← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

حقيقة علمية هي التي افتتح بها الشيخ ابن عاشور الفصل السادس المومى إليه أعلاه، إذ قال: إن الكلام لم يكن في لغة من لغات البشر، ولا كان نوع من أنواعه وأساليبه في اللغة الواحدة بالذي يكفي في الدلالة على مراد اللافظ دلالة لا تحتمل شكاً في مقصده من لفظه (١). ومن أجل هذا احتاج المتكلمون والمستمعون إلى الاستعانة على الفهم الصحيح بالقرائن المقالية والحالية التي تحفُّ بالكلام، وبما يقتضيه السياق في توجه الكلام، ويحدده المقام من غرض الخطاب. ولبيان هذه الحقيقة أورد الشيخ ابن عاشور صوراً من الخطاب الشرعي قصدَ إثبات تفاوت دلالتها فيما بينها، فيقول: ولذلك تجد الكلام الذي شافه به المتكلم سامعيه أوضح دلالة على مراده من الكلام الذي بلّغه عنه مبلّغ. وهذه الصورة وإن كانت أقلّ وضوحاً وأكثر احتمالاً من الأولى، فإن ما يكون من الكلام عن طريق الكتابة هو أقل وضوحاً من الصورتين السابقتين لفقده دلالة البيان، ولغياب ملامح المتكلم عنه، وإن كانت هذه الصورة الأخيرة من الكلام أضبط من جهة انتفاء التحريف والسهو والتصرّف في التعبير عن المعنى عند سوء الفهم (٢). وكل هذا يجب أن تُصرف فيه الجهود لتخلَص من الشك والاحتمالات، وما تقتضيه معميّات الكلام من خلط واضطراب. وإن أدقّ مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها هو مقام التشريع، لما يلزم من أعمال ما ينبغي أن يتخذ من الحيطة في هذا المحل (٣).

стр. 912

فلا يلجأ بعض العلماء إلى الخطأ حين الاقتصار على اعتصار الألفاظ قصد التوصل إلى استنباط أحكام الشريعة، ويضعف اعتقادهم بأن للفظ وحده أهمية بالغة ودوراً كبيراً في الكشف عن المعنى المراد المنصوص عليه (١). وبالحرص الكبير على اختيار أنجع الطرق لفهم النصوص الشرعية أبطل الشيخ ابن عاشور مقالات أهل الأهواء الذين أرادوا حمل أتباعهم على الشك في مدلولات النصوص من الكتاب والسُّنة بما أذاعوه بينهم من الاحتمالات العدمية العشرة. ولفت النظر إلى ما أورده البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه من ضرورة الرجوع إلى المقام، وإلى أحوال الحرمين ومشاهد النبي ﷺ وأحوال المهاجرين والأنصار لفهم الحديث فهماً صحيحاً، وإبطال الشكوك والأوهام العارضة له (٢). ومما يشهد لهذا حديثُ عاصم. قال لأنس بن مالك: "أَبَلَغَك أن النبي ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ قال أنس: قد حَالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة". يشير بهذا إلى إبطال الحديث المروي عن أم سَلَمة، وعن جبير بن مطعم وعن ابن عباس. وفي هذا ما يحرر مقدار الاعتبار بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل. فقد كانوا يسألون رسول الله ﷺ إذا عرضت لهم الاحتمالات، ويشاهدون من الأحوال ما يبصّرهم بمقصد الشارع (٣). ولاستقصاء النظر في الأدلة وحُسن التعامل معها نبّه الشاطبي في أكثر من مناسبة إلى أن الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم

стр. 913

فإنها تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو مُعِينة فى طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة (١). ويؤكد ما ذهب إليه هنا بقوله: الأدلة المعتبرة، المستقرأة من جملة أدلة ظنيّة تضافرت على معنى واحد فأفادت فيه القطع، ذلك لأن للاجتماع من القوة ما ليس في الافتراق (٢). ويزيد هذا تفصيلاً وبياناً بقوله: إن من الكلام ما يدل على مقصده دلالة أصلية، ولكنّه مع ذلك يحتاج إلى مكمّلات ومتمَّمات. وهذه هي الجهة الثانية من الدلالة على مقاصد الكلام. وهي تابعة للأولى مثل الوصف لها (٣). ومضى الشيخ ابن عاشور على السَّنن نفسه في قوله، يصور النظم القرآني ونسجه: إنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبّرها فتنهال عليك معانٍ كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي. وقد تتكاثر عليك فلا تكُ من كثرتها في حَصَر، ولا تجعل الحمل على بعضها منافياً للبعض الآخر إن كان التركيب سمْحاً بذلك (٤). وقال أيضاً: إن نظم القرآن مبني على وفرة الإفادة وتعدد الدلالة. فجمل القرآن لها دلالتها الوضعية التركيبية التي يشاركها فيها الكلام العربي، ولها دلالتها البلاغية التي يشاركها في مجملها كلام البلغاء، ولا يصل شيءٌ من كلامهم إلى مبلغ بلاغتها. ويتميز نظم القرآن ببلوغه منتهى ما تسمح به اللغة العربية من الدقائق واللطائف لفظاً ومعنى بأقصى ما يراد بلاغه إلى المرسل إليهم (٥).

стр. 914

ولكون القرآن بعموماته وديموماته جاء خطاباً إلهياً إلى الأمة قاطبة في جميع الأقطار والعصور، أُنزِل بلسان عربي للبشر؛ لأن تلك اللغة أوفر اللغات عبارة، وأقلها حروفاً، وأفصحها لهجة، وأكثرها تصرفاً في الدلالة على أغراض المتكلم. فكان القرآن جامعاً لأكثر ما يمكن أن تتحمله اللغة العربية في نظم تراكيبها من المعاني في أقل ما يسمح به نظمُ تلك اللغة (١). وفي هذه الحقائق وأمثالها المفصّلة في التحرير والتنوير ما ينهض دليلاً على صحة ما أورده صاحب المقاصد عن مدى وفاء اللغة والاستعمالات اللغوية بما تتضمنه من معانٍ هي في حاجة إلى كمال البلاغ وتمام الإيحاء بها إلى المخاطبين. وذلك بحسب ما يحفُّ بالكلام من إشارات مقالية أو حالية. وإنا إذا ما أعدنا النظر في كلام الإمام ابن عاشور نجده متشعّباً إلى سبعة جوانب أو مسائل. واختصاراً للقول في ذلك نرد المسائل السبع التي تُستلهم من دراسته وبحثه إلى ثلاث قضايا: ° الأولى منها: تتعلّق بالخطاب، لغوياً كان أم شرعياً. ° والثانية: تتعلّق بدرجات أنواع الكلام. ° والثالثة: ترتبط بمقام التشريع، وما يتطلبّه من عمق التصور لدلالات الخطاب، تمكيناً للمجتهدين من القيام بدورهم على الوجه الأكمل. فالقضية الأولى، وهي الخطاب ودلالته، تفترض في المجال اللغوي وجود متكلم ومخاطب، وموضوع خطاب. وهي كذلك

стр. 915

بالنسبة للخطاب الشرعي تقتضي وجود من يصدر عنه الخطاب وهو المشرّع، ووجود مخاطب به وهو المجتهد أو المكلف. ووجود خطاب وهو الأحكام الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية الأصولية من جعل الخطابات الشرعية الواردة بها الأدلة متنوعة بين ما هو غير واضح وهو: الخفي والمُشكل والمجمل والمتشابه. وتقابل وجوه الخفاء هذه وجوه البيان وهي: الظاهر والنص والمؤول (أو المفسَّر) والمُحكم. ونفي الاحتمالية عن النص غيرُ قائم عند علماء البلاغة. أوضح ذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني في قوله: "اعلم أنه إذا كان بيّناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يُشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب، إلى فكر وروية فلا مزية. وإنما تثبت المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال من الكلام وجهٌ آخر غير الوجه الذي جاء عليه ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء حسناً وقبولاً تعدِمُها إذا أنت تركته إلى الثاني (١). وفي قوله: الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحدَه ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض. وإذ قد عرفت هذه الجملة فهاهنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول

стр. 916

"المعنى" و"معنى المعنى"، تعني بالمعنى المفهومَ من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر. ومدارُ هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل (١). واحتمالية النص في الخطاب الشرعي غير مدفوعة بالقطع عند طائفة من الأصوليين. فهو، وإن وجب العمل به لقطعيته، يحتمل التأويل. ولا يقدح فيه ذلك ما دام الاحتمال الذي يتطرّقه غير ناشئ عن دليل. ويؤكّد هذا المعنى قول السكاكي عند تنويهه بأهمية مقام الكلمات داخل مقام المقال: ثم إذا شرعت في الكلام فلكل كلمة مع صاحبتها مقام، ولكل واحد ينتهي إليه الكلام مقال (٢). * * * * *

стр. 917

الفصل الثاني: منهج الشيخ ابن عاشور في تقريراته وفي تناوله لبعض متممات الخطاب التفصيل والتقسيم: إبلاغ المخاطبين، بإيصال مقاصد الخطاب إليهم، لا يكون فقط باستعمال اللغة الصحيحة الفصيحة. فذلك أمر يشترك في الحاجة إليه الخاصّة وأهل المعرفة وسائر الناس. وإنما تتأكد الحاجة إلى هذه المتمّمات والمتعلّقات لدى طلاب العلم وأهل النظر العلمي والشرعي لمساعدتها لهم على الفهم الصحيح، وعلى استنباط الأحكام من الأدلة وضبطها. وقد تقدم لنا بحث قسم من هذه المتمِّمات عند عرض قضية التعليل والقياس وعند الحديث عن الاستدلال وأنواعه وأهميته، وعند بيان معنى المقام والسياق اللذين يُعتبران مجرى للخطاب، تحفّ به مختلف القرائن المقالية والحالية. وإلى جانب هذا نذكر جملة من تقريرات الإمام ومنهجه عند التعرض للقضايا الشرعية كالتفصيل والتقسيم، والضبط والشروط، والتقرير والتقعيد، والوسيلة والمقصد، والحاجة إلى إعمال النظر الشرعي. ١ - فمن هذا الباب مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله ﷺ ، والتفرقة بين أنواع تصرّفاته فيها. ٢ - التمييز بين مظاهر تيسير الشريعة الثلاثة: (أ) في أحكامها المعيّنة المبنيّة على التيسير في الغالب.

стр. 918

(ب) اعتبار ما حصل من تغيير في الأحكام الشرعية من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو للأفراد. (ج) بناء أحكام الشريعة على أصول مرعية من التعليل والضبط والحِكمة. فلا يقبل الصدوف عنها لما في الأحكام من مقاصد تحقق للناس النفع وتدفع عنهم الضر (١). ٣ - تقسيم مقاصد الناس في تصرّفاتهم إلى قسمين: ° الأول: أعلاها؛ وهو عبارة عن أنواع التصرّفات التي اتفق عليها العقلاء أو جمهورهم، لما وجدوها ملائمة لانتظام حياتهم الاجتماعية. ° الثاني: أدناها. وهو الذي يقصده فريق من الناس أو آحاد منهم في تصرّفاتهم لملاءمة خاصة بأحوالهم الشخصية (٢). ٤ - تفصيل الشريعة في تعيين أصحاب الحقوق، وبيان أولويّة بعض الناس ببعض الأشياء، أو بيان كيفية تشاركهم في الانتفاع فيما يقبل التشارك على منهج فطري عادل. وجماع أصول تعيين الحقوق أحد أمرين: التكوين، أو الترجيح (٣). ٥ - تقسيم الحقوق ثلاثة أقسام: حق الله، وحق العبد، والحقان مقترنان. وهو بعد هذا يفصّل القول في تعيين أصحاب الحقوق. وقد ورد بعد استقراء الشيخ لعامة المستحقين ترتيبهُ لهم على تسع مراتب: ° الأولى: الحق الأصلي المتحقق بالتكوين وأصل الجِبِلَّة.

стр. 919

° الثانية: وهي قريبة من الأولى غير أنها تخالفها من حيث إن فيها شائبة من تواضع، اصطلح عليه نظام الجماعة والشريعة. ° الثالثة: أن يكون المستحق وغيره سَواء في إمكان تحصيل الحق، ولكن بعض المستوفين للحقّ قد سعى بجهد، وعمِل بيده أو بدنه، أو بابتدار إلى تحصيل الشيء قبل غيره. ° الرابعة: وهي دون الثالثة. وذلك بأن يكون الطريق إلى نوال الشيء هو الغلبة والقوة. ° الخامسة: حق السبق الذي لم يصاحبه إعمال جهد في تحصيل الحق. ° السادسة: أن يكون المستحق قد نال الحق بطريق ترجيحه على متعدّدين من المستحقين في مراتب أخرى، لتعذّر تمكين الجميع من الانتفاع بالشيء المستحق. ° السابعة: نوال الحق ببذل عوض في مقابلته يُدفع إلى صاحب الحق إرضاءً له. ° الثامنة: أن ينال الحق بعد انقراض مستحقه أقربُ الناس إليه وأولاهم بوراثته وانتقال حقوقه إليه. ° التاسعة: مجرد المصادفة دون عمل أو سعي. وهذه أضعف المراتب (١). ٦ - بيان أصول التكسّب الذي هو معالجة إيجاد ما يسدّ الحاجة إما بعمل البدن، أو بالمراضاة مع الغير. وتعتبر تلك الأصول

стр. 920

في الاقتصاد المعاصر من أسباب التنمية وإيجاد الثروة. وهذه الأسباب أو الأصول ثلاثة: هي الأرض، والعمل، ورأس المال (١). الضوابط والشروط: ١ - إن ما جاء من ضبط المقاصد الشرعية، وهي المعاني الحقيقية والمعاني العرفية العامة، اشتراطَ أن يكون جميعها ثابتاً ظاهراً منضبطاً مطّرداً (٢). ٢ - لطرق الانضباط والتحديد في الشريعة بعد الاستقراء: ست وسائل: ° الأولى: الانضباط بتمييز المواهي والمعاني تمييزاً لا يقبل الاشتباه، بحيث تكون لكل ماهية خواصُّها وآثارُها المترتّبة عليها. ° الثانية: مجرد تحقّق مسمّى الاسم كنوط الحد في الخمر، ونوط صحة بيع الثمار ببدوِّ الصلاح، ونوط تقرّر إكمال المهر بمجرد المسيس، ونوط لزوم العقود بحصول صيغها من إيجاب وقبول. ° الثالثة: التقدير كنُصب الزكوات، وعدد الزوجات، ونهاية الطلاق، والنصاب عند من يشترطه في إقامة حد السرقة، وأقل المهر، والمسافة المعتبرة في انتقال ولي المحضون عن بلد الحاضنة بستة برد عند المالكية. ° الرابعة: التوقيت كمرور الحول في زكاة الأموال، وطلوع الثريَّا في زكاة الماشية، ومرور أربعة أشهر في الإيلاء ونحو ذلك. ° الخامسة: الصفات المعيّنة للمواهي المعقود عليها.

стр. 921

° السادسة: الإحاطة والتحديد كما في إحياء الموات، ومنع الاحتطاب في الحرم إلا الإذخر، وحد الحرز في إقامة حد السرقة (١). ومن الضبط الذي يُخرج من التيهان، ما أورده بشأن الحيل وأنواعها حيث قال: وعند صدق التأمل في التحيّل على التخلّص من الأحكام الشرعية، من حيث إنه يفيت المقصد الشرعي كله أو بعضه أو لا يفيته، نجده متفاوتاً في ذلك تفاوتاً أذى به الاستقراء إلى تنويعه إلى خمسة أنواع: ° الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعي كله ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر. ° الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقلُ إلى أمر مشروع آخر. ° الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفّ عليه من المنتقِل منه. ° الرابع: تحيّل في معانٍ ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع. ° الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع أو هو يعين على تحصيل مقصده. فأما ما كان وارداً في آثار شريعتنا فمخارجه ظاهرهُ (٢). ٣ - إن ما تتقوّم به صفة المال الذي هو ثروة الأمة وهو خمسة أمور، هي:

стр. 922

أن يكون ممكناً ادخاره، مرغوباً في تحصيله، قابلاً للتَّداوُل، محدود المقدار، مكتسباً (١). التقرير والتقعيد: ومما يرفع اللبس ويزيل الوهم والشك كون: ١ - الأعمال كلها منوطةً بأسباب، والأسباب ما جُعلت أسباباً إلا لاشتمالها على الحِكم والمصالح التي ضبطها الشرع بها. فإذا كان العمل مسلوباً من الحِكمة التي روعيت في سببه كان فعله خليّاً من الحِكمة التي لأجلها جُعل مسبباً على سببه (٢). ٢ - إقرار أئمة الشريعة، من عهد الصحابة فما بعد، الأحكامَ الشرعية المتلقاة عن رسول الله ﷺ كلها. وهي وحي من الله تعالى. ٣ - تشديد النكير على القول بالرأي غير المستند إلى أحد الأصول الثلاثة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع. وذلك لما يلاحظ فيه من انفصال بل انقطاع عن البرهان الشاهد بصحّته. ٤ - أقرّت الشريعة مسلكين لبناء الآراء المستنبطة في الأحكام، هما: ° مسلك الحَزم في إقامة الشريعة بالترهيب والموعظة. ° مسلك التيسير والرحمة لابتناء الشريعة على سهولة قبولها في النفوس (٣). ٥ - لا ينتزع الحق من صاحبه إلا لضرورة تقيم مصلحة عامة (٤).

стр. 923

وفي مقاصد التصرّفات المالية: ١ - نفى أن يكون المال منظوراً إليه بعين الشريعة إغضاء، واعتباره غير لاقٍ من معاملتها إلا رفضاً. ٢ - الجانب الروحاني من الشريعة يقتضي جعل انصراف الهمة إلى الفضائل النفسانية والكمالات الخُلقية في الدرجة الأولى من التقدير. ٣ - الشريعة لم تنهَ الناس عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، مبيّنة ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد ترغيباً وترهيباً، مقررة مجازاة أصحاب الأموال على ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم، إن هم أنفقوها في مصارفها النافعة (١). الأسباب: هي الطرق إلى معرفة علل الأحكام واتضاحها لدى المخاطبين. نلمس هذا في: ° فسخ النكاح في مرض الموت لكونه وسيلة إلى مقصد حفظ حقوق الميراث. ° سقوط حق الحضانة عن الحاضنة عند تزوجها من أجنبي (٢). ° إقامة أمناء على أصحاب الحقوق أو المصالح المشتركة (٣). ° سلب الحق ممن تبيّن أنه غير أهل له.

стр. 924

° سلب الحق ممن لا تساعده الخلقة على نواله. ° سلب حق الجهاد من النساء. ودليله ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (١). ° سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقين إياه على جانب آخر. ° سلب المعتوه حق التصرّف في المال. ° سلب السفيه حق التصرّف في المال (٢). ومن المتممات ما يتصل بذات الخطاب لما يقتضيه الأمر من إضافة أو تعميم أو تخصيص أو تقرير ونحوه. ومنها ما يرجع إلى موضوع الخطاب. وهو أمر يحتاج في ذاته إلى الانتباه والدقة وإلا اختلطت على المخاطب سبل البيان، والتبست عليه الحقائق والصور المراد إبلاغها إليه. فلا تكون في هذه الحال خالية من التردّد والإيهام والاضطراب. ويترتب على وجوب معرفة المقاصد والوسائل والتفريقِ بينها، انتفاء الالتباس، بارتباط الوسائل بمقاصدها. إعمال النظر الشرعي طلباً لتحديد الأحكام: يكون هذا بالعودة إلى ما تقتضيه القواعد والأصول والمصالح لتقرير ما يكون القضاء به جارياً على وفق تلك الأسس، يدعَم هذا المنهج سلوك المجتهد فيما اعتمده من أنظار لبناء الحكم. وهذا ما

стр. 925

ينبغي أن تقام عليه الفتوى وقرارات المجامع الفقهية، فإن لم يتسنَّ ذلك فإن تصرفاته يمكن أن تعتمد مسالك أخرى: ١ - فمن واجب الفقيه عند تحقق أن الحكم تعبدي أن يحافظ على صورته، وألا يزيد في تعبّديتها كما لا يضيع أصل التعبّدية. وهذا ما اقتضى، في صدر الإسلام في زمن عمر ﵁، النظر في قضية العول في الميراث (١). ٢ - سلوك بعض الصحابة والأئمة مسلك النظر إلى الحالة التي هي مورد النهي كما في حديث رافع بن خديج في كراء الأراضي. فقد احتُكِم في ضبطها إلى عدة آراء منها رأي ابن عمر، ورأي ابن عباس الذي أورده البخاري في كتاب المزارعة من صحيحه (٢)، ورأي الليث بن سعد. وهكذا أخضعها بعضهم إلى ما كان عليه الأمر في زمن النبي ﷺ وصدر الخلافة الراشدة. وتردد آخرون بين النهي وبين الإقرار على هذا التصرف، وقالت طائفة بعدم جواز ذلك للمخاطرة. ٣ - عند اختلاط الأمر على الناس في حال نظرهم إلى المصالح المتعددة التي لا يمكن تحصيل جميعها، وإلى المفاسد المتعددة التي لا يمكن درء جميعها، نقل عن العز بن عبد السلام تنبيهه إلى طريق الحَلِّ، بقوله: تقديمُ أرجحِ المصلحتين هو الطريق الشرعي، أو درء أرجح المفسدتين كذلك (٣). وقد تعرض الإمام ابن عاشور إلى المقاصد من مصالح ومفاسد، ولجأ في كتابه أحياناً كثيرة إلى اعتماد أمثلة تطبيقية لنظريته

стр. 926

أو إلى ما يُتَّجَه إليه من آراء فيها. وهذه الأمثلة تبرز في جملة من المسائل العامة والمسائل الفقهية. وكان طريقه إليها الاستقراء. الاستدلال: ومما يعتمده الخطاب الشرعي الاستدلال. ومعناه لغة: طلب الدليل، وهو يُطلق عند الأصوليين أولاً على إقامة الدليل مطلقاً من نص أو إجماع أو غيرهما، وثانياً على نوع خاص منه، وهو ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس. والأصح في تعريف هذا النوع الثاني من الدليل أنه: ما يستلزم الحُكم ويُقضى به. وهو وجود السبب الخاص أو وجود المانع أو عدم الشرط المخصوص. وقد اختلفوا فيه لأنه إما عبارة عن التلازم بين الحكمين من غير تعيين علّة وإلا فهو قياس، وإما استصحاب الحال، وإما شرع مَن قبلنا. واعتبر الحنفية من ذلك الاستحسان، وأطلقه المالكية على المصالح المرسلة. وقيل هو انقضاء الحكم لانتفاء مدركه. وقال البزدوي في تعريفه: الاستدلال هو انتقال الذهن من الأثر إلى المؤثر ويحتمل العكس، وقيل مطلقاً. وبجانب هذا الموضوع الواسع الدقيق الذي نجد إفاضة القول فيه وتفصيلَه في مظانه، تتعين هنا الإشارة إلى مسألة أخرى لها أهميتها في استخدام النصوص الشرعية والاستنباط منها. ذلك أن دلالة اللفظ على معناه تتنوع إلى دلالة مطابقة ودلالة تَضَمُّن ودلالة التزام. والاستدلال يكون بعبارة النص، وبإشارته، وبدلالة النص وباقتضائه (١).

стр. 927

وعبارة النص هي دلالة اللفظ على المعنى، أو الحكم المقصود من سوقه أو تشريعه أصالة أو تبعاً. ويعرف قصد المشرع أو المتكلم بالقرائن الخارجية، أو من سياق النص نفسه، أو من سبب النزول. وتشمل عبارة النص أنواعَ النصوص الواضحة جميعها من ظاهر ونص ومفسر ومُحكم كما قدمنا. كما تشمل أيضاً المعنى اللازم الذاتي المتأخر. ولعل من الأوضح أن نعرّف عبارة النصّ بدلالة اللفظ على المعنى الموضوع له أو على جزئه، أو على لازمه الذاتي المتأخر، مع قصد الشارع أو المتكلم هذا المعنى وسوقه الكلام لأجله (١). وإشارة النص هي دلالة اللفظ على معنى أو حكم غير مقصود للشارع، لا أصالة ولا تبعاً، لكنه لازم عقلي ذاتي متأخر للمعنى الذي سيق أو شُرع النص من أجله (٢). ودلالة النص هي أن يُفهِم نفسُ اللفظ ثبوتَ حكم الواقعة المنطوق بها لواقعة أخرى غير مذكورة لاشتراكهما في معنى، يدرك العالِم باللغة أنه العلّة التي استوجبت ذلك الحكم. وفرق أساسي بين هذه العلّة في دلالة النصّ، والعلّة التي يرتبط بها القياس. فالعلّة الأولى بيّنة واضحة تفهم من اللغة، يستوي في إدراكها المجتهد وغيره من أهل العلم باللغة، أما العلّة في القياس فهي تحتاج إلى الاجتهاد بالرأي لخفائها. ولا بد من التزام مسالك العلّة المقررة في منهج القياس في استنباطها (٣). والاقتضاء عند الأصوليين هو دلالة اللفظ على معنى مقدّر لازم

стр. 928

للمعنى المنطوق متقدمٍ عليه، مقصودٍ للمتكلم، يتوقّف على تقديره صدق الكلام أو صحّته عقلاً أو شرعاً. والعناصر التكوينية لدلالة الاقتضاء ثلاثة: هي النص أو الكلام الذي يستلزم معنى مقدراً ومقدماً على المعنى المعياري المنطوق. وهو المعروف بالمقتضي، والمقتضى وهو المعنى الضروري المقدّر مقدّماً الذي يطلبه الكلام لتصحيحه. والاقتضاء هو استدعاء المعنى المنطوق نفسِه لذلك المقدّر لحاجة إليه (١). والاقتضاء عند البزدوي: دلالة الكلام على معنى هو لازم متقدم، توقّف على تقديره صحته شرعاً (٢)، والتعريف الأول أوسع من المتأخر. ويضاف إلى هذين الطريقين (الاقتضاء ودلالة الكلام) من الاستدلال ما نص عليه الأصوليون من الأدلة المقبولة. وهى ستة: ° الأول: أن الأصل في المنافع الإباحة. ° الثاني: أن الباقي راجح على عدمه، وإذا كان راجحاً وجب العمل به اتفاقاً. ° الثالث: الاستقراء. ° الرابع: الأخذ بأقل ما قيل. واعتمده الشافعي في إثبات الحكم إذا كان الأقل جزءاً من الأكثر. ° الخامس: المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضروريّة قطعيّة كليّة اعتبر، وإلا فلا. وقال مالك باعتباره مطلقاً؛ لأن اعتبار المصالح يوجب ظن اعتباره.

стр. 929

° السادس: فقدان الدليل بعد التفحّص البليغ يغلب ظنّ عدمه، وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل. وكل هذه الآليات، التي يتوصّل بها إلى معرفة معنى النصّ، وحُكمِه في عمومه وخصوصه وإطلاقه وتقييده، لا تغني وحدها عما ينبغي أن يَأخذ به المجتهدون من مناهجَ تُوجَّهُهُم، وتسلك بهم سبل الحق، ليتبيّنوا حكمة التشريع التي تميّزت بها الأحكام في الإسلام، وليقفوا على قِيمه العليا، وليدركوا من أسرار التشريع ما هم مطالبون به من تحقيق العدل ومراعاة المصالح الحقيقية المعتبرة شرعاً. وذلك استناداً إلى الدلالات الأربعة وما ثبت بها من أحكام عن طريق المنطوق. ولا نستثني من طرق الاستدلال مفهوم المخالفة لأنه من طرق إثبات الأحكام واستثمار النصوص، كيف وهو عبارة عن دلالة المنطوق على ثبوت خلاف حكمه المقيّد بقيد، لغير المنطوق عند انتفاء ذلك القيد المعتبر في تشريعه (١). والاستدلال الذي هو من وظيفة الأصوليين يُعتَدُّ به لديهم إلى حد كبير. فهو موضوع علمهم، ومدارُ بيان الخطابات الكثيرة الصادرة عن الشارع. وليس في متناول كل الناس التوصل إلى معرفة ذلك، أو إدراك ما تنتجه تلك المعرفة من إفادات شرعية يُطمأن إليها. فهم لذلك يعتمدون كل الاعتماد على العلماء يكشفون لهم معانيَها ويصورون أغراضها. المقام والسياق: يتصل بهذه الدلالات بحث موضوعي المقام والسياق. فقد عُني

стр. 930

الشيخ ابن عاشور بهما، لما لهما من أثر في استحضار الظروف والملابسات التي تحفّ بخطاب الشارع. فالمقام هو محلُّ القيام، ويطلق على المكان المعدود لأمر عظيم، كما في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١). وهو في الغالب لا يكون إلا لأجل العمل فصرفت دلالة هذا اللفظ إلى العمل نفسه، يشهد لذلك قوله تعالى، على لسان نوح ﵇: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (٢). والأصل فيه لغة: الدلالةُ على الموضع أو المكان الذي يصدر عنه الناس في أقوالهم وأحوالهم وتصرّفاتهم. وهو بهذا مورد الكلام عندهم. وقد حمل المرادُ من المقام قسماً من الباحثين على ملاحظة وجود نوعين له: الأول منهما: المقام الذي ينظر فيه إلى الزمن والمكان المصادر فيه الخطاب. والثاني: وهو لبابُ علمَي المعاني والبيان؛ لأن مداره الخطاب، يقوم على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب في ذاته، وأحوال المخاطِب والمخَاطَب. ويتّضح مما قدّمناه ما نلمسه من تساوق بين ألفاظ الخطاب، ومن اشتراك وتكامل بين المقامات يعين على التوصّل إلى تحديد معنى الخطاب. وكلمة (سياق) أخصّ دلالة من كلمة (مقام)؛ لأن المقام - كما أشرنا إلى ذلك أعلاه - نوعان. ولفظ (سياق) لا يعني غير المقام المقالي

стр. 931

للخطاب. وهو عنصر فعال في توجيه الخطاب صوب مقصد الشارع منه، كما أن من وجوه أهميته رفع التعارض الظاهر بين ألفاظ الخطاب (١). ويلاحظ من الفصل السادس والسابع من القسم الأول من كتاب مقاصد الشريعة الاهتمام الفائق بمقام التشريع، وتصويره أقوالَ وأفعالَ الرسول ﷺ صادرةً عن مقامات مختلفة استُدرِك بها على القرافي في فروقه. وقد أورد الشيخ ابن عاشور أمثلة لذلك في الفصلين المذكورين. قدم لها بقوله: ولقد أحببت أن أمثّل في هذا المبحث بأمثلة كثيرة يتجلّى بها للناظر مقدار اعتبار سلف العلماء لهذا الغرض المهم. وفيه ما يعرفك بأن أكثر المجتهدين إصابة، وأكثرهم صواباً هو المجتهد الذي يكون نجاحُه في ذلك بقدر غَوصِه في تطلب مقاصد الشريعة (٢). ولأجل هذا يتأكد التنبيه على اختلاف المدارك بين المتلقّين للخطاب عن الرسول ﷺ ، وبين المجتهدين في اعتمادهم على ذلك في استنباط الحُكم الشرعي وتحريره، أو في بيان أي غرض آخر. ومن أمثلة ذلك: حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة ورافع بن خديج فيما رووه عن النبي ﷺ من قوله: "مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه". وفي هذا منعٌ لكراء الأرض للفلاحة ونحوها. وقد خالف في ذلك عبد الله بن عمر. وفاوضَ فيه رافع بن خديج، واستشهد بما كان منه في ذلك على عهد رسول الله ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين وصدراً من خلافة معاوية من غير نكير. لكنه خشي

стр. 932

أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض. ومما يؤكد موقف ابن عمر هنا ما رواه طاوس عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم ينه عنه. ولكنه قال: أن يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ شيئاً معلوماً. وجرى على هذا البخاري في صحيحه في الباب الذي عقده بعنوان "ما كان من أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضاً في المزارعة والثمرة". ووقف مثل موقف ابن عمر من هذا الحديث ظهير بن رافع في قوله: لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقاً (١). ويوضح اختلاف المدارك في فهم النصوص ما كان من لوم عبد الله بن مسعود لخبَّاب بن الأرتّ، وقد جاء إليه وفي أصبعه خاتم من ذهب. قال ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن يُنزع. فقال خباب: أما إنّك لن تراه بعد اليوم. فقال العلماء: وكان خبَّاب يرى نهي الرسول ﷺ عن لبس خاتم الذهب نهيَ تنزيه لا نهي تحريم. وهذا سبب محاورة ابن مسعود له في نزعه، وأجاب خبابُ ابنَ مسعود إرضاء له. ولم يكن فيما نحسب خلف بين الرجلين؛ لأن ابن مسعود لو كان يرى حرمة ذلك لكان تغييره عليه بلهجة تغيير المنكر (٢). ومن هذا الحديث الذي أخرجه مالك في موطئه وقد تقدّم (٣): "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيعَ الخيار". فالإمام مالك رغم إثباته الحديث في مصنَّفه علّق عليه بقوله: وليس لهذا عندنا حدّ محدود ولا أمر معمول به فيه. ووجهه عنده حمل الافتراق على الافتراق بالقول. وهو صدور صيغة البيع دون القبول (٤).

стр. 933

ومن الأمثلة لبعض هذه الحالات حديث: "من قتل قتيلاً فله سلَبه". اختلف العلماء هل هذا تصرّف بالإمامة. فلا يستحق سلب المقتول إلا أن يقول له الإمام ذلك. ورآه الشافعي تصرّفاً بالفتوى فلا يحتاج إلى إذن الإمام. وخالف الإمام مالك ما ذهب إليه الشافعي لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). وهذه الآية جَعَلت في السَلب: الخُمس لله وبقيته للغانمين. والآية مقدمة على الحديث، ولأنّ إباحة السَلب للقاتل بدون إذن الإمام تفضي إلى فساد الأخلاق (٢). وقد حملت هذه الاجتهادات الشيخ ابن عاشور على القول بفتح مشكاة تضيء مشكلات كثيرة، لم تزل تعنت الخلق وتُشجي الحلق. وكان الصحابة يفرّقون بين ما كان من أوامر الرسول ﷺ صادراً في مقام التشريع، وما كان منها صادراً في غير مقام التشريع. وإذا أشكل عليهم أمرٌ سألوا عنه (٣). وعقّب المؤلف على هذا بقوله: أما حال الإمارة فأكثر تصاريفه لا يكاد يشتبه بأحوال الانتصاب للتشريع إلا فيما يقع خلال أحوال بعض الحروب مما يحتمل خصوصية كالنهي عن أكل لحوم الحُمر الأهلية في غزوة خيبر (٤). وللمقام في مجال التأويل والاجتهاد فوائد كثيرة معتبرة: منها رفع الاحتمالات الكثيرة التي يثبت بالنظر معارضتها للخطاب.

стр. 934

ومنها التوصّل عن طريق سياق الخطاب إلى الوقوف على العلّة التي قصدها الشارع، والتي يمكن أن تناط بها الأحكام غير المنصوصة. وقد ذكر الغزالي من هذا القبيل ما آذن به سياق آية الجمعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١). فالآية ما نُزّلت لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرُم. فالتعرض للبيع لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام يخبط الكلام ويخرجه عن مقصوده، ويصرفه إلى ما ليس مقصوداً به. وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقاً بالمقصود، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعاً للسعي الواجب. وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع. فإن وقت الجمعة يوافق الخلق وهم منغمسون في المعاملات. فكان ذلك أمراً مقطوعاً به لا يُتمارى فيه. فعُقل أن النهي عنه لكونه مانعاً من السعي الواجب. فلم يقتض ذلك فساداً، ويتعدّى التحريم إلى ما عدا البيع من الأعمال والأقوال وكل شاغل عن السعي لفهم العلّة (٢). ولتحديد الغرض الحقيقي من نصوص الكتاب ومن أفعال الرسول ﷺ يتعين التفريق بين ما هو غير مقصود، أو ما لا يتوَفَّر فيه القصد كالنوم والإغفاء والزلة، أو كونه صادراً عن الجِبِلّة والطبع. فهذا غير ملزِم ولا يوجب حكماً. وبين ما هو متضمن لقصد الشارع وهو على قسمين:

стр. 935

أحدهما: لا يفيد حكماً بسبب ما ورد فيه من مقامات غير تشريعية كأحوال الوعظ والترغيب والترهيب. وثانيهما: ما قام على التشريع بدون شك كأحوال القضاء والفتوى والإبلاغ. فهذه تدل على الأحكام التي على المخاطبين بالشريعة الالتزام بها. وينظر هذا إلى ما عناه الشيخ ابن عاشور من قوله: على العالِم، المتشبع بالإطلاع على مقاصد الشريعة وتصاريفها، أن يفرّق بين مقامات خطابها. فإن منها مقام موعظة وترغيب وترهيب وتبشير وتحذير، ومنها مقام تعليم وتحقيق. فيردّ كل وارد من نصوص الشريعة إلى مورده اللائق، ولا تتجاذبه المتعارضات مجاذبة المماذق. فلا يحتج أحد بما ورد في إثبات أوصاف الموصوف، وإثبات أحد تلك الأوصاف تارة، في سياق الثناء عليه ... فإذا عرضت لنا أخبار شرعية، جمعت بين الإيمان والأعمال في سياق التحذير أو التحريض، لم تكن دليلاً على كون حقيقة أحدهما مركبة ومقوّمة من مجموعهما. فإنما يحتج محتج بسياق التفرقة والنفي، أو بسياق التعليم والتبيين. فلا ينبغي لمنتسب أن يجازف بقولة سخيفة، ناشئة عن قلة تأمل وإحاطة بموراد الشريعة وإغضاءٍ عن غرضها، ويؤول إلى تكفير جمهور المسلمين وانتقاض الجامعة الإسلامية، بل إنما ينظر إلى موارد الشريعة نظرة محيطة حتى لا يكون ممن غابت عنه أشياء وحضره شيء، بل يكون حُكمه في المسألة كحُكم فتاة الحي (١). ولا شك في أن ما يتوصل به إلى معرفة المقام وتحديده هو

стр. 936

القرائنُ القولية والحالية مما يشهد لذلك المقام بكونه تشريعياً أو غير تشريعي. وعلى الدارس أن يكون ذا اعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب. فذلك هو المقصود الأعظم، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها. وفهمُ الخطاب على الوجه الدقيق الكامل هو المقصود والمراد، وعليه ينبني الخطاب ابتداء. وكثيراً ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسُّنة فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي، فتَستَبهِمُ على الملتمس وتستعجمُ على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير مَعمل، ومشيه على غير طريق. والله الواقي برحمته (١). والطريق العلمي العملي الناجع لمعرفة مقاصد الشريعة وضَبطها عند الشيخ ابن عاشور هو الاستدلال والاستقراء وإعمال النظر الشرعي لكون الشرع عندنا مفيد للعقل في توجّهاته. قال الشاطبي في بداية مقدمته العاشرة: إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً ويتأخر العقل فيكون تابعاً. فلا يُسرَّح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يُسَرِّحُه النقل (٢). وللعقول قوى تستن دون مدى ... إن تعدها ظهرت بينها اضطرابات وإنا لنجزم بأن الشيخ ابن عاشور قد اعتمد هذه الأدلة كلها وبخاصة ما وقع التعريف به منها أولاً. وذلك في أكثر كتبه ومؤلفاته العلمية. وإذا كان كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية قد وضع أساساً للتعرف على مقاصد الشريعة فإن الإمام، بحكم ما أخذ به نفسه من تقريرات وتتميمات وتقسيمات وتفاصيل وضوابط وغيرها، كان دائماً

стр. 937

في حاجة أكيدة إلى الاستدلال. نجد ذلك مبثوثاً في تفسيره التحرير والتنوير، وفي النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح، وفي كشف المغطى من المعاني والألفاظ في الموطأ، وكتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. وربما وجدناه يؤكد هذه الاستدلالات كلما تطرق إلى الموضوع نفسه أو عاد إلى تناوله من جديد في أحد كتبه أو مقالاته، ملخِّصاً مرة، ومستدركاً أخرى ما يعِنّ له من الاستدلال لبعض المعاني أو الاستعمالات أو المقاصد. والشيخ الإمام كغيره من علماء الشريعة كان يشعر بالحاجة الأكيدة إلى الاستدلال على الأحكام الشرعية التي أقرّها السلف الصالح أو المجتهدون أو الفقهاء، وهو يعتمد كثيراً على علمي الأصول والمقاصد. ذلك أنهما متشاكلان ومستحوذان على اتجاهه في تحريراته وتقريراته. فكانت استدلالاته راجعة إلى مقاصد الشريعة التي جاء بها الخطاب الشرعي، وإلى المقاصد التي دل عليها أئمة الفقه عند استنباطهم الأحكام الشرعية. وموضوعات النظر كانت لديه فسيحة جداً تتناول قضايا العبادات بأنواعها، ومباحث الأطعمة والذبائح ما كان منها على الإباحة وما ورد فيها من نهي أو تحريم أو رخصة، وخص ببيانات دقيقة جداً موضوعات الأسرة وأواصرها وضبط التصرّفات الزوجية، ثم الطلاق والظهار والإيلاء والوصايا. ولم يَغفل، بحكم ارتباطه بنصوص القرآن والسُّنة، عن دراسة المعاملات المالية ومعاملات الأبدان، وما تولد عنهما من أنظار في مسائل عدة، كما عني بوجه خاص بمقاصد الشريعة في تلك التصرّفات، وما يرتبط بها من قضايا عامة وخاصة، ومن تعليل للممنوعات، وما يتصل بها من أحكام. ولم تكن النصوص كما هو معلوم مقصورة على الجوانب

стр. 938

الفقهية التي وقف عندها كثيراً، بل تجاوز نظره في ذلك إلى العناية بجملة من المسائل الشرعية، وبما له صلة بسياسة الفرد والجماعة كأحوال الأمة في مختلف مجالات الحياة. الاستقراء: هو لغة: من (استقرأ). ويُطلق عند الأصوليين بإزاء معنيين: ١ - تصفّح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات. ٢ - الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات، بناء على ثبوته في الأمر الكلي لتلك الجزئيات. وهذا المسلك الاستدلالي منه ما يوصف بالتام ومنه ما يعرف بالناقص. فالاستقراء التام عبارة عن إثبات الحكم في كل جزئيّ لثبوته في الكلّي. ويسمّى هذا النوع من الاستقراء بالقياس المنطقي. وهو يفيد القطع لأن الحكم إذا ثبت لكل فرد من أفراد شيء على التفصيل، فهو لا محالة ثابت لكل أفراده على الإجمال. ومثال هذا النوع من الاستقراء "لا صلاة إلا بطهارة" مطلقاً، لأن الصلاة إما أن تكون فرضاً أو نافلة. وأيّهما كانت فلا بد أن تكون مع الطهارة. فكل صلاة لا بد أن تكون مع الطهارة. وهذا الاستقراء معتمد في القطعيات من الأحكام الشرعية. والاستقراء الناقص يكون بإثبات حكم في كلّي لثبوته في أكثر جزئياته. ويعرف هذا بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب. ويختلف فيه الظنّ باختلاف الجزئيات. فكلما كانت أكثر كان الظنّ أغلب. ويكثر هذا في الفقهيات. وعليه مبنى جلُّ أحكام الفقه الإسلامي (١).

стр. 939

وتعرض لهذين القسمين التام والناقص محمد باقر الصدر. فجَعَل التام عبارة عن انتقال الذهن من الحكم على جميع الجزئيات إلى الحكم على كليِّها. ولا بد فيه من تصفّح جميع الجزئيات ليحكم بما ثبت لجميعها بثبوته للأفراد التي وجدت فعلاً للمعنى الكلي؛ لأن الأفراد التي لم توجد بعد، وبالإمكان ألا توجد يمكن أن يشملها الاستقراء، وما دام عاجزاً عن فحص هؤلاء فلا يمكن للاستقراء أن يؤدّي إلى تعميم كلّي يشمل الأفراد الممكنة للكلّي جميعاً .. وبذلك يخرج الاستقراء عن كونه كاملاً. واعتبر الاستقراء ناقصاً إذا كان انتقالُ الذهن من الحكم على الجزئيات إلى الحكم على الكلي. وهو استدلال معرض للاختلال لاحتمال سقوطه بعدم استقراء جزئية واحدة (١). وبحسب ما ذكره علماء المنطق يظل الاستقراء ناقصاً مهما علت درجته اليقينية. فصدقه مؤقَّت ومعرّضٌ للمراجعة. ووصفه محمود زيدان بقوله: هو ليس برهاناً، وليست نتائجه يقينية ولا احتمالية، وإنما هو عبارة عن الدرجة العليا من التصديق (٢). هذا وقد حمل أكثر الأصوليين الاستقراء عندهم على الاستقراء الناقص. وهو ما ذهب إليه ابن السبكي (٣). وعنى ذلك الرازي بقوله: الاستقراء المظنون هو إثبات الحكم في كلي لثبوته في بعض جزئياته (٤). وعرفه القرافي بقوله: هو تتبع الحكم في جزئياته على

стр. 940

حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة. وعليه اعتمد الشيخ ابن عاشور، وبه أخذ (١). وقد تعدد اعتماد صاحب المقاصد على الاستقراء بعد بذله الجهد في تتبع ما جرت به الأحكام الفقهية. وبث في تأليفه صوراً منه، نذكر منها إشادتَه به في قوله: إن استقراء أدلة كثيرة من القرآن والسُّنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطةٌ بحِكمٍ وعللٍ راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد (٢). وكذلك في فصل احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة. يقول المؤلف: ألا ترى أنهم لما اشترطوا أن العلّة تكون ضابطاً لحكمةٍ كانوا قد أحالونا على استقراء وجوه الحِكم الشرعية التي هي من المقاصد (٣). ولبيان طرق التوصّل إلى تلك المقاصد يصرّح بأن أعظمها استقراءُ الشريعةِ في تصرّفاتها. وهذا نوعان: أعظمهما استقراء الأحكام المعروفة عللها، الآيلُ إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلّة. فإن باستقراء العلل حصول العلم بمقاصد الشريعة بسهولة (٤). وثانيهما طريق استقراء أدلة أحكام اشتركت في علّة، بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلّة مقصدٌ مرادٌ للشارع (٥).

стр. 941

وكان علماء السلف يتقصَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع (١). وبجانب الاستقراءات المعرّف بها اصطلاحاً ودلالة، مواضع نظر أو عمل. نلاحظ اطراد اعتماد المؤلف على هذا الصنف من الأدلة، وهو يرجع إليه في إثبات العديد من الحقائق. كما يتضح لنا ذلك في نحو ستة عشر فصلاً من كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية. ومواضع الاستقراء عنده في مصنّفه كثيرة: منها اهتداءاته في الانضباط والتحديد في الشريعة قائلاً: وقد استقريت من ذلك ست وسائل (٢). وإننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيّلات، وتأمر بنبذها. فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة، فَقَضَينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية (٣). وفي حديثه عن جزئيات المصالح التي قد يتطرق إليها الاحتمال، يذكر أدلة أصول أقيسة المصالح والعلل وصحّة المشابَهة فيها، معقباً على هذا بقوله: هذه مطارق احتمالات ثلاثة، بخلاف أجناس المصالح. فإن أدلة اعتبارها حاصلة من استقراء الشريعة قطعاً، أو ظناً قريباً من القطع، وإن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنها واضحة للناظر فيها وضوحاً متفاوتاً لكنه غير محتاج إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه (٤). وبعد إيراده عدداً من الآيات والأحاديث [الصحيحة] نبه على

стр. 942

أن مثل هذا الاستقراء يخول للباحث أن يقول: إن من مقاصد الشريعة التيسير؛ لأن الأدلة المستقراة في ذلك كله عموماتٌ متكرّرة، وكلُّها قطعيّة النسبة إلى الشارع لأنّها من القرآن وهو قطعي المَتن (١). تنوُّع الأحكام بين التعبّدي والمُعلَّل: وبهذه المناسبة فرّق الشيخ بين أحكام العبادات وأحكام المعاملات بما انتهى إليه استقراؤه لجميعها قائلاً: قد تتبعت تفاريع الشريعة في زمن الرسول ﷺ فوجدت معظمها في أحكام العبادات، حتى إنك لتجد أبواب العبادات في مصنّفات السُّنة هي الجزءَ الأعظم من التصنيف بخلاف أبواب المعاملات. وذلك لأن العبادات مبنية على مقاصد قارة، فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلا في أحوال نادرة تحت حكم الرخصة. وأما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور. فالحمل فيها على حكم لا يتغيّر حرج عظيم على كثير من طبقات الأمة. ولذلك كان دخول القياس في العبادات قليلاً نادراً، وكان معظمه داخلاً في المعاملات (٢). ونجد أحكام المعاملات في القرآن والسُّنة مسوقة غالباً بصفة كلية وبعد أن فصّل الله تعالى أحكام المواريث، قال رسول الله ﷺ : إن الله تولّى قسمة الفرائض بنفسه. وهذا طرف من حديث مرسل. وقد جاء بلفظ: إن الله تعالى لم يكل قَسم مواريثكم إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرّب، ولكن تولّى قسمتها بنفسه، أو تولّى بيانها فقسمها أبيَن قسم (٣).

стр. 943

وتفاريع الشريعة في المعاملات على مقصدين: تارة يكون لمقصد حمل الناس على حكم مستمر مثل تحريم الربا، وتارة يكون قضاء بين الناس. فيكون الفرع المقضي به بياناً لتشريع كلي. وقال أئمة أصول الفقه: إن لم ينص الشارع في الفرع الفقهي بشيء، فأصل ما هو مضرة أن يكون حكمه التحريم، وأصل ما هو منفعة أن يكون حكمه الحِل (١). وهذه القاعدة التي أدى إليها استقراء أحكام الشريعة نجدها عند الزركشي. فهو يقول في حديثه عن الأدلة فيما بعد ورود الشرع: إن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع (٢). وإن استقراء مقصد الشريعة في النسب أفادنا أنها تقصد إلى نسب لا شك فيه ولا محيد به عن طريق النكاح بصفاته الشرعية الإسلامية التي قررنا (٣). ولقد استقريت ينابيع السُّنة في المعاملات البدنية على قلة الآثار الواردة في ذلك، وتتبعت مرامي علماء سلف الأمة وخاصة علماء المدينة في شأنها، فاستخلصت من ذلك أن المقاصد الشرعية فيها ثمانية (٤). ويمكن أن نلحق بهذه الشواهد الدالة على الاستقراء صوراً أخرى منها: أنه في تذييله للنهي عن الاحتكار يقول: فبهذا الاستقراء يحصل

стр. 944

العلم بأن رواج الطعام وتيسير تناوله مقصد من مقاصد الشريعة (١). وقوله: لا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسُّم القرائن الحافة بالتصرّفات النبوية. فمن قرائن التشريع انتصاب الشارع للتشريع (٢). وحيطة في النظر والاجتهاد في طلب المقصد الشرعي يقول الشيخ: على الباحث في مقاصد الشريعة ألا يعيّن مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء تصرّفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه (٣). تعقيبات الإمام ابن عاشور ومناقشاته: ١ - يتّسم الشيخ ابن عاشور بجزالة لغته ودقةِ استعمالاته، وكثرة مراجعاته ومناقشاته لما ينقله من آراء لأعلام المفسرين والفقهاء واللغويين. ولدسامة مادة المقاصد نراها تحتاج كما عند المتقدمين إلى شروح تفتح مغلقها وتوضح القول فيها. وهو ما قام به الإمام وحاول أن يوفيه حقه. ٢ - احتفاءُ الإمام احتفاء كبيراً بالمصدرين الأساسيين من مصادر الشريعة. فهو لا ينفك يرجع إليهما ويعتمد عليهما. فكانت مادة القرآن في مصنّفه ثرية وكذلك مادة السُّنة. وإن تكرر ذكره لبعض ما في المادتين، فبحسب المواقع والأغراض التي يطرحها. وإن نظرة في الفهارس لتغني عن بيان ذلك وتعليله. ٣ - نسبة الإمام جملة من الآثار إلى أصحابها أو رُواتها في

стр. 945

المسائل العلمية الفقهية وغيرها، كما أراد أن يصوّر خلافاً أو يحدّد مذهباً، أو يشير إلى ما وقع في المسألة من اجتهاد للأئمة أصحاب المذاهب، ومن سبقهم أو لحق بهم. وطريقته ومنهجه في تقسيمه لكتاب المقاصد، وما احتوى عليه من أبواب وفصول، وورد به من مذهب أو قول في قضايا المقاصد يحتاج إلى شرح أو تعليق. وهو عندما يطيل القول في بحثه يعمد إثر ذلك إلى تلخيصه وإيراد فذلكة له، تيسيراً لاستيعابه، وجعله مستقراً في الذاكرة. يمهد لذلك وينبه إليه بمثل قوله: وجملة القول أن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع. وهي حِكم ومصالح ومنافع (١). أو بقوله مثلاً تصويراً لفحوى كلام الشاطبي، وبياناً له. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في قوله: إناطة الأعمال بالأسباب (٢). إن في طريقة الشيخ في مناقشاته وتعقيباته وإبدائه لآرائه ما يُغنينا عن ذكر العديد من المسائل. وهذه الظاهرة منتشرة في كتابه. نكتفي بالإشارة إلى بعضها: (١) قول الشاطبي بقطعيّة أصول الفقه مناصرةً منه لإمام الحرمين. عارضه الشيخ ابن عاشور فيه وأبدى مخالفته الصريحة له. وقال في تعليقه على الشاطبي وعلى ما اعتمده من مبرّرات: حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من كتاب الموافقات (٣) الاستدلال على كون أصول الفقه قطعيّة فلم يأت بطائل (٤). ويعزّز هذا الموقف أوَّلاً ما نقله الإمام من كلام القرافي في نفائسه، ثم تعليله لما ذهب إليه بقوله: وأنا أرى سبب اختلاف الأصوليين في

стр. 946

تقييد الأدلة بالقواطع إنما هو، كما أشرنا إلى ذلك، الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعيّة كأصول الدين السمعية .. وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه. فنحن إذا أردنا أصولاً قطعيّة للتفقّه في الدين حقّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر. ثم يعد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة (١). وبهذه الطريقة يكون الرأي الذي انتهى إليه الشيخ ابن عاشور في هذا الموضوع رأياً له أُسُسُه وقواعدُه التي دلت عليها مناقشته للشاطبي، كما أنه عزّز ذلك بما قدّمه من اقتراحات لمدرسة الجويني، تُمكّنها من تحقيق غايتها وبلوغ مقصدها. (٢) الحديث عما طبعت عليه الشريعة الإسلامية من خضوعها للفطرة ومسايرتها للجِبِلَّة. قال الشاطبي في الفصل الثامن، المسألة السابعة من الموانع ... : إن الأدلة على رفع الحرج في الأمة بلغت مبلغ القطع (٢). فاعتمد في تقريره لهذا المعنى القاعدة الأصولية المعروفة، وردّ الشيخ ابن عاشور هذه الحقيقة إلى حِكمة السماحة في الشريعة الإسلامية. وذلك أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة. فهي كائنة في النفوس يسهل عليها قبولها. ومن الفطرة النفور من الشدّة والإعنات. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) ... فكانت الشريعة

стр. 947

بسماحتها أشدَّ ملاءمة للنفوس؛ لأنّ فيها إراحة النفوس في حالي خويصتها ومجتمعها. وكان لتلك السماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة، وطول دوامها (١). (٣) وناقش الإمام تفسيرَ الفطرة للرازي قائلاً: إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية، ولم يهتد المشرك، فلا تلتفت أنت إليهم، وأقم وجهك للدين، أي أقبل بكلك على الدين. وقال: إن الله فطر الناس عليه، أي الدين (٢). وناقش البيضاوي في تفسيره للفطرة: فقوّم له الدين لقوله غير ملتفت أو ملتفت عنه. وهو تمثيل للإقبال واستقامة عليه والاهتمام به. والفطرة التي فُطر الناس عليها قبولهم للحق وتمكّنهم من إدراكه أو ملة الإسلام (٣). وعقّب الشيخ ابن عاشور على المقالتين بأن الدين في الآية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٤) ليس تخصيصه بالعقائد إلا انقياداً لظاهر السياق؛ لأن الآيات قبلها وردت في ذم الشرك وإبطال عقائد المشركين والدهريين ابتداء من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥) إلى أن قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، وظنّهم أن الفاء فاء التفريع. وكلا الأمرين غير ظاهر. فليس سياق الكلام بموجب تجزئة اسم الكل. فإن الدين اسم يشمل جميع ما يتديّن به

стр. 948

المرء كما دل عليه الحديث: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١). وبعد محاولته تفسير الآية بالحديث ذكر القاعدة الأصولية وهي أنه إذا ورد في القرآن كلامٌ خاصٌّ ثم تلاه لفظٌ يشمل ذلك الخاص وغيره لمناسبهِ أن ذلك اللفظ لا يختص لبعض مدلوله لأجل السياق (٢). (٤) وذهب بعض الفقهاء إلى أن السيف هو المقصود في آية القتل الموجبة للقود استناداً منهم إلى قوله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف" (٣). وفي الردّ عليهم يقول: وعندي أنه أخذ بالظنة التي كانت الغالبة على آلات القتل في الزمن الذي ورد فيه حكم القود وهو السيف. وما حصل هنا من الخطأ كان بسبب جعل الأصل في هذا الحكم اللفظَ أو الوصفَ دون المقصدِ. والتعمد في القتل في متعارف الناس ما يحصل به إزهاق الروح (٤). (٥) وذكر في قضايا عمل الأبدان أن تأجيل خدمة المغارسة جائز تحديده بقدر تبلغه الأشجار أو مدة الإثمار. وأن الذي عليه علماء المالكية القول بفساد المساقاة في الشجر الذى لا ينقطع إثماره في وقت من السنة كشجر الموز وكالقصب. وعقّب على هذه الصورة الأخيرة بقوله: وعندي أن تأجيل مدة المساقاة في الشجر المخلف للإثمار كالموز آجلاً يحصل فيه الانتفاع للعامل خير من إبطال

стр. 949

المساقاة في مثله، لما علمت من المقصد الأول أن تكثير هذه المعاملات مقصود للشريعة (١). وفي كل هذه الملاحظات والفتاوى اعتمد الشيخ ﵀ على المقصد الشرعي وتحكيمه. ومما كان يتطلع إليه الإمام التوصل بكتابه هذا، وبما وضعه له من منهج واضح، الاعتماد على بيان مقاصد شريعة الإسلام، حتى يبلغ الغاية السامية التي أشار إليها في مقدمة تأليفه بقوله: قصدت منه إلى إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراساً للمتفقهين في الدين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لاتباعهم على الإنصاف، في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف، حتى يستتبَّ بذلك ما أردناه غير مرّة من نبذ التعصّب، والفيئة إلى الحق، إذا كان القصد إغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب (٢). * * * * *

стр. 950

الفصل الثالث: مع فقهاء الشريعة الإسلامية إن من بين من اعتمدهم الإمام في نشر العلوم الشرعية وبناء الفكر الإسلامي جملةً من الرواد والشيوخ من قراء ومحدثين وعلماء وفقهاء، بذلوا جهوداً عظيمة في تدبر ذلك الميراث النبوي وتحليله والكشف عن جواهره وروائعه. فكان منهم المجتهدون أصحاب المذاهب، وأصحاب الطبقات والرجال على مدى العصور الماضية. فهي تنبئ عن دورهم الكبير في تصنيف العلوم، وتضع أمامنا ذلك الصرح الحضاري الخالد الذي يكفي أن تمتد إليه أيدينا لنجتني ثماره في أي فنّ من فنون الفكر والعلم. فمن عقيدة وقرآن وسُنة، وشريعة، وأصول، وفقه. وما كان يساعد على التوصّل إليها وينمّيها من علوم وفنون لها ارتباط بتصاريف الكلام وأسرار التعبير. وليس بيننا وبين إدراك هذه الحقيقة غير الرجوع إلى كتب أساتذتنا وتصانيف علمائنا، وعلى الخصوص ما دبَّجه يراع إمامنا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. فقد كانت هذه العلوم جميعها بمفرداتها حاضرة في ذهنه، شاغلة عقله، مستقرة في قلبه، جارية على لسانه، سائلاً بها مدادُه. وإن وقفة تأمل فيما دَبجه قلمه لتكشف لنا عن نظريته في علم المقاصد، وعن موقفه عند استخدام أصوله وقواعده، وعن المنهجين النظري والتطبيقي اللذين يدلي بهما مرات كثيرة منبهاً وموجهاً، مناقشاً ومستدركاً.
следующие страницы →