← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

والموضوعات التي شغل بها الإمام الأكبر نفسه. وهكذا يكون تصوير الجانب الفكري من حياته محتاجاً هو في ذاته إلى أن تفرد أغراضه وعناصره بالبحث والدراسة كما هو الشأن عند رجال العلم لإبراز أسرار النظر ونتائج الفكر في تلك الآثار العلمية والأدبية القيمة التي صدرت عن الشيخ الإمام. هذه محاولة أرجو أن نكون وفقنا فيها لتصوير جوانب مفيدة من حياة الإمام الأكبر. والله من وراء القصد. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (تمّ الجزء الأول بحمد الله تعالى) * * *

стр. 702

شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور وَكتابه مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية الْجُزْء الثَّاني بَيْنَ عِلْمَيِّ أصُوْل الْفِقْه ومَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ تأليف الشَّيْخ مُحَمَّد الحبيب ابْن الخوجة طُبِعَ على نَفَقَةِ حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله - بإشرافِ وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة

стр. 703

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 704

بَيْنَ عِلْمَيِّ أصُوْل الْفِقْه ومَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ

стр. 705

طبعَة وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة دوْلة قطَر عَلَى نَفَقَةِ حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله - حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م

стр. 706

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم حاولت مصاحبة الإمام الأكبر في رحلته المباركة، التي أنجز فيها للفقهاء، والمفكرين، وللناس عامة عملاً جليلاً، كان يتطلع إلى القيام به من بداية حياته العلمية. فحظيت من ذلك - بحمد الله - بعلم نافع، وتوجيه دقيق، وتنبيه رائع، حين أتيت على الكتاب كله، نظراً وتدبّراً وتحقيقاً. فقد كان حريصاً طوال حياته على تدوين ملاحظاته في مقاصد الشريعة الإسلامية، وعلى الجمع المُتْقَن بين ذلك وبين علمي الفروع وأصول الفقه. وبلغ من ذلك أغلى الأماني لديه حين أتمَّ الله عليه هذه النعمة، فحمد ربه على ما أعطى، وشكر له ما هيأه به للاضطلاع بهذا المهم الذي تناساه فحول العلماء، وغفلوا عنه نحو ثمانية قرون. فلا يكادون يذكرونه، ولا يذكرون منه تفصيل نظرياته وقواعده وما اشتمل عليه من حِكم ومنافع، ولا ما يتحقق به للدارس، بعد بذل الجهد، من التعرّف والاهتداء إلى طريق تعيين المقاصد الشرعية، وما يضمّ إليها من أحكام الاستنباط. فيكون ذلك معواناً على البصر بآيات الله الحكيمة والحكمية، وأحاديثِ رسوله البيانية والتشريعية. وبهذا يسهل على العالِم والمجتهد التوصّل بفضل الله إلى بيان أحكامه في المستجدّات، وإلى سلوك أكمل طريق لضبط الأحكام الشرعية المناسبة، بالتزام الوحي

стр. 707

الإلهي مصدراً وحجة، وتحقيقِ ما يجلبه للمكلفين من مصالح، ويدرؤه عنهم من مفاسد، يشعرون معه بأن الشريعة عدلٌ كلُّها، وأنها القادرة بسماحتها ومرونتها على الجمع بين خيري الدنيا والآخرة لكل عبد منيب. وليس بدعاً من الأمر أن نجد الإمام الأكبر ينصرف في التوّ إلى معالجة قضية علمية لها ارتباط كبير بمناهج الدرس والمناظرة بين العلماء وفقهاء الملة. فيردّ على تلك الظاهرة الغالبة التي تَسِمُ علماءَ الدين بالخلاف والجدل، وبالنزاع في ما ليس له كبير أثر في التوصل إلى صميم العلم وعين الحقيقة، ويقرع المتخالفين منهم على عنادهم وإصرارهم على وجهات أنظارهم، "إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلة ضرورية أو قريبة منها، يذعن إليها المُكابر، ويهتدي بها المشبّه عليه. وينقطع بين الجميع الحجاج، ويرتفع عن أهل الجدل ما هم فيه من لجاج" (١). وقد كانوا يتصوّرون أن المخلَص لهم من ذلك هو علم أصول الفقه. وأنَّى له ذلك. وليس في علم أصول الفقه غُنْيةٌ لمتطلّب هذا الغرض؛ بل هو على العكس لم يكن منتهًى ينتهِي إلى حُكمه المختلفون في الفقه (٢). وقد عسُر بل تعذَّر الرجوع بهم إلى وحدة الرأي أو ما يقرب منها. وسيأتي - بإذن الله - حلَّ هذا المشكل بتدبّره وتفصيل القول فيه على نحو ما سار عليه شيخنا في طريقته التي اختارها لذلك إصلاحاً لعلم أصول الفقه، ودعوةً إلى دراسة المقاصد الشرعية دراسة مستوفاة، تجمع بين قطعية الأدلة والاعتداد بالمصالح. وهذا البحث الذي وضعناه تعريفاً بكتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، الذي أتممنا - بفضل الله - تحقيقه، وحاولنا مسايرة ما عَنَّ للمؤلف طرحه من موضوعات فيه، أو كشَف عنه من حقائق، أو جمَعه من القواعد والمقاصد.

стр. 708

وقد وقفنا قليلاً عند ما أورده من ألفاظ لها دلالاتها، اختلطت في أذهان الناس عند استعمالها. فكان من الخير تفصيل القول فيها، وبيان حقيقة الخلاف والاختلاف والمخالفة، مع الإشارة إلى تفاوتها في الدلالة على نحو ما شهد به القرآن في كثير من آياته، وفسّرها به العلماء واللغويون. ويقتضي الأمر أحياناً إلحاق كلمات أخرى قرآنية بما أوردناه هي الأشباه والجدل والمجادلة، لكونها تحمل الدارس على تحديد معانيها، فراراً من اللبس الذي يعرض بسببها، ودفعاً للإشكال الذي قد يحصل منها. فإذا استوى الأمر وتبيّنت المصطلحات في جميع مسارات القول حسبما ألمعنا إليه، انتقلنا بدون شكٍّ إلى تمييز موضوعات الكتاب من علوم الفقه وأصوله ومقاصد الشريعة متّبعين نفس المنهج الذي سلكه الإمام الأكبر. وإنما قَصَدنا إلى ذلك لكون تلك العلوم قد تبدو لنا أحياناً متقاربة، وأخرى متباعدة، لاشتراكها في الغرض العام الذي هو الشريعة، وتفاوتها فيما انتصبت لإقامته من غايات. وهي خصائص تلك العلوم الثلاثة المتمايزة فيما بينها. فإذا قضينا هذا الوطر، بحثنا موضوعين لهما أهميتهما الكبرى في مجالات التشريع واستنباط الأحكام؛ أولهما: قطعية أدلة علم أصول الفقه، وثانيهما: التعليل الذي هو طريق الاجتهاد والقياس، وسبيل حمل النظير على نظيره في الحكم عند الاتفاق في العلَّة أو الوصف المناسب أو المصلحة. ويتبع النظر في ذلك التفريقُ بين المعلّل والتعبّدي من الأحكام. وهو ما أخذ به العلماء على اختلاف بين مذاهبهم واتجاهاتهم كأهل السُّنة، والأشاعرة، والمعتزلة، والظاهرية. وقد يكون الخلاف أو التعارض فيما انتهوا إليه عند إرادة استنباط الأحكام وبيان مقاصدها

