← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

بنص أو إجماع، وألا تكون موجبة للفرع حكماً، وللأصل حكماً آخر، وألا توجب ضدَّين، وقيل: أن لا يتأخّر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل. ومما اتفقوا عليه أن يكون طريق إثباتها شرعياً كالحكم. وقال الأكثرون: إنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدّرة. واشترطوا في العلّة المستنبطة ألا ترجع على الأصل بإبطاله أو إبطال بعضه. وألا تُعارَض بمعارض منافٍ موجود في الأصل. وألا تكون معارضة لعلّة أخرى تقتضي نقيض حكمها. وألا تكون موجبة لإزالة شرط تضمّنه الأصل. وألا يكون الدليل على العلّة متناولًا لحكم الفرع - لا بعمومه ولا بخصوصه - لاستغنائه عن القياس في مثل هذه الصورة. وألا تكون العلّة مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالإثبات على أصل منصوص عليه بالنفي (١). ومن يتتبع هذه الشروط المعتبرة وغيرَها، ويقف على مسالك العلّة، يتضحْ له أن القول بالقياس ليس ابتداعاً أو بُعداً عن أصول الشريعة. ومن أجل هذا قال الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "لا أحسب لمن يتطرّقه شك، في قبول الأحكام للقياس، حساباً من سعة النظر في الشريعة، ولا أعدّه إلا عاكفاً على تلقّي الجزئيات المأثورة، دون شعور بجهات الاتحاد بين متماثلها في

стр. 737

الأحكام، ولا أحسبه إلا متحيّراً عند تطلّب أحكام لصور وأعمال غير ثابتة في الآثار أحكامٌ لها، وأنه لا يلبث إلا أن يجد نفسه مضطراً للقياس، وإذا افتقد نفسه وجد نفسه قد قاس" (١). والمعدول عن سُنن القياس، أو الخارج عنه قسمان: القسم الأول: ما لا يعقل معناه، وهو ضربان: الأول ما استثني من قاعدة عامة وخصص بالحكم كقبول شهادة خزيمة وحده فيما لا تقبل فيه شهادة الواحد. والثاني ممّا لا يقاس عليه كأعداد الركعات وتقدير نصب الذكوات ومقادير الحدود والكفارات. القسم الثاني: ما شُرع ابتداءً ولا نظير له فلا يجري فيه القياس. وهو ضربان أيضاً: الضرب الأول: ما له معنًى ظاهر كرخص السفر. الضرب الثاني: ما ليس له معنًى ظاهر كالقسامة. واشترطوا ألا يصار إلى القياس إلا عند الضرورة. فلا يُقدَم عليه إلا بعد البحث عن الحكم في النصوص المعروفة من كتاب أو سُنة، أو في إجماع، أو قول معتمد لمن سبق من أصحاب الرسول ﷺ . وانقسم الفقهاء حول التعليل، فأجازه جمهورهم، ونفته الظاهرية ومن تبعها.

стр. 738

التعليل عند المتكلمين: أصل الاختلاف في قضية التعليل راجع إلى ما كان عليه المتكلمون من افتراق في الرأي. فالمعتزلة، كما قدمنا، قالت بوجوب تعليل أفعال الله تعالى، ووجوب اشتمالها على مصالح هي غرضه من الفعل. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). وذهبت الماتريدية وبعض الأشاعرة وجماعةٌ من المحقّقين إلى أن أفعال الله تعالى كلَّها معلّلة بالمصالح على سبيل التفضّل والإحسان. وهذا ما تقتضيه حكمته التامة ورحمته الواسعة. ونفت الأشاعرة تعليل أفعال الله نفياً تاماً. وقالوا باستحالة أن يكون فعله سبحانه لغرض أو علة غائية. ودليلهم أنه لو كان فعله لغرض للزم أن يكون مستفيداً من غرضه ذلك، ضرورة أن وجود ذلك الغرض أولى بالقياس إليه من عدمه. فيكون مستفيداً من تلك الأولوية. ويلزم من كون ذلك الغرض سبباً في فعله أن يكون هو ناقصاً في فاعليته، محتاجاً إلى حصول السبب. وأجيب بأن لزوم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل. وأمّا إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فلا. وسبق رد هذا الجواب للفخر بقوله: إذا كان الإحسان أرجحَ من غيره وأولى لزمت الاستفادة. وقال الإمام الأكبر: وهذا الرد باطل، لأن الأرجحية لا تستلزم الاستفادة أبداً، بل إنما تستلزم تعلق الإرادة. وإنما تلزم الاستفادة لو ادعينا التعيّن والوجوب. وسلك مثل هذا المسلك في الردِّ

стр. 739

عليهم ابن القيم (١)، ومحمد بخيت المطيعي (٢). وقال الكمال بن الهمام متأوِّلًا مقالتهم، مشيراً إلى أن قولهم: "يجب على الله الأصلح" هو كقولنا: ينبغي ألا يتَّصف بنقص، ويجب وقوعُ الوعد. وليس المراد من الوجوب القهر والإلزام (٣). وينتفي التشنيع على الأشاعرة بتفسير الوجوب بغير ما يتبادر إلى الأذهان. فقد ذكروا أن الوجوب عندهم يثبت بترك نقص في نظر العقل أي بسبب ترك قيام الداعي إلى الفعل. وبهذا يصبح الخلاف بينهم وبين الماتريدية خلافاً لفظياً. رد الشيخ ابن عاشور على الأشاعرة: ردّ الشيخ ابن عاشور على مقالات المنكرين للتعليل وعلى أدلة النفي عندهم، وحمل اللام في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا

стр. 740

فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) على التعليل، ونبّه إلى أنها دلّت على أن ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان لأجل الناس. وفي هذا تعليل للخلق، وبيان ثمرته وفائدته. وهنا تثار مسألة تعليل أفعال الله وتعلّقها بالأغراض. وهي ناشئة عن إرادة واختيار، وهي على وفق علمه، وأن جميعها مشتمل على حِكم ومصالح، وأن تلك الحِكم هي ثمرات لأفعاله ناشئة عن حصول الفعل، وأنها بحصولها عند الفعل تثمر غايات. الوجوب والغرض: وذهب الأصوليون إلى المقارنة بين مذهب المعتزلة والجمهور في القول بالوجوب والغرض. أما الوجوب الذي ادعته المعتزلة فتمثل في أفعالٍ عدَّة منها: (١) اللطف؛ وهو الفعل الذي يقرّب العبد إلى الطاعة، ويبعده عن المعصية، ولا يبلغ حدّ الإلجاء. ومثاله: بعثة الأنبياء. (٢) الإثابة على الطاعة، والعقاب على المعصية. (٣) عقاب العاصي على معصيته زجراً له. (٤) تعويض العبد عما يحدث له من آلام. والجواب على هذا: أنا معشر أهل السُّنة لا ندين الله بما زعموه، وأن ما ندين الله به هو اعتقاد أن الله سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يُسأل عما يفعل. ويظهر أن مردّ هذه القضية الكلامية مسألة "ما يجب على الله

стр. 741

فعله". والحق أنه لا يجب على الله تعالى فعل أيّ شيء. فإن فعلَ الشيءِ يكون لغرضٍ، ولا كذلك فعله سبحانه. وفصّل المتكلمون القول في هذا وذكروا: أن الغرض إمّا أن يكون راجعاً لله تعالى وهو باطل لتنزهّه عن ذلك، وإمّا أن يكون راجعاً إلى العبد المكلف في الدنيا أو في الآخرة. فأمّا في الدنيا فهو مشقة بلا خطر، وأمّا في الآخرة فإمّا أن يكون الغرض إضرار المطيع، وهو قبيح من الجواد الكريم، فوق أنه باطل بالإجماع، وإمّا أن يكون الغرض نفعَه، وهو المطلوب. فإن إيصال ذلك النفعِ حينئذٍ واجب لئلا يلزم نقض الغرض (١). رد الجويني على الأشاعرة: وأبطل إمام الحرمين ما ذهب إليه منكرو التعليل. وقال: نحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتُهم، تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عدّ، ولا يحويها حدّ. فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة، والوقائع تترى، والنفوس إلى البحث طُلعة، وما سكتوا عن واقعة صائرين إلى أنه لا نصّ فيها، والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصاً وظاهراً، بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغَرفة من بحر لا تنزفه. وعلى قطعٍ نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعِنّ لهم، في غير ضبط ولا ربط، وملاحظةِ قواعدَ متَّبعةٍ عندهم. وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله، فإن لم يُصادفوه فتَّشوا في سُنن رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدوها اشتوَرُوا، ورجعوا إلى الرأي.

стр. 742

ويمضي الجويني في الرد على مقالة الأشاعرة بقوله: والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف مذاهبهم، في مواقع الظنون، ومواضع التحرّي، ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي، وإنّما كان بعضهم يعترض على بعض ويدعوه إلى ما يراه هو. ولو كان الاجتهاد حائداً عن مسالك الشريعة لأنكره منهم منكر. وإذا لاح المعنى فترديد العبارات عنه هيِّن (١). وبيّن الإمام الأكبر محل النزاع في هذا الموضوع قائلاً: ويترجّح عندي أن هاته المسألة اقتضاها طرد الأصول في المناظرة. فإن الأشاعرة لما أنكروا وجوب فعل الصلاح والأصلح أورد عليهم المعتزلة أو قدّروا هم في أنفسهم أن يورد عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئاً إلا لغرض وحكمة. ولا تكون الأغراض إلا لمصالح، فالتزموا بأن أفعال الله تعالى لا تناط بالأغراض ولا يعبّر عنها بالعلل (٢). وينبئ عن هذا أنهم لما ذكروا هذه المسألة ذكروا في أدلتهم الإحسان للغير ورعي المصلحة وهناك سبب آخر لفرض المسألة وهو التنزه عن وصف أفعال الله تعالى بما يوهم المنفعة له أو لغيره وكلاهما باطل لأنه لا ينتفع بأفعاله، ولأن الغير قد لا يكون فعل الله بالنسبة إليه منفعة. وزاد ابن أبي الشريف بياناً لموقف الأشاعرة وَرَدَّ عليه بقوله: إنا لا نزال نسائلهم عن معنى قولهم (المعتزلة): إنه وجب لفائدة الخلق، ويطلق عليه عندنا أنه تعليل، وأن الحكم المعلل هو الوجوب. ونحن نطالبهم بتفهيم الحكم وبيانه.

стр. 743

ويطلق الوجوب والغرض - السابق ذكرهما - وهما معدومان. فإن أرادوا معنى آخر فليفسروه أولاً، ثم ليذكروا علّته، فعسانا ألا ننكره عليهم .. وأردف الكمال ابن الهمام قائلاً: "واعلم أنهم (أي المعتزلة) يريدون بالواجب الفعل الذي يثبت بتركه نقص في نظر العقل. وثبوت النقص بسبب ترك مقتضى الداعي إلى ذلك الفعل، وهو كمال القدرة والغنى المطلق مع انتهاء الصارف عن ذلك الفعل. فتركه المراعاةَ المذكورة مع ذلك بُخل، يجب تنزيه الله عنه" (١). وأضافوا في الاحتجاج على دعواهم، وعلى وجوب الأصلح عليه سبحانه قولهم: "إن الله تعالى كلَّف عبده بأنواع التكاليف. فهو إمّا أن يكون قد كلفه لا لغرض البتة، وهو باطل .. ، وإمّا كلفه لغرض. وبنفي قولهم يلزم من عدم الغرض المفيت، أو تحققاً أنه لنفع قوم كالمؤمنين، وضرر لقوم كالكافرين، فإن سُلَّم أنه لغرض، فليس يلزم أن يكون على سبيل الوجوب والحتم، بل تفضلاً على الأبرار وعدلاً بالنسبة إلى الفجار" (٢). الأصوليون والتعليل: وقال الحسني حول هذه الطريق الموصّلة بالأقيسة إلى معرفة الأحكام الشرعية: والتعليل هو الأساس للتفكير التشريعي، إذ هو في الحقيقة استجلاء لمراد الشارع من الحكم، وطريق كاشف عن طابع معقولية الأحكام من قبل أن الله ذكر السبب الموجب للحكم (٣). وإنه لمن الضروري أن ننبّه إلى أن الأصوليين رغم اتفاق جمهورهم على التعليل لم يسيروا في ذلك على وجه واحد، بل انقسموا في ذلك إلى فئات أربعة:

стр. 744

الأولى: تقول بما قال به إمامها، وهو الشافعي، بأن الأصل أن يبقى عدم التعليل حتى يقوم الدليل على خلافه. الثانية: هي التي ترى التعليل جائزاً بكل وصف صالح لإضافة الحكم إليه، حتى يوجد مانع من البعض. الثالثة: ذهبت إلى أن الأصل التعليل بالوصف. ولا يتم هذا إلا بوجود دليل يميّز الصالح من الأوصاف للتعليل عن غير الصالح منها. الرابعة: هي القائلة بأن الأصل في النصوص هو التعبد دون التعليل (١). وفي ردّ ابن عاشور على مقالة الأشعري تولّى الإمام الأكبر من جهته تلخيصَ مقالة الأشعري بالوجه الذي أورده الفخر في تفسيره. وعلّق عليها بقوله: الحاصل أن الدليل الذي استدلوا به يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين: أولاهما قولهم: إنه لو كان الفعل لغرض للزم أن يكون الفاعل مستكملاً به. وهذه سفسطة شُبِّهَ فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل، والراجع إلى ما يناسبه من الكمال، لا توقف كماله عليه. ثانيتهما قولهم: إذا كان الفعل لغرض كان الغرض سبباً يقتضي عجز الفاعل. وهذا شُبِّه فيه السببُ الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العلم. وكلاهما يطلق عليه سبب (٢).

стр. 745

وأردف ابن عاشور بعد تقرير مذهبه في القول بالتعليل بأن تعليل الأحكام ضرورة خاصة في المعاملات. وبعد أن كان اختيار الفقهاء هو الاقتصار في الاستدلال على ألفاظ الكتاب والسُّنة وأفعال النبي ﷺ وسكوته والإجماع، انتبهوا إلى أن مِن تلك الأحكام ما هو كلّي كقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار"، ومنها ما هو جزئي كقوله ﷺ : "أمسك يا زبير". وللتوصّل إلى مختلف الأحكام بأنواعها يذكر الشيخ طرائق الفقهاء في انتزاع الفروع؛ فهو إما يكون بطريق تحقيق المناط فتكون الأحكام المستنبطة كلّية، وإمّا بطريق القياس فتكون الأحكام جزئية على تفاوت بين الملحقات بسبب ظهور الأوصاف التي بها الشبه، وبسبب خفائها لتفاوت مسالك العلّة من جانب آخر. وبهذا تظهر المعلّلة والتعبّدية. فالأولى هي ما كثر الحديث فيها والتفصيل لها في كتب الأصول والفقه، والثانية هي ما ثبت عن الشارع موقَناً به، ولا يقف المجتهد على مراد الشارع منه لخفائه (٢). يرى الشيخ ابن عاشور في قضية التعليل أنها تُحدّد بذكر مدى حصولها في مختلف الأحكام العبادية وأحكام المعاملات. والأصل المتعارف عليه بين فقهاء المذاهب هو اعتبار العبادات قائمة على التعبّد، وهو غيرُ معقولية المعنى. ثبت هذا بالاستقراء. فمن يتتبع الأحكام الشرعية الدينية في العبادات مثل الوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج، في أوصافها وكيفياتها وشروطها وأوقاتها يعلم أنها لا تُدرك مناسباتها ولا تُعرف الدواعي إليها إلا على وجه الإجمال.

стр. 746

وبخلاف ذلك نجد أحكام المعاملات معلّلة، يدل على هذا الاستقراء، وإثبات العلل والمصالح اعتباراً وإلغاءً. وقد لا يكون بعضها معلّلاً. يشهد لهذا ما رواه البخاري عن أبي الزناد أنه قال: "إن السنن ووجوهَ الحقّ لتأتي كثيراً على خلاف الرأي فما يجد المسلمون بُدّاً من اتباعها. من ذلك أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة". وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "عجباً للعمة تُورَثُ ولا ترث" (١). وقد يظهر التعليل في بعض مسائل العبادات. كما يظهر التعبّد في بعض المعاملات. وهذا مبني على توسع النظر فيهما. قال الجويني: "ومما لا يلوح فيه للمستنبِط معنى أصلاً ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة يكون تصويره فيها، فإنه إن امتنع عن استنباط معنى جزئي فلا يمتنع تخيّله كلياً. ومثل هذا القسم العبادات البدنية المحضة" (٢). وذهب المقَّرِي في قواعده إلى عكس ما ذكره إمام الحرمين المبالغِ فيما ذهب إليه. فاستنباط علل الأحكام وضبط أماراتها لا ينبغي فيما كان سبيله التنقير عن الحكم لا سيما فيما ظاهره التعبّد، إذ لا يؤمن ما فيه من ارتكاب الخطر والوقوع في الخطأ. وحسب الفقيه من ذلك ما كان منصوصاً، وظاهراً أو قريباً من الظهور (٣). أما صاحب المقاصد فكان يجنح إلى التعليل كما تسنّى له ذلك.

стр. 747

وبعد استعراض مختلف الآراء، وما حصل من بعض الأئمة من التوسع يقول الإمام: وقد تفاوت المجتهدون في إثبات هذا النوع الأخير (التعبّدي)، وأوشكوا بعد خوضهم في التعليل والقياس إلى اعتبار أحكام الشريعة ثلاثة: ° قسم معلّل لا محالة: وهو ما كانت علّته منصوصة أو مُومَأً إليها أو نحو ذلك. ° وقسم تعبّدي محض: وهو ما لا يُهتدى إلى حكمته. ° وقسم متوسط بين القسمين: وهو ما كانت علّته خفية، واستنبط له الفقهاء علّة (١). العول: ومما دخله التعليل في زمن عمر مسألة العول في الميراث، رغم أن مقادير الفرائض مثبتة بنصّ القرآن، متلقاة عند الأمة تلقي التعبّدي من الأحكام. تدل على ذلك صورة التركة التالية: هلكت امرأة وتركت زوجها وأمها وأختها. قال العباس أو عليُّ بن أبي طالب: أرأيتَ لو أن رجلاً مات، وعليه لرجالٍ سبعةُ دنانير ولم يخلف إلا ستة دنانير، أليس يجعل المال سبعة أجزاء ويدخل النقص على جميعهم؟!. فصوَّبَهُ عمر ومن حضر من أصحاب رسول الله ﷺ . قال الإمام: فها هنا نراهم قد احتفظوا على معنى التعبّد في أصل إعطاء الجميع على نسبة واحدة، وفي عدم إهمال البعض من الورثة، ولكنهم لم يحتفظوا على معنى التعبّد في المقادير لتعذّر ذلك. فأدخلوا التعليل في هذا المكان خاصة.

стр. 748

وكان عبد الله بن عباس يرى خلاف ذلك. قال: النقص يدخل على الأخت من مقدار فرضها؛ لأنها أضعف من الزوج، ومن الأم لأنها قد تنتقل من أن تكون ذات فرض إلى أن تكون من العصبة أي مع البنات. فأبى ابن عباس من إدخال التعليل، ومن نقص فرضي الأم والزوج، وجعلَ الأخت تأخذ البقية بطريقة أن المال قد نفد. فلم يُعمِل التعليلَ هنا، ولكنه أعمل شيئاً من الترجيح بالتنظير (١). ويقرر الشيخ ابن عاشور بعد هذا: أن الواجب على الفقيه عند تحقّق كون الحكم تعبّدياً أن يحافظ على صورته فلا يزيد من تعبّديتها، ولا يُضيع ما بها من أصل التعبّدية. أما في المعاملات فهو - كما قدمنا - يوصي أئمة الفقه بأن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبّدية في تشريع المعاملات، وأن يوقنوا بأن ما ادُّعِي التعبّد فيه منها، إنما هو أحكام قد خَفِيت عللُها أو دقّت. وبناء على هذا فهو يدعو إلى رفع العنت عن الأمة قائلاً: إن كثيراً من أحكام المعاملات التي تلقّاها بعض الأئمة تلقَّي الأحكام التعبّدية قد عانى المسلمون من جرّائها متاعبَ جمة في معاملاتهم. وللخروج من هذا المأزق نجده يدعو إلى الاجتهاد في الأمر، بإجادة النظر في الآثار التي تتراءى منها أحكامٌ خفيت عللها ومقاصدها، ويمحص أمرَها. فإن لم يجد لها محملاً من المقصد الشرعي نظر في مختلف الروايات .. كما أن عليه أن ينظر إلى الأحوال العامة في الأمة، التي وردت تلك الآثار عند وجودها (٢). وإن مَن يعوزه ذلك يحقّ عليه أن يدعو نظراءه للمفاوضة في ذلك مشافهة ومراسلة .. ولا يجوز لهم عند العوز تجاوز المقدار

стр. 749

المأثور عن الشارع في ذلك الحكم، ولا يفرّعوا على صورته، ولا يقيسوا، فلا ينتزعوا منه وصفاً ولا ضابطاً ... وإذا جاز أن نثبت أحكاماً تعبدية لا علّة لها ولا يطلع على علّتها، فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأما هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبّدي، وعلى الفقيه استنباط العلل فيها (١). واعتقادي كما نبّه إلى ذلك الشاطبي: أن الحرص على التعليل في المعاملات يدل عليه الاستقراء من الشريعة لأنها وُضعت لمصلحة العباد. فالتعاليل التفاصيل في الأحكام في الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصى. وإذا دلّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم؛ فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة (٢). وجرى الإمام الأكبر على هذا النحو مع إضافة ملاحظة صغيرة. هي قوله: شريعة الإسلام جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل، أي في حاضر الأمور وعواقبها. وليس المراد بالآجل عنده أمور الآخرة؛ لأن الشرائع لا تحدِّدُ للناس سَيرهم في الآخرة، ولكن الآخرة جعلها الله جزاء على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا (٣). وفي هذا التفسير تنبيه على ما يترتب على التصرّفات من نتائج آنية فورية أو ما يعقبها، تكون صالحة أو فاسدة بحسب ما يترتب على مقدماتها. وإذا تقرر هذا، وأن الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني. فإذا وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع النصوص. فإن

стр. 750

قَدراً من المعاملات كطلب الصداق في النكاح، والذبح في المحلّ المخصوص في الحيوان المأكول، والفروض المقدرة في المواريث، وعدد الأشهر في العِدد الطلاقية والوفاوية يبقى محل اختلاف، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئية، حتى لا يقاس عليها غيرها (١). فأبو إسحاق الشاطبي يرى لزوم اعتبار التعبّدية فيها وفي نظائرها، ويقول: إن العلّة المطلوبة هي مجرّد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان (٢). وصاحب المقاصد يخالف بالطبع هذا الاتجاه بسبب ما قررناه من حرصه الكبير على تعليل الأحكام كما أمكن ذلك. واستدلَّ الشاطبي على رأيه هذا في مثل تلك الأحكام بقوله: ١ - إن السيد إذا أمر عبده لأجل مصلحة هي علّة الأمر بالفعل، يلزمه عقلاً الامتثال من حيث مجرد الأمر؛ لأن مخالفته قبيحة، ومن جهة اعتبار المصلحة أيضاً، فإن تحصيلها واجبٌ عقلاً بالفرض. ٢ - عدم القطع بمعقولية المعنى مستقلاً يقتضي اعتبارَ التعبّد في الحكم (٣). ٣ - حصول التعبّد بمعنى الامتثال والخضوع في تعليلات هذه الأحكام. من ذلك ما إذا سُئل الحاكم: لِم لا تحكم بين الناس وأنت غضبان؟ فقال: إني نهيت عن ذلك، أو بأن الغضب يشوش

стр. 751

عقلي، وهو مظنّة عدم التثبت في الحكم كان مصيباً أيضاً، وإن كان الجواب الأول جوابَ التعبّد المحض، والجواب الثاني جوابَ الالتفات إلى المعنى. وإذا جاز اجتماعهما وعدم تنافيهما جاز القصد إلى التعبّد. وإذا جاز القصد إلى التعبّد دلّ ذلك على أن هناك تعبداً، وإلا لم يصح توجّه القصد إلى ما لا يصلح القصد إليه من معدوم أو ممكن أن يوجد أو لا يوجد (١). ٤ - اختصاص الشارع بتعريف المصالح والمفاسد التي يقصدها باعتبار ما تحقّقه من جلب للأولى ودرء للثانية. وردّ على هذا الشيخُ شلبي بقوله: إذا كان كلام المستدِلّ صريحاً في أن الأصل من تشريع المعاملات والمقصود منها أولاً وبالذات هو تحصيل مصالح الناس، وأن اعتبار التعبّد فيها جاء من ناحية ورود النص بها. فمقتضى هذا أن تكون الأولى راجحة والثانية مرجوحة (٢). ونفى الشيخ ابن عاشور أدلّة الشاطبي في هذه القضية قائلاً: إن أبا إسحاق ذكر في المسألتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من النوع الرابع الجزء الثاني من كتاب المقاصد له، كلاماً طويلاً في التعبّد والتعليل معظمه غير محرّر ولا متّجه. وقد أعرضت عن ذكره هنا لطوله واختلاطه (٣). أهميّة التعليل: من المؤكد أن التعليل هو الأساس الذي يقوم عليه بناء

стр. 752

المقاصد. وهو يمثل طوراً من أطوار الارتقاء العلمي الذي يصل إليه الذهن. فإذا فُقد التعليل، وأَبطل الناسُ النظرَ في الترجيح ونحوه، ونزلت بالناس الحوادث واستجدّت، ولم يجدوا لهم من ذلك مخرجاً، فنزعوا إلى تلفيق الأحكام إما باستنباطها من كلام أئمتهم، وهو أمر غير جائز كما جاء في القاعدة الثانية قبل باب الصلاة من قواعد المقّري، وإما بالرجوع إلى عمل علمائهم في الأندلس وفاس وتونس. وذلك ما ردّه ابن العربي أيضاً ردّاً صريحاً فى كتابه العواصم (١). لهذا السبب يعتبر التعليل أساساً للفكر التشريعي، كما قدمنا (٢). ورغم ذلك نفى زعيم المدرسة الظاهرية بالأندلس الإمام ابن حزم التعليل والقياس، ودعا إلى ذلك صراحة في كتابه الإحكام حين قال: وممّا صَرَفَ عدداً من الناس غيرَ قليل، عن القول بتعليل الأحكام، ما كان يلحق المُثبتين له من تهمة الانحراف عن الحق، بما يلزمهم من الأخذ بمذهب المعتزلة المتمثل في القول بوجوب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى، وبتأويلهم الغرض بالمنفعة العائدة إلى الفاعل. فمن فسره بالمنفعة العائدة إلى الفاعل قال: لا تُعلّل، ولا ينبغي أن ينازع في هذا. ومن فسّره، أي الغرض، بالمنفعة العائدة إلى العبد قال: تُعلّل. وكذلك لا ينبغي أن ينازع فيه (٣).

стр. 753

ورغم أهمية القياس في التشريع واعتماده أصلاً من الأصول عند الأكثر، تباينت فيه بعض مواقف المتكلّمين وعلماء الأصول والفقهاء، وظهر ذلك في انقسامهم إلى مثبتين للعمل به، وإلى منكرين له مانعين منه. فالمذهب الظاهري هو متمسَّك نفاة القياس. وهو القائل بشمول النصوص وإغنائها عن القياس. وإنما أخذ بالقياس أهل الرأي الذميم الذين بنوا أحكامهم على القول في دين الله بغير علم (١)، وظنّوا أن النصوص قاصرة عن بيان جميع الحوادث، وأنها غير وافية بالأحكام ولا شاملة لها، وهم لا يقدرون على استجلائها والاستنباط منها، فقطعوا على الله بالظن. وكلا الأمرين مما حرمه الله علينا. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣). أما أهل الرأي السليم فهم الذين ناصروا المجتهدين كمناصرة المزني لجماعته المثبتين للقياس بقوله: إن الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهلم جرّاً، استعملوا القياس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم .. وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه والتمثيل. إصرار ابن حزم على رأيه واستدلاله على صحّة موقفه: أمعن ابن حزم في إنكار التعليل والقياس، وناقش مخالفيه في

стр. 754

كتابه الإحكام في أصول الأحكام، وجعل الفعل أهمَّ دليلٍ له في الغرض لقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١). وخلاصة مذهبه قوله: أخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه، وأن أفعاله لا يجري فيها لِمَ؟. وإذا لم يُحِلّ لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه وأفعاله: لماذا كان هذا؟ فقد بطلت الأسباب جملة، وسقطت العلل البتة، إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمر كذا لأجل كذا، وهذا أيضاً مما لا يُسأل عنه. فلا يحلّ لأحد أن يقول: لم كان هذا السبب لهذا الحكم، ولم يكن لغيره؟. ولا أن يقول: لِمَ جُعل هذا الشيء سبباً دون أن يكون غيره سبباً أيضاً؟ لأن في فعل هذا السؤال عصياناً لله، وإلحاداً في الدين، ومعارضة لقوله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ فمن سأل الله عما يفعل فهو فاسق. فوجب أن تكون العلل كلها منفية عن الله ضرورة (٢). ولم يتكلّف الشيخ ابن عاشور كبير جهد لإبطال الاستدلال بالآية، واكتفى بالتنبيه على أن سياق الآية هو إثباتُ التوحيد وتفنيدُ الشرك. وأنَّ تقَدُّمَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ على ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ اقتضته مناسبة الحديث عن تنزهه سبحانه عن الشركاء. والسؤال هنا بمعنى المحاسبة، وطلب سبب بيان الفعل، وإبداء المعذرة عن فعل بعض ما يفعل، وتخلّص من ملام أو عتاب على ما يفعل (٣). وعلى هذا لا يمكن تعميم عدم السؤال ليتوصّل إلى البحث عن علل الأحكام الشرعية. وإنما اختلف العلماء بعد ذلك في القياس في الأمور الشرعية. فانصرف الجمهور إلى أن التعبّد بالقياس جائز عقلاً، واجبٌ العملُ به شرعاً.

стр. 755

وقال القاساني والنهرواني وداود بن علي الظاهري: التعبّد بالقياس واجب شرعاً إذا كان حكم الأصل منصوصَ العلّة (١) إمّا بتصريح اللفظ أو بإيمائه. وذلك كأن يقول الشارع: الخمر حرام للإسكار فيقاس النبيذ عليها. وكذلك إذا كان الفرع أولى بالحكم من الأصل، مثل قياس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء في الكل، يثبت له التحريم. فإن الضرب أولى بالتحريم من التأفّف، لشدّة الإيذاء فيه. وفي غير هاتين الصورتين يحرم العمل بالقياس. ولا دخلَ للعقل في الإيجاب ولا في التحريم. وذهب ابن حزم وأتباعه إلى أن التعبّد بالقياس جائز عقلاً، ولكن الشرع لم يوجد فيه ما يدلّ على العمل به. وقالت الشيعة الإمامية والنظّام في أحد النقلين عنه: إن التعبّد بالقياس محال عقلاً (٢). التعبّدي: يقابل المعلل من الأحكام، في عُرف الفقهاء والأصوليين، التعبّدي منها. وهي أمران:

стр. 756

الأول: أعمال العبادة والتنسك. الثاني: الأحكام الشرعية التي لا يظهر للعباد في تشريعها حكمة غير مجرد التعبّد. وذهب أكثر العلماء إلى أن المشروعات من التَعبُّديات كانت لحكمة. ودليل ذلك استقراء تكاليف الله على كونها جالبة للمصالح دارئة للمفاسد. وتقدم للشاطبي ممّا أوردناه من قوله: "إن كل الأحكام الشرعية معلّلة بمصالح العباد في الدنيا والآخرة". وهذا مذهب المعتزلة واختيار أكثر الفقهاء المتأخّرين. وقال ابن القيم: شرع الله العقوبات ورتّبها على أسبابها، جنساً وقدراً. فهو عالِم الغيب والشهادة وأحكم الحاكمين وأعلم العالِمين. أحاط علماً بوجوه المصالح دقيقها وجليلها، خفيِّها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم. وليست التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحِكم والغايات المحمودة، كما أن التخصصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك (١). أما الغزالي فقد بيّن حكم تشريع التعبّديات بقول مجمل غير مفصّل، قال: وظّف الله على العباد أعمالاً لا تأنسُ بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول. وبها يظهر كمال الرق والعبودية لله. وأكثر ما يكون من التعبّديات في أصول العبادات، وفي نَصب أسبابها، وفي الحدود والكفارات، وفي التقديرات العددية بوجه عام. وقال العزّ بن عبد السلام: يجوز أن تجرد التعبديات عن جلب المصالح ودرء المفاسد. ثم يقع الثواب عليها، بناء على الطاعة

стр. 757

والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب، وفي درء مفسدة غير مفسدة العصيان، فتحصّل من هذا أن الثواب قد يكون على مجرد الطواعية من غير أن تحصّل تلك الطواعية جلب مصلحة أو درء مفسدة سوى مصلحة أجر الطواعية (١). وكما اتضح ما بين المذاهب من اختلاف في القول بالتعليل ينبغي أن نرتِّب على ذلك اختلافها في العمل بالقياس. حكم القياس: ذهب الجمهور إلى القول بالتعبّد بالقياس عقلاً. وهو قول الأئمة الأربعة وأكثر الفقهاء والمتكلمين. وبه قال السلف الصالح من الصحابة والتابعين. واختلفوا في التعبّد به شرعاً. فالأكثر على ثبوته بدليل السمع، وقيل: بدليل العقل. ويشهد لهذا قول الباجي: والدليل [العقلي] على جواز التعبّد بالقياس أنه ليس في التعبّد به وجه من وجوه الإحالة يُعلمُ بضرورةٍ من تجويز الجمع بين الضدّين، وكون الجسم الواحد في وقت واحد في مكانين مختلفين، وكون الخبر الواحد صِدقاً كَذِباً، وقلبُ الأشياء عن معانيها، وإخراجُ الأشياء عن صفات أنفسها. وما لم يكن فيه وجه من وجوه الإحالة [هذه] وجب أن يكون جائزاً (٢). وفصّل الغزالي القول في ذلك فقال: إن الذي ذهب إليه الصحابة بأجمعهم وجماهيرُ الفقهاء والمتكلمين من بعدهم أن التعبّد به شرعي. وأنكر أهل الظاهر وقوعَه، بل ادَّعَوا حظرَ الشارع له (٣).

стр. 758

ولبيان أوجه الاختلاف، ولكون القياس من العمل بالرأي يتعيّن علينا أن نقف قليلاً، تمهيداً وتفصيلاً لما ورد في الرأي من أقوال تجعل منه الباطل الذميم المردود، والصحيح المقبول المعتمد المحمود، والمشتبه فيه المحتاج إلى توقّف ومتابعة نظر وتدبّر. العمل بالقياس: عَمِلَ الرسول ﷺ بالقياس. يدلّ على هذا ما روي عنه من حديث أبي ذرّ وغيره. فقد قال لمن سأله مستغرباً: أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر! قال: "أرأيت لو وضعها في حرام أكان يأثم؟ " قال: نعم. قال: "فكذلك يؤجر. أفتجيزون بالشر ولا تجيزون بالخير"!. والحديث جزء من حديث: "ذهب أهل الدثور بالأجور". وهو من قياس العكس. ومنه حديث القُبلة من الصائم. قال رسول الله ﷺ مجيباً عمر عن ذلك لما سأله: "أرأيت لو تمضمض ماء ومجّه وهو صائم". فقال عمر: لا بأس. قال: "فكذلك هذا". ومثله حديث الخثعمية في الحج عن أبيها. قال رسول الله ﷺ : "أرأيتِ لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ذلك ينفعه؟ ". قالت: نعم. قال: "فدَين الله أحق" (١). وائتسى أكثر الفقهاء من عهد الصحابة إلى اليوم بما كان من رسول الله ﷺ في ذلك، وعملوا بالقياس فيما يصح فيه القياس من الأحكام، شرطَ استكمال الشروط. وأجمعوا على ذلك. قال المزني: يستعمل الفقهاء القياس في الفقه في جميع الأحكام من أمر

стр. 759

دينهم وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل. فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. وأتى ابن عبد البر بالعديد من الأقيسة المجمع عليها (١). والقياس من الدين، وهو حجة عند الثقات من العلماء. ورُتبته بعد الكتاب والسُّنة والإجماع. قال ابن عقيل الحنبلي: قد بلغ القياس التواتر المعنوي عند الصحابة. وهو يفيد القطع. ففي زمنه ﷺ تقرّر القياس وأصولُه مع قوادحه (٢). وقالت طائفة: إن القياس من الرأي، تريد المنع منه والصرف عنه، لما رواه أبو هريرة عن الرسول ﷺ من قوله: "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسُنة رسول الله ﷺ ، ثم تعمل بعد ذلك بالرأي، فإذا عملوا بالرأي ضلّوا". وقال عمر بن الخطاب: أصبح أهل الرأي أعداء للسنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها، فاشتقوا الرأي (٣). وفصّل القول في هذا جمهور العلماء فجعلوا الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه. وقد استعمل السلف الرأي الصحيح، فآمنوا به، وسوغوا القول به، وذمّوا الباطل ومنعوا من العمل به في الفتيا والقضاء، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله. والقسم الثالث جوزوا العمل به عند الاضطرار إليه، حيث لا

стр. 760

يوجد منه بد. ولم يلزموا أحداً العمل به ولم يحرّموا مخالفته ... وإنما خيّروا بين قبوله وردّه. ولعل هذا الرأي يستند إلى قول الشافعي فيما رواه الإمام أحمد عنه، وقد سأله عن القياس، فقال: عند الضرورة (١). ولخّص ابن عبد البر، ما يكون به الجمع بين المقالين، بقوله: الرأي المذموم المذكور في الآثار، عن النبي وعن الصحابة والتابعين، هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغالُ بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردُّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً، دون ردّها إلى أصولها، والنظر في عللها واعتبارها. فاستعمل فيها الرأي قبل أن تُنزَّل، وفُرَّغت وشُقّقت قبل أن تقع، وتُكلم فيها قبلَ أن تكون بالرأي المضارع للظن. وقالوا: ففي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل للسنن، وبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله ومعانيه (٢). ويقال: إن الشافعي وأحمد اشترطا في القياس شروطاً، وحذّرا من التعبّدية. فالشافعي يقول: لا يقيس إلا مَن جمع الأدلة التي له أن يقيس بها. وهي العلم بكتاب الله: فرضِه وأدبِه، ناسخِه ومنسوخِه، عامِه وخاصِه وإرشادِه. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسُنن رسول الله ﷺ . فإذا لم يجد سُنة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس. وموقف الإمام أحمد في الأخذ بالقياس يؤخذ من قوله في

стр. 761

توجيهه للفقهاء في عصره: يجتنبُ المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس، كان في الأثر ما يغني عن القياس. ومما يدل على خوفه من وقوع أكثر الناس في المحاذير تمسُّكُه الشديد المعروفُ بالآثار. وهو ما ينطق به مسنده. وذكر ابن قدامة أقوال الإمام مؤكداً أن ذلك لا يدل على رفضه القياس إطلاقاً (١). ولم تثر هذه المقالة ونحوُها إلا اهتماماً زائداً بالفتوى والقضاء. ويفسر هذا قولُ صاحب جامع العلم وفضله: إن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وإنه لا يجتهد إلا عالم بها. فمن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل. وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً فتدبّره (٢). وما من شك في كون المعتدِّ به من الأقيسة ما قاسه النبي ﷺ وتبعه عليه الصحابة، وما كانت عليه الجمهرة من المسلمين الذين أخذوا بالشروط المتقدمة المفصّلة للقياس. ولعل هذا النوع هو الذي وصفه الزهريّ بقوله: نعم وزير العلم الرأيُ الحسن. والفيصل في هذا قول مالك ﵀: "إنْ نَظُنُّ إلا ظنّاً وما نحن بمستيقنين". وقوله: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب. فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسُّنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسُّنة فاتركوه" (٣). ولم يساند مقالَة الظاهرية عامةُ الفقهاء لا من حيث الشكل والطريق، ولا من حيث ما يترتّب عليها من آثار لا تصحّ عندنا.

стр. 762

وهذا ما حمل ابن العربي على التعريض بها في أبيات منها: قالوا: الظواهر أصل لا يجوز لنا ... عنها العدول إلى رأي ولا نظرِ إن الظواهر معدود مواقعها ... فكيف تُحصي بيان الحكم في البشرِ فالظاهرية في بطلان قولِهم ... كالباطنية غَير الفرق في الصورِ (١) وتبع ابنُ عاشور ابنَ العربي مقيماً الحُجة على الظاهرية بإبطال لازم دعواها في قوله: وأنت إذا نظرت إلى أصول الظاهرية تجدهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحِكمة؛ لأنهم نفوا القياس والاعتبار بالمعاني. ووقفوا عند الظواهر فلم يتجاوزوها .. على أن أهل الظاهر يقعون في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكم من حوادث الأزمان. وهو موقف خطير يخشى على المتردّي فيه أن يكون نافياً عن شريعة الإسلام صلاحها لجميع العصور والأقطار (٢). القياس بين المثبتين والنُّفاة: يستدلّ المثبتون للقياس العاملون به على مذهبهم بالكتاب؛ بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣). ويستدلّون أيضاً بالسُّنة على القول بالقياس والعمل به، وبما قاله معاذ بن جبل في حواره مع الرسول ﷺ ، المنتهي إلى الاعتصام بالرأي. وذلك قوله: حين يُفقد الدليل من الكتاب والسُّنة: أجتهد برأيي ولا آلو (٤). ومثل هذا الحديث قوله ﷺ للأعرابي حين دخله الشك في

стр. 763

انتساب ولده إليه لسمرته: فلعل ابنك هذا نزعةُ عرق (١). استدل ابن حجر به لصحة القياس. وقال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير (٢). ومما استدل به المثبتون للقياس قول البزدوي: وعملُ أصحاب النبي ﷺ ومناظراتُهم في هذا الباب أشهر من أن يخفى على عاقل مميز. فإن طعن طاعن فيهم فقد ضلّ عن سواء السبيل ونبا عن الإسلام. ومن ادعى خصوصهم ادعى أمراً لا دليل عليه، بل الناس سواء في تكليف الاعتبار (٣). ومن استدلالهم بالنقل قولهم: إن القياس لا يترتّب على وقوعه محالٌ لذاته ولا لغيره. وكل ما كان كذلك كان جائزاً عقلاً. فالتعبّد بالقياس جائز عقلاً. ومن ذلك ما في التعبّد بالقياس من مصلحة لا تحصل بدونه. وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلاً. فالتعبّد بالقياس جائز عقلاً وكان أبو الهذيل العلاف من أشد الناس انتصاراً للقياس، وإلى الاجتهاد بالرأي في الأحكام (٤). وأما المعارضون للعمل بالقياس فلم يكن داود الظاهري أوَّل من وقف موقفهم من المثبتين للقياس، بل سبقه إلى ذلك النظَّام. وهو وإن لم يكن ينكر أن الشريعة شرعت لأسباب ومقاصد لكنه ينكر على العقل البشري قدرَته على معرفة كنهها. وهو لا ينكر أن العلّة النصِّيَّة توجب الإلحاق، ولكن لا بطريق القياس بل بطريق اللفظ

стр. 764

والعموم (١). وقد تبع النظَّامَ على مذهبه هذا بعضُ المعتزلة كبشر بن المعتمر، وإسحاق بن راهويه الذي كان على منهج المنكرين. وكان يقول معرضاً بخصومه: نبذوا كتاب الله وسُنة رسوله ولزموا القياس (٢). وحمل داودَ الظاهري على إنكار القياس ما رآه لدى المثبتين له من التطرّف والمغالاة. فمنهم من قدّم القياس على الإجماع. ومنهم من ردّ الحديث بالقياس. ومنهم من أوّل الآيات وحاد بها عن معانيها اعتباراً منه للرأي واعتداداً بالقياس. ويلخص داود الظاهري مذهبه بقوله: الحكم بالقياس لا يجب، والقول بالاستحسان لا يجوز (٣). وهو ينفي القياس في التوحيد والأحكام. ويقول: إن الأصول هي الكتاب والسُّنة والإجماع فقط. ومنع أن يكون القياس أصلاً من الأصول (٤). وإنكاره للقياس كان عاماً مطلقاً للجلي والخفيّ، وإن كان عند الحاجة الماسة إليه لا يرفضه ويسمّيه دليلاً. وهنا يفترق شيخا الظاهرية داود وابن حزم، فالثاني يصرّ على ظاهريته. وقد اشتهر عند الخاصة والعامة بتمسّكه أشد التمسّك بنفي القياس.

стр. 765

وأساس تفكير الطائفة الظاهرية تمسكها بالظاهر دون الباطن. قال علماء الأصول: الظاهر هو اللفظ باعتبار دلالته على معنى متبادر منه، وليس مقصوداً أصلياً بسوق الكلام، مع احتماله للتفسير والتأويل وقبوله للنسخ في عهد الرسالة (١). وكشف ابن حزم عن حقيقة الظاهر الذي انبنى عليه مذهبه بقوله: هو ظاهر اللفظ من ناحية اللغة، فلا يُصرَف اللفظ عن معناه اللغوي إلا لنص آخر أو إجماع. فإن نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له من دلالة في اللغة إلى معنى آخر بغير نص أو إجماع، فحكم ذلك النقل أنه باطل، ويعتبر تبديلاً لكلام الله (٢). ومن هنا ينطلق ابن حزم إلى القول بأن استخدام القياس في الأحكام الاجتهادية عملية عقلية بحتة تتنافى مع جوهر العقيدة الإلهية. ولو كان الدين بالعقل لجرت أحكامه على خلاف ما أتى به الكتاب والسُّنة. وكتبت طائفة من الأصوليين عن منكري القياس، فجعلت الرازي في مقدمة هؤلاء بزعمها أنه ينكر أن تكون أحكام الله معلّلة بعلّة البتة. قال الشوكاني: أحسب أن أهم من يصور هذا الاتجاه في الأصول هو داود الظاهري. وعنوَن الشيخ ابن عاشور لهذه المدرسة بمجدّدها ومدوّن مذهبها وواضع أصولها وقواعدها الإمام ابن حزم. وتحدث أهل العلم كثيراً عن إنكار ابن حزم للتعليل قبل أن يعلن عن مناوأته للقياس عند أهل الرأي. فهو الذي يقول: الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلّة صحيحة، والصحيح هو الذي يفعل لا لعلّة،

стр. 766

فقاسوا ربهم تعالى على أنفسهم. وقالوا: إن الله لا يفعل شيئاً إلا لصالح عباده. وراموا بذلك إثبات العلل في الفترات. قال أبو محمد: وتكاد هذه القضية الفاسدة التي جعلوها عمدة لمذهبهم، وعقدة تنحل عنها فتاواهم أن تكون أصلاً لكل كفر في الأرض. وأما على التحقيق فهي أصل لقول الدهرية والمانوية وقول من قال بالتناسخ، ومن أبطل النبوات (١). ومن شنيع قوله في ذلك تأويله لقول الله تعالى: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فيؤول الآية بقوله: فأخبر الله تعالى أن البحث عن علّة مرادِهِ ضلال؛ لأنه لا بد من هذا، أو من أن تكون الآية نهياً عن البحث عن المعنى المراد. وهذا خطأ لا يقوله مسلم، بل إن البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم، وعلى كل مسلم فيما يخصه. فصح القول الثاني ضرورةً ولا بد (٣). وردّ كثير من العلماء بشدّة على إنكار ابن حزم التعليل والقياس (٤)، ونقل إمام الحرمين عن المثبتين قولهم، وهو ما ذهب إليه ذوو التحقيق: إنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة. فإنهم مباهتون أولاً على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواتراً، ومن لا يزعه التَّواتُرُ ولم يحتفل بمخالفته، لم يوثق بقوله ومذهبه (٥). ولما حدد ابن عاشور موقفه من المثبتين للقياس، ومن

стр. 767

المنكرين له كابن حزم، أعلن مجافاتَه للظاهرية ومخالفتَه لها. وحمل المتمسكون بالظواهر النافون للقياس كثيراً من أهل السُّنة على سلوك مسلكهم اعتباراً للتعبّد. ووقع لهم من الجمود في استنباط الأحكام ما يشهد بفقدان الحس بالمقاصد لديهم، وعدم الاعتداد بها في ضبط الأحكام كلياً. ودليل ذلك أن من بينهم من تمسك يقول النبي ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف" (١) في قتل العَمد، وهذا لا يصحّ. فإن القتل العمد لا ينحصر في هذه الصورة. بل يحصل بعدة أسباب كالزهق بالخنق، والحرق بالنار، والذبح بقصب أو بما سواه. وهذه من الملحقات بالقتل بالسيف. وقد توقَّفَ بعضهم في الحكم بالقصاص في الصخرة تلقى من علُ على أحد المارة أو الجالسين على جنب الطريق قصداً فتقتلَه، وكذلك في ضرب الرأس بالدبوس، والإغراق مكتوفاً، والتجويع الأيام المتتالية. ويرجع تردّدهم في هذا الموقف إلى أخذ فقهائهم باللفظ أو بالوصف دون القصد، فيوشكون بتصرّفهم أن يبلغوا حد نفي الحِكْمة عن الشريعة التي أنيطت أحكامُها بها. وربما اضطرهم منهجهم الاجتهادي هذا إلى التوقّف عن إثبات الأحكام فيما لم يُروَ فيه من حوادث الزمان عن الشارع حكم. وفي هذا كل الخطر، وهو الإنكار لحقيقة ثابتة عن الشرع تقضي بأن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان. وهذا ما ينطق به قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وغيرُه من النصوص، وتشهد له العقول، أو تنتهي إليه، ويدركه ذوو الفهم بالحلال والحرام. ولم يَسلَم هذا الحكم: حكم الإمام على الظاهرية من معارضة ونقاش؛ لأنه كان انبنى على نقاط أساسية معتبرة، يجد في العصر

стр. 768

الحاضر منازعة شديدة تحمل بعض الدارسين على الحفاظ على رأي ابن حزم، وعلى تحليل تصوراته المبنية على نظريته الفقهية المتميزة. فقد كان ابن حزم كما قدّمنا يرى أن كثيراً من الأمثلة الفقهية التي انبنت طرقها الاستدلالية على التعليل تُردّ إلى النصوص. فهذه بمقتضى كمالها شاملة لكل الحوادث التي تأتي في كل العصور. أما طريق إفادتها للحكم فلا يمكن أن يخرج عن أصول الأحكام التي تُرَدّ عند ابن حزم إما لنص وإما لإجماع، وإما إلى دليل مولد منها ومفهوم من دلالتيهما. ويفسّر هذا أن الحكم يؤخذ لا بحمل يكون أساسه التعليل القياسي باستخراج علّة من النصّ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، بل بفهم النص في ذاته فهماً لا يحيد عن المعاني الواردة فيه. وبهذا يختلف المنهجان: منهج الجمهور ومنهج الظاهوية. وذلك بكون الأول يعتمد الحمل الظنّي الذي يؤسس على القياس الأصولي، وبكون الثاني ينطلق من عمليتي الفهم والتمييز للنصوص لا من القياس (١). ولا يخفى ما في الطريق الثاني من صعوبة شهد بها علماء الأصول والفقه، وما توقف فيه المجتهدون لكونه إذا اعتمد وحده لا يفي بالغرض في كثير من القضايا المستجدة. مجالات الإثبات والإنكار للقياس: وعلى أساس ما قدمنا يتضح أن من الأصوليين والفقهاء معتضدين بالقياس، معتمدين عليه وهم المثبتون، ومنهم معطّلون له، راغبون عن العمل به، وهم المنكرون.

стр. 769

وما من شك في أن من بين المثبتين، والمنكرين لحُجية القياس أئمةً، هم وإن كانوا من القسم الأول أو من القسم الثاني، فقد اختلفوا اختلافاً تميّزوا به عن نظرائهم من المثبتين أو النفاة. ويظهر هذا فيما انتحوه من اتجاهات في بعض القضايا والموضوعات. قال الأستاذ أبو منصور: اختلف المثبتون للقياس على أربعة مذاهب: ذهب عدد منهم إلى القول بثبوته في العقليات والشرعيات. وهو قول فقهاء الشافعية. ومنهم من أثبته في العقليات دون الشرعيات. وهو قول بعض الظاهرية. ومنهم من أثبته في الأحكام الشرعية التي ليس فيها نصّ ولا إجماع، ونفاه في العلوم العقلية. وهذا قول المعتدين المتمسكين بأن المعارف ضرورية. ومنهم من نفاه في العقليات والشرعيات جميعاً. وهو مذهب أبي بكر بن داود الأصفهاني (١). واعتمده القائسون فجعلوه دليلاً بالشرع. وجعله أبو الحسين البصري ومن أخذ برأيه دليلاً بالعقل، والأدلة السمعية وردت مؤكّدة له. وقال ابن الدقاق: يجب العمل به بالعقل والشرع. وهو ما جزم به ابن قدامة في الروضة.

стр. 770

أما المنكرون للعمل بالقياس فالنظَّام ومن تبعه من المعتزلة أمثال جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشّر والإسكافى. وقد انتهى هذا إلى داود الظاهري ثم إلى زعيم الظاهرية ابن حزم. * * * ومن قضايا الاختلاف في القياس إثباته في التوحيد ونفيه في الأحكام. وقال فقهاء الأمصار وسائر أهل السُّنة بالعكس فنفوه فى التوحيد وأثبتوه في الأحكام. وخالفهم داود بنفيه فيهما جميعاً. وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن داود النهرواني والمغربي والقاساني أن القياس محرّم شرعاً (١). القياس عند الظاهرية: دعت المدرسة الظاهرية إلى إبطال القياس كما أبطلت التعليل، واستبدلته بالدلالة الشرعية المستنبطة من النصوص عند سائر الفقهاء، عدا الباطنية. والدلالة المصطلح عليها لديهم تعرف بالدليل. والدليلُ عندهم دليل منطقي، مستمد من المصادر الثلاثة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع لا يتجاوز دلالةَ اللفظ ومفهومَ النص. وجوهر الدليل إخراج ما هو مضمّن في المقدمات، واستنتاج لما هو معطى سلفاً بكيفية جلية أو خفية من النص، استنتاجاً واستخراجاً يقينيين على أساس قاعدة اللزوم المنطقي (٢). ورتب سالم يفوت على تعريف الدليل هذا، معتمدِ الظاهرية،

стр. 771

القولَ بأن القياس الفقهي يفيد حكماً زائداً؛ لأن آليته أساسُها حمل ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، أو ربطُ جزء بجزء لعلّة أو شبَهٍ بينهما. وفي هذا تجاوز للنص وتحكّمٌ، نتيجتُه إضافة شرع جديد. وحجة الظاهرية على هذه الدعوى قول الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١)، والشريعة الإسلامية كاملة ليست في حاجة إلى إضافات كيفما كانت أشكالها وصورها وأساميها ما لم يكن لها أساس في النص نفسه. ولهذا قالوا: إن الدليل لا كالقياس لا يمثل إضافة شرع جديد إلى الشرع، بل هو إضفاء للمعقولية عليه وإخراج لما هو مضمّنٌ فيه (٢). وسبق إلى تحرير هذا الرأي الإمام ابن القيم في حديثه عن شمول نصوص الشريعة وغناها عن القياس، بانياً رأيه على مقدمتين: الأولى أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكِه، وجودةِ فكره وقريحته، وصفاء ذهنه ومعرفه بالألفاظ ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافاً متبايناً بحسب تباين السامعين في ذلك (٣). وتعرض لمثل هذا الأصوليون. قال الشوكانى: إن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً، وإن كان منصوصاً على علّته، أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به، مندرجاً تحته. وبهذا يهون عليك الخطب، ويصغر عندك ما استعظموه، ويقرب لديك ما أبعدوه؛ لأن

стр. 772

الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظياً. وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه. واختلاف طريقة العمل لا تستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً (١). وهذا المعنى وإن توهمه السابقون، فقد رده الرازي بقوله: إن هذا الأساس لزومي منطقي يعطي أحكامه الشرعية عند ابن حزم بالاعتماد على الأسس المنطقية. وهو ضروري لقيامه على عمليتي الفهم والتمييز المنصبَّيْن على النص، واللذين يشبهان بتوليد أو استنتاج أو تفريع دليل، توليداً واستنتاجاً وتفريعاً ضرورياً. وطريق الدليل الاستنباط والانتقال التدريجي من المقدمات إلى النتائج، بخلاف اللزوم المنطقي في القياس الأصولي الذي يكون الحمل فيه متجاوزاً لفظه. وهذه الطريقة الاستدلالية لاستنباط الأحكام عند الظاهرية تقتضي زيادة أصل آخر جهِله الفقهاء، سبيله القياس وموضوعه الدليل. وهو عمل القائسين الذين تجاوزوا حد القياس الأصولي، واتخذوا من الدليل الذي صوّروه وقالوا به أصلاً وطريقاً من طرق الاجتهاد عندهم. ويتعارض هذا مع حديث معاذ، كما يناقض رسالة ابن الخطاب إلى شريح قاضيه على الكوفة. لكن داود وابن حزم مضيا قدماً غير ملتفتين إلى هذين الأثرين، قادحين فيهما بالضعف والوضع. ويوضح أقوال أئمة السُّنة من القياس شيخ الإسلام تقي الدين الفتوحي الفقيه الأصولي الحنبلي في مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢).

стр. 773

حجية القياس: أدلة المثبتين: أغلب الجمهور مثبتون لحجية القياس بالكتاب، كما قدمنا، وهم مأذونون، في الآية، بالاعتبار بأفعال بني النضير وما نزل بهم. فلا تفعلوا ما فعلوا فتعاقبوا بما عوقبوا به. وفي الآية دليل على أن المسببات تابعة لأسبابها. والقياس الشرعي لا يخرج عن ذلك. وورد في القرآن ذكر علة تحريم الخمر. وهي ما يترتب على شربها من مفاسد دينية ودنيوية. وأخطر ما في ذلك وأقذعه إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس. وفي السُّنة مثل ذلك في حجية القياس وهو حديث معاذ (١). وفي رواية عن معاذ وأبي موسى أنهما أجابا رسول الله ﷺ وقد سألهما: كيف تقضيان إن لم تجدا الحكم في الكتاب والسُّنة؟، قالا: قسنا الأمر بالأمر؛ فما كان أقرب إلى الحق عملنا به (٢). ويمكن استفادة حجية العمل بالقياس من فتاواه ﷺ . وأجاز للرجل تقبيل امرأته وهو صائم: فإنه ألحقَ دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء. وهو عين القياس (٣). ومن أدلة المثبتين للقياس: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فَجَمَلوها وباعوها وأكلوا أثمانها". ومنها أيضاً قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادَّخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة فادخروها".

стр. 774

ومنها قوله ﷺ في الصيد: "فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على قتله" (١). وقد كان النبي ﷺ يذكر علل الأحكام والأوصاف المؤثّرة فيها ليدل على ارتباطها بها، وتعدّيها بتعدّي أوصافها وعللها كقوله في نبيذ التمر: "شجرة طيبة وماء طهور" (٢). وأما الصحابة فقد كانوا يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض، الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره ... وإن الحق ليعرف بالمقايسة عند ذوي الألباب (٣). وروى الخطيب مرفوعاً (والرفع غير صحيح) قال: وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم. كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلّوا العصر في بني قريظة. فاجتهد بعضهم وصلَّوها في الطريق. وقالوا: لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى، واجتهد الآخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها بعد غياب الشمس. فنظروا إلى اللفظ. وهؤلاء هم سلف أهل الظاهر، وأولئك هم سلف أصحاب المعاني والقياس. واستدل آخرون على حجية القياس بالعقل فقال البهاري: إن القياس حجة لحكم شرعي. وكل ما هو كذلك فالتعبّد به واقع لأنه طلب للعلم. ولذلك أثبته الحكماء والمتكلمون وقالوا بفرضيته إجماعاً (٤).

стр. 775

وقال البيضاوي: إن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللاً بالعلة الفلانية. ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع. يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم بحصول الوهم بنقيضه. وحينئذٍ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين، ولا أن يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعاً وعقلاً، فتعيّن العمل بالظنّ، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك (١). أدلة نفاة القياس: وأدلة نفاة القياس، وأبرزهم الظاهرية والإمامية، كثيرة. اعتمدوا في المنع على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣)، وقوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٤)، وقوله جل تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥). ولهم من السُّنة أحاديث أبطلوا بها قياسات لعمر وأسامة في شأن حلتين أرسل بهما النبي ﷺ إليهما فلبسها أسامة قياساً للبس على التملك والانتفاع والبيع وكسوتها لغيره وردها عمر قياساً لتملكها على لبسها. فأسامة أباح وعمر حرم قياساً فأبطل الرسول ﷺ كل
следующие страницы →