← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأحزان وشدّتها لكون آنوك أول من أعرس عليها وهي بكر، فمات ولم يزل بكّارتها وما مسّها، فتزوّجها بعده أخوه المنصور أبو بكر وقتل. ثم تزوّجها إسماعيل الصالح، ومات بعد ما فارقها. ولما وصل هذا إلى السلطان طلّق أختها وأخرج جميع ما كان له في ليلته، ثم عقد عليها بعد ذلك ودخل بها (١). [إمرة مكة المكرّمة] وفيه قرّر في إمرة مكة المشرّفة السيد الشريف عجلان بن رميثة بن أبي نميّ (٢). [الإنعام على أرغون الصالحي] وفيه استقرّ أرغون الصالحي في جملة مقدّمي الألوف، وأمر السلطان بأن يكتب له: «أرغون الكاملي» وأغدق السلطان عطاياه عليه، وأعمر له قصرا هائلا (٣). [مصادرة أهل قوص] [وفيه] / ٩ ب / صودر جماعة من أهل قوص، وصودر جماعة كتبوا في المحضر الذي كان قدم إلى القاهرة من قوص بأنّ أبا بكر المنصور مات بقضاء الله (تعالى) (٤) وقدره. فأقرّوا بأنّ المحضر كان زورا، وأنهم أكرهوا على كتابته (٥). [استحداث الرشوة على الولاية] وفيه أحدث غرلوا الشادّ على الدواوين أخذ الرشوة على ولاية البلاد وتذريعها، ومن الدواوين، فلم يل أحد بعد ذلك إلاّ بمال. واستجدّ أيضا في المبايعات والنزول عن الأقاطيع، وكلّم الأمراء السلطان في ذلك، فما التفت إلى قولهم، واحتجّ بأنه أحقّ من ناظر الجيش، فإنّ هذا كان يأخذه ناظر الجيش (٦). [جماد الأول] [نائب دمشق] وفي جماد الأول دخل يلبغا اليحياوي إلى دمشق على نيابتها، وباشرها (٧).

стр. 107

[الحجوبيّة الكبرى] وفيه قرّر بيغرا في الحجوبية الكبرا (١)، وأمر بأن يجلس وبين يديه موقّعين لكتابة المراسلات إلى الولاة والنواحي، وكان أحدهما الرضيّ بن الموصليّ، والآخر ابن (٢) عبد الظاهر. وصار الحاجب يجلس للحكم بين الناس، ووفّر إقطاع النيابة، وأبطلت من القاهرة. [القبض على الجمالي] وفيه قبض على الجمالي يوسف والي القاهرة، وعلى ولد أخيه، وعلى حمود نائبه بسعاية غرلوا شادّ الدواون، وكشفت روسهم وصودروا، وضرب حمود بالمقارع ضربا مبرحا، فوعد بأن يحضر له مالا قد دفنه بالجيزة، فسيّره صحبة أعوانه ليأتيه بالمال، فلما ركب النيل للتعدية إلى الجيزة، فحين توسّطه ألقى نفسه فيه فغرق. واعتنى الأمراء بيوسف وابن أخيه فأفرج عنهما. [ركوب السلطان إلى الميدان] وفيه ركب السلطان ونزل إلى الميدان على عادة من تقدّمه من السلاطين. وكان له يوما مشهودا (٣). [ترتيبات غرلوا المالية] وفيه طلب غرلوا شادّ الدواوين بحضرة الأمراء والوزير ورسم بأن يرتّب بلاد الخاص، وأن يخرج من إقطاع النيابة وغيره بلاد تقطع لأرباب الجوامك من المماليك السلطانية ليتوفّر جوامكهم، فأفردت جمل نواحي أقطعت لماية من المماليك من أرباب الجوامك العقال، وطلبوا لأجل أن يعطوا المثالات، فامتنعوا وردّوها على السلطان من غد يوم ذاك فيها عليهم، وقد تجمّعوا كلّهم ووقفوا للسلطان، فحنق منهم واشتدّ غضبه، وطلب الطواشي مقدّم المماليك وأهانه وأمره بضربهم وطردهم، فتلطّف به الأمراء، ولا زالوا به حتى آل الأمر إلى أن يضرب المقدّم منهم جماعة عيّنوا، وأنزلوا من القلعة إلى القاهرة (٤). جماد الآخر [وفاة طقزتمر] [٣٧]- / ١٠ أ / مات طقزتمر (٥) الحموي، الناصري، نائب الشام.

стр. 108

وكان إنسانا حسنا، سيوسا، عاقلا، حشما، عديم الشرّ. قدّمه للناصر المؤيّد صاحب حماه، وتنقّل في الخدم حتى ولي عدّة ولايات (١) خطيرة، منها: حلب، والشام. وطلبه الكامل فقدم في محفّة إلى القاهرة في الشهر الماضي وهو مريض، وقدّم أولاده للسلطان تقدمة هائلة، ووعدهم بجميل. ولما مات كان السلطان بقصور سرياقوس هو وأمراؤه وحريمه، فقدم أولاده بخبر وفاة أبيهم، فلم يمكّن السلطان الأمراء من العود للقاهرة لحضور جنازته. ودفن بخانقاته المشهورة به. وله الجامع والحكر المشهوران به، وله حمّام أيضا. [الحجوبية الثانية] وفيه قرّر رسلان بصل في الحجوبية الثانية، وأمر بأن يحكم بين الناس مع بيغرا الحاجب الكبير، وقرّر في إقطاع رسلان هذا طشتمر طلليه، وفي إقطاع طشتمر قبلاي (٢). [وفاة السلطان كجك] [٣٨]- وفيه مات السلطان الملك الأشرف كجك (٣) ابن الناصر محمد بن قلاون، أخو السلطان، وله اثني عشر (٤) سنة. واتّهم بأنّ السلطان بعث من سرياقوس من قتله في مضجعه، وأنهم أربعة من الخدّام الطواشية. [التهتّك بشرب الخمور] وفيه عاد السلطان من سرياقوس من بعد ما تهتّكت المماليك السلطانية بشرب الخمور والتظاهر بالفواحش حتى صارت سرياقوس حانة.

стр. 109

[الشكوى من شادّ الدواوين] وفيه زاد ظلم غرلوا شادّ الدواوين، وصار يحصّل الأموال السلطان (١) من الناس بغير طريق شرعي ولا وجه حتى يقرب من السلطان، وصار من قوّاده. [إبطال المقايضات] وفيه قام الأمراء فتكلّموا مع الملك على أمر النزولات والمقايضات عن الأقاطيع، ولا زالوا به حتى أبطل ذلك لما فيه من المفاسد (٢). [وفاة ابن أبي العزّ] [٣٩]- وفيه مات العلاء بن العزّ الحنفيّ، علي بن محمد بن أحمد بن أبي العزّ (٣) الدمشقيّ، الحنفي. وكان فاضلا، من أهل العلم. سمع على جماعة، منهم: فاطمة بنت سليمان. وناب في الحكم بدمشق. [الفتنة بين صاحب بغداد وأصحاب أذربيجان] وفيه قدم البريد من حلب بوقوع الفتنة والخراب بين الشيخ حسن صاحب بغداد وبين أولاد دمرداش أصحاب أذربيجان وتبريز، وأنّ الشيخ حسن انتصر على ابن (٤) دمرداش، وأنّ سلطان شاه أيضا كان في الخراب وفد إلى ماردين فالتجأ إليها فنازله الشيخ حسن وحصره، وأفسد ضياع ماردين، ثم سار عنها بغير طائل (٥). [صناعة داير بيت من الحرير] وفيه صنع السلطان داير بيت حرير به من الزركش نحوا (٦) من أربعين ألف مثقال من الذهب. [رجب] [نظارة الخاص] وفي رجب قرّر الفخري السعيد في نظارة الخاص، وصرف ابن (٧) الماضي خبر

стр. 110

ولايته لها، / ١٠ ب / وكانت مدّتها ثمانين يوما تزيد شيئا، وأعيد إلى استيفاء الصحبة كما كان (١). [رغبة السلطان في بناء مدرسة] وفيه قصد السلطان أن ينشيء مدرسة في مكان خان الزكاة، ونزل أرغون العلائي، والوزير للكشف عن ذلك. وكان الناصر محمد قد وقفه، فلم يوافق القضاء على حلّه، فبطل ما عزم عليه السلطان (٢). * * * ولو كان في عصرنا هذا لبادر القضاة إلى حلّه، كما هو دأبهم لأقلّ الأمراء، فضلا عن السلطان. وبالله المستعان. [ضرب عنق] وفيه ضربت عنق ابن (٣) ششقلة (٤) ورفيقه. [وفاة ابن فضل الله] [٤٠]- وفيه مات البدر بن فضل الله محمد بن يحيى (٥) بن فضل الله العدوي (٦)، الدمشقيّ، الشافعيّ، كاتب السرّ بدمشق. وكان من الأعيان، وله فضل وعلم، وحسن سمت، وأدب، وحشمة. [شعبان] [كتابة السّرّ بدمشق] وفيه، شعبان، استقرّ في كتابة السرّ بدمشق التاج محمد بن خضر (٧) بن عبد الرحمن.

стр. 111

[عرس السلطان] وفيه كان عرس السلطان على ابنة طقزدمر (١) نائب الشام. وكان مهمّا حافلا (٢). [وفاة ابن شكر] [٤١]- وفيه مات أبو بكر بن موسى بن سكّرة (٣) الوزير، ناظر جيش دمشق. [نظر الجيش بدمشق] وفيه قرّر ناظر الجيش بدمشق التقيّ بن مراجل (٤) بعناية العلائيّ (٥). [رمضان] [تدريس الصلاحية] وفي رمضان قرّر في تدريس الصلاحية المجاورة لقبّة الإمام الشافعيّ الشمس ابن اللبّان، عوضا عن الضياء المناوي، بحكم موته. [وفاة الضياء المناوي] [٤٢]- والضياء (٦) هذا هو محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا. ناب في الحكم. وسمع على جماعة، منهم: محمد بن يوسف الدلاصيّ، [و] (٧) الحسن بن علي الصّيرفيّ. وكان من خيار القضاة خيرا ودينا، وسلامة فطرة.

стр. 112

ومولده سنة ٦٤٤ (١). [القبض على سارقة] وفيه قبض بحمّام أيدمر على امرأة سارقة كثيرة الأذى، فقطعت يدها بعد أن ضربت بالمقارع على ساقيها (٢). [شوال] [زيارة الكاملي بيت المقدس] وفيه، شوال، خرج أرغون الكاملي عن أمر السلطان إلى زيارة بيت المقدس، وأنعم عليه بمائة ألف درهم، وكتب إلى نوّاب البلاد الشامية بالركوب إلى خدمته والقيام بواجبه (٣). [خروج الحاجّ] وفيه خرج الحاجّ وأميرهم بالمحمل مغلطاي أمير شكار. وحجّ في هذه السنة عدّة من نساء الأمراء، وبالغوا في زينة محفّاتهنّ ومحايرهنّ بأنواع من الزينة التي خرجوا فيه عن الحدّ، بحيث أنكر الناس ذلك. وخطب قاضي القضاة العزّ / ١١ أ / ابن جماعة خطبة بليغة بجامع القلعة صرّح فيها بإنكار ذلك، وصدع فيها بالوعظ (٤). [نظر الدولة] وفيه قرّر التقيّ ابن مراجل (٥) في نظر الدولة. وكان قدم من دمشق، فقام أرغون العلائي بأمره، وتنقّص منه غرلو شادّ الدوادين. وقام ابن مراجل (٦) على الكتّاب وألزمهم بعمل الحساب، ووكّل بهم (٧). [حريق سيس] وفيه وصل الخبر بأنه وقع بسيس حريق عظيم مهول دام نحوا من اثني عشر يوما خربت فيه سيس وحرق منجنيقها العظيم الذي كان حصنها في الحقيقة، وبلغت النار إلى قرب ملكها تكفور، وعجز عن طفيها. ولهذه النار سبب نادر غريب، مشهور في التواريخ. وهلك بسبب هذه النار جماعة من الكفّار من أهل سيس (٨).

стр. 113

[وفاة الأردبيلي] [٤٣]- وفيه، مات فيه التاج الأردبيليّ (١) علي بن عبد الله بن أبي الحسن (٢) أبي بكر التّبريزي الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، عارفا بالفقه، والأصول، والجدل (٣)، والمنطق، وغير ذلك. من فنون. وتقدّم على جماعة منهم: العديم العلامي. ودرس بالمدرسة الحسامية طرنطاي. ومولده سنة سبع وسبعين وستماية. [ذو القعدة] [الريح والمطر ببرقة ومصر] وفي ذي قعدة وصل الخبر بأنه ثارت بأرض برقة ريح شديدة عاصفة زرقاء في أولها، وأعقبها مطر عظيم جدّا، ثم نزل برد عظيم قدر بيض الحمام مجوّف، وبعضه مثقوب من وسطه. وتمادى هذا حتى وصل إلى الإسكندرية والبحيرة، وتعدّا (٤) منها إلى الغريبة والمنوفية والشرقية، فأفسد الكثير من الدّور والزراعات، منها الفول، فإنه استأصله عن آخره. ونزلت صاعقة فأحرقت نخلة في دار (٥). [نظر الشام] وفيه قرّر العلاء الحرّاني (٦) في نظر الشام، وكان قدم بها باستدعاء.

стр. 114

[وفاة شريف مكة] [٤٤]- وفيه مات الشريف رميثة (١) بن أبي نميّ الحسنيّ، أمير مكة. [ظهور أذى الزعر] وفيه ظهر أذى الزّعر، وتظاهر أرباب اللهو والملعوب بفنونهم، وحصل من ذلك ما لا خير فيه (٢). [عرس الطواشي] وفيه أعرس بعض الطواشية الخدّام على بعض جواري السلطان، وحضر السلطان الجلاء بنفسه، ونثر فيه الذهب عليها بيده، وحضر هذا المهمّ جميع جواري (بيت) (٣) السلطان. وكان حادثا شنيعا (٤). [وفاة أللمش الناصري] [٤٥]- وفيه مات أللمش (٥) / ١١ ب / الناصريّ، الحاجب بدمشق. [وفاة ابن معبد] [٤٦]- ومات علاء الدين علي بن معبد (٦)، أحد الطبلخانات، بها أيضا. [ذو الحجّة] [تكذيب إشاعة] وفي ذي حجّة نشبت الإشاعة باتفاق يلبغا اليحياوي والحاجّ آل ملك نائب صفد على المخامرة، فجهّز آل ملك محضرا ثابتا على قاضي صفد بالبراءة ممّا رمي به، فجهّز

стр. 115

السلطان منجك بالكشف عن ذلك، وكان يكره السلطان آل ملك، لا سيّما وقد عارضه حين سلطنته، بل نقل عنه له أنه قال: «نشرط عليه أن لا يلعب بالحمام»، إلى غير ذلك، فصار يكرهه. ولما وصل إليه منجك حلف له أنه برىء ممّا رمي به (١). [اللعب بالحمام] وفيه نودي بمصر والقاهرة من قبل السلطان بأنّ أحدا لا يعارض لعّاب الحمام، وأرباب الملاعيب، والسعاة. وكان السلطان يحبّ اللعب بالحمام، وله في ذلك غرام. فتزايد بذلك (٢) الفسق (٣). [وفاة الأمير جنكلي] [٤٧]- وفيه مات الأمير الكبير، الأتابك جنكلي (٤) بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله العجليّ، الآمديّ، الشافعيّ. وكان أميرا جليلا، فاضلا، عارفا، عاقلا، سيوسا، مدبّرا، أدوبا، حشما. كان بيده إمرة رأس العين، ثم طلب إلى القاهرة في أيام الناصر محمد بن قلاون فقدمها، وكان لقدومه وقتا حافلا (٥)، وسرّ به السلطان وأكرمه وأقطعه هو وجماعة من ألزامه، ثم صيرّ رأس الميمنة. ولم يزل معظّما بعد الناصر، حتى كتب له في أيام الصالح إسماعيل: «الوالدي، الإماميّ». وكان يحبّ أهل العلم والصلاح والفقراء، ويكثر من الصدقات والبرّ والمعروف، زيادة على زكاة ماله. وسمع عليه بعض الأمراء حين صرف من العراق. وبالجملة فكان جمّ المحاسن، وافر العقل والديانة.

стр. 116

ومولده سنة خمس وسبعين (١) وستماية. [دعوة آل ملك إلى القاهرة] وفيه كتب إلى آل ملك نائب صفد بالقدوم إلى القاهرة ليلي إمرة جنكلي هذا. وكان ذلك حيلة للقبض عليه (٢). [وفاة التقيّ ابن راجي] [٤٨]- وفيه مات التقيّ محمد بن همام بن راجي (٣)، إمام جامع الصالح طلائع بن رزّيك. وكان عالما، فاضلا، خيّرا، ديّنا. وهو الذي / ١٢ أ / صنّف كتاب «سلاح المؤمن». وله غيره من التصانيف أيضا. [وفاة الجاربردي] [٤٩]- وفيه مات العلاّمة، الفخر الجاربرديّ (٤)، أحمد بن الحسن. وكان عالما، فاضلا. شرح «البيضاوي» وحشّى على «الكشّاف» وله عدّة تصانيف. وكان من كبار العلماء. [القبض على أينبك] وفيه قبض على أينبك أخو (٥) قماري، ثم أفرج عليه من يومه (٦).

стр. 117

[قضاء دمشق] وفيه قرّر النجم إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد الطّرسوسي، الحنفيّ في قضاء دمشق، عوضا عن أبيه (١). [نيابة صفد] وفيه استقرّ في نيابة صفد أراق الفتاح (٢) نائب غزّة، عوضا عن آل ملك الماضي خبر الكتابة باستقراره [ب]- القاهرة.

стр. 118

سنة سبع وأربعين وسبعماية [محرّم] [وفاة ملكتمر السرجواني] [٥٠]- في محرّم أول يوم منه مات ملكتمر (١) السرجواني (٢)، القاصد، في نيابة الكرك. وكان من أجلّ الأمراء. أزوجه الملك الناصر محمد بن قلاون إشارة بأمّ ولده أحمد، الماضي خبر قتله بالكرك، وأسلمه ولده هذا، وولاّه نيابة الكرك، وأمره بأن يربّي أحمد هناك. وتنقّلت به الأحوال بعد ذلك، وولي الوزارة بمصر، ثم عاد إلى نيابة الكرك بعد فتنة الناصر أحمد، ثم قدم القاهرة مريضا، وبها بغته الأجل خارجها. [نيابة طرابلس] وفيه قرّر أسندمر العمري في نيابة طرابلس، عوضا عن قماري بعد القبض عليه (٣). [سجن نائب صفد وطرابلس] وفيه وصل آل ملك النائب كان، ثم نائب صفد مقيّدا إلى قليوب، وبعث به إلى اسكندرية، فسجن بها هو وقماري نائب طرابلس، وأخذ جميع مالهما (٤). [نيابة حلب] وفيه قرّر في نيابة حلب طقتمر الأحمدي، عوضا عن أرقطاي (٥).

стр. 119

[ميمنة القاهرة] وقدم أرقطاي إلى القاهرة على إمرة جنكلي (١) بن البابا، وصار رأس الميمنة (٢). [صفر] [الاهتمام بسفر الحجّاج] وفيه، صفر، اهتمّ السلطان بسفر الحجاز، وأمر بحمل ماية وخمسين ألف إردبّ شعير، وكتب إلى العربان بجمع النجب الجياد لتشترى للسلطان (٣). [مولود السلطان] وفيه ولد للسلطان ولد ذكر من ابنة بكتمر الساقي (٤). [عمارة قصر الكاملي] وفيه انتهت عمارة قصر أرغون الكاملي واسطبله بالجسر الأعظم تجاه الكبش وكان المصروف عليه / ١٢ ب / جملة من المال مستكثرة، وأدخل فيه من بركة الفيل نحوا من عشرين ذراعا. ومن الإنفاقات في ذلك أنه لمّا كمل وعزم أرغون على النزول إليه تمرّض، فقلق السلطان لمرضه، وبعث له فرس (٥) من خاصّ خيله بثلاثين ألف درهم، وتصدّق بثمنها عنه. وأخرج العلائي أيضا عشرة آلاف درهم تصدّق بها عنه، وأفرج عن أهل السجون، وركب السلطان إلى عادته بالميدان (٦). [ربيع الأول] [لهو السلطان بسرياقوس] وفي ربيع الأول ركب السلطان وتوجّه إلى سرياقوس وتهتّك بها حتى خرج في تهتّكه عن الحدّ، واستدعى إلى عنده بجماعة من الأوباش الأطراف، ولعبوا بين يديه باللبخة، وهي عصيّ كبار، أحدث اللعبة بها في هذه الدولة، وقتل في اللعب بها جماعة قبل هذا اليوم. وأمّا في هذا اليوم فقتل رجل رفيقه، فخلع السلطان على بعضهم، وقرّر

стр. 120

كبيرهم في خبز من الحلقة، ولازم السلطان ضرب الكرة هناك في كل يوم، وأعرض عن تدبير الأمور والنظر في المصالح، فتمرّدت المماليك، ومدّوا أيديهم إلى حريم الناس، وقطعوا الطريق، وفسدت عدّة من الجواري، وكثرت الفتن بسبب ذلك. وكان ما لا خير فيه. وبلغ السلطان ذلك فلم يعبأ به، بل قال: «خلّوا كل أحد يفعل ما يريد». وقام العلائي حين فحّشوا الحال، ولا زال بالسلطان حتى عاد إلى القلعة. هذا، وقد تظاهر الناس بكل قبيح، ونصبوا أخصاصا ببولاق وبالجزيرة الوسطى، وخرجوا في الفسق عن الحدّ، وبالغوا في التهتّك، وجرت جرايات يطول الشرح في ذكرها. حتى قام العلائي في ذلك قياما، وحرّق الأخصاص، وضرب جماعة بها وشهّر بهم، فتلف بها مال عظيم جدّا (١). [ارتفاع سعر الماء] وفيه ارتفع سعر الراوية الماء بزيادة كبيرة على العادة بسبب انحسار النيل عن هذا البرّ الشرقي، حتى صار ما بين مصر والقياس يخاض. وركب السلطان في أمرائه وأخذ معه المهندسين حتى كشف الأمر، فوجدوا الوقت فيه قد فات بسبب إخلال النيل في الزيادة. وآل الأمر إلى أن عمل جسر من برّ الجيزة إلى المقياس، وما أفاد شيئا. مع ذلك، فإنّ النيل لما زاد طمّ الجسر / ١٣ أ / وجرت أمور كثيرة (٢). [لعب السلطان بالكرة] وفيه لعب السلطان بالكرة في الميدان على أمرائه، فاصطدم يلبغا الصالحي مع آخر وسقطا معا عن فرسيهما، ووقع فرس يلبغا على صدره فانقطع نخاعه ومات لوقته، وقرّر في إقطاعه قطلوبغا الكركي (٣). [قطع مرتّبات بدمشق] وفيه قطعت مرتّبات أهل الراتب بدمشق ليتوفّر ذاك لمهمّ سفر السلطان إلى الحجاز (٤). [تصميم السلطان على الحجّ] وفيه كلّم العلائي السلطان في إبطال سفره إلى الحجاز، فما أجاب إلى ذلك ولا ارعوى (٥).

стр. 121

[نفي الطواشية] وفيه نفي جماعة من كبار الطواشية الخدّام، منهم كافور الهندي بعد أن شفعت فيه الخوند طغاي، فلم يصادر، وأخرج إلى القدس (١). [ربيع الآخر] [وفاة ابن الزين خضر] [٥١]- وفيه، ربيع الآخر، مات التاج محمد بن الزين (٢) خضر بن محمد بن عبد الرحمن بن سليمان بن أحمد علي المصري، المالكيّ، كاتب سرّ دمشق. وكان مشكورا، محبّا في قضاء حوائج الناس. [كتابة سرّ دمشق] وقرّر في كتابة سرّ دمشق بعده ناصر الدين محمد بن أبي المعالي (٣). [فساد العربان] وفيه اشتدّ فساد العربان بالوجه القبليّ، وجرت أمور قتل فيها جماعة من النساء والرجال. وكان عدّة من قتل في هذه السنة نحو الألفي إنسان، لم يلتفت إليهم ولا إلى ما حصل من الفساد (٤). [موت ولد السلطان وولادة آخر في يوم واحد] وفيه مات ولد السلطان كان ولد في الشهر الماضي من ابنة تنكز نائب الشام، وعمل لهم مهمّ حافل. فاتفق في يوم موته أن ولد له ولد ذكر من «اتفاق» حظيّته، فسمّاه «شاهنشاه» وأظهر الفرح به والسرور، وقصد أن يعمل له مهمّا ويضرب البشائر، فمنعه العلائي من ذلك، فعمل فرحا مدّة سبعة أيام. وكان قد عمل لاتّفاق قريب ولادتها بشخاناه ودايربيت وغشاء مهد الولد وقماطه. وكان ما عمل في ذلك من الذهب نحوا من ستة وثمانين (٥) ألف مثقالها. وكان مهمّا حافلا. فاتّفق أنّ مات هذا الولد أيضا في يوم سابعه (٦).

стр. 122

[وفاة أخي السلطان] [٥٢]- وفيه مات يوسف بن الناصر (١) محمد بن قلاون أخو السلطان، واتّهم بأنه هو الذي قتله، وتنكّر عليه أمراؤه، فأعاد هو أيضا حركة (سفر) (٢) الحجاز. وكان ذلك سببا مفضيا إلى قتله. [خلاف السلطان مع أمرائه] وكان قد بعث يلبغا اليحياوي نائب الشام يسأل السلطان في أن يترك حركة سفر الحجاز لأمور يبديها له، منها: اشتداد الغلاء على الناس، إلى غير ذلك من أشياء. وقام أمراء مصر في ذلك حتى ترك، فلم يعجب ذلك نساء السلطان. ولا / ١٣ ب / زالوا به حتى أعاد قصده. وكتب إلى الشام أنه لا بدّ من سفره، فأعادوا الطلب على الناس بسبب تجهيز الإقامات وغير ذلك ممّا يحتاج إليه السلطان. فلما رأى الأمراء ذلك سألا (٣) العلائي والحجازي في أن يكلّما السلطان عساه يثني عزمه عن ذلك، فلما كلّماه حنق حنقا زائدا واشتدّ غضبه، وأطلق لسانه، فما زالا به حتى سكن غضبه. ثم أمر الأمراء كلهم بالتأهّب للسفر، فاشتدّ الأمر على الناس. وبلغ (ذلك) (٤) يلبغا نائب الشام، فتنكّر على السلطان. وبلغ السلطان ذلك، فكثرت الإشاعة بأنّ السلطان قصد القبض على يلبغا، وكان اشتدّ أمره. وفيه لما بلغ يلبغا اليحياوي هذه الماجريات والإشاعات أخذ في الاحتراز على نفسه، وجمع أمراء دمشق وحلّفهم لنفسه على القيام معه (٥). [جماد الأول] [خروج أمراء الشام عن طاعة السلطان] وفي جماد الأول أعلن يلبغا بدمشق بالخروج عن طاعة السلطان (شعبان) (٦). وركب مبرّزا إلى ظاهر دمشق، وأنشأ هناك قبّة مشهورة بقبّة يلبغا وهي معروفة في محلّها. ولما نزل هناك حضر إليه جماعة من نواب البلاد الشامية كنائب حمص، وحماه، وطرابلس، وصفد، وكتبوا بخلع الكامل. وكتب نائب الشام إلى السلطان يقول له: «إنّني

стр. 123

من جملة الأوصياء عليك، وإنّ ممّا قاله الشهيد، يعني الملك الناصر محمد لي وللأمراء في وصيّته إذا أقمتم أحدا من أولادي ولم ترضوا سيرته خذوا برجله وأخرجوه وأقيموا غيره. وأنت أفسدت المملكة، وأفقرت الناس من الأمراء والأجناد، وقتلت أخاك، وقبضت على أكابر أمراء السلطان الشهيد، واستقلت عن الملك بلهوك بالنساء وشرب الخمر، وصرت تبيع أخباز الأجناد إلى غير ذلك من أشياء عدّدها في مكاتبته. فلما وردت عليه وقرأها تغيّر مزاجه تغيّرا كبيرا، وأوقف عليها العلائيّ زوج أمّه فقط. فقال: «والله كنت أخشى هذا». وكتب الجواب إلى نائب الشام يتلطّف له بالقول، وأخرج إليه منجك على البريد ليردّه عمّا عزم عليه من قصده، ويكشف له عن أحوال الأمراء. ثم كتب إلى الأعمال بإبطال حركة الحجّ. وكثرت الإشاعات بالقاهرة بخروج نائب الشام، حتى بلغ الأمراء والمماليك، فأشار العلائي على السلطان بإعلام الأمراء بالحال، فطلبوا / ١٤ أ / إلى القلعة، وأخذ رأيهم. فوقع الاتفاق على خروج العسكر إلى الشام مع أرقطاي، فعيّن السلطان تجريدة فيها عدّة من الأمراء وهم ستة من المقدّمين ألوف، ومن الطبلخانات أربعين (١) أميرا، ومن العشرات عشرين (٢)، ومن مقدّمي الحلقة أربعين (٣). وحملت إليهم النفقات، وساروا وهم في الحقيقة مع نائب الشام. وقبض نائب الشام على منجك وسجنه بدمشق، وجرت أمور مطوّلة. وبعث السلطان أخويه حسين وأمير حاج فتمنّعا (٤). وبلغ العلائي والحجازي ما أوجب تنكّرهما على السلطان، وكذا المماليك. وفسد حال السلطنة. واتفق الجيش بأجمعهم مع نائب الشام، وكاتبه غالبهم. ثم ألحّ السلطان في إحضار إخوته حسين وحاجّي إليه، فأحضرا، ووكّل بهما، وقام العزاء بدورهما، وهمّ الجند بالركوب للحرب، وكثرت الإشاعات والأراجيف (٥).

стр. 124

(السلطان الملك المظفّر زين الدين حاجي بن الناصر محمد بن قلاون الصالحي الألفي) (١) جماد الآخر [بيعة حاجّي بالسلطنة] في يوم الإثنين مستهلّه كانت مبايعة حاجّي بن محمد بن قلاون بالسلطنة بعد التورية بأخيه الكامل شعبان وقيام الأمراء عليه، وركوبهم بأطلابهم، ثم ركوبه هو ونزوله إليهم لقبّة النصر وغلبتهم إياه والقبض عليه وقتله، بعد أشياء، وجرح في خدّه، ودخلها ليقتل إخوته حسينا وشعبان فما تمكّن منهما، وسجن في مكان كانا به. وعقدت السلطنة لحاجّي بعد أن حضر الأمراء والخليفة والقضاة، وكان ذلك بباب الستارة بعد أن خلع شعبان نفسه من الملك، وأشهد عليه بذلك، فأفيض (٢) بشعار السلطنة على حاجّي هذا، ولقّب بالملك المظفّر، وأركب بأبّهة السلطنة، والكلّ مشاة بين يديه حتى أجلس على سرير الملك، وقام الكل بين يديه، ونودي بسلطنته، وحلف الأمراء وحلفوا له. وقبض على العلائي، وجوهر السحرتي الّلالا، وقطلوبغا الكركي، وجماعة أخر. وكتبت المراسيم إلى النواحي بالبشائر (٣). [قتل الكامل شعبان] [٥٣]- وفيه بعد يومين من سلطنة حاجّي هذا قتل شعبان (٤) الكامل في ثالثه، ودفن عند أخيه.

стр. 125

وكانت مدّة سلطنته سنة وثمانية وخمسين [يوما]، وما أكثر فيها بالتظاهر بالمنكرات، وشغف باللهو حتى خرج عن الحدّ. وبيعت في أيامه الإقطاعات والولايات / ١٤ ب / وتمكّنت النساء والطواشية من التصرّف في المملكة. وحدث في أيامه أخذ خراج رزق الناس، وزيادة القانون، وبعض الأجاير (١)، وأعاد ضمان أرباب الملاعب. وكان مع ذلك كلّه مهابا له سطوة وسياسة، ويتفقّد أحوال مملكته ولا يشغله أمره عن الجلوس للخدمة. وكان حازما، ذا رأي واحتياط، ومحبّة لجمع المال، ومع ذلك فلم يوجد له من المال سوى ثمانين ألف دينار وخمسماية ألف درهم. [مصادرة أصحاب الكامل] وفيه قبض على جماعة من الخدّام أضيفوا إلى قطلوبغا الدمشقي للمصادرة، وعوقبوا لذلك، وألزموا بأموال طائلة. وأمر بأمّ الكامل وزوجاته، فأنزلن من القلعة إلى القاهرة (٢). [الاحتياط على أموال اتفاق المغنيّة] وفيه أحيط بموجود «اتفاق» الزنجيّة زوجة السلطان. وكانت أمة سوداء حالكة السواد. أصلها المغنيّة، كانت ضامنة المغاني اشترتها بدون الأربعماية درهم من ضامنة المغاني لبيت السلطان، واشتهرت حتى شغف بها الصالح إسماعيل على ما تقدّم، وتزوّج بها، ثم لما تسلطن شعبان هذا كان في نفسه منها من أيام أخيه، فباتت عنده من ليلته، ونالت حظوة وسعادة لم تتّفق لمثلها قبلها، ولا عرف ذلك في زمنها لا رآه غيرها، حتى عمل لها أشياء، منها داير بيت نحو الماية ألف دينار، وقس على هذا مالها من غير ذلك، وهو شيء يكاد يكذّب قائله (٣). [إعادة الأملاك المصادرة] وفيه أمر السلطان بإعادة الأملاك التي استولى عليها حريم الكامل لأربابها. وكانت عدّة أملاك ما بين ديار ومعاصر، وغير ذلك. فاستعادها أهلها من «اتفاق» وغيرها (٤).

стр. 126

[رفع الظلامات] وفيه نودي من قبل السلطان بأن يرفع الظلامات كلها، ومنع أرباب الملاعيب جميعهم (١). [العثور على صندوق من مخلّفات الكامل] وفيه ظفر للكامل بصندوق، وكان مفتاحه تحت إنسان يقال له علي الدوادار من خواصّ الكامل، ووجد به براني (٢) فضّة، وأحقاق ضمنها سموم قاتلة كان ركّبها بعض من لا يخاف الله من الجرائحيّة وغيرهم للسلطان. وعوقب علي الدوادار حتى اعترف بمن عملها وركّبها، وأحرقت جميعها (٣). [نظارة الخاص] وفيه قرّر العلم زنبور في نظارة الخاصّ بعد قبض الفخري السعيد وإلزامه بمال حمله (٤). [طاعة نائب الشام للسلطان الجديد] وفيه وصل كتاب نائب الشام بعوده إلى الطاعة لما بلغه زوال الكامل وسروره بما حصل من ولاية المظفّر حاجّي وعوده إلى دمشق، وتحليف الأمراء للسلطان على العادة، / ١٥ أ / وهنّأ فيه السلطان. وشكى (٥) من جماعة من الأمراء، ومنهم نائب حلب طقتمر الأحمدي، فصرف عن ذلك، وأمر بحضوره إلى القاهرة، وقرّر عوضه في نيابة حلب بيدمر البدري. وقرّر عوضه في نيابة طرابلس أسندمر العمري نائب حماه. وصرف نائب غزّة، وقرّر عوضه مسعود بن خضر. وقبض بالشام على عدّة من الأمراء الذين شكاهم يلبغا (٦). [تأمير أمراء] وفيه أمّر نحوا من عشرين أميرا، وكان لهم يوما مشهودا (٧) عند نزولهم إلى قبة النصر وبالبيمارستان على العادة في ذلك (٨).

стр. 127

[وفاة الحاج آل ملك] [٥٤]- وفيه أحضرت رمّة النائب الحاج آل ملك (١) الجوكندار. وكان قتل بالإسكندرية في أيام الكامل هو وقماري نائب طرابلس. وكان آل ملك إنسانا حسنا، خيّرا، ديّنا، ترقّى في الخدم حتى ولي نيابة السلطنة، ثم نيابة الشام، وما تمّ له أمر، فتوجّه على نيابة صفد. [وفاة قماري نائب طرابلس] [٥٥]- وأمّا قماري (٢) فكان أيضا لا بأس به، وولي الأستداريّة، ونيابة طرابلس. [وفاة ابن فلاح اليمني] [٥٦]- وفيه مات بمكة المشرّفة (عفيف الدين) (٣) عبد الله بن أسعد بن علي (٤) بن سليمان بن فلاح (٥) اليمني، المكي، الشافعيّ.

стр. 128

وكان عالما، فاضلا، من عباد الله الصالحين السالكين. وصنّف، وألّف عدّة تصانيف. وكان له نظم. وسمع على جماعة، منهم: الرضى الطبري. وتجرّد بأخرة. وكان بعيد الصيت، كثير الزهد. ومولده سنة سبع وتسعين وستماية. [رجب] [وفاة ملك إفريقية] [٥٧]- وفي رجب مات ملك إفريقية صاحب تونس الغرب، السلطان أبو بكر بن يحيى (١) بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن أبي حفص عمر الهنتانيّ، التبريزي، الموحّدي. وكان مشكورا، ملك تونس نحوا من ثلاثين سنة. وولي بعده ولده أبو حفص عمر. [نيابة السلطنة] وفيه استقرّ في نيابة السلطنة أرقطاي. وكانت النيابة شاغرة مدّة، وخلع عليه بها على كره منه (٢). [إنخفاض الأسعار] وفيه انحطّ السعر في الغلال بعد أن كان قد ارتفع في الأيام الكاملية، فتباشرت الناس بالسلطان وتيامنوا به. لكن كثر تعنّت العامّة في الفلوس حتى عملت المصلحة فيها (٣). [تقدمة أرغون الكاملي] وفيه أخرجت تقدمة أرغون الكاملي وأمير طبلخاناة يأكلها وهو لازم بيته (٤). [شعبان] [وفاة أصلم المنصوري] وفي شعبان مات البهائي أصلم (٥) المنصوريّ، القبجاقي، السلاح دار، وترقّى في الخدم حتى ولي نيابة صفد. ثمّ تقدّم بمصر.

стр. 129

وكان رأسا في الرمي بالنّشّاب. ومن آثاره: الجامع برحبة الغنم، والتّربة، والحوض. / ١٥ ب / وقرّر في إمرة أصلم: طغيتمر النجميّ، الدوادار. [إمارة آل فضل] وفيه قدم سيف بن فضل فأكرمه السلطان وخلع عليه، ووعده بإمرة آل فضل (١). [نيابة الكرك] وفيه استقرّ في نيابة الكرك تمربغا العقيليّ، عوضا عن قبلاي، باستعفائه (٢). [مشنقة باب زويلة] وفيه أزيلت المشنقة التي أحدثت بباب زويلة في ولاية غرلوا، وأمر بشنق أو توسيط من يراه قتله بكيمان البرقيّة (٣). [وفاة ابن نمير] [٥٨]- وفيه مات الكاتب، المقرىء الشمس ابن (٤) السّراج محمّد بن محمّد بن نمير (٥). [رمضان] [مرض السلطان] وفي رمضان مرض السلطان وانقطع عدّة أيام. [نيابة صفد] وفيه أخرج أرغون شاه الأستادار إلى نيابة صفد على البريد، بعد أن عزم السلطان على القبض عليه، وكان قد أكثر من التجسّر في السلطان والتحكّم عليه، وأخذ في التكبّر

стр. 130

والتعاظم ومعارضة السلطان في كثير من أغراضه، وفحشه في مخاطبته ومخاطبة الأمراء، حتى ثقل على الناس، وكرهته النفوس. ولما عزم السلطان على القبض عليه لما بلغه أنه في عزم المخامرة، وأنه قد اتفق مع عدّة من المماليك على ذلك، قام النائب في ذلك، وتلطّف بالسلطان حتى أخرجه على البريد لنيابة صفد، خشية من فتنة يثيرها. مع أنّ أرغون شاه هذا كان أكبر القائمين لسلطنة المظفّر هذا، لكنه ما عرف يسير مع الناس (١). [قدوم ابن مهنّا القاهرة] وفيه قدم أحمد بن مهنّا القاهرة ليلي إمرة العرب، فأقبل السلطان عليه (٢). [نظر الشام] وفيه استقرّ في نظر الشام التقيّ أحمد بن سليمان بن بكر بن هلال، عوضا عن ابن الجكالي (٣). وكان قدم القاهرة في الأيام الكاملية وأخذ يسعى (٤). [شوال] [عقد السلطان] وفيه، شوّال، كان عقد السلطان على ابنة تنكز نائب الشام زوجة أخيه (٥). [الإنعام على مملوك] وفيه أنعم السلطان على طنيرق أحد مماليك أخيه يوسف بتقدمة ألف دفعة واحدة، من الجندية. وكان طنيرق هذا بارع الحسن والجمال، فكثر كلام المماليك بسبب ذلك: وزاد القال والقيل (٦). [زواج السلطان باتفاق] وفيه طلب السلطان «اتفاق» الزنجية إلى القلعة، فصعدت إليها بجواريها مع الخدّام، وعقد السلطان عليها سرا، وبنى عليها من ليلته بعدما جليت عليه، وفرش تحت رجليها ستّون شقّة من أطلس، ونثر عليها الذهب. ثم ضربت بعودها وغنّت، فأخذت

стр. 131

قلب السلطان، وأنعم عليها / ١٦ أ / بأربعة أحجار مثمّنة من اليواقيت، وبستّ لؤلؤات قيمتها أربعمائة ألف درهم. ثم بعد ذلك طلب عبد علي العوّاد معلّم «اتفاق» وأنعم عليه بإقطاع (في) (١) الحلقة، زيادة على ما بيده، وأعطاه مايتي دينار، وخلع عليه كامليّة (بفرو) (٢) سمّور. وأعاد إلى «اتفاق» ما كان أخرج عنها هي وخدّامها وجواريها. وشغف باتفاق، وشغل بها عن غيرها، وانهمك في اللهو، وبلغ ذلك الأمراء وشقّ عليهم، وأكثروا من الكلام، وكذا المماليك، حتى فشا الحال. وبلغ ذلك السلطان، فعزم على أن يقبض على جماعة حتى تلطّف به أرقطاي النائب ورجّعه (٣). [نيابة حماه] وقرّر في نيابة حماه قطليجا الحموي عوضا عن طيبغا المجدي. وكتب بإحضار المجدي إلى مصر (٤). [نيابة غزّة] وقرّر في نيابة غزّة أيتمش عبد الغني، وأخرجا من وقتهما على البريد (٥). [زيادة إقطاع الجند] وفيه عرض السلطان الجند فزاد في إقطاعاتهم وأكرمهم، وقدّم منهم جماعة. ثم قصد عرض جند الحلقة، فتلطّف به النائب حتى رجع عن ذلك (٦). [الغلاء بالشام] وفيه وصل الخبر بغلاء الأسعار بالبلاد الشامية، سيما بدمشق (٧). [توقّف أحوال الدولة] وفيه توقّفت أحوال الدولة من كثرة مرتّبات الخدّام والقهرمانات والعبيد والغلمان، فإنها زادت عمّا كانت في أيام الكامل (٨).

стр. 132

[ذو القعدة] [عرس السلطان] وفيه ذي قعدة كان عرس السلطان على بنت تنكز، وعمل المهمّ سبعة أيام، وكان حافلا صرف فيه المال الهائل، وزاد السلطان في جهازها ستين ألف دينار (١). [إمرة العرب] وفيه قرّر سيف بن فضل في إمرة العرب، وزيد له في إقطاع أحمد بن مهنّا ثلاثماية ألف درهم في السنة. وكان أحمد قد عاد لبلاده من القاهرة بغير طائل (٢). [ذو الحجة] [وفاة طقتمر الصلاحي] [٥٩]-[في] ذي حجّة وصل طقتمر (٣) الصلاحي إلى القاهرة، فلم تطل أيامه حتى بغته الأجل فمات. وكان لا بأس به تنقّل في الخدم حتى صار من خواصّ الكامل، وأخرج على نيابة حمص بعده، ثم استقدم إلى القاهرة فما أمهله الدهر. [وفاة قرمجي] [٦٠]- وفيه مات قتيلا قرمجي (٤) بن أقطوان نائب قلعة صفد. [وصول حمل سيس] وفيه وصل حمل سيس بحكم النصف، وبعث تكفور يعتذر عن ذلك بأعذار (٥).

стр. 133

[وفاة الجعبري] [٦١]- وفيه مات الركن عمر بن إبراهيم الجعبريّ (١). ووالده الشيخ برهان الدين المشهور (٢). [فتن العربان] وفيه كانت الفتن ونفاق العربان، وحصلت أنكاد وشرور (٣) ولله الأمر.

стр. 134

/ ١٦ ب / سنة ثمان وأربعين وسبعماية [محرّم] [وليمة ملكتمر] في محرّم قام ملكتمر الحجازي على عمل وليمة حافلة بسرياقوس للسلطان والأمراء، وذبح فيها خمسماية رأس من الغنم، وعشرة من الخيل، وعمل أحواضا مملوءة بالسّكّر المذاب، وجمع المغاني وسائر أرباب الملاهي، وكان ذلك حافلا مشهودا (١). [نيابة طرابلس] [وفيه] قرّر في نيابة طرابلس منكلي بغا الفخري أمير جندار، عوضا عن أسندمر العمري، بحكم استعفائه منها (٢). [وفاة الهمذاني قاضي دمشق] [٦٢]- وفيه مات الشرف محمد بن أبي بكر بن ظافر بن عبد الوهاب الهمذاني (٣)، القاهري، الديمي (٤)، المالكي، قاضي دمشق. وكان عالما، فاضلا، بارعا، حسن السّمت والملتقى، مشكور السيرة، معظّما عند تنكز نائب الشام. ولي القضاء ومشيخة الشيوخ. [إنكار الأمراء على السلطان] وفيه اشتدّ إنكار الأمراء على السلطان بسبب حظاياه الثلاث: «اتفاق»، و «سلمى» و «الكركية»، وكان قد شغف بهنّ جدّا حتى خرج عن الحدّ في ذلك، فبلّغه قراجا

стр. 135

وصمغار وغيرهما من الخاصكية ذلك وحذّراه من عاقبته، فتلطّف بهم وصوّب ما أشاروا عليه، وأمر بإخراج النساء الثلاث بما عليهنّ من الثياب خاصّة من غير أن يحملن شيئا من الزركش والجواهر. وأن تنزع عصبة «اتفاق» عن رأسها. وكانت هذه العصبة قد اشتهرت عند الناس والأمراء، وشنعت قالتها، وأنه قام بعملها ثلاثة من الملوك: الصالح والكامل والمظفّر، وتنافسوا في جواهرها حتى ذكر أنّ قيمتها كانت زيادة على المائة ألف دينار. ولما أخرجن (من) (١) القلعة صار في نفس السلطان من ذلك حزازات، والمراد أن يتسلّى عنهنّ ويتعوّض بهنّ بما يلهو (٢) به، فاتّخذ الحمام، وأمر بإنشاء حضيرا (٣)، فأنشىء له ذلك بأعلا (٤) الدهيشة على صواري وأخشاب عالية، وصرف على ذلك مالا كثيرا، وملأ الحظير (٥) بأنواع الحمام، وتنافس في ذلك، وخرج فيه أيضا عن الحدّ حتى عدل (٦) ذلك به بأخرة. وله في ذلك حكايات ونوادر (٧). [فشل صاحب سيس في أخذ كوارى] وفيه قدم البريد بأنّ صاحب سيس جهّز نحوا من مايتي فارس إلى نحو إياس، فلما قربوا من قلعة كوارى (٨) أرادوا هجمها، فقاتلهم أهلها وكانوا نحوا / ١٧ أ / من الأربعين من المسلمين، ونصرهم الله تعالى عليهم نصرة هائلة، وقتلوا منهم خمسين وأسروا ثلاثين، فانهزم الباقي منهم. وقتل بقلعة كوارى عدّة من كبارهم، وجهّزت إلى حلب، فكتب السلطان بالأنعام والإحسان لأهل كوارى وشكرهم على ما فعلوه (٩). [ظلم نائب حلب] وفيه كثر [ترفّع] (١٠) بيدمر البدري نائب حلب واشتدّت وطأته ووطأة جماعته على الناس. ووقع منه أشياء نادرة في الظلم، منها أنه ضرب امرأة وقطع أنفها وأذنيها وشهّرها بحلب ظلما وعدوانا، فنفرت منه القلوب، وكثر الدعاء عليه. فاتّفق أن رأى بيدمر في منامه هذه المرأة وهي تقول له: اخرج عنا، ثلاث مرّات، فإنني شكوتك إلى الله تعالى فعزلك. فانتبه مرعوبا، وبعث إليها لتحالله، فأبت ذلك، فقدم [خبر عزله] (١١) بعد ثلاثة أيام من هذه الرؤيا (١٢).

стр. 136

[صفر] [ارتفاع سعر الغلال] وفي صفر ارتفع السعر في الغلال بالشام لكثرة الجراد، فإنّه حدث وانتشر من بعلبكّ إلى البلقاء، ورعى الزروع. وفيه أيضا ارتفع سعر الغلال بمصر لشدّة اختراق (١) النيل وقلّة ماؤه (٢). حتى تأخّر حمل الغلال في المراكب، ولكثرة عبث عربان الوجه القبليّ، وغيره، وسفكهم لدماء بعضهم البعض ولدماء الناس، ونهب الغلال من الأجران، مع هيف الغلّة (٣). [نيابة حلب] وفيه كتب إلى أرغون شاه نائب صفد بالقدوم إلى القاهرة ليلي حلب، فقدمها في أواخره وخلع عليه باستقراره في نيابة حلب عوضا عن بيدمر، وكتب إلى بيدمر بحضوره إلى القاهرة، ورسم لأرغون شاه بأن يستقلّ بالنيابة ولا يكون لنائب الشام عليه أمر ولا نهي، وكتب إلى نائب الشام بذلك (٤). [ربيع الأول] [سفر أرغون لنيابته] وفي ربيع الأوول سافر أرغوه شاه إلى محلّ نيابته من حلب، فلما وصل إلى دمشق نزل بقصر معين الدين حتى قدم طلبه من صفد في غاية الأبّهة والزهادة إلى حلب (٥). [نيابة صفد] وفيه قرّر إياس حاجب دمشق في نيابة صفد، واستقرّ عوضه في الحجوبية أمير علي بن طغريل (٦). [اختلال مراكز البريد بالشام] وفيه ورد الخبر باختلال مراكز البريد بطريق الشام، فعمل مصالحه، وفرّقت على الأمراء الخيول (٧).

стр. 137

[محاولة صاحب الروم التقرّب من ابن مهنّا] وفيه وصل الخبر بأنّ أرتنا صاحب الروم بعث يستدعي إليه أحمد بن مهنّا، وأرسل إليه هدية، فأبا (١) إجابته (٢). [ربيع الآخر] [مقتل آق سنقر الناصري] وفي ربيع الآخر كانت فتنة قتل الأمراء بمصر. [٦٣]- مقتل آق سنقر (٣) الناصري. وكان كريما، شجاعا، من خواصّ الناصر محمد بن قلاون، وتنقّل في عدّة / ١٧ ب / ولايات منها: الأميراخورية، ونيابة طرابلس. ثم دبّر دولة المظفّر هذا. ومن آثاره الجامع المعظّم بخطّ التبانة. [مقتل ملكتمر الحجازي] [٦٤]- ومات قتيلا معه ملكتمر (٤) الحجازي، الناصري، وكان من أخصّاء الناصر محمد بن قلاون، وأزوجه بابنته، وتنقّل في الخدم، مع سخاء نفس وعدم شرّ. [مقتل طغيتمر النجمي] [٦٥]- ومات قتيلا أيضا طغيتمر (٥) النجمي، الدوادار. وإليه تنسب الخانقاه النجمية خارج باب المحروق.

стр. 138

[فتنة السلطان] وفيه قبض على بزلار، وصمغار، وأيتمش عبد الغني (١). وكان السبب في هذه الفتنة أن السلطان لما أخرج حظاياه، وأخذ في التسلّي عنهنّ بلعب الحمام وخرج في ذلك عن الحدّ، وصار يحضر عنده الأوباش والمساخر إلى الدهيشة، ويلعب بين يديه باللبخة، ويلعب هو أيضا. ويحضر عنده إنسان يقال له الشيخ علي الكسيح، فيسخر له بين حظاياه، وينقل له أخبار الناس. وبلغ ذلك الأمراء فشقّ عليهم ذلك، فكلّموا ألجيبغا وطنيرق في ذلك، وكانا من أخصّ خواصّه وعمدة خاصّكيّته، فبلّغا السلطان ذلك، فأخذه الحنق الشديد، ثم قال لهما: «والله لأذبحنّكم كما ذبحت هذه الطيور». ثم نزل وأغلق باب الدهيشة وأقام غضبانا يومه وليلته (٢). وكان أغرلوا قد تمكّن منه فأعلمه بما وقع، فهوّن عليه الأمر، وأطمعه في الأمراء، وجسّره على الفتك بهم، والقبض على النائب. ثم أخذ في التدبير في ذلك، وقرّر مع أغرلوا أن يبعث إلى النائب ليشكو (٣) إليه من خواصّ خاصّكّيته، وهم صمغار، وبزلار، وأيتمش عبد الغني، وأنه بلغه عنهم أنهم في قصد إثارة فتنة، وأنه يريد القبض عليهم. فأشار عليه النائب بالتثبّت في أمرهم، ظنّا منه أن الأمر كما هو، فأجابه بأن ذلك قد صحّ عنده من أخبار بيبغاروس له به، وأنهم تحالفوا على قتله، فأشار النائب عليه بأن يجمع بينهم ويحاقق بيبغاروس على ذلك بحضور الأمراء. وكان السلطان اتفق مع أغرلوا وعنبر السحرتي مقدّم المماليك على القبض على آق سنقر، والحجازي، وأظهر النائب القبض على خاصّكيّته. فلما حضر الأمراء القصر ثار المماليك بالسيوف وتناولوا آق سنقر، والحجازي، ففرّ صمغار، وأيتمش عبد الغني وقد بلغهما / ١٨ أ / أنهما يقبض عليهما. ووقعت أشياء يطول الشرح في ذكرها، وقبض على أيتمش وصمغار كما ذكرناه. ثم بعث بهما مع آخرين إلى سجن الإسكندرية، وصار التدبير إلى أغرلوا، وفعل أفعالا ذميمة. كتب إلى يلبغا اليحياوي نائب الشام بما جرا (٤) بمصر، فأظهر تصويب رأي السلطان، وأخذ في نفسه بالحذر، وتوحّش خاطره، وجمع الأمراء واتفق معهم على الخروج على السلطان (٥).

стр. 139

[جماد الأول] [خروج نائب الشام عن الطاعة] وفي جماد الأول أول يوم منه انتقل يلبغا اليحياوي نائب الشام من دار السعادة إلى القصر فنزل به وجيّش جيوشه هناك، وأعلن بخروجه عن الطاعة، ونزل بالميدان (١). وكان له ما سنذكره. [استمالة السلطان المماليك] وفيه أخذ السلطان يستميل المماليك ويغدق لهم المال، وأمّر منهم جماعة، وقرّب أغرلوا، واختصّ به، وقرّره في تقدمة أيتمش عبد الغني، وتولّى أغرلوا هذا مع موجود الأمراء وسائر ما يتعلّق بهم (٢). [مقتل يلبغا نائب الشام] وفيه عيّن السلطان تجريدة للخروج إلى البلاد الشامية لقتال نوابها يلبغا وغيره، وعليها سبعة من مقدّمي الألوف وجماعة من الجند، وصعب ذلك عليهم لكونه زمن جمع المغلّ، وزادت الحركة بالقاهرة، وارتجّت لطلب آلات السفر. وكتب إلى يلبغا بحضوره إلى القاهرة قبل خروج التجريدة، وأن نيابة الشام لأرغون شاه نائب حلب. وكتب ملطّفات بالقبض على يلبغا. ووقعت أمور آلت إلى فرار يلبغا إلى جهة حماه، فتحيّل عليه نائبها وأظهر أنه معه، ثم قبض عليه. وورد الخبر على السلطان بذلك فسرّ به، وأبطل التجريدة، وكتب بحمل يلبغا إلى مصر، وأخرج منجك بتلقّيه، وقتله بقاقون. [٦٦]- وكان يلبغا (٣) هذا إنسانا حسنا، كريما جدّا، سيوسا، عاقلا، أدوبا، حشما، شجاعا، عارفا. من أخصّاء الناصر محمد بن قلاون، وكان شغف به جدّا، وعمّر الدار الهائلة التي موضعها الآن مدرسة السلطان حسن. وتنقّل في الخدم حتى ولي حلب، ودمشق، وأنشأ بها الجامع الذي يعرف به، وأكمل بعد موته. [وفاة الهنتاتي صاحب تونس] [٦٧]- وفيه مات ملك إفريقية صاحب تونس، السلطان أبو حفص عمر

стр. 140

الهنتاتي (١)، الماضي خبر ولايته، ولم يكمل في الملك سنة. [امتناع السلطان من استقبال ابن مهنّا] / ١٨ ب / وفيه قدم أحمد بن مهنّا، فلم يقبل السلطان عليه لكائنة اتفقت منه ومن سيف. [جماد الآخر] [مقتل أرغون العلائي] [٦٨]- وفي جماد الآخر قتل بالإسكندرية أرغون العلائي (٢)، الناصري، وكان إنسانا لا بأس به، وتزوّج أمّ الصالح إسماعيل وصار لالاه، وعظم في سلطنته، ثم جرى عليه ما تقدّم. وهو الذي أنشأ كتّاب السبيل على باب البيمارستان المنصوري لما تولّى نظارته. وقتل معه أيضا جماعة، منهم: [٦٩]- قرابغا (٣) القاسمي. [٧٠]- وتمر (٤) الموساوي. [٧١]- وصمغار (٥). [٧٢]- وأيتمش عبد الغني (٦). وأفرج عن أولاد قماري، وأولاد أيدغمش، وكانوا قد سجنوا مع هؤلاء فأخرجوا إلى الشام (٧). [مقدّمية منكلي الفخري] وفيه وصل منكلي الفخري من طرابلس، وقرّر في جملة مقدّمي الألوف (٨). [لعب السلطان بالكرة] وفيه صار السلطان ينزل إلى الميدان الأسود تحت القلعة فيضرب فيه الكرة في يومي الأحد والثلاثاء، ويركب إلى الميدان على النيل في يوم السبت، وزاد في لهوه

стр. 141

وتهتّكه، بل وتهتّك الناس معه. وحصل في آخر ركبة ركبها إلى الميدان من الاجتماع والازدحام والتفتيش على المواضع (١). [قتل أغرلوا] [٧٣]- وفيه كان القبض على عظيم الدولة أغرلوا، ثم قتله على يد ألجيبغا وطنيرق بعد أن أغريا به السلطان، وما هان على السلطان قتله، فإنهما قتلاه بغير مراجعة، وإنما كان أمره بإخراجه على نيابة غزّة. وعزّ قتله على السلطان، وهدّد على من قتله. وكان يوم قتله يوما مشهودا بالقلعة والقاهرة، واجتمع فيه من العامّة ما شاء الله تعالى مجتمع، وكان أمرا مهولا في الاجتماع، وأنزل أغرلوا (بباب القرافة) (٢). ويقال: إنه أصبح وقد خرجت يده من قبره، فأتاه الناس أفواجا ليروه، وأرادوا أن ينبشوا عليه ويحرقوه، وصار لهم ضجيج كثير، حتى بعث السلطان من الأوجاقيّة من قبض على كثير من العامّة وضربوا، وأخذ أغرلوا منهم ودفن. وكان ظالما، سيّء السيرة، وهو أول من أحدث ديوان البدل وأخذ المال (٣). [نيابة طرابلس] وفيه استقرّ في نيابة طرابلس مسعود بن خطير (٤). [نيابة حلب] وقرّر في نيابة حلب فخر الدين إياس حاجب دمشق عوضا عن أرغون شاه الذي ولي دمشق (٥). [خروج السلطان وعوده] وفيه خرج السلطان إلى سرياقوس فأقام أياما ثم عاد (٦).

стр. 142

[مقتل بيدمر البدري] [٧٤]- وفيه قتل بيدمر (١) البدري، الناصري، وكان لا بأس به. / ١٩ أ / ولي نيابة حلب وغيرها. وهو صاحب المدرسة الأيدمرية قريب المشهد الحسيني بالقاهرة. [مقتل ابن شروين] [٧٥]- وقتل فيه أيضا وزير بغداد (٢) النجم محمود بن علي بن شروين (٣). وكان مشكور السيرة، معروفا بالإفضال على غيره (٤). وله خانقاه بجوار تربة كافور البدري بالقرافة. [رجب] [إخراج إقطاعات وتأمير] وفي رجب أخرج لاجين أمير أخور إلى دمشق على إقطاع. وأخرج منجك السلاح دار إليها أيضا حاجبا، عوضا عن أمير علي بن طغريل. واستقدم ابن (٥) طغريل إلى القاهرة، وتأمّر فيه زيادة على العشرة من المماليك ما بين طبلخانات وعشرات (٦). [محاولة قطع رواتب] وفيه أمر السلطان بقطع ما استجدّ من الرواتب بعد الناصر محمد بن قلاون (٧)، فما زال به النائب حتى رجّعه عن ذلك وعرّفه عاقبة أمر عاقبة دعاء الناس.

стр. 143

[وفاة التقيّ ابن هلال] [٧٦]- وفيه مات التقيّ أحمد بن سليمان بن محمد بن هلال (١) الدمشقي بها. وكان من الرؤساء بدمشق، وولي وكالة بيت المال والحسبة، وغير ذلك. [توزيع دراهم] وفيه وزّع على مباشري الجهات ستمائة ألف درهم، وقرّر في كل معاملة شاهد وكاتب (٢). [الإنعام على بيبغاروس] وفيه قدم بيبغاروس من سرحة العبّاسة، فأنعم عليه السلطان بأربعة من الخيل والسروج الذهب، وبألفي دينار، وماية قطعة من القماش (٣). [شعبان] [إعادة السلطان للحمام] وفي شعبان خرج الأمراء إلى الصيد. ثم خرج النائب هو والسلطان، فخلا الجوّ للسلطان، وأعاد حضير (٤) الحمام، وأحضر أرباب الملاعيب وتناطح الكباش، ومناقرة الديوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودي بإطلاق اللعب بذلك بمصر والقاهرة. وصار للسلطان اجتماعات بكثير من الأطراف والأوباش وسفلة العوامّ من الفرّاشين، والبابيّة، ومطيّري الحمام، وصار لا يفيق ليله ولا نهاره ممّا هو فيه، وشغف بكيدا (٥). ووقع منه أشياء يطول الشرح في ذكرها. [ارتفاع سعر الغلال] وفيه ارتفعت الأسعار في الغلال وغيرها (٦). [تدبير السلطان لقتل أخيه] وفيه أخذ السلطان في التدبير على أخيه حسين ليقتله خوفا منه على أن

стр. 144

يسلطنوه، وعرف هو ذلك فأخذ في الاحتراز على نفسه فلم يقدر عليه (١). [وفاة طرنطاي الجمقدار] [٧٧]- وفيه مات طرنطاي (٢) الجمقدار (٣)، الناصري، على تقدمة ألف بدمشق وكان يتنقّل في عدّة وظائف من ذلك حجوبية دمشق، وحجوبية مصر، ونيابة حمص، وغير ذلك. [كثرة الفتن والفساد] وفيه كثرت الفتن، وفسد الناس بالقاهرة، وقوي الفساد وقطع الطرقات / ١٩ ب / بأرض مصر، والقدس، ونابلس. وكثر الفقراء أهل السوق. وقدموا من النواحي بسبب الغلاء حتى ضاقت بهم القاهرة، فكانوا كذلك مدّة سنة (٤). [عودة الأمراء من الصيد] وفيه وصل الأمراء والنائب من الصيد، وتتابع دخولهم القاهرة وقد بلغهم ما وقع من السلطان وما هو فيه (٥). [وصول تركة نائب الشام] وفيه وصل مال يلبغا اليحياوي نائب الشام وكان شيئا كثيرا، ففرّق السلطان غالبه وما فيه من اللآلي والجواهر على الأوباش والسفلة من عشرين ألف دينار على حظيّته «كيدا»، ومن الجواهر واللآلي، وصار يرمي ذلك على الجواري والخدم وهم يتخاطفوه (٦) وهو يضحك، وأتلف شيئا كثيرا (٧). [تنكيد الأمراء على السلطان] وفيه تنكّد الأمراء على السلطان لا سيما لما وقع ما فعله في مال يلبغا، وأخذ

стр. 145

ألجيبغا وطنيرق يعرّفانه ما ينكره عليه الأمراء من أفعاله مثل اللعب بالحمام والاجتماع بالأوباش والسفلة، وخوّفاه فساد الأمر والعاقبة، فحنق منهما وغضب، وأمر بخراب الحظير الحمام بعد ذبحها، وقوله لألجيبغا وطنيرق: «والله لأذبحنّكم كلّكم كما ذبحت هذا الحمام». ووقع منه أشياء كانت سببا لنفرة ألجيبغا وطنيرق عنه واتفاقهما عليه مع الأمراء (١). وكان ما سنذكره. [رمضان] [زلزلة القاهرة] وفي رمضان زلزلت القاهرة في ساعة واحدة مرتين (٢). [قتل المظفّر حاجّي] [٧٨]- وفيه في يوم الإثنين ثالث عشره كان قتل المظفّر حاجّي، وكان قد دبّر قتل بيبغاروس، وبعث إليه بالحضور من الصيد، وبعث إليه من عرّفه بما أضمره السلطان له. وقام ألجيبغا (٣) واتفق مع الأمراء وعرّف بيبغاروس بأنه لا بدّ من إقامة سلطان غير المظفّر هذا. ثم أعلنوا بالركوب عليه قبل بلوغ ما نواه. واجتمعوا بقبّة النصر. وكان أوّلهم ركوبا ألجيبغا، ثم الأمراء، ثم النائب. وحضر إليهم بيبغاروس. وبلغ السلطان ذلك، فضرب الدبادب حربيا، وجمع من عنده، فاجتمع إليهم طنيرق وشيخوا، وأرغون الكاملي، وطاز، وعدّة نحوهم من الخاصكية. وحضر إليه عدّة من الأمراء والعسكر. وركب بعد أن بعث يستخبرهم بآرائهم، فقالوا: سلطنة غيره. فأجابهم بأنه ما يموت إلاّ على ظهر فرسه. ولما خرج إليهم تسحّب من كان عنده من الخاصكية إلى الأمراء، وآخرهم تسحّبا طنيرق. وبقي السلطان في شرذمة قليلة. / ٢٠ أ / وبرز إليه بيبغاروس وألجيبغا (٤)، فولّى فرسه منهزما، فأدركوه. وتقدّم إليه بيبغاروس وضربه بطبر معه، فأخذ الضربة في ترسه وحمل عليه بالرمح، وتكاثروا عليه حتى قلعوه من سرجه بعد أن أرداه بيبغا، وضربه طنيرق في وجهه وأصابعه، وساروا به من وقته على فرس إلى تربة آق سنقر الرومي من تحت الجبل وذبحوه في الحال وهو يقول: «بالله لا تستعجلوا على قتلي، وخلّوني ساعة».
следующие страницы →