← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

والأصوليين في أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال، وإنما قال بعض الأصوليين بتناوله الجنسين لأنه لما كثر اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور. واتفق الكل على أن المذكر لا يدخل تحت الخطابات إن وردت مقترنة بالتاء علامة التأنيث (١). ٣ - تقرير أن القسم الثاني من الذرائع يتجلّى فيه القياس ويخفى بحسب ما يرى الفقيه من قُربه من الأصل المقيس عليه وبُعده، وترجع مراعاة هذه الذرائع إلى حفظ المصالح ودرء المفاسد. مثال ذلك بيوع الآجال. وأضاف القرافي في الذخيرة قوله: اعتبرنا نحن الذريعة منها وخالفنا غيرنا. وحاصل القضية أنا قلنا بسدّ الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنّها خاصة بنا (٢). ٤ - تبنّى الشيخ ابن عاشور الإنكار الشديد على أهل النظر والمعرفة في صدوفهم عن الاجتهاد والتفريط فيه مع الاستطاعة ومكنة الأسباب والآلات. وذلك قوله جرياً على كلام القرافي: لو لم يبق مجتهد واحد والعياذ بالله .... (٣). وهو لذلك يقول في تعليقه في هذا الباب: يُعد آثماً في ذلك العلماءُ المتمكّنون من الانقطاع إلى خدمة التفقّه الشرعي للعمل في خاصة أنفسهم. وتُعد العامة آثمة في سكوتها عن المطالبة بذلك، بل وفي إعراضها عمن يدعوها إليه إذا شهد له أهل العلم، ويُعد الأمراء والخلفاء آثمين في إضاعة الاهتمام بحمل أهل الكفاءة على الاجتهاد (٤).

стр. 807

٥ - ترتيب المقاصد والوسائل بعد بيان الفرق بينهما أخذاً من مقالة القرافي: المقاصد هي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها. والوسائل إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، وإلى ما هو متوسط (١). ٦ - قصر العز بن عبد السلام والقرافي الذرائع على تحصيلها بمبحث المصالح والمفاسد. واتجاهُ المؤلَّف أوسع، والفقيه إليه أحوج. ومن ثم قال ابن عاشور: إن الأحكام المنوطة بتصرّفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة وإن كانت قد توجد متماثلة في الرتب المعبّر عنها، في الفقه وأصوله، بأقسام الحكم الشرعي، هي في الاعتبار الشرعي متفاوتة بحسب كون مناطها من التصرّفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشارع، أو في نظر الناس. فلذلك تعيّن أن نبحث عن هاتين المرتبتين من التصرّفات (٢). * * * الشاطبي وكتاب الموافقات: هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠، الأصولي المفسّر، والفقيه المحدّث، واللغوي النحوي. أبرزُ ما عرف به من المصنفات: الموافقات، والاعتصام. أولهما في مقاصد الشريعة، وثانيهما في محاربة البدع. ذكره الشيخ ابن عاشور بفائق التقدير والإجلال، ووصفه بالرجل الفذّ الذي تميّز بوضع تصنيف نفيس في المقاصد هو الجزء الثاني من كتاب الموافقات. فكتابه هذا عمدة لكل من جاء بعده.

стр. 808

وفيه مسائل وفوائد وابتكارات لم يسبقه إليها غيرُه. وبدون شك كانت مقاصد الشاطبي من موافقاته أوسعَ المراجع التي عاد إليها جُلُّ الباحثين في أسرار الشريعة. وللشيخ محمد الطاهر ابن عاشور صلة أية صلة بالشاطبي. وقد نقده مع تنويهه بعمله. وسبب ذلك، فيما يبدو، هو ما قاله صاحب المقاصد في بيان الغرض من تأليفه. وهو الاستدراك على الشاطبي وعلى من سبقه جملة من الأغراض ذات العلاقة بمقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب. وقد تتبعنا موضوعات البحث المشتركة بين كتابي هذين العالِمين: الموافقات، والمقاصد فوجدنا بها كثيرة جداً. وحاولنا اختصارها بردّها إلى سبعة مواضع في هذا الفن الجديد المبتكر، تتناول جملة قضايا اخترنا ترتيبها على الوجه التالي: (١) رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي . (٢) قصد الشارع من التشريع. (٣) التعبّد في العبادات. (٤) عرض قضية قطعية أصول الفقه وظنيتها. (٥) التكاليف الشرعية. (٦) المقاصد والمصالح. (٧) الحيل. رأي ابن عاشور في عمل الشاطبي: أما الموضع المتعلق بنقد الشاطبي وعمله فهو واقع بين تنويه

стр. 809

وتقدير، ومؤاخذة وتخطئة. يتجلّى الوجه الأول في وصف ابن عاشور للشاطبي بالفذاذة (١). وتظهر سورة النقد في التنبيه إلى بعض تصرّفاته. قال صاحب المقاصد: ولكنه تطوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد، وأنه أتى في المسألة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة ومن النوع الرابع من كتاب المقاصد بكلام طويل في التعبّد والتعليل معظمه ضعيف ومنتقد (٢). وربما نازعه في الاستدلال ببعض الأدلة كالتي تعقبّها عليه في المسألة الحادية عشرة بقوله: وفي بعضها نظر كحديث: "لَيَشرَبنَّ ناس من أمتي الخمر". وسنده ضعيف وهو موقوف. وحديث النهي عن هديّة المِدْيَان، وسنده مطعون فيه وضعيف أيضاً (٣). تأييد ابن عاشور للشاطبي في بيان قصد الشارع من التكليف: وفي بيان قصد الشارع من التكاليف الشرعية التي تلزم المكلفين يذكر الشيخ ابن عاشور تأييده لقول الشاطبي في مسألة: "قَصْدَ الشارع من المكلّف يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع. والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة، إذ قد مرّ بنا أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم. والمطلوب من المكلّف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع (٤). ومن اعتداده بكلام الشاطبي واعتماده عليه ما لخص به كلامه في الفصل الذي عقده صاحب الموافقات لبيان الجهات التي تُعرف بها مقاصد الشريعة على الحد الأوسط (٥)؛ فقال: "لقد جاء

стр. 810

الشاطبي في آخر كتاب المقاصد بكلام أرى من المهم إثبات خلاصته باختصار" (١). انصباب تكاليف الشريعة على العبادات والمعاملات والعادات: إن تكاليف الشريعة منصبّة على العبادات وعلى المعاملات والعادات. والفرق بينها في ذلك أن الأصل فيما يتعلق منها بالعبادات التعبّد دون الالتفات إلى المعاني. ودليل ذلك الاستقراء، والمفهوم من حكمة التعبّد العامة، هو الانقياد لأوامر الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه. وكون التعبّد لم تقصد فيه التوسعة لعدم وجود أدلة من الشارع تقيّدها كما في العادات، وعدم الاستناد بالخصوص عليه دون ما شابهه وقاربه وجامعه في المعنى المشهور من الأصل المنصوص عليه. ولا يُعدَل عن هذا في العبادات إلا أن يتبيّن لنا بنصّ أو إجماع معنى مراد في بعض الصور، والمناسب معدود فيما لا نظير له. وهو الوصف الذي اعتبر محققاً للحكمة في العبادات. ومن الأدلة على هذا أن وجود التعبّدات في أزمنة الفترات لم يهتدِ إليها العقلاء اهتداءَهم لوجوه معاني العادات. وأما الأصل في العادات فهو الالتفات إلى المعاني والتعليل والقياس، وأن العلّة المطلوبة في أمور العبادات هي مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان، بخلاف العادات وكثير من العبادات؛ فإن لها معنى خاصاً: هو ضبط وجوه المصالح، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي. وكل ما ثبت فيه اعتبار التعبّد فلا تفريع فيه. وكل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبّد فلا بد فيه من اعتبار التعبّد (٢).

стр. 811

وفي التعليق على هذه النظرة يقول صاحب المقاصد: "إن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية كلها مشتملة على مقاصد الشارع؛ وهي حِكَم ومصالح ومنافع راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد. ولذلك كان الواجب على علمائها تعرُّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرِها وخفِيّها. فإن بعض الحكم قد يكون خفياً، وإن أفهام الفقهاء متفاوتة في التفطّن لها، فإذا أعوز العلماء في بعض العصور الإطلاع على شيء منها؛ فإن ذلك قد لا يعوز مَن بعدهم، فإن هم فعلوا ذلك فاستمر عوز الكشف عن مراد الشارع وجب عليهم ألا يتجاوزوا المقدار المأثور عن الشارع في ذلك الحُكم، ولا يفرّعوا على صورته، ولا يقيسوا فلا ينتزعوا منه وصفاً ولا ضابطاً ... وإذا جاز أن نثبت أحكاماً تعبدية لا علّة لها، ولا يُطّلع على علّتها فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأما هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبدي، وعلى الفقيه استنباط العلل فيها (١). مناقشة الشاطبي قوله بقطعيّة الأدلة: ورد في كتاب الموافقات حديث طويل عن أدلة أصول الفقه التي وصفها من قبل أبو الحسين البصري بالقطعيّة. وجرى على إثره في ذلك إمام الحرمين عبد الملك الجويني حين ذكر ما هو ظنيّ في أصول الفقه مع إيقانه بقطعيّة الأدلة. وحمله ذلك على الاعتذار عن صنيعه هذا. وهو وإن لزم موقفه وتبعه عليه الأبياري والشاطبي؛ فقد اعترض الشيخ ابن عاشور على موقفهم وأبطل أدلتهم (٢).

стр. 812

وذكر الشيخ ابن عاشور الشاطبي، معلقاً على المقدمة الأولى من كتابه الموافقات، منبّهاً إلى الاستدلال فيها على كون أصول الفقه قطعية ضعيف. وأن خلاصة ما جاء فيها أن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية. والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي (١). ويفسّر كلامَ الشيخ ابن عاشور في تضعيف مقالة الشاطبي ما ذكره المحقق الشيخ دراز من قوله تعقيباً على قول الشاطبي: بيان الأول ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع (٢): إنما يبدو هذا صحيحاً؛ لأن استقراء جميع الأفراد فيه ممكن، فإنها مسائل محصورة، وكذلك ما أورده بعدُ من أن ما هو راجع إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة قطعي، ولكن المطلوب هنا هو القطع أي الجزم. ووصف دراز كلام الشاطبي بالخَطَابي لأنه لا يتأتّى اعتبار ذلك في جميع مسائل الأصول حتى ما اتفقوا عليه منها، وأن المعتبر في كل ملة بعض القواعد العامة فقط، وهي داخلة في حفظ الضروريات (٣). وقد تقدم الحديث عن الفرق بين القطعي والظنّي من الأدلة. تعريف الشيخ ابن عاشور بأنواع المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا: عرّف ابن عاشور المصلحة والمفسدة. فقال في الأولى: إنها وصف للفعل يحصل به الصلاح أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور أو الآحاد، وقال في الثانية: هي ما قابل المصلحة. وهي وصف

стр. 813

للفعل يحصل به الفساد؛ أي الضر دائماً غالباً للجمهور أو الآحاد. ثم عرض علينا تعريفات أخرى للعضد وللشاطبي وغيرهما معقّباً على هذا بقوله: "إن تعريف أبي إسحاق هو ما يتحصل منه بعد تهذيبه أن المصلحة ما يؤثر صلاحاً أو منفعة للناس، عموميةً أو خصوصيةً، ملائمة قارةٌ في النفوس في قيام الحياة". وبعد ذكر الشيخ العديد من التعريفات للمصلحة، وصف تعريف الشاطبي بكونه أقرب التعاريف السابقة على تعريفه. ووسمه رغم ذلك بكونه غير منضبط (١). وبجانب هذا الموقف الأساسي من التعريف بالمصلحة ننتقل مع الشيخ ابن عاشور إلى قضايا أخرى منها: إن المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا على مقتضى ما غلب. وهو لا ينكر وجود المصلحة المحضة ولا المفسدة المحضة، مثله مثل الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي في ذلك. ولكنه يرى من الضروري أن توضع ضوابط للمصلحة تبرزها وتتحقّق بها. وذلك: ° بأن يكون النفع أو الضر محقّقاً ومطّرداً في المصلحة. ° وأن يكون النفع والضرّ فيها غالباً وواضحاً. ° وألا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد. ° وأن يكون أحد الأمرين النفعُ أو الضر، مع كونه مساوياً لضده، معضوداً بمرجح من جنسه.

стр. 814

° وأن يكون أحدهما منضبطاً محققاً والآخر مضطرباً (١). وبعد ذكره لأنواع المصالح من خاصة وعامة وتعريفه لهما، انتهى إلى أن الشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة، كما أنها جاءت بمقاصد تنفي كثيراً من الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح، فتثبت لذلك، عوضاً عنها، مصالح أرجح منها (٢). ويتبع الإمام الأكبر قوله هذا بتوجيه نصيحته لعلماء الأمة قائلاً: ومن حق العالِم بالتشريع أن يَخْبَر أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها. وأن يسبر الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وأحوالها (٣). وقسَّم المصالحَ باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة، فذكر كغيره ممن تقدمه الأقسام الثلاثة: الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات، وعرّف كل واحد منها تعريفاً مميّزاً، باحثاً عن طرق المحافظة على الكليّات الخمس وعلى الحاجيّات والتحسينيّات واحدة بعد الأخرى (٤). وربط بين المشروعات المأذون فيها من قبل الشريعة، فأناط أعمال الناس بها قائلاً: ويلخِّصُ هذه المعاني أن الأعمال كلها منوطة بأسباب، وأن الأسباب ما جعلت أسباباً إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرع بها، وجعلَها علامة عليها ومعرّفاً بها (٥).

стр. 815

ومن أدق النتائج التي تستخلص من وراء بحثه لهذه المصالح: أن الشريعة حريصة على تحقيق الأمن والمساواة والرفق، كم تتولّى بأحكامها مراعاة مصلحة نظام العالَم بحياطتها المصالح المألوفة المطّردة بسياج الحفظ الدائم، ولو في الأحوال التي يظنّ فوات المصلحة من سائر جوانبها (١). تقسيم التكاليف إلى عزائم ورخص: إذا كانت الأعمال العبادية وحتى التعاملية متنوعة في الأمر الواحد، بحيث لا يمكن التمييز بينها أو الاطمئنان إلى ما يسوق إليه الواجب التكليفي منها، فقد انتبه الفقهاء ورجال الشريعة إلى تقسيم التكاليف عامة إلى نوعين: الأول: ما يُوصف بالعزيمة. والثاني: ما يُعرف بالرخصة. وذكر الشاطبي هذين النوعين في قوله: إن الرخصة مستمدة من قاعدة: رفع الحرج، كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف، وكلاهما أصلي كلي (٢). والشيخ ﵀ لا يتردّد في إبداء رأيه الخاص في هذا الموضوع فيقول: إني وجدت بعض أنواع الرخص مغفولاً عن التعرّض لها. وقوله: إني رأيت الفقهاء لا يمثّلون إلا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار. ونحن إذا تأملنا الرخصة ووجدناها ترجع إلى عروض المشقة

стр. 816

والضرورة، صحّ لنا أن ننظر إلى عموم الضرورة وخصوصها. وأن هناك قسماً ثالثاً مغفولاً عنه أيضاً، وهو الضرورة العامة المؤقتة. ويكشف المؤلف عن هذه الضرورة بقوله: كأن يعرض الاضطرار للأمة أو لطائفة عظيمة منها تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها ونحو ذلك. ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة، وهي تقتضي تغيير الأحكام الشرعية المقرّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة. وقد مثَّلوا لذلك بالكراء المؤبّد الذي جرت به فتوى علماء الأندلس، كابن سراج وابن منظور وبإحكار الأوقاف الذي أفتى فيه ناصر الدين اللقّاني بمصر، وبالنِّصبة والخلو والإنزال بتونس، وبالجِلسة والجزاء اللذَيْن كانا معروفين بفاس، وببيع الوفاء في الكروم الذي أفتى به علماء بخارى (١). التحيّل: تحدث الإمام الشاطبي عن التحيّل فقال في المسألة الثانية عشرة في القسم الثاني من كتاب المقاصد: إن الأحكام شرعت لمصالح العباد، وكانت الأعمال معتبرة بذلك؛ لأن مقصود الشارع فيها. فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح ولا مشروع؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها، وإنما قُصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات (٢).

стр. 817

وتحدث أكثر الأصوليين عن التحيّل فتناولوه من حيث إنه يفيت القصد الشرعي كله، أو بعضه، أو لا يفيته. وإنا لنجده متفاوتاً في ذلك تفاوتاً أدّى بنا الاستقراء إلى تنويعه إلى خمسة أنواع، ستَرِدُ مفصّلة في موضعها من كتاب المقاصد (١). ومن يتتبع الصور التطبيقية لهذه الأنواع يتبين له حُكم التحيّل بصورة واضحة. ويُدرك أن اعتماد صوره للقياس عليها يُعدُّ من الغفلة؛ لأن الحيلة لا تشتمل على معنى وحكمة يصح القياس عليها، إذ قد اتفقنا على أن الحيلة مخالفة للحِكمة ومفيتة للمقصد (٢). ومثل هذا يجري في الرخصة، بدليل إباء أزواج النبي ﷺ إدخال الرضعاء الكبار عليهن، واعتبارهن ذلك بتبنّي أبي حذيفة لسالم رخصة لا يُحمل عليها غيرها من الأحوال المشابهة لها بطريق القياس (٣). وهذه المسائل جميعها كانت موضع تجاذب بين المؤلف وبين طائفة من الروّاد في علم الأصول وعلم المقاصد المتقدم ذكرهم. ولم يمنعه هذا من تخصيص بعضها بالنظر والدرس فاستأنفَ الحديث في ذلك (٤). * * * * *

стр. 818

الفصل الثالث: المقاصد العامة والمصالح المقاصد لغة جمع مقصد. وهو مِن قصَد يقصِد قصداً ومقصداً. ورد القصدُ أو المقصدُ في كلام العرب بمعنى الاعتزام والتوجّه والنهوض نحو الشيء على اعتدال كان ذلك أو جور. وإن كان قد يخصّ في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل. ألا ترى أنك تقصد الجور كما تقصد العدل. فالاعتزام والتوجّه شامل لهما (١). ومن هذا التعريف اللغوي أثبتوا للمقاصد عدة معانٍ منها: (١) الاعتماد، والأَمّ، وإتيان الشيء، والتوجّه. (٢) استقامة الطريق. (٣) العدل، والتوسط، وعدم الإفراط. (٤) الكسر في أي وجه كان. ولم يحدد القدماء من علوم أصول الفقه معنى القصد أو المقصد اصطلاحاً. ولا يفي بذلك ما نقل عن بعضهم من التنصيص على جملة من المقاصد أو التقسيم لأنواعها، أو البيان للغرض الذي يحصل به مراعاتها من جلب المصالح ودرء المفاسد.

стр. 819

ولعل أول من عني ببيان معنى المقاصد اصطلاحاً، هو الإمام الأكبر في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية. فقد قدم للقسم الثاني منه بقوله: المقاصد العامة هي المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أصول التشريع أو معظمها، بحيث لا تختصُّ ملاحظتها بالكون في نوع خاصًّ من أحكام الشريعة، وتدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتُها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، كما تدخل في هذا أيضاً معان من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها (١). ونقرأ له بعد ذلك قبل تفصيله القول في المقاصد الخاصة، وأثناء التفريق بين المقاصد والوسائل: "المقاصد هي الأعمال والتصرّفات المقصودة لذاتها، والتي تسعى النفوس إلى تحصيلها بمساع شتى، أو تُحمل على السعي إليها امتثالاً". وزاد عند حديثه عن المعاملات: "المقاصد من موارد الأحكام، وهي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها". ووضع الإمام حداً ثانياً يميّز به المقاصد الخاصة عن العامة، وهو قوله: "هي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرّفاتهم الخاصة، كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيلهم مصالحهم العامة، إبطالاً عن غفلة أو عن استزلال هوى وباطل شهوة".

стр. 820

وتدخل في ذلك كل حكمة رعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس. ويتفرع عن هذه الحقيقة حصر مقاصد الناس في تصرفاتهم. فهي المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا. وذكر الإمام لهذه المقاصد رتبتين: الأولى: منهما، وهي العليا، هي أنواع التصرّفات التي اتفق عليها العقلاء أو جمهورهم لما وجدوا من ملاءمتها لانتظام حياتهم الاجتماعية. والثانية: هي الدنيا، وهي التي قصد إليها فريق من الناس وآحاد منهم في تصرّفاتهم لملاءمة خاصة لها ببعض أحوالهم. وإذا كانت المقاصد الأولى العامة تعتمد من جهة الفطرة، وتتولد عنها السماحة والمساواة والحرية وتمضي بنا إلى الغاية التي يصورها لنا المقصد العام من التشريع وهو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، والتصور الكامل للحقوق، فإن المقاصد الخاصة تشمل أحكام الأسرة، والتصرفات المالية، والأموال، والمعاملات المنعقدة على عمل الأبدان، وأحكام التبرعات، وأحكام القضاء والشهادة وما يتصل بذلك من تصرف القاضي في تعيين المؤتمن من بين أفراد المستحقين أو من غيرهم، والتعجيل بإيصال الحقوق إلى أصحابها، والمقصد الشرعي من العقوبات. وتعتبر هذه وتلك من المقاصد حقوقاً عند البعض لما في الحقوق من ضمان للمصالح. وهذه الحقوق منها ما يعرف بإضافته لله، ومنها ما يضاف للعبد، ومنها الحقوق المشتركة.

стр. 821

وليس المراد من حق الله هنا التوحيد والعبادة، فهذان داخلان في العقائد والعبادات، وإنما المقصود من حقوق الله هو حقوق الأمة التي فيها تحصيل النفع العام أو الغالب، أو حق من يعجز عن حماية حقّه. فهذه الحقوق التي تحفظ المقاصد العامة للشريعة، وتحفظ المقاصد الخاصة بحماية تصرفات الناس في اكتساب مصالحهم الخاصة، وحفظ حقّ كل من يظنّ به الضعف عن حماية حقّه؛ أوصى الشارع بها عباده، وحملهم على مراعاتها. ولم يجز لأي أحدٍ منهم إسقاطها. والمراد من حق العبد التصرّفات التي يجلب بها المرء لنفسه ما يلائمها أو يدفع بها عنها ما ينافرها. وحقوق العباد هي الغالب. والمشترك من الحقين يغلب فيه حق الله، وربما غلب حق العبد إذا لم يمكن تدارك حق الله (١). الفطرة: ربط الإمام مقاصد الشريعة بالفطرة. فهي الوصف الأعظم للشريعة الإسلامية. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢). فأعرب الآية، وذكر تآويل المفسرين لكلمة الفطرة، ناقلاً عن الزمخشري وابن عطية أنها جملة الدين بعقائده وشرائعه. وهي عنده: الخِلقة بمعنى النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق. ففطرة الإنسان ما فُطر عليه، أي ما خُلق عليه ظاهراً وباطناً، جسداً وعقلاً.

стр. 822

وتتنوع الفطرة، فمنها العقلية ومنها النفسية. فالفطرة العقلية، وُصف الإسلام بها، لأنها تشمل العقائد والتشريعات؛ فهي تُدرَك بالعقل، وتجري على وفق ما يشهد به العقل من المُدرَكات. ولزيادة بيان هذا الوصف أورد الإمام كلام ابن سينا في الفطرة. وهو كلام طويل جاء منه في كتاب النجاة، أن من الفطرة فطرةَ الذهن، ووصفها بأنها تكون كاذبة. والفطرةُ الصادقة لديه هي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إمّا شهادةُ الكل، وإمّا شهادةُ الأكثر، وإمّا شهادةُ العلماء والأفاضل منهم. وأخرج بهذا الذائعات. وجعل أقدر الناس على تمييزها عمّا يلتبس بها من المدركات والوجدانيات، العلماءَ والحكماءَ وأهلَ العقول الراجحة. وزاد الشيخ: الفطرة النفسية. وهي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة (١)، وجعلها - بعد استبعاده الأوهام والتخيّلات، منشأ أو مصدر الأصول التي جاء بها الإسلام من الفطرة، وأتبعها بفروع هي الفضائل الذاتية المقبولة التي دعا إليها الإسلام وحرّض عليها. وعدّ من ذلك: الزواج، والإرضاع، والتعاوض، وآداب المعاشرة، وحفظ الأنفس والأنساب، والحضارة الحق، والمخترعات. وختم المؤلف حديثه عن الفطرة بالتنبيه: أولاً: إلى أن مقتضيات الفطرة، إذا لم يمكن الجمع بينها في العمل، فإنه يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة. وثانياً: إلى أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة (٢).

стр. 823

ومن خلاصة هذا الكلام يتبيّن لنا أن الفطرة تمثل خط السير الأساسَ الذي تجري عليه الأحكام الشرعية، كما أن القصد من تلك الأحكام أن تكون موسومة بسيماه وعلى وفقه. ويظهر التعانق بين الفطرة والدين القيّم من البيان العالي والتقرير السامي الذي كشف به عن المقصد الأعظم الوارد في القرآن الكريم. وذلك ما يتأتّى عن طريقه حملُ الناس على الخير والصلاح المُطلق بالأخذ بما تضمّنه التنزيل من تفصيل للمقاصد ودعوة إلى الأخذ بها. فالقرآن أنزله تعالى كتاباً لصلاح أمر الناس كافة، رحمةً لهم، لتبليغهم مراد الله منهم. والمقصد الأعلى من ذلك صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١). ووجب على التالي لهذا الكتاب أن يعلم المقاصد التي جاء القرآن لتبْيِينها. وقد حصرها الإمام في ثمانية أمور بلغ إليها بحسب ما انتهى إليه استقراؤه وهي: (١) إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح: وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق. (٢) تهذيب الأخلاق: قال تعالى مخاطباً رسوله ونبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وما كان هذا الخلق العظيم إلا السمت الفريد الذي جاء به القرآن، وتقمّصه الرسول ﷺ لكمال تعلّقه به. (٣) التشريع: وهو الأحكام خاصة وعامة. قال الشاطبي: لأن القرآن على اختصاره جامع، والشريعة تمت بتمامه، ولا يكون جامعاً لتمام الدين إلا والمجموع فيه أمور كلية.

стр. 824

(٤) سياسة الأمة. وهي باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (١). (٥) القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم: ﴿أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢). (٦) التعليم بما يناسب المعاصرين، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرِها. وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار. (٧) المواعظ والنذر والتحذير والتبشير: وهذا باب عجيب في الترغيب والترهيب. (٨) الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول ﷺ (٣). السماحة: في التمهيد للحديث عن المقاصد، وتحقيق فعالياتها الخيّرة في المجتمعات البشرية، ومن إمعان النظر في المقصد العام من التشريع ومسايرته لحفظ الفطرة، ومجانبته ما يمكن أن يكون سبباً في خرقها واختلالها، يتولّد المقصد العظيم في الشريعة الإسلامية وهو السماحة. ولا بدع في هذا؛ فإن السماحة هي قوام الصفات الفاضلة. فهي منبع الكمالات والاعتدال والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.

стр. 825

يدلّ على ذلك وصف الله تعالى الأمة الإسلامية أو صدّرها بها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١). وقد وردت نصوص كثيرة من القرآن والسُّنة نذكر منها جملة تشهد بأن من استقراء الشريعة يحصل العلم بأنَّ السماحة واليُسر من مقاصد الدين. قال رسول الله ﷺ : "يسّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنفّرا" (٢). وتبعاً لهذا قرر الشاطبي: أن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع. وإنا لندرك هنا أن السماحة كان لها الأثر الكبير في انتشار الشريعة وبقائها. فاليسر من الفطرة، ومن الفطرة حب الرفق، وفي ذلك جميعاً رحمة للناس. ومن المقاصد الشرعية المتولدة عن الفطرة حقائق وأوصاف كثيرة نذكر منها المساواة والحرية. المساواة: هي مقصد شرعي نشأ عن عموم الشريعة كقولنا: المسلمون سواءٌ بأصل الخلقة واتحاد الدين. وكل ما شهِدت به الفطرة من التساوي فيه فرضته أحكام الشريعة، وكل ما شهدت الفطرة منه بالتفاوت بين الناس كان التشريع بمعزل عن فرض الأحكام الشرعية فيه متساوية. فالناس سواءٌ في البشرية، في حقوق الحياة بحسب الفطرة، وهم متساوون في أصول التشريع. وذلك في حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسب، وحفظ المال، وحفظ العقل، وزاد بعضهم حفظ العرض. والمساواة في التشريع أصل لا يتخلف إلا عند وجود مانع.

стр. 826

والموانع هي العوارض وهي أربعة أنواع: جبليّة، وشرعية، واجتماعية، وسياسية (١). والمساواة هي الظاهرةُ البارزةُ المميّزةُ لهذه الشريعة. وهي مناط العدل وإثبات الحق. والأخوةُ في الدين بين جميع المسلمين تمثّل وحدة، يتحد بصفة عامة فيها، الفكر والتوجّه، ويخضع كل أفرادها إلى تشريع واحد يدينون لله به. وهو تشريع لا يتأثّر بقوّة أو ضعف، يَحمِل دوماً على مراعاة هذا الأصل، وعلى نبذ كل ما عداه من أسباب المجافاة للحق التي قد تخامر العقل، أو يحمل عليها نوع من أنواع العصبيّات النسبيّة أو القبليّة. فالمساواة حقيقة أقرها المنهج الإسلامي، وفرض سلطانها، ورعايةَ المؤمنين جميعِهِم لها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢). وفي هذا تقرير للمساواة بين أفراد الجنس البشري، كما يدل على ذلك قوله ﷺ ، في القضاء وجوباً على كل ميز عنصري: "كلكم لآدم وآدم من تراب" (٣). والتساوي في حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة، لا على ما يكون من تفاوت في الألوان والصور والسلائل والأوطان. ومن أغراض هذا المقصد في أصول التشريع حقّ الوجود في حفظ النفس والنسب والمال، وحق الاستقرار في الأرض التي اكتسبها النالس أو نشأوا فيها، وحق حفظ أسباب البقاء على حالة نافعة ولا

стр. 827

يتم هذا إلا بحفظ العقل والعرض (١). وقد جاء قول الله يؤكّد هذه الحقائق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). موانع المساواة: وتظهر بين الناس فروق يمتنع معها اعتبار المساواة والاعتداد بها. وذلك متى وُجِدت موانع معتبرة. وهذه الموانع أو العوارض متى تحقّقت أوجبت إلغاء حكم المساواة، إما لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، وإما لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وأنواع الموانع أربعة: (١) الموانع الجِبِلِّية: كمنع مساواة المرأة الرجل فيما تقصر فيه عنه بموجب أصل الخلقة، ومنها منع مساواة الرجل للمرأة في حق كفالة الصغار. وألحقوا في الماضي منع مساواة المرأة للرجل، فيما هو من خصائص الرجال وهو الكسب والإنفاق. (٢) الموانع الشرعية: وهي ما كان سببها تعيين الشرع. والتشريع الحق لا يكون إلا مستنداً إلى حِكمة أو علّة معتبرة. (٣) الموانع الاجتماعية: وأكثرها ما بني على ما فيه صلاح المجتمع، أو على معان معقولة، أو على ما اعتاده الناس، وتواضعوا عليه، فأصبح أصلاً لهم يعتمدونه ويتعاملون به. (٤) الموانع السياسية. وهي الأحوال التي تؤثر في سياسة الأمة فتقتضي إبطال حكم المساواة بين أصناف أو أشخاص، أو في أحوال خاصة، مراعاة لتحقيق مصلحة من مصالح الأمة.

стр. 828

الحرية: يعزّز الصفات التي ذكرناها ما جاء في الشريعة من بيان مدى حرية التصرّف بين الناس. وللحرية عدة معانٍ. فهي تعني أساساً استواءَ أفراد الأمة في تصرّفهم في أنفسهم. وهذا بدون شك مقصد أصلي من مقاصد الشريعة. وتُطلق الحرية بإزاء معانٍ كثيرة أخرى: أولها: ما يضاد العبودية. فمن أهم المقاصد التي دل عليها الاستقراء إبطال العبوديّة وتعميم الحرية. ثانيها: أن يتصرّف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة، تصرّفاً غير متوقّف على رضا أحد آخر. وتطلق هذه الحريّة مجازاً على تمكّن الشخص من التصرّف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض. ولا شك أن معنيي الحرية المزدوج مراد للشارع: وذلك لنشأتها على الفطرة، ولكونها تقتضي المساواة. وهي من مقاصد الشريعة الأساسية. وباستقراء نصوص الشريعة ندرك مدى تشوُّف الشريعة إلى الحرية وحرصها على بثها بين الناس. فالحرية من مقاصد الإسلام. وتتعلّق بعدة مظاهر في المعتقد والقول والعمل ونحو ذلك. تشوف الشارع للحرية: أكد الفقهاء على تشوّف الشارع للحرية. فكان من أكبر مقاصد السياسة الإسلامية إيقاف غلواء الأمم الظالمة الطاغية، والانتصاف من الأقوياء للضعفاء. وقد سلط الإسلام عوامل الحرية على عوامل

стр. 829

العبودية جمعاً بين نشر الحرية وحفظ نظام العالم. وذلك بإيقاف أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق، وقصره على سبب الأسْرِ خاصة. فأبطل الاسترقاق الاختياري، والاسترقاق لأجل الجناية، والاسترقاق في الدَّيْن، والاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية، واسترقاق السائبة. وعالج الإسلام الرق الموجود بجميع أنواعه بروافع تدفع ضررَه. ومن معاني الحرية المعدودة في مقاصد الإسلام، تعلّق الناس بأصولهم في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم مما يخوَّل لهم الشرعُ التصرّف فيه. وقد جعل الشيخ ابن عاشور من هذا عدداً من الحريات نذكر منها: أولاً: حرية الاعتقاد القائمة على إبطال المعتقدات الضالَّة التي يُكرِه دعاةُ الضلالة أَتباعَهم ومريديهم على اعتقادها دون فهم ولا هدى ولا كتاب، ونفيُ الإكراه في الدين، والسماحُ بإقامة البراهين على العقيدة الحق، وحُسن مجادلة المخالفين وردُّهم حين الجدل إلى الحق بالحِكمة والموعظة الحسنة. ثانياً: حرية الأقوال في التصريح بالرأي والاعتقاد في منطقة الإذن الشرعي. وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقول رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان" (٢). ومنها حرية الأعمال وتدخل في كل مباح. وليس أحد أرفق

стр. 830

بالناس من الله. فتصرّف المرأة في مالها غير موقوف على إجازة زوجها، والحرّية في عمل المرء المتعلّق بعمل غيره، الأصلُ فيها أنّها مأذون فيها إذا لم تكن تضرّ بغيره. ومن حرية الأعمال ما يلزم المرء به نفسه بموجب حرية تصرّفه في العقود والالتزامات لمصلحة يراها على التفصيل بين ما يجب عليه من ذلك في حال التعاقد القولي، وبين ما لا يجب إلا بالشروع في العمل. والحرية ليست مطلقة بالنسبة للمؤمن بل يكون ملزماً في واقع الأمر بإقامة المصالح إذا عُيّن لها كما في فروض الكفايات. ويقع تعزيره عند التفريط. فيجب عليه الضمان، ويكون معرضاً للعقوبة بدون قبول توبته كما في الحرابة، أو بعدَ الاستتابة كما في الردة (١). ومنها حرية العلم والتعليم والتأليف. وفي ظل هذه الحرية أينعت حضارة الإسلام فأبدى الناس آراءهم، ونشروا فتاواهم ومذاهبهم، ونقلوا إلى عامة الناس تجاربهم وعلومهم. ولم يكن في ذلك موجب لمناوأة أو عداء. قال رسول الله ﷺ : "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبّ حامل فقه إلى من ليس بفقيه" (٢). تعريف المصلحة والمفسدة: ويختلط المقصد بالمصلحة في الاستعمال. فيذكر أحدهما بمعنى الآخر. ولرفع كل لبس عقد الإمام فصلاً للتعريف بالمصلحة والمفسدة، نقل فيه تعريفين: الأول للعضد من شرحه لمختصر ابن الحاجب الأصولي، والثاني للشاطبي من موافقاته. وأتى هو بتعريف

стр. 831

ثالث جاء فيه: المصلحة كاسمها شيء فيه صلاح قوي. وهي وصف للفعل يحصل به الصلاح؛ أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور والآحاد (١). ثم أضاف إلى ذلك ذكر أنواع المصلحة فشرح الوضع وحل المشكل بقوله: إن المصالح كثيرة، متفاوتة الآثار قوة وضُعفاً في صلاح أحوال الأمة والجماعة، وإن المعتبر منها ما نَتَحقّق أنه مقصود الشارع. فالمصالح كثيرة منبثّة. ومقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه لا يلزم أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة. ثم عقّب على قوله هذا بأن من حق العالم بالتشريع أن يَخْبُرَ أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها، وأن يسبر الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وأحوالها إثباتاً ورفعاً، واعتداداً ورفضاً، لتكون له دستوراً يقتدى، وإماماً يحتذى (٢). المصلحة والمفسدة محضتان خالصتان ومشوبتان مختلطتان: المصالح والمفاسد نوعان: الأول كونهما محضتين خالصتين، والثاني كونهما مشتركتين مختلطتين. وقد انقسمت الآراء في ذلك شطرين بين فريقين: الفريق الأول: ومن أعلامه القرافي والشاطبي كانا يريا مصالح هذا العالم ومفاسده لا توجد إلا مختلطة. وحجة الأول في ذلك قوله الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٣). وقد أوضح القرافي رأيه هذا بقوله: إن استقراء

стр. 832

الشريعة يقتضي أنه ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلّت على البعد (١). وقال أبو إسحاق: إن المصالح الدنيوية، من حيث هي موجودة في هذا العالم، لا تخلص لأن تكون مصالح محضة ... لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق، قلّت أو كثرت، تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها. فإن المصالح لا تنال إلا بكد وتعب، كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمقاصد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تُفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثير (٢). ويمضي في تقرير هذا قائلاً: إن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين، والاختلاط بين القبيلين. فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك. وبرهانه التجربة التامة من جميع الخلائق. وأصل ذلك الإخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص (٣). قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٤) وقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٥). والفريق الثاني: ذهب إلى تقرير وجود المصلحة المحضة وكذا المفسدة المحضة. ولقد صرح هذا الإمامان العز بن عبد السلام ومحمد الطاهر ابن عاشور. قال أولهما: إن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وإن تقديم أرجح المصالح فأرجحها ودرء أرجح المفاسد فأفسدها محمود حسن (٦). وقد ورد في السُّنة ما يدل على ذلك، قوله ﷺ : "حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات".

стр. 833

وقال صاحب المقاصد مؤكداً ما ذهب إليه العزّ: إن النفع الخالص والضر الخالص وإن كانا موجودين إلا أنهما بالنسبة للنفع والضر السويين يعتبران عزيزين. وقد وجه الإمام دعواه بقوله: إن التعاون الواقع بين شخصين هو مصلحة لهما وليس فيه أدنى ضرٍّ، وإن إحراق مال أحد إضرار خالص، على أن بعض المضرة قد يكون لضعفه مغفولاً عنه ممن يلحقه، فذلك منزّل منزلة العدم، مثل المضرة اللاحقة للقادر على الحمل الذي يناول متاعاً لراكب دابة سقط منها متاعه. فإن فعله ذلك مصلحة محضة للراكب، كان ما يعرض للمناول من العمل لا أثر له في جلب ضرًّ إليه (١). ومن يعد إلى موقف ابن القيم من القول بوجود المصالح والمفاسد المحضة وبنظائرها المختلفة، يجده مصرّحاً بإمكان الجمع بين أقوال الفريقين: فإذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة لا تشوبها مفسدة فلا ريب في وجودها، وإذا أريد بالمصلحة ما لا تشوبها مشقة، ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست موجودة بهذا الاعتبار. إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبَر إليها إلا على جسر من التعب. وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن مَن آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة (٢). * * * * *

стр. 834

الفصل الرابع: ضوابط المقاصد وأقسامها في بداية الحديث عن المقاصد العامة ذكر المؤلف أن المقاصد نوعان: معانٍ حقيقية، ومعانٍ عرفية عامة. ولمنع الاستهتار بتعيين المقاصد ومحاولة اختيارها من غير النوعين المذكورين أعلاه اشترط الإمام الأكبر في المعاني الحقيقية والمعاني العرفية كليهما وصفاً ضابطاً - لها هو الثبوت والظهور والانضباط والاطراد. أما الثبوت فهو أن تكون المعاني مجزوماً بتحقّقها أو مظنوناً بها ظناً قريباً من الجزم. وأما الظهور فهو الاتضاح بحيث لا يختلف الفقهاء في تشخيص المعنى ولا يلتبس على معظمهم بمشابهه. والانضباط هو أن يكون للمعنى حدٌّ معتبَرٌ لا يتجاوزه ولا يقصر عنه. والاطراد هو أن لا يكون مختلفاً باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار. وقسم الإمام الأكبر المقاصد إلى أنواع ثلاثة: القسم الأول باعتبار ما يكون لها من آثار في قوام أمر الأمة. وهذه ثلاثة: ضرورية وهي الكلّيّات الخمس، وحاجية، وتحسينية.

стр. 835

القسم الثاني ما يكون باعتبار تعلق المقاصد بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها. ونراها على هذا الأساس تختلف بين كلية وجزئية. والقسم الثالث ما يكون باعتبار تحقّق الاحتياج إليه في قوام أمر الأمة أو الأفراد. وتختلف أنواعه بين قطعيّة وظنيّة ووهميّة. وقدم الشاطبي لهذه الأقسام الثلاثة ببيان أن المقاصد التي يُنظر فيها قسمان: أحدهما ما يرجع إلى قصد الشارع، والآخر إلى ما يرجع إلى قصد المكلف. ثم ذكر التكاليف الشرعية التي ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، فبدأ بالكليات الخمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. القسم الأول من المقاصد: وعلى نحو ما جرى عليه صاحب الموافقات تعرض الإمام الأكبر إلى الأنواع الثلاثة من ضروريّة وحاجيّة وتحسينيّة. وهذه تتنوع إلى أربعة أنواع: ° النوع الأول: مقاصد وضع الشريعة ابتداءً (١). ° النوع الثاني: مقاصد وضع الشريعة للأفهام (٢). ° النوع الثالث: مقاصد وضع الشريعة للتكليف (٣). ° النوع الرابع: مقاصد وضع الشريعة للامتثال (٤). وهذه الأنواع الأربعة مبيّنة أكمل بيان، في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية (٥).

стр. 836

أحاط الشيخ ابن عاشور بهذا القسم إحاطة كاملة، وأورد الكثير من البيانات والتقسيمات التي عرضها نقلاً عن الأئمة كالغزالي وابن الحاجب والقرافي والشاطبي. وسار على طريقتهم في ترتيب الكليّات، وخالف القرافي ونازعه في اعتبار حفظ العرض من الضروريات. وتحدّث إثر ذلك عن طرق حفظ الضروريات، وشرحَ القصد من الحاجيات وكذلك التحسينيات، وعدّل وأضاف أشياء كثيرة لم ينتبه إليها من قبله. أما تعريفه للمصالح الضرورية فقوله: هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام باختلالها. فإذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش. وذلك بما قد يحصل من تفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها، إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها. واستند الإمام إلى الغزالي في القول بأن العلم بالضروري مقصود للشارع بأدلة خارجة عن الحصر، واستدل لذلك أيضاً بقول الشاطبي: إن علم هذه الضروريات صار مقطوعاً به لتضافر أدلته. فقتل النفس مثلاً ورد الخطاب الإلهي بالنهي عنه، وأقام على ارتكابه جنس العقوبة، وأغلظ فيها بالتوعد عليه، ومقارنة شناعة ارتكابه بالشرك. ويذكر بعد هذا ما نبه إليه بعض علماء الأصول من قولهم: إن الإشارة إلى هذه الضروريات ورد بها الذكر الحكيم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ

стр. 837

شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وفي هذه الآية العامة في مخاطبة المكلفين ذكرٌ لأصناف الضروريات من دين ومال ونسب ونفس وعقل. وسلك الإمام الأكبر مسلك الشاطبي في بيان حفظ هذه الكليات الخمس من أصول العقيدة والسلوك. فصوّر حفظ الدين بصورتين: الأولى: حفظ دين كل أحد من المسلمين من أن يدخل عقيدتَه ما يُفسدها أو يفسد عملَه اللاحق بالدين. الثانية: حفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة. وذلك بدفع كل ما من شأنه أن ينقض أصول العقيدة. وهو ما يرجع إلى حماية البيضة والذب عن الحوزة الإسلامية بإبقاء وسائل تلقّي الدين من الأمة في حاضرها وآتيها. أما حفظ النفس فمعناه صيانتها من التلف أفراداً وجماعات. والقصاص هو أضعف أنواع حفظ النفوس؛ لأن الأهم من ذلك حفظ النفس من التلف قبل وقوعه كمقاومة الأمراض السارية، ومنع الناس من أن تدركهم العدوى بدخول بلد قد انتشرت فيه أوبئة. وأما حفظ العقل فتحصينه مما يمكن أن يدخل على عقل الفرد من خلل يفضي إلى فساد جزئي، أو على عقول الجماعات وعموم الأمة من فساد أعظم، سببه تناول المفسدات من مسكر أو حشيش أو أفيون ونحو ذلك.

стр. 838

وأما حفظ المال فطريقه التأدب بآداب الإسلام فيه. وذلك بالإمساك عن الإتلاف المنهي عنه شرعاً، وحفظ أجزاء المال المعتبرة من التلف بدون عوض. ولا يكون من هذا إلغاء بعض الأعواض من الاعتبار، ولا حفظ الأموال من الخروج من يد مالكها إلى يد أخرى من أيدي الأمة بدون رضا. فإن تلك من الحاجي لا من الضروري. وحفظ الأموال الفردية يؤول إلى حفظ مال الأمة وبه يحصل. وأما حفظ الأنساب فهو المعبَّر عنه بحفظ النسل. وتناوله الإمام بشيء من البسط في القول، جاعلاً حفظ الأنساب - أي النسل - من الضروري. وذلك ما يتحقق بحفظ ذكور الأمة من مثل الاختصاء أو من ترك مباشرة النساء باطراد العزوبة، وبحفظ إناث الأمة من قطع بعض أعضاء الأرحام التي بها الولادة، ومن أن تنشئ إفساد الحمل وقت العلوق، أو بقطع الثدي فإنه يكثر الموتان. ويكون حفظ النسب بتحقيق انتساب النسل إلى أصله وهو من الحاجي. لكنه لما كان لفواته عواقب وخيمة يضطرب بها أمر نظام الأمة، وتنخرم بها دعامة العائلة غلظت الشريعة في حدّ الزنى. وممّا ورد من التغليظ فيه ما قاله بعض العلماء في نكاح السر، وكذلك فيما ورد عنهم في النكاح بدون ولي وبدون إشهاد. وزاد القرافي على هذه الكليّات الواجبِ حفظُها حفظَ العِرض. وردَّ الإمام الأكبر ذلك، سالكاً منهج الغزاليَ وابن الحاجب في القول بعدم ضروريته، معلّلاً اتجاهه ورأيه بنفي التلازم بين عدِّ الأمر من الضروري، وبين ما يترتّب على تفويته من حدًّ. ويكون الضروري قليل التعرض إليه في الشريعة لاتخاذ البشر فيه ما يستوجبه من حيطة؛ لأنّه من الجبلّي المركوز في الطبع.

стр. 839

وتعرض الشيخ ابن عاشور بعد ذلك إلى قسمي الحاجي والتحسيني. وهما معدودان في المصالح المعتبَرِ أثرُها في قوام أمر الأمة. فالحاجي، كما قدمنا، هو ما تحتاجه الأمة لاقتناء مصالحها وانتظام أمرها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لفسد النظام، ولكنه يكون على حالة غير منتظمة فلا يبلغ مبلغ الضروري (١). وعرفه الشاطبي بقوله: هو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب. فلو لم يُراعَ دخل على المكلَّفين الحرجُ والمشقّةُ، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقع في المصالح العامة. وتولّى المؤلف إثر هذين التعريفين المسوقين للمقارنة بينهما ذكرَ أمثلة للحاجي جعل منها الأصوليون البيوع والإجارات والقراض والمساقاة. ووضع الشيخ ابن عاشور لضبط الحاجي قاعدة يسهل عن طريقها إدراك جملة من صوره. وذلك قوله: إن معظم قسم المباح من المعاملات راجع إلى الحاجي. وألحق به النكاح الشرعي، وحفظ الأنساب كإلحاق الأولاد بآبائهم والعكس. ومنه أيضاً في البيوعات بيوع الآجال المحظورة لأجل سد الذريعة، وتحريم الربا، وأخذ الأجر على الضمان، وبذل الشفاعة. فإن هذه أكثرَها من الأحكام التكميلية لحفظ المال وليست داخلة في أصل حفظ المال. ويتلو الضروريات والحاجيات قسم التحسينيات. عرف الغزالي التحسيني من المصالح بقوله: هو الذي يقع موقع

стр. 840

التحسين والتزيين للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. ومثاله سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه أو روايته، فلأن العبد ضعيف المنزلة باستسخار المالك إياه. فلا يليق بمنصبه التصدّي للشهادة (١). وقال الشيخ ابن عاشور في تعريف التحسيني: هو عندي ما كان به كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، فتكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها، أو في التقرب منها. فإن لمحاسن العادات مدخلاً في ذلك سواء أكانت العادات عامة كستر العورة، أم خاصة ببعض الأمم كخصال الفطرة وإعفاء اللحية. وجعل الإمام سد ذرائع الفساد من المصالح التحسينية فهي أحسن من انتظار التورط في الممنوعات (٢). وهذا القسم بأنواعه الثلاثة عني ببحثه العلماء، وتتبعوا تصاريف الشريعة في أحكامها فيه، فوجدوها - كما قال الإمام - دائرة حول هذه الأنواع لا تكاد تفيت شيئاً منها ما وجدت السبيل إلى تحصيله، حيث لا يعارض ذلك معارض في جلب مصلحة أعظم أو في درء مفسدة كبرى. المقاصد بين كلية وجزئية: والتقسيم الثاني للمقاصد يجعلها نوعين متمايزين هما المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة وسيأتي تفصيل القول في ذلك. والتقسيم الثالث فهو يجعلها أحدهما الكلي والآخر الجزئي، فالمقاصد الكلية هي ما تناول القسمين الأولين من المقاصد. وهو العامة والخاصة. وهما مذكوران في التقسيم الأول، إما باعتبارهما إطلاقاً على جملة

стр. 841

مقاصد أحكام الشريعة، وإما باعتبار تناوله لجميع مسائل يضمها باب واحد. وتقابل هذه المقاصد أو المصالح الكلية مصالحُ جزئية. وهي عبارة عن الفروع الفقهية وما استدل به عليها كما هو واضح من كتب الفقه، وكتب القواعد، وما وضعه العلماء من تصانيف في محاسن الشريعة الإسلامية. المقاصد بين قطعيّة وظنيّة: إن المؤلّف بعد عرضه لطرق إثبات المقاصد الشرعية المعلومة لدى السلف، وعند من لحق بهم من المجتهدين والأئمة الفقهاء، شعر بما قد نكون شاعرين به من عطاء ممدود، يمكن أن يلتمس عن طريقه أهل العلم وغيرهم تعيينَ المقاصد، والحكمَ لها بوجوب الاعتبار، ممّا يجعلهم حريصين على استنباط الأحكام الشرعية مهما كانت درجة الطريق قوة أو ضعفاً، ومهما كانت تلك المقاصد مستقاة من رأي غالب المجتهدين أو من رأي واحد شاذ لا يعدو أن يكون رأيه رأياً شخصياً لا اعتداد به عند الجمهور. فَحَمَلَه الخوف من التساهل في هذا الأمر على وجوب التأمّل والتثبت في الأدلة، والتحذير من التساهل والتسرع في تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي، يكون أصلاً تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطأ في هذا خطر عظيم (١). ودعا المؤلف إلى تجديد علم الأصول بالإبقاء على المسائل الهامة العلمية المُتّصلة به اتصالاً أصلياً، وتفريغه مما يشوبه من

стр. 842

مسائل العلوم الأخرى. ثم إلى تعويضه بعلم المقاصد الشرعية الذي هو أوسع منه لما فيه من المقاصد القطعيّة والمقاصد القريبة منها والظنّية. فالمقاصد الشرعية القطعيّة هي ما يؤخذ من متكرر أدلة القرآن تكرراً ينفي احتمال قصد المجاز والمبالغة. وذلك كمقصد التيسير الذي وردت به جملة من الآي الكريمة تَتْبعها الأحاديث النبوية الشريفة. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (١)، وقال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقوله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٤). ومثل هذا التكرار والتأكيد لطلب اليسر أو التيسير ورد في السُّنة أيضاً في قوله ﷺ : "عليكم من الأعمال ما تطيقون" (٥)، "إن هذا الدين يسر وليس بالعسر" (٦)، و"يسِّرا ولا تعسِّرا" (٧). فاستقراء هذه النصوص وغيرها مما ورد في الكتاب يدل قطعاً على أن التيسير من مقاصد الشريعة. وهي كلها قطعيّة النسبة إلى الشارع لأنها من القرآن وهو قطعي المتن. والمقاصد الظنّية دونها. لا تحتاج إلى استقراءٍ كبيرٍ لتصرّفات الشريعة. وقد وضع العزُّ بن عبد السلام قاعدةً ترشد إلى طريق معرفة المقاصد الظنية (٨).

стр. 843

وذكر الشاطبي في المسألة الثالثة من الطرف الأول من كتاب الأدلة أن الدليل الظنّي إمّا أن يرجع إلى أصل قطعي مثل: "لا ضرر ولا ضِرار"، وإما إلى قواعد كليّة. وذكّر الشيخ ابن عاشور، بأن خبر الآحاد لا يكون قطعياً (١). كما ذكر بأن النهي عن الاعتداء على الغير بشتى الأشكال المادية يقتضي اعتبار المنهي عنه من الجنايات. وهذا في غاية العموم في الشريعة. وهو مما لا شك فيه ولا مراء (٢). ومن أهم ما أكد عليه الإمام من الحقائق أن القصد من عرض القول في قطعيّة علم الأصول التنوّر بأضواء وأفهام سلفنا، لنعلم إمكان استخلاص قواعد تحصل بالقطع أو بالظن القريب من القطع، وإن كانت قليلة. وأن طلب هذا الغرض الأساس من القطعيّة إنما يحصل بعلم مقاصد الشريعة. وأن المطلوب والغاية من النظر في هذا كله هو جمع ثلة من القواعد القطعيّة يُرجع إليها عند الاختلاف بين الفقهاء والدارسين، لوضع حد للجدل والمكابرة. وكذلك نبّه إلى أن لاحتمال قيام المعارضات لشواهد استقراء الفقه أثراً بيّناً في مقدار قوّة ظن المعارض وضعفه، كما هو مقرر في علم الحكمة (٣). المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة: والمقاصد نوعان: أصلية وتابعة.

стр. 844

فأما الأصلية فهي التي لا حَظَّ فيها للمكلّف. وهي الضروريات الخمس المعتبرة في كل ملّة، التي بها القيام بمصالح عامة مطلقة. وهذه على ضربين: عينية وكفائية. فالأولى وهي العينية واجبة على كل مكلف في نفسه. فهو مأمور بحفظ دينه اعتقاداً وعملاً. وذلك بتعلّم ما يدفع به عن نفسه الشُبه التي تُورد عليه، وبحفظ نفسه قياماً بضروريات حياته. وذلك بأن يُجَنّبها ما يُرديها من أسباب الهلاك كالانتحار بأي صورة من الصور، وبحفظ عقله صوناً لمورد الخطاب من ربّه، بتوقّي الأسباب الموجبة لذهابه أو غيابه، وبحفظ نسله حرصاً على بقاء عوضه وخَلَفِه في عمارة هذه الدار، وذلك بعدم وضعه في مضيعة اختلاط الأنساب. ويتوقّى ذلك بصون شهوته بألّا يضعها إلا فيما أذن الله به، وبحفظ ماله استعانة على القيام بتلك الأوجه الأربعة، وذلك بألا يتلفه فيما لا يعود عليه بالنفع إطلاقاً. وقد نبَّه الشاطبي إلى أن هذه المقاصد الأصلية مسلوب منها حظ المرء لكونه محكوماً عليه في نفسه، كان صار فيها له حظ، فمن جهة ثانية تابعة لهذا المقصد الأصلي (١). والثانية وهي الكفائية تعني القيام بالمصالح العامة لجميع الخلق. فبها استقامة نظام الأمة وحماية الضروريات. فالمكلف من هذه الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص؛ لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط، بل بإقامة الوجود. ومما يدلّ على كون المقصد الأصلي الكفائي معرىً من الحظ شرعاً، الأمر لمن يقوم به بعدم استجلاب الحظوظ لنفسه كِفاء ما قام به من ذلك. ويفصَّلُ

стр. 845

الشاطبي هذا المعنى بقوله: فلا يجوز لوالٍ أن يأخذ أجرة ممّن تولّاهم على ولايته عليهم، ولا لقاضٍ أن يأخذ من المقضي عليه أو له أجرة قضائه، ولا لحاكم على حكمه، ولا لمفتٍ على فتواه، ولا لمحسن على إحسانه، ولا لمقرض على قرضه، ولا ما أشبه ذلك من الأمور العامة التي للناس فيها مصلحة عامة. ولذلك امتنعت الرشاوى والهدايا المقصود بها نفس الولاية؛ لأن استجلاب المصلحة هنا مؤدًّ إلى مفسدة عامة تضاد حكمة التشريع في نصب هذه الولايات، وعلى هذا يجري العدل بين جميع الأنام ويصلح النظام (١). وأما المقاصد التابعة فهي التي روعي فيها حظ المكلف من استجابة لفعل الشهوات، والاستمتاع بالمباحات، وسدّ الخلاف، واكتساب ما يحتاجه من ذلك كله. وبهذا الاعتبار تصير المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها. وكما رغّبنا سبحانه في حقوقه الواجبة علينا بوعد حَظِيًّ لنا، وعجَّل لنا من ذلك حظوظاً كثيرة نستمتع بها في طريق ما كلفنا به. وهكذا تكون المقاصد الأصلية راعية لما تقتضيه معاني العبودية، وتكون المقاصد التابعة مما اقتضاه لطف المالك بالعبيد (٢). وممّا أوردوا من أمثلة للمقاصد الأصلية والمقاصد التابعة في العبادات والعادات جعلُهم من الأول الذي ليس فيه حظ عاجل مقصود فروضَ الأعيان كالعبادات البدنية والمالية من طهارة وصلاة وصيام وزكاة وما أشبه ذلك. وجعلُهم من فروض الكفايات الولاية العامة وما تشمله من
следующие страницы →