стр. 709

عند البعض، وتوقّفِ الآخرين من المتكلمين تحيُّزاً وعِناداً منهم، مثل قولهم بمراعاة الأصلح في أفعال الله، وبالحُسن والقبح العقليين. أو لاكتفاء الظاهرية والنظّام بما تفيده النصوص، وتدلُّ عليه، مع رفض التعليل والقياس رفضاً مطلقاً. ولعله من الخير أن نكتفي بهذه الإشارة إلى أهمّ موضوعات الباب الأول من هذه الرسالة. والكلام على سائرها يطول. وقد فرضنا أن تكون دراساتنا التي هي بمحلِّ المقدمة للمقاصد منقسمة إلى أبواب، وكل باب منها إلى فصول، منهين عملنا هذا بإيراد قائمة من القواعد والمقاصد التي استخرجناها من تأليف إمامنا مقاصد الشريعة الإسلامية، وذكرنا من ذلك ما نيطت به أحكام الشريعة، أو ضبطت له فروعاً ضَبطاً يدرجها في الإطار العام الذي يجعلها محكومة بأدلته، منبنية عليها، مستنبطة منها ومحققة لمقاصد التشريع الإسلامي بها. ونظرة واحدة بعد ذلك في فهرست هذا الجزء: بين علمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة، تشير إلى أهم القضايا التي بحثناها به، وأدق المسائل التي أدرجناها فيه، طلباً للإضاءة والتنوير في هذا العلم الذي نرجو أن نكون ببحثه وذكر تطوّراته، وبمسايرة ما صحّ عند العلماء الراسخين من القدامى والمحدثين إثباته، قد وصلنا إلى القيام بعمل نافع ندرك به ما تطلّعنا إليه عند إعداده، من الاستفادة والإفادة في خدمة علوم الشريعة الإسلامية فقهها وأصولها ومقاصدها. وعلى الله التكلان، ومنه نستمدّ العون، وهو ولي التوفيق، ومن وراء القصد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 710

التمهيد لمقاصد الشريعة تضمَّن تمهيد الإمام الأكبر لكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية عدة عناصر منها: أولاً: الإشارة إلى الغرض من وضع هذا الكتاب: وهو إملاء مباحث جليلة من المقاصد، والتمثيل لها والاحتجاج لإثباتها، والتنبيه على موضوعه الأساس، وهو خصوص البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب، والتذييل لهذه الإيماءات بتحديد مصطلحي التشريع والديانة عنده، فيما ورد له من ذلك أثناء عرضه لمباحث الكتاب (١). ثانياً: تقسيمه الكتاب إلى ثلاثة أقسام: تناول في القسم الأول منه: أ - إثبات مقاصد الشريعة، واحتياج الفقيه إلى معرفتها، وطرق إثباتها، ومراتِبَها. ب - ذكر المقاصد العامة من التشريع. ج - ذكر المقاصد الخاصة بفقه المعاملات (٢). وفي القسم الثاني من نفس هذه المقدمة تعرّض إلى موضوعات هامة، أراد من إدراجها فيه ترسيخَها في العقول والأفهام. وذلك لما تضمَّنته من مسائل وأحكام ونتائج، يُرجع إليها بالنظر، وتكون منطلقاً لحصر وتحديد المحاور الثلاثة التالية:

стр. 711

١ - ذكرُ الخلاف أو الاختلاف الحاصل بين علماء الشريعة من فقهاء وأصوليين. ونقدُ منهجهم في ذلك لِمَا أسرفوا فيه أحياناً كثيرة من النقاش والجدل (١). ٢ - التفريق بين علمي الفقه والأصول من جهة، وبين علم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة من جهة ثانية (٢). ٣ - التنبيه إلى ما اشتمل عليه علم أصول الفقه من قضايا لها علاقة بالمقاصد (٣). ومن القضايا الأصولية التي ألمع إليها الشيخ ابن عاشور في هذا التمهيد، وكان فيها حديث طويل بين الأصوليين: القول بقطعية أصول الفقه. فقد عرض في ذلك للآراء المختلفة في وصفه بها، ونقد رأي القائلين بذلك، جاعلاً مقاصدَ الشريعة الثابتة بطرق يقينية أحرى منها بالوصف بالقطعية (٤). وفي هذا التمهيد تنويه بالرواد الباحثين عن مقاصد الشريعة وأسرارها من فقهاء وأصوليين (٥). ولعل مما يكون بياناً لتلك الإيماءات وشرحاً لما ورد فيها، قصراً لا حصراً، أن نقف عند طائفة منها تكميلاً لحديث الشيخ عنها، بل تذكيراً بما كان يريد أن يبعثه في نفوسنا من تصوّرات، ويشغل به عقولنا وألبابنا من قضايا علمية، تمس الفقهَ وأصولَه ومقاصدَ الشريعة الإسلامية جميعها. والله المستعان وعليه التكلان في تأمين المسالك لذلك، وتسديد خطى السير فيها.

стр. 712

الباب الأول قضايا ذات صلة بالفقه وبعلمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية

стр. 713

الفصل الأول: بين الفقه وأصول الفقه ومقاصد الشريعة أشار التمهيد الموجَز لكتاب مقاصد الشريعة إلى أن العلوم الشرعية والإسلامية كثيرة ومتداخلة لاشتغالها جميعها بالقاسم المشترك الجامع بينها؛ وهو خدمة الدين والحق. ويقودنا التفريق بين هذه العلوم إلى الحديث عن الشرع والفقه وأصول الفقه وأصول الدين ومقاصد الشريعة. وهذه العلوم وإن بدت بينها مفارقات تميّز بين جميعها، غير أن عرضها على الوجه الذي اخترناه يجعلنا متابعين للاتجاه الذي رسمه الشيخ لنفسه عند الإيماء إليها والحديث عنها. والانطلاق في هذه البيانات يحصل من تعريف علوم الشريعة بكونها المتلقاة عن طريق الوحي. وتوقُّفُها على الشرع في صدورها يكون توقُّفَ وجودٍ كعلم الكلام أو توقُّفَ كمال كعلم العربية. والشرع والحكم والخطاب الإلهي كلها بمعنى. ويراد بها الوضع الإلهي الذي يسوق ذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات. وهو ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم. والأحكام من حيث إنها تُطاع دِينٌ، ومن حيث إنها تُملى وتُكتب ملّةٌ، ومن حيث إنها مشروعة شرعٌ. والتفاوت بينها ليس بالذات ولكن بحسب الاعتبار. أراد الفقهاء من بيان الأحكام الشرعية، ومن الشريعة والشرع، كلَّ طريقة موضوعةٍ بوضع إلهي ثابت من نبي من الأنبياء. وتطلق

стр. 714

بإزاء الفقه الذي وصفوه بكونه من علوم الدنيا، غير أنه كمصدره كثيراً ما يطلق على الأحكام الجزئية التي يتهذّب بها المُكلَّف دنيا ومعاداً، سواء كانت تلك الأحكام منصوصةً من قِبَل الشارع أو راجعةً إلى شرعه. فالشرع عند أهل السُّنة مُنشىءٌ للأحكام. وهو والفقه يتعلقان بالأحكام الفرعية. ومن ثم سُمّيا بعلم الشرائع والأحكام. وقد يُخص الشرع بالأحكام العملية الفرعية، وإليه يُشعر ما في شرح العقائد النسفية. وتكون الشريعة عبارة عن الائتمار بالتزام العبودية، أو هي الطريق في الدين (١). ويتعيّن في هذا المقام أن نذكر المفارقات بين الفقه وبين علمَي أصول الفقه ومقاصد الشريعة. الفقه: الفقه لغة: هو العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة. واشتَهر به علمُ الدين لشرفه. وأُطلقَ بعدُ على ما يتناول الأحكام الدينيةَ جميعَها؛ من أحكام العقائد والأحكام العملية من علوم الشريعة التي ينبغي الوقوف عندها وهي: الفقه، وأصول الفقه، ومقاصد الشريعة. وأساس الفقه خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين. ويشمل خطابُ الله الأحكامَ كلَّها كما يدرك ذلك من قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢). وقد كان أول ما وُجد منه عبارة عن طائفة

стр. 715

من الأحكام والفتاوى صدرت عن رسول الله ﷺ فيما عُرِض عليه من قضايا، وما استُفتي فيه من مسائل، ثم ما صدر من مثل ذلك عن أصحابه ﵃. وبرزت في الفقه مدرستان: مدرسة النقل، ومدرسة العقل. الأولى اشتهرت بمدرسة أهل الحديث، والثانية بمدرسة الرأي. وبالإضافة إلى ما بين المدرستين من اختلاف في الاتجاه لاحظنا ما شهِدَته كل مدرسة من تطوّر في السير بالفقه. فمِن آخذٍ بفقه السلَف المعتدّ به بين غالب المسلمين في عهده، أو متَمسِّكٍ بمذاهب الخَلَف من بعدهم، أو بالمدارس الاجتهادية التي أَصَّلَت للفقه قواعده، وبحثت قضاياه المختلفة من عبادية وغيرها، باعتبار ما اشتمل عليه المصدران: القرآنُ والسُّنة من تشاريع وأحكام. والفقه في كل ذلك عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية، المتعلقة بكيفية العمل، تصديقاً حاصلاً من الأدلة التفصيلية التي نصبها الشارع على تلك القضايا. وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس. وقال أبو حنيفة: الفقه معرفة الإنسان بالنفس ما لها وما عليها (١). وتنوَّعَ الفقه، في بعض أطواره، بحكم كونه علماً دينياً، إلى ثلاثة أنواع: فمنه الاعتقاديات التي يُبرزها علم الكلام، والوجدانيات التي يُمثلها علم الأخلاق والتصوّف، ومختلف المعاملات من عبادية تُعنى أوّلًا بعلاقة الإنسان بربه فيما يدين له به من الطاعة، وفي الاستجابة

стр. 716

لأوامره وترك نواهيه، وثانياً بضبط المرء علاقته بالمجتمع من حوله، وما يكون له في ذلك من تصرّفات يريد بها الإيمان والعدل والاستقامة. وهذا التنوّع فيما أحسب هو الذي دعا صاحب المقاصد إلى التمييز من أجله بين الديانة والشريعة في مجال الفقه. وعرّف الإمام الأكبر هذين المصطلحين، فالديانة تخصّ أحكامَ العبادات وما يتّصل بها من أسرار تتعلّق بسياسة النفس وإصلاح الفرد والجماعة. وقد فصّل القول في هذا في كتابه أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. وأما الشريعة فهي قانون الأمة وليست التفاتاً إلى مطلق الشيء المشروع كالمندوب والمكروه، فهما في اصطلاحه هذا غير مرادين (١). وعرَّف آخرون علم الفقه بقولهم: هو العلم بأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة. وهي متلقاة من الكتاب والسنة، ومما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلّة (٢). ويراد من الفقه عند الفقهاء معرفة باطن الشيء، والوصول إلى أعماقه. وهو نظام شامل يُنَظّم علاقات الإنسان بخالقه، أو العلاقات بين الأفراد والجماعات، أو علاقات الدول الإسلامية فيما بينها، أو فيما بينها وبين غيرها من الدول في السلم والحرب (٣). وفي الاصطلاح: يطلق الفقه على العلم بالأحكام الشرعية

стр. 717

العملية من أدلّتها التفصيليّة. وأركانه أربعة، لأن الأحكام الشرعية إما أن تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات، وإما بأمر الدنيا سواء أكانت متعلّقة ببقاء الشخص وهي المعاملات، أم ببقاء النوع باعتبار المنزلة وهي المناكحات، أم باعتبار بقاء المدنية، وهي العقوبات (١). وموضوع علم الفقه أعمال المكلَّفين، وقيل: موضوعه أعمُّ من ذلك. ومسائله الأحكام الشرعية العملية. وغرضه النجاة من عذاب النار. ومن ثمّ قال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين" (٢). وقد لخّص هذا صاحبُ مفتاح السعادة بقوله: الفقه هو علم يبحث في الأحكام الشرعية الفرعية العملية من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية، ومباديه أصول الفقه. وله استمداد من سائر العلوم الشرعية والعربية. وفائدته حصول العمل به على الوجه المشروع. والغرض منه تحصيل ملكة الاقتدار على الأعمال الشرعية (٣). وبالرغم عن أهمية هذا العلم وشموله، وقطعيّة أدلته من الكتاب والسُّنة، فإنّه لا يفيد إلا الظن؛ لأنه وإن كان قطعيَّ الثبوت إلا أن أكثره ظنيُّ الدلالة. والغاية والغرض في العلوم العملية يحصلان بالظن، ولا يلزم فيهما اليقين. وبذلك صار هذا العلم محلاً للاجتهاد، وجاز الأخذ فيه بأيّ مذهبِ مجتهدٍ أراده المقلِّد (٤).

