلّق بالحقائق، ولكن وجودهَا تابع لوجود الحقيقة أو الحقيقتين، ومثال ذلك الأمور النسبية كالزمان والمحل، والإضافات كالأبوة. وهنا لا بد أن نذكّر بأن وجود الاعتبارات أضعفُ من وجود الحقائق الثابتة في ذاتها، فهي لا ترقى إليها. الوهميات: والوهميات هي المعاني التي يخترعها الوهم من نفسه دون أن تصل إليه عن شيء متحقق في الخارج. ومثال ذلك تصورُ أن في الميت معنى يوجب النفور منه، والخوفُ عند القرب منه والخلوةِ معه. والملاحظ أن الوهم مركب من الفعل والانفعال، لأن الذهن حين تلبّسه به فاعلٌ ومنفعلٌ، فيخترع المعنى الوهمي ثم يدركه. والفعل فيه الواهم أقوى من الانفعال. وفرق بين الوهم والعقل. فالوهم أوسع من العقل في تصوّراته ومخترعاته وتخيّلاته، ولكنه أضيق من العقل في الإذعان لما ليس من مألوفه. التخيّلات: والتخيّلات مرتبة أخرى في التصوّرات. فهي المعاني التي تخترعها قوة الخيال بمعونة الوهم. وتتركب من عدة معان محبوسة محتفظ بها في الذهن. والخيال قوة ذهنية بها تحفظ صور

стр. 689

المحبوسات بعد غيبة ذواتها. والقوة الخيالية منبع الفكر إذا استعملتها النفس بواسطة القوّة العقلية، أو بتعاون بين القوّة العقلية والوهمية. وعلى أساس ما سبق إيضاحه وبيانه تختلف المدركات الأربعة، وتنقسم الشرائع إلى أديان إلهية عمودها الحقيقة والاعتبار. وما عدا الإسلام من الأديان اشتمل على قضايا وأحكام وهمية. وقوام الأديان المخترعة الوهم والتخيّل. وقد نفى الإسلام الوهم ونبذه، ودعا إلى وجوب الأخذ بالحقيقة الواضحة في الاعتقادات الإسلامية والعبادات وفي المعاملات، وإلى الاعتداد بالحقائق في المعارف والمدارك الشرعية والعقلية. واعتمدت الشريعة الأمور الاعتبارية فيما لا يصل الإدراك منها إلى الحقيقة مع اليقين بتحقّق حقائقها. وذلك كمعاملات المرء فيما بينه وبين ربه، ومثل الحقائق التي لا ثبوت لها إلا في الذهن، وتصير الشريعة فيها إلى الاعتبار نحو النية وحُسن الظن بالمؤمن. ويضيف الشيخ ابن عاشور قائلاً: "إن طرق الدعوة في الشريعة قد تأتي بواسطة طريق وهمي أو تخيّلي يطلب به تحصيل عمل أو علم حقيقي أو اعتباري، إذا كان لإثارة الوهم نفع في تحصيل المطلوب. لكنه يؤكّد على أن الفرق شاسع بين جعل الوهم والتخيّل طريقاً لتحصيل عمل أو علم وبين جعلهما أمراً يقصد تحصيله. ويختم ﵀ تفصيله لمسائل المدركات الأربعة بدفع إيراد يدّعي أن نفي الوهم ليس عن جميع قضايا الدين الإسلامي، ومثاله كأسباب الوضوء والغسل وتقبيل الحجر ونحوه. ويجيب عن ذلك بأن نفي مراعاة الأوهام في الشريعة الإسلامية هو نفي أن تكون الأوهام

