← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وتهتّكه، بل وتهتّك الناس معه. وحصل في آخر ركبة ركبها إلى الميدان من الاجتماع والازدحام والتفتيش على المواضع (١). [قتل أغرلوا] [٧٣]- وفيه كان القبض على عظيم الدولة أغرلوا، ثم قتله على يد ألجيبغا وطنيرق بعد أن أغريا به السلطان، وما هان على السلطان قتله، فإنهما قتلاه بغير مراجعة، وإنما كان أمره بإخراجه على نيابة غزّة. وعزّ قتله على السلطان، وهدّد على من قتله. وكان يوم قتله يوما مشهودا بالقلعة والقاهرة، واجتمع فيه من العامّة ما شاء الله تعالى مجتمع، وكان أمرا مهولا في الاجتماع، وأنزل أغرلوا (بباب القرافة) (٢). ويقال: إنه أصبح وقد خرجت يده من قبره، فأتاه الناس أفواجا ليروه، وأرادوا أن ينبشوا عليه ويحرقوه، وصار لهم ضجيج كثير، حتى بعث السلطان من الأوجاقيّة من قبض على كثير من العامّة وضربوا، وأخذ أغرلوا منهم ودفن. وكان ظالما، سيّء السيرة، وهو أول من أحدث ديوان البدل وأخذ المال (٣). [نيابة طرابلس] وفيه استقرّ في نيابة طرابلس مسعود بن خطير (٤). [نيابة حلب] وقرّر في نيابة حلب فخر الدين إياس حاجب دمشق عوضا عن أرغون شاه الذي ولي دمشق (٥). [خروج السلطان وعوده] وفيه خرج السلطان إلى سرياقوس فأقام أياما ثم عاد (٦).

стр. 142

[مقتل بيدمر البدري] [٧٤]- وفيه قتل بيدمر (١) البدري، الناصري، وكان لا بأس به. / ١٩ أ / ولي نيابة حلب وغيرها. وهو صاحب المدرسة الأيدمرية قريب المشهد الحسيني بالقاهرة. [مقتل ابن شروين] [٧٥]- وقتل فيه أيضا وزير بغداد (٢) النجم محمود بن علي بن شروين (٣). وكان مشكور السيرة، معروفا بالإفضال على غيره (٤). وله خانقاه بجوار تربة كافور البدري بالقرافة. [رجب] [إخراج إقطاعات وتأمير] وفي رجب أخرج لاجين أمير أخور إلى دمشق على إقطاع. وأخرج منجك السلاح دار إليها أيضا حاجبا، عوضا عن أمير علي بن طغريل. واستقدم ابن (٥) طغريل إلى القاهرة، وتأمّر فيه زيادة على العشرة من المماليك ما بين طبلخانات وعشرات (٦). [محاولة قطع رواتب] وفيه أمر السلطان بقطع ما استجدّ من الرواتب بعد الناصر محمد بن قلاون (٧)، فما زال به النائب حتى رجّعه عن ذلك وعرّفه عاقبة أمر عاقبة دعاء الناس.

стр. 143

[وفاة التقيّ ابن هلال] [٧٦]- وفيه مات التقيّ أحمد بن سليمان بن محمد بن هلال (١) الدمشقي بها. وكان من الرؤساء بدمشق، وولي وكالة بيت المال والحسبة، وغير ذلك. [توزيع دراهم] وفيه وزّع على مباشري الجهات ستمائة ألف درهم، وقرّر في كل معاملة شاهد وكاتب (٢). [الإنعام على بيبغاروس] وفيه قدم بيبغاروس من سرحة العبّاسة، فأنعم عليه السلطان بأربعة من الخيل والسروج الذهب، وبألفي دينار، وماية قطعة من القماش (٣). [شعبان] [إعادة السلطان للحمام] وفي شعبان خرج الأمراء إلى الصيد. ثم خرج النائب هو والسلطان، فخلا الجوّ للسلطان، وأعاد حضير (٤) الحمام، وأحضر أرباب الملاعيب وتناطح الكباش، ومناقرة الديوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودي بإطلاق اللعب بذلك بمصر والقاهرة. وصار للسلطان اجتماعات بكثير من الأطراف والأوباش وسفلة العوامّ من الفرّاشين، والبابيّة، ومطيّري الحمام، وصار لا يفيق ليله ولا نهاره ممّا هو فيه، وشغف بكيدا (٥). ووقع منه أشياء يطول الشرح في ذكرها. [ارتفاع سعر الغلال] وفيه ارتفعت الأسعار في الغلال وغيرها (٦). [تدبير السلطان لقتل أخيه] وفيه أخذ السلطان في التدبير على أخيه حسين ليقتله خوفا منه على أن

стр. 144

يسلطنوه، وعرف هو ذلك فأخذ في الاحتراز على نفسه فلم يقدر عليه (١). [وفاة طرنطاي الجمقدار] [٧٧]- وفيه مات طرنطاي (٢) الجمقدار (٣)، الناصري، على تقدمة ألف بدمشق وكان يتنقّل في عدّة وظائف من ذلك حجوبية دمشق، وحجوبية مصر، ونيابة حمص، وغير ذلك. [كثرة الفتن والفساد] وفيه كثرت الفتن، وفسد الناس بالقاهرة، وقوي الفساد وقطع الطرقات / ١٩ ب / بأرض مصر، والقدس، ونابلس. وكثر الفقراء أهل السوق. وقدموا من النواحي بسبب الغلاء حتى ضاقت بهم القاهرة، فكانوا كذلك مدّة سنة (٤). [عودة الأمراء من الصيد] وفيه وصل الأمراء والنائب من الصيد، وتتابع دخولهم القاهرة وقد بلغهم ما وقع من السلطان وما هو فيه (٥). [وصول تركة نائب الشام] وفيه وصل مال يلبغا اليحياوي نائب الشام وكان شيئا كثيرا، ففرّق السلطان غالبه وما فيه من اللآلي والجواهر على الأوباش والسفلة من عشرين ألف دينار على حظيّته «كيدا»، ومن الجواهر واللآلي، وصار يرمي ذلك على الجواري والخدم وهم يتخاطفوه (٦) وهو يضحك، وأتلف شيئا كثيرا (٧). [تنكيد الأمراء على السلطان] وفيه تنكّد الأمراء على السلطان لا سيما لما وقع ما فعله في مال يلبغا، وأخذ

стр. 145

ألجيبغا وطنيرق يعرّفانه ما ينكره عليه الأمراء من أفعاله مثل اللعب بالحمام والاجتماع بالأوباش والسفلة، وخوّفاه فساد الأمر والعاقبة، فحنق منهما وغضب، وأمر بخراب الحظير الحمام بعد ذبحها، وقوله لألجيبغا وطنيرق: «والله لأذبحنّكم كلّكم كما ذبحت هذا الحمام». ووقع منه أشياء كانت سببا لنفرة ألجيبغا وطنيرق عنه واتفاقهما عليه مع الأمراء (١). وكان ما سنذكره. [رمضان] [زلزلة القاهرة] وفي رمضان زلزلت القاهرة في ساعة واحدة مرتين (٢). [قتل المظفّر حاجّي] [٧٨]- وفيه في يوم الإثنين ثالث عشره كان قتل المظفّر حاجّي، وكان قد دبّر قتل بيبغاروس، وبعث إليه بالحضور من الصيد، وبعث إليه من عرّفه بما أضمره السلطان له. وقام ألجيبغا (٣) واتفق مع الأمراء وعرّف بيبغاروس بأنه لا بدّ من إقامة سلطان غير المظفّر هذا. ثم أعلنوا بالركوب عليه قبل بلوغ ما نواه. واجتمعوا بقبّة النصر. وكان أوّلهم ركوبا ألجيبغا، ثم الأمراء، ثم النائب. وحضر إليهم بيبغاروس. وبلغ السلطان ذلك، فضرب الدبادب حربيا، وجمع من عنده، فاجتمع إليهم طنيرق وشيخوا، وأرغون الكاملي، وطاز، وعدّة نحوهم من الخاصكية. وحضر إليه عدّة من الأمراء والعسكر. وركب بعد أن بعث يستخبرهم بآرائهم، فقالوا: سلطنة غيره. فأجابهم بأنه ما يموت إلاّ على ظهر فرسه. ولما خرج إليهم تسحّب من كان عنده من الخاصكية إلى الأمراء، وآخرهم تسحّبا طنيرق. وبقي السلطان في شرذمة قليلة. / ٢٠ أ / وبرز إليه بيبغاروس وألجيبغا (٤)، فولّى فرسه منهزما، فأدركوه. وتقدّم إليه بيبغاروس وضربه بطبر معه، فأخذ الضربة في ترسه وحمل عليه بالرمح، وتكاثروا عليه حتى قلعوه من سرجه بعد أن أرداه بيبغا، وضربه طنيرق في وجهه وأصابعه، وساروا به من وقته على فرس إلى تربة آق سنقر الرومي من تحت الجبل وذبحوه في الحال وهو يقول: «بالله لا تستعجلوا على قتلي، وخلّوني ساعة».

стр. 146

فقالوا له: «كيف استعجلت أنت على قتل الناس، لو صبرت صبرنا عليك». ثم بعد قتله دفنوه في تربة أمّه. وصعد الأمراء القلعة في يومهم ذلك، ونادوا بالأمان والاطمئنان بشوارع القاهرة. ثم وقع الاتفاق منهم على البعث إلى نائب الشام لاستشارته فيمن يولّي السلطنة ممّن بقي من بني قلاون، وإعلامه بما وقع (١). ثم أصبح المماليك وقد وقع اتفاقهم على إقامة، حسن (٢) في السلطنة، ووقعت بينه وبينهم مراسلات. وقبضوا على عدّة من مماليكه. وأقاموا الأمير طاز نيابة موكلا، لئلاّ يحتمي به أحد، وغلّقوا باب القلعة معهم بآلة الحرب يوم ذلك. وفي ليلة الثلاثاء قصد (٣) المماليك إقامة فتنة. ومضت دولة المظفّر كأنها لم تكن. وكانت مدّة سلطنته سنة وثلاث (٤) شهور واثني عشر يوما. وقتل وسنّه نحوا من عشرين سنة. وكان منهمكا في اللّذات، سفّاكا للدماء، تلاّفا للأموال، شجاعا مقداما، سيّء التدبير (٥).

стр. 147

(مبايعة السلطان حسن ولقّب بالناصر وكنّي بأبي المعالي) (١) وفيه في يوم الثلاثاء رابع عشره كانت مبايعة الناصر حسن بالسلطنة، وكان اتفاق الأمراء على ما قد بيّناه من البعث إلى نائب الشام لاستشارته، فأعجلهم المماليك السلطانية، وأرادوا الركوب إلى قبّة النصر، وأضمروا، بل صرّحوا بأنهم يقيموا حسنا (٢) في السلطنة، فخاف الأمراء من آفة التأخير، واتفق رأيهم على إقامة حسن، فاستدعوا به من مكانه، وسنّه نحوا (٣) من أحد عشر (٤) سنة حينئذ، وكان يدعى «قماري» وهو كان يسمّي نفسه «حسن». ماتت أمّه في صغره، وكفلته الخوند أردوا وأحسنت في تربيته، فلما حضر بايعوه بالسلطنة وأفاضوا عليه / ٢٠ ب / شعارها وأركبوه على العادة، وسار الكلّ بين يديه. ولقّب بالناصر، وكني بأبي المعالي، فقال للنائب في أثناء ذلك: «يا أطا»، يعني يا أبي، «أنا ما اسمي قماري، إنّما اسمي حسن». فقال له: «والله هذا اسم حسن وفأل حسن يا خوند، على خيرة الله»، ثم حلفوا له وحلف لهم، واستقرّ في السلطنة، وقبض على حواشي المظفّر وعلى حظيّته كيدا، وألزموا بما أخذوه من الأموال، وأظهر بعضا (٥) من الخدّام حاصلا تحت يده فيه ما يساوي زيادة على مايتي ألف دينار (٦). ثم قبض على آق سنقر أمير جاندار زوج أمّ المظفّر، وعلى منبر السّحرتي مقدّم المماليك (٧). ووقعت أشياء يطول شرحها. [أمراء المشورة] وكان (٨) المشورة والتدبير إلى تسعة من الأمراء، وهم: بيبغاروس القاسمي، وألجيبغا (٩) المظفّري، ومنكلي بغا الفخري، وطشتمر طلليه، وشيخو العمري، وطاز، وأحمد شاد الشراب خاناه، وأرغون الإسماعيلي، وأرقطاي النائب.

стр. 148

واستقرّ شيخو رأس نوبة كبير، وصار شريكا للأمراء في تدبير المملكة (١). وفيه استقرّ في الأمير أخورية مغلطاي (٢). [الكتابة بالسلطنة] وفيه كتب إلى نواب البلاد الشامية وإلى الجهات بسلطنة حسن (٣). [تخفيف الكلف السلطانية] وفيه وقع اتفاق الأمراء على تخفيف الكلف السلطانية وتقليل (٤) المصروف بسائر الجهات (٥). [إخراج الجراكسة] وفيه أخذ الأمراء، في تتبّع طائفة الجراكسة، ونواحيهم من القاهرة، فحصلوا جميعا وأخرجوا منها خروجا عنيفا فاحشا منفيّين (٦). وكان المظفّر قرّبهم إليه بواسطة أغرلوا، فإنه كان جركسيا على ما يقال، وكان سببا لجلبهم من كل مكان حتى عرفوا وشهروا، وكانوا جماعة وافرة، ولهم ميزة في العسكر بكبر كلفتاتهم (٧). فقال الأمراء: إنّ هؤلاء طائفة جياع، قليلوا (٨) العقول، كثيروا (٩) الفتن، لهم طمع كبير في أيدي الناس لا سيما، وكان أغرلو قرّر ديوان البدل. ثم قالوا: ومتى تركوا بهذه المملكة فانسوا (١٠) فيها ربّما صار لهم شوكة بعد ذلك، فأخذوا وأفسدوا وأخرجوا المملكة، ونال الإسلام والمسلمين منهم السوء، وكان كما حدسوه بعد ذلك (١١). (أول ظهور الطائفة والجراكسة بمصر) (١٢) وهذا أول ظهور الطائفة الجراكسة بمصر. ثم صاروا / ٢١ أ / بعد ذلك بقليل ملوكها. ولله الأمر.

стр. 149

[موافقة نائب الشام] وفيه ورد كتاب نائب الشام برضاه بما وقع، والغضّ (١) من إياس نائب حلب (٢). [شوال] [نيابة حلب] وفي شوّال استقرّ أرقطاي النائب في نيابة حلب، وكان هو قد طلب الاستعفاء من النيابة، وتكلّم مع الأمراء في ذلك فما أجابوا إلى ذلك حتى أظهر (٣) نائب الشام بغضه إياس. فخلع على أرقطاي بها، وخلع على بيبغاروس واستقرّ في نيابة السلطنة، وجلس بيبغاروس في دست النيابة، وجلس أرقطاي فوقه بعد أن كان جالسا دونه (٤). [مقدّميّة منجك] وفيه وصل منجك اليوسفي السلاح دار وهو المشهور بعد ذلك أخو بيبغاروس، فقرّر في المقدّمي الألوف والوزارة (٥). [نقل موتى إلى القاهرة] وفيه وقع من النوادر الغريبة التي لم يعهد مثلها في الدولة التركية، وهي إحضار جماعة من الموتى إلى القاهرة فأقبروا (٦) بها، فمنهم: الأشرف كجك، نقل إلى جامع سنقر فدفن به، وأخرج يوسف وشعبان ورمضان أولاد الناصر محمد بن قلاون، ودفنوا بمواضع أخر، وممّن نقل أيضا قوصون، وبشتاك، وملكتمر الحجازي، وقماري، وأرغون العلائي، في آخرين (٧). [وفاة القوام الكرماني] [٧٩]- وفيه مات القوام الكرمانيّ، مسعود بن محمد بن محمد بن سهل (٨) الصوفي، الحنفي.

стр. 150

وكان إماما، عالما، علاّمة، بارعا، عارفا، ماهرا في اللغة والأصول، كثير الفوائد. سمع على جماعة، وأخذ عنه جماعة من الأكابر. وله نظم. وكان فصيح العبارة، خيّرا ديّنا، صادق اللهجة، كثير النفع. ومولده سنة أربع وستين وستماية. [توفير المرتبات] وفيه وفّر كثير من الجوامك والمرتّبات قطعت عن آخرها، ووفّر من العليق أيضا. وقطع جماعة من الإسطبل السلطاني، وجماعة أخر من غيره. وأبطلت العمائر من بيت السلطان، وقام منجك في ذلك أشدّ قيام (١). [تقدمة أرغون] وفيه قرّر أرغون الكاملي في تقدمة ألف (٢). [القبض على نائب حلب] وفيه قدم سيف إياس نائب حلب وقد قبض عليه وحمل إلى الإسكندرية (٣). [ذو القعدة] [تحديد مرتّب السلطان] وفي ذي قعدة اتفق الأمراء على أن يرتّبوا للسلطان نفقة تحمل إليه في كل يوم لا يزاد عليها، وهي مائة دينار، فكان خادمه يحضر في كل يوم ويورده إليه، فيحمل إليه ليصرفها (٤). [توافق الأمراء في الحكم] وكان الأمراء قد تحالفوا على أن لا يدخل بينهم غريب، والأمور والأحوال (٥) راجعة إلى شيخو، ويراقبه ناظر الخاص العلم بن زنبور ولا يتصرّف إلاّ بأمره، وأن يكون الكلام / ٢١ ب / والتحدّث في المملكة لبيبغاروس، ويخرج الإقطاعات والإمريات بمصر

стр. 151

والشام، وإليه رجوع أمر نواب الشام أيضا، وأن يجمعوا للمشورة بين يدي السلطان فيما يتجدّد، وأن لا يدعوا السلطان يتصرّف في المال ولا يتكلّم على أحد، ولا يمكّن من شيء يطلبه. ومشت الأمور على ذلك (١). [القبض على مماليك جراكسة] وفيه تراسل المماليك الجراكسة والأمير حسين بن محمد بن قلاون ليقيموه سلطانا، ففطن بهم، وقبض على أربعين نفرا منهم، وأخرجوا إلى البلاد الشامية متفرّقين (٢). ثم قبض على ستة منهم وضربوا ضربا مبرحا، وسجنوا بخزانة شمايل (٣). [وفاة الحافظ الذهبي] [٨٠]- وفيه في ثالثه مات حافظ الإسلام الشمس الذهبيّ (٤) محمد بن أحمد بن

стр. 152

عثمان (١) بن قايماز الدمشقيّ، الشافعيّ. وكان إماما، محدّثا، حافظا (٢)، علاّمة زمانه في فنون الحديث، والتاريخ وغير ذلك. وله التصانيف الكثيرة المشهورة، والسماعات، وهو مصنّف «دول الإسلام» الذي ذيّلنا تاريخنا في ديباجة تاريخنا هذا. ومولده سنة ثلاث وسبعين وستماية. [تعظيم نائب الشام] وفيه كتب لنائب الشام أن يقرّر في نيابته من غير مشاورة تعظيما لشأنه (٣). [ذو الحجّة] [عودة التجريدة على العربان] وفي ذي حجّة قدم الأمراء الذين كانوا تجرّدوا إلى الوجه القبليّ قبل ذلك، وقد فعلوا بها أفعالا عجيبة، وسفكوا الدماء، ونهبوا الأموال. وكانوا خرجوا بسبب فساد العربان بتلك النواحي، ففرّ المفسد، ووقع الأمر في جانب من استضعف من الرعيّة وأصحاب الزروع (٤). [وفاة العماد الطرسوسي] [٨١]- وفيه مات قاضي قضاة دمشق العماد الطّرسوسيّ (٥) علي بن أحمد بن

стр. 153

عبد الواحد بن عبد المنعم (١) بن عبد الصمد الحنفيّ. وكان عالما، فاضلا، عارفا بمذهب أبي حنيفة ﵁، حسن الهيئة والشكالة، خيّرا، ديّنا، بشوشا. باشر قضاء دمشق مدّة، ثم تركه لولده، وانقطع مشتغلا بشأنه، (مقبلا) (٢) على الله تعالى. سمع على جماعة، ودرّس بعده ولده بدمشق. ومولده سنة تسع وستين وستماية. [وفاة ابن أرتنا] [٨٢]- وفيها - أعني هذه السنة - مات الشيخ حسن (٣) ابن النّوين أرتنا (٤) بن حسن ملك الروم. وكان جميلا إلى الغاية، حسن اليد والملتقا (٥)، مشهورا بالحسن البارع. [الحرّ والريح] وفيها حدث حرّ شديد جدّا عدّة أيام، ثم ثارت ريح صفراء نسبة لون الزعفران، وحملت غبرة بهذا اللون من جهة برقا (٦). ولولا أن منّ الله تعالى بالمطر لهلك الزرع عن آخره، / ٢٢ أ / على أنه لصق التراب بالزرع، وحدث به هيف كان سببا للغلاء، ومع ذلك فكان اللطف في ذلك لأنه كاد أن يستأصل الزرع هلاكا (٧). [استحداث قضاء المالكية والحنبلية بحلب] وفيها استجدّ بمدينة حلب قاضيان مالكي وحنبلي. وقرّر في قضاء المالكية الشهاب أحمد بن ياسين الرباحي (٨). وولي القضاء الحنبلية الشرف (٩) موسى بن فيّاض، وهما

стр. 154

أول من ولّي بها في (هاتين الوظيفتين) (١)، وكمل القضاة بها أربع (٢). [توقّف زيادة النيل] وفيها توقّفت زيادة النيل في أول أيام زيادته، وارتفع سعر الغلال بواسطة ذلك. ثم (زاد) (٣) حتى حصل الوفاء في تاسع عشرين مسرى، ورابع جماد الأول، وانتهت إلى ستة عشر ذراعا واثنين وعشرين إصبعا (٤). [الغلاء بمصر والشام] وفيها كان الغلاء بأرض مصر والشام، ثم انحطّ السعر بعد ذلك. وفيها كانت المخاوف والفتن بكثير من البلاد والنواحي (٥).

стр. 155

سنة تسع وأربعين وسبعماية [محرّم] [مقتل والي قوص] [٨٣]- في محرّم ورد الخبر بقتل إسماعيل الوافدي (١) والي قوص. وكان جمع جنسا من الوافدية وغيرهم، وسار لأخذ بعض بلاد السودان، فحاربوه ومن معه بأسرهم، واستولوا على أموالهم بأسرها (٢). [وفاة والي القاهرة] [٨٤]- وفيه مات أسندمر القلنجي (٣) والي القاهرة، وولي بعده العلاء بن الكورانيّ (٤). [القبض على الكسيح] وفيه قبض على الشيخ علي الكسيح نديم المظفّر وعوقب حتى هلك. وله حكايات وأشياء مشهورة (٥). [رجم المحتