مقاصد أحكام الشريعة، وإما باعتبار تناوله لجميع مسائل يضمها باب واحد.
وتقابل هذه المقاصد أو المصالح الكلية مصالحُ جزئية. وهي عبارة عن الفروع الفقهية وما استدل به عليها كما هو واضح من كتب الفقه، وكتب القواعد، وما وضعه العلماء من تصانيف في محاسن الشريعة الإسلامية.
المقاصد بين قطعيّة وظنيّة:
إن المؤلّف بعد عرضه لطرق إثبات المقاصد الشرعية المعلومة لدى السلف، وعند من لحق بهم من المجتهدين والأئمة الفقهاء، شعر بما قد نكون شاعرين به من عطاء ممدود، يمكن أن يلتمس عن طريقه أهل العلم وغيرهم تعيينَ المقاصد، والحكمَ لها بوجوب الاعتبار، ممّا يجعلهم حريصين على استنباط الأحكام الشرعية مهما كانت درجة الطريق قوة أو ضعفاً، ومهما كانت تلك المقاصد مستقاة من رأي غالب المجتهدين أو من رأي واحد شاذ لا يعدو أن يكون رأيه رأياً شخصياً لا اعتداد به عند الجمهور. فَحَمَلَه الخوف من التساهل في هذا الأمر على وجوب التأمّل والتثبت في الأدلة، والتحذير من التساهل والتسرع في تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي، يكون أصلاً تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطأ في هذا خطر عظيم (١).
ودعا المؤلف إلى تجديد علم الأصول بالإبقاء على المسائل الهامة العلمية المُتّصلة به اتصالاً أصلياً، وتفريغه مما يشوبه من
стр. 842
مسائل العلوم الأخرى. ثم إلى تعويضه بعلم المقاصد الشرعية الذي هو أوسع منه لما فيه من المقاصد القطعيّة والمقاصد القريبة منها والظنّية.
فالمقاصد الشرعية القطعيّة هي ما يؤخذ من متكرر أدلة القرآن تكرراً ينفي احتمال قصد المجاز والمبالغة. وذلك كمقصد التيسير الذي وردت به جملة من الآي الكريمة تَتْبعها الأحاديث النبوية الشريفة. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (١)، وقال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقوله : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٤).
ومثل هذا التكرار والتأكيد لطلب اليسر أو التيسير ورد في السُّنة أيضاً في قوله ﷺ : "عليكم من الأعمال ما تطيقون" (٥)، "إن هذا الدين يسر وليس بالعسر" (٦)، و"يسِّرا ولا تعسِّرا" (٧). فاستقراء هذه النصوص وغيرها مما ورد في الكتاب يدل قطعاً على أن التيسير من مقاصد الشريعة. وهي كلها قطعيّة النسبة إلى الشارع لأنها من القرآن وهو قطعي المتن.
والمقاصد الظنّية دونها. لا تحتاج إلى استقراءٍ كبيرٍ لتصرّفات الشريعة. وقد وضع العزُّ بن عبد السلام قاعدةً ترشد إلى طريق معرفة المقاصد الظنية (٨).
стр. 843
وذكر الشاطبي في المسألة الثالثة من الطرف الأول من كتاب الأدلة أن الدليل الظنّي إمّا أن يرجع إلى أصل قطعي مثل: "لا ضرر ولا ضِرار"، وإما إلى قواعد كليّة. وذكّر الشيخ ابن عاشور، بأن خبر الآحاد لا يكون قطعياً (١). كما ذكر بأن النهي عن الاعتداء على الغير بشتى الأشكال المادية يقتضي اعتبار المنهي عنه من الجنايات. وهذا في غاية العموم في الشريعة. وهو مما لا شك فيه ولا مراء (٢).
ومن أهم ما أكد عليه الإمام من الحقائق أن القصد من عرض القول في قطعيّة علم الأصول التنوّر بأضواء وأفهام سلفنا، لنعلم إمكان استخلاص قواعد تحصل بالقطع أو بالظن القريب من القطع، وإن كانت قليلة.
وأن طلب هذا الغرض الأساس من القطعيّة إنما يحصل بعلم مقاصد الشريعة.
وأن المطلوب والغاية من النظر في هذا كله هو جمع ثلة من القواعد القطعيّة يُرجع إليها عند الاختلاف بين الفقهاء والدارسين، لوضع حد للجدل والمكابرة.
وكذلك نبّه إلى أن لاحتمال قيام المعارضات لشواهد استقراء الفقه أثراً بيّناً في مقدار قوّة ظن المعارض وضعفه، كما هو مقرر في علم الحكمة (٣).
المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة:
والمقاصد نوعان: أصلية وتابعة.
стр. 844
فأما الأصلية فهي التي لا حَظَّ فيها للمكلّف. وهي الضروريات الخمس المعتبرة في كل ملّة، التي بها القيام بمصالح عامة مطلقة. وهذه على ضربين: عينية وكفائية.
فالأولى وهي العينية واجبة على كل مكلف في نفسه. فهو مأمور بحفظ دينه اعتقاداً وعملاً. وذلك بتعلّم ما يدفع به عن نفسه الشُبه التي تُورد عليه، وبحفظ نفسه قياماً بضروريات حياته. وذلك بأن يُجَنّبها ما يُرديها من أسباب الهلاك كالانتحار بأي صورة من الصور، وبحفظ عقله صوناً لمورد الخطاب من ربّه، بتوقّي الأسباب الموجبة لذهابه أو غيابه، وبحفظ نسله حرصاً على بقاء عوضه وخَلَفِه في عمارة هذه الدار، وذلك بعدم وضعه في مضيعة اختلاط الأنساب. ويتوقّى ذلك بصون شهوته بألّا يضعها إلا فيما أذن الله به، وبحفظ ماله استعانة على القيام بتلك الأوجه الأربعة، وذلك بألا يتلفه فيما لا يعود عليه بالنفع إطلاقاً.
وقد نبَّه الشاطبي إلى أن هذه المقاصد الأصلية مسلوب منها حظ المرء لكونه محكوماً عليه في نفسه، كان صار فيها له حظ، فمن جهة ثانية تابعة لهذا المقصد الأصلي (١).
والثانية وهي الكفائية تعني القيام بالمصالح العامة لجميع الخلق. فبها استقامة نظام الأمة وحماية الضروريات. فالمكلف من هذه الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص؛ لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة نفسه فقط، بل بإقامة الوجود. ومما يدلّ على كون المقصد الأصلي الكفائي معرىً من الحظ شرعاً، الأمر لمن يقوم به بعدم استجلاب الحظوظ لنفسه كِفاء ما قام به من ذلك. ويفصَّلُ
стр. 845
الشاطبي هذا المعنى بقوله: فلا يجوز لوالٍ أن يأخذ أجرة ممّن تولّاهم على ولايته عليهم، ولا لقاضٍ أن يأخذ من المقضي عليه أو له أجرة قضائه، ولا لحاكم على حكمه، ولا لمفتٍ على فتواه، ولا لمحسن على إحسانه، ولا لمقرض على قرضه، ولا ما أشبه ذلك من الأمور العامة التي للناس فيها مصلحة عامة. ولذلك امتنعت الرشاوى والهدايا المقصود بها نفس الولاية؛ لأن استجلاب المصلحة هنا مؤدًّ إلى مفسدة عامة تضاد حكمة التشريع في نصب هذه الولايات، وعلى هذا يجري العدل بين جميع الأنام ويصلح النظام (١).
وأما المقاصد التابعة فهي التي روعي فيها حظ المكلف من استجابة لفعل الشهوات، والاستمتاع بالمباحات، وسدّ الخلاف، واكتساب ما يحتاجه من ذلك كله. وبهذا الاعتبار تصير المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها.
وكما رغّبنا سبحانه في حقوقه الواجبة علينا بوعد حَظِيًّ لنا، وعجَّل لنا من ذلك حظوظاً كثيرة نستمتع بها في طريق ما كلفنا به. وهكذا تكون المقاصد الأصلية راعية لما تقتضيه معاني العبودية، وتكون المقاصد التابعة مما اقتضاه لطف المالك بالعبيد (٢).
وممّا أوردوا من أمثلة للمقاصد الأصلية والمقاصد التابعة في العبادات والعادات جعلُهم من الأول الذي ليس فيه حظ عاجل مقصود فروضَ الأعيان كالعبادات البدنية والمالية من طهارة وصلاة وصيام وزكاة وما أشبه ذلك.
وجعلُهم من فروض الكفايات الولاية العامة وما تشمله من
стр. 846
خلافة، ووزارة، ونقابة، وقضاء، وإمامة الصلاة، والجهاد، والتعليم، وغيرها مما شُرع لمصالح عامة.
والقصد الأول من هذه التكاليف العينيّة الكفائية الامتثال لأمر الله والاستجابة لدعوته. وتترتّب على ذلك كلّه مقاصد تابعة. صوّرها لنا الشاطبي بقوله: ففي الصلاة يكون المقصد الأصلي منها إظهار الخضوع لله بإخلاص التوجّه إليه، والانتصاب على قدم الذلّة والصغار بين يديه، وتذكير النفس بذكره. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : "إن المصلّي يناجي ربه" (٢).
ومن المقاصد التابعة ما يشير إلى تطهر المؤمن المصلي من الأدناس بقيامه بفريضة الصلاة لقوله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٣).
ومنها الاستراحة من أنكاد الدنيا لقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٤)، وقول رسول الله ﷺ : "أرحنا بها يا بلال" (٥).
وكذلك طلب الرزق لقوله ﷻ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (٦).
وترتفع المقاصد التابعة في المرتبة فتلتحق بالأصليّة متى كانت وسيلة إليها، أو مقارنة لها غير منفكّة عنها.
стр. 847
وممّا فرّقوا به بين المقاصد الأصلية والتابعة جملة من الاعتبارات منها:
(١) أن الأولى يقتضيها محض العبودية، والثانية يقتضيها لطف المالك بالعبيد.
والضروريات ضربان: ما يؤكدّ الطلب فيه لمخالفته حظّ النفس كالعبادة، والنظر في مصالح الغير.
والضرب الثاني لا يؤَكَّد الطلب فيه لما للمكلّف فيه من حظ عاجل مقصود كقيام الإنسان بمصالح نفسه وعياله في الاقتيات واتخاذ السكن والمسكن واللباس وما يلحق بها من المتمّمات كالبيوع والإجارات والأنكحة وغيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانية (١).
(٢) والمقاصد الأصلية إذا رُوعيت كانت أقرب إلى إخلاص المكلّف في عمله، وتجعل من العمل عبادة، تبعده عن مشاركة الحظوظ فلا تدعها تغيِّرُ وجه محضِ العبودية، بخلاف مراعاة المقاصد التابعة؛ فإن المكلّف، وإن كان عمله فيها موافقاً لقصد الشارع لم يخالفه، إلا أنه لم يراعِ ذلك في عمله حتى يكون خارجاً عن داعية هواه. ومقتضى هذا أنه لم يفعل ما فعله التفاتاً لمقتضى خطاب الشارع بل لمجرد حاجته، وداعية شهوته، بقطع النظر عن الخطاب.
(٣) المقاصد الأصلية تكون راجعة إما إلى مجرد الأمر والنهي من غير نظر في شيء سوى ذلك، وإما إلى ما يفهم من الأمر من أنه
стр. 848
عبد استعمله سيده في سخرة عبيده، فجعله وسيلة وسبباً إلى وصول حاجاتهم إليهم كيف شاء ... وهذا عامل بمحض العبودية مسقط لحظه فيها، بخلاف العامل لحظّه، فإنّه لمّا لم يفهم بذلك من حيث مجرد الأمر، ولا من حيث فهم مقصود الأمر، ولكنه قام به من جهة استجلاب حظّه أو حظّ من له فيه حظّ. فهو وإن امتثل الأمر فمن جهة نفسه. فالإخلاص على كماله مفقود في حقّه، والتعبّد بذلك العمل منتفٍ.
(٤) القائم على المقاصد الأصلية قائم بعبء ثقيل جداً، وحملٍ كبير من التكليف مما يثبت تحته طلب الحظّ في الغالب، بل يطلب حظّه بما هو أخفّ منه (١).
ومن المقاصد كليات وهي نوعان: قريبة كالكليات الخمسة، وعالية وهي تشمل نوعين: المصلحة والمفسدة.
المقاصد والوسائل:
سبق للعلماء التفريق بين المقاصد والوسائل. وقالوا إن الذرائع هي الوسائل (لأنها وسائل إلى ما يُتَذَرَّعُ إليه بها وهو المقاصد).
والمقاصد قسمان: مقاصد الشرع، ومقاصد الناس في تصرّفاتهم.
فمعرفة المقاصد الشرعية الخاصة بأبواب المعاملات مثلاً هي كما تقدم تصوّرُ الكيفيات المقصودة للشارع من أجل تحقيق المصالح وجلبها، ونفي المفاسد ودرئها، وحفظ المقاصد العامة في تصرفات الناس الخاصة.
стр. 849
وبعكس ذلك الوسائل. فهي الأحكام المشروعة من أجل أن يتم بها تحصيل أحكام أخرى. وهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب، إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضاً للاختلال والانحلال. وتعد من الوسائل الأسبابُ المعرّفاتُ للأحكام، والشروط، وانتفاء الموانع وصيغ العقود ونحوُ ذلك.
والوسائل مجعولة في الدرجة الثانية من المقاصد. ولذلك كان من قواعد الفقه أنه إذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة (١).
وتتعدد الوسائل إلى المقصد الواحد، فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلاً للمقصد المتوسل إليه، بحيث يحصل كاملاً راسخاً عاجلاً وميسوراً. فإذا تساوت الوسائل في الإفضاء إلى المقصد، باعتبار أحواله كلها، سوّت الشريعة في اعتبارها، وتخيّر المكلف في تحصيل بعضَها دون الآخر.
ومن الوسائل: ما يطلب من تحصيلها تحصيل المقاصد؛ وهي التي يتعلق بها خطاب التكليف، والثانية هي التي تكون سبباً في حصول المقصد الشرعي (٢).
وقد تقرر أن المقاصد الشرعية وما يكون وسيلة إلى حصولها كلها من المقاصد كما أشرنا إليه أعلاه. ولا تخفى أهميتها على أحد. شهد بذلك الأئمة الأعلام الذين نعدُّ منهم:
أولاً: الإمام الجويني الذي اعتبرَ وسيلة المقاصد أحدَ المدارك العلمية، قائلاً في هذا الشأن: فإن عُدِم المطلوب في هذه الدرجات
стр. 850
لم يُخَضْ في القياس بعدُ، ولكن ينظر في كليات الشريعة ومصالحها العامة (١).
وثانياً: الإمام تقي الدين السبكي الذي اعتبر رتبة الاجتهاد قائمة على ثلاثة أشياء، من بينها وسيلة استيعاب المقاصد الشرعية. فلا بد أن يكون للمجتهد من الممارسة، ومن التتبع لمقاصد الشريعة ما يُكسبه قوة تفهّم لموارد الشرع (٢).
ثالثاً: اعتماد الآمدي وسيلة المقاصد في مقامي الترجيح ودفع التعارض (٣).
رابعاً: وفي تحرير ضبط وسيلة المقاصد آراء صوّرها لنا الشيخ ابن عاشور في جملة من الاعتبارات للتأكيد على أهميتها. وحصرها في خمسة أنحاء:
١ - النظر في أقوال الشريعة ونصوصها.
٢ - تبين وجوه التعارض الظاهري بين نصوص الشريعة.
٣ - البحث عن علل الأحكام.
٤ - إيجاد الحكم غير المنصوص عليه.
٥ - التقليل من الأحكام التعبّدية (٤).
* * * * *
стр. 851
الفصل الخامس: بحث المقاصد في أطراف الكتاب
إنا حين نعيد النظر في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية نجد الشيخ مع تعرّضه لشتى المسائل، ولما أشرنا إليه قبل من مباحث، لا يكاد يخلي صفحة من مؤلَّفه من ذكر المقاصد تصريحاً وكشفاً، إيماء وإشارة، نظراً وتطبيقاً، يدل على ذلك أنه:
خَصَّ مقدمته ببيان الحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة، وبيان أن علم أصول الفقه لا يغني عن معرفة المقاصد الشرعية، وقابل بين العلمين بأن من المقاصد ما هو قطعي بخلاف أصول الفقه فهي ظنيّة لا ترقى إلى مبلغ القطع (١). وهذه الفصول الثلاثة مهمة مهَّد بها لما يليها ويتصل بها من مباحثَ تناولَها كتابُه في أقسامه الثلاثة.
ففي الأول أثبت أن للشريعة مقاصد من التشريع (٢)، وبيّن احتياج الفقيه إلى معرفتها ومعرفة مراتبها (٣)، ونبّه إلى الخطأ العارض من إهمال النظر فيها، وفصّل القول في هذه الأغراض في أحد عشر فصلاً.
وفي القسم الثاني تعرض لمقاصد التشريع العامة (٤) وجعلهُ خمسة وعشرين فصلاً.
стр. 852
وفي الثالث تتبع مقاصد الشريعة الخاصة بأنواع المعاملات (١) متناولاً جملة من المباحث في ثمانية عشر فصلاً.
ويرتبط بهذه الغاية من البيان والتفصيل كون الأحكام والتكاليف كلية في جملتها. فإذا دعت الحاجة إلى ضبط أحوال الأفراد والجماعات بتشاريع جزئية وقع التمهيد لها بشيء من التدرّج في الأحكام.
فتطورُ التشريع من البعثة إلى الهجرة مقصد للشريعة من أجل البلوغ إلى الإصلاح العام المطلوب (٢)، وحفظ نظام العالَم مقصد للشريعة من التشريع، واهتمام هذا التشريع بضبط تصرّف الناس يتحقق به الوجه الذي يعصم الخلق من التفاسد والتهالك (٣).
* * * * *
стр. 853
الباب الثالث
في إثبات مقاصد التشريع الإسلامي وحاجة الفقهاء إلى معرفتها والوقوف عليها
стр. 854
توطئة
يضع هذا المبحث بين أيدينا أغراضاً كثيرة للقول، منها ما في القرآن والحديث الآثار من دلائل كثيرة على:
(١) إثبات المقاصد الشرعية فيما صدر عن الحكيم العليم من تشاريع لعباده.
(٢) وعلى احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة.
(٣) وعلى تصوّر طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة، وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً منها.
(٤) وعلى معرفة طرق إثبات المقاصد الشرعية عند الأئمة المجتهدين.
وفي هذه الزمرة من الموضوعات والقضايا تتمثل الدعامةُ الأساس لدراسة علم المقاصد.
فالغرض الأول المتعلق بإثبات المقاصد الشرعية يقتضي دون شك العودةَ إلى القرآن والسُّنة طلباً للأدلة والبراهين التي تُثبت تلك العلاقة القائمة بين النصوص التشريعية والأحكام، وبين الأحكام وعللها أو مقاصدها.
قال الشيخ ابن عاشور: لا يمتري أحد في أن كل شريعة شُرعت للناس ترمي أحكامُها إلى مقاصد مرادةٍ لمشرّعها الحكيم. فلم تكن الأحكام الصادرة عن الشارع عبثاً من القول، أو صُدفة. يشهد
стр. 855
لذلك قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (١)، وقوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٢)، والدليل القطعي الآخر، الثابت من بدء الخليقة، بَعثُهُ سبحانه الرسلَ بشريعته إلى الأمم وإِلى العالمين كافة. قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٣). وأعظم الشواهد على هذا دلائل ذلك الخلق الإلهي خلق الله الإنسان قابلاً للتمدن، ووضعُه الشرائعَ له، يَختصِر له بذلك الطريق، ويوجّهه إلى الذي هو أهدى.
وجاء الرسل بما جاؤوا به من خير وهدى، ونور وتشريع، يُعينُ البشرَ الذي استخلفه الله في الأرض على تحمل أعباء الخلافة فيها، وبما يساعد الناس من توجيهات، وما يحدّده لهم من مسارات في كل أعمالهم. فيدفعهم ذلك في كل حركة وحين إلى اجتلاب المصالح لهم، ودرء المفاسد عنهم، وعمن حولهم من المجتمعات.
وهكذا أنزل سبحانه من آيات الذكر الحكيم، وجاءت عن رسول الله ﷺ نصوص السُّنة الصحيحة، تكشف كلها عن مقاصد الشارع من تشريعاته، وتبيّن أن هذا الإنسان هو الذي كرّمه الله على غيره، وأولاه ما رفع به منزلته من ولاية سامية، خصّه بها دون سواه، حين قال عزّت كلمته وجلّت قدرته: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤). والخليفة هنا هو من يخلف صاحبَ الشيء في تصرُّفه في مملوكاته. والخليفة هو آدم ﵇ وهو من تحققت خلافته بقيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض، وتلقين ذريّته قصدَ الله تعالى من خلق هذا العالَم. وممّا يقتضيه هذا التصرّف
стр. 856
الإلهي إخلاصُ الدين لله، وتصرّفُ آدم بسن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرّفاتهم .. ولِما للخليفة من شأن في حفظ الجماعة، والذبّ عنها، وتنظيم حياتها، أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على إقامة الخليفة، وحفظ نظام الأمة، وتنفيذ الشريعة. ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى من جفاة الأعراب ودعاة الفتنة. وللخليفة شروطٌ محلُّ بيانها كتب السياسة الشرعية (١).