стр. 690

في أصول العقيدة التي هي القاعدة الأولى من قواعد الإسلام. ونفي أن تُبنى عزائمه من واجباته ومحرماته على مراعاة الأوهام، مقراً بأن هناك مجالاً آخر لمجاراة الوهم، وهو كل مجال فيه حقائق خفية يتعين استحضارها، ولا وسيلةَ إلى ذلك إلا بضرب من التوهم" (١). والقضية الكلامية التي أردنا أن نشير إليها في كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام أدرجها المؤلف في فصل إصلاح العمل، أثناء تفصيله القول في الإيمان والاستقامة. متعلقات الأعمال: وقد جعل الإمام أعمال العاملين جارية على حسب معتقداتهم وأفكارهم. ونبّه إلى أن أهل الأديان في غابر الزمان أخطؤوا معرفة حقيقة مصدر الأعمال. فذهبوا مذاهب كثيرة في مسألة ترتيب الثواب والعقاب على حال أهل الدين في امتثالهم لأوامره واجتنابهم لنواهيه. وسرى هذا إلى المسلمين من بعد، وفشا الخطأ في هذه القضية لشبهتين: إحداهما عقلية، وهي محاولة تحكيم العقل في تعلّق إرادة الله بإيجاد الأشياء وأحوال الأشياء. والشبهة الثانية نقلية تتمثل في تلقّي النصوص الواردة في الكتب المقدّسة الدالة على عموم قدرة الله، وإرادته وعمله، والنظر فيها نظرة حمقاء. وهكذا اختلف إثر ذلك أهلُ الملل، في قضية أعمال البشر والجزاء عليها، اختلافاً مَرجعه اختلاف ثلاثة مبادىء: أولاً: مبدأ الجبر الذي قال به من جعلوا أعمال العباد كلَّها مخلوقة لله وبقضائه، وأن الإنسان مجبور عليها. فأبطلوا أدلة الثواب

стр. 691

والعقاب، جاعلين الثواب فضلاً من الله. وينسب هذا المذهب إلى جهم بن صفوان. وقد سبقه إلى القول بهذا من الفلاسفة سقراط القائل بالقضاء والقدر. ثانياً: مبدأ الاختيار المحض. وهو مبدأ مَن نَفَوا القضاءَ والقدر، وجعلوا أفعال العباد مخلوقة لهم، وليس لله عليها قدرةٌ ولا له قضاء وقدر، منزّهين بهذا القول الخالقَ ﷻ عن تقدير الفساد، وعن إقراره مع علمه به. وهؤلاء هم القدرية وهم أول من تكلّم في طلب تحقيق معنى القدر بعد أن نهى رسول الله ﷺ عن البحث فيه. وذهب بعض المتكلمين من بعدهم إلى أن هؤلاء لم يكونوا يثبتون لله عموم العلم. ومن ثمَّ أغلظ سلفُ الأمة الإنكار عليهم. وقالوا عنهم: هم مجوس هذه الأمة. والداعي إلى هذه النحلة هو معبد الجهني ثم غيلان الدمشقي. وهؤلاء أعملوا أدلة الثواب والعقاب ونفوا العلم بالجزئيات عن الله. وكانت هذه النحلة قديمة قائمة من عهد اليونان نادى بها من قبل أبيقور. ثالثاً: مبدأ التوسّط بين الجبرية والقدَرية، والجمع بين الأدلة، وتنزيل كل في موضعه. وهذا قول جمهرة علماء الإسلام. وخلاصة هذه الاتجاهات، التي اخترقت جموع المسلمين، ما انتهوا إليه من أن الله خلق الأفعال كلها من خير وشر، وجعلوا للعبد استطاعة اختيار بعض تلك الأفعال دون بعض. فتلك القدرة تصلح للكسب فقط. فالله خالق غير مكتسب، والعبد مكتسب غير خالق. وجعلوا الجزاء منوطاً بذلك الاكتساب. ولذلك أثبتوا الفرق بين حركة المرتعش وحركة المتناول. وهذه طريقة الأشعري، وقريب منها قول الجبائي.

стр. 692

وبعد التحليل لهذين المذهبين: الأشعري والمعتزلي، يقول الإمام الأكبر: وقد أشار الإسلام إلى إبطال الجبر بقوله رداً على المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (١). وأبطل الاستقلال بخلق الأفعال بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣). ومن هنا يتبين لنا أن الحق وسط بين هاتين المقالتين المذمومتين. ويمضي الشيخ ابن عاشور قائلاً: ونحن إذا رجعنا إلى تحكيم الفطرة العقلية وجدنا من أنفسنا استطاعة بها نفعل وندع، ووجدنا الواحد منا يهُمّ بالأمر ثم يعدل عن فعله، ويهم بالأمر ويفعله، ويشرع في الأمر فيعظه الواعظ وينهاه الحكيم، فيكف عنه، ويرى أن كفّه إجابة للموعظة. والاعتقاد الذي ينتهي إليه الإمام هو قوله: الصحيح أن لنا كسباً واستطاعة بهما نجد الميل إلى الفعل أو الانكفاف عنه، وأن وراءنا تيسيراً بالتوفيق أو بالخذلان تخفّ به الأفعال الصالحة على النفس تارة، وتثقل أخرى. فذلك هو أثر إرادة الله فينا. وهذا الفكر يروض أصحابه على الاعتداد بمقدرتهم ويعلمهم الافتقار إلى الله في طلب التوفيق والعصمة من الخذلان (٤). أما الوصف الذي اخترناه للتطرق إلى الواقع الاجتماعي الذي يتشكَّل بأشكال مختلفة فهو المساواة. وهو أصل عظيم من

стр. 693

أصول نظام الاجتماع الإسلامي. وللمساواة طرفان: أولهما له تعلق بالعقيدة. من الواجب على المسلمين التخلّق به وترويض النفس عليه حتى يكونا خلقاً لهم ينساقون إليه انسياقاً اختيارياً جميلاً. والطرف الثاني له علاقة بالتشريع يتحتم على المسلمين المصير إليه وإلى فروعه في أنواع المعاملات. المساواة: والمساواة التي سعت إليها الشريعة الإسلامية، كما قال الشيخ ابن عاشور، مساواة مقيدة بأحوال يجري فيها التساوي، وليست مطلقة في جميع الأحوال، لأن أصل خلقة البشر جاءت على التفاوت في المواهب والأخلاق. وذلك التفاوت يؤثّر تمايزاً بين أصحابه متقارباً أو متباعداً في آثار تلك الصفات، بترقّب المنافع منهم وتوقّع المضارّ. فيفضي ذلك لا محالة إلى تفاوت معاملة الناس بعضهم بمراتب الإكرام ومراتب ضدّه ... وقاعدة المساواة في الطرف الثاني أكثر اطِّراداً منها في الطرف الأول. والشريعة الإسلامية لم تعتبر في إقامة المساواة إلا انتفاء الموانع (١). وموانع المساواة هي العوارض التي إذا تحققت تقتضي إلغاء حكم المساواة لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، أو لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وتتنوع هذه الموانع بين جبلية وشرعية واجتماعية وسياسية. فالجبلية تمنع مساواة المرأة للرجل فيما لا تستطيع أن تساويه

стр. 694

فيه بموجب الخلقة. ولهذا أمثلة وصور كثيرة. وتكون الموانع الجبلية موانع مساواة في تلقي الشريعة أو في العبادة أو في التقرب إلى الله. والموانع الشرعية هي ما كان تأثيرها بحسب التشريع. فالشريعة هي القدوة في تحديد هذه الموانع وعللها. وطريق معرفة هذه الأصول المانعة من إجراء المساواة: إمّا القواعد والضوابط الشرعية، وإمّا طريق تتبّع الجزئيات المنتشرة في الشريعة، وإمّا اعتبار صنوف أصول الحضارة البشرية، فيكون قاضياً بالتردّي في الاختلال والفوضى. وأكثر الموانع الاجتماعية مبني على ما فيه الصلاح للمجتمع، وفي هذا رجوع إلى المعاني المعقولة. والموانع السياسية هي الأحوال التي تقتضي إبطال حكم المساواة بين أصناف وأشخاص، أو في أحوال خاصة، لمصلحة من مصالح حكومة الأمة (١). حكومة الأمة: أما الموضوع السياسي فلن ألفت النظر فيه إلى أكثر مما وردت به النصوص وقامت عليه البراهين والشواهد. فإقامة الحكومة للأمة الإسلامية أمر ضروري إذ لا يستقيم حال الأمة بدون حكومة. ولا شك في كون الحكومة الإسلامية حكومة ديمقراطية خاصة، وأنها تستند إلى التشريع الإلهي، وتستمد نظمها من الشرع الإسلامي. وولِيُّ الأمر فيها مسند له أن يتصرف بما يراه مصلحة للأمة، وحفظاً للدين، ودفاعاً عن الحوزة. وله أن يستشير ويستعين بمن يختارهم من

стр. 695

ذوي الكفاءة عندما يعرض له ما لا يتَّضِح له وجه الحق فيه. ويمضي شيخنا في الحديث عن سياسة الحكومة الإسلامية مبيناً أن ما تقتضيه السياسة يجري في مجالين: الأول: مجال إجراء المصالح الضرورية والحاجية ودرء المفاسد. وقد مثل لذلك بالتجنيد وتأمين السبل ونصب المحاكم والشرطة ونحو ذلك من الهيئات التي تقوم بها المصالح العامة وتدرأ بها المفاسد. والمجال الثاني للسياسة الإسلامية لا يجري إلا في مجال إجراء المصالح التكميلية والتحسينية في المصالح العامة كنشر العلم، ووعظ الناس، وتثقيف العقول بالتربية الكاملة، وإيجاد الملاجىء، والمطابخ الرفيقة، والمنتزهات، ومواضع الاستجمام والإسعافات العدلية والصحية (١). ومن يلمس سريان الروح الديني في مختلف فصول هذا الكتاب من بدايته إلى نهايته، يدرك حقائق الإسلام وظواهره، حُكمَه وتوجيهاته، رحمتَه وإصلاحَه للفرد وللجماعة، رقياً بالإنسان وتزكية له، وصعوداً به في معارج النبل والكمال الإنساني. فتحسن عاقبته دنيا وأخرى. والتفاتة صغيرة إلى فلسفة الإمام الأكبر وحكمته، ترينا في وضوح ما ألمعنا إليه قبل من أن للشارع مقاصد من تشريعاته منها ما يرتبط بنصوص الأحكام، ومنها ما له علاقة بالمخاطبين بتلك النصوص المكلفين بتنفيذها. فالاتجاه المقصدي بارز في تشريعات الإسلام العامة الشاملة كما هو الشأن في أصول نظام الاجتماع الإسلامي التي عالج بها المؤلف أحوال الأفراد وأحوال الأمة جمعاء

стр. 696

بما ذكره من آيات، وعرضه من أحاديث، وبيّنه من سير وأخبار من ناحية، وبما أوضحه من كليّات أساسية، وأصول قطعية، ومقاصد شرعية تمثل بحق الاتجاه الديني والعلمي والفكري الذي التزم به الإمام وبرهن عليه. فكان ذلك رابطاً بين كتبه، وشاهداً لما يمثله من مدارك عقلية وخصائص علمية، أضاف بها مترجمنا لبنات إلى جدار البحث العلمي تدل على عمق نظره، وصحة استنتاجاته الفكرية والعلمية، وبخاصة في ميادين العلوم الشرعية، كما سنفصله بإذن الله عند تعريفنا بكتاب المقاصد. أبرز مقاصد الشريعة المعتمد عليها في إقامة أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: وقد كان التفاته إلى المقاصد الشرعية حجرَ الزواية في كل التصرّفات وما يصدر بها من أوامر ونواهٍ جعلها من الفطرة ونعتها بكونها من أشهر صفات الإسلام وأبرز مقاصده. - ودعوة التشريع الإسلامي إلى إقامة القضاء لتمييز الحق، وتعيين صاحبه، في جزئيات الحوادث بين الناس ومخاصماتهم مقصدان عامان أساسيان، متى كان القاضي معظِّماً للشريعة في نفسه، عدلاً، متّقياً الخروج عن أحكام الشريعة، ملحوظاً بعين الإجلال والحرمة فيهما لما يعرض عليه من القضايا، شجاعاً، ثابت الرأي، لا تأخذه في الحق لومة لائم (١). - والشريعة، كما فصّل العلي القدير أحكامَها، إنما كان القصد من تشريعها ودعوة المكلفين إلى الأخذ بها، الامتثالَ لأحكام الدين.

стр. 697

وقد ذكر ذلك المؤلف في مقاصده حين قال: إذا رخص الإسلام وسهل فقد جاء على الظاهر من سماحته، وإذا شدّد أو نسخ حكماً من إباحة إلى تحريم أو نحو ذلك فلرعي مصالح الأمة والتدرج بها إلى مدارج الإصلاح والرفق. وعلى هذا الأساس يكون القصد من مخاطبة الأمة بالشريعة امتثالَهم لها، وأن يكون عملهُم بها كاملة. وهذا المقصد لا يناسبه وضع الشريعة للاستدلال بالنسبة لعموم الأمة، لأن الطريق الذي سلكوه بعد إيمانهم إنما هو طريق التسليم والامتثال (١). وبهذا يتحقق المطلب الأساس بعد الإيمان وهو الاستقامة. روى أبو عمرة الثقفي أنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم (٢). - وضبط الأحكام الخمسة من حل وحرمة وندب وكراهة وإباحة للسلوك الذي يتعين على المؤمن الالتزام به في هذه الحياة. ومن أجل تحقيق مطلب الاستقامة الذي قضت به الشريعة وجعلته مقصداً من مقاصدها، يقول الشيخ الإمام الأكبر: إن للأحكام الخمسة آثارها من الأعمال. ولا يستقيم حال المسلم إلا بجميعها. وإنما تتفاوت مراتب الصلاح في الزيادة والنقصان مما يقبل الزيادة والنقصان منها. فالرجل الصالح ينقص من الأشياء المفضولة ليتفرغ بذلك النقص إلى التوفير من الأشياء الفاضلة، وغير الصالح بعكس حاله. ومرتبة الواجبات والمحرّمات لا تقبل زيادة ولا نقصاناً لأن النقصان من الواجبات والزيادة من المحرمات عصيان (٣). ويثبت المرء على دينه

стр. 698

فلا يستهويه انحراف ولا تغشاه ضلالة كلما تدبّر الأحكام الشرعية. فإن جميع تصرفات المؤمنين في تلقي دينهم تجري على اعتبار أحكام الشريعة معلّلة ومنوطة بحِكَمٍ. وهكذا فإنه لا يتصور أن ينقاد المسلم إلى أحد السبيلين إلا بما تفصح له به الشريعة من جلب للمصالح ودرء للمفاسد. وهذا مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية. وملاك الأمر في تقدير هذا النظر المقصدي المبرر للأعمال أو الصارف عنها، أن أصل نظام صلاح الأعمال النظرُ إلى المصلحة والمفسدة المطروحتين أو الغالبتين. وربما تعارضت المصالح فاقتضى الأمر الترجيح، وهو ما أثنى الله به على المؤمنين عند التقائهم بالمشركين في الحديبية، إذ قبلوا تأجيل العمرة إلى العام القابل، وأزالوا البسملة من الصحيفة، وغيّروا وصف الرسول بذكر اسمه، ترجيحاً لما في ذلك من مصلحة الأمن (١). ثم إن من الأعمال ما تجب فيه مراعاة حال غير العامل. وتلك هي المعاملات بين الناس التي حدّدها الرسول بإقامة العدل بينهم، وجعل القاعدة العامة لذلك قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢). ومن المقاصد الشرعية التي ذكرها الإمام الأكبر في أصول نظام الاجتماع الإسلامي ما له ارتباط بسلوك الأمة كاملة: مثل تكثير سوادها، وإيجاد جامعة لها، وتأكيد الأخوة بين جميع أفرادها، وردع المرتدين عن الملة المفارقين لها، وحفظ الأمة وحمايتها مما يذهب بقوتها وعزتها ووحدتها.

стр. 699

أما تكثير سواد أتباع الإسلام، وهو غاية ومقصد، فهو من توابع مقاصد عموم الدعوة بقدر الإمكان، وصولاً إلى تعميم الدين وتسهيلِ سبيل الدخول فيه على راغبيه (١). والقصد من إيجاد الجامعة الإسلامية إقامة رابطة دينية مقدّسة تصغر أمامها الروابط كلها. وقد اتخذ القرآن سبيله إلى ذلك بدعوة أتباعه ليكونوا أمة واحدة، تجمعها وحدة الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح (٢). قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣). ومن أجل مساندة هذه الجامعة الدينية العقلية ودعمها وصف الله المؤمنين بهذا الدين بالأخوة فيه، أخوة روحية ليس للمادة حظ فيها. لذلك لم يرتِّبْ الإسلام عليها إلا الأحكام الروحانية القلبية من صدق الود، واعتبار التساوي، ومدّ يد المعونة، والمواساة ونحو ذلك. ولم يرتب عليها شيئاً من آثار الأحكام المادية. ولكنه جعل الأسباب المادية غير معتبرة وحدها حتى تنضم إليها الأخوة الإسلامية. ولذلك تقرر مثلاً حكمُ الإسلام أن لا يرث الكافر المؤمن ولا المسلم الكافر (٤). وما كان الأئمة من أسلافنا يدعون إليه، من أجل حفظ الأمة في عقيدتها، من معاقبة المرتد فَلِنَقْضِه العهدَ الذي دخل به في الإسلام. ولكونه بمروقه عن الدين أصبح مثلاً سيِّئاً يجب على أمته أن تطهر نفسها من وجوده لكي لا ينفرط عقد الجامعة بالانسلال

стр. 700

عنه، ولئلا يتواهن الداخل في الإسلام بأن يدخله تجربة، فإن وافق أهواء أعماله استمر فيه وإلا انعزل عنه، ولئلا يوهم ضعاف العقول بانخزاله أنه جرّب الدين فوجده غير مرضي، ولئلا يكون الدخول في الدين من ذرائع التجسس على الأمة (١). وإقامة حكومة إسلامية للمسلمين أصل من أصول التشريع. وهو ما ثبت بالكتاب والسُّنة. ولذا كان عليها الاهتمام بالإصلاح العام في السياسة. وهذا الذي يقتضي من جهة مبادرة الدولة إلى إجراء المصالح المأمور بها لجلب ما يستطاع من النفع، ودفع ما يتوقّع من الضرر بجميع الأمة جماعة وأفراداً (٢). ومن جهة ثانية الحفاظ على الأمة بصون نظامها ودعم سلطانها وجعلها مرهوبة الجانب محترمة منظوراً إليها في أعين الأمم الأخرى نظرة المهابة والوقار. قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣). وهذا القصد لا يتحقق إلا بالدفاع عن الحوزة، وهي حدود البلاد ونواحيها، وحماية البيضة وحفظ الأمة الإسلامية من اعتداء عدوها عليها، وحفظ الإسلام من أن ينتزع عدوّه منها قطعة، أو يتسرّب إليها (٤). ويلخص هذه المعاني والمقاصد المختلفة قوله ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ (٥). فأصول النظام الاجتماعي للإسلام أتت متساوقة مع كل الفنون

стр. 701

والموضوعات التي شغل بها الإمام الأكبر نفسه. وهكذا يكون تصوير الجانب الفكري من حياته محتاجاً هو في ذاته إلى أن تفرد أغراضه وعناصره بالبحث والدراسة كما هو الشأن عند رجال العلم لإبراز أسرار النظر ونتائج الفكر في تلك الآثار العلمية والأدبية القيمة التي صدرت عن الشيخ الإمام. هذه محاولة أرجو أن نكون وفقنا فيها لتصوير جوانب مفيدة من حياة الإمام الأكبر. والله من وراء القصد. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (تمّ الجزء الأول بحمد الله تعالى) * * *

стр. 702

شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور وَكتابه مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية الْجُزْء الثَّاني بَيْنَ عِلْمَيِّ أصُوْل الْفِقْه ومَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ تأليف الشَّيْخ مُحَمَّد الحبيب ابْن الخوجة طُبِعَ على نَفَقَةِ حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله - بإشرافِ وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة

стр. 703

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 704

بَيْنَ عِلْمَيِّ أصُوْل الْفِقْه ومَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ

стр. 705

طبعَة وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة دوْلة قطَر عَلَى نَفَقَةِ حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله - حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
следующие страницы →