الباب الرابع
أمثلة للمقاصد مستخرجة من كتب المؤلف:
كالتحرير والتنوير، والنظر الفسيح، وكشف المُغطَّى
стр. 877
الفصل الأول: أمثلة للمقاصد الشرعية المستخرجة من التحرير والتنوير
يركز كتاب المقاصد، مع جمعه بين الجانبين النظري والتطبيقي في دراسة المقاصد، على الخطاب ومقتضياته، والأحكام وموجباتها، ويحرص على إيراد النصوص الكثيرة من الكتاب والسُّنة مفرِّعاً عليها مسائل فقهية عديدة، معلّلَةً وغير معلّلَة، لينتهي إلى ما نبه إليه من قوانين وطرق يستعملها للتوصل إلى ضبط المقاصد بأنواعها.
ولما كان من المتعذِّر بيان ذلك وتصويره من خلال كتاب المقاصد وحده، نورد أمثلة من كتب الشيخ الأخرى اختلفت الأغراض فيها بين اجتهاد وتحليل لروح التشريع الإسلامي، وتمييز بين مقامات الإرشاد والتشريع والاقتضاء والاجتهاد وغير ذلك مما سبقت الإشارة إليه (١).
وإذا تحولنا إلى كتاب التحرير والتنوير الذي بذل فيه الشيخ ابن عاشور جهداً كبيراً عميقاً وشمولياً. فلم يغفل فيه كلمة ولا تركيباً، لا فقرة ولا جملة في أيّة سورة من سور القرآن: مكيّه ومدنيّه إلّا وقف عندها في إمعان ودقّة متأملاً ومتدبراً، مسخراً لذلك علمه الواسع، وثقافته العالية، ومستخدماً العلوم الآلية المتصلة باللغة وتصاريف الكلام وما ورد لدى العرب من تفنن وروعة في مجالات فن القول.
стр. 878
وكانت هذه الشخصية الفريدة اللامعة قد جمعت إلى ذلك كله العلومَ الشرعية وما يتصل بها من مصادر وأصول وفروع أعانتها على التغلغل في فهم النصوص الشرعية.
ويَقتضي هذا الالتفاتَ إلى الأحكام الشرعية كما دعت إلى ذلك الحاجة، وعرضَ كلام الأئمة فيها من السلف من صحابة وفقهاء ونحوهم، ومن آراء المجتهدين على اختلاف مذاهبهم، بياناً وتقريراً، مقارنة وتفصيلاً، ترجيحاً واختياراً. ولا بدع إذا وضع الإمام المقدمات العشرة الضروريُّ بحثها والنظرُ فيها قبل الشروع في تدوين تفسيره.
ولم نجد فرقاً بين طرق المؤلف في تناول الآيات الكريمة، أو اختلافاً في منهجه عند بحثها والاستدلال على ما ورد بها من أحكام، وتنبيهه وإيضاحه للمقصد الشرعي منها.
وحصل لدينا ما يشبه الحَصْر فاكتفينا بإيراد بعض الأمثلة لا على التعيين، نستجلي منها طريقته من حيث الشكلُ في العرض، من حيث تفصيلُه القول في الأحكام والمقاصد، بعد مناقشتِه آراءَ السابقين من المفسّرين، والنظرِ في حججهم ودلائلهم على الأخذ برأي دون آخر.
ولضيق المقام نقتصر على أمثلة ثلاثة من تفسير التحرير والتنوير، نحاول فيها التنبيه على ما اشتملت عليه من مقاصد شرعية:
المثال الأول: النبي الأمي ﷺ -:
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
стр. 879
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). تُبرز لنا هذه الآية علامات النبي الأمي وصفاته ومتعلقات تشريعاته. وبيان ذلك في التحرير بعد تفسير قوله جل وعلا: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.
تناولت هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف الحديثَ عن إنزال البشارة بالنبي الأمي الذي اسمه أحمد في التوراة والإنجيل، ودعوةَ أهل الكتاب إلى الإيمان به رسولاً وداعياً إلى الله. ووصفَ شريعته الخاتمة بصفات وعلامات تُميَّزها وتَظهَر بها على الدين كله. فهي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإباحة الطيبات، ووضع الإصر والأغلال عن هذه الأمة. وبالتأمل فيما جاء من هذا في التحرير والتنوير نلاحظ أن تفسير هذا النص يمكن أن يفصّل القول فيه إلى أربعة أقسام:
الأول: تحدث الشيخ ابن عاشور ﵀ فيه عن أمر الرسول أَهلَ الكتاب بالمعروف ونهيهم عن المنكر. واقتضى هذا بدون شك تحديد معنى ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. فقد أراد سبحانه وجدانَ صفاتِه ﷺ ونعوتِه في كتبهم، وهي صفات لا يشبهه فيها غيره. وهي المكتوبة دون ذاته، لأن الذات لا تُكتب. وقال أبو علي الفارسي في تفسيره لقوله سبحانه: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: إنها بيان للمكتوب عندهم. ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير يجدونه؛ لأن الضمير راجع للذِّكر والاسم؛ وهذان لا يأمران ويتعيّن أن يكون الضمير مجازاً. والشريعة الإسلامية التي تلك لغتها وأوصافها
стр. 880
وموضوعاتها وأغراضها، على ما تقدم، تدرِك حقيقتها الأفهام المستقيمة مما يتبادر من معاني ألفاظها من غير جهد أو تكلف. وبعد الإشارة إلى الرأيين السابقين المتعلقين بإعراب ﴿يَأْمُرُهُمْ بِ الْمَعْرُوفِ﴾ ، وبالهاء في ﴿يَجِدُونَهُ﴾ ينتقل الشيخ إلى تلك الأوصاف المنوه بها في الشريعة الإسلامية. وهي:
المعروف:
فالمعروف عند الإمام هو وصف لكل ما تتقبله العقول ويقتضيه النظر السليم، وبعكسه المنكر. وفي آل عمران: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) وهذا لا يدل في الواقع على إلغاء الفطرة مشيرة إلى الاقتصار على الشهادة بذلك للعقول وحدها؛ لأن قوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) يدلّ على كون الفطرة تجمع بين الأمرين. وهي قوام الشريعة الإسلامية كما فصّل ذلك الإمام في كتاب المقاصد وكتاب أصول النظام الاجتماعي. ووصفُ الأمر بالمعروف هو أوضحُ علامة تعرف بها أحكام الشريعة الإسلامية.
الطيبات:
والوصف الثاني الذي دلّت عليه الآية باعتباره علامةً وصِفةً للشريعة الإسلامية، هو الطيبات. وهذا الجمع يوميء إلى غرض أصيل لكلمة طيّب فهو الأكل والأطعمة. وهذا في واقع الأمر لا يقبل النزاع؛ لأن المقصود بالطيبات هو المأكولات. ودليله الآيات الأخرى الصريحة في ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا
стр. 881
فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١)، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢). ولا تطلق الطيبات على الأفعال الحسنة لأن هذه سميت بالمعروف؛ والمأكولات ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبولها ومرفوضها، وإن كان يفرق تفريقاً بيّناً بين الأفعال الحسنة والقبيحة أي بين المعروف والمنكر.
وبجانب هذا الاستدلال على الاختلاف بين المأكولات وما يأتيه الإنسان من أعمال، يفسر الشيخ معنى الطيِّب ومعنى الخبيث في المأكولات، توصّلا إلى بيان مدلوليهما وبيان الحكم الشرعي المتعلق بهما من حلّ وحرمة.
فالطيِّب ما لا ضرَر فيه ولا وخامة ولا قذارة. وهو المباح والحلال، والخبيث ما أضر أو كان وخيم العاقبة أو مستقذراً لا يقبله العقلاء، وهو الحرام من المأكولات.
وملاك الأمر في هذا الرجوع إلى طبيعة المأكولات وأوصافها في ذاتها لا إلى تحكم العادات. وقد يرجع إلى العادات فتدخل فيما يشاؤونه من المباح لا غير.
وبعد هذا البيان لإباحة الطيبات وتحريم الخبائث، والأخذ بطبيعة وأوصاف المأكولات لا بالعادات، لا يصحّ بحال أن يحجّر طعام على قوم لأجل كراهية غيرهم له، أو تقذّر عادة قوم منه. وقد يتساءل الناس عن العادات واختلافها فنذكر في غير إطناب أن فَقْعَس كانت تأكل الكلب، وأن جُرْهُم كانت لا تأكل الدجاج، وأن قريشاً لا تأكل الضب، وأن النبي ﷺ وجد على مائدته ضباً فلم يطعمه
стр. 882
وقال: "ما هو بحرام، ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه" (١).
