القولَ بأن القياس الفقهي يفيد حكماً زائداً؛ لأن آليته أساسُها حمل ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، أو ربطُ جزء بجزء لعلّة أو شبَهٍ بينهما. وفي هذا تجاوز للنص وتحكّمٌ، نتيجتُه إضافة شرع جديد. وحجة الظاهرية على هذه الدعوى قول الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١)، والشريعة الإسلامية كاملة ليست في حاجة إلى إضافات كيفما كانت أشكالها وصورها وأساميها ما لم يكن لها أساس في النص نفسه. ولهذا قالوا: إن الدليل لا كالقياس لا يمثل إضافة شرع جديد إلى الشرع، بل هو إضفاء للمعقولية عليه وإخراج لما هو مضمّنٌ فيه (٢).
وسبق إلى تحرير هذا الرأي الإمام ابن القيم في حديثه عن شمول نصوص الشريعة وغناها عن القياس، بانياً رأيه على مقدمتين: الأولى أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكِه، وجودةِ فكره وقريحته، وصفاء ذهنه ومعرفه بالألفاظ ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافاً متبايناً بحسب تباين السامعين في ذلك (٣).
وتعرض لمثل هذا الأصوليون. قال الشوكانى: إن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً، وإن كان منصوصاً على علّته، أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به، مندرجاً تحته. وبهذا يهون عليك الخطب، ويصغر عندك ما استعظموه، ويقرب لديك ما أبعدوه؛ لأن
стр. 772
الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظياً. وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه. واختلاف طريقة العمل لا تستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً (١).
وهذا المعنى وإن توهمه السابقون، فقد رده الرازي بقوله: إن هذا الأساس لزومي منطقي يعطي أحكامه الشرعية عند ابن حزم بالاعتماد على الأسس المنطقية. وهو ضروري لقيامه على عمليتي الفهم والتمييز المنصبَّيْن على النص، واللذين يشبهان بتوليد أو استنتاج أو تفريع دليل، توليداً واستنتاجاً وتفريعاً ضرورياً. وطريق الدليل الاستنباط والانتقال التدريجي من المقدمات إلى النتائج، بخلاف اللزوم المنطقي في القياس الأصولي الذي يكون الحمل فيه متجاوزاً لفظه.
وهذه الطريقة الاستدلالية لاستنباط الأحكام عند الظاهرية تقتضي زيادة أصل آخر جهِله الفقهاء، سبيله القياس وموضوعه الدليل. وهو عمل القائسين الذين تجاوزوا حد القياس الأصولي، واتخذوا من الدليل الذي صوّروه وقالوا به أصلاً وطريقاً من طرق الاجتهاد عندهم. ويتعارض هذا مع حديث معاذ، كما يناقض رسالة ابن الخطاب إلى شريح قاضيه على الكوفة.
لكن داود وابن حزم مضيا قدماً غير ملتفتين إلى هذين الأثرين، قادحين فيهما بالضعف والوضع.
ويوضح أقوال أئمة السُّنة من القياس شيخ الإسلام تقي الدين الفتوحي الفقيه الأصولي الحنبلي في مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٢).
стр. 773
حجية القياس: أدلة المثبتين:
أغلب الجمهور مثبتون لحجية القياس بالكتاب، كما قدمنا، وهم مأذونون، في الآية، بالاعتبار بأفعال بني النضير وما نزل بهم. فلا تفعلوا ما فعلوا فتعاقبوا بما عوقبوا به. وفي الآية دليل على أن المسببات تابعة لأسبابها. والقياس الشرعي لا يخرج عن ذلك.
وورد في القرآن ذكر علة تحريم الخمر. وهي ما يترتب على شربها من مفاسد دينية ودنيوية. وأخطر ما في ذلك وأقذعه إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس.
وفي السُّنة مثل ذلك في حجية القياس وهو حديث معاذ (١).
وفي رواية عن معاذ وأبي موسى أنهما أجابا رسول الله ﷺ وقد سألهما: كيف تقضيان إن لم تجدا الحكم في الكتاب والسُّنة؟، قالا: قسنا الأمر بالأمر؛ فما كان أقرب إلى الحق عملنا به (٢).
ويمكن استفادة حجية العمل بالقياس من فتاواه ﷺ . وأجاز للرجل تقبيل امرأته وهو صائم: فإنه ألحقَ دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء. وهو عين القياس (٣).
ومن أدلة المثبتين للقياس: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فَجَمَلوها وباعوها وأكلوا أثمانها".
ومنها أيضاً قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادَّخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة فادخروها".
стр. 774
ومنها قوله ﷺ في الصيد: "فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على قتله" (١).
وقد كان النبي ﷺ يذكر علل الأحكام والأوصاف المؤثّرة فيها ليدل على ارتباطها بها، وتعدّيها بتعدّي أوصافها وعللها كقوله في نبيذ التمر: "شجرة طيبة وماء طهور" (٢).
وأما الصحابة فقد كانوا يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض، الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره ... وإن الحق ليعرف بالمقايسة عند ذوي الألباب (٣).
وروى الخطيب مرفوعاً (والرفع غير صحيح) قال: وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم. كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلّوا العصر في بني قريظة. فاجتهد بعضهم وصلَّوها في الطريق. وقالوا: لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى، واجتهد الآخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها بعد غياب الشمس. فنظروا إلى اللفظ.
وهؤلاء هم سلف أهل الظاهر، وأولئك هم سلف أصحاب المعاني والقياس.
واستدل آخرون على حجية القياس بالعقل فقال البهاري: إن القياس حجة لحكم شرعي. وكل ما هو كذلك فالتعبّد به واقع لأنه طلب للعلم. ولذلك أثبته الحكماء والمتكلمون وقالوا بفرضيته إجماعاً (٤).
стр. 775
وقال البيضاوي: إن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللاً بالعلة الفلانية. ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع. يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم بحصول الوهم بنقيضه. وحينئذٍ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين، ولا أن يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعاً وعقلاً، فتعيّن العمل بالظنّ، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك (١).
أدلة نفاة القياس:
وأدلة نفاة القياس، وأبرزهم الظاهرية والإمامية، كثيرة. اعتمدوا في المنع على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣)، وقوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٤)، وقوله جل تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٥).
ولهم من السُّنة أحاديث أبطلوا بها قياسات لعمر وأسامة في شأن حلتين أرسل بهما النبي ﷺ إليهما فلبسها أسامة قياساً للبس على التملك والانتفاع والبيع وكسوتها لغيره وردها عمر قياساً لتملكها على لبسها. فأسامة أباح وعمر حرم قياساً فأبطل الرسول ﷺ كل
стр. 776
واحد من القياسين وأَعلَمهما ﷺ قائلاً لعمر: إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها، وقال لأسامة: إني لم أبعثها إليك لتلبسها ولكن لتشققها خمراً لنسائك. والنبي ﷺ إنما تقدم إليهما في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط. فقاسا قياساً أخطآ فيه؛ فأحدهما وهو أُسامة قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس. وهذا عين الباطل منهما لأن ما حرمه النبي ﷺ من اللبس لا يتعدّى إلى غيره، وما أباحه من التملّك لا يتعدّى إلى اللبس. وهذا عين إبطال القياس (١).
ومن السُّنة أيضاً قوله ﷺ : إن الله فرض فروضاً فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها. فالحديث موجّه للصحابة ولمن بعدهم. فلا يجوز أن نبحث عما سكت عنه لنحرمه أو نوجبه (٢).
وذكروا من دلائل النهي عن العمل بالقياس إجماع الصحابة. وهو أن بعضهم نهى عن العمل بالقياس أو الرأي، وسكت الباقون عن الإنكار عليه. فكان ذلك إجماعاً على ترك العمل بالقياس.
ومن أمثلة ذلك قول أبي بكر: أيّ سماء تظلني، وأي أرض تُقِلُّني إذا قلت في كتاب الله برأيي.
وقول عمر: إياكم وأصحاب الرأي. فإنهم أعداء السُّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا وأضلّوا.
وصرّح أئمة التابعين وتابعوهم بذم القياس وإبطاله. وعللوا هذا
стр. 777
النهي بما رواه ابن وهب عن مالك قال: سمعت مالكاً يقول: الزم ما قاله رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "أمران تركتهما فيكم: كتاب الله وسنتي". قال ابن وهب: وقال مالك: كان رسول الله ﷺ إمامَ المسلمين وسيدَ العالمين يُسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء. فإذا كان رسول الله ﷺ رسول رب العالمين لا يجيب إلا بالوحي وإلا لم يجب، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه أو بقياس أو بتقليد من يحسن به الظن، أو بعرف أو بعادة أو سياسة أو ذوق أو كشف أو منام أو استحسان أو خرص، والله المستعان وعليه التّكلان (١).
ومن أدلة النهي ما نقل عن البيضاوي والإسنوي: أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء أو لأنه تابع للأمارات، والأمارات مختلفة، وحينئذٍ يكون ممنوعاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ (٢).
وقضية الرأي أو العمل به موضع دراسات ونقد عند الأصوليين. وقد تولى ابن عبد البر وابن القيم تلخيص ذلك.
أما مصادر التشريع المختلف فيها وبيان علاقتها بالمقاصد، فنحن مختصرون القول فيها ومقتصرون على ذكر المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع، وإبطال الحيل.
* * * * *
стр. 778
الباب الثاني
مع روّاد علم أصول الفقه وعلم مقاصد الشريعة
стр. 779
الفصل الأول: من طلائع الأصوليين وعلماء المقاصد
ذكرنا في هذا الباب الأئمة المقدَّمين في علم أصول الفقه، وفي قواعد الأحكام، وجمعنا المصادر التي اعتمدها صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية فى جملة من موضوعاتها لعرضها وتجليتها وتقديمها وبيان موقفه منها. ومن أجل ذلك أدرجنا في هذا المحل عدداً من المسائل وقع استمدادها من كتب البرهان، والمستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل، وقواعد الأحكام، والفروق، ونفائس الأصول، وتنقيح الفصول، والموافقات. وقد كان أصحاب هذه المصنفات صفوة من الأئمة خالدي الذكر يتأكد التنويه بجهودهم.
كان منهم الأصولي المتكلم، والفقيه الشافعي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ صاحب كتاب البرهان (١).
والفقيه الشافعي الحكيمُ الفيلسوف حجة الإسلام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ صاحب شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، والمنخول، والمستصفى.
وسلطان العلماء العز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ الذي صاغ للعلماء والفقهاء والمجتهدين كتاباً عُدّ في المرتبة الأولى من
стр. 780
النفاسة. وهو كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
والفقيه المالكي شهاب الدين أبو العباس القرافي المصري المتوفى سنة ٦٨٥ صاحب الفروق، ونفائس الأصول، وتنقيح الفصول في اختصار المحصول.
والإمام أبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠ المُنَظَّرُ صنيعُه في مقاصد الشريعة بصنيع الإمام الشافعي واضعِ علم أصول الفقه وصاحب الرسالة. أخرج لنا كتابه التعريف بأسرار التكليف وهو: كتاب الموافقات.
جاء ذكر هؤلاء الأئمة في تمهيد مقاصد الشريعة الإسلامية على الترتيب الزمني الذي توالوا فيه.
بدأ صاحب المقاصد بذكر إمام الحرمين في القضية التي أثارها حول قطعيّة أدلّة أصول الفقه (١).
وتحدث عنه وعن الغزالي في موضوع المصالح المرسلة، وعن موقفهما منه. وذلك في قوله: فلأن نقول بحجيّة قياس مصلحة كليّة حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابتٍ اعتبارُها في الشريعة، باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي، أو ظنّي قريب من القطعي، أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وإني لأعجب فرطَ العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه ونفاذ فهمه كيف تردّد في هذا المقام. وأما الغزالي فأقبل وأدبر، فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصلحة المرسلة، ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين، إذ تردّد في مقدار المصلحة. وجَلْبُ كلام إمام الحرمين في كتاب البرهان وكلام الغزالي في المستصفى يطول (٢).
стр. 781
وقد ألحق بهذين في المرتبة بقية الخمسة. وذلك في قوله: ولحق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع، مثل: العز بن عبد السلام، وأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي اللذين حاولا جاهدَيْن تأسيس المقاصد الشرعية (١).
وختم إكباره لجهود هؤلاء الأئمة بما ميّز به أبا إسحاق الشاطبي من قوله: والرجل الفذّ الذي أفرد هذا العلم بالتدوين هو أبو إسحاق الشاطبي. فخصّ القسم الثاني من كتابه الموافقات بعنوان كتاب المقاصد. وبحث فيه بعمق عن أغراض مقاصد الشرع، وتحدَّث عن أهم قضاياه. فأفاد جدّ الإفادة. وأنا أقتفي آثاره، ولا أهملُ مهمّاته، ولكن لا أقصد نقلَه ولا اختصارَه (٢).
وكما تدلّ هذه الجمل وما قبلها على تقدير الشيخ ابن عاشور لمقالات المؤسسين لفن المقاصد، كل واحدة بالقدر الذي رسَخ منها في أفهام العلماء، فإنّه لم ير بأساً من التعليق على كلامهم والمناقشة لهم، والمؤاخذة على بعض تجاوزاتهم. وكان مع استدراكاته على ما نقل عنهم، معترفاً بجليل ما أفاده منهم منذ اندمج معهم، وامتزج بهم في تأصيل علم المقاصد والتطوّر به، وفي دعوة العلماء إلى العكوف على هذا الفن الشريف، واعتماد طريق الاستقراء لإثبات المقاصد الشرعية، وذكر الفروع الفقهية المرتبطة بها والخاضعة لها، اكتشافاً للمزيد من أسرار أحكام التشريع.
ولعلنا في إيجاز كامل نقدر على ردّ بعض مباحثه في المقاصد إلى مصادرها المشار إليها قبل.
стр. 782
١ - الجويني: البرهان:
قال السبكي: وضع إمام الحرمين في أصول الفقه كتاب البرهان على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد (١) ومما يطالعنا فيه عند حديثه عن المناهي إيراده مقولة الكعبي: أنه لا مباح في الشريعة. وفي الرد عليه، قال: والمباحات مقصودة منتحاة بقصد الإباحة، وليست مقصودة بالإيجاب كما تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات. وحاصل ما جاء به الجويني من ذلك ردُّه الأمر إلى القصد في تلك المسالك ... فمَنْ لم يتفطّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة (٢). وقال في الباب الثالث من كتابه في تقاسيم العلل والأصول التي بها تظهر المقاصد ويُكشف عن المصالح:
ونحن نقسّمها خمسة أقسام:
الأول: ما يعقل معناه وهو أصل، ويؤول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه، مع تقرير غاية الإيالة الكليّة والسياسيّة العامية. وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه. فهو معلّل بتحقق العصمة في الدماء المحقونة، والزجر عن التهجّم عليها (٣).
الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حدِّ الضرورة. وهذا مثل تصحيح الإجارة، فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن، مع القصور عن تملّكها وضِنّة مُلّاكها بها على سبيل العارية (٤).
стр. 783
الثالث: ما لا يتعلق بضرورة خاصّة ولا بحاجة عامّة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها، ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث وإزالة الخبث (١).
الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة. وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحاً ابتداء، وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلّي. وبهذه المرتبة يتميز هذا الضرب من الضرب الثالث، ومثاله وضع الشرع النكاحَ على تحصين الزوجين (٢).
الخامس: ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلاً ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة، أو استحثاث على مكرمة مبيناً أثرها فيتعقّبها. وهذا يندر تصويره جداً، فإنّه إن امتنع استباط معنى جزئي، فلا يمتنع تخيّله كليّاً، ومثاله: العبادات البدنية المحضة (٣).
وقد تضمّن كتاب البرهان شواهد على عناية الجويني بالأصول وبالمقاصد الشرعية وردت في تأليف الشيخ ابن عاشور على الترتيب التالي:
١ - إدراج الجويني في البرهان كثيراً من الظنّيات.
٢ - لم يدون الأصوليون في أعمالهم أصولاً قواطع.
٣ - اعتذار إمام الحرمين عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل أصول الفقه. وقد تقدم تفصيل القول في ذلك مع بيان رأي الإمام ابن عاشور فيه ورده لكلام الجويني (٤).
стр. 784
كانت هذه القضية تحتاج إلى زيادة من القول، فعاد الشيخ ابن عاشور إلى ذكر موضع الخلاف فيها وبيّن سببه في رأيه (١).
٤ - ذكرُ الجويني لصيغة من الاستدلال العربي تَحتاج إلى التنبيه عليها. وذلك قوله: والذي نرى القطع به التعلّق بمقتضى الصيغة في أصل اللسان. فإذا نظرنا إلى معناها فهو عام، وإذا نظرنا إلى السبب فليس بدعاً أن يُسأل الرسول ﷺ عن شيء، فيذكر في مقابلته تأسيسَ شرع يأخذ منه السائلُ حظَّه، ويسترسل مقتضى اللفظ على غيره.
٥ - أورد الشيخ ابن عاشور الحكم بالتخيير لمن سقط على جماعة من الجرحى أو الصرعى، بحيث إذا وطئ على واحد منهم قتله، فإن انتقل إلى غيره قتله أيضاً. فقيل: يبقى واطئاً لمن نزل عليه، وقيل: يخيّر. فحكى عن الجويني قوله في الواقعة: هذه واقعة بحسب المفترض خَلَت عن حكم الله. ثم قال في الجواب: لا. لم تخلُ من حكم الله، ولا يُعتقَدُ خلو واقعة عن حكم الله، ولا نرى ذلك في قواعد الدين؛ ولأن التردّد أو التخيير في هذه الواقعة للمتردّي استواءُ الإقدام والإحجام فيها، وهو حقيقة الإباحة (٢).
٦ - تفصيل القول في العمل بأخبار الآحاد والاختلاف فيه، إذا خالفت القواعدَ أو القياسَ أو عملَ أهل المدينة، ولسنا في مثل هذه الحالة بالذي يتمسك بالخبر، إذ لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة والإضراب وترك المبالاة أو العلم بكونه منسوخاً، وليس بين هذين التقديرين لاحتمال ثالث مجالٌ (٣).
стр. 785
٢ - الغزالي: شفاء الغليل، المنخول، المستصفى:
أما الغزالي تلميذ إمام الحرمين قد تعددت كُتبه، وتميّز به عصره، فاكتشف تصوّرات جديدة وقوانين معتبرة. نلمسها جميعَها في كتابه شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، وكتابه المنخول، وكتابه المستصفى وهو أكمل هذه الكتب وأدقها وأتمّها وأوفاها. سلك به سبيله إلى علمي الأصول والمقاصد، وقال عنه في مقدمته: "وضعت تصنيفاً في أصول الفقه أصرِفُ العنايَة فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق، وإلى التوسط بين الإخلال والإملال ..... وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق لفهم المعاني. فلا مندوحة لأحدهما عن الثاني. فصنّفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب، يُطلع الناظر في أول وهلة على جميع مقاصد هذا العلم، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النظر فيه. فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ومبانيه، فلا مطمح له في الظفر بأسراره ومباغيه" (١).
ورجع الشيخ ابن عاشور في المصلحة المرسلة أو الكليّات إلى مقالات الغزالي. ونقل عنه من المنخول قوله في المصلحة المرسلة: كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يَرُدُّه أصل مقطوع به يقوم عليه من كتاب أو سُنة أو إجماع فهو مقول به، وإن لم يشهد له أصل معيّن (٢).
وأورد في نفس الغرض من شفاء الغليل قول الغزالي: قد رتبنا المناسب على ثلاث مراتب: ما يقع منه في رتبة الضروريات، ما يقع
стр. 786
منه في رتبة الحاجيات، وما يقع في رتبة التحسينيات والتزيينيات. فالواقع في الرتبة الأخيرة لا يجوز الاستمساك به ما لم يُعضَد بأصل معين ورد من الشرع الحكيم فيه على وفق المناسبة، فأمّا إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه فاتباعه وضعٌ للشرع بالرأي والاستحسان.
وأما الواقع من المناسبات في رتبة الضروريات أو الحاجيات فالذي نراه فيها أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائماً لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريباً لا يلائم القواعد (١).
وذهب في مكان آخر إلى أن الواقع في رتبة الحاجيات والتحسينيات لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل (٢).
وقد سبق تصوير الإمام الأكبر سلوكَ الغزالي بأنّ فيه إقبالاً وإدباراً (٣).
أما رجوع صاحب المقاصد إلى أقوال الغزالي في المستصفى فهو أكثر وأوسع. فمن ذلك وقوفه على جملة من الآراء نقلها عنه مثل:
١ - عدم قول الغزالي بدخول العِرض في الكليات الخمس (٤). وقد صوب الشيخ ابن عاشور هذا الرأي واختاره على نحو ما فعل الغزالي في المستصفى، وابن الحاجب في مختصره.
٢ - جرى المؤلّف في تقسيمه المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة فجعلها على نحو ما ذهب إليه الإمام الغزالي ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية (٥).
стр. 787
٣ - فسّر الغزالي التحسينية بأنها المصالح التي تقع موقع التحسين أو التيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. ومثّل لها بسلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، لأن العبد ضعيفُ المنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق لمنصبه التصدّي للشهادة (١).
٤ - في بيان حمل المطلق على المقيّد إذا اتحد الموجَب والموجِب أو اختلفا. ذلك أن التقييد شرط، والمطلق محمول على المقيّد إن اتَّحَد الموجَب والموجِب. وينزّل الإطلاق فيه على الاشتراط. وهذا صحيح. ولكن على مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ والمنسوخ (٢).
٥ - اعتماد الغزالي قاعدة: أن النهي يقتضي الفساد (٣).
٣ - العز بن عبد السلام: القواعد:
أما العز بن عبد السلام فهو المتميّز بكتابه القواعد، الفريد في موضوعه في عصره، والذي كان ذا أثر كبير في تلميذه من بعده الإمام القرافي. وضع الإمام العز قواعده على أسلوب بديع جعل جماع القواعد الشرعية محصوراً في جلب المصالح ودرء المفاسد وذكر وجوه المناسبات وما يقدّم منها وما يؤخّر عند التزاحم والتعارض (٤).
стр. 788
ويجد الفقهاء في هذا الكتاب حاجتهم فيما يمدُّهم به من قواعد تُمكن المتضلّع فيها من تأييد فروع انتزعوها، قبل ابتكار علم الأصول، لتكون بواسطة تلك القواعد مقبولة في نفوس المزاولين لها من مقلدي المذاهب. فهي تؤول كما قال الإمام الأكبر الشيخ ابن عاشور إلى محامل ألفاظ الشارع في انفرادها واجتماعها وافتراقها حتى تقرّب فهم المتضلّع فيها من إفهام أصحاب اللسان العربي القحّ ... وربما يجد المطّلع على كتب الفقه العالية مَن ذكر في مقاصد الشريعة كثيراً من مهمّات القواعد، ولا يجد فيها شيئاً من علم الأصول. وذلك يخصّ مقاصد أنواع المشروعات في طوالع الأبواب دون مقاصد التشريع العامة (١).
وإن في التعريف بكتاب القواعد ما يحمل على تصوّر مدى اعتماد الشيخ ابن عاشور عليه في تقديم أغراضه، وشرح مسائله. فقد أثنى عليه لِما قَدَّمه من خدمات في مجال علم القواعد وقَسِيمه علم المقاصد (٢). وينقل الشيخ ابن عاشور إثر بيان طريق تحصيل المقاصد الظنيّة في فصل: مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعيّة وظنّية، كلاماً نسبه إلى العز بن عبد السلام في مبحث ما خالف القياس من المعاوضات وهو قوله: "إن من عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل وِرد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها، فإنه يعرف بمجموع ما عهِده من طريقته وألِفَه من عادته، أنّه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة (٣).
ونقل المؤلف عنه قاعدة فيما تعرف به مصالح الدارين. ونصّ
стр. 789
ذلك: قال ابن عبد السلام: وأما مصالح الدارين فلا تُعرف إلّا بالشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح. وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات. فإن خفي شيء من ذلك طُلب من أدلته. ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحَهما ومرجوحهما، فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يَرِد به. ثم يبني عليه الأحكام. فلا يكاد حُكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبّد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته (١). وهذا مما سبق الإلماع إليه في مبحث التعليل والتعبّد (٢).
ويتصل بهذه القاعدة أن من المصالح والمفاسد ما لا يدركه إلا كل ذي فهم سليم وطبع مستقيم، يعرف بهما دِقَّ المصالح والمفاسد وجُلَّهما، وأرجحَهما من مرجوحهما. وتفاوت الناس في ذلك على قدر تفاوتهم فيما ذكرته. وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه الأخرق المفضُول، ولكنه قليل (٣).
ولا يقف تنويع المصالح والمفاسد عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى صور أخرى يوجبها الأخذ ببعض الملاحظات أو الأسباب، ثم الحرص على نوط تلك الأحكام بالحِكَم والعلل، ظاهرة كانت أم خفيّة. ومن هذا القبيل ما أورده الشيخ ابن عاشور في نهاية فصل الرخصة نقلاً عن العز بن عبد السلام من المستثنيات من القواعد الشرعية في المعاوضات:
стр. 790
لو عمَّ الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال، جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة. ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدّى إلى ضعف العباد واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولا نقطع الناس عن الحرف والصنائع التي تقوم بمصالح الأنام (١).
ثم أتبع صاحب القواعد هذا التقرير بقوله: وإنما جاز تناول ذلك قبل اليأس من معرفة المستحقّين؛ لأن المصلحة العامة كالضرورة الخاصة. ولو دعت ضرورة واحد إلى غصب أموال الناس لجاز له ذلك، بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجوع أو حرًّ أو برد، وإذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة فما الظن بإحياء نفوس؟! (٢).
ونستطيع في غير تردد أن نقول: إن أهم ما عالجه العز بن عبد السلام هو المصلحة والمفسدة المتولدان عن المقاصد. وللحاجة الأكيدة إلى التعرّف على دقائق هذا العلم، وجني ثماره في مجال دراسة المقاصد الشرعية أسمى العز كتابه: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ووجدنا الشيخ ابن عاشور يعتد اعتداداً كبيراً بكتاب القواعد. وقد تابعه في مراحل كتابته للمقاصد، واستمد منه جملة من الآراء والترتيبات.
فمن ذلك: عرض الشيخ ابن عاشور رأي العز بن عبد السلام في المصالح المحضة والمفاسد المحضة، إذ قال منبّهاً على ضرورة الترتيب للمقاصد: واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح، ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد .. ولا يقدم الصالحَ على الأصلح إلا
стр. 791
جاهلٌ بفضل الأصلح، أو شقيٌّ متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت (١).
وقال العز في الفصل الثالث من قواعده: واعلم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب والمساكن لا تحصل إلا بنصب مقترن بها أو سابق أو لاحق كان السعي في تحصيل هذه الأشياء كلها شاق على معظم الخلق لا ينال إلا بكدّ وتعب. فإذا حصلت اقترن بها من المضار والآفات ما ينكّدها وينغّصها (٢).
ولتأكيد ما جنح إليه صاحب القواعد يقول الإمام الأكبر: وتحقيق الحدّ الذي نعتبر به الوصف مصلحة أو مفسدة أمر دقيق في العبارة، ولكنه ليس عسيراً في الاعتبار والملاحظة؛ لأن النفع الخالص والضر الخالص وإن كانا موجودين، إلا أنهما بالنسبة للنفع والضرّ يعتبران عزيزين (٣).
وحين نعود إلى الشيخين العز بن عبد السلام والشاطبي، نجد المؤلف معقباً عليهما بقوله: وقد حام ذانك الإمامان حول تحقيق الضابط الذي به يُعتبر الوصف مصلحة أو مفسدة، لكنهما لم يقعا عليه.
وفي آخر هذه القائمة من النقول الكاشفة عن التفاعل بين كتابات العز واتجاهات أبن عاشور يتضح لنا طريق النظر في المصالح المتعدّدة إذا لم يمكن تحصيل جميعها. وفي المفاسد المتعددة إذا لم يمكن درء جميعها. شرح لنا هذا العز بن عبد السلام في قواعدهِ
стр. 792
بقوله: إن تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، وإن درء أرجح المفسدتين كذلك. فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير (١).
٤ - القرافي: الفروق:
أما تلميذ العز بن عبد السلام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، فهو الفقيه الأصولي المالكي الذي انتحى منحى شيخه في ضبط القواعد وتحرير المقاصد في جملة من كتبه التي رجع إليها الإمام ابن عاشور. نخصّ بالذكر منها أوسعها مادة في المقاصد والقواعد وهو كتاب الفروق. ولشهاب الدين مؤلفات أخرى جليلة منها كتاب نفائس الأصول في شرح المحصول، وتنقيح الأصول، وكتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام.
وإذا عدنا إلى كتاب المقاصد وما جمع المؤلف به من فوائد، ونبَّه إليه من حقائق، ألفينا في ذلك كلَّه دلالة على اهتمام شيخنا بفقه القرافي وأصوله. وهو يساعدنا على الاغتراف من ينابيعه لما نحن في حاجة إليه من علم وبيان وضبط وإتقان. وقد نوّه المترجمون للقرافي، صاحب الفروق وغيره من الكتب في الأصول، بما تضمنته مصنّفاته وخاصة كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق من مباحث في المقاصد. كانت فيها الإشارات الكثيرة إلى وجوه المصالح والمفاسد، المعتمدة في الترجيح بين ما قد يُرى من القواعد والضوابط والمسائل متعارضاً. وأكّد القرافي نفسُه هذا الاتجاه الذي
стр. 793
سلكه عن تقدير واختيار بمنة الله وفضله. فقال واصفاً القسم الثاني من علم أصول الفقه بما يحتوي عليه من قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكمه: فلكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منه شيء في أصول الفقه. ولهذا الغرض وضع كتابه الفروق للقواعد خاصة، مضيفاً إليها قواعد كثيرة ليست في الذخيرة. فازدادت بذلك بسطاً وإيضاحاً، وتنبيهاً على ما اشتمل عليه كتابه الفروق من أسرار فقهية تضمّنها ما جمعه من القواعد. وهي خمسمائة وثمانية وأربعون قاعدة، أوضح كل واحدة منها بذكر ما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها (١).
واعتباراً لهذه المزايا تتبعت إحالات الشيخ ابن عاشور على كتاب القرافي الفروق. فوجدته جامعاً تفاريقها في نحو ستة موضوعات. كان فيها إما ناقلاً متأسيّاً، وإما مستدركاً ناقداً على نحو ما أشرنا إليه أعلاه.
فمن الموضوعات التي يظهر الالتقاء فيهما بين الإمامين وتجاوبهما في خدمة القواعد والأسرار ما أخذه الثاني عن الأول، أو عقّب به صاحب المقاصد على كلام القرافي كما سيتجلّى لنا ذلك من الأمثلة. وعدد الموضوعات التي حصرناها لغرضنا هذا خمسة عشر رددناها اختصاراً إلى خمسة مواضع في الفروق.
* * * * *
стр. 794
الفصل الثاني: موضوعات من علم المقاصد في كتب جماعة من الفقهاء
(١) المقاصد وكتاب الفروق للإمام القرافي:
الموضع الأول: انتصاب الشارع للتشريع:
في السنة النبوية الشريفة ذكر للمقاصد الشرعية وتعريف بالطرق المساعدة على تعيينها والوقوف عليها. وهي جميعها مثبتة في باب انتصاب الشارع للتشريع من كتاب المقاصد. وتبرز القضايا الكثيرة منها في جملة مواقف:
الأول: تنبيه الإمام ابن عاشور في بدء كلامه إلى ما اهتدى إليه القرافي، بل إلى ما سبق به غيرَه من تقسيم ما صدر عن رسول الله ﷺ من أقوال وأفعال إلى ثلاثة أقسام عنون لها في الفرق السادس والثلاثين بما تتميّز به قاعدة تصرّف رسول الله ﷺ بالقضاء، أو تصرّفه بالفتوى أو التبليغ، أو تصرّفه بالإمامة (١).
الثاني: ذكرُ القرافي ما تتحقّق به الفروق الثلاثة في القاعدة السادسة والثلاثين. وهو أربع مسائل: جَعل من المسألة الأولى صورة للثبات والجزم، وعالج بقية المسائل ببيانها لكونها موضع خفاء وتردّد (٢).
стр. 795
الثالث: لزوم التوصّل إلى التفرقة بين ما هو صادر من الأحاديث عن رسول الله ﷺ في مقام التشريع وما ليس هو من ذلك، والحرص على التأسّي بالرعيل الأول من الصحابة الذي كان يفرّق بسهولة بين ما هو منها من قضايا التشريع وبين ما هو بخلافه (١).
الرابع: أحاديث رواها الأئمة في تشفّع النبي ﷺ لمغيث زوج بريرة لمراجعته، وإبائها ذلك. وتشفّع الرسول ﷺ عند دائني والد جابر بن عبد الله الأنصاري، فلم يستجيبوا له (٢).
الخامس: التحذير من خطأ بعض الفقهاء في بعض تصرّفات الرسول ﷺ ، فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبُّت في سبب صدورها، واتفاق علماء الأصول على ردِّ الأحاديث المتصلة بآثار الخِلقة وهي الجبلة، وعدم العمل بها (٣).
السادس: تفصيل الشيخ ابن عاشور القول في أنواع الحديث وبلوغه بها اثني عشر نوعاً، بعد أن حصرها القرافي في ثلاثة أنواع. وهي عند صاحب المقاصد متنوعة الأغراض بين التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة. كما نلاحظ فيها أغراضاً أرى كالهدى، والصلاح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد. وقد مثل شيخنا لكل غرض من هذه الأغراض النبوية، وما كانت تصدر عنه ﷺ من تصرّفات أو أقوال تستجيب لمختلف الأحوال والظروف (٤).
وقد قارن استعراضَ النصوص الحديثية التشريعية بيانُ أحكامها، وذكر القرائن المصاحبة للتشريع (٥).
стр. 796
ومن الحديث عن الدليل من السُّنة النبوية، الذي لا يصحّ الاحتجاج به في حكم من الأحكام، إلا إذا كان خاضعاً لشروط، أهمّها: أن يكون الحديث صادراً في مقام التشريع؛ شاملاً القضاء أو الفتوى، فكلاهما تطبيق للشريعة، أو صادراً عن مقام الإمارة الذي يصوّر لنا في الغالب تصرّفات النبي ﷺ وتشريعاته فيما يقع خلال أحوال الحروب مما يحتمل خصوصيّة ما (١).
الموضع الثاني: الحقوق وإسقاطها:
من الموضوعات التي حدّد شيخنا أحكامها وفصّل القول فيها، بناء على ما كتبه الفقهاء والأصوليون من قبل، موضوع الحقوق وإسقاطها. فقد أدرج الحديث عنها في باب طلب الشريعة للمصالح، وفي الفقرات التي بينت للناس منهج الشريعة الإسلامية في المحافظة على أنواع المصالح باعتبار تصرّف الناس فيها، وبحسب تنوّعها إلى حقوق ذاتية ثابتة للإنسان على غيره، أو حقوق ثابتة للإنسان في نفسه ولا تعلّق لها بغيره. وفي التوطئة لذلك نبَّه الشيخ ابن عاشور إلى أن المحافظة على أنواع المصالح باعتبار تصرّف الناس فيها بالاتساع والتضييق تجعل لكلّ أحدٍ الاختيار في حقوقه الذاتية الثابتة له على غيره. فله أن يسقطها إن شاء، لأن كونها حقوقاً له، وكونها مطالِباً بها غيره، تحوم حوله مظنة حرصه على تقاضيها. فالشريعة تَكِله إلى الداعي الجِبِلِّي. هو داعي حب النفس والمنافسة في الاكتساب. فالإسقاط لا يكون إلا لغرض صحيح. فإن تجاوز ذلك الحد، فاختل الداعي الجبلي، سمّي سفهاً يمنع صاحبه من التصرّف. وعلى هذا النحو حدد الشيخ ابن عاشور ما يرجع إلى الحقوق الثابتة للإنسان في
стр. 797
نفسه، وكذلك ما يعود منها إلى قسمي المصلحة. فليس لأحد إسقاط حقه فيها، لأن حقّه ثابت مع حقّ غيره (١). وقد وقفتُ عند خصوص هذه الجزئية من البحث، وإن تعددت المراجع في قاعدة الحقوق، لما ذكره صاحب المقاصد من أسرار ولطائف لا ينبغي أن يطغى عليها غيرُها بكثرته وتعدد مسائله.
ويرتبط هذا كله بما ورد في الفرق الثاني والعشرين من قاعدة حقوق الله وقاعدة حقوق الآدميين من كتاب الفروق. قال القرافي: فحق الله أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه، والتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط كالإيمان وتحريم الكفر، وحق العباد فقط كالديون والأثمان. وقسم اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله تعالى أو حق العبد كحد القذف (٢). وقد اشتمل هذا الفرق على مسائل كثيرة وضعها الشيخ ابن عاشور مواضعها، وتحدث عنها كمسائل مفردة إبرازاً لأهميتها وتفصيلاً لأحكامها.
الموضع الثالث: نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال:
من المسائل التي استوقفت الإمام الأكبر، وإن كانت خاضعة لقاعدة من أهم القواعد؛ هي نوط الأحكام الشرعية بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال، مثل ما يعرض لبعض الفقهاء من تسليط أحكامهم على الأسماء الموضوعة لبعض المسميات، فتكون فتاواهم واحدة، وإن تغير المسمى ولم يبقَ خاضعاً لما وضع له من الأسماء أصالة أيام التشريع.
وإذا كان الإمام القرافي قد افتتح الفرق الأربعين من كتابه
стр. 798
الفروق (١)، بموضوع التمييز بين قاعدة المسكرات، وقاعدة المرقّدات، وقاعدة المفسدات، مبيناً كل واحدة منها بقوله: فإن المتناول من هذه، أي من الثلاثة، إما أن تغيب عنه الحواس أَوْ لَا، فإن غابت معه الحواس فهو المرقد، وإن لم تغب عنه فلا يخلو إما أن يحدثَ عنه نشوةٌ وسرورٌ وقوةُ نفس عند غالب المتناول له أَوْ لَا، فإن حَدَثَ ذلك فهو المسكِر وإلا فهو المفسد. فالمسكر هو المغيّب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر ونحوها، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج. اهـ.
وقد استنتج من هذه التعريفات أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكرة، وأن الخمر والمسكرات لا تكاد تجد أحداً ممن يشربها إلا وهو نشوان. فالحشيشة عند القرافي من المفسدات وليست من المسكرات، لم يوجب فيها الحدَّ، ولا أبطل بها الصلاة، بل اكتفى بالتعزير الزاجر عن ملابستها. وهكذا فرّق بين العقوبات منبّهاً إلى أن المسكرات تنفرد عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام هي: الحد والتنجيس وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها ولا تنجيس، ويجوز تناول اليسير منها.
وذكرَ الشيخ ابن عاشور من هذا أمثلةً أخرى تتصل بالسحر والساحر، وبالتدخين، وبشرب القهوة، منتهياً إلى ضبط قواعد لا بد من الالتزام بها في الحكم والفتوى. قال:
إن من حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيام التشريع، وإلى الأشكال المتطوّرة عند التشريع، من حيث
стр. 799
إنهما طريق لتعرّف الحالة الملحوظة وقت التشريع، وسبيل إلى معرفة الوصف المرعي للشارع في بناء الحكم عليه.
وبعد لفته النظر إلى هذه القاعدة الكلية يأتي المؤلف إلى الجزئيات وإلى الأمثلة التطبيقية، فلا يطلق اسم الساحر على المشعوذ بل يفرّق بينهما، ولا الحشيش المخدر على التبغ، ولا الخمر على القهوة اليمانية، ويعيّرُ من يفعل ذلك بالغفلة والوهم، وتجاوز الحد في الأحكام.
وفي نهاية هذا الفصل يذكر الإمام الأكبر قواعد شرعية تكشف عن أسرار التشريع، وعن الحكمة التي نيطت بموجبها الأفعال بالأحكام فيقول: ولم يزل الفقهاء يتوخّون التفرقة بين الأوصاف المقصودة للتشريع وبين الأوصاف المقارنة لها، كما أن الأسماء الشرعية تكون هي المعتبر مطابقتها للمعاني الملحوظة للشارع في مسمّياتها، عند وضع المصطلحات الشرعية. كما بيّن أحكام بعض التبرّعات عند اختلاف صيغها عند التعاقد عن صيغها الأصلية مرتباً على هذا أحكاماً أخرى فقهية (١).
الموضع الرابع: سدّ الذرائع:
قال الأصوليون في تعريفه: هو منع ما يجوز لئلا يُتَطرَّقَ به إلى ما لا يجوز. وهذا الموضوع تعرّض له القرافي غير مرّة في كتابه الفروق، وفي التنقيح. وهو قضية معتمدة عند المالكية وعند غيرهم من سواد الأمة. وقارن ابن رشد بين المذاهب في سدّ الذرائع فقال: أباح الذرائع الشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهما (٢). وذكر القرافي في الفرق ١٩٤ من كتابه (٣) أن ذريعة الفساد ثلاثة أقسام:
стр. 800
ما هو مجمع على عدم سدّه؛ كزراعة العنب، والتجاور في البيوت.
ومجمع على سدِّه؛ كحفر الآبار في طريق المارَّة.
ومختلف فيه؛ مثل بيوع الآجال.
وعلق الشيخ ابن عاشور على هذا التقسيم بقوله: "ولم يبحث القرافي عن وجوب الاعتداد ببعض هذه الذرائع دون بعض. وهو عندي التوازن بين ما في الفعل الذي هو ذريعة من المصلحة، وما في مثاله من المفسدة فيُرجع إلى قاعدة تعارض المصالح والمفاسد. ومثّل لذلك بالاحتياط؛ وهو الأخذ بقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبالجهاد، وهو مفسدة في الأنفس والأموال، ولكنه آيلٌ إلى حماية البيضة، وحفظ سلامة الأمة، وبقائها في أمن".
ومقصد سدّ الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرّفات الشريعة في تشاريع أحكامها، وفي سياسة تصرّفاتها مع الأمم، وفي تنفيذ مقاصدها. فله في الشريعة ثلاثة مظاهر. وبعد ذكر التقسيم للقول بسد الذرائع، وجعل هذا الأمر واجباً حتماً يعلّل ما ذهب إليه الإمام مالك بقوله: فذلك هو وجه اعتداد مالك بالتهمة فيها، إذ ليس لقصد الناس تأثر في التشريع، لولا أن ذلك إذا سقط صار القصدُ مآلَ الفعل، وهو مقصود للناس استحلوا به ما مُنع عليهم.
وينتهي الشيخ ابن عاشور من مقالته هذه في مناقشته القرافي إلى أن سدّ الذرائع قابل للتضييق والتوسّع في اعتباره بحسب ضعف الوازع في الناس وقوّته. ويضيف إلى هذا قوله: ولولا أن سدّ الذرائع قد جعل لقباً لخصوص سد ذرائع الفساد، لقلنا: إن الشريعة
стр. 801
كما سدّت الذرائع فتحت ذرائع أخرى (١). وهو ما نبّه إليه الشهاب القرافي نفسه (٢).
الموضع الخامس: نفوذ الشريعة:
في نفوذ الشريعة، وتطبيقها إقامة العدل. وفيه مسلكان: مسلك الحزم في تطبيقها، ومسلك التيسير والرحمة، بقدر لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة. وقد أورد القرافي جملةً من القواعد نشأت في الفقه الإسلامي؛ من بينها: أن النهي يقتضي الفساد.
ذكر هذه القاعدة الإمام القرافي في الفرق السبعين. ونبّه عليها أكثر علماء الأصول؛ كابن الوكيل والجويني والغزالي والرازي والآمدي والأصفهاني وابن حزم وابن الخباز، والعلائي في رسالة له بعنوان تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد. وهذه القاعدة من مسلَّمات علم أصول الفقه وفروعه. ولا ينبغي أن تتساهل الأمة في الغفلة عنها أو يتهاون بها؛ لأنها من مقاصد الشريعة، ولأن الاسترسال في عدم اعتبارها يستشري في الناس فينتهي بهم الأمر إلى إضاعة معظم الشريعة. وذهب الشيخ ابن عاشور يؤكّد ذلك ويضرب له الأمثلة بمحافظة الشريعة على أحكامها في الأحوال التي يتحقق فيها عدم فوات المقصد، ثم أتبع هذا بقوله: ولإكمال الوصول إلى الغاية من هذا المسلك أقام نظامُ الشريعة أمناء ووزعة لتنفيذ أحكامها ومقاصدها في الناس بالرغبة والرهبة، أعني بالموعظة والقوّة، متمسِّكاً في هذا بالقرآن الحكيم، ومستشهداً على إرادة البلوغ بالأحكام الشرعية إلى الالتزام بها والتنفيذ بها بما أورده عن رسول الله ﷺ من إقامته الحدود، وبعثه
стр. 802
الأمراء والقضاة والأمناء. وقد اعتبر ذلك كله من أصول نظام الحكومة الإسلامية.
ومن ثم نجد الشيخ يكمل درس هذه المسألة بالإشارة إلى فرقين آخرين، توسع أيضاً في بيانهما. وهما الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية (١)، والفرق الثالث والعشرون بعد المائتين بين قاعدة ما ينفّذ من تصرّفات الولاة والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفّذ من ذلك. وهو خمسة أقسام (٢).
وقد نعتبر من ذلك سأله الوفاء بالعقود الذي حثّ عليه تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣). واستدل على وجوب مراعاة أصل مقصد الرواج في العقود المالية بما تقتضيه تلك العقود من لزوم دون تخيير إلا بشرط. ويتعرض إلى الفرق السادس والتسعين بعد المائة (٤). مضيفاً إليه قوله: وأما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد، بل حتى يقع الشروع في العمل كما في الجُعل والقراض باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف، فإنما نظر فيها إلى عذر العامل. فمصلحة العقد بالأصالة في لزومه، وتأخرُ اللزوم في هذه لمانعٍ عارض، خلافاً لظاهر كلام القرافي في الفرق التاسع بعد المائتين (٥).
وهذه القواعد وما يتصل بها من بيان الشيخ ابن عاشور
стр. 803
وتعليقاته تحتاج وحدها إلى دراسة وافية جامعة، فهو لم يتناولها في كتابه هذا إلا في أوراق محدودة معدودة (١).
وما من شك في أن هذه الدراسة تتناول عناصر أخرى:
منها ما أومأ إليه صاحب المقاصد فيما تضمنه فصل: واجب الاجتهاد، إذ اعتبر هذا العمل الديني الشرعي فرضَ كفاية على الأمة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. فاقترح في عصرنا هذا إقامة مجمع فقهي إسلامي، ضَبَط شروطه ووصف أعضاءه بما يحقق المراد منه.
وأشار إلى جملة من القضايا تحتاج في زماننا إلى إعادة النظر والدراسة لها مجدداً، تيسيراً على الناس وحفظاً لمصالحهم. فذكر من ذلك مسائل بيع الطعام، والمقاصّة، وبيوع الآجال، وكراء الأرض بما يخرج منها، والشفعة في خصوص ما يقبل القسمة، معلّلاً دعوته هذه بما عليه أحكام تلك المسائل الاجتهادية من تضييق على الناس.
وهو يهيب بالعلماء من أهل النظر السديد في فقه الشريعة إلى وجوب مراعاة حاجة الأمة الإسلامية. وذلك بمعرفة مقصدها والتيسير بينها وبين الوسائل المعينة عليها، وبتحصيل الخيرة بمواضع الحاجة في الأمة، وبالمقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بمواضع النقب في أديمها (٢).
(٢) المقاصد وكتاب نفائس الأصول:
تعرض القرافي في كتابه هذا للمطلق والمقيّد.
стр. 804
١ - ذكر الشيخ ابن عاشور بعض مسائل من أصول الفقه كانت مغمورة أو مهجورة في كتب المتقدمين، بحيث لا يبلغ الدارس إلى الوقوف عليها. فبقيت ضئيلة منسية، وهي بأن تعدّ في علم المقاصد حرية. وذكر من بين تلك المباحث حمل المطلق على المقيّد، اتحد الموجِب والموجَب أو اختلفا (١). وهذا مما ذكرناه فيما تعرض له الغزالي في المستصفى معتبراً أن التقييد اشتراط، وأن المطلق محمول على المقيّد إن اتحد الموجِب والموجَب. وهذه القضية كانت محل خلاف بين الجمهور وبين الشافعية والحنفية، كما أن القول فيها تَبايَنَ بين ما ذهب إليه الرازي في المحصول، وما ورد بخلافه من كلام ابن العربي. وتعرض القرافي لهذه القضية بالتفصيل (٢) فكان بما تناولها به في كتبه المصدرَ والمرجعَ لضبط هذه المسألة.
٢ - إيراد رأي الأبياري في قطعيّة أدلّة أصول الفقه في المسألة الثانية من مسائل اللفظ في الأمر والنهي من شرح القرافي على المحصول، واطّلاع شيخنا عن طريقه على أقوال العلماء في الموضوع (٣).
٣ - علّق ابن عاشور على رأي الأبياري في كون مسائل الأصول قطعيّة، ولا يكفي فيها الظنّ، ومدركها قطعي. ولكنه ليس المسطور في الكتب، بل معنى قول العلماء إنّها قطعيّة أن من كثُر استقراؤُه واطلاعُه على أقضية الصحابة ومناظراتهم وفتاواهم، وموارد النصوص الشرعية لديهم حصل له القطع بقواعد الأصول. وهذا القول مردود وجوباً باطل؛ لأننا بصدد الحكم على مسائل علم أصول
стр. 805
الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة (١).
٤ - نقل كلام القرافي المعقّب به على أبي الحسين البصري: إن في أصول الفقه مسائل ضعيفة المدارك ليست من قواعد الدين الأصلية، وإنما هي من التتمات في ذلك العلم (٢).
(٣) المقاصد وكتاب تنقيح الفصول:
جاء ذكر القرافي في كتاب المقاصد على لسان الشيخ ابن عاشور لتناوله في تحقيقاته وتقريراته بعض ما أودعه صاحب الفروق كتابه تنقيح الفصول. وذلك في ستة مواضع:
١ - قال الشيخ ابن عاشور: ليس للإنسان الإذنُ بقطع عضو من أعضائه باطلاً. وينظر هذا إلى القاعدة العامة التي تقدّمت الإشارة إليها في كتاب الفروق عند حديث القرافي عن الفرق بين قاعدة حقوق الله وقاعدة حقوق الآدميين. وملخّص ذلك تحريمُ القتل والجرح صوناً لمصلحة العبد وأعضائه ومنافعها عليه، وتحجير ذلك على الخلق لطفاً من الله بهم ورحمة منه عليهم. وقد ورد ذكر هذه القاعدة وأمثلتها عند القرافي في موضعين (٣).
٢ - تحرير لغوي قرآني يثبت إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلِّب المذكر. ومعنى هذا أنه إذا اجتمع الجنسان استقل أفراد كل منهما بوصف غُلِّب المذكر وجُعل الحكم له. وكان التناول عن طريق التغليب. ولا خلاف بين النحاة
стр. 806
والأصوليين في أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال، وإنما قال بعض الأصوليين بتناوله الجنسين لأنه لما كثر اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور. واتفق الكل على أن المذكر لا يدخل تحت الخطابات إن وردت مقترنة بالتاء علامة التأنيث (١).
٣ - تقرير أن القسم الثاني من الذرائع يتجلّى فيه القياس ويخفى بحسب ما يرى الفقيه من قُربه من الأصل المقيس عليه وبُعده، وترجع مراعاة هذه الذرائع إلى حفظ المصالح ودرء المفاسد. مثال ذلك بيوع الآجال. وأضاف القرافي في الذخيرة قوله: اعتبرنا نحن الذريعة منها وخالفنا غيرنا. وحاصل القضية أنا قلنا بسدّ الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنّها خاصة بنا (٢).
٤ - تبنّى الشيخ ابن عاشور الإنكار الشديد على أهل النظر والمعرفة في صدوفهم عن الاجتهاد والتفريط فيه مع الاستطاعة ومكنة الأسباب والآلات. وذلك قوله جرياً على كلام القرافي: لو لم يبق مجتهد واحد والعياذ بالله .... (٣). وهو لذلك يقول في تعليقه في هذا الباب: يُعد آثماً في ذلك العلماءُ المتمكّنون من الانقطاع إلى خدمة التفقّه الشرعي للعمل في خاصة أنفسهم. وتُعد العامة آثمة في سكوتها عن المطالبة بذلك، بل وفي إعراضها عمن يدعوها إليه إذا شهد له أهل العلم، ويُعد الأمراء والخلفاء آثمين في إضاعة الاهتمام بحمل أهل الكفاءة على الاجتهاد (٤).
стр. 807
٥ - ترتيب المقاصد والوسائل بعد بيان الفرق بينهما أخذاً من مقالة القرافي: المقاصد هي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها. والوسائل إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، وإلى ما هو متوسط (١).
٦ - قصر العز بن عبد السلام والقرافي الذرائع على تحصيلها بمبحث المصالح والمفاسد. واتجاهُ المؤلَّف أوسع، والفقيه إليه أحوج. ومن ثم قال ابن عاشور: إن الأحكام المنوطة بتصرّفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة وإن كانت قد توجد متماثلة في الرتب المعبّر عنها، في الفقه وأصوله، بأقسام الحكم الشرعي، هي في الاعتبار الشرعي متفاوتة بحسب كون مناطها من التصرّفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشارع، أو في نظر الناس. فلذلك تعيّن أن نبحث عن هاتين المرتبتين من التصرّفات (٢).
* * *
الشاطبي وكتاب الموافقات:
هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠، الأصولي المفسّر، والفقيه المحدّث، واللغوي النحوي. أبرزُ ما عرف به من المصنفات: الموافقات، والاعتصام. أولهما في مقاصد الشريعة، وثانيهما في محاربة البدع.
ذكره الشيخ ابن عاشور بفائق التقدير والإجلال، ووصفه بالرجل الفذّ الذي تميّز بوضع تصنيف نفيس في المقاصد هو الجزء الثاني من كتاب الموافقات. فكتابه هذا عمدة لكل من جاء بعده.
стр. 808
وفيه مسائل وفوائد وابتكارات لم يسبقه إليها غيرُه. وبدون شك كانت مقاصد الشاطبي من موافقاته أوسعَ المراجع التي عاد إليها جُلُّ الباحثين في أسرار الشريعة. وللشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صلة أية صلة بالشاطبي.
وقد نقده مع تنويهه بعمله. وسبب ذلك، فيما يبدو، هو ما قاله صاحب المقاصد في بيان الغرض من تأليفه. وهو الاستدراك على الشاطبي وعلى من سبقه جملة من الأغراض ذات العلاقة بمقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب.
وقد تتبعنا موضوعات البحث المشتركة بين كتابي هذين العالِمين: الموافقات، والمقاصد فوجدنا بها كثيرة جداً. وحاولنا اختصارها بردّها إلى سبعة مواضع في هذا الفن الجديد المبتكر، تتناول جملة قضايا اخترنا ترتيبها على الوجه التالي:
(١) رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي .
(٢) قصد الشارع من التشريع.
(٣) التعبّد في العبادات.
(٤) عرض قضية قطعية أصول الفقه وظنيتها.
(٥) التكاليف الشرعية.
(٦) المقاصد والمصالح.
(٧) الحيل.
رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي:
أما الموضع المتعلق بنقد الشاطبي وعمله فهو واقع بين تنويه
стр. 809
وتقدير، ومؤاخذة وتخطئة. يتجلّى الوجه الأول في وصف ابن عاشور للشاطبي بالفذاذة (١). وتظهر سورة النقد في التنبيه إلى بعض تصرّفاته. قال صاحب المقاصد: ولكنه تطوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد، وأنه أتى في المسألة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة ومن النوع الرابع من كتاب المقاصد بكلام طويل في التعبّد والتعليل معظمه ضعيف ومنتقد (٢). وربما نازعه في الاستدلال ببعض الأدلة كالتي تعقبّها عليه في المسألة الحادية عشرة بقوله: وفي بعضها نظر كحديث: "لَيَشرَبنَّ ناس من أمتي الخمر". وسنده ضعيف وهو موقوف. وحديث النهي عن هديّة المِدْيَان، وسنده مطعون فيه وضعيف أيضاً (٣).
تأييد ابن عاشور للشاطبي في بيان قصد الشارع من التكليف:
وفي بيان قصد الشارع من التكاليف الشرعية التي تلزم المكلفين يذكر الشيخ ابن عاشور تأييده لقول الشاطبي في مسألة: "قَصْدَ الشارع من المكلّف يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع. والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرّ بنا أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم. والمطلوب من المكلّف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع (٤). ومن اعتداده بكلام الشاطبي واعتماده عليه ما لخص به كلامه في الفصل الذي عقده صاحب الموافقات لبيان الجهات التي تُعرف بها مقاصد الشريعة على الحد الأوسط (٥)؛ فقال: "لقد جاء
стр. 810
الشاطبي في آخر كتاب المقاصد بكلام أرى من المهم إثبات خلاصته باختصار" (١).
انصباب تكاليف الشريعة على العبادات والمعاملات والعادات:
إن تكاليف الشريعة منصبّة على العبادات وعلى المعاملات والعادات. والفرق بينها في ذلك أن الأصل فيما يتعلق منها بالعبادات التعبّد دون الالتفات إلى المعاني. ودليل ذلك الاستقراء، والمفهوم من حكمة التعبّد العامة، هو الانقياد لأوامر الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه. وكون التعبّد لم تقصد فيه التوسعة لعدم وجود أدلة من الشارع تقيّدها كما في العادات، وعدم الاستناد بالخصوص عليه دون ما شابهه وقاربه وجامعه في المعنى المشهور من الأصل المنصوص عليه. ولا يُعدَل عن هذا في العبادات إلا أن يتبيّن لنا بنصّ أو إجماع معنى مراد في بعض الصور، والمناسب معدود فيما لا نظير له. وهو الوصف الذي اعتبر محققاً للحكمة في العبادات. ومن الأدلة على هذا أن وجود التعبّدات في أزمنة الفترات لم يهتدِ إليها العقلاء اهتداءَهم لوجوه معاني العادات.
وأما الأصل في العادات فهو الالتفات إلى المعاني والتعليل والقياس، وأن العلّة المطلوبة في أمور العبادات هي مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان، بخلاف العادات وكثير من العبادات؛ فإن لها معنى خاصاً: هو ضبط وجوه المصالح، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي. وكل ما ثبت فيه اعتبار التعبّد فلا تفريع فيه. وكل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبّد فلا بد فيه من اعتبار التعبّد (٢).