стр. 718

علم أصول الفقه: يختلف علم أصول الفقه عن الفقه بما نرى من تفارُقٍ بينهما في التعريف والموضوع والاستمداد والغاية أو الثمرة. فهو مجموعة القواعد والطرق التي يُتوصَّلُ بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. ويطلق أصول الفقه على العلم المدوّن، المخصوص المتميّز بموضوع خاص ومحمولات خاصة (١). وقد نوّه الإسنوي بعلم أصول الفقه قائلاً: إن أصول الفقه علم عظُم نفعُه وقدْره، وعلا شرفهُ وفخرهُ، إذ هو مثار الأحكام الشرعية، ومثار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشاً ومعاداً، ثم إنّه العمدة في الاجتهاد. وأهمُّ ما يتوقّف عليه من المراد، كما نصّ عليه العلماء، ووصفَه به الأئمة الفضلاء (٢). فأصول الفقه في الاصطلاح هو على التفصيل: العلم بالقواعد التي يُتوَصَّل بها إلى الفقه على وجه التحقيق. والقواعد هي القضايا الكلية، والأدلة المبحوثُ عنها فيه راجعةٌ إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس. والاستدلال بالأدلة على الأحكام، وبيان طرقه وشروطه مما يتوصّل به إلى استنباط الأحكام من مصادرها. والقائم على ذلك إنما هو المجتهد، إذ الفقه هو العلم بالأحكام من الأدلّة. وقال الإمام: إن علم أصول الفقه يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها (٣).

стр. 719

وقد أضاف إلى تعريف الفقه وأصوله: أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكَّن العارف بها من انتزاع الفروع منها أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ. ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتُقاس فروع كثيرة على مورد اللفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة (١). وقصر علماء الأصول مباحثهم على ألفاظ الشريعة، وعلى المعاني التي أنبأت الألفاظ عنها، وهي علل الأحكام القياسية. وإلى جانب هذه المصطلحات، التي تعيد إلى المخالط لها ما كان بذهنه من الموضوعات الأصولية، يذكّر المؤلف بموردين هما الغاية من النظر في علم أصول الفقه: إما لاكتشاف بعض أسرار مسالك العلة، وإما للوقوف في أصول الفقه على مسائل لها تعلُّق بالمقاصد كعلل الأحكام القياسية (٢). وموضوع أصول الفقه: الأدلة ومتعلّقاتها. ومنها الاستصحاب والاستحسان، والأحكام وما يتعلق بها كالحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به. ولا بأس هنا أن نشير إلى ما وقع بين العلماء من اختلاف في المنهج والأسلوب المعتمَدَين في أصول الفقه. وقد لخّصها أصحاب هذا العلم في طرق ثلاث: الأولى: الطريقة التنظيرية، وهي طريقة المتكلّمين. وبها أخذت الشافعية والمالكية.

стр. 720

الثانية: الطريقة العملية، وهي التي تعتمد الفروع في التطبيق. وأكثر ما بدا هذا عند الحنفية. والثالثة: هي الطريقة الجامعة بين المنهجين السابقين (١). وقد عُنِيَ بهذا العلم متكلَّمون كالغزالي يرون فيما قدموه محاولةً عقلية بحتة تقوم على الاستدلال العقلي والبراهين النظرية في منهجهم. وكان اتجاه الشافعي، ومن نهج نهجه في الأصول، اتجاهَ العقل العلمي الذي لا يُعنَى بالجزئيات والفروع. فكان تفكيره تفكيرَ من ليس يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع، بل يُعنى بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول يجمعها. وذلك هو النظر الفلسفي (٢). ولهذا قالوا في التعريف بهذا المنهج: إنه يقوم على تحقيق المسائل الأصولية تحقيقاً منطقياً، ويَعتمد في الحسم بين الآراء المختلفة على الاستدلال العقلي. ويتميّز هذا المذهب في الغالب بمجانبة التحيّز والتعصّب والتعقيد في الجدل. وقد حاول أصحابه التوصل إلى ضبط جملة من القواعد الأصولية يثبتونها، وإن خالفت الأصولَ التي دوّنها أئمتهم، كالقول بحجية الإجماع السكوتي. واشترك في الأخذ بهذا المذهب علماء الشافعية والمالكية والمتكلمون. ولم تقتصر أنظارهم على بحث قواعد استنباط الأحكام الفقهية بل تجاوزوها. فتكلموا عن عصمة الأنبياء قبل النبوّة، وعن التحسين والتقبيح العقليين، وعن بعض المباحث المنطقية والفلسفية (٣). وأما الأصوليون من الحنفية فقد تميّزوا بتقرير القواعد الأصولية

стр. 721

وتحقيقها، على ضوء ما نقلوه عن أئمتهم من الفروع الفقهية. فاستمداد أصول الفقه عندهم كان من الفروع والمسائل الفقهية. فإذا وجدوا قاعدة من القواعد لا تتسع لبعض الفروع المقرّرة في المذهب تصرّفوا فيها وعدّلوها على وجه تكون به شاملة لجميع الفروع (١). وتتمثل الطريقة الثالثة التي اعتمدها الأصوليون المتأخّرون في الجمع بين الطريقتين المتقدمتين. طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية. وهي تُعنى بتحقيق القواعد الأصولية وإقامة البراهين وربطها بها. جرى على هذا النهج الحنفية وطائفة من الشافعية. وعُدَّ من أتباع هذا المنهج الإمام أبو إسحاق الشاطبي بكتابه الموافقات (٢). علم مقاصد الشريعة: أما علم مقاصد الشريعة فهو عبارة عن الوقوف على المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظَمِها. وتدخل في ذلك أوصاف الشريعة وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها. وكذلك ما يكون من معانٍ من الحكم لم تكن ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها (٣). وجدير بنا هنا أن نشير إلى موقف الإمام الأكبر من العِلْمَين. ذلك الموقف المزدوج القائم على الدعوة لتجديد علم أصول الفقه من جهة، وعلى الموقف التأسيسي لعلم مقاصد الشريعة من جهة ثانية. وهذا هو علمُ أصولِ أصولِ الفقه. وتظهر دعوته إلى علم

стр. 722

المقاصد جليّة في قوله: إن في معظم أصول الفقه اختلافاً بين علمائه. فنحن إذا أردنا أن ندوّن أصولاً قطعية للتفقّه في الدين حقٌّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونُعَيِّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم، ونسميه علم مقاصد الشريعة. ونترك علم أصول الفقه على حاله تُستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير منزوٍ تحت سرادق مقصدنا هذا، من تدوين مقاصد الشريعة فنجعل منه مبادىء لهذا العلم الجليل: علم مقاصد الشريعة (١). هذا وإن في بداية تمهيد الشيخ ابن عاشور لمقاصده إيماءً لما كان عليه علماء الأصول من الخلاف وذلك ما يدل عليه قوله: "قصدت إلى إملاء مباحث جليلة، والتمثيلِ لها، والاحتجاجِ بها لإثباتها، توصلاً إلى إقلال الاختلاف بين علماء الأمصار". وهكذا انتهى بنا النظر، بعد المقارنة بين علم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة، إلى إيراد قضيتين مختلفتين: قضية قطعية أدلة علم الأصول، وقضية التعليل. وقد كان بحثه لهما وطريق الفصل فيهما قائماً على الواقعية في النظر التي يرغب الدارسون في توفرها بين قادة أهل العلم، بعيداً عن المسايرة العاطفية لبعض الشيوخ. وعلى ما يحصل مجاملة وتجاوباً من اللاحق للسابق من أهل الأقدار، واشتغناء بما يقع التنبيه عليه مما لم يُذكر في مكان آخر.

стр. 723

الفصل الثاني: قضايا أصولية وكلامية قطعيّة أدلةِ علم أصول الفقه وظنّيّتها: يتحدّث الإمام الأكبر عن هذه القضيّة عند كلامه على إمام الحرمين عبد الملك الجويني وكتابه البرهان. ويُظنّ أن إمام الحرمين قد تأثّر فيما ذهب إليه بكلام أبي الحسين البصري. فكان الجويني من المتمسَّكين بقطعيّة أدلّة علم أصول الفقه، محتجّاً بأدلة كثيرة منها: "أن حظّ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبيّن المدلول ويرتبط بالدليل". وعقّب الشيخ ابن عاشور على هذا الاعتذار بكونه اعتذاراً واهياً قائلاً: "إنا لم نرَهُمْ دوّنوا في أصول الفقه أصولاً قواطعَ يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها كما فعلوا في أصول الدين، بل لم نجد القواطع إلا نادرة مثل ذكر الكلّيات الضرورية. وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنون" (١). وتبع الإمامَ الجويني على رأيه الأبياري. وتصدّى ابن عاشور له، وأسقط دعواه التي يزعم فيها، نقلاً عن صاحب البرهان: أن مسائل الأصول قطعيّة، ولا يكفي فيها الظن، ومدركها قطعي، ولكنه ليس المسطورَ في الكتب، بل معنى قول العلماء إنها قطعيّة أن مَن

стр. 724

كثر استقراؤه واطلاعه على أقضية الصحابة ومناظراتِهم وفتاواهم وموارد النصوص الشرعيّة ومصادرها حصل له القطع بقواعد الأصول. ومتى قصر عن ذلك لا يحصل له إلا الظنّ. وهذا الجواب باطل، لأنّنا بصدد الحكم على مسائل علم أصول الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة (١). وأضاف صاحب المقاصد إلى النزاع في هذه القضية الخلافية بيانَ سبب اختلاف الأصوليين. فجعله الحيرة بين ما ألِفوه من أدلة الأحكام، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعيّة كأصول الدين (٢). والحقيقة التي نريد الانتهاء إلى تقريرها هي أن الأدلّة من علم أصول الفقه أمرُها معروف ومشهور عند طلاب العلم. فمجموع علماء الشريعة قائلون بحجية النصوص من القرآن والسُّنة لقوله ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً كتابَ الله وسُنَة نبيه" (٣). ونصوص القرآن متواترة الرواية ظنيّة الدلالة، وكذلك نصوص السُّنة التي وإن كان أكثرها من خبر الآحاد. فقد جاء فيها عن الإمام أحمد قوله: لا يقدَّم عليها (على نصوص رسول الله ﷺ ) توهُّم إجماعٍ، مَضمونُه عدمُ العلم بالمخالف (٤). فلا اجتهاد مع النصّ، ولا رأيَ لأحد بجانب كتاب الله وسُنة رسوله. والحجة في الكتاب والسُّنة، وعلى الأئمة ترك أقوالهم لها.

стр. 725

من أسباب ظنّية علم الأصول: أ - الأحوال العارضة للنصوص: إذا جاء النصّ وكان دالاً على الحكم وظاهراً فيه، يسقط الاجتهاد ولا يعتدّ به. إذ لا اجتهاد مع النص وهذا ما أقرّه السلف، وحذّر ابن القيم من مخالفته، قال: "فإن من الناس من إذا استبان لهم في الكتاب أو السنة، أو أقوال الصحابة خلاف ذلك، لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلّدوه" (١). ويؤخذ بالمؤول متى صرف اللفظ بتأويله عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال راجحٍ يعتضد بدليل يصير به أغلبَ على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر (٢). وما من شك في أن من أصول الفقه مسائل ضعيفة المدارك كالإجماع السكوتي، والكلام على الحروف؛ لأن الخلاف فيهما أقوى، والمخالف فيهما لم يخالف قاطعاً بل ظناً. فلا ينبغي العمل بالضعيف والمؤول، وبما اختلفت فيه الأفهام مما يفقد النصوص قطعيّتها أو دلالتها الغالبة (٣). ويضاف إلى هذا اختلاف الدلالات والاختلاف في حجية خبر الواحد ونحو ذلك. اختلاف أنواع الدلالة: قسّم ابن الحاجب والكمال بن الهمام الدلالة إلى منطوق ومفهوم، ثم قسموا المنطوق إلى صريح وغير صريح. وجعلوا

стр. 726

الصريح قسمين مطابقة وتضمّن، وغيرَ الصريح دلالةَ الالتزام بأقسامها. والمفهوم ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق. ودلالته ليست وضعيّة بل انتقالية. وأبرز أنواع المفهوم اثنان هما مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة. أنواع المفاهيم: أما مفهوم الموافقة فمنه قطعيٌّ وظنّيٌّ. وقد قال بحجيّته جمهور العلماء. ذكر ذلك أبو البركات وابن تيمية وأبو يعلى وابن عقيل (١). وأما مفهوم المخالفة فهو ما كان المسكوت عنه فيه مخالفاً في الحكم للمنطوق. وهو أنواع ذكرها علماء الأصول. فجعلوا منها مفاهيم الحصر، والغاية، والشرط، والوصف، والعدد، والظرف، والعلّة، واللقب. قال بحجية مفهوم المخالفة الشافعي ومالك وأحمد والأشعري، وجماعةٌ من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد، وجماعة من أهل العربية. وقال الشوكاني: مفاهيم المخالفة حجّة عند الجمهور إلا مفهوم اللقب. وخالف آخرون في الاحتجاج والعمل به مثل أبي حنيفة وابن سريج والقفال وجماعة من المالكية، وكثير من المعتزلة، وأبو الحسن التميمي من الحنابلة (٢).

стр. 727

تباين المحكم والمتشابه: وذكر الآمدي المحكم والمتشابه. فقال: أما المحكم فأصحّ ما جاء فيه قولان: الأول: ما ظهر معناه، وانكشف كشفاً يزيل الإشكال ويرفع الاحتمال. والثاني: أن المحكم ما انتظم وترتّب على وجه يفيد إما من غير تأويل، أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه (١). ويقابل الأول المتشابهُ الذي يتعارض فيه الاحتمال إما بجهة التساوي كالألفاظ المجملة، أوْ لَا على جهة التساوي كالأسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر إلى التأويل. ويقابل الثاني ما فسد نظمه واختل لفظه، ويقال فيه: فاسد لا متشابه. ويحمل عليه ما كان من القصص والأمثال. وهو بعيد ممّا يعرفه أهل اللغة، وعن مناسبة اللفظ له لغة (٢). وعلى هذا جرى ابن الحاجب. وقال صاحب المنار: المحكم ما أحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل، ويجب العمل به (٣). والمتشابه هو لقب لِما انقطع رجاءُ معرفةِ المراد منه. وقال الكمال بن الهمام في المتشابه: "إنه ما لم تُرْجَ معرفته في الدنيا مثل الصفات والأفعال والحروف من أوائل السور" (٤). ويُردّ

стр. 728

إلى المحكم ويعمل بهما. ومقتضى كلام المحققين تساوي المجمل والمتشابه. خبر الآحاد: خبر الآحاد هو ما كان من الأخبار غير منتهٍ بنفسه إلى حدِّ التواتر. وهو قسمان: ما لا يفيد الظن أصلاً؛ وهو ما تتابعت فيه الاحتمالات على السواء، وما يفيده وهو ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع. وهو وإن جاز التعبّد به عقلاً مختلفٌ في وجوب العمل به شرعاً. وممن نفاه القاساني والرافضة وابن داود (١). ومن شروطه ألا يكون راويه مجهولَ الحال عند الشافعي وأحمد، بل لا بد من خبرة باطنة بما له، ومعرفة سيرته وكشف سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له. وذهب أبو حنيفة وأتباعه إلى أنه مقبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة من الفسق ظاهراً (٢). الإجماع وأنواعه: عرّف الآمدي الإجماع بقوله: هو اتفاق جماعة من أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ في عصر من العصور على حكم واقعة من الوقائع. والجمهور لا يشترطون في تحقق الإجماع وانعقاده انقراضَ عصر المجمعين، ولا عدمَ سبق خِلافٍ مستقر، ولا العدالةَ، ولا بلوغَ المجتهدين حد التواتر. وهذا ما رجحه علماء الأصول. والقائلون بجواز انعقاده وإمكان وقوعِهِ مختلفون.

стр. 729

فجمهور المسلمين يعتبرونه حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم (١). وأنكرت حجيته طائفة كالنَّظَّام والخوارج والشيعة وبعض الرافضة. وقال أحمد والحنابلة من بعده بالإجماع. وإذا نفوه فإنهم لا ينفونه نفياً مطلقاً في كل المسائل، واشترطوا لإهماله معارضته للنصوص الصريحة، فإن ما كان من هذا القبيل عندهم لا يسمى إجماعاً. ويؤخذ بإجماع الصحابة وإجماع الخلفاء الراشدين وإجماع أهل المدينة. والأئمة ليسوا على اتفاق على هذه الإجماعات. والإجماع الضمني يعتبر إجماعاً لا على ما زاد على قولين سبقاً للمجتهدين. فلا يصح إحداث قول ثالث، وأجازت ذلك جماعة. وفي المسألة السابعة عشرة من الإجماع يذكر الآمدي: اتفق الكُلُّ على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافاً لطائفة شاذة. فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإجماع عن توفيق لا توقيف، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند (٢). أما الإجماع السكوتي الذي لا يتحقق إلا إذا أفتى أحد المجتهدين أو قضى بشيء واشتَهر ذلك عند معاصريه، وعَرَفَه عنه من سواه من المجتهدين ولم يخالفوه، واستمرت الحال على هذا فترة انقضت فيها مدة التأمل. فقد أخذ به أكثر الحنفية وبعض الشافعية. وقال الجبائي: هو حجة وليس إجماعاً. وأنكر الشافعي الإجماع عليه وهو ليس بحجة عنده. وعلى هذا الرأي جرى ابن أبان والباقلاني

стр. 730

وبعض المعتزلة وأكثر المالكية، وأبو زيد الدبوسي من الحنفية، والرافعي والنووي من الشافعية. وبناء على الخلاف في الإجماع السكوتي قال الآمدي: هو ظني، والاحتجاج به ظاهر غير قطعي (١). وهو لا يُنسخ ولا يَنسخ عند الجمهور. ولا ينسَخ الإجماعُ إجماعاً. وإذا جاء مخالفاً لشيء من النصوص استدللنا به على نسخ النص، ولو لم يقوَ هو على أن يكون ناسخاً. وإنما تعرضنا إلى صيغ الكلام وما يتبعها من وجوه البيان والخفاء، وإلى الإجماع ومختلف أنواعه وصوره، لنميّز بذلك كلّه بين ما يمكن اعتباره قطعياً، وبين ما هو من قبيل الظنّي منَ الأدلة. ب - التعليل ، والعلة، والتعبّدي: التعليل: التعليل: تبيين علّة الشيء، وما يستدل به من العلّة على المعلول، ويسمّى البرهان اللِّمِّي (٢). ويتم التعليل بانتزاع أوصاف تؤذن بها الألفاظ، يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع. فتقاس فروع كثيرة على مورد اللفظ منها، باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مرادٌ من لفظ الشارع. وهو الوصف المسمى بالعلّة (٣).

стр. 731

قال الأصوليون: التعليل إثبات العلل للأحكام الشرعية، لأن الأحكام لم تصدر عن الشارع عبثاً ولا تحكّماً، وإنما اقتضتها حِكَم وغايات هي المصالح. ويكون بيانُ علل الأحكام بالاجتهاد في استخراجها اعتماداً على الأدلة والمسالك الموصّلة إليها (١). وللتعليل طرق متعددة منها: أولاً: ذكر الوصف المسمى بالعلّة. فهو العَلَمُ على الحكم والمعرِّف به. وثانياً: ذكر الوصف أي الحكمة والمنفعة، أو المصلحة والمفسدة. وبهذا يصبح التعليل أساساً للتعرّف على المقاصد التي يبديها الشارع مرّة ويخفيها أخرى، وكلّها مقاصد شرعية. وقد ترجم الشاطبي لهذا الغرض. وجرى على طريقته الشيخ ابن عاشور بوضعه فصلاً خاصّاً لإثبات وجود الوصف أو المقصد، وبيان طرق طلبه لدى فقهاء السلف وعند المتأخرين. وتعرّض الشيخ ابن عاشور إلى الفئة القائمة على تعليل الأحكام فوصف منهجها، وتحدث عن خطّ سيرها قائلاً: رسم الفقهاء لأنفسهم طريقة للاستدلال في الفقه وأصوله ألجأتهم عن غير اختيار منهم إلى الاقتصار على الاستدلال بألفاظ الكتاب والسُّنة وأفعال الرسول ﷺ وبالإجماع. وتفيد النصوص من أقوال الشارع أحكاماً كلّية، كما تفيد أحكاماً جزئيّة. والمجتهدون ينتزعون من كل ذلك فروعاً: إما بطريق

стр. 732

تحقيق المناط، وإما بطريق القياس، كما عمدوا إلى أحكام ثبت صدورها من الشارع في علم المجتهد، وخفي عنه مراد الله منها فاتّهم علمه، وبذل جهده في جنب سعة الشريعة. وسمّوا ذلك بالتعبّدي نسبة إلى التعبّد (١). ومهما يكن من اختلاف بين التعليل والتعبّد، فإنا نجد من الفقهاء من يعتبر محصلات البحث والنظر الفقهي الاجتهادي استدلالاً من المجتهد، ورأياً من المستنبط. ومن الفقهاء والأصوليين من يعتبر الطريق الموصل إلى استنباط الأحكام هو القياس. وهو المعنى الذي يدلّ على الحكم في أصل الشيء وفرعه. وهنا فرّق العلماء بين المعقولية التشريعية والمعقولية الاعتقادية. وكان من آثار تحليل النصوص ما جعل معقولية الاعتقاد أدخل في الفطرة وأوضح في الدلالة. فكانت دعوةُ عامةِ الأمة متيسّرةً، بخلاف أدلة التشريع، فإنها تخالف أدلة الاعتقاد من وجوه ثلاثة: ° أولاً: أنها أخفى دِلالة وأدقُّ مسلكاً إلى الفطرة. ° ثانياً: أن القصد من مخاطبة الأمة بالشريعة وامتثالِها لها هو أن يكون عملها بها كاملًا. ° ثالثاً: أن المخاطبين بالشريعة هم الذين استجابوا للدعوة، وصدّقوا الرسل، وآمنوا بالرسالات. فدلَّ هذا على أن طريق الاستدلال هو الطريق الموصّلة إلى الإيمان عندهم، وأن الطريق

стр. 733

المسايرة لها هي الطريق التي تظهر بعد إقبالهم على ربهم. وهي طريق التسليم والامتثال (١). ويتم التحقق من صحّة الاستنباط للأحكام الشرعية بالبحث عن علل الأحكام، وبإدراك المقاصد التي ناط الشارع بها الأحكام المنصوصة. وبلوغ هذه يكون عن طريق دلالة النص، ومن فقه الباحث في الشريعة الذي به تدرك مناطات الحكم من وصف ظاهر، أو مما في الفعل من جلب مصلحة أو درء مفسدة، أو مما يترتّب على تشريع الحكم من مصلحة. العلَّة: العلّة: لغة ماخوذة إما من العلّة التي هي المرض، أو من قولهم: العَلَل بعد النَهَل. والعَلَل: معاودة الشرب مرة بعد مرة، أو مِن اعتلّ إذا تمسك بحُجَّة. والعلّة ذات دلالات متعددة: ١ - فهي إما ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر كالذي ترتب على البيع الذي هو مبادلة مال بمال من نفع كل من المتبادلين ودفع الحرج والمشقة عنهما لو لم يتبادلا، أو كالذي يترتب على الزنا من اختلاط الأنساب، وما يترتب على القتل من ضياع النفوس وإهدارها. ٢ - وإما ما يترتب على تشريع الحكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، كالذي يترتب على إباحة البيع من تحصيل النفع السابق، وما يترتب على تحريم الزنا والقتل وشرع الحد والقصاص لحفظ الأنساب والنفوس.

стр. 734

٣ - وهي الوصف الظاهر المنضبط الذي يترتب على تشريع الحكم عنده مصلحة للعباد كالزنا وقتل النفس، ولفظي الإيجاب والقبول "بعت واشتريت". وخصّ أهل الاصطلاح الوصف باسم العلّة، وفرّقوا بين العلّة والحكمة، والعلّة والمقصد مجازاً. وقالوا: العلّة في تحريم الخمر الإسكار، ومقصد الشارع من التحريم مصلحة حفظ العقول. وجعلوا السَفر والمرض علّة للإفطار وقصر الصلاة. والمصلحة من ذلك الإباحةُ، رفعاً للحرج ودفعاً للمشقة. وأما العلة عند المعتزلة هي الوصف المؤثّر بذاته في الحكم. فأفعال الله معلّلة بمصالح العباد أو معلّلة بالأغراض. وهي عند الأصوليين الوصف المعلَّل به الحكم من حيث تأثيره في وجوده، أو من حيث كونه سبباً باعثاً على شرع الحكم. وقال بعضهم: هي علامة وأمارة على الحكم فقط. وعرفها فخر الإسلام في أصوله. فقال مرة: هي ما حصل علماً على حكم النص من وصف يشتمل عليه النص بصيغة القدر والجنس. وأورد تعريفاً ثانياً عند بيان علل الشرائع فقال: هي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء (١). وقالت الحنفية: هي المعرّفة لحكم الأصل لا من حيث ذاته، بل من حيث تعدّيه إلى الفرع، فالمعَرَّفة بالعلّة إنما هي التَعْدية (٢). وقال الآمدي: العلة في الأصل بمعنى الباعث؛ أي: مشتملة

стр. 735

على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم (١)، أي أن أحكام الشارع مبنية على مصالح العباد سواء أكانت الأحكام دنيوية أم أخرويّة. وبهذا قال ابن الحاجب (٢). وقال الغزالي: العلة هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الله تعالى. وبهذا قال سُليم الرازي. وقالت الشافعية: العلّة هي المعرّفة لحكم الأصل لكن لا على معنى أن الحكم لا يثبت إلا بها، ولم يقولوا: الباعث، لأن الله تعالى لا يبعثه شيء على شيء (٣). شروط العلة: من شروطها أن تكون مؤثرة في الحكم. وأن تكون وصفاً ضابطاً بأن يكون تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع. أن تكون ظاهرة جليّة وإلّا لم يكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساوية له في الخفاء. وأن تكون سالمة بحيث لا يردّها نص ولا إجماع، ولا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها وأن تكون مطّردة. "ومن شروطها ألا تكون عدَماً في الحكم الثبوتي، وألا تكون العلّة المتعدّية هي المحل أو جزءاً منه". وقالوا بلزوم انتفاء الحكم بانتفائها، وبأن تكون أوصافها مسلمة أو مدلولاً عليها، وأن يكون الأصل المقيس عليه معلّلاً بالعلّة التي يعلق عليها الحكم في الفرع

стр. 736

بنص أو إجماع، وألا تكون موجبة للفرع حكماً، وللأصل حكماً آخر، وألا توجب ضدَّين، وقيل: أن لا يتأخّر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل. ومما اتفقوا عليه أن يكون طريق إثباتها شرعياً كالحكم. وقال الأكثرون: إنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدّرة. واشترطوا في العلّة المستنبطة ألا ترجع على الأصل بإبطاله أو إبطال بعضه. وألا تُعارَض بمعارض منافٍ موجود في الأصل. وألا تكون معارضة لعلّة أخرى تقتضي نقيض حكمها. وألا تكون موجبة لإزالة شرط تضمّنه الأصل. وألا يكون الدليل على العلّة متناولًا لحكم الفرع - لا بعمومه ولا بخصوصه - لاستغنائه عن القياس في مثل هذه الصورة. وألا تكون العلّة مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالإثبات على أصل منصوص عليه بالنفي (١). ومن يتتبع هذه الشروط المعتبرة وغيرَها، ويقف على مسالك العلّة، يتضحْ له أن القول بالقياس ليس ابتداعاً أو بُعداً عن أصول الشريعة. ومن أجل هذا قال الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "لا أحسب لمن يتطرّقه شك، في قبول الأحكام للقياس، حساباً من سعة النظر في الشريعة، ولا أعدّه إلا عاكفاً على تلقّي الجزئيات المأثورة، دون شعور بجهات الاتحاد بين متماثلها في

стр. 737

الأحكام، ولا أحسبه إلا متحيّراً عند تطلّب أحكام لصور وأعمال غير ثابتة في الآثار أحكامٌ لها، وأنه لا يلبث إلا أن يجد نفسه مضطراً للقياس، وإذا افتقد نفسه وجد نفسه قد قاس" (١). والمعدول عن سُنن القياس، أو الخارج عنه قسمان: القسم الأول: ما لا يعقل معناه، وهو ضربان: الأول ما استثني من قاعدة عامة وخصص بالحكم كقبول شهادة خزيمة وحده فيما لا تقبل فيه شهادة الواحد. والثاني ممّا لا يقاس عليه كأعداد الركعات وتقدير نصب الذكوات ومقادير الحدود والكفارات. القسم الثاني: ما شُرع ابتداءً ولا نظير له فلا يجري فيه القياس. وهو ضربان أيضاً: الضرب الأول: ما له معنًى ظاهر كرخص السفر. الضرب الثاني: ما ليس له معنًى ظاهر كالقسامة. واشترطوا ألا يصار إلى القياس إلا عند الضرورة. فلا يُقدَم عليه إلا بعد البحث عن الحكم في النصوص المعروفة من كتاب أو سُنة، أو في إجماع، أو قول معتمد لمن سبق من أصحاب الرسول ﷺ . وانقسم الفقهاء حول التعليل، فأجازه جمهورهم، ونفته الظاهرية ومن تبعها.

стр. 738

التعليل عند المتكلمين: أصل الاختلاف في قضية التعليل راجع إلى ما كان عليه المتكلمون من افتراق في الرأي. فالمعتزلة، كما قدمنا، قالت بوجوب تعليل أفعال الله تعالى، ووجوب اشتمالها على مصالح هي غرضه من الفعل. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). وذهبت الماتريدية وبعض الأشاعرة وجماعةٌ من المحقّقين إلى أن أفعال الله تعالى كلَّها معلّلة بالمصالح على سبيل التفضّل والإحسان. وهذا ما تقتضيه حكمته التامة ورحمته الواسعة. ونفت الأشاعرة تعليل أفعال الله نفياً تاماً. وقالوا باستحالة أن يكون فعله سبحانه لغرض أو علة غائية. ودليلهم أنه لو كان فعله لغرض للزم أن يكون مستفيداً من غرضه ذلك، ضرورة أن وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه. فيكون مستفيداً من تلك الأولوية. ويلزم من كون ذلك الغرض سبباً في فعله أن يكون هو ناقصاً في فاعليته، محتاجاً إلى حصول السبب. وأجيب بأن لزوم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل. وأمّا إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فلا. وسبق رد هذا الجواب للفخر بقوله: إذا كان الإحسان أرجحَ من غيره وأولى لزمت الاستفادة. وقال الإمام الأكبر: وهذا الرد باطل، لأن الأرجحية لا تستلزم الاستفادة أبداً، بل إنما تستلزم تعلق الإرادة. وإنما تلزم الاستفادة لو ادعينا التعيّن والوجوب. وسلك مثل هذا المسلك في الردِّ

стр. 739

عليهم ابن القيم (١)، ومحمد بخيت المطيعي (٢). وقال الكمال بن الهمام متأوِّلًا مقالتهم، مشيراً إلى أن قولهم: "يجب على الله الأصلح" هو كقولنا: ينبغي ألا يتَّصف بنقص، ويجب وقوعُ الوعد. وليس المراد من الوجوب القهر والإلزام (٣). وينتفي التشنيع على الأشاعرة بتفسير الوجوب بغير ما يتبادر إلى الأذهان. فقد ذكروا أن الوجوب عندهم يثبت بترك نقص في نظر العقل أي بسبب ترك قيام الداعي إلى الفعل. وبهذا يصبح الخلاف بينهم وبين الماتريدية خلافاً لفظياً. رد الشيخ ابن عاشور على الأشاعرة: ردّ الشيخ ابن عاشور على مقالات المنكرين للتعليل وعلى أدلة النفي عندهم، وحمل اللام في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا

стр. 740

فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) على التعليل، ونبّه إلى أنها دلّت على أن ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان لأجل الناس. وفي هذا تعليل للخلق، وبيان ثمرته وفائدته. وهنا تثار مسألة تعليل أفعال الله وتعلّقها بالأغراض. وهي ناشئة عن إرادة واختيار، وهي على وفق علمه، وأن جميعها مشتمل على حِكم ومصالح، وأن تلك الحِكم هي ثمرات لأفعاله ناشئة عن حصول الفعل، وأنها بحصولها عند الفعل تثمر غايات. الوجوب والغرض: وذهب الأصوليون إلى المقارنة بين مذهب المعتزلة والجمهور في القول بالوجوب والغرض. أما الوجوب الذي ادعته المعتزلة فتمثل في أفعالٍ عدَّة منها: (١) اللطف؛ وهو الفعل الذي يقرّب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، ولا يبلغ حدّ الإلجاء. ومثاله: بعثة الأنبياء. (٢) الإثابة على الطاعة، والعقاب على المعصية. (٣) عقاب العاصي على معصيته زجراً له. (٤) تعويض العبد عما يحدث له من آلام. والجواب على هذا: أنا معشر أهل السُّنة لا ندين الله بما زعموه، وأن ما ندين الله به هو اعتقاد أن الله سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يُسأل عما يفعل. ويظهر أن مردّ هذه القضية الكلامية مسألة "ما يجب على الله
следующие страницы →