ومما قدمنا يصبح من الموقَن به أن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة مباح أكله. ولكنه قد تكون مضرّته خفيفة فيكره؛ مثل أكل ذي الناب من السباع في مذهب مالك وأشهر الروايات عنه.
وقفّى الشيخ ابن عاشور على هذا بذكر المباحات مع إخضاعها لاختلاف العوائد بين الناس. فتساءل عن سبب الامتناع من أكل لحم الأسد وهو لا ضُرّ فيه. وذكر ما هو محرّم كالذي جُهلت صفاته وحرّمته الشريعة كلحم الخنزير، وجعلَ من المباح: أكل الخشاش والحشرات والزواحف البرية والبحرية، فحظُّ الناس منها مقترن بما لهم من عادات في ذلك. وهذا الموضوع ممّا يُتساءل عنه كثيراً، ويختلف الأمر فيه بين الأقوام في مناطق المعمورة.
الرحمة:
الوصف الثالث، هو عنوان الرحمة للأمة الإسلامية ومدعاةُ بين ويسر في معاملاتها وتشاريعها ووضع الإصر عنها.
بدأ صاحب التحرير بشرح المركب الإضافي "وضع الإصر" جاعلاً الكلمة الأولى بمعنى الحطَّ وهو مجاز في الإبطال، والكلمتين معاً بمعنى ما كان من إبطال التشريعات السابقة لِمَا فيها من شِدّة.
وسَنَدُ هذا البيان قواعد الاستعمال في اللغة. ووفقها حرر كلمة "وضع" وبيّن وجه تعديتها إلى المفعول الثاني، مفرّقاً بين تعديتها بفي أو بعن أو بعلى (٢).
стр. 883
وفي وضع الإصر استعارة لإزالة التكاليف التي تشبه الآصار. ولم يفته تحديد القصد وبيانه حين تولى شرح كلمة "الإصر" مفرّقاً فيها بين تعريفي الزمخشري وابن العربي اللذين أطلقاها إطلاقاً حقيقياً على الثقل الحسي الذي يصعب معه التحرك. وعلى تفسيره بالثقل من غير قيد، إشارة للتكاليف الشاقة والحرج في الدين، كما هو وارد في بقية المعاجم. وفي هذا المقام لا يُخفي المؤلف إعماله القيد الذي أورده الزمخشري في تعريفه شاهداً ومنبّهاً على مدى تَحققِه.
وجعل وضع الإصر إثر عرضه لكلام صاحب الكشّاف والأساس عنه مع القيد المتقدم ذكره، استعارة تمثيلية، وبدون ذكر القيد استعارة مكْنية في الإصر، وتخييلية وتبعيّة في "الوضع".
ولا سبيل إلى إنكار أهمية القوانين الإعرابية والقواعد البيانية البلاغية في الاستعمال كما فصّل ذلك الأشموني عند حديثه عن اللفظ العربي والإعراب. فاستخدامُ القواعد والأحكام يفتح أمام الناظر آفاقاً لا يتطلّع إليها سواه، ممن ليس بقادر على التوصّل إلى المقصد بالسليقة.
ويذيل الشيخ ابن عاشور وصفَ الشريعة الإسلامية بالبعد من الحرج حين يقارن بين الإسلام والتشاريع السابقة كالتي جاءت بها التوراة. ويمثل لذلك بشيوع العقوبة بالقتل في عدد كبير من المعاصي التي من بينها العمل في السبت، وتحريم ما أحل الله لهم من الطيبات وتغليظهم التحريم في أمور هينة. ومن أشدّ صور الإصر والحرج عدم قبول التوبة عن المعاصي حكماً، وعدم الاستتابة للمجرمين. ولا يفرغ من الحديث عن هذا الوصف حتى يقرّ صحة استعمال الجمع لكلمة "إصر" وهو "آصار"، وإن انفرد ابن عامر بهذا في قراءته دون سائر أهل هذه الصناعة، مؤكداً أن المفرد والجمع في الأجناس سواء.
стр. 884
والوصف الرابع المُدرج في الآية ما تميّزت به ملتنا من التحرير من الأغلال. والأغلال جمع غِلّ. وهو إطار من حديد يشدّ بجلد أو بسلسلة يسحب به الأسير والجاني. وفي استعمال الغلّ هنا أيضاً استعارة تمثيلية للتكليف بالعمل المؤلم المرهق. وكان ذلك شعارَ إذلال. وهذه كانت حال اليهود بعد تخريب بيت المقدس وزوال ملك يهوذا. وهي مقابِلة تمام المقابلة لما جاء به الإسلام من السماحة الفطرية والتخفيف والتكريم للبشر (١).
وفي هذا التذييل ذكر لأوصاف الشريعة وتعيينٌ لمقاصدها بعد الذي جرى عليه في بيان النص القرآني وتحرير معانيه.
* * *
المثال الثاني: ضرب المرأة:
في المثال الثاني من بحثنا عن المقاصد، يستوقفنا موضوع ضرب المرأة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (٢).
فهذا الخطاب الشرعي يشمل أربعة جوانب:
الأول منها: تعريف النشوز بقوله: هو عصيان المرأة زوجها، والترفعُ عليه، وإظهارُ كراهيتها له.
وللنشوز ضرر، أيّ ضرر بالزوج، وكذلك بالأسرة. وهو يحتاج إلى الردع بلزوم العقوبة التي شرعها الله بقوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ...﴾. فقد رتب على سوء معاملة المرأة لزوجها عقاباً.
стр. 885
وهو على درجات بحسب حال النشوز ودوافعه وقوّته وضعفه. وأنواع العقاب، كما نصّت على ذلك آية سورة النساء: الموعظة، والهجر، والضرب. وعلى الزوج أن يراعي أسباب النشوز، والدوافع إليه، وقوتَه وضعفَه، ليكون العقاب مظنة للعدل، فلا يكون الزوج بإيقاعه له جائراً أو معتدياً أو متشفّياً.
ولإثبات هذا الحكم وتحقيق الغرض منه نبّه الشيخ إلى ما يستند إليه من نص قرآني، وإلى جملة من الآثار تأذن للزوج بضرب امرأته الناشز، وإلى عمل بعض الصحابة بذلك في غير ظهور الفاحشة.
وحُكم العقاب بالضرب ثابت بالقرآن وبالآثار والأخبار. وهي في جملتها محمولة على إباحته. وقد جرى العمل به بين طبقات من الناس وفي بعض القبائل. ولا ينسى الشيخ ابن عاشور هنا ملاحظة أن العقاب بالضرب، وإن كانت له شواهد ودلائل، مُراعى فيه العرف. ولذلك يتفاوت الناس فيه فيعتبره ذُكران البدو اعتداء على المرأة، في حين تعدّه نساؤهم أمراً عادياً لا اعتداء فيه عليهن.
ويؤكد الإمام هذا المعنى بما ورد عن عمر بن الخطاب من اختلاف أحوال النساء المهاجرات عن أحوال نساء المدينة، قائلاً: "كنا معشر المهاجرين قوماً نَغْلِب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم، فأخذ نساؤنا يتأدَّبن بأدب نساء الأنصار" (١).
ثانياً: عقوبة الضرب مأذون فيها للأزواج دون ولاة الأمور. ويجوز أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة
стр. 886
الأمور والأزواج، وأن الإذن ورد لهما في ذلك في الخطاب القرآني في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (١) بجعل "لكم" للأزواج، وصرف "فإن خفتم" للولاة، وربما عَنَى الشارع بالولاة خصوص النبي ﷺ فقُصر هذا الأمر عليه دونهم.
ثالثاً: اختلف الأئمة في تأويل آية الضرب. فقال عطاءٌ: لا يضرب الرجل زوجته ولكن يغضب عليها. وسانده في هذا ابن العربي في أحكامه لقوله عن عطاء في هذه القضية: من فقه عطاء وفهمه للشريعة ووقوفِه على مظانِّ الاجتهاد عَلِم أن الأمر بالضرب هنا للإباحة.
وعقّب ابن العربي بأنَّ عطاء يكون قد وقف على كراهية ذلك في حديث: "ولن يضرب خيارُكم".
أما رأي شيخنا في هذه القضية: فوضع الأشياء مواضعها بحسب القرائن، وإلى هذا ذهب جمع من العلماء. قال ابن الفرس في تعليل موقفهم: إنهم أنكروا الأحاديث المروية بالضرب. وقال الشيخ ابن عاشور: أو تأوّلوها.
رابعاً: الإشارة إلى الأحوال المختلفة التي تكون بين الزوجين لتقرير الحكم الشرعي. يبيّن ذلك صاحب التحرير بقوله: الظاهر أن الإذن بالضرب لمراعاة أحوال دقيقة تكون بين الزوجين. فأُذن للزوج بضرب امرأته ضربَ إصلاح، لقصد إقامة المعاشرة بينهما. فإن تجاوز ما تقتضيه حالة النشوز كان معتدياً.
стр. 887
وفيما تقدم نبّه الشيخ ابن عاشور إلى قاعدتين تتعيّن مراعاتُهما:
الأولى: لا تجوز العقوبة بالوعظ، أو بالهجر، أو بالضرب لمجرد توقّع النشوز.
والثانية: أن الأزواج مؤتمنون على توخّي مواقع هذه العقوبات بحسب درجة النشوز.
وبعد البيان للآية بذكره أولاً ما ورد بها من أحكام تتعلّق بمعاملة المرأة في حالة خاصة قد تَعرض لها، وثانياً بأثر ضبط الحكم الشرعي في هذه القضية ومراعاة الظروف والملابسات فيها. وهذان نوعان من الاستدلال يعتمدان النص والقرائن الحافَّة به، يعود إلى تشنيع الضرب بوصفه بالخطورة من الجهة التي استوجبت الحكم به، وإلى صعوبة تحديد مقداره لأن ذلك عسير. وينتهي من هذا كله إلى تخصيص الإذن بالضرب في حالة معيّنة هي حالة ظهور الفساد. ولتوقّع تجاوز الرجل حدّه في إيقاع هذه العقوبة، ولكون الأصل في أحكام الشريعة ألا يسمح للمرء أن يقضي في حق نفسه لولا الضرورة، ولدعم موقفه في ذلك، أُخذ بتقييد الجمهور لعقوبة الضرب، وذلك بالسلامة من الإضرار، بكون القائم بها ليس ممن يعدُّ الضرب بين الزوجين إهانة، وإضراراً. ورتّب آخر الأمر على هذا الحكم المعلّل والمقيّد بإمكان التحديد من ولاة الأمور لمن يتجاوز حدَّه في هذا من الرجال بإنزال عقوبة به، لتدارك ما يمكن أن ينجم عن مباشرة الزوج لعقاب امرأته من إفراط، وخاصة بعد فقدان الوازع الديني الذي يحول بين المرء وبين كل ما يعد منكراً من تصرّفاته (١).
* * *
стр. 888
المثال الثالث: الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (١).
اعتبر هذه الآية فاصلة في قضية الطلاق ثلاثاً حسب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. ولتمام البيان والشرح أتي بفاء التفريع أول هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ لتكون مترتّبة على الآية السابقة وهي قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. والطلقتان الأوليان جمعتا لأنهما يدلان بطريق الاقتضاء في كليهما على الخيار في المراجعة وعدمها اللّذين يوميء إليهما قوله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإن أردفتهما ثالثةٌ فتلك هي الطلقة الثالثة التي لا تحلّ مراجعة المرأة فيها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيرهُ؛ لأنها من البتات الذي ليس معه مراجعة. فبيان نهايته، وهي المراجعة، كان صريحاً بهذه الآية: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾. وفي هذا حدّ لما كان عليه الناس في الجاهلية من مراجعتهم المرأة بعد تطليقها، ثم يطلّقونها دواليك، فتبقى زمناً طويلاً في حالة ترك، إضراراً بها، إذ لم يكن الطلاق عندهم منتهياً إلى عدد لا يملك الزوجُ بعده المراجعة. والبتات المترتب على الطلقة الثالثة يسلب الزوج حقَّه في مراجعة زوجته، كما يسلب امرأته حق الرضا بالرجوع إلى زوجها حتى تنكح زوجاً غيره. والحكمة من هذا التشريع إنزال العقوبة على المستخفين بحقوق المرأة من الأزواج بإيقاع الطلقة الثالثة، إيلاماً لهم في وجدانهم. وسبب ذلك تهاون المطلّق بشأن امرأته التي في عصمته، ونبذه لحقوقها، حتى جعلها لعبة تَقَلَّبَها عواصفُ غضبه وحماقته. وبهذا يتبين للمطلّقين أنّهم لم
стр. 889
يكونوا مُحقّين في أحوالهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
وقد نظروا المراتب الثلاث للطلاق، التي جاءت الشريعة بها لردع الأزواج عن تصرّفاتهم السيئة، باعتبار الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة. فإذا حصلت الثالثة كانت فراقاً. وهذا وفاق لما فسّر به الرسول ﷺ الخلافَ بين الخضر وموسى ﵉: أن جعل المخالفة الأولى بالسؤال نسياناً، والثانية شرطاً، والثالثة التي كانت عمداً فراقاً، لقول الخضر لموسى: هذا فراق بيني وبينك.
واللفظ الثاني المشير للنظر والدرس هو ثلاثاً. فأكثر الفقهاء حمله على ما في الآية من تفصيل، وهو وقوع طلقتين متقدمتين تلحقهما طلقة ثالثة. وبعضهم جعل المقصود بالثلاث: إيقاع الطلاق به بلفظ واحد.
وفرّق الشيخ ابن عاشور بين الاتجاهين في هذا التفسير بتقدير الحكمة والمصلحة من هذا التشريع، فجعل المبتوتة التي يحتاج معها إلى محلِّل هي الطلاق مرتين تتبعهما ثالثة. ولزاماً أن يقصر هذا الحكم على مورد النص. أما ما يقع من التطليق ثلاثاً بلفظ واحد فهو تغليظ، أو تأكيد، أو كذب. وإنزال حكم الطلاق السابق عليه متحقّق، وفيه حكمة التأديب على هذا الصنيع. غير أن التلفظ بالثلاثة في المرّة الواحدة لا يجعلها في الواقع ثلاثة، وإنما هي واحدة. فلا يعاقب بالتفريق بينه وبين زوجه، وإن تصرَّف تصرُّف الحمقى، أو كان من الكذابين. وكمال هذا الحكم: ما صوره به الإسلام. ودليل هذا حديث ابن عمر المعروف، وحديث ركانة بثت عبد يزيد المطلبي أنه طلق امرأته ثلاثاً في كلمة واحدة. فسأل النبي ﷺ فقال له: "إنما ملَّكك الله واحدة. فأمره بأن يراجعها".
стр. 890
واجتهد عمر بن الخطاب، لحوادث في الطلاق جدّت، بإيقاعِ الطلاق بلفظ واحد ثلاثاً، كما أراد مُوقعُها قائلاً: أرى الناس استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
وأمام الحالين اللذين وصفناهما، مما كان من عمل الناس في حياة رسول الله ﷺ وحياة أبي بكر وجزء من خلافة عمر، انقسم الفقهاء في حكم الصورة الثانية. وهي التي أراد بها صاحبها التطليق ثلاثاً بلفظ واحد. فذهب الجمهور إلى إيقاعها ثلاثاً عملاً باجتهاد عمر وقضائه بذلك، وللإجماع السكوتي الذي حصل في زمنه.
وقضاء عمر لا يَلزم العمل به. وذهب عدد من الأئمة الفقهاء إلى أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة. وهذا هو الأرجح من جهة النظر والأثر، واستدلوا على هذا بأدلة أخرى:
أولاً: إن العمل بمنطوق الآية التي رُتّبت الطلقة الثالثة فيها على حصول تطليقتين أخريين مثلها.
وانبرى الشيخ ابن عاشور إلى مذاهب الأئمة في صدر الإسلام أمثال الشافعي والباقلاني والغزالي والإمام الرازي، الذين جعلوا تعديل عمر للحكم مذهباً خاصاً به. وعندنا مذهب الصحابي لا ينهض حجة، كما أن الإجماع السكوتي الذي حصل لا يزيده قوة ولا يكسبه حجّية. وروى الشيخ ابن عاشور عن عدد من الصحابة ومن الفقهاء من مالكية وحنابلة وظاهرية أن الطلاق لا يقع في هذه الحالة إلا واحدة.
وثانياً: إن القصد الإلهي من تعدّد الطلاق التوسعة على الناس، وتَرك اعتبار ذلك عند الجمهور يَرجع - كما قال الإمام نقلاً عن ابن رشد الحفيد - إلى تغليبهم حكم التغليظ في الطلاق سداً للذريعة.
стр. 891
ولكن هذا تبطل به الرخصة الشرعية والرفقُ المقصود من قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١).
ثالثاً: قول ابن مغيث: إن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ومُوقع الثلاث غير محسن، لأن فيه تركَ توسعة الله. ومن الفقهاء كما ورد في المدونة من قال: من طلّق امرأته ثلاثاً فقد عصى ربه وبانت منه زوجه. ورد الجمهور بأنّ رواية الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد معتمدةٌ في صدر الإسلام.
رابعاً: الاحتجاج بحديث ابن عباس في الصحيحين: كان الطلاق في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافته طلقة واحدة، وتُقابل رواية طاوُس لحديث ابن عباس هذا روايةٌ أخرى.
وخطّأ ابن عبد البر رواية طاوس هذه وقال: إنها وهم وغلط. وبعد حديث طويل وإشارة إلى الأنظار المختلفة للأئمة في هذا الشأن، يقول الإمام الأكبر: ونحن نأخذ برواية ابن عباس وليس علينا أن نأخذ برأيه.
خامساً: حديث ركانة ورواية الدارقطني له: من أنه طلق زوجه ثلاثاً في كلمة واحدة. وسأل رسولَ الله ﷺ فقال: إنما هي واحدة فارتجعها. وأجاب الجمهور عن هذا بأن الحديث مضطرب، وعقّب عليه شيخنا بأن هذا الجواب واهٍ.
سادساً: حديث تطليق ابن عمر زوجه. ذكر بعضهم أنه طلقها ثلاثاً فأمر الرسول ﷺ بمراجعتها. وفي هذا شاهد منه على عدّها طلقة واحدة. والحق أن الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع إلا طلقة واحدة. ولا يعتد يقول المطلِّق ثلاثاً.
стр. 892
وختم الشيخ هذا البحث بذكر موقف داود الظاهري ومقاتل بأن الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد لا يقع طلاقاً بالمرة لأن القرآن اقتصر على ذكر الطلاق المفرق. وردَّ هذا الموقف ووصفَه بالشذوذ والبطلان، وجعل من دلائل إبطاله إجماع المسلمين قاطبة على وقوع الطلاق به، خصوصاً وقد وقع التلفّظ به (١).
* * *
المثال الرابع: مثال من كتاب النظر الفسيح: حديث الوصيّة
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أوُصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟ قال: "فالثلث، والثلث كثير. إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفّفون الناس" (٢). ورَوَى الحديث مالك عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبيه بلفظ: "جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي. فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال رسول الله ﷺ : "لا". فقلت: فالشطر؟ قال: "لا". ثم قال رسول الله ﷺ : "الثلثُ والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس" (٣).
ويتّضح من الروايتين الاختلاف في تقدير الوصية بدءاً والاتفاق عليها وسطاً وآخراً.
стр. 893
ومن المناسب أن نذكّر هنا بأن النظر الفسيح وكشف المغطّى ليسا سوى ملاحظات وتقييدات على شروح صحيح البخاري وشروح موطأ الإمام مالك التي وقف عليها الشيخ ابن عاشور عند تدريسهما بجامع الزيتونة. فهي إفادات اقتضاها النظر، ودعت إلى إبرازها مهمّة التدريس. وإنا لنجده في عمله هذا يعني في أول ما يعني به بالأحكام المستنبطة من أحاديث ذينك المصدرين يحرّرها، ويذكر أدلّتها، ويتولّى نقدها وتصحيحها من أجل الاطمئنان إليها، والتوصل من وراء ذلك إلى إدراك مقاصد الأحكام الشرعية إدراكاً تاماً. وذلك على حسب ما وقع التنبيه إليه في مستهلّ حديثنا عن الخطاب الشرعي.
صدّر الشيخ تعليقه على هذا الحديث بذكر حكم الوصية الجائزة. وهو إجماع الفقهاء على رد ما زاد على الثلث. ولكنه أضاف إلى هذا مقولة ابن عباس التي أوردها البخاري. وهي: لو غضَّ الناسَ إلى الربع (١). ولعلّ ممّا حمل ابن عباس على استكثار الثلث جَعلُه أقصى ما يتصرّف فيه ذو المال بالوصية، وقوله ﷺ : "والثلث كثير". وردَّ الشيخ ابن عاشور هذا الرأي، وإن نُسب إلى ابن عم النبي ﷺ ، واعتبر استدلاله به مشكلاً لانفراد حديث سعد بتقدير الثلث غايةً قصوى. وعدم ورود أثر آخر عن رسول الله ﷺ يدل على تعميم التشريع في هذا الباب، ولإعلان حديث الباب ردّ ما زاد عن الثلث. ثم إن سبيل ورود هذا الحديث هو مقام الاستشارة في قضية عين، يدل على ذلك حطّ الرسول ﷺ من الوصيّة بعد الحوار الذي كان بينه وبين سعد.
والحكمة من هذا التشريع - كما يظهر من النصّ نفسه -
стр. 894
الحيلولةُ دون أن يُصبح الورثة بما حرموه عالة يتكفّفون الناس. وفي هذا إضرار بهم. وهو منهي عنه بصريح القرآن في قوله : ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (١). وقد فصّل صاحب الكشف أنواع الإضرار بقوله: ويظهر أن ملاك جواز الوصية هو ما لا يضرّ بالورثة من تركهم في حاجة، أو قصدُ حرمانهم وإبعادهم عن ماله، كما يفعل بعض المغرضين، إلا أن ضبط ذلك ليس بالأمر السهل. فلعل عُسرَ انضباطه هو الذي حمل العلماء على المصير إلى إشارة النبي ﷺ مع اعتبار المال في حالة المرض المخوف قد صار فيه حق الوارث. وسماح الوارث بحقه متفاوت بتفاوت سخاء النفوس.
ومن هذا الحديث نشأت أحكام أخرى هي:
أولاً: أن تكون الوصية بالثلث لا تزيد عليه جائزة في حال فقر الوارث، وهذا الحكم محل وفاق بين العلماء.
ثانياً: إذا كان الزائد على الثلث محتملاً ومتفاوتاً ألغى الفقهاء تفاوته وتفاوت أحوال الورثة لعسر الانضباط.
ثالثاً: اعتبار باب إجازة الوارث مفتوحاً يتحقق به مقدار سماح الوارث، غير أن الظاهرية قالت بإبطال ما زاد على الثلث. وهذا من الخطأ البيّن.
ومن المقاصد الشرعية في إجازة الوصيَّة ما هو معلوم عند الكافّة من أن النظام البشري قائم على أواصر كثيرة. أعلاها منزلة آصرة القرابة والزوجية. فكان هذا موجباً لانتقال مال الميت بعده إلى هذه العناصر من أسرته، تأكيداً لتلك الروابط ودعماً لها.
стр. 895
واقتضى النظر الشرعي، في مثل هذه المعاملات، تصرّفاً حراً لرب المال في ماله: يوصى بالمقدار المحدّد منه لمن شاء حسب اختياره وغيرَ مضار. وقد جاءت السُّنة النبولهة الشريفة بمراعاة الحقّين. فأبقت حقّ الوصية محترماً يعود فيه الأمر إلى رب المال، فلا يبذله لوارث، وجعلت حق القرابة محترماً أيضاً فلم تأذن في الوصيّة بأكثر من الثلث.
وفي هذه الخلاصة جمع بين الأدلة من الكتاب والسُّنة، ومناقشة لبعض الأدلة الأخرى، وتحليل للأحكام الشرعية المتعلّقة بالوصية والمفصِّلة لمقاصدها وأهدافها التشريعية.
* * *
المثال الخامس: مثال من كتاب كشف المُغطَّى: حديث بيع الخيار
روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار". قال مالك: وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به (١).
وهذا الحديث من أكثر أحاديث أبواب المعاملات دوراناً على الألسنة. أشبعه العلماء بحثاً، وتداولوه نظراً وتفقّهاً. وهو ليس بحاجة إلى الدرس أو البحث لولا المراد منه عند المالكية قد خَفِي. وبخاصة مقالة الإمام مالك فيه: ليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به.
وهذه الجملة آذنت بأن في الأمر اختلافاً في الفهم، وأن قول الإمام مالك "عندنا" فيه تنظير، بل مقابلة لما عليه الأمر عند غيره ممّن حمل معنى الافتراق على المراد منه. وقد أشكل هذا. ومن ثَمّ
стр. 896
تعلّق غرض الشيخ ابن عاشور بالكشف عن المراد بالافتراق فردّه إلى ما قاله الفقهاء بشأنه.
وفيه عند طائفة إثبات حق الخيار لكل من المتعاقدين في المجلس. وقال آخرون: لا يمكن أن يقال بهذا الخيار ومحلّه المجلس، والمجلس غير واضح ولا منضبط.
وإلى تأييد الوجه الثاني ذهب القاضي ابن العربي مصرّحاً بعدم صحّة الخيار. قال في شرح القَبَس: إن المجلس المشار إليه مجهول المدة. ولو شَرَط الخيار مدّة مجهولة لبطل إجماعاً. وحجّته في ذلك أن ثبوت الحكم بالشرع لا يتم إذا كان شرطه غير جائز شرعاً.
وذهبت طائفة ثانية من المالكية إلى أن الإمام أخذ بعمل أهل المدينة. وردّ عليه القاضي أشنعَ ردّ، متّهماً أصحاب هذا الرأي بقصور الفهم، وبأن تفسير مقالة الإمام إنما هي ما كشف عنه هو، وبرهن عليه.
والذي يفسّر كلام القاضي هذا أن الحديث رواه ابن عمر وحكيم بن حزام فيما تعمّ به البلوى. وأن الناس قد حملوه محملاً غير بيّن لأن المجلس المذكور في الحديث غير بيّن. وهكذا دفع الشيخ ابن عاشور مقولة هؤلاء قائلاً: إن شأن التشريع في الحقوق أن يكون مضبوطاً. وبدون انضباطه لا يتمكن المُتَعامِلُون من المطالبة بالحقوق، ولا يتسنّى للقضاة فصل القضاء. وهذا من باب نقض أدلة الخصم، إبقاءً على الوجه الذي يرتضيه شرعاً في مثل هذه القضايا (١). ومضياً في ذلك، وتأكيداً له قال: إن الحديث محل النظر ورد مجملاً، لا يصحبه ما يبيّنه من عمل. ولذلك علّل الإمام مالك عدم الأخذ به بقوله: "ولا أمر معمول به". والأدلة المجملة لا تكون أدلّة تفقّه،
стр. 897
فيجب التوقّف. ودعا في مثل هذه الحالة إلى الرجوع إلى القواعد الشرعية. فالأصل في البيوع الانضباط وطرح الغرر. وروي عن ابن عمر، الذي كان يرى العمل بخيار المجلس، أنه كان إذا رغب في انعقاد بيع شيء ابتاعه انصرف عن المجلس. وقد حمل سلوكه هذا غيرَه من بعده على إطالة البقاء في المجلس إذا كان يرغب في بقاء حق الرد.
ومهما يكن من رأي فإن مثل هذا التصرّف كان في نظر ابن عاشور مثاراً لعدم الانضباط وحصول الغرر، في حين أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن دلالة العقود القولية والفعلية تتطلّب تحصيل آثارها في المِلْك وغيره.
وتغليباً لمذهب المالكية يقول صاحب الكشف: إن الأظهر في هذا الحديث إرادة التفرّق بالأجساد. وهو التفرّق المعتاد الذي يحصل بين المتبايعين بعد إتمام إجراءات البيع من حصول التراضي ودفع الثمن وقبض السلعة. وهكذا يكون إجراء قوله ﷺ : "ما لم يتفرقا" على الغالب. ويحصل المقصود الأساس من البيع وهو البتُّ والتحقق، أو يكون القصد من هذا التمهيدَ إلى ما بعد انبرام العقد وحصول نتائجه وهو ما استثناه ﷺ بقوله: "إلا بيع الخيار".
* * *
وفي ختام هذا الفصل يتأكّد التنبيه إلى أن هناك فرقاً بين كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية وكُتب: التحرير والتنوير، والنظر الفسيح، وكشف المغطى. فالأول يتميز بقيامه على التعريف بالمقاصد وأنواعها، وتطوّرات النظر فيها، ودور الأئمة الرواد في الإشارة إليها، وبيان الطرق التي تُوَصّل إليها. فقد بحث الشيخ ابن عاشور الخطاب الشرعي وما يتصل به من مباحث، وأمعن النظر بصفة خاصة
стр. 898
في دراسة الأوامر والنواهي والمقاصد والمصالح وأنواع الحقوق، وضَبَط مستحقّيها، منتهياً إلى القواعد والأصول المتصلة بالحياة في سائر مجالاتها، غير تارك في ذلك المعاملات المادية والتصرّفات المالية والسلوكيات والآداب الإسلامية. وهذه كلها جوانب نظرية تأصيلية لقضايا علم المقاصد.
وإذا التفتنا إلى مصنّفاتِه الأخرى التي ذكرناها وجدناه ينهج فيها منهج التطبيق لتلك النظريات، والتوسع في التمثيل لها. وكأنّ كتاب المقاصد قد وضع قانوناً عاماً لعلم المقاصد تجتمع فيه أغراضه ومحاوره. وهو وإن كان قد اعتمد على الأصلين من الكتاب والسُّنة، وتعرّض للكثير من المسائل الفقهية والشرعية، فقد نبّه من خلال عرضه لها على المقاصد المتصلة بمسائل العبادات والأحوال الشخصية والمعاملات، فوفّاها حقها شرحاً وإيضاحاً، تحليلاً واستدلالاً، إبداعاً واكتشافاً لما لم يصل إليه الكثير من العلماء من التعليلات والنتائج التي لها ارتباط متين بمقاصد الشريعة وأسرار التشريع.
ولا تقف بنا الإشارة إلى ما قدمناه من بيان لمحتويات كتاب شيخنا في المقاصد، ولكننا نتجاوزه إلى المقالات والكتب الفقهية والشرعية التي نعتد بها عند بحثه للجانب التكميلي للمقاصد. وهو ما تضمنه كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، الذي أحال عليه غير مرّة في مقاصده (١). فلا نطيل الوقوف عنده بعد الذي عرفناه من خلال التفسير للذكر الحكيم والشرح والتحليل لجملة أحاديث من السُّنة النبوية. ولكننا نختصر الكلام فيه كما صنعنا مع تآليفه السابقة الذكر، مكتفين باستعراض مقال أو ذكر مثال.
стр. 899
الباب الخامس
منهجية الشيخ ابن عاشور في كتاب المقاصد
стр. 900
الفصل الأول: أسس النظر في المقاصد والأحكام
الإسلام حقائق لا أوهام:
إن هذا الموضوع الجليل الذي تناوله الشيخ ابن عاشور مرات كثيرة في مقاصد الشريعة الاسلامية، وفي التحرير والتنوير، وفي أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، يدل على اهتمام المؤلف به، وعلى حاجة مختلف القراء إليه (١). وهو كما قال في بداية حديثه عنه: "أي غرض أسمى وأسنى من غرضنا الذي نشرح فيه صفة عظمى من صفات الإسلام. منها تفنّنت أفنانه، وعليها التفت أواشجه، وبها تجلّى التمايز بينه وبين غيره من الشرائع، وبإنشاء المتدينين بهذا الدين على مخامرة هذه الصفة عقولَهم كانوا أهلاً للنهوض بأعباء الأمانة التي وكلت إليهم، وهي إبانة إصلاح التفكير وإعلان الحق بين الناس" (٢).
وفي هذا التقديم ضرب من ضروب الدعوة إلى الإسلام، وكشف عن مميزاته وحقائقه، إذ هو قاعدة الدين الخاتَم وأساسه، لا يتعلق بالأوهام، ولا يقيم أصوله وهديه إلا على الحقائق والاعتبارات التي تجعل منه عقيدة صحيحة ناضجة، ومنهجاً بيّناً للحياة، يعتمد الواقع، ويعالج ما في المجتمع وعند الأفراد من انحراف، لقيامه
стр. 901
على السماحة، ودعوته إلى الفطرة بقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١). فالفطرة أعظم أصل من أصول الشريعة، وأبرز مظهر من مظاهرها، تقوم حتماً بما هو مغروز بها في النفس البشرية، من الانصياع إلى الحق، ومجانبة الباطل، وتحقيق مقاصد هذا الدين من الخَلْق. وهذا هو إسلام الوجه إلى الله ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢).
وفرّق الإمام في مقاله هذا بين الحقائق والاعتبارات، والأوهام والتخيّلات، حتى يتبيّن للناس كيف كان بعضها وصفاً للإسلام يلازمه ويدعمه، وبعضها الآخر بعيداً عنه يجانبه ولا يرتبط به. فعقائد الإسلام وشرائعه وقوانينه حقائق تدركها العقول، وتتطلبها الحياة، ولها أثرها في الواقع الاجتماعي. وهي تستهدف تقويم المجتمع الإسلامي، أفراداً وجماعات، في الاعتقاد والتفكير وفي الأعمال. ويكون هذا بأخذ الناس بالحقائق التي تهديهم وتنشرح بها نفوسهم، وتنبذ عنهم الأوهام والتخيّلات التي تُضِلُّهم وتوقعهم في الأباطيل: فتطبع على قلوبهم وتحجب عنهم الهدايةَ والاستقامة.
فالحقيقة والاعتبار المتصل بها هي الماهية الثابتة في نفسِ الأمر. وحقيقة الشيء هو مفهوم كلي مركب من معقولات ملازمة أي جواهر أو أغراض أو كليهما، غير مفارقة لجزئيات الكلّي، تقوم من مجموعها صورة متعلقة متميّزة عن غيرها تدعى حقيقة، ولكنها متحيّزة في العالم وفي مدارك العقل.
وأما الاعتبارات فهي المعاني التي توجد في اعتبار المعتبر،
стр. 902
بحيث لا مندوحة للذهن عن اعتبارها؛ لأن لها تعلّقاً بالحقائق، ولكن وجودها تابع لوجود الحقائق، ووجود الاعتبارات أضعف من وجود الحقائق الثابتة في ذاتها. ووجود الاعتبارات على نوعين: منه ما هو تبع في الخارج لوجود الحقائق المنتسبة تلك الاعتبارات إليها، متابعة وجود الظل للجسم في حال كونه في النور، ومنه ما هو قاصر على التقرر في التعقل في الذهن. وكلها إدراكات ذهنية أُلجئ الذهن إلى إدراكها للزوم تعقل آثارها التي في الوجود. وتقابل هذين الوصفين الأوهام والمتخيّلات.
فأما الأوهام أو الوهميات، كما ذكر شيخنا، فهي المعاني التي يخترعها الوهْم من نفسه دون أن تصل إليه من شيء متحقق في الخارج. والتوهّم والوهْم مركب من الفعل والانفعال؛ لأن الذهن فيه فاعل ومنفعل، فهو يخترع المعنى الوهمي ثم يدركه. والفعل فيه أقوى من الانفعال. والوهْم أوسع من العقل في تصوراته ومخترعاته وتخيّلاته، وأضيق من العقل في الإذعان لما ليس من مألوفه. فقد يعجِز الفهم عن إدراك كثير من الأدلة كما أشار إلى ذلك الغزالي في التهافت. وليس المراد من الوهميات المعاني الجزئية غير المحسوسة الموجودة في المحسوسة. والقصد من الوهم هنا هو الوهم الزائف الكاذب.
وأما المتخيّلات فهي المعاني التي تخترعها قوة الخيال بمعونة الوهم، بأن يركّبها من عدة معان محسوسة محفوظة في حافظة الذهن. والخيال قوة ذهنية بها تحفظ صور المحسوسات بعد غيبة ذواتها .. وهذه القوة الخيالية إذا استعمَلَتها النفس بواسطة القوة العقلية، أو مع تعاون القوتين العقلية والوهمية تسمى فكراً، وإذا استعملتها بواسطة القوة الوهمية؛ أي بمجرد الاختراع دون تصرّف
стр. 903
عقلي سُمِّيت تخيّلاً. وهذا هو المعنى المضبوط للتخيّل. والمعاني التخيّلية يقال إنها مقدمات ليس المقصود منها التصديق بها، بل المقصود تخييل شيء أنه شيء آخر على سبيل المحاكاة لقصد تنفير أو ترغيب، مثل تخيّل التهوّر شجاعة في قول سعد بن ناشب، وتخيّل الجبن احتياطاً وحكمة في كلام الحارث بن هشام المخزومي، وتشبيه الغِيبة بأكل الميتة في القرآن الكريم (١).
وينبه الإمام إلى أن بناء الأحكام الفقهية التي يحرص عليها الأئمة المجتهدون يقتضي أولاً أن الحقائق والاعتبارات المتصلة بها لا تختلف في نفوس البشر وعوائدهم، فهي فطرية. ومن هذا يُستخلص الأصل الذي يمكن اعتماده، والبناء عليه. وهو أن دعوة الإسلام إلى الحقيقة ونبذ الأوهام تلوح في جميع أنحاء التشريع: في الاعتقادات والعبادات والمعاملات وفي المعارف. وقد فصّل القول في ذلك ذاكراً من الأمثلة في كل قسم ما يوضح هذا الأصل ويؤكّده.
فهو في الاعتقادات يرجع إلى قضية وجود الخالق ووصفه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص. ولدعم هذا الأصل في مجال العقيدة ورد عن الشارع قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
ومثّل له في العبادات بإفشاء السلام وتشييع الجنائز والمواساة. فقد نعى الله على المشركين أن يعظموا الشهر الحرام، وينتهكوا ما هو أعظم حرمة كحرمة المؤمنين وحرمة البلد الحرام، إذ أخرجوا
стр. 904
المؤمنين منه. يشهد لهذا قوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١).
وفي المعاملات الحقوقية كالبيوعات والجنايات وأحكام الحنث في الطلاق ونحوها بُنيت الأحكام على اعتبار الواقع دون الأوهام والتخيّلات. يفسّر هذا قول رسول الله ﷺ وقد سئل عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه: "أرأيت إن منع الله الثمرة، فَبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟! " (٢). وهذا مجرى للقياس عند وجود صور وقضايا لم يُعيّن لها حكم، ولكنها تَتَّحد مع ما فيه حكم في العلّة. وهذا أصل شرعي لم تخالف فيه إلا الظاهرية والباطنية. واعتبر الأئمة القضاء بما ينافي الحق جوراً. وحذر من ذلك الرسول ﷺ في قوله: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ. ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقتطع له قطعةً من نار" (٣). ومثل هذا ورد في الفتوى في قوله: "استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس" (٤).
وكما حُملت الأحكامُ على التزام الواقع إذا كان حقاً، انبنت أحكام الحقوق على اعتبار الواقع ملغىً وغيرَ معتدّ به، إذا كان هذا الواقع عائداً على مقاصد الشريعة بالإبطال ولغَزْلها بالانتقاض. ذلك أن الشريعة الإسلامية عارضت ما سوى الحق فنقضته وأبطلته وأسمته
стр. 905
ظناً: ﴿ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١)، ودعته هوى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، وجعلته تمنّياً لمصادفته الرغبة الشخصية الذاتية وبُعدِه عن شرع الله وما اقتضته حكمته من الأمر. قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ (٣).
من صفات الشريعة رفع خلط الاعتبارات بالأوهام:
وبعد التحليل الملاحظ في الأقسام المتقدّمة انتقل الإمام إلى الحديث عن التقرير والتغيير في التشريع الإسلامي.
فالتقرير هو ما تناول الحقائق الثابتة التي فطر الله خلقَه عليها فجعلها منهج إرشاد، وأساسَ تعامل الإنسان مع نفسه ومع من حوله.
والتغيير هو ما جاء عن الشارع من نقضٍ للأوضاع، ورَدًّ للمنكرات، وتفريق بحن ما هو حق وما هو باطل.
فحَمَى المرأة من أن تُطَلَّق ثلاثاً، مرّة بعد مرّة، من غير أن يراجعها زوجها بعد صدور الطلاق منه في كل مرّة حتى تشرف على انقضاء عدّتها، إمعاناً في مضارَّتها، وإطالةً وتمديداً لأيام عدّتها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤). وهكذا أبطل الشارع واقعاً ذميماً ودعا إلى اعتبار الحكمة والقصد من تشريع العدّة وهو استبراء للرحم، وانتظار لندامة المطلَّق.
стр. 906
قال سبحانه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١).
وكان فَهْمُ الناس لعدّة الوفاة أربعةَ أشهر وعشراً فهماً خاطئاً حين جعلوا العدّة حُزناً على فقدان الزوج، وصرفاً إلى اعتداد المرأة عدة الوفاة.
وبيان ذلك أن المرأة إذا وضعت حملها إثر وفاة بعلها وبَرِئَت رحمُها يكون لها أن تتزوج في التوّ وهذا خلاف ما قاله أبو السنابل، لقول رسول الله ﷺ لسبيعة حين جاءت تشكو أمرها: "قد حللت حين وضعت حملك فانكحي إن شئت" (٢). ويدل هذا على أن العلة الحقيقية لعدة الوفاة كانت لأجل ما عسى أن يظهر من الحمل.
أما ما ورد من نهي أهل الكتاب عن مذامًّ يأتونها؛ كمؤاخذته جل وعلا لليهود بقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ (٣) فهو من أجل تحذير المسلمين من الوقوع في مثله.
وكان الناس يعتدّون بالفوارق بين الذوات المتساوية: بين الرجال والنساء، وبين الأحرار والعبيد بصفة مطّردة. فأبطلت الشريعة ذلك، واعتبرت جميع الأحكام المتعلّقة بذوات متساوية في الوصف الواردِ لأجله الحكم، يجب أن تكون متساوية في الحكم.
وممّا لم يقرّه الشرع وإن كان واقعاً في الجاهلية وصدر الإسلام التبنّي. أبطله تعالى بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ
стр. 907
بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١).
وخالطت الأوهامُ الحقائق في المعارف والعادات شرعيها وعقليها، فكان متفشياً بين الناس اعتقاد أن الشمس تخسف إنذاراً بحوادث تقع في البشر، فردَّ رسول الله ﷺ هذا الاعتقاد، وقال حين خسفت الشمس عند وفاة ابنه إبراهيم ﵇: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله؛ لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته" (٢).
وكان الناس يتوهّمون عند وضع الطفل مختلفاً لونه عن لون أبويه أنه من سفاح؛ فينكرونه. وجاء فزارة (ضمضم بن قتادة)، وشكا لرسول الله ﷺ هذه الحالة. فبيّن ﷺ له خطأه، واستلَّ منه وهمه بردِّه إلى واقع مشاهد، إذ قال له: "هل لك من إبل"؟، قال: نعم. قال: "ما لونها"؟ قال: حُمْرٌ. قال: "هل فيها من أورق"؟، قال: نعم. قال: "فأنّى ذلك"؟، قال: لعله نَزَعَهُ عِزق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عِرْق" (٣).
ومن أوهامهم اعتبارهم الزمان أو الدهر يأتي بالحوادث العجيبة وبالمصائب. فكانوا يسبُّون الدهر. فنهاهم الرسول ﷺ بقوله: "لا تسبّوا الدهر فإن الله هو الدهر" (٤). ذلك أنهم أضافوا ما يحدث لهم من قوارع إلى الزمان، وليس الزمان سوى أمر اعتباري تؤقّت به الحوادث فأخطؤوا في الاعتقاد، وما من خالق للحوادث غير الله.
وكانوا يتطيَّرون ويعتقدون أن الهامة طائر يتخيّلونه يخرج من
стр. 908
رأس القتيل فلا يزال يصيح: اسقوني، حتى يؤخذ بثأر القتيل. كما كانوا يتشاءمون من شهر صفر ويخافون الكهنة، فنفى النبي ﷺ هذه الأوهام قائلاً: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة" (١)، "وإنما الطِّيَرَةُ على من تطيّر" (٢). وردَّ على من سأل عن الكهنة فقال: "ليسوا بشيء" (٣).
فأنشأ الإسلام بسداد شريعته وحكمته العالية أمة صالحة للاستخلاف في الأرض. ولولا ما أُدخل عليها من تحريف الأفهام وتصديع الأوهام لكانت تاجاً فوق جميع الهام.
ويحصل لمن لا يفقه الشريعة خلط الاعتبارات بالأوهام وهذا باطل. فلكل وصف من هذين موقع ومجال.
فمن الأمور الاعتبارية قوله ﷺ : "المُصلي يناجي ربه" (٤)، تقريباً وتقريراً وتقديراً لفعله. وهذا الأمر في الواقع غيرُ متحقّق؛ لأن الربّ موجود والتقرّب إليه مشروع، واستحضاره عسير لا بد فيه من المعونة بأمر محسوس، ومن الاعتبارات استحضار استقبال القبلة في الصلاة.
ومن هذا القبيل الحقائق التي لا ثبوت لها إلا في الذهن. وذلك ما حوّلته الشريعة إلى الاعتبار كالنية، وحُسن الظن بالمؤمن، ومقام الإحسان الذي صوَّره لنا الشارع بقوله ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه" (٥). ودخل هذا في التشريعات الاعتبارية؛ لما يقارن هذه
стр. 909
الحالات من صفات تستقر في النفس فتوحي لمن تخالطه وتلازمه أنها حقائق. ومن الأمور ما تترتّب آثار خفيفة على اعتبارها فيقدر المعدوم كالموجود. ومثال ذلك مِلك المقتول حق القصاص من القاتل قبل وفاته ليصحّ عفوه عن قاتله.
ومن الأمور المعدودة في العادات من الأوهام، واصطلح عليها البشر في عوائدهم، ما أصبح من الفضائل، كستر العورة الذي أقرّه الإسلام وأوجبه. وفي الحديث قول رسول الله ﷺ : "تُحشرون حفاة عراة". فقالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشدّ من أن يهمهم ذلك" (١).
ومن الأوهام والتخيّلات ما يكون جارياً في طرق الدعوة. وهو ليس من الحقائق التي تقتضيها الشريعة أو يطلبها التشريع. وهي وإن استعملت طريقاً لتحصيل علم أو عمل، فهي لا تبلغ في ذاتها أن تكون أمراً مقصوداً حصوله. ومثال هذا قول الله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣). وإنما ورد التخييل والتشبيه بقصد التشنيع والمبالغة في النهي.
ونَهَى الشرع عن العمل بالوهْم. ورد في الجامع الصحيح للبخاري: عن ابن عباس: أن الناس كانوا يستحيون أن يتخلّوا فيفضوا إلى السماء، فكانوا يثنون صدورهم يستحيون من الله، فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ (٤).
стр. 910
وعلى هذا الأساس ألغَى الإجماعُ رضاعةَ الكبير. ولا بدع في هذا. فالتشريعات في أول إقامتها يكتفى فيها بما يؤذن بحرمة التشريع تهيئة لعمل الناس بها في المستقبل (١).
الخطاب الشرعي أو النصوص التشريعية:
أبرز ما يصوّر هذا الموضوع في القسم الأول من كتاب المقاصد فصلان السادس والسابع المتواليان. فبعد تفصيل المؤلف القول في إثبات أن للشريعة مقاصدَ من التشريع في الجملة، واستنادِه في ذلك إلى أدلة كثيرة من الكتاب والسُّنة (٢)، وبعد تنبيهه على احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة، وتوجيهه الدارسين إلى طرق إثبات تلك المقاصد عند الأصوليين وغيرهم من علماء السلف (٣)؛ انتهى إلى محورين أساسيين في علم المقاصد يتناولان مسائل كثيرة الفائدة، عظيمة الأهمية، نلمس من خلالهما بحثاً عن أدلة الشريعة اللفظية، وعن عدم استغنائها عن معرفة المقاصد الشرعية، وعما يعرض للرسول ﷺ من أحوال وظروف مختلفة تُدْعى مقامات. وهي التي يتكيّف خطابه بحسبها فتتمايز بها أقواله وأفعاله تبعاً لذلك، وتحمل من المعاني والإشارات ما يخفى إدراكه على كثير من الناس بسبب انصرافهم عن ملاحظة أسباب القول ودواعيه وحافاته. فالنظر في نصوص السُّنة مثلاً يقتضي التفريق بين ما له اتصال بمقام التشريع كالتبليغ والقضاء والفتوى، وبين ما لا صلة له بذلك مثل مقامات الإرشاد والهدي والنصيحة وغيرها.
وقد دعت هذه الآثار في ذاتها وباختلاف مناهجها إلى تقرير
стр. 911
حقيقة علمية هي التي افتتح بها الشيخ ابن عاشور الفصل السادس المومى إليه أعلاه، إذ قال: إن الكلام لم يكن في لغة من لغات البشر، ولا كان نوع من أنواعه وأساليبه في اللغة الواحدة بالذي يكفي في الدلالة على مراد اللافظ دلالة لا تحتمل شكاً في مقصده من لفظه (١). ومن أجل هذا احتاج المتكلمون والمستمعون إلى الاستعانة على الفهم الصحيح بالقرائن المقالية والحالية التي تحفُّ بالكلام، وبما يقتضيه السياق في توجه الكلام، ويحدده المقام من غرض الخطاب.
ولبيان هذه الحقيقة أورد الشيخ ابن عاشور صوراً من الخطاب الشرعي قصدَ إثبات تفاوت دلالتها فيما بينها، فيقول: ولذلك تجد الكلام الذي شافه به المتكلم سامعيه أوضح دلالة على مراده من الكلام الذي بلّغه عنه مبلّغ. وهذه الصورة وإن كانت أقلّ وضوحاً وأكثر احتمالاً من الأولى، فإن ما يكون من الكلام عن طريق الكتابة هو أقل وضوحاً من الصورتين السابقتين لفقده دلالة البيان، ولغياب ملامح المتكلم عنه، وإن كانت هذه الصورة الأخيرة من الكلام أضبط من جهة انتفاء التحريف والسهو والتصرّف في التعبير عن المعنى عند سوء الفهم (٢).
وكل هذا يجب أن تُصرف فيه الجهود لتخلَص من الشك والاحتمالات، وما تقتضيه معميّات الكلام من خلط واضطراب. وإن أدقّ مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها هو مقام التشريع، لما يلزم من أعمال ما ينبغي أن يتخذ من الحيطة في هذا المحل (٣).
стр. 912
فلا يلجأ بعض العلماء إلى الخطأ حين الاقتصار على اعتصار الألفاظ قصد التوصل إلى استنباط أحكام الشريعة، ويضعف اعتقادهم بأن للفظ وحده أهمية بالغة ودوراً كبيراً في الكشف عن المعنى المراد المنصوص عليه (١).
وبالحرص الكبير على اختيار أنجع الطرق لفهم النصوص الشرعية أبطل الشيخ ابن عاشور مقالات أهل الأهواء الذين أرادوا حمل أتباعهم على الشك في مدلولات النصوص من الكتاب والسُّنة بما أذاعوه بينهم من الاحتمالات العدمية العشرة.
ولفت النظر إلى ما أورده البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه من ضرورة الرجوع إلى المقام، وإلى أحوال الحرمين ومشاهد النبي ﷺ وأحوال المهاجرين والأنصار لفهم الحديث فهماً صحيحاً، وإبطال الشكوك والأوهام العارضة له (٢). ومما يشهد لهذا حديثُ عاصم. قال لأنس بن مالك: "أَبَلَغَك أن النبي ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ قال أنس: قد حَالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة". يشير بهذا إلى إبطال الحديث المروي عن أم سَلَمة، وعن جبير بن مطعم وعن ابن عباس. وفي هذا ما يحرر مقدار الاعتبار بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل. فقد كانوا يسألون رسول الله ﷺ إذا عرضت لهم الاحتمالات، ويشاهدون من الأحوال ما يبصّرهم بمقصد الشارع (٣).
ولاستقصاء النظر في الأدلة وحُسن التعامل معها نبّه الشاطبي في أكثر من مناسبة إلى أن الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم
стр. 913
فإنها تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو مُعِينة فى طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة (١).
ويؤكد ما ذهب إليه هنا بقوله: الأدلة المعتبرة، المستقرأة من جملة أدلة ظنيّة تضافرت على معنى واحد فأفادت فيه القطع، ذلك لأن للاجتماع من القوة ما ليس في الافتراق (٢).
ويزيد هذا تفصيلاً وبياناً بقوله: إن من الكلام ما يدل على مقصده دلالة أصلية، ولكنّه مع ذلك يحتاج إلى مكمّلات ومتمَّمات. وهذه هي الجهة الثانية من الدلالة على مقاصد الكلام. وهي تابعة للأولى مثل الوصف لها (٣).
ومضى الشيخ ابن عاشور على السَّنن نفسه في قوله، يصور النظم القرآني ونسجه: إنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبّرها فتنهال عليك معانٍ كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي. وقد تتكاثر عليك فلا تكُ من كثرتها في حَصَر، ولا تجعل الحمل على بعضها منافياً للبعض الآخر إن كان التركيب سمْحاً بذلك (٤).
وقال أيضاً: إن نظم القرآن مبني على وفرة الإفادة وتعدد الدلالة. فجمل القرآن لها دلالتها الوضعية التركيبية التي يشاركها فيها الكلام العربي، ولها دلالتها البلاغية التي يشاركها في مجملها كلام البلغاء، ولا يصل شيءٌ من كلامهم إلى مبلغ بلاغتها. ويتميز نظم القرآن ببلوغه منتهى ما تسمح به اللغة العربية من الدقائق واللطائف لفظاً ومعنى بأقصى ما يراد بلاغه إلى المرسل إليهم (٥).
стр. 914
ولكون القرآن بعموماته وديموماته جاء خطاباً إلهياً إلى الأمة قاطبة في جميع الأقطار والعصور، أُنزِل بلسان عربي للبشر؛ لأن تلك اللغة أوفر اللغات عبارة، وأقلها حروفاً، وأفصحها لهجة، وأكثرها تصرفاً في الدلالة على أغراض المتكلم. فكان القرآن جامعاً لأكثر ما يمكن أن تتحمله اللغة العربية في نظم تراكيبها من المعاني في أقل ما يسمح به نظمُ تلك اللغة (١).
وفي هذه الحقائق وأمثالها المفصّلة في التحرير والتنوير ما ينهض دليلاً على صحة ما أورده صاحب المقاصد عن مدى وفاء اللغة والاستعمالات اللغوية بما تتضمنه من معانٍ هي في حاجة إلى كمال البلاغ وتمام الإيحاء بها إلى المخاطبين. وذلك بحسب ما يحفُّ بالكلام من إشارات مقالية أو حالية.
وإنا إذا ما أعدنا النظر في كلام الإمام ابن عاشور نجده متشعّباً إلى سبعة جوانب أو مسائل. واختصاراً للقول في ذلك نرد المسائل السبع التي تُستلهم من دراسته وبحثه إلى ثلاث قضايا:
° الأولى منها: تتعلّق بالخطاب، لغوياً كان أم شرعياً.
° والثانية: تتعلّق بدرجات أنواع الكلام.
° والثالثة: ترتبط بمقام التشريع، وما يتطلبّه من عمق التصور لدلالات الخطاب، تمكيناً للمجتهدين من القيام بدورهم على الوجه الأكمل.
فالقضية الأولى، وهي الخطاب ودلالته، تفترض في المجال اللغوي وجود متكلم ومخاطب، وموضوع خطاب. وهي كذلك
стр. 915
بالنسبة للخطاب الشرعي تقتضي وجود من يصدر عنه الخطاب وهو المشرّع، ووجود مخاطب به وهو المجتهد أو المكلف. ووجود خطاب وهو الأحكام الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية الأصولية من جعل الخطابات الشرعية الواردة بها الأدلة متنوعة بين ما هو غير واضح وهو: الخفي والمُشكل والمجمل والمتشابه. وتقابل وجوه الخفاء هذه وجوه البيان وهي: الظاهر والنص والمؤول (أو المفسَّر) والمُحكم.
ونفي الاحتمالية عن النص غيرُ قائم عند علماء البلاغة.
أوضح ذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني في قوله:
"اعلم أنه إذا كان بيّناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يُشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب، إلى فكر وروية فلا مزية. وإنما تثبت المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال من الكلام وجهٌ آخر غير الوجه الذي جاء عليه ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء حسناً وقبولاً تعدِمُها إذا أنت تركته إلى الثاني (١).
وفي قوله: الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحدَه ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.
وإذ قد عرفت هذه الجملة فهاهنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول