← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سنة أربع وأربعين وسبعماية (أيام السلطان الملك الصالح ابن الناصر محمد بن المنصور قلاون بعد خلع أخيه الناصر أحمد) (١) [محرّم] [الفتنة بين الأجناد المصريين وأشراف مكة] في محرّم منها، في أول يوم منه، قدم مبشّر الحاجّ من مكة المشرّفة وأخبر بما كان بها من المشاقّ، وتنافر الأجناد من المصريين مع أشراف مكة، وما جرى بينهم من فتنة ومقتلة. ومات به جماعة من الجند والعامّة. وقتل ألدمر (٢)، ونهب شيء كثير (٣). [نيابة آل ملك] وفيه قبض عل آق سنقر النائب، ومعه آخرين (٤)، وقرّر في نيابة السلطنة الحاج آل ملك، وحسنت سيرته في النيابة، ووقع أشياء حسنة، منها: إخراج الأسرى من الأرمن والروم من خزانة اليهود. وكانت كالمحلّة، والحارة لهم، توالدوا بها وتناسلوا، وكان الخمر بها ظاهرا، إلى غير ذلك من المنكرات، فأبطلها آل ملك، وقام في ذلك أفضل قيام / ٣ أ / حتى هدمها. وكان لها يوما مشهودا (٥). واحتكرها الناس، وبنوا على أرضها. وهي الآن مكان المدرسة السابقية وما بأحوازها. وفيه أبطلت المقامرين (٦) وما عليهم من المكوس بأمر النائب آل ملك (٧).

стр. 72

[عزل ابن فضل الله من كتابة السرّ بدمشق] وفيه قدم من دمشق الشهاب بن (١) فضل الله كاتب سرّها مطلوبا لكثرة شكوى المتظلّمين (٢) فيه، فقام أخوه العلاء بن فضل الله في أمره حتى أعيد إلى دمشق مصروفا عن كتابة السرّ، ورتّب له بدمشق ما يكفيه، ولم يصادر (٣). [تأمير شيخو العمري] وفيه أمّر عدّة من المماليك السلطانية، منهم شيخو العمري الذي شهر فيما بعد، وهذا أول تنويه وقع له (٤). [الخوف من المنسر] وفيه تخوّف الناس وكثر رعبهم من منسر العقد (٥)، وصار يكبس على ديار الناس، وفعلوا أفعالا غريبة حتى أعيا الوالي والناس أمرهم، ثم أخذ بعضا منهم سمّروا وشهّروا. [إعفاء زرع من المغارم] وفيه قدم إلى القاهرة الشيخ أحمد الزرعيّ، فأكرمه السلطان وأعفى بلده زرع من المغارم والسخر لأجله (٦). [وفاة المستولي ابن علوي] [١]- وفيه مات الشهاب المشتولي (٧) أحمد بن علي بن أيوب بن علوي، المحدّث، وقد جاوز الثمانين. وكان خيّرا، ديّنا، ورعا، سمع الأبرقوهيّ (٨).

стр. 73

[التقليد لصاحب الهند بالولاية] وفيه كتب تقليد لصاحب الهند من الخليفة بالولاية. وكان قاصد الهند قدم القاهرة ومعه جماعة بمكاتبات من ملك الهند للخليفة والسلطان وهدايا، وطلب في مكاتبته أن يبعث إليهم من يعلّمهم شرائع الإسلام، فبعث إليهم بالشيخ ركن الدين الملطيّ شيخ الخانقاه السرياقوسيّة (١). [موت النائب آق سنقر السلاري] [٢]- وفيه مات بالإسكندرية قتيلا بسجنها نائب السلطنة آق سنقر السلاري (٢). وكان تنقّل في الخدم، وولي نيابة صفد، وغيره، ثم نيابة السلطنة. [وفاة ابن كشتغدي] [٣]- ومات المسند شهاب الدين أحمد بن كشتغدي (٣). [وفاة ابن أبي الفرج الحلبي] [٤]- والشهاب أحمد [بن] (٤) أبي الفرج (٥) الحلبي.

стр. 74

سمع النجيب (١)، والأبرقوهي (٢)، وابن علاّن (٣)، وغيرهما (٤). ومولده سنة خمسين وستمائة (٥). [وفاة نائب حلب ألطنبغا] [٥]- وفيه مات نائب حلب / ٣ ب / ألطنبغا المارديني (٦)، الساقي. وكان من الأعيان. وهو الذي أنشأ الجامع المعروف به خارج باب زويلة. [خروج تجريدة] وفيه خرجت تجريدة، عليها جنكلي بن البابا، وآق سنقر الناصري، وأبو بكر بن أرغون النائب (٧). وفي صفر [نيابة حلب وحماه وصفد] عقد مشور عند السلطان في أمر نيابة حلب، فأشار أرغون العلائي بأن يتولاّ (٨) يلبغا اليحياوي، فعيّن بها. وعيّن بحماه طقتمر الأحمدي نائب صفد، وقرّر في نيابة صفد عوضه بلك (٩) الجمدار (١٠). [التجريدة لحصار الكرك] وفيه خرجت تجريدة كبيرة إلى الكرك، وجهّز البدل.

стр. 75

وفي ربيع الأول خرجت الآلات لأجل حصار الكرك، وكانت شيئا كثيرا. وخرج من عيّنه من الأمراء. وهي رابع تجاريد الكرك (١). [وفاة ألطنبغا الجاولي] [٦]- وفيه مات ألطنبغا العلمي (٢)، الجاولي، الأديب، الشاعر، الفقيه، الشافعي. وكان عالما، فاضلا، له النظم (٣) الحسن، والمعرفة بالفقه. وكان دوادارا لسنجر الجاولي نائب غزّة. وتنقّلت به الأحوال بعده حتى بغته الأجل بدمشق. [التشديد بمنع الخمر] وفيه شدّد النائب في أمر الخمر والنواتج (٤)، وأبطل ذلك جميعه، ومنع من عصير العنب خمرا، وكان يجبى من ذلك مال كثير، وأعاده السلطان بعد آل ملك (٥). [وفاة الشيخ عبد الكريم] [٧]- وفيه مات الشيخ الصالح، المعتقد، عبد الكريم (٦)، ودفن بالقرافة. [وفاة كاتب سرّ دمشق ومصر] [٨]- ومات كاتب (٧) سرّ دمشق، بل ومصر (٨).

стр. 76

[وفاة ابن المرحّل] [٩]- وفيه مات الشهاب [ابن] (١) المرحّل عبد اللطيف (٢) بن عبد العزيز بن يوسف بن عمر بن نعمة الحرّاني (٣). وكان عالما، فاضلا، بارعا، علاّمة عصره، ماهرا في النحو، ماهرا (٤) بالفنون. وسمع على الشهاب المحلّي (٥). ومولده بعد الثمانين وستمائة. وفي ربيع الآخر [دخول العسكر الكرك] وصل الخبر من جنكلي بن البابا بأنه وصل إلى الكرك، وزحف بعساكره عليها، وقاتلوا قتالا شديدا، قتل فيه جماعة، وانكسر أهل الكرك. فسرّ السلطان بذلك (٦). [الرسول من ابن دمرداش] وفيه قدم رسول [حسن] (٧) بن دمرداش بن جوبان بهدية ومكاتبة يسأل فيها إرسال رمّة أبيه، فاعتذر إليه بأنه لا يعرف له قبر حتى يبعثه (٨).

стр. 77

وفي جمادى الأول [التجريدة إلى الكرك] خرجت تجريدة خامسة إلى جهة الكرك، عليها آقتمر (١) الصلاحي، وتمر الموسوي (٢). [وفاة الشيخ ابن عبد القادر] [١٠]- وفيه مات الإمام، الشمس محمد بن عبد القادر (٣). / ٤ أ / وله زيادة على ستّ وأربعين أو نحوها. وكان عالما، فاضلا، علاّمة. [خروج العساكر إلى سيس] وفيه خرجت العساكر الشامية ومعهم تركمان الطاعة إلى جهة سيس، لمنعهم الخراج. وكان قتالا هائلا، أذعن فيه أهل سيس لإعطاء الخراج (٤). [وفاة ابن قدامة الحنبلي] [١١]- وفيه مات الشمس محمد بن قدامة: محمد بن أحمد بن [عبد الهادي] (٥) بن قدامة (٦) الحنبلي، عن تسع وثلاثين سنة.

стр. 78

وكان فاضلا، علاّمة، إماما، بارعا، كاملا. وفي جماد الآخر [قتل المقصّباتي] [١٢]- قتل إبراهيم بن يوسف المقصّباتي (١). وكان نسب إلى الزندقة أو نحوها، وشهد عليه بالوقوع في حقّ السيّد جبريل ﵇، وبقذف السيّدة عائشة، ويشتم الصحابة، ﵃ أجمعين. [شدّة الحصار على الكرك] وفيه اشتدّ الحصار على الكرك وعلى من فيها، وضاق الأمر على الناصر أحمد. [الصلاة أمام الحوانيت] وفيه نودي من قبل السلطان للعامّة من أهل الأسواق كلّها بأنهم إذا أذّن المؤذّن للصلاة يصلّون أمام حوانيتهم بإمام يصلّي بهم، فعملوا حصرا وأنخاخا (٢) لتفرش في الأسواق في أوقات الصلوات (٣). [وفاة آقبغا الأستادار] [١٣]- وفيه مات آقبغا عبد الواحد (٤) الأستادار مسجونا بالإسكندرية. وكان غير مشكور السيرة. وهو الذي أنشأ المدرسة الأقبغاوية بجوار الجامع الأزهر. [التجريدة إلى الكرك] وفيه عينت تجريدة أيضا إلى الكرك، وكثرت الفتن هناك.

стр. 79

وفي رجب [قتل ابن دمرداش صاحب أذربيجان] [١٤]- قتل الشيخ حسن (١) بن مرداش بن جوبان بن بلك صاحب أذربيجان والعراقين. وكان داهية، كثير الحيل والمكر. أفنا (٢) طوائف من المغل، وتأمّر بسيواس بعد قتل أبيه في سنة ٧٢٨، وكان قتله على يد زوجته مخنوقا. وفي شعبان [الزلزلة في بلاد الشام] كانت الزلزلة الهائلة ببلاد الشام ونواحيها، وكانت عامّة هناك. هدم بها أماكن عظيمة البناء بعدّة من البلاد، وسمع دويّ هذه الزلزلة من نصف ميل، وهلك تحت الردم ما لا يحصى من الخلق، وخرج أهل حلب إلى الصحراء، وبقوا بالخيام عدّة أيام. وكانت من نوادر الزلازل (٣). [مكاتبة الناصر بطاعة السلطان] وفيه وصل كتاب من الناصر أحمد / ٤ ب / من الكرك يترقّق فيه للسلطان، وأنه تحت طاعته (٤). وفي رمضان [إنتهاء عمارة الدهيشة] كان نهاية عمارة القاعة التي أنشئت بالقلعة المسمّاة بالدهيشة، وفرشت بأنواع من البسط والمقاعد الزركش، وجلس بها السلطان مع جواريه، ووقع له بها أشياء نادرة (٥).

стр. 80

[استيلاء الطواشية على السلطان] وفيه استولى الطواشية والجواري على الدولة واحتووا على عقل السلطان، وهو منقاد لهم، وهم في معارضة آل ملك النائب وردّ أفعاله (١). [وفاة ابن قيران] [١٥]- وفيه مات المسند، المحدّث، العلاء بن قيران (٢) السّكزيّ (٣)، الكركي. وكان عفيفا، سمع الكثير. [نيابة طرابلس] وفيه قرّر في نيابة طرابلس آق سنقر الناصري، بعد موت طرغاي (٤) الطبّاخي في شعبان. وفي شوّال [خروج الحاجّ] خرج الحاجّ من القاهرة، وخرج ركب المغاربة، وكانوا زيادة على العشرة آلاف نسمة. وكذا ركب التكرور، وكانوا نحوا من خمسة آلاف (٥).

стр. 81

[محاولات المصالحة بالكرك] وفيه وقع الاتفاق على خروج عساكر الشام ومصر إلى جهة الكرك. وكان السلطان قد بعث إلى القاصد رسولا يقال له طشتمر طلليه بأنه إن أراد أن يقيم بالكرك والصلح خير، وشرط عليه شروطا، فأعاد قاصده هذا بجواب لا طائل تحته، مع عدم اجتماعه به (١). وفي ذي [الـ] قعدة [وصول مشايخ من أهل الكرك] وصل جماعة من أهل الكرك ومشايخها مظهرين طاعة السلطان، فأكرمهم وعادوا ومعهم عدّة من المماليك السلطانية ليسلّموهم قلعة الكرك (٢) [التجريدة السابعة إلى الكرك] وعيّنت تجريدة سابعة بعد أن كانت خرجت تجريدة قبلها في هذا الشهر، عليها سنجر الجاولي، وأرقطاي، وقماري، وعشرين (٣) من أمراء الطبلخانات، والعشرات، وعدّة من مماليك الحلقة، في ألفي فارس. وكانت التجريدة السادسة. وخرجت السابعة عليها: بيبرس الأحمدي، وكوكاي، ونحوا (٤) من أربعين أميرا من الطبلخانات والعشرات، وحملت آلات الحصار ما بين منجنيق وزحّافات وغير ذلك. وبلغ أحمد ذلك، فاستعدّ لهم، ونفق أموالا جزيلة في الرجال، وركّب منجنيقا عليها (٥). [وفاة التقيّ السبكي] [١٦]- / ٥ أ / وفيه مات التقيّ، السبكي (٦)، محمد بن عبد اللطيف بن علي بن

стр. 82

تمام بن علي بن يوسف بن موسى بن تمام المحلّي، الدميري، الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، فقيها، محدّثا، مقدّما على عدّة جماعة (١)، وأجاز له جماعة، منهم: الحافظ الدمياطي. وكان خيّرا، ديّنا. ومولده سنة خمس وسبعماية. [هديّة أمير العرب] وفيه قدم سليمان أمير العرب (٢) بهديّة. وفي ذي [الـ] حجّة [اختيار الخيول يحدث اضطرابا] عرض السلطان خيولا بين يديه ليختار منها فرسا لركوبه في يوم العيد، وأحضر عشرة من النقّاراتيّة (٣) ومعهم الذباذب (٤) وضربوها وقت العرض، فظنّ العسكر أنها حربيّة فركبوا تحت القلعة، واضطربت القاهرة، وغلّقت الأسواق، وتجمّعت العامّة على عادتهم، ونزل نقيب الجيش فلام العسكر على ركوبهم وردّهم. وأخذ الناس في القال والقيل. وتنكّرت القلوب، لا سيما من الأمراء، ولحنت العامّة كلاما غنّوا به في الأسواق، من جملته: «يا ولد خرا للعيد». حتى توهّم السلطان أن سيكون في العيد فتنة، وهمّ أن لا يصلّي العيد. وظنّ بأخيه رمضان سوءا، حتى بعث إليه في ليلة العيد من قتله. وصلّى العيد وهو في غاية الاحتياط والتحرّي من أمر يقع (٥). [إعادة المكوس] وفيه أعيدت مكوس كانت أبطلت (٦). [وفاة البرهان الدمشقي] [١٧]- وفيه مات قاضي القضاة البرهان ابن عبد الحق (٧) إبراهيم بن علي بن

стр. 83

أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم الدمشقيّ، الحنفيّ. وكان إماما، عالما، فاضلا، بارعا، كاملا، رأسا في مذهب أبي حنيفة، عارفا بكتاب «الهداية» (١). أخذ عن جماعة من الأكابر، وسمع على جماعة، منهم: جدّه، والفخري البخاري، وابن الفرّاش. وطلبه الناصر على البريد، فولاّه القضاء للحنفية (٢)، وبقي فيها عشر سنين. ثم صرف وعاد إلى دمشق. وكان سبط ضياء الدين عبد الحق الواسطي، الحنبلي، فشهر به ونسب إليه. [وفاة قاضي قنا] [١٨]- وفيه مات [زين] (٣) الدين [إبراهيم بن] (٤) عرفات بن صالح القنائيّ (٥)، الشافعيّ، قاضي قنا.

стр. 84

وكان خيّرا، ديّنا، فاضلا، يتصدّق في السنة بألف دينار في يوم واحد. [خراب منية السيرج] وفيه كان خراب منية السيرج (١) لقيام ووقوع فتنة كبيرة، ودامت نحوا من شهرين وهي خراب، حتى عاد أهلها إليها (٢). [وفاة صاحب ديار بك] [١٩]- / ٥ ب / وفيها مات طغاي بن سوتاي (٣) صاحب ديار بكر. كان ملك بعد أبيه، وحاربه علي باشا خال (٤) بو سعيد. فلا زال طغاي حتى قتله. فقام أخّ له يقال له إبراهيم شاه بن بارنباي، ولا زال بطغاي حتى قتله. [اشتداد الحصار على الناصر أحمد] وفيه اشتدّ الأمر على الناصر بالكرك، وتخلّى عنه أهلها، ووعدوا الأمراء الذي (٥) يحاصرونها بالمساعدة، وقلّت الأقوات هناك (٦). [خروج العربان عن الطاعة] وفيه خرج عربان الوجه القبليّ عن الطاعة، ووقعت بينهم حروب قتل فيها نحوا (٧) من ألفي فارس، حتى خرج إليهم العلاء بن الكوراني، ففرّوا منه، واستولى على الكثير من أموالهم (٨). [الغلاء ببغداد] وفيها اشتدّ الغلاء ببغداد وعامّة بلاد العراق حتى أبيع الرغيف الخبز بدينار، والرطل اللحم بدينار ونصف (٩).

стр. 85

[قتال نائب حلب وابن دلغادر] وفيه خرج نائب حلب يلبغا اليحياوي مجرّدا بعساكر حلب إلى قتال ابن دلغادر، ووقع له معه أشياء، وفرّ ابن (١) دلغادر إلى قبل العرض، ودخل نائب حلب وراءه، وآل أمره إلى كسر عساكر حلب (٢). وفتن بني دلغادر باق (٣) إلى يومنا هذا، وقد زادت ونمت. وخرجت هذه السنة بأنكاد كثيرة وشرور على الناس بسائر البلاد الإسلامية (بل وغيرها أيضا (٤)) (٥).

стр. 86

سنة خمس وأربعين وسبعماية في محرّم [خروج تجريدة إلى الكرك] خرجت تجريدة كبيرة إلى الكرك، عليها جماعة من الأمراء، منهم: منكلي (١) بغا الفخري، وطشتمر طلليه، وقماري، واقترض السلطان في الإنفاق عليهم من مال بيت بكتمر الساقي، وجماعة من تجّار العجم، وغيرهم أيضا، لعجز الخزاين السلطانية وبيت المال عن ذلك (٢). [غلاء الأسعار في الحجّ] وفيه وصل الحاجّ وقد نالهم مشاقا (٣) ذهابا، وبمكة المشرّفة، وإيابا، وغلت الأسعار، ومنع صاحب مكة (٤) تجّار اليمن من عبور مكة، وخرج إلى جدّة بنفسه، وعزّ وجود صنف بالمتجر بمكة، وهلك الكثير من مشاة الحجّ (٥). [اشتداد حصار الكرك] وفيه اشتدّ الحصار على الناصر بالكرك، وجدّ العساكر في ذلك، وقطعوا الميرة عنها حتى قلّت الأموال عند أحمد ونفدت، وتخلّوا (٦) أعيان مشايخ الكرك وانفردوا عنه بالمدينة، وهو بالقلعة. ثم أخذت العساكر المدينة (٧). وجرت أمور يطول شرحها.

стр. 87

وفي صفر [أخذ الكرك والقبض على الناصر] كان أخذ / ٦ أ / قلعة الكرك، والقبض على الناصر أحمد. ووصلت البشارة بذلك في أواخر هذا الشهر، فسرّ بذلك. وكان الحصار قد اشتدّ كما ذكرناه على أحمد المذكور، وجدّ النقّابون بعد أن تفرّق أصحاب المدينة عنه، وفي جماعته ألفين (١)، وهو يرمي بنفسه حتى جرح في مواضع من جسده، وهجم العسكر عليه وأخذوه، فقيّد، ووكّل به بعد تطييب خاطره. ودقّت البشائر بالقلعة حين وصول هذه الأخبار (٢). وكتب السلطان بقتل الناصر من غير مشاورة الأمراء، وخرج منجك السلاح دار على النجب ليلا لذلك (٣). [وفاة ابن حيّان الأندلسي] [٢٠]- وفيه مات الإمام، العلاّمة، النحويّ، الأستاذ، الأثير (٤)، أبو حيّان محمد بن يوسف بن علي بن حيّان الأندلسيّ (٥)، المالكيّ.

стр. 88

وكان عالما، بارعا، فاضلا، راسخا في النحو، عارفا بفنون كثيرة. سمع على جماعة، وأجاز له جماعة. وله شهرة طائلة وتصانيف حافلة، وشهرته تغني في ذلك عن (١) التعريف به. ومولده سنة أربع وخمسين وستماية. [القبض على جمال الكفاة] وفيه كانت بمكة [كائنة] (٢) جمال الكفاة والقبض عليه وعلى جماعة معه من أهله والرامة، ووقعت الحوطة على موجوده، ونوّعت العقوبة عليه (٣). وفي ربيع الأول [ضعف واردات الدولة] توقّفت أحوال الدولة لكثرة الإنعامات والمصارف والكلف، لا سيما على اتفاق (٤) المغنّية، وكانت جارية تضرب بالعود، وشغف بها السلطان جدّا، ولها أخبار تطول، وجريات تعول. وكان المتحصّل للسلطان لا يفي بالمصروف، فوقعت أشياء يطول الشرح في ذكرها (٥).

стр. 89

[قتل الناصر أحمد] [٢١]- وفيه قتل الناصر أحمد بن الناصر محمد بن المنصور قلاون (١) بالكرك خنقا، ولم يكمل الثلاثين. فإنّ مولده سنة ست عشرة وسبعماية. وحزّت رأسه وجهّزت إلى السلطان فوصلت في هذا الشهر أيضا، وكانت رأسا كبيرة، مهولة، فلما رآها السلطان اقشعرّ جلده وتفزّع. وكان أحمد هذا شديد البأس، وربّي بالكرك، ثم أحضر (بسبب) (٢) السلطنة فتسلطن بالقاهرة، وعاد إلى الكرك وهو سلطان، فخلعه الأمراء لسوء سيرته، وسلطنوا أخوه (٣) الصالح، سلطان هذا العصر، وامتنع هو / ٦ ب / بالكرك وعنده أموالا (٤) عظيمة. وجرت عليه أمور يطول شرحها إلى أن قتل بعد أن حصر بالكرك مدّة سنتين وشهرين وثمانية أيام. [وفاة جمال الكفاة] [٢٢]- وفيه مات جمال الكفاة (٥) إبراهيم بن عبد الله، ناظر الجيش والخاصّ معا، وهو أوّل من جمعهما. وكان قد ضخم أمره وفخم جدّا. وكان عارفا باللسان التركي، وغيره من الألسنة. وكان حسن الهيئة والشكالة، محبّا في أهل الفضل، عصبيّه مع من قصده. وله في

стр. 90

التصحيف أشياء نادرة. وخوطب في مكاتبات بالجناب العالي. وتمالى (١) عليه أعداؤه (٢) حتى قتل خنقا. [نظارة الخاصّ] وفيه استقرّ الموفّق عبد الله بن إبراهيم ناظر الدولة في نظر الخاص، وكان قد قبض عليه مع جمال الكفاة ثم أفرج عنه (٣). [نظارة الجيش] وقرّر في نظر الجيش الأمين إبراهيم بن يوسف السامريّ (٤)، كاتب طشتمر. [خبر قلعة طرنده] وفيه وصل الخبر بأنّ فيّاض بن مهنّا اتفق مع ابن (٥) دلغادر على أخذ قلعة طرندة (٦) من أرتنا، [وبها أمواله] (٧)، وهما في عزم المسير على حلب. فأمر السلطان بخروج تجريدة، ثم بطلت (٨). [ربيع الآخر] [منع آل ملك من الحجّ] وفي ربيع الآخر إستأذن للحاجّ آل ملك نائب السلطنة السلطان في خروجه إلى الحجّ، فأذن له بذلك، ثم منعه منه. وكان النائب قد صار يعارضه الأمراء في إشياء كثيرة، وأراد أن يتنصّل من النيابة (٩). [وفاة حديثة بن مهنّا] [٢٣]- وفيه وصل الخبر بموت حديثة (١٠) بن مهنّا أمير آل فضل، وبكائنة اتفقت

стр. 91

لأخيه فيّاض مع سيف أمير الملا، وقتل بينهما جماعة، ونهب فيّاض أمواله، وأسر أخاه. ثم بعد ذلك قدم سيف إلى القاهرة فأكرمه السلطان، وبعث إلى نائب الشام بالقيام معه على من عاداه. [جماد الأول] [وفاة الصلاح الدوادار] [٢٤]- وفي جماد الأول مات الصلاح يوسف بن أسعد (١) الدوادار، الدمشقيّ. وكان الناصريّ بطرابلس. وكان كاتبا، عارفا، له فضيلة تامّة، تزيّا بزيّ الجند، وتنقّل في الخدم. ثم ولّي نيابة الإسكندرية، ثم تنقّل بعد ذلك في عدّة ولايات، وتوجّه رسولا من مصر إلى بو سعيد، وقرّر بعد عوده (٢) في الدوادارية واستطال (٣) على الناس، وعملوا عليه. [فتن العربان والعشير ببلاد الشام] وفيه كانت الفتن من العربان ببلاد الشام، وكثر فساد العشران (٤) بتلك النواحي، وقتل جماعة في هذه الفتن وكانت كثيرة جدّا (٥). [جماد الآخر] [فساد الفلوس] وفي جماد الآخر كانت أحوال الناس متوقّفة من جهة الفلوس، وارتفع سعر أكثر المبيعات / ١٧ أ / وفسدت الفلوس جدّا. ووقع أشياء تطول. وضيّق السلطان على المحتسب والوالي، وأنكر عليهما. وآل الأمر أن نودي بأنه لا يتعامل من الفلوس إلاّ ما عليه سكّة السلطان (٦).

стр. 92

[وفاة بكتاش] [٢٥]- وفيه مات بكتاش (١)، نقيب الجيش. وكان مشكورا. [رجب] [وفاة الجلال الرازي] [٢٦]- وفي رجب مات قاضي القضاة بدمشق الجلال، الرازي (٢)، أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن (٣) بن أنو شروان (٤) الروميّ، الأبكوري، الحنفيّ. وكان عالما، فاضلا، بارعا، كاملا، جمّ الفضائل، كثير المحاسن. سمع على جماعة، منهم: الفخري البخاري. وولي عدّة تداريس بدمشق، والقضاء. وحمدت فيه سيرته. وكان يكتب المنسوب، مع الديانة والعفّة والخير والأمانة، والكرم الزائد. ومولده سنة إحدى وخمسين وستماية. وروي عنه أنه رأى النبي ﷺ في منامه، فأخبره بأنه يعمّر، وكذا كان. [زيادة إقطاع ابن دلغادر] وفيه وصل قاصد ابن (٥) دلغادر، فأكرمه السلطان، وأعاده إلى مرسله، وزاد له بإقطاع من أراضي حلب (٦).

стр. 93

[شعبان] [مهاجمة الفرنج غرناطة] وفي شعبان وصل الخبر إلى القاهرة بكائنة اتفقت بالأندلس بين المسلمين والفرنج عظيمة، كادوا أن يأخذوا فيها غرناطة، ونصب عليها المجانيق. وآل الأمر إلى المصالحة والهدنة. وبعث ملك الأندلس أبو الحسن ابن الأصمّ (١) يسأل السلطان في أن يأمر الخطباء بأن يدعوا له على المنابر ويطلب له الدعاء من الصالحين وأهل الخير بأن ينصرهم الله تعالى على عدوّهم، وأن يكتب في ذلك إلى أهل الحرمين الشريفين (٢). [عداء الأمراء لآل ملك] وفيه زاد تنكّر الأمراء على آل ملك النائب، وعادوه لقيامه في الحق، ولأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. [رمضان] [التدابير المالية] وفي رمضان توقّفت أحوال الدولة في كل شيء، وعجز الوزير عن لجوم المرتبات، وقطعت الكثير من المرتّبات والزيادات فيها، ومنها جميع ما استجدّ من بعد الناصر محمد بن قلاون، فتوفّرت أمولا (٣) جمّة، وأضيف سوق الخيل والجمال والحمير إلى الدولة، وعوّض مقطعوها بأشياء غيرها (٤). [ضبط الإقطاعات بدمشق] وفيه قرّر التقيّ سليمان في أمر جيش دمشق، وقطع مرتّبات كثيرة بدمشق أيضا، وقطع من موقّعيها في الدّست نحو العشرين، منهم: ابن الزّملكاني، وابن الشهاب محمود، وأولاده، وابن (٥) غانم، والجمال / ٦ ب / ابن نباتة (٦). [شدّ الدواوين بدمشق] وولّي ابن (٧) المحسني شادّية الدواوين بها رفيقا لابن مراحل، لضبط الجهات (٨).

стр. 94

[وفاة الططري] [٢٧]- وفيه مات بدوه الططري (١)، ففرّق إقطاعه على نحو الثمانين من المماليك السلطانية، وأمروا بالخروج إلى الكرك، ووفّرت مرتّباتهم. [نفقة الأيتام وغيرهم] وفيه أمر السلطان بأن تنفق جامكيّة الأيتام والأوجاقية من مقدّم المماليك، وقطع منهم جماعة (٢). [وفاة سنجر الجاولي] [٢٨]- وفيه مات العلم سنجر الجاولي (٣)، الفقيه، الشافعيّ، وأحد الأمراء الألوف بمصر. وكان عالما، فاضلا، بارعا، كاملا. له عدّة تصانيف. وفضله أشهر من أن يذكر. وتنقّل في عدّة ولايات. وسمع الحديث على جماعة، وشرح «مسند» الإمام الشافعيّ. وله من الآثار: المدرسة بمصر فوق الكبش، والجامع المعروف به بغزّة، وآخر بالخيل. وله القناطر بأرسوف، والحارة المعروفة ببيسان، وبيمارستان آخر بقاقون، وغير ذلك من الآثار. ومولده بآمد في سنة اثنتين (٤) وخمسين وستماية. [تقرير إقطاعات] وقرّر في إقطاع سنجر هذا طرنطاي المهمندار (٥)، وقرّر في إقطاع طرنطاي هذا

стр. 95

بيبغا ططر نائب غزّة. وقرّر في نيابة غزّة أيدمر الزّرّاق (١). [وفاة ألطنقش] [٢٩]- وفيه مات ألطنقش (٢) الأستادار. وكان له علم، وفضل، وشعر. [شوال] [وفاة الشرابيشي] [٣٠]- وفي شوال مات الفتح صدقة الشرابيشي (٣)، وكان من رؤساء القاهرة، وذوي الأموال. وله خير ومعروف وأوقاف على أنواع من البرّ والمعروف بالجامع الأزهر وخانقاه سعيد السعداء، وغيرهما. [اشتداد البرد] وفيه كان البرد شديدا جدّا بهذا (٤) البلاد، وبالبلاد الشامية (٥). [ذو القعدة] [وصول زوجة السلطان] وفي ذي القعدة وصلت الخوند ابنة طقزدمر نائب الشام زوجة السلطان، وكان قد تزوّج بها قبل ذلك، فبنا (٦) بها في هذا الشهر (٧). [وفاة ابن النقيب قاضي حلب] [٣١]- وفيه مات قاضي حلب الشمس ابن (٨) النقيب محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن نجدة بن حمدان (٩) الدمشقيّ، الشافعيّ.

стр. 96

وكان عالما، فاضلا، خيّرا، ديّنا، كريم النفس. سمع على جماعة، منهم: الفخري البخاري. وأخذ عن النووي. وولي عدّة تداريس بدمشق، ثم قضاء حلب، ثم صرف. وكان مقرّه بدمشق. ومولده سنة اثنتين (١) وستين وستماية. [ذو الحجّة] [السيل بطرابلس] وفي ذي حجّة وصل الخبر من طرابلس بأنه حدث / ٧ أ / بها سيل عظيم جدّا ما رؤي مثله قطّ (٢). [نظارة الدولة] وفيه قرّر في نظر الدولة منفردا العلم ابن (٣) سهلول، عوضا عن موسى ابن التاج إسحاق، بعد صرفه لظلمه وعسفه، وكثرة دعاء الناس عليه (٤). * * * [وفاة طقصبا الظاهري] [٣٢]- وفيها - أعني في هذه السنة - مات طقصبا (٥) الظاهري بيبرس، وقد أناف على ماية وعشرين سنة.

стр. 97

[وفاة طرنطاي المحمّدي] [٣٣]- وطرنطاي المحمّديّ (١)، المنصوريّ، على إمرة بدمشق. وكان ممّن وافق على قتل أستاذه الأشرف خليل، وسجن سبعة وعشرين سنة. [وفاة بكتمر العلائي] [٣٤]- وبكتمر العلائي (٢)، المنصوري. ولي الإستاداريّة، ثم نيابة حمص، ثم غزّة، ثم أعيد إلى حمص، وبها بغته الأجل. [البرد والريح بمصر] وفيها نزل بمصر برد، مع ريح سوداء ببرق عظيم، ورعد مهول، وشرر (٣) زائد. وأعقب ذلك حرّ وسمائم بحيث تطاير منها شرر أحرق رأس أكثر الأشجار، وبعض الزراعات، وخاف الناس عام ذلك. وفيها هلك من شدّة البرد جماعة ببلاد الوجه القبليّ. وفيها كثرت الأمطار فتلف بها الكثير من الزروع والناس، والدّوابّ، والدّور، وجرت السيول. وفيها سقط الثلج والبرد، وزاد البرد، وقلّت الأسماك بالبرك (٤). [ازدياد الظلم في مصر] وفيها قلّت حرمة السلطنة بمملكة مصر جدّا، واتّضع قدرها، وزاد الظلم والجور والعسف، وقطعت خيرات (٥) الكثير من الناس (٦). [اضطراب البلاد على السلطان] وكان السلطان في هذه السنة وما قبلها هو الملك عماد الدين إسماعيل بن

стр. 98

الناصر محمد بن المنصور قلاون، وحاله مع أمرائه غير مستقيم لتغلّبهم على الأمر. وكانت العربان والعشران في غاية السلاطة على الخلق. والبلاد المصرية والشامية، وساير بلاد المملكة في وجل وأنكاد كثيرة. ولله الأمر.

стр. 99

سنة ستّ وأربعين وسبعماية [محرّم] [تلاشي أولاد دمرداش] في محرّم وصلت مكاتبة أرتنا (١) صاحب الروم على السلطان، تتضمّن تلاشي أولاد دمرداش. وفيها يغضّ من نائب حلب على ما كان منه (٢) (في) (٣) حقّ ابن (٤) دلغادر. [عزم السلطان على الحجّ] وفيه لما وصل الحاجّ إلى القاهرة تحرّك عزم السلطان على الحجّ لضيق صدره من غلبة الأمراء على أمره. وكتب إلى البلاد الشامية بابتياع ما يحتاج إليه من الدّوابّ وغيرها، وأمر بتجهيز / ٧ ب / الإقامات وغيرها. ودام الأمر متماديا على ذلك إلى أن دخل ربيع الأول، فتغيّر مزاج السلطان ومرض ولازم الفراش، فلم يخرج للخدمة مدّة أيام، وكثرت الأراجيف والقيل والقال، وتعنّتت العامّة في الفلوس، وارتفع السعر شيئا. ثم كان من (خبر) (٥) السلطان ما سنذكره. [وفاة بيبرس الأحمدي] [٣٥]- وفيه مات بيبرس الأحمدي (٦)، المنصوري، أمير جاندار. وله نحوا (٧) من ثمانين سنة.

стр. 100

وكان إنسانا حسنا، كريم النفس، شجاعا، مقداما، قويّ النفس، ما ركب فرسا أنثى قطّ. وكان جركسيّ الجنس، وتنقّل في الخدم من الخاصكية إلى أن صار من المقدّمين. وقرّر في الخازندارية، ثم ولّي صفد، وطرابلس. [صفر] [تحضير السلطان للحجّ] وفي صفر زاد الاضطراب، وقويت الحركة بسفر السلطان للحجّ، وحضرت العربان من بلاد الشام وغيرها بحمالهم، وقبضوا كثيرا من الأموال ليجهّزوا جمالهم وأحوالهم لحمل الشعير وما يناسب ذلك من الأصناف إلى العقبة. وأشيع سفر السلطان. [ربيع الأول] [ابتداء مرض السلطان] وفي ربيع الأول كان ابتداء مرض السلطان الذي مات به. وكان أصله من الطربة (١) التي حصلت عليه حين رؤية رأس الناصر أحمد، فإنها كانت ضخمة كبيرة، فغسّلت وأحضرت إليه، فلما رآها أخذه يابسة القشعريرة، وصار كثير التفزّع حتى لزم الفراش. وكان قد اعتراه القولنج مع ما كان يعتريه من الأرق ورؤية الأحلام المفزعة، وزاد عليه الحال. ولما استبدّ به الأمر دخل عليه جماعة من الأمراء وتلطّفوا به حتى أبطل حركة الحجّ. وما زال يتعلّل حتى تحرّك أخوه شعبان، واتّفق مع عدّة من المماليك. هذا، وقد انفتح خبر السلطان عن الأمراء، فكتب بالإفراج عن من بالسجون، وفرّقت الصدقات، ورتّب قراءة «الجامع الصحيح البخاري» افقرأه جماعة (٢). [التهيئة للسلطنة بعد الصالح] وقوي أمر شعبان، وقصد القبض على آل ملك نائب السلطنة، وتحرّز على نفسه، ووزّع الأمراء أموالهم وحواصلهم، ثم تجمّعوا ودخلوا على السلطان، وسألوه أن يعهد لأحد بالملك، فطلب النائب وبقية الأمراء فلم يحضروا. وكان العلائي قد اتفق مع جماعة على إقامة شعبان، وكان ربيبه. وقام اغزلوا (٣)، وتمر الموساوي معه. / ٨ أ / وامتنع النائب من إقامته.

стр. 101

وجرت أمور قبض فيها على اغزلوا (١)، وسجن. وتحالف النائب هو والعلائي وبقية الأمراء على الاجتماع على عمل مصالح المسلمين. وكان العلائي قبل ذلك دخل على السلطان هو وعدّة من الأمراء، وكلّموه في أن يعهد من بعده بالسلطنة لأحد، فبكى السلطان والأمراء، ولم يحضر النائب، فقال السلطان: «سلّموا على النائب وعرّفوه أنني إن متّ فولّوا أخي شعبان» (٢). [الأراجيف بموت السلطان] وفيه كثر القال والقيل في أمر السلطنة، وكثرت الأراجيف بموت السلطان حتى أغلقت الحوانيت بالقاهرة وغالب الأسواق، فركب الوالي والمحتسب وجماعة من الجند معهما فضربوا جماعة وشهّروهم (٣). [ربيع الآخر] [وفاة السلطان الصالح] [٣٦]- وفي ربيع الآخر في يوم الخميس رابعه مات السلطان الملك الصالح (٤) عماد الدين إسماعيل ابن (٥) الملك الناصر محمد بن المنصور قلاون (٦). ولّي الملك بعد (خلع) (٧) أخيه الناصر أحمد باتفاق من الأمراء على سلطنته، وذلك في محرّم سنة ثلاث وأربعين وسبعماية.

стр. 102

وكان الأمراء قد بلغهم عنه حسن السيرة والديانة، وصوم يومي الخميس والإثنين، وأنه كثير تلاوة القرآن ونوافل الطاعات، سيما الصلاة، مع صيانة وعفّة، في براءته عمّا يرمى به الشباب من اللهو واللعب. وبالجملة فكان في بداية أمره عفيفا ديّنا. وكثر في أيامه قطع الأرزاق وخروج العساكر للتجاريد، وذهاب الأموال الجزيلة، ثم طرأ عليه الشغف بالجواري والنساء، وخرج في ذلك عن الحدّ، وأفرط في حبّ اتفاق وأسرف في عطيّاتها. واستطال الخدّام من الطواشية في أيامه. وهو الذي أنشأ الدهيشة بالقلعة وصرف عليها الكثير من المال. وكان منغّص الحياة، كدر العيشة، ما تمّ سروره بالدهيشة سوى ساعة واحدة. ولما أحضرت رأس أخيه من الكرك جرى عليه ما تقدّم ذكره. ولا زال يتعلّل حتى بغته الأجل بعد (١) مدّة. وكان سنّه يوم مات نحوا من عشرين سنة. وكانت مدّة سلطنته ثلاث سنين وشهران (٢) وأحد عشر يوما. وانقضت كأنما لم تكن.

стр. 103

[سلطنة شعبان] [السلطان الملك الكامل سيف الدين شعبان ابن الناصر محمد بن قلاون الألفي الصالحي] (١) وقام [شعبان] إلى أمّه ومنع من إشاعة موت أخيه، ثم خرج إلى أصحابه، وقرّر أمره معهم، واستوثق لنفسه. واجتمع الأمراء عند النائب / ٨ ب / فإنه طلب فما أجاب إلى التوجّه إليهم، فذكروا موت السلطان، واشتوروا فيمن يولّى. فأشار عليهم جنكلي بن البابا بأن يبعثوا للجند يسألوا منهم إن رضوا به سلطانا رضيناه، فأجاب المماليك السلطانية بأنهم رضوا لشعبان، فقام الكلّ إليه داخل باب القلّة. وكان شعبان قد تخيّل من دخولهم عيه، وجمع المماليك قبل ذلك وقال: من دخل قتلته بسيفي هذا، وأنا أجلس على الكرسي حتى أبصر من يقيمني عنه. وكان بلغ أرغون العلائي ذلك فبعث إليه من بشره وطمّن قلبه. ثم عقدوا بيعة وأركبوه بعد أن أفيض عليه شعار السلطنة، ومشى الكل بين يديه إلى جهة الإيوان. وأخذ الجاووشية في الصياح على العادة حتى قرب من الأبواب، فاستصعب عليه الفرس من صياح الجاووشية والناس، فنزل عنه ومشى مسرعا عدّة خطوات إلى الإيوان حتى صعده، فأخذ الناس يتفالون بزواله سريعا. ثم رفع إلى تخت الملك، وقام الكلّ بين يديه، وقبّلوا الأرض، وحلفوا له. وتمّ أمره في الملك. ولقّب بالكامل (٢). وفي سلطنته يقول الجماليّ بن نباتة: يا بهجة الدهر إذ مبتداه (٣) ... بكامل السعد في الطلوع فاعجب لها حين أبدت (٤) ... هلال شعبان في ربيع وفيه في يوم الإثنين ثامنه كانت البيعة العامّة للسلطان من الخليفة والقضاة والأمراء على العادة (٥).

стр. 104

[نيابة حلب] وقرّر أرقطاي في نيابة حلب (١). [نيابة آل ملك بصفد] وسأل آل ملك النائب الإعفاء من النيابة، وأن يقرّر في نيابة الشام، فأجيب إلى ذلك، وخرج فأدرك في طريقه، وأمر بأن يتوجّه إلى صفد على نيابتها، فتوجّه إليها (٢). [نيابة دمشق] وكتب إلى يلبغا اليحياوي نيابة الشام (٣). [نظارة الخاص] وفيه قرّر العلم عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن زنبور في نظارة الخاصّ، من استيفاء الصحبة، ثم عاد إليها بعد مدّة يسيرة، وقرّر في نظر الخاصّ غيره (٤). [نيابة طرابلس] وفيه قدم آق سنقر الناصريّ نائب طرابلس، النائب (٥) كان، هيّأ له السلطان أن يلي النيابة، فامتنع من ذلك. ثم حلف أيمانا مغلّظة بأنه لا يليها، وبقيت النيابة عاطلة بعدها، ووفّر إقطاعها، وصار الحاجب الكبير / ٩ أ / - وكان إذ ذاك بيغرا - ووليها، وصار هو المتكلّم في المملكة وإليه الحكم بين الناس (٦). [القبض على الطبّاخ] وفيه قبض على الحاجّ علي الطبّاخ المعروف بإخوان سلار صاحب الجامع الذي بقرب اللوق المطلّ على بركة السقّاف، وصودر على مال كثير أخذ منه. وكان الحاجّ علي هذا طبّاخا للناصر محمد بن قلاون، وكان له عنده عناية شديدة،

стр. 105

وكان دخله في اليوم خمسماية دينار عن ما يناله من المهمّات. وله حكايات مشهورة، منها أنه لما عمل مهمّ بنت تنكز نائب الشام على زوجها بكتمر الساقي طلبه السلطان وأمره أن يعمل له رميسا (١) من الغنم في لون طعام اشتهاه السلطان، فولّى معبسا. فطلبه السلطان وقال له: «ما لي أراك فيّ تعبس»؟ فقال له: «كيف لا أعبس وقد أحرمتني الساعة عشرين ألف درهم». فقال له: «وكيف ذاك»؟ فقال: «إن الذي سرقه من المهمّ وما حصل لي فيه من الروس (٢) والأكارع والأسقاط كنت أردت أن أتولّى بيعه فأعقتني عنه بما ألزمتنيه من الطبخ». فضحك السلطان وقال: «رح ضمان ذلك عليّ». ثم طلب السلطان والي مصر والقاهرة وألزمهما بطلب الزفورية، وألزمهم بتلك الأسقاط، فكان جملة ما حصّل من ثمنها ثلاثة وعشرين ألف درهم. وهذا من النوادر الغريبة (٣). [نظر الجيش بدمشق] وفيه صرف التقيّ بن مراجل (٤) من نظر جيش دمشق، ووليه الشهاب [ابن] سكّرة (٥). [خطوبة السلطان] وفيه خطب السلطان ابنة بكتمر الساقي، فأجابت أمّها بأنّ أختها تحته، ولا يجمع بين الأختين، وعلى تقدير (٦) طلاقها، فإنه شغف باتفاق السوداء حظّية أخيه الصالح، وهي لا تصبر على ذلك. وأيضا فإنّ المخطوبة ضعيفة الحال لما (٧) توالى عليها من

стр. 106

الأحزان وشدّتها لكون آنوك أول من أعرس عليها وهي بكر، فمات ولم يزل بكّارتها وما مسّها، فتزوّجها بعده أخوه المنصور أبو بكر وقتل. ثم تزوّجها إسماعيل الصالح، ومات بعد ما فارقها. ولما وصل هذا إلى السلطان طلّق أختها وأخرج جميع ما كان له في ليلته، ثم عقد عليها بعد ذلك ودخل بها (١). [إمرة مكة المكرّمة] وفيه قرّر في إمرة مكة المشرّفة السيد الشريف عجلان بن رميثة بن أبي نميّ (٢). [الإنعام على أرغون الصالحي] وفيه استقرّ أرغون الصالحي في جملة مقدّمي الألوف، وأمر السلطان بأن يكتب له: «أرغون الكاملي» وأغدق السلطان عطاياه عليه، وأعمر له قصرا هائلا (٣). [مصادرة أهل قوص] [وفيه] / ٩ ب / صودر جماعة من أهل قوص، وصودر جماعة كتبوا في المحضر الذي كان قدم إلى القاهرة من قوص بأنّ أبا بكر المنصور مات بقضاء الله (تعالى) (٤) وقدره. فأقرّوا بأنّ المحضر كان زورا، وأنهم أكرهوا على كتابته (٥). [استحداث الرشوة على الولاية] وفيه أحدث غرلوا الشادّ على الدواوين أخذ الرشوة على ولاية البلاد وتذريعها، ومن الدواوين، فلم يل أحد بعد ذلك إلاّ بمال. واستجدّ أيضا في المبايعات والنزول عن الأقاطيع، وكلّم الأمراء السلطان في ذلك، فما التفت إلى قولهم، واحتجّ بأنه أحقّ من ناظر الجيش، فإنّ هذا كان يأخذه ناظر الجيش (٦). [جماد الأول] [نائب دمشق] وفي جماد الأول دخل يلبغا اليحياوي إلى دمشق على نيابتها، وباشرها (٧).

стр. 107

[الحجوبيّة الكبرى] وفيه قرّر بيغرا في الحجوبية الكبرا (١)، وأمر بأن يجلس وبين يديه موقّعين لكتابة المراسلات إلى الولاة والنواحي، وكان أحدهما الرضيّ بن الموصليّ، والآخر ابن (٢) عبد الظاهر. وصار الحاجب يجلس للحكم بين الناس، ووفّر إقطاع النيابة، وأبطلت من القاهرة. [القبض على الجمالي] وفيه قبض على الجمالي يوسف والي القاهرة، وعلى ولد أخيه، وعلى حمود نائبه بسعاية غرلوا شادّ الدواون، وكشفت روسهم وصودروا، وضرب حمود بالمقارع ضربا مبرحا، فوعد بأن يحضر له مالا قد دفنه بالجيزة، فسيّره صحبة أعوانه ليأتيه بالمال، فلما ركب النيل للتعدية إلى الجيزة، فحين توسّطه ألقى نفسه فيه فغرق. واعتنى الأمراء بيوسف وابن أخيه فأفرج عنهما. [ركوب السلطان إلى الميدان] وفيه ركب السلطان ونزل إلى الميدان على عادة من تقدّمه من السلاطين. وكان له يوما مشهودا (٣). [ترتيبات غرلوا المالية] وفيه طلب غرلوا شادّ الدواوين بحضرة الأمراء والوزير ورسم بأن يرتّب بلاد الخاص، وأن يخرج من إقطاع النيابة وغيره بلاد تقطع لأرباب الجوامك من المماليك السلطانية ليتوفّر جوامكهم، فأفردت جمل نواحي أقطعت لماية من المماليك من أرباب الجوامك العقال، وطلبوا لأجل أن يعطوا المثالات، فامتنعوا وردّوها على السلطان من غد يوم ذاك فيها عليهم، وقد تجمّعوا كلّهم ووقفوا للسلطان، فحنق منهم واشتدّ غضبه، وطلب الطواشي مقدّم المماليك وأهانه وأمره بضربهم وطردهم، فتلطّف به الأمراء، ولا زالوا به حتى آل الأمر إلى أن يضرب المقدّم منهم جماعة عيّنوا، وأنزلوا من القلعة إلى القاهرة (٤). جماد الآخر [وفاة طقزتمر] [٣٧]- / ١٠ أ / مات طقزتمر (٥) الحموي، الناصري، نائب الشام.

стр. 108

وكان إنسانا حسنا، سيوسا، عاقلا، حشما، عديم الشرّ. قدّمه للناصر المؤيّد صاحب حماه، وتنقّل في الخدم حتى ولي عدّة ولايات (١) خطيرة، منها: حلب، والشام. وطلبه الكامل فقدم في محفّة إلى القاهرة في الشهر الماضي وهو مريض، وقدّم أولاده للسلطان تقدمة هائلة، ووعدهم بجميل. ولما مات كان السلطان بقصور سرياقوس هو وأمراؤه وحريمه، فقدم أولاده بخبر وفاة أبيهم، فلم يمكّن السلطان الأمراء من العود للقاهرة لحضور جنازته. ودفن بخانقاته المشهورة به. وله الجامع والحكر المشهوران به، وله حمّام أيضا. [الحجوبية الثانية] وفيه قرّر رسلان بصل في الحجوبية الثانية، وأمر بأن يحكم بين الناس مع بيغرا الحاجب الكبير، وقرّر في إقطاع رسلان هذا طشتمر طلليه، وفي إقطاع طشتمر قبلاي (٢). [وفاة السلطان كجك] [٣٨]- وفيه مات السلطان الملك الأشرف كجك (٣) ابن الناصر محمد بن قلاون، أخو السلطان، وله اثني عشر (٤) سنة. واتّهم بأنّ السلطان بعث من سرياقوس من قتله في مضجعه، وأنهم أربعة من الخدّام الطواشية. [التهتّك بشرب الخمور] وفيه عاد السلطان من سرياقوس من بعد ما تهتّكت المماليك السلطانية بشرب الخمور والتظاهر بالفواحش حتى صارت سرياقوس حانة.

стр. 109

[الشكوى من شادّ الدواوين] وفيه زاد ظلم غرلوا شادّ الدواوين، وصار يحصّل الأموال السلطان (١) من الناس بغير طريق شرعي ولا وجه حتى يقرب من السلطان، وصار من قوّاده. [إبطال المقايضات] وفيه قام الأمراء فتكلّموا مع الملك على أمر النزولات والمقايضات عن الأقاطيع، ولا زالوا به حتى أبطل ذلك لما فيه من المفاسد (٢). [وفاة ابن أبي العزّ] [٣٩]- وفيه مات العلاء بن العزّ الحنفيّ، علي بن محمد بن أحمد بن أبي العزّ (٣) الدمشقيّ، الحنفي. وكان فاضلا، من أهل العلم. سمع على جماعة، منهم: فاطمة بنت سليمان. وناب في الحكم بدمشق. [الفتنة بين صاحب بغداد وأصحاب أذربيجان] وفيه قدم البريد من حلب بوقوع الفتنة والخراب بين الشيخ حسن صاحب بغداد وبين أولاد دمرداش أصحاب أذربيجان وتبريز، وأنّ الشيخ حسن انتصر على ابن (٤) دمرداش، وأنّ سلطان شاه أيضا كان في الخراب وفد إلى ماردين فالتجأ إليها فنازله الشيخ حسن وحصره، وأفسد ضياع ماردين، ثم سار عنها بغير طائل (٥). [صناعة داير بيت من الحرير] وفيه صنع السلطان داير بيت حرير به من الزركش نحوا (٦) من أربعين ألف مثقال من الذهب. [رجب] [نظارة الخاص] وفي رجب قرّر الفخري السعيد في نظارة الخاص، وصرف ابن (٧) الماضي خبر

стр. 110

ولايته لها، / ١٠ ب / وكانت مدّتها ثمانين يوما تزيد شيئا، وأعيد إلى استيفاء الصحبة كما كان (١). [رغبة السلطان في بناء مدرسة] وفيه قصد السلطان أن ينشيء مدرسة في مكان خان الزكاة، ونزل أرغون العلائي، والوزير للكشف عن ذلك. وكان الناصر محمد قد وقفه، فلم يوافق القضاء على حلّه، فبطل ما عزم عليه السلطان (٢). * * * ولو كان في عصرنا هذا لبادر القضاة إلى حلّه، كما هو دأبهم لأقلّ الأمراء، فضلا عن السلطان. وبالله المستعان. [ضرب عنق] وفيه ضربت عنق ابن (٣) ششقلة (٤) ورفيقه. [وفاة ابن فضل الله] [٤٠]- وفيه مات البدر بن فضل الله محمد بن يحيى (٥) بن فضل الله العدوي (٦)، الدمشقيّ، الشافعيّ، كاتب السرّ بدمشق. وكان من الأعيان، وله فضل وعلم، وحسن سمت، وأدب، وحشمة. [شعبان] [كتابة السّرّ بدمشق] وفيه، شعبان، استقرّ في كتابة السرّ بدمشق التاج محمد بن خضر (٧) بن عبد الرحمن.
следующие страницы →