وبمثل هذا التفصيل والوضوح فسّر الإمام الخلافة بالاستمداد من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢) فجعل للخلافة أصولاً تنتظم بها أمور الأمة. وقد وردت هذه الأصول في آيات مباركة كثيرة:
منها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٣).
ومنها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤).
وفي هذين أساسان عظيمان هما العدل والحق.
ويقول سبحانه مقابل هذا في سياق الذم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٥).
стр. 857
ويقول جل وعلا: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١).
وفي السُّنة بيّن رسول الله ﷺ تصرّفات ولاةِ الأمور في شؤون الرعية وغيرها، ومتى اهتم ولاة الأمور وعموم الأمة باتباع ما أوضحه الشرع لهم بلغوا المقصد الأسنى من وعد الله لهم بالاستخلاف في الأرض. وهذه التكاليف التي جعلها الله قواماً لصلاح أمور الأمة، ووعد عليها بإعطاء الخلافة والتمكين والأمن، صارت بترتيب الموعدة عليها أسباباً لها (٢).
وذهب الأئمة إلى أن شرائع الدين لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وأن مقصد الشريعة يتمثّل في غرضين: الأول منهما ما فيه صلاح المجتمع الإنساني عاجلاً أو آجلاً.
والبراهين على هذا كثيرة. فالقرآن والسُّنة مملوءان بتعليل الأحكام بالحِكم والمصالح والمنافع، التي لأجلها شرع الله تلك الأحكام. يظهر من هذا وبالاستقراء أن الشريعة معلَّلة بالحِكم والمصالح.
والغرض الثاني، هو حاجةُ الفقيه إلى معرفة المقاصد. وقد ذكر المؤلف لهذا خمسة أنحاء تختلف وتتغيّر بحسب تصرّفات الفقهاء في اجتهاداتهم. ويكاد يسيطر هذا الغرض على كامل كتاب المقاصد، إذ هو حجر الزاوية والمنتهى إليه في كل الجزئيات التي سوف نقف عليها عند تعرضنا لأبوابه وفصوله.
стр. 858
الفصل الأول: منهج السلف في طلب مقاصد الشرع من الأحكام
لم يمرّ السلف بتطوّرات الزمان، ولا بما حدث في الأجيال التي تَلَتْهم من قواعد وأصول، وطرق وضوابط. لكنهم رغم ذلك أسهموا بما أتيح لهم من أنظار واجتهادات، في التعرف على المقاصد الشرعية وتعيينها. وصف الشيخ ابن عاشور مذهبَهم بقوله أولَ الفصل الرابع من القسم الأول، معتذراً عن عدم عدّ محاولاتِهم طرائقَ فى الغرض: وهذا المبحث يُنزَّل منزلةَ طريق من طرق إثبات المقاصد الشرعية، ولكنّي لم أعدّه في عدادها، من حيث إنّي لم أجد حجّة في كل قول من أقوال السلف، فبعضها غير مُصرِّحٍ صاحبُه بأنه راعى في كلامه المقصد، وبعضُها فيه التصريح أو ما يقاربه، ولكنه لا يعدّ بمفرده حجّة؛ لأن قصاراه أنه رأي من صاحبه في فهم مقصد الشريعة (١).
وذكر المؤلّف في هذا أمثلة استقرأها من الشريعة، وهي من جملتها تقتضي وجوب اعتبار المقاصد الشرعية. ومن هذه الأمثلة:
ترك الصحابة المحاقلة لنهي الرسول ﷺ عن ذلك.
والنهي عن التختم بالذهب، لما في ذلك من حبس العين عن التداول. وقال العلماء: نهيُ الرسول ﷺ عن هذا نهيُ تنزيه لا نهيَ تحريم (٢).
стр. 859
ولم يثبت عند مالك حديث خيار المجلس لمنافاته البتّ في العقود، ولاعتباره الافتراق في الحديث افتراقاً في القول عند صياغة إنشاء البيع (١).
وَرَدَّ مالكٌ حديثَ المصرّاة، لمعارضة خبر الواحد القاعدةَ الشرعية: لا خراجَ إلا بالضمان، وأن مُتلف الشيء يَغرم مثلَه أو قيمته (٢).
ومثلُ هذا نهيُ رسول الله ﷺ عن تخمير المحرم وجهه، ونهيُه في الذي وقصته الدابة فمات عن أن يُمسَّ بطيب. وفي موضوع الحديث الأول قال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حياً، فإذا مات فقد انقضى العمل؛ وفي الثاني قال الشيخ ابن عاشور: الظاهر أن الراوي اشتبه عليه قوله: "لا تمسّوه بطيب" بأنه لأجل الميت، وإنما هو لأجل الأحياء الذين معه، أو هي خصوصية (٣).
ومن الباب أمر النبي ﷺ سهلةَ بنتَ سهيل زوجَ أبي حذيفة بإرضاع متبنّاها سالماً خمس رضعات فيحرم بلبنها. وذلك لِما وجدت من الحرج في منعه من الدخول عليها، وقد ضمهم سقف واحد. وعملت بهذا عائشة، ورأته بقيةُ أزواجه ﷺ رخصةً في رضاعة سالم وحده. وهذا ما أقرّه عمر بن الخطاب وابن مسعود اللذان لا يريان الرضاعة إلا للصغير في الحولين (٤).
* * * * *
стр. 860
الفصل الثاني: الأنحاء الخمسة لتصرّفات الفقهاء في طلب المقاصد
النحو الأول في اعتبار شيخنا: هو وقوف الفقيه على المراد من الخطاب الشرعي الذي لا يختلف في الأصل عن الخطاب اللغوي. وإن تميّز عن هذا بما يختص به من مصطلحات، وما يعتمده الفقيه فيه من قواعد لفظية وأصول يستخدمها عند الاستدلال الفقهي، ويستعين بها على تحقيق الفهم الدقيق للخطاب الشرعي، والإحاطة بدلالته، بالرجوع إلى الآثار من السُّنة ودراستها، والاعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء.
النحو الثاني: هو إيقان الفقيه بسلامة الأدلة التي يعتمدها في استنباط الأحكام الشرعية، وبيان ما يقابلها أو يعارضها من الأدلة للاستدلال بها: إما باعتقاد صحّتها أو نسخها، أو بالركون إلى الترجيح بينها؛ وإما بما تحمل عليه الأدلة المعارضة من تخصيص أو تقييد، أو باتضاح فساد الاجتهاد. ذلك أن الدليل المعارض ينفي مدلول الدليل الأول بإقامة آخر يدل على خلاف مدلوله. وزاد المؤلف بيان وجه التصرّف في مثل هذه الصورة قائلاً: فإذا استيقن أن الدليل سالم عن المعارض أَعمَلَه، وإذا ألفى له معارضاً نظر في كيفية العمل بالدليلين معاً، أو بالراجح منهما على الآخر.
النحو الثالث: يكون بإدراك الفقيه علل التشريعات الثابتة بطريق
стр. 861
من طرق مسالك العلّة، يتمكن بها من قياس ما لم يَرِد حكمُه في أقوال الشارع على حكم ما ورد منه فيها.
النحو الرابع: هو كما عرّفه الشيخ ابن عاشور: إعطاء حكم لفعل أو حادث حدث للناس لا يعرف حكمه ولا له نظير يقاس عليه. وقد جاء في بيان هذا المسلك بتعريف الأصوليين للمصلحة بقولهم: هي التي تعرف علِّيَّتها، أي بدون شهادة الأصول، بمجرد الإخالة، أي بمجرد كونها مخيلة، أي مُوقعة في القلب العلَّيةَ والصحة، ولم يشهد الشرع لها بالاعتبار ولا بالإبطال (١).
وقال صاحب الضياء اللامع في التعريف بهذا المسلك: هو ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالإهدار، ولكن على ما تقتضيه سُنن المصالح أو تتلقاه العقول بالقبول وهو المرسل (٢).
واعتبر المؤلف النحو الأول من موضوعات علم أصول الفقه.
وحرّر بعد هذا قضيةَ التعارض بين الأدلة بذكر المهمّ منها، والتنبيه على وجه تصرّف الفقيه فيها، مورداً أمثلة على ذلك. منها:
ردُّ مالك على شُريح إنكارَه صحَّة الحُبس.
وردُّه حديث خيار المجلس، وإن أَثبتَ الإمام مالك نصَّه في الموطأ.
وتركُ استلام الركنين اللذين هما من البيت.
وتوقُّفُ عمر في حديث الاستئذان.
стр. 862
وحكم أخذ الجزية من المجوس.
وقصر النحو الثالث على القياس. وهو ما يحتاج فيه الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة كما في المناسبة. وهي ما يكون بين الوصف والحكم من ملاءمة بحيث يترتّب تشريع الحكم، بناء عليها، فتتحقّق المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم. وهي جلب منفعة للعباد أو دفع مفسدة عنهم (١). قال ابن عاشور في المناسبة: هي معنى في عمل من أعمال الناس يقتضي وجوب ذلك العمل، أو تحريمه، أو الإذن فيه شرعاً. وذلك المعنى وصف ظاهر منضبط يحكم العقل بأولاً ترتُّبَ الحكم الشرعي عليه مناسب لمقصد الشرع من الحكم (٢).
وأشار في النحو الرابع إلى قول الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية والحاجية والتحسينية ولقبُوها كلها بالمناسب. وأثبت الإمام مالك حجية المصلحة المرسلة. وعلى هذا النحو أخذَ أهل الرأي بالاستحسان.
وعقّب المؤلف على هذا كله بإيراد مسائل تقدمت الإشارة إليها في النحو الأول، منبّهاً إلى مواضع طلبها، ذاكراً جملة من أمثلتها.
من ذلك عدم أخذ عمر بخبر فاطمة بنت قيس في نفقة المعتدّة.
وردّ عائشة قبول حديث عمر: "إن الميّت يعذب ببكاء أهله عليه".
ومن تفصيل القول في الأنحاء الأربعة المتقدمة تتبيّن لنا طرق الاستنباط لذكر ما يعتمد عليه فيها من علّة أو وصف أو حِكمة.
стр. 863
وفي النحو الخامس رأى المؤلف أن الأحكام الصادرة عن الشارع فيه غير معلّلة، ولا هي ممّا عرفت حكمة التشريع في تشريعها. وقد وصفها بقوله: وهذا النوع من الأحكام يسمّى التعبّدي.
والتعبّدي عند الفقهاء مقصور على العبادات وعلى ما هو نسك، لعدم بحثهم فيه عن علّة لأنّه ممّا لا قياس فيه، ولأنّه مما لا تظهر فيه للمجتهد من الأحكام علّة ولا حِكمة إلا على وجه الإجمال. فالتعبّدي هو الذي يتّهم الفقيه فيه نفسه بالقصور عن إدراك حِكمة الشارع منه، ويستضعف علمه في جنب سعة الشريعة. وهو موجب حيرة يمكن أن تزول تدريجياً، بمقدار ما يستحصل من مقاصد الشريعة في هذا النوع من الأحكام، وما يستكثر مما حصل في علمه منها (١).
وعلل الشيخ ابن عاشور وجود هذه الأحكام التعبّدية بين الفقهاء بأخذهم فيها بظاهر اللفظ أو بالوصف الوارد عند التشريع، دون المقصد منها (٢). وفي هذا ما فيه من تعطيل لملكة الفهم، وتوقّف عن طلب الأسباب. ودعا أئمةَ الفقه إلى ألا يساعدوا على وجود الأحكام التعبّدية في تشريع المعاملات، وإلى تفحّص الأحكام التي خفيت عِللُها أو دقتْ، فلا يعاني الناس من جرائها متاعب جمّة في معاملاتهم (٣).
والمكلفون بحاجة إلى معرفة المقاصد، وليس ذلك على إطلاقه. وإنما هي وظيفة العلماء. فهم الذين يجب عليهم بذل الجهد لمعرفة المقاصد، وإن كان في هذا الأمر تفاوت في تقدير المقاصد بقدر القرائح والفهوم (٤).
стр. 864
الفصل الثالث: من طرق إثبات المقاصد الشرعية
ولإكمال هذا الجانب المهم من البحث نتعرض مع المؤلف إلى طرق إثبات المقاصد الشرعية. وهذا لا يكون بالاستناد إلى الأدلة المعروفة المستخدمة في علم أصول الفقه أو في تقرير مسائل الخلاف، وإنما يكون بما رسمه بعد التأمل والرجوع في ذلك إلى صنيع أساطين العلماء من طرائق الاستدلال على صحة المقاصد الشرعية. والطرق المعتمدة في هذا الغرض ثلاثة وهي:
أولاً: الاستقراء. وقد فصلنا القول فيه وأشرنا إلى أقسامه قبل.
وهو نوعان: استقراء علل الأحكام، واستقراء علل أدلة الأحكام.
الأول: يكون بتتبع العلل المثبتة بطرق مسالك العلّة، لما يحصل باستقرائها من استخلاص حِكمة واحدة تنتهي إليها، وبالجزم بأنها مقصد شرعي. وقد مثّل لهذا بعلّة تحريم المزابنة. وهي الجهل بمقدار أحد العوضين، وبعلّة النهي عن بيع الجزاف بالمكيل وفيه أيضاً جهل أحد العوضين، والنهي عن خِطبة المسلم على خِطبة أخيه وسومِه على سومِه نفياً للوحشة، وحرصاً على دوام الأخوة.
والثاني من الطريق الأول يكون باستقراء علل أدلّة أحكامٍ اشتركت في علّة واحدة، وحصل لنا اليقين بأن تلك العلّة مقصد مراد للشارع. ومثال هذا النوع النهي عن بيع الطعام قبل قبضه خوفاً من فوات الرواج، والنهي عن بيع الطعام نسيئة تفادياً من بقاء الطعام في
стр. 865
الذّمة، وهو سبب كافٍ للحيلولة دون رواجه؛ والنهي عن الاحتكار الذي بسببه يقلّ الطعام في الأسواق، وفيه من التضخّم ومن أسباب الإضرار بالناس ما فيه. ومن أجل هذا اعتبر الشارع الرواج وتيسير تناول المبيعات مقصداً ثابتاً من مقاصد الشريعة.
والطريق الثاني يُتوَصَّلُ به إلى تعيين المقصد الشرعي ورفع الخلاف عند الجدل فيه. ويتكوّن من انضمام ظنّية الدلالة إلى قطعيّة المتن. ومثّل لهذا بجملة من الآيات جاءت إما مصرّحة بالمقصد الشرعي، وإما منبّهة إليه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣).
والطريق الثالث يقوم على الاعتداد بالعمل الشرعي القريب من المعلوم بالضرورة. وهذا كمشروعية الصدقة الجارية المعبّر عنها بالحبس.
تلك هي الطرق الثلاثة التي يعيّن بها المقصد الشرعي عند الأئمة الفقهاء.
ويلفت الشيخ ابن عاشور الأنظار إلى جهات طلب المقاصد التي تتحقّق بها معرفة تلك الطرق. ويحدد الجهات الثلاثة لذلك قائلاً:
هي: (١) الأمر والنهي الابتدائيان، (٢) عللهُما، (٣) ما يقع بين أيدي الفقهاء من مقاصد شرعية كالأصلية، والتابعة.
وهذه المقاصد الأصليّة والتابعة واردة في الشرع إما بالنصّ عليها، وإما بالإشارة إليها، وإما بما يكونُ مِن استقرائها من النصوص (٤).
стр. 866
الفصل الرابع: في القواعد الشرعية
عرَف المجتهدون والفقهاء، من قبل نشأة علم أصول الفقه، القواعدَ الشرعية العامة من خلال ما ضبطوه من أحكام، وأقاموه عليها من أدلة، ونظروا في مجموع ذلك نِظرتهم الدقيقة الواسعة. فمكّنهم فحصُهم لها، وشمولُها لما أرادوا جمعه من أحكام أو مسائل، من الوقوف على ما نبّهوا إليه من علل الأحكام وحِكم التشريع. وإلى هذا أشار الشيخ ابن عاشور بقوله: ومن وراء ذلك خبايا في بعض مسائل أصول الفقه أو في مغمور أبوابها المهجورة عند المدارسة، أو المملولة تَرْسُبُ في أواخر كتب الأصول، لا يصل إليها المؤلفون إلا عن سآمة، ولا المتعلّمون إلا الذين رزقوا الصبر على الإدامة. فبقيت ضئيلة ومنسيّة، وهي بأن تعدّ في علم المقاصد حَرِيّة. وهذه هي مباحث المناسبة والإخالة في مسالك العلّة، ومبحث المصالح المرسلة، ومبحث التواتر والمعلوم بالضرورة، ومبحث حمل المطلق على المقيّد إذا اتحد الموجَب والموجِب أو اختلفا (١). واجتمع لدينا، للدلالة على جملة من المصطلحات المتقاربة، عددٌ من الكلم نعدّ منها: الكليات والمقاصد، والعلل والحِكم، والمصالح والمفاسد ونحوها. والهدف من كلّ الصيغ التي تشترك فيما لها من علاقة بأحكام الشريعة من قريب أو بعيد، أو من أي وجه من
стр. 867
الوجوه، إضاءتها لنا المسالك، ووضعها أيدينا على الحِكمة الشرعية، وعلى العلّة من التشريع الإلهي فيما قضى به الشارع الحكيم.
الكليات:
تطلق الكليات على القسم الضروري من أقسام المصالح. وهي الكليات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل (١)، وتوسع آخرون فأطلقوها على جميع المقاصد من ضروريّات وحاجيّات وتحسينيّات، لأن الشارع قصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق. فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبدياً وكلياً وعاماً في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال (٢).
ومثل هذا الحصر أو التوسع في إطلاق مصطلح الكليات نجده في استعمال المصطلحين: المقاصد والمصالح فهما مرّة ملتقيان، وأخرى مفترقان. تطلق كلمة مقاصد ويراد بها المصالح وكذا العكس. قال الشاطبي: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق. وهذه المقاصد لا تعدو الأقسام الثلاثة مما ذكرنا (٣). وقال مرّة أخرى، جاعلاً القسم الضروري من المصالح وحدَه من المقاصد: إن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة (٤).
وفي شرح التحرير: حصرُ المقاصد في هذه الخمسة ثابت بالنظر للواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء (٥).
стр. 868
والمقاصد متضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها (١). والمصالح والمفاسد على ضربين "دنيوية وأخروية". والمصالح المجتلبة، والمفاسد المستدفعة شرعاً إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للأخرى (٢). ويظهر من هذا الحصر دلالة المصالح والمفاسد على خصوص الجلب والدرء.
وعند تأمل التركيب الإضافي "مقاصد الشريعة"، نتصوّر معناه على الجملة، وندرك أن القَصد يراد به المقصود لغة، فَهُما بمعنى. وفي الاصطلاح أطلقوه على المطلب والغرض والحكمة التشريعية، ومن ثم انصبّ القصد العام في استعمال الأصوليين على المصلحة، كما ذكر ذلك صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية في قوله: إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان (٣).
وحاول بعض المتأخرين التفريق بين المصطلحين: المقاصد والمصالح. وقال: إن المصلحة هي مادة المقاصد ومجال فعلها. وفسّر الجملة باعتبار أن المقصد هو المبدأُ النظري أو القاعدة العامة، وقال في المصلحة: إنها المقصدُ حين يتجسّد، أي حين يتحول إلى فعل له. والظاهر أننا في غناء عن التفرقة بين المقصد والمصلحة. وكان ذلك هو الأصل والأساس من وضع كتاب المقاصد. وهو اعتبار المصالح مناطاً لأحكام الشريعة. فهي المقصودة من تلك
стр. 869
الأحكام، فحيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله، وأن المبحوث فيه في هذا العلم هو طلب الأخذ بالمقاصد، وتحقيق المصالح بالامتثال لأوامر الشريعة وتنفيذ أحكامها. وذلك ما تضمنه الكتاب وجاءت به السُّنة. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢).
الطريق الممهِّدة للتعرّف الدقيق على المقاصد وتعيينها:
إن المرجع في التعرّف على المقاصد وتعيينها هو الوقوفُ على الأدلة الشرعية التفصيلية وعللها أو على حِكمة التشريع التي قصد إليه الشارع. وهذان هما أولاً: الأمر والنهي الابتدائيان التصريحيان كما قدمنا. وقد جاء بيان هذا مفصلاً في قول الشاطبي: الأمر بالشيء يقتضي طلب الفعل، ووقوعُه عند وجود الأمر مقصود للشارع. وكذلك النهي، معلوم أنه مقتضٍ نفي الفعل أو الكفَّ عنه. فعدم وقوعه مقصود للشارع، وإيقاعه خلف لمقصوده (٣).
والعلم بالعلّة مثّل له الإمام بأمثلة كثيرةٍ منها: النكاح بقصد التناسل، والبيع بقصد الانتفاع بالمعقود عليه (٤)، وإقامة الحدود بقصد الزجر عن موجباتها. ويُتوصّل إلى تحديد العِلّة بمسالكها المعلومة. فإذا تعيّنت عُلم أن مقصد الشارع هو ما اقتضته تلك العِلّة من الفعل أو الترك ومن التسبّب وعدمه، وإن كانت غير معلومة فلا بد من الوقوف على ما ورد من الشارع من قطع يفيد بأنه كان قصد كذا أو كذا.
стр. 870
ومراعاة المقاصد الشرعية عند وضع الأحكام، وتجنُّبُ كل ما فيه انحراف عن الأدلّة أو مناقضة لها.
فالتمسك في كل هذا يكون بالآيات القرآنية بعد فقهها وفهمها الفهم الدقيق المحقّق للغرض منها، وبالسُّنة الصحيحة التي اتفق علماء الحديث ونقاده على العمل بها، حصر بعضهم هذه فيما تواتر منها تواتراً معنوياً (١). وبالمقاصد الشرعية المرادة للشارع، وهي التي من أَجلِ تحقيقها وضعت الأحكام.
فالأحكام هي التي تتحقّق بها مصالح الخلق في الدنيا والأخرى. ويفتقر النظر فيها والتمييز لها إلى العلم بالسُّنة ومصطلحاتها. فلا يقدر على هذا غير من ثبت للناس بصرُه بمصادر الشريعة، وقدرتُه على الاجتهاد، وفق قوانين العلم بالعربية والأصول والاجتهادات الشرعية للسابقين من الأئمة. ومن لم يكن هذا شأنه كان من المتقوّلين على الله، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً وكَلامُه ردّ.
ذلك أن العالِم المؤمن يقوم اجتهاده على مراعاة تلك المقاصد والمصالح المعتبرة التي أذن فيها الشارع، فيقضي ويفتي بها صائناً بذلك تشاريع ربه من أيّ تغيير أو تبديل، ومن غير تحريف للكلم عن مواضعه. وهو ما توعّد الله عليه. وقد حفظ سبحانه تشريعاته، وتولّى بنفسه ﷻ حمايةَ كتابه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
القواعد والضوابط لمعرفة الأحكام وتعيين المقاصد:
وضع كثير من شيوخ العلم من المجتهدين والفقهاء جملة من
стр. 871
القواعد والضوابط يتقيّد بها الفقهاء يسيرون على نهجها، ويهتدون بها، حرصاً منهم على طلب مقاصد الشريعة، وتطلعاً إلى ما يترتب على ذلك من التزام بها في الدنيا وجزاءٍ عليها في الأخرى.
وهذه جملة من القواعد تسطّر منهاجاً للمجتهدين وسبيلاً للباحثين والدارسين.
° فهي: تُحدد ما يترتب على الإيمان والاستقامة والعمل الصالح من ثواب وجزاء على ذلك في الدنيا والآخرة. يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٣).
كما حَدّدت قواعدُ الشريعة ما يترتب على الكفر، والإعراض عن الحق، والفساد في الأرض من عذاب وعقاب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (٥).
ومن الوعيد على الكفر العذاب الأكبر الذي أعدّه الله لهم. وهو ما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ (٦).
стр. 872
فهذه الآيات تحمل أولي النُّهَى على جعل الآخرة موضع اهتمامهم، واعتبارِ هذه الدار متْجراً لهم، كما تضبط المنهج السلوكي الذي دعاهم الرحمن إلى الالتزام به. والقاعدة في هذا أن المصالح المجتلبة والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقامُ الحياة الدنيا، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها أو درء مفاسدها العادية (١)، والمعتمد في هذا اتباع منهج الشرع. فهو ﷻ العليم بالمصلحة من هذه الناحية، الموفّق بينها وبين ما أجراه في سُنة الوجود.
والقاعدة بهذه الصورة ليست تلك التي عرفها علماء الأصول بكونها الأمرَ الكلي المنطبق على جميع جزئياته عند تعرف أحكامها منه، بل هي هنا كما ذكرها التهانوي في اصطلاح العلماء، أوسع من ذلك. وعلى هذا جرى العز بن عبد السلام في قواعده (٢).
وإلى جانب هذا النوع من القواعد التي لا ينبغي أن تغيب عن المرء طوال حياته، أشير إلى قسم ثان منها مثاله:
° إن مجيء الشرع كان لهداية الناس إلى مصالح العباد، وإن دور الشريعة حفظُ مصالحها في الخلق (٣).
° إن الشريعة تحيط بجزئيات من المصالح لا يحيط بها العقل (٤).
стр. 873
° أن في الأمر والنهي والتخيير حظاً للمكلف وحفظاً لمصالحه، أما الله فهو غني عن الحظوظ، مُنزّه عن الأغراض (١).
وهذه جميعها تؤكد على هدي الشريعة في الأخذ بقواعد الدين، واعتبار أن ما جاء عن طريقها هو خير الطرق وأفضلها. بل هو جماع الطرق المحققة للسعادة، الكفيلة بجلب المصالح ودرء المفاسد. ولهذا الاعتبار حذّر العلماءُ من مخالفة الشرع. ومن الاستغناء عنه بما يمليه أو يدل عليه النظر والعقل. وقد اخترت من القواعد أمثلة مما نبه إليه الإمام الغزالي:
° يجب أن يكون اتباع المصالح مبنياً على ضوابط الشرع ومراسمه (٢).
° وجوب المحافظة على حدود الشريعة والإعراض عن المصالح (٣).
° اتباع المصالح مع مناقضة النص باطل (٤).
وفي هذا تحذير من مجاراة الهوى واتباع الشهوات والصدوف عن الهدي الشرعي.
ومن القواعد الواردة في هذا الغرض أيضاً:
° أن القصد الشرعي من التشريع هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما أنه عبد له اضطراراً (٥). وتتعلق هذه القاعدة بالأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين
стр. 874
والدنيا، لا من حيث هوى النفوس، ولكن من جهة دلالة الشرع عليها والدعوة إليها. والآيات الواردة في هذا الغرض كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٣).
° اتباع الهوى في المحمود طريق إلى المذموم، لأنه إذا تبيّن أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفاً (٤). وقد حذّر العلماء من قبح هذا السلوك الخطير بقولهم: متبع الهوى كالمرائي يتخذ الأعمال الصالحة لما في أيدي الناس لاقتناص أغراضه.
° قصد الشارع من المكلف أن يكون قصدُه في العمل موافقاً لقصده في التشريع، فإن ذلك اعتباراً لمصالح العباد على الإطلاق والعموم. والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وألّا يقصد خلاف ما قصده الشارع.
وقد اقترنت بالملحظ المتقدم عند الشيخ الإمام قضايا المقاصد ومسائلها بموضوعات المصالح وتفاريعها.
واعتباراً لهذه القواعد، وما ينجم عن مخالفتها من محاذير، تضمن القسم الأول من مقاصد الشريعة الإسلامية فصلين هامَّين:
стр. 875
يقرر أولهما صعوبة التوصل إلى تعيين المقاصد، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك (١)، وهو الذي ترجم له باحتياج الفقيه إلى معرفة المقاصد.
ويكشف ثانيهما عن الطرق المعتمدة لذلك عند علماء السلف، ومن جاء بعدهم من العلماء والفقهاء (٢).
* * * * *
стр. 876
الباب الرابع
أمثلة للمقاصد مستخرجة من كتب المؤلف:
كالتحرير والتنوير، والنظر الفسيح، وكشف المُغطَّى
стр. 877
الفصل الأول: أمثلة للمقاصد الشرعية المستخرجة من التحرير والتنوير
يركز كتاب المقاصد، مع جمعه بين الجانبين النظري والتطبيقي في دراسة المقاصد، على الخطاب ومقتضياته، والأحكام وموجباتها، ويحرص على إيراد النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنة مفرِّعاً عليها مسائل فقهية عديدة، معلّلَةً وغير معلّلَة، لينتهي إلى ما نبه إليه من قوانين وطرق يستعملها للتوصل إلى ضبط المقاصد بأنواعها.
ولما كان من المتعذِّر بيان ذلك وتصويره من خلال كتاب المقاصد وحده، نورد أمثلة من كتب الشيخ الأخرى اختلفت الأغراض فيها بين اجتهاد وتحليل لروح التشريع الإسلامي، وتمييز بين مقامات الإرشاد والتشريع والاقتضاء والاجتهاد وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه (١).
وإذا تحولنا إلى كتاب التحرير والتنوير الذي بذل فيه الشيخ ابن عاشور جهداً كبيراً عميقاً وشمولياً. فلم يغفل فيه كلمة ولا تركيباً، لا فقرة ولا جملة في أيّة سورة من سور القرآن: مكيّه ومدنيّه إلّا وقف عندها في إمعان ودقّة متأملاً ومتدبراً، مسخراً لذلك علمه الواسع، وثقافته العالية، ومستخدماً العلوم الآلية المتصلة باللغة وتصاريف الكلام وما ورد لدى العرب من تفنن وروعة في مجالات فن القول.
стр. 878
وكانت هذه الشخصية الفريدة اللامعة قد جمعت إلى ذلك كله العلومَ الشرعية وما يتصل بها من مصادر وأصول وفروع أعانتها على التغلغل في فهم النصوص الشرعية.
ويَقتضي هذا الالتفاتَ إلى الأحكام الشرعية كما دعت إلى ذلك الحاجة، وعرضَ كلام الأئمة فيها من السلف من صحابة وفقهاء ونحوهم، ومن آراء المجتهدين على اختلاف مذاهبهم، بياناً وتقريراً، مقارنة وتفصيلاً، ترجيحاً واختياراً. ولا بدع إذا وضع الإمام المقدمات العشرة الضروريُّ بحثها والنظرُ فيها قبل الشروع في تدوين تفسيره.
ولم نجد فرقاً بين طرق المؤلف في تناول الآيات الكريمة، أو اختلافاً في منهجه عند بحثها والاستدلال على ما ورد بها من أحكام، وتنبيهه وإيضاحه للمقصد الشرعي منها.
وحصل لدينا ما يشبه الحَصْر فاكتفينا بإيراد بعض الأمثلة لا على التعيين، نستجلي منها طريقته من حيث الشكلُ في العرض، من حيث تفصيلُه القول في الأحكام والمقاصد، بعد مناقشتِه آراءَ السابقين من المفسّرين، والنظرِ في حججهم ودلائلهم على الأخذ برأي دون آخر.
ولضيق المقام نقتصر على أمثلة ثلاثة من تفسير التحرير والتنوير، نحاول فيها التنبيه على ما اشتملت عليه من مقاصد شرعية:
المثال الأول: النبي الأمي ﷺ -:
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
стр. 879
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). تُبرز لنا هذه الآية علامات النبي الأمي وصفاته ومتعلقات تشريعاته. وبيان ذلك في التحرير بعد تفسير قوله جل وعلا: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.
تناولت هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف الحديثَ عن إنزال البشارة بالنبي الأمي الذي اسمه أحمد في التوراة والإنجيل، ودعوةَ أهل الكتاب إلى الإيمان به رسولاً وداعياً إلى الله. ووصفَ شريعته الخاتمة بصفات وعلامات تُميَّزها وتَظهَر بها على الدين كله. فهي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإباحة الطيبات، ووضع الإصر والأغلال عن هذه الأمة. وبالتأمل فيما جاء من هذا في التحرير والتنوير نلاحظ أن تفسير هذا النص يمكن أن يفصّل القول فيه إلى أربعة أقسام:
الأول: تحدث الشيخ ابن عاشور ﵀ فيه عن أمر الرسول أَهلَ الكتاب بالمعروف ونهيهم عن المنكر. واقتضى هذا بدون شك تحديد معنى ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. فقد أراد سبحانه وجدانَ صفاتِه ﷺ ونعوتِه في كتبهم، وهي صفات لا يشبهه فيها غيره. وهي المكتوبة دون ذاته، لأن الذات لا تُكتب. وقال أبو علي الفارسي في تفسيره لقوله سبحانه: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: إنها بيان للمكتوب عندهم. ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير يجدونه؛ لأن الضمير راجع للذِّكر والاسم؛ وهذان لا يأمران ويتعيّن أن يكون الضمير مجازاً. والشريعة الإسلامية التي تلك لغتها وأوصافها
стр. 880
وموضوعاتها وأغراضها، على ما تقدم، تدرِك حقيقتها الأفهام المستقيمة مما يتبادر من معاني ألفاظها من غير جهد أو تكلف. وبعد الإشارة إلى الرأيين السابقين المتعلقين بإعراب ﴿يَأْمُرُهُمْ بِ الْمَعْرُوفِ﴾ ، وبالهاء في ﴿يَجِدُونَهُ﴾ ينتقل الشيخ إلى تلك الأوصاف المنوه بها في الشريعة الإسلامية. وهي:
المعروف:
فالمعروف عند الإمام هو وصف لكل ما تتقبله العقول ويقتضيه النظر السليم، وبعكسه المنكر. وفي آل عمران: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وهذا لا يدل في الواقع على إلغاء الفطرة مشيرة إلى الاقتصار على الشهادة بذلك للعقول وحدها؛ لأن قوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) يدلّ على كون الفطرة تجمع بين الأمرين. وهي قوام الشريعة الإسلامية كما فصّل ذلك الإمام في كتاب المقاصد وكتاب أصول النظام الاجتماعي. ووصفُ الأمر بالمعروف هو أوضحُ علامة تعرف بها أحكام الشريعة الإسلامية.
الطيبات:
والوصف الثاني الذي دلّت عليه الآية باعتباره علامةً وصِفةً للشريعة الإسلامية، هو الطيبات. وهذا الجمع يوميء إلى غرض أصيل لكلمة طيّب فهو الأكل والأطعمة. وهذا في واقع الأمر لا يقبل النزاع؛ لأن المقصود بالطيبات هو المأكولات. ودليله الآيات الأخرى الصريحة في ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا