← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تقييد الأدلة بالقواطع إنما هو، كما أشرنا إلى ذلك، الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعيّة كأصول الدين السمعية .. وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه. فنحن إذا أردنا أصولاً قطعيّة للتفقّه في الدين حقّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر. ثم يعد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة (١). وبهذه الطريقة يكون الرأي الذي انتهى إليه الشيخ ابن عاشور في هذا الموضوع رأياً له أُسُسُه وقواعدُه التي دلت عليها مناقشته للشاطبي، كما أنه عزّز ذلك بما قدّمه من اقتراحات لمدرسة الجويني، تُمكّنها من تحقيق غايتها وبلوغ مقصدها. (٢) الحديث عما طبعت عليه الشريعة الإسلامية من خضوعها للفطرة ومسايرتها للجِبِلَّة. قال الشاطبي في الفصل الثامن، المسألة السابعة من الموانع ... : إن الأدلة على رفع الحرج في الأمة بلغت مبلغ القطع (٢). فاعتمد في تقريره لهذا المعنى القاعدة الأصولية المعروفة، وردّ الشيخ ابن عاشور هذه الحقيقة إلى حِكمة السماحة في الشريعة الإسلامية. وذلك أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة. فهي كائنة في النفوس يسهل عليها قبولها. ومن الفطرة النفور من الشدّة والإعنات. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) ... فكانت الشريعة

стр. 947

بسماحتها أشدَّ ملاءمة للنفوس؛ لأنّ فيها إراحة النفوس في حالي خويصتها ومجتمعها. وكان لتلك السماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة، وطول دوامها (١). (٣) وناقش الإمام تفسيرَ الفطرة للرازي قائلاً: إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية، ولم يهتد المشرك، فلا تلتفت أنت إليهم، وأقم وجهك للدين، أي أقبل بكلك على الدين. وقال: إن الله فطر الناس عليه، أي الدين (٢). وناقش البيضاوي في تفسيره للفطرة: فقوّم له الدين لقوله غير ملتفت أو ملتفت عنه. وهو تمثيل للإقبال واستقامة عليه والاهتمام به. والفطرة التي فُطر الناس عليها قبولهم للحق وتمكّنهم من إدراكه أو ملة الإسلام (٣). وعقّب الشيخ ابن عاشور على المقالتين بأن الدين في الآية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (٤) ليس تخصيصه بالعقائد إلا انقياداً لظاهر السياق؛ لأن الآيات قبلها وردت في ذم الشرك وإبطال عقائد المشركين والدهريين ابتداء من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥) إلى أن قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، وظنّهم أن الفاء فاء التفريع. وكلا الأمرين غير ظاهر. فليس سياق الكلام بموجب تجزئة اسم الكل. فإن الدين اسم يشمل جميع ما يتديّن به

стр. 948

المرء كما دل عليه الحديث: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (١). وبعد محاولته تفسير الآية بالحديث ذكر القاعدة الأصولية وهي أنه إذا ورد في القرآن كلامٌ خاصٌّ ثم تلاه لفظٌ يشمل ذلك الخاص وغيره لمناسبهِ أن ذلك اللفظ لا يختص لبعض مدلوله لأجل السياق (٢). (٤) وذهب بعض الفقهاء إلى أن السيف هو المقصود في آية القتل الموجبة للقود استناداً منهم إلى قوله ﷺ : "كل شيء خطأ إلا السيف" (٣). وفي الردّ عليهم يقول: وعندي أنه أخذ بالظنة التي كانت الغالبة على آلات القتل في الزمن الذي ورد فيه حكم القود وهو السيف. وما حصل هنا من الخطأ كان بسبب جعل الأصل في هذا الحكم اللفظَ أو الوصفَ دون المقصدِ. والتعمد في القتل في متعارف الناس ما يحصل به إزهاق الروح (٤). (٥) وذكر في قضايا عمل الأبدان أن تأجيل خدمة المغارسة جائز تحديده بقدر تبلغه الأشجار أو مدة الإثمار. وأن الذي عليه علماء المالكية القول بفساد المساقاة في الشجر الذى لا ينقطع إثماره في وقت من السنة كشجر الموز وكالقصب. وعقّب على هذه الصورة الأخيرة بقوله: وعندي أن تأجيل مدة المساقاة في الشجر المخلف للإثمار كالموز آجلاً يحصل فيه الانتفاع للعامل خير من إبطال

стр. 949

المساقاة في مثله، لما علمت من المقصد الأول أن تكثير هذه المعاملات مقصود للشريعة (١). وفي كل هذه الملاحظات والفتاوى اعتمد الشيخ ﵀ على المقصد الشرعي وتحكيمه. ومما كان يتطلع إليه الإمام التوصل بكتابه هذا، وبما وضعه له من منهج واضح، الاعتماد على بيان مقاصد شريعة الإسلام، حتى يبلغ الغاية السامية التي أشار إليها في مقدمة تأليفه بقوله: قصدت منه إلى إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراساً للمتفقهين في الدين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لاتباعهم على الإنصاف، في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف، حتى يستتبَّ بذلك ما أردناه غير مرّة من نبذ التعصّب، والفيئة إلى الحق، إذا كان القصد إغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب (٢). * * * * *

стр. 950

الفصل الثالث: مع فقهاء الشريعة الإسلامية إن من بين من اعتمدهم الإمام في نشر العلوم الشرعية وبناء الفكر الإسلامي جملةً من الرواد والشيوخ من قراء ومحدثين وعلماء وفقهاء، بذلوا جهوداً عظيمة في تدبر ذلك الميراث النبوي وتحليله والكشف عن جواهره وروائعه. فكان منهم المجتهدون أصحاب المذاهب، وأصحاب الطبقات والرجال على مدى العصور الماضية. فهي تنبئ عن دورهم الكبير في تصنيف العلوم، وتضع أمامنا ذلك الصرح الحضاري الخالد الذي يكفي أن تمتد إليه أيدينا لنجتني ثماره في أي فنّ من فنون الفكر والعلم. فمن عقيدة وقرآن وسُنة، وشريعة، وأصول، وفقه. وما كان يساعد على التوصّل إليها وينمّيها من علوم وفنون لها ارتباط بتصاريف الكلام وأسرار التعبير. وليس بيننا وبين إدراك هذه الحقيقة غير الرجوع إلى كتب أساتذتنا وتصانيف علمائنا، وعلى الخصوص ما دبَّجه يراع إمامنا الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. فقد كانت هذه العلوم جميعها بمفرداتها حاضرة في ذهنه، شاغلة عقله، مستقرة في قلبه، جارية على لسانه، سائلاً بها مدادُه. وإن وقفة تأمل فيما دَبجه قلمه لتكشف لنا عن نظريته في علم المقاصد، وعن موقفه عند استخدام أصوله وقواعده، وعن المنهجين النظري والتطبيقي اللذين يدلي بهما مرات كثيرة منبهاً وموجهاً، مناقشاً ومستدركاً.

стр. 951

وهذه الجوانب هي التي تَلِجُ بنا أعماق العِلْم الإسلامي، وتبصرنا برجالاته، وتجعلنا واعين مع التحقق والجزم بما كان بين هذا الإمام وبين نظرائه من رجال العلم الإسلامي من تجاوب. فهو بذلك خاتمة المحققين، وشاهد صدق على ما أماط عنه أثناء دراساته وبحوثه الكثيرة المتنوعة، من ثراء وخصب وجودة وإبداع وصلاحية وحِكمة اتسمت بها شريعة الإسلام. وإن صُحبتنا للمؤلف، بعد الإشارة إلى جملة من المسائل والفروع التي ضمّنها كتاب المقاصد، لتحملنا بعد إمعان القراءة، على الاحتراز من أوضاع أنكرها، وعلى التأمل في أصول ومناهج اعتمدها، وقضايا ومشاكل جمعها ثم ميّز بينها، والإفادةِ من آرائه وتوجيهاته وتنبيهاته لنا. فتلك إذن أربعة محاور تصوّر علاقاته بالعلماء ورجال الفقه والشريعة من حوله: موقف الشيخ ابن عاشور من بعض المذاهب الفقهية وطائفة من الفقهاء: ما كان ينكره الشيخ على بعض المذاهب والعلماء والفقهاء. (١) من ذلك قوله عن أصول الظاهرية: "فأنت إذا نظرت إلى أصولهم وجدتهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحِكمة؛ لأنهم نفوا القياس والاعتبار بالمعاني. ووقفوا عند الظواهر فلم يجتازوها". وأهل الظاهر برفضهم القياس يقعون في ورطة التوقّف عن إثبات الأحكام فيما لم يرد فيه عن الشارع حكم من حوادث الزمان. وهو موقف خطير يُخشى على المتردِّي فيه أن يكون نافياً عن شريعة

стр. 952

الإسلام صلاحَها لجميع العصور والأقطار (١). (٢) اعتراضه على منهج بعض العلماء في استنباط الأحكام بقوله: ومن هنا يقصّر بعض العلماء، ويتوحّل في خضخاض من الأغلاط، حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه نظره إلى اللفظ مكتفياً ومقتنعاً به. فلا يزال يقلّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لبّه، وهو في كل ذلك مهمل ما قدّمناه من ضرورة الاستعانة بما يحفّ بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق (٢). (٣) إنكاره على بعض الفقهاء تسميتهم صنفاً من الحيتان "خنزير البحر" وحرّموا أكله لأنه خنزير. قال ابن العربي: سئل مالك: أيحلّ خنزير الماء؟ قال: أنتم تقولون خنزير، وأنا أكره أكله لإطلاق اسم خنزير على ما يحلّ أكله (٣). (٤) ومن الأخطاء المنهجية: غلطت جماعة من الفقهاء في بعض تصرّفات الرسول ﷺ ، فعمَدت إلى القياس عليها قبل التثبت في أسباب صدورها (٤). (٥) القول بتحريم نكاح امرأة زوّجها وليُّها بعلاً بمهر، وزوّج

стр. 953

هو ذلك الولي امرأة هو وليها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ، باعتقاد أن هذا من الشغار؛ لأن شكله الظاهر كشكل الشغار. وهذا الحكم غير صحيح لأن من ذهب إليه أغمض عينيه عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار (١). (٦) غلط بعض المفتين بتحريمهم التدخين بورق التبغ في الفهم؛ لأنهم لما ظهر التدخين به في أوائل القرن الثامن عشر سموه الحشيش، وتوهّموا أنه الحشيش المخدّر الذي يدخّنه الحشاشون (٢). (٧) لما ظهرت الحبوب اليمانية التي نسميها قهوة أفتى بعض العلماء أول القرن العاشر بحرمة منقوعها لأنهم سموها القهوة. والقهوة عندهم اسم للخمر في اللغة العربية (٣). (٨) أخطأ بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمّونه سحاراً، غافلين عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشارع به حكم القتل. فمن حقّ الفقيه إذا تكلم على السحر أو سُئل عنه أن يبين ويستبين صفته وحقيقته، وألا يفتي بمجرد ذكر اسم السحر، فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته، فإن ذلك عظيم (٤). ١ - التضييق في الرخص: من الرخص ما هو مغفول عن التعرّض له لدى الفقهاء. فهم لا يمثّلون إلا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار. ونحن

стр. 954

نعلم أن سبب الرخصة هو عروض المشقّة والضرورة. والرخصة في التحقيق: إما أن تكون في ضرورات عامة مطّردة، كانت سببَ تشريعٍ عام في أنواع من التشريعات، مستثناة من أصول كان شأنها المنع كالسَّلَم والمغارسة والمساقاة. فهذه مشروعة باطراد لدخولها في قسم الحاجي. كما نبّه الشاطبي على ذلك في مبحث الرخصة والعزيمة. وإما أن تكون في ضرورات خاصة مؤقّتة كالتي يشير إليها القرآن في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). وهي التي عُنِي بها الفقهاء. ومن الضرورات العامة المؤقّتة أن يعرض للأمة أو طائفة عظيمة منها ما يستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة وإبقاء قوّتها. وهذه الضرورة عند حلولها هي أجدر وأولى بالاعتبار من الضرورة الخاصّة (٢) وقد تقدم ذكر أمثلة لها، كالكراء المؤبّد ونحوه. وقد يطرأ من الضرورات ما هو أشد، فالواجبُ رعيُه وإعطاؤه ما يُناسبه من الأحكامِ. ٢ - تعارض الروايات: مثاله ما أورده البخاري من حديث عاصم في كتاب الاعتصام من صحيحه. قال: "قال عاصم: قلت لأنس بن مالك: أبَلغك أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام"؟ قال أنس: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري التي بالمدينة" (٣). وفي هذا

стр. 955

إبطال لحديث أم سلمة وجبير بن مطعم وابن عباس (١). ٣ - الإجماعُ: هو اتفاق أهل العلم فيما يدعو إلى الانتباه والتأمّل كما أشار إليه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه في باب ما ذكره النبي ﷺ وحضّ فيه على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار ومصلّى النبي والمنبر والقبر (٢)، ومنه ما كان موضعه الأحكام ذات العلة الخفية مما استنبط له الفقهاء علةً. ٤ - اختلاف الفقهاء: اختلفوا في تحريم ربا الفضل في الأصناف الستة، ومنع كراء الأرض على الإطلاق عند القائلين بالمنع من الصحابة والتابعين. وفي إثبات هذا النوع من العلل خطر على التفقّه في الدين. فمن أجل إلغائه وتوقّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تعدد أساليب الخلاف بين الفقهاء، إنكار فريق منهم صحة أسانيد كثير من الآثار (٣). أما اختلاف الفقهاء ومسائل الخلاف فقد اقتصر فيها في الغالب على ما هو راجع إلى اختلاف التأويل بين الأئمة، أو إلى الالتزام بأصل أو قاعدة أقيم عليها المذهب الفقهي عندهم.

стр. 956

٥ - من صور اختلاف الفقهاء: (١) فالصورة الأولى يشهد لها ما نقله الشيخ ابن عاشور عن القرافي في فروقه، من اختلاف العلماء في تصرّفات الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله. وذلك كقوله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له". فهذا التصرّف التشريعي الذي يفيد إسناد شيء إلى أي أحد من الأفراد لتوفر الشروط فيه، انقسم حوله كبار الأئمة، فبعضهم وهو الإمام أبو حنيفة قال: هذا من التصرّف بالإمامة. فلا يجوز لأحد أن يحيي أرضاً إلا بإذن الإمام؛ لأن الفيئ لا يختص به أحد دون الإمام كالغنائم والإقطاعات. ولقوله ﷺ : "ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه". وخالفه صاحباه وقالا بما قال به مالك والشافعي من أن هذا التصرّف بالفتوى. فيجوز لكل أحد أن يُحيي أرضاً ولو لم يأذن له الإمام. ولم يستثن من ذلك الإمام مالك إلا ما قرب من العمران من أراضي الموات؛ لأن هذه الأراضي تحتاج قبل إحيائها إلى النظر في تحرير حريم البلد. وكل ما كان هذا شأنه يحتاج إلى نظر وتحرير. فلا بد فيه من أحكام (١). (٢) واختلفوا أيضاً في قوله ﷺ لهند بنت عتبة: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف" أهو من قبيل التصرُّف بالفتوى، فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به؟ أم هو تصرّف بالقضاء، فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس حقّه أو حقّه إذا تعذّر أخذه من الغريم إلا بقضاء قاضٍ. وأكثر الشافعية يعتبرون هذا من قبيل الإفتاء، لأن القضاء على الغائب لا يصح حتى يكون غائباً

стр. 957

عن البلد أو مستتراً لا يقدر عليه. ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجوداً. وجعل المالكية في مشهور مذهبهم تصرّف الرسول ﷺ في هذه الحالة تصرّفاً بالقضاء، ورجّح منهم الأخذ بالحديث اللخميُّ وابن يونس وابن رشد والمازري (١). (٣) ومثل هذا اختلافهم في قول رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلَبه" فمنهم من جعله من التصرّف بالإمامة. وقال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد. وقال مالك: لم يبلغني عن رسول الله ﷺ إلا يوم حنين. وقال ابن حجر: ذهب الجمهور إلى أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك أو لم يقل. وأن هذا فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن الحكم الشرعي (٢). (٤) وكان الاختلاف كبيراً بين العلماء في الاحتجاج بقضايا الأعيان، وبأخبار الآحاد، إذا خالفت القواعد أي الكليات اللفظية أو المعنوية، أو خالفت القياس، أو خالفت عمل أهل المدينة. وهذا من موجبات التحرّي في العمل بخبر الواحد، وبخاصة بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى. واستمر الخلاف بعد ظهور الأئمة المجتهدين وقيام المدارس والمذاهب الفقهية. فكان فريق منهم يأخذ بالاستنباط من ذلك، قاضياً بتحكيم القواعد العامة في التشريع، راداً على ما خالفها من السُّنة، وفريق كان من احتياطه في الأمر عدم التساهل برد الحديث بمجرد عدم موافقته للأصول العامة (٣).

стр. 958

(٥) ومما جرى فيه الخلاف القول بتأبيد تحريم المرأة المعتدّة على من يتزوجها في عدّتها ويبني بها. قضى بذلك عمر، وقال به مالك. ومن الأئمة من يكتفي بفسخ النكاح ولا يرى تأبيد التحريم وهو الأقرب. وهذا هو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي (١). توجيه وتنبيه: من ذلك الدعوة إلى إخراج الناس من الجدل العقيم وجعل أهل العلم والمفكرين أبعد الناس عن التعنت والعناد والمكابرة. ومن أجل إسداء هذه النصحية لأهل العلم على الوجه المطلوب يبصرون بطريق الحق، ويفتح لهم سبيل الرشد. قال الإمام: إذا انتظم الدليل على إثبات مقصد شرعي وجب على المتجادلين فيه أن يستقبلوا قبلة الإنصاف، وينبذوا الاحتمالات الضعاف (٢). ومن أجل مساعدة الطلاب والدارسين على بلوغ الغاية من البحث والنظر يقول في غير تردد: ويحق على العالِم أن يغوص برأيه في تتبع المصالح الخفيّة، فإنه يجد معظمها مراعىً فيه النفع العام للأمة والجماعة، أو لنظام العالَم (٣). ومن توجيهات الإمام في كتابه المقاصد: (١) أن الفقيه محتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة في قبول الآثار

стр. 959

من السُّنة، وفي الاعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء، وفي تصاريف الاستدلال (١). (٢) أن علينا أن نرسم طرائق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلَغنا إليه بالتأمل وبالرجوع إلى كلام أساطين العلماء (٢). (٣) على الفقيه ألا يعيّن مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه ويتثبت من ذلك. لأن الجزم بكون الشيء مقصداً شرعياً يتفاوت بمقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها. (٤) وجوب التمييز بين مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله ﷺ والتفرقة بين أنواع تصرّفاته (٣). (٥) وجوب الحفاظ على صورة الحكم إن كان تعبدياً، وألا يزيدوا في تعبّديته كما ينبغي الاحتراز عن إضاعة أصل التعبّدية (٤). (٦) على الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي تتراءى منها أحكام خفيت عللها ومقاصدها، وأن يُمحِّص أمرها. فإن لم يجد لها محملاً من المقصد الشرعي نظر في مختلف الروايات، لعلّه يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة، فأبرزوا الأثر في صورة تؤذن بأن حكمه مسلوبُ الحِكمة والمقصد. وعليه أن ينظر إلى

стр. 960

الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها (١). (٧) من حق الفقيه، مهما لاح له ما يوهم جعل الوَهْمِ مدركَ حكم شرعي، أن يزيد في التأمل، عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهم، ويرى أن ثمة معنى حقيقياً هو مناط التشريع، وقد قارنه أمر وهمي فغطّى عليه في نظر عموم الناس لأنهم ألِفوا المصير إلى الأوهام (٢). (٨) قد تأتي أحكام منوطة بمعانٍ لم نجد لها متأوّلاً إلّا أنّها أمور وهمية، مثل استقبال القبلة في الصلاة، ومثل التيمم، واستلام الحجر الأسود. فعلينا أن نثبتها كما هي، ونجعلها من قسم التعبّدي الذي لا يصلح للكون مقصداً شرعياً أو نتأوّلها، وتأتي أحكام منوطة بما يمكن له تأويل يُخرجه عن الوهم مثل طهارة الحدث، فنعالج بإمكاننا حتى نخرجه عن الكون وهمياً (٣). التنبيهات: (١) لا يستغني المتكلمون والسامعون عما يحف بالكلام من ملامح في سياق الكلام، ومقام الخطاب، ولا عن مبيّنات من البساط، كي تتضافر تلك الأشياء الحافّة بالكلام على إزالة احتمالات كانت تعرض للسامع في مراد المتكلم من كلامه (٤). (٢) تتفاوت مراتب الفقهاء في عملهم؛ فهم جميعاً في الصدر

стр. 961

الأول لم يستغنوا على استقصاء تصرّفات الرسول ﷺ ولا عن استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين (١). (٣) إن للرسول ﷺ صفاتٍ وأحوالاً تكون باعثاً على أقوال وأفعال تصدر عنه (٢). (٤) لحال الإفتاء علامات مثل حديث: "انحر ولا حرج"، "وارم ولا حرج"، "وافعل ولا حرج" (٣). (٥) أما حال القضاء فيكون حين الفصل بين المتخاصمين المتشادين كقوله ﷺ : "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدرَ ثم أَرسِله" (٤). (٦) أما حال الإمارة فأكثر تصاريفه ﷺ لا يكاد يشتبه بأحوال الانتصاب للتشريع إلا فيما يقع في خلال أحوال بعض الحروب مما يحتمل الخصوصية (٥). (٧) تأول معظم العلماء النهي عن كراء الأرض على معنى أن الرسول ﷺ أمر أصحابه أن يواسي بعضهم بعضاً (٦).

стр. 962

(٨) تتردد المعاني بين كونها صلاحاً تارة وفساداً أخرى. وهذا بأن يكون قد اختل منها وصف الاطراد، يجعلها غير صالحة لاعتبارها مقاصد شرعية على الإطلاق، بل المقصد الشرعي منها أن توكل إلى نظر العلماء وولاة الأمور (١). (٩) تنبيه علماء أصول الفقه على أنه إذا ورد في القرآن كلام خاص ثم تلاه لفظ يشمل ذلك الخاص وغيره لمناسبة، فإن ذلك اللفظ لا يختصّ ببعض مدلوله لأجل السياق (٢). (١٠) إن المصالح المتعددة إذا لم يمكن تحصيل جميعها، والمفاسد المتعددة إذا لم يمكن درء جميعها، فإنّ تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، كان درء أرجح المفسدتين كذلك. فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير (٣)، كما ذكر قبل. (١١) إن مقام المرتبك في دقائق المصالح والمفاسد وآثارها، وفي وسائل تحصيلها وانخرامها. تتفاوت فيه مدارك العقلاء اهتداء وغفلة، قبولاً وإعراضاً فتطلع فيه الحيل والذرائع (٤). (١٢) ما ذهب إليه فقهاء المذاهب من ألفاظ الطلاق والأيمان لم يبق للناس عهد بها مثل اللازمة والحرام، ونحو ذلك من كلمات تجري على الألسن، ولم يبق للناس علم بمدلولها. فهذه أمثلة نتأمل فيها ونحتذيها (٥).

стр. 963

(١٣) يدرك معنى صلاحية شريعة الإسلام لكل زمان من كون أحكامها كلّيات ومعاني مشتملة على حِكم ومصالح صالحة لأن تتفرعّ عليها أحكام مختلفة الصور متّحدة المقاصد (١). (١٤) أجمع الفقهاء على مساواة غير المسلم للمسلم في معظم الحقوق والمعاملات. وهي ثابتة يقول رسول الله ﷺ : "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وتلك حاصلة من العلم بأصل المساواة بين الخاضعين لحكومة واحدة فلا يحتاج إلى تعليل (٢). (١٥) اتفاق العلماء على أن عدم مساواة غير المسلم للمسلم في بعض الأحكام في المعاملات كمنع مساواة غير المسلم لقريبه المسلم في إرث قريبهما (٣). (١٦) شرعت الزواجر والعقوبات والحدود لإصلاح حال الناس بما هو اللازم في نفعهم، دون ما دونه ودون ما فوقه (٤). (١٧) لا يستثنى من دلالة السكوت على التقرير إلا الأحوال التي دلّ العقل على إلحاقها بأصول لها حكم غير الإباحة. وهي دلالة القياس بمراتبها (٥). ٦ - المقادير: عكوف الفقهاء على ما صدر في عصر الخلفاء من تحديد

стр. 964

مقادير الجزية والخراج والديات وأُروش الجنايات، مع أن بعض تلك التقديرات طرأ ويطرأ عليه نقص القيمة أو الرواج، فلا يصلح لأن يبقى عوضاً لِما عوّض به فيما مضى (١). ٧ - المصطلحات الشرعية: تعتبر الأسماء الشرعية باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعاً في مسمياتها، عند وضع المصطلحات الشرعية. فإذا تغيّر المسمَّى لم يكن لوجود الاسم اعتبار. ولذلك يقول فقهاء المالكية: إن صيغ التبرعات قد يستعمل بعضها مكان بعض. ومن التحرّي في هذا الباب اعتبار العُمْرى المُعَقّبة حبساً، والحُبس المجعول فيه شرطُ البيع يَؤُول إلى معنى العمرى، والصدقة المشروط فيها حق الاعتصار تؤول إلى الهبة، والعطايا المشروط فيها تصرّف المعطي في المعطى إلى موته تؤول إلى الوصية وإن سمّوها حبساً أو هبة أو عمرى. وقالوا: إذا قال ولي المرأة: وهبت فلانة إليك بمهر كذا كانت تلك صيغةَ نكاح، ولو سماها هبة (٢). من المصطلحات: تغاير الأسماء في المخالفات الشرعية وهي ألقاب مراتب الفساد. وهي أسماء ليست بالكثيرة ولا المطّردة. فعند الشافعية ثلاث مراتب: الحرام، والمكروه، وخلاف الأولى، وعند الحنفية مثل ذلك

стр. 965

وهي: التحريم، وكراهة التحريم، وكراهة التنزيه (١). المنهج: جرى علماء الشريعة على ذمَّ بعض المباحات ترغيباً للناس في التخلّي عنها لمذمتها. وعلى هذا كان عملُ الإمام مالك في سدّ الذريعة، عند قصد المبالغة، حيث قال بنجاسة عين الخمر، وهو يعلم أن الله إنما نهى عن شربها لا عن التلطّخ بها. وإنما حمله على هذا استقراء السُّنة الذي أكد في نفسه مراعاة قصد الشريعة الانكفاف عن شربها (٢). المسائل والأحكام في "مقاصد الشريعة الإسلامية ": إذا كان المؤلف قد جَعَل من غرضه الأول بيانَه معنى الخطاب الشرعي وتفصيلَ القول فيه. ولَفَتَ النظر إلى الخطوة الثانية التي أساسها تدبر أدلة الأحكام ونقدها على الطريقة الأصولية المعهودة والتمييز بينها، وإذا حرص شديد الحرص على بيان طرق كشف الأدلة عن المقاصد الشرعية وإثباتها لدى الأئمة الفقهاء ولدى السلف في رجوعهم إلى المقاصد وتمحيص ما يصلح منها لأن يكون مقصوداً منها، فإن اهتمامه قد انصب أيضاً على الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية: يربط بينها وبين الأدلة، وينظر فيها إلى أي مدى كانت تلك خادمة أو خاضعة للمقاصد الشرعية. وهو في بحثه هذا يوضح الطريق إلى تطبيق نظرية المقاصد، ويذكر الأمثلة الثابتة فيما ضبطه العلماء من قبل.

стр. 966

وقد برزت الصورة المزدوجة في كتاب المقاصد تجمع بين المسائل والأدلة والأحكام والمقاصد. ومن يَتَقَصَّ بالنظر الأقسامَ الثلاثة لمصنَّف الإمام، ويعمد بعد ذلك إلى ذكر جملة من المسائل في الأبواب أو الفصول المتفرعة عنها، يجد الإشارة إلى جملة من المسائل يذكرها مرّة أو مرات: إمّا تمثيلاً وتمثلاً للقارئ، وإمّا تفصيلاً لأحكامها إذا كانت موضع اختلاف الأنظار بين الأئمة والفقهاء السابقين، وإمّا بياناً للمقاصد الشرعية فيها. ويجمع كتاب المقاصد أكثر من ستمائة مسألة موزعة على أبواب وفصول الكتاب على النحو التالي: في مسلسل فصول الكتاب ... الموضوع ... عدد المسائل ١ ... احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة ... ٧ ٢ ... طرق إثبات المقاصد الشرعية ... ١١ ٣ ... طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها ... ١٠ ٤ ... أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية ... ١ ٥ ... انتصاب الشارع للتشريع ... ٥٠ ٦ ... مقاصد الشريعة مرتبتان ... ٧ ٧ ... مقاصد التشريع العامة والصفة الضابطة للمقاصد الشرعية ... ٢٣ ٨ ... ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة ... ٦ ٩ ... السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها ... ٣ ١٠ ... المقاصد العامة من التشريع ... ٤

стр. 967

في مسلسل فصول الكتاب ... الموضوع ... عدد المسائل ١١ ... بيان المصلحة والمفسدة ... ٢١ ١٢ ... طلب الشريعة للمقاصد ... ٣١ ١٣ ... أنواع المصلحة المقصودة من التشريع ... ٦٣ ١٤ ... عموم شريعة الإسلام ... ١٣ ١٥ ... المساواة ... ٢٠ ١٦ ... ليست الشريعة بنكاية ... ٥ ١٧ ... مقصد الشريعة من التشريع تغيير وتقرير ... ٣٢ ١٨ ... أحكام الشريعة قابلة للقياس عليها باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية ... ٢ ١٩ ... التحيّل على إظهار العمل في صورة مشروعة مع سلبه الحكمة المقصودة للشريعة ... ٢٧ ٢٠ ... سدّ الذرائع ... ٤ ٢١ ... نوط الشريعة بالضبط والتحديد ... ٢٧ ٢٢ ... نفوذ الشريعة ... ١ ٢٣ ... الرخصة ... ٥ ٢٤ ... مراتب الوازع: جبلية ودينية وسلطانية ... ١١ ٢٥ ... مدى حرية التصرّف عند الشريعة ... ٣٦ ٢٦ ... مقصد الشريعة تجنبها التفريع وقت التشريع ... ٢ ٢٧ ... واجب الاجتهاد ... ٤ ٢٨ ... في مقاصد التشريع التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس، والمعاملات في توجه الأحكام التشريعية إليها مرتبتان: مقاصد ووسائل ... ١٨ ٢٩ ... مقصد الشريعة تقنين أنواع الحقوق لأنواع مستحقيها ... ٢١

стр. 968

في مسلسل فصول الكتاب ... الموضوع ... عدد المسائل ٣٠ ... مقاصد أحكام العائلة: آصرة النكاح ... ١٢ ٣١ ... آصرة النسب والقَرابة ... ١٤ ٣٢ ... آصرة الصهر ... ١ ٣٣ ... طرق انحلال الأواصر الثلاثة ... ١٢ ٣٤ ... مقاصد التصرّفات المالية ... ٤ ٣٥ ... الملك والتكسب ... ٣٦ ٣٦ ... الصحة والفساد ... ٢ ٣٧ ... مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان ... ٣١ ٣٨ ... مقاصد أحكام القضاء والشهادة ... ٤٥ ... الجملة ... ٦٢٢ انظر فهرس المسائل والفروع ولا يسعنا في هذا التمهيد أن نقف عند كل مسألةٍ مسألة، فنجعل من "المقاصد" كتاب مسائل أو فروع، ولكننا نقتصر على أمثلة منها كاشفين، بما نورده من إحالات، عن الإطار أو السياق الذي وردت فيه، فنلمس عن كثب الدليل الشرعي، والقصد من التشريع، والمثال أو الفرع المستخدم في ذات المقام، وفي الجوانب ذات الصلة به. فيتضح لنا بذلك أن أحكام شريعتنا في غالبها، بهذا الاعتبار، شريعة معلّلة، ذاتَ مقاصد وأهداف تتمثّل في ما تجلبه من مصالح وتدرؤه من مضارّ. ١ - ومن أجل ذلك نشير إلى أن المؤلف بدأ في الفصل الثاني، "فصل طرق إثبات المقاصد الشرعية". بتصوير الاختلاف

стр. 969

الحاصل بين أئمة الفقه في تحديد معنى الذي بيده عقدة النكاح، وإسناد العفو إليه في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فحمله مالك على الأب في ابنته البكر والسيد في أمته؛ لأن هذين يعقد لهما بغير إذن. وذهب الشافعي إلى جعل العفو المذكور من حق الزوج لأن بيده حل النكاح بالطلاق (١). وجاء بضروب كثيرة من المعاملات منهي عنها مثل المزابنة لقول رسول الله ﷺ لمن سأله عن بيع التمر بالرطب. قال: "أينقص الرطب إذا جف؟ ". قال: نعم. قال: "لا إِذَن". وعلّة التحريم في المزابنة: الجهل بمقدار أحد العوضين. وكذلك النهي عن بيع الجزاف بالمكيل إلا أن يأتي كل منهما على أصله كقطعة أرض جزافاً وإردبّ قمح بكذا. وعلّة منعه الجهل بأحد العوضين، كما ذهب إليه الفقهاء بطريق استنباط العلّة. ويُستخلص من صور النهي عن هذه المعاملات مقصد شرعي هو إبطال الغرر في المعاوضات. ونهيُ النبي ﷺ عن أن يخطب المسلم على خِطبة أخيه أو يسوم على سومه، مشهور ومعروف. أخرجه مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه. وعلّة النهي فيه ما في هذين التصرّفين من الوحشة. وقصد الشرع من النهي دوام الأخوة بين المسلمين. وكذلك النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، طلباً لرواج الطعام في الأسواق. وبيع الطعام بالطعام نسيئة، إذا حُمل على إطلاقه عند الجمهور، وعلّته تَفادي بقاء الطعام في الذمَّة فيفوت الرواج. ومنها

стр. 970

أيضاً الاحتكار في الطعام لحديث مسلم عن عمر مرفوعاً: من احتكر طعاماً فهو خاطئ (١). وقول عمر ﵁ لا حُكرة في سوقنا. لا يعمد رجال في أيديهم فضول أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا يحتكرونه علينا. لكن أيُّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء أو الصيف فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء وليمسك كيف شاء. ٢ - وللشريعة كما عبّر عن ذلك الشيخ ابن عاشور مقصد أساسي من التشريع يتمثلّ في مقامَيْ التغيير والتقرير. القواعد والمقاصد باعتبار ما ينبني عليها، أو ما تدعو إليه من ترتيبات وتصرفات: القسم الأول: يتضمن جملة من القواعد والمقاصد: ١ - العمل على تحقيق تنفيذ الشريعة مترتب على إيقاعِ حرمتها في نفوس الأمة. فالشريعة الإسلامية أعظم الشرائع بسدادها في يقين أمَّتها. وهي معصومة ومستندة إلى الوحي، وطاعتها منبعثة عن اختيار. ٢ - اعتبار إقامة العلماء للشريعة، طلبَ تبليغها، هو مقصد من أهم مقاصد الشريعة. فلذلك لزم بثّها وتكثير علمائها وحَمَلتِها. ٣ - الحكومة والسلطان من لوازم الشريعة لئلا تكون في بعض الأوقات معطلة. ٤ - إقامة ولاة يسوسون مصالح الأمة ويقيمون العدل فيها، وينفّذون أحكام الشريعة بينها.

стр. 971

٥ - كل من ولي ولاية الخلافةِ فما دونها إلى الوصيّة لا يحلّ له أن يتصرّف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة. ٦ - الأئمة والولاة معزولون عما هو ليس بأحسن، وما ليس فيه بذل جهد. فالمرجوح أبداً ليس بأحسن، وليس في الأخذ به اجتهاد. ٧ - التأكيد على أن تكون الولاية في مظنّة المصلحة وألا يكون العزل إلا لمفسدة. ٨ - من أسس المجتمع الإسلامي اشتمال نظام هيئة القضاء في الجملة على ما فيه إعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي. ٩ - القضاء أمانة، والعدالة شرط في صحّة ولاية القضاء. ١٠ - القاضي أهم أركان القضاء. ففي صلاحه وكماله صلاح بقية ما يحصل به من أحوال. ١١ - تميّز القاضي بأصالة الرأي والعلم، وبالعدالة، وبالسلامة من نفوذ غيره عليه. ١٢ - مقدرة القاضي على فهم مدركات المسائل وعللها خير منبه له عند اشتباه المسائل واختلاطها (١). ١٣ - العالِم المقلد هو العالِمُ بالأدلة لمذهب مجتهد مشهور. وهو لا يَقصُر في استحقاق القضاء عن المجتهد. ١٤ - شروط رجال شورى القضاء تقارب شروط القضاء، وشرط العلم فيهم أقوى.

стр. 972

١٥ - ليس من طريق لحمل طبقات الأمة على الاقتناع بأحكام القاضي غير الأخذ بالأصلح من عموم أقوال العلماء. ١٦ - القضاة وأهل شوراهم وأعوانهم، والوقوف في الأقضية على الرسوم والبيانات طريقٌ لتنفيذ الشريعة في خصوص إيصال الحقوق إلى أصحابها على نحو ما رسمته الشريعة تأصيلاً وتنويعاً. ١٧ - على الحاكم استقصاء وجوه الحجج المبيّنة للحق بقدر ما يستطيع ولو بالوصول إلى حفظ بعض الحقوق دون بعض. القسم الثاني: استنباط الأحكام من القواعد العامة: ينتزع الفقهاء من القواعد فروعاً إما بطريق تحقيق المناط في الأحكام الكلّية، لأن المنتزعات جزئيّات لتلك القضايا الكلّية، وإما بطريق القياس في الأحكام الجزئية، لأن المنتزعات منها مشابهة لتلك الجزئيات في وصف آذنت به أحكامها على تفاوت بين الملحقات بسبب ظهور الأوصاف التي بها الشبه، وخفائها لتفاوت مسالك العلّة (١). القضاء بالعوائد: يرجع هذا التصرف إلى معنى الفطرة، لأن شرط العادة التي يُقضى بها ألا تنافي الأحكام الشرعية. فهي تدخل تحت حكم الإباحة. لأنها من الفطرة إما لأنها لا تنافيها، فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإما لأن الفطرة تناسبها. وهو ظاهر (٢).

стр. 973

الأوصاف الطردية: ذكر الأوصاف المقارنة للمقصد من التشريع، وهي التي لا يتعلق بها غرض الشارع، ويسمّونها الأوصاف الطردية، وهي الغالبة على الحقيقة الشرعية، مثل الكون في البرية في تصوير الحرابة. فإن ذلك أمر غالب وليس هو مقصودَ الشارع. ولذلك أفتى حُذَّاق الفقهاء باعتبار حكم الحرابة في المدينة، إذا كان الجاني حاملاً للسلاح ومخيفاً لأهل المدينة (١). ترجيح المصلحة الكبرى: يعلّل صاحب المقاصد ترجيح المصلحة العظمى عند التعارض بين المصلحتين بقوله: ولهذا قُدم القصاص على احترام نفس المقتصّ منه، لأن مصلحة القصاص عظيمة في تسكين ثائرة أولياء القتيل، لتقع السلامة من الثارات، ويتم انزجار الجناة عن القتل، ويتخلّص المجتمع من النفوس الشريرة (٢). العمل بالمصلحة المرسلة: لا ينبغي التردد في صحة الاستناد إلى المصلحة المرسلة (٣). القسم الثالث: موضوعات ذات صلة بالأصول والمقاصد للإمام عليها ملاحظات أو له بشأنها اقتراحات: جمعنا في هذا المحور ست مواد هي: الأصول والمقاصد، والتعليل، والقضاء، والإجراءات الشرعية، والسياسة الشرعية،

стр. 974

ومسائل الخلاف. وذلك قصد التنبيه إلى معانٍ خاصة لاحَظَها الإمام فيما هو موجود عند الفقهاء، وفيما يقترح العمل به. (١) فمن قضايا الأصول التي عُني بها الشيخ ابن عاشور إيجاد ثلة من المقاصد القطعيّة يجعلها العلماء أصلاً يصار إليه في الفقه والجدل (١). (٢) أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع. والواجب على علمائها التعرّف على علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيها (٢). (٣) من أعظم ما يقتضيه عموم الشريعة أن تكون أحكامها سواء لسائر الأمم المتبعين لها بقدر الاستطاعة، لأن التماثل في إجراء الأحكام والقوانين عون على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة (٣). (٤) طريق تحقيق عموم الشريعة والالتزام بها. هذا ما ورد في الكتاب من كليّات كثيرة، وفي السُّنة من قواعد عامة. وكذلك المجملات والمطلَقات التي في القرآن ومعظمها مرادٌ إطلاقه وإجماله. وللفقهاء طرائق في تطلب بيان المجمل وتقييد المطلق بحمل اللفظ المطلق في موضع على مقيد في موضع آخر، وإن لم يكونا من نوع واحد (٤). (٥) توجه الإسلام في أحكامه إلى عامة المسلمين ناشئٌ عن قابليته للتطبيق في مختلف أحوال العصور بدون حرج ولا مشقة ولا عسر، وقد غير الإسلام بعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا حرجاً ولا

стр. 975

عسراً في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة، ومن دون أن يلجؤوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة (١). (٦) لسدّ الذرائع تعلق قوي بمبحث التحيّل (٢). (٧) محافظة الشريعة على أحكامها في الأموال التي يتحقّق فيها عدم فوات المقصد. وصورة ذلك منع الوصية للوارث بما دون الثُّلث، وأباحتها للموصي إن كانت الوصية لغير الوارث. فكان الظاهر أن إعطاء الثلث لبعض الورثة أولى بالجواز. ولكن منعَه إنما هو للمحافظة على قصد المواريث. وهو تعيين أنصباء للورثة لا يتجاوزها الناس، إبطالاً لِما كان عليه أهل الجاهلية. فمن أجل ذلك منعت الوصية للوارث مطلقاً، وأنفذت للأجنبي في الثلث (٣). (٨) تعرض الإمام للقياس في مواضع كثيرة منها قوله: ومن هذا القبيل النهي عن الانتباذ في الحَنْتَم والجَرّ والمزفَّت والمُقَيَّر. والمقصود أنه يسرع إليها الاختمار وليس ذلك لمجرد الأسماء (٤). (٩) في اعتياد الفقهاء تعليل القياس توجيه الأنظار إلى التعليل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة، مع تصريحهم بأن تلك الأوصاف يحصل من وجودها معنى هو المسمّى بالحِكمةِ أو المصلحة أو درء المفسدة (٥). (١٠) التوقف والقضاء في الأحكام. وصورة ذلك مسألة العوْل في الميراث، التي بناها الأئمة الفقهاء على حالة مشكِلَةٍ وقعت زمن عمر. وقد تقدم الحديث عنها.

стр. 976

الباب السادس مصادر التشريع

стр. 977

الفصل الأول: أنواع مصادر التشريع إلى جانب مباحث مقاصد الشريعة وما لها به من علاقة، ننبّه من جديد إلى أنّ مهمة الدارس لهذا الفنّ لا تقتصر على التعريف بالمقاصد وبيان أقسامها، بل تمتد إلى الوقوف على أنحاء وطرق إثبات المقاصد من جهة، وإلى معرفة الأدلة التفصيلية التي تُستنبط منها أحكام الشريعة من جهة ثانية. وهكذا تكون النظرة شاملة ودقيقة تصل الأحكام بأدلّتها التفصيلية، وتربط تلك الأدلة بما تصوّره من مقاصد ومصالح يَتحقّق بها غرض الشارع من التكليف، وغرض المكلف من الحصول على الغايات والأهداف التشريعية التي كتبها الله له لاستجابته لأحكامه. وليس في قول الإمام: وقد يظن ظانٌّ أنّ في مسائل علم أصول الفقه غُنيةً لمتطلّب هذا الغرض فيقوم هذا دليلاً على جواز إلغاء مسائل علم المقاصد وعدم ذكرها والتعرّض إليها، كما أنه لا يريد من عدم اطّراح علم أصول الفقه أو إغفاله أن يبقى على ما هو عليه من جمود وخلط (١)، بل دعا إلى تجديده وفصْل ما ليس من القضايا الأصولية عنه. فإنّ هذا لا يقتضي أبداً تجاوزه إلى غيره من العلوم في قضاياه الأساسية، بل هو محل إفادة ونقد وتطوير. وهل هو إلا

стр. 978

كاشف عن محامل ألفاظ الشارع في انفرادها واجتماعها وافتراقها حتى تقرّب فهم المتضلّع فيها من أفهام أصحاب اللسان ... مثل مسائل مقتضيات الألفاظ وفروعها من عموم وإطلاق، ونص وظهور، وحقيقة وأضدادها، وكمسائل تعارض الأدلة الشرعية من تخصيص وتقييد وتأويل وجمع وترجيح ونحو ذلك (١). ومصادر الشريعة المتّفق عليها وما في حكمها هي الكتاب والسُّنة، ثم الإجماع والقياس. من مصادر التشريع: وألحق أئمةُ المذاهب بها مصادر أخرى اختلفوا في الاعتداد بها والاعتماد عليها. وهي: المصلحة المرسلة، والاستحسان، وسدّ الذرائع، وإبطال الحيل، وقول الصحابي، والعرف، وشرع مَن قبلنا، والاستصحاب. وبيّن الشاطبي وجهَ حصرِ الأدلة في المصادر المذكورة أعلاه في موافقاته حين قال: أصول الأدلة الشرعية ضربان: أحدهما: ما يرجع إلى النقل المحض. والثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض. والأول هو الكتاب والسُّنة، والثاني هو القياس والاستدلال. ويلحق بكل واحد منهما وجوه. فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به، ومذهبُ الصحابي، وشرع مَن قبلنا لأنّ ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبّد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد. ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة إن قلنا إنها راجعة إلى أمر نظري (٢).

стр. 979

الكتاب: القرآن أعظم المصادر وأصحّها. وهو قطعيّ المتن ظنّي الدلالة، متعبّد بتلاوته. وفي تصوير أهميته ودوره في التنبيه على علل الأحكام ومقاصد التشريع التي استهدفها الشارع عن طريق خطاباته وتشريعاته وردَ عن بعض أئمة الفقه: أن الكتاب كلية الشريعة، وعمدة المقصد، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر. وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه ... وإذا كان كذلك لزم بالضرورة لمن أراد الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها، واللحاق بأهلها أن يتخذه سميرَه وأنيسَه، وأن يجعله على مرّ الأيام جليسَه (١). وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تنبّه على مقاصد الشريعة منها: ° شمولية الخطاب الإلهي كما يدلّ على هذا قوله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). ° دفع الحرج عن المكلفين لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ° تحقيق العبادة والإخلاص فيها للحق جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ

стр. 980

رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١). ° والقيام بالعدل في كل شيء، والاستقامة لله في القول والعمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ° ومن المقاصد المعلن عنها في الكتاب أيضاً: الانكفاف عن الفساد والإفساد، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). ° التمسك بالوحدة ومحاربة التفرّق والانقسام. ومما يدلّ على هذا المقصد الجليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٦). والأمثلة على هذا المقصد وما يتفرّع عنه متوافرة في الشريعة الإسلامية، لحرصها على حماية كل المصالح الأساسية: الضرورية والحاجية والتحسينية. قال الشاطبي: إذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كليّاتها المعنوية وجدناها قد تضمّنها القرآن الكريم على الكمال. وهذه هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات ومكملُ كل واحد منها، وهذا كله ظاهر (٧).

стр. 981

السُّنة: والسُّنة النبوية بيان للكتاب. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١). وقد استقلّت بأحكام وتشاريع كالذي ورد منها في الصلاة والزكاة وغيرهما من القضايا العبادية، أو ما جاء فيها من أحكام لها علاقة بالأنكحة والعقود والقصاص والحدود من العاديات. وقد ألزم الله بها في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، كما حذّر سبحانه من مخالفة رسوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). فالكتاب والسُّنة في المنزلة العليا. قال الشاطبي: وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن والسُّنة. فلم يتخلّف عنها شيء. والاستقراء يبيّن ذلك. ويَسهل على من هو عالِم بالكتاب والسُّنة. ولما كان السلف الصالح كذلك قالوا به ونصّوا عليه (٤). وكذلك قوله ﷺ مشيراً إلى جملة من الحِكَم والمقاصد والمصالح كما في قوله: "فإنما بعثتم مبشّرين ولم تبعثوا معسّرين" (٥)، وقوله: "إن الدين يسر" (٦). وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (٧)، وقوله: "وإنما جعل الاستئذان لأجل البصر" (٨)، وقوله: "لولا أن قومك حديثو عهد بشركٍ لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" (٩)، وقوله: "دعه لا يتحدث الناس أن

стр. 982

محمداً يقتل أصحابه" (١). وهذان المصدران: الكتاب والسُّنة؛ والاستنباطُ منهما مستَنَدُ التشريع، تتبين المقاصد للناظر فيهما بإدراك ما تضمّناه من أهداف الأحكام، وغاياتها التشريعية. ولا شك أن السُّنة بالإضافة إلى ما ذكرناه مبيّنة للمراد من القرآن. وهي تشتمل أيضاً على بيان مقاصد بعض الأحكام التي لم ينصّ القرآن على مقاصدها، وعلى زيادة بيان لما ورد من ذلك في الكتاب. ومن المقاصد التي نبّهت إليها السُّنة في خصوص أحكام النكاح مثلاً قوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج. فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج" (٢). ومن المقاصد التي بيّنتها السُّنة قوله ﷺ في الجمع بين المرأة وعمّتها، والمرأة وخالتها: "إنكنّ إن فعلتن ذلك قَطَعْتُنّ أرحامكن" (٣). والحديث عن هذين المصدرين الأساسيين مستوفى أو يكاد عند أكثر الأصوليين. الإجماع: هو المصدر الثالث من مصادر التشريع المتفق عليها. وهو لغة: العزم، والاتفاق، واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي الأمة، وقيل: اتفاق جميع من هو أهل له على حكم شرعي في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ . وشرطه عند الشافعية انقراض العصر، وثبوته من أهل العدالة

стр. 983

والاجتهاد كالثبوت بالنصّ لقوله ﷺ : "إن الله لا يَجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار أو في النار". وقال الحاكم معقّباً على هذا الحديث بأنه روي بأسانيد يصحّ بمثلها الحديث (١). ومن شروطه المتفق عليها شرائطُ الأهلية كالعقل والبلوغ والإسلام والعدالة، والكينونة من أهل الاجتهاد ومن أهل السُّنة والجماعة (٢). واستدلّوا على حجيّته بما أفادوا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (٣). وأما سببه فقد يكون توقيفاً على الكتاب والسُّنة، أو استنباطاً منهما، أو توفيقاً من الله للمجمِعين إلى الصواب وإلهامهم الرشد. فـ "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". قال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٤). وهو فيما اتفق عليه أهل العلم يدعو إلى الانتباه والتأمل كالذي أشار إليه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه في باب ما ذكره النبي ﷺ وحضّ فيه على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار ومصلى النبي والمنبر والقبر (٥).

стр. 984

ومنه ما كان موضعه الأحكام ذات العلة الخفية ومما استنبط له الفقهاء علّة. ويقتضي الإجماع الحكم قطعاً ويقيناً، كرامةً لما اتفق عليه الأئمة وإن شذّ عنهم النظّام من المعتزلة، وقوم من الإمامية، والرافضة والخوارج. والإجماع بحكم ما بيّناه من أقوى الطرق لمعرفة الأحكام ومقاصدها. ذلك أن ما يقع عليه الإجماع من المقاصد يكون أقوى من المقاصد المختلف فيها، كما أن معرفة المقاصد شرط ضروري في الاجتهاد، والاجتهاد شرط في الإجماع، وشرط الشرط شرط في المشروط. القياس: لا شك أن الأصلَ المعتمد في القياس هو التعليل. والقياس في اللغة: هو تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويتُه به. وفي الاصطلاح - كما حدّده أبو بكر الباقلاني -: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة. وقال بعض المحقّقين: هو مساواة فرعٍ لأصلٍ في علّة الحكم، أو زيادته عليها في المعنى المعتبر في الحكم. وأحسن ما ورد في حدّه: استخراج مثلِ الحكم المذكور لما لم يذكر، لجامع بينهما. وقال ابن القيم في معنى القياس: قال الإمام أحمد: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثلَه في كل أحواله. فأما ما أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه فهو خطأ. وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها. فإذا كان مثله في كل

стр. 985

أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي منه شيء (١). وموضوع القياس: طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق فرع بأصله. والقياس هو المصدر الرابع من المصادر الأساسية في التشريع. ويترتب وجوده على وجود ركنه - وهو العلّة الجامعة بين الفرع والأصل، والتي اشترط القائلون به المثبتون له من علماء الأصول أن تكون العلّة فيه مشتملة على المناسبة. وذلك لما ينجرّ عن ترتّب الحكم عليها من جلب مصلحة أو درء مفسدة. وصرّح الغزالي بوجوب مراعاتها للمقاصد. قال: وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد. وما انفك عن رعاية أمر مقصود فليس مناسباً، وما أشار إلى رعاية أمر مقصود فهو مناسب (٢). أنواع القياس: ينقسم القياس عند الجمهور إلى عقلي، وهو ما يكتفى فيه بالعقل، وشرعي وهو ما لا بد فيه من أصل معلوم بالشرع. ومن القياس قياس الطرد. وهو عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلّة المستنبطة من حكم الأصل. ومنه قياس العكس، وهو عبارة عن تحصيل نقيض حكم معلومٍ لما في غيره لافتراقهما في الحكم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الناس في مسمى القياس على ثلاثة أقوال:
следующие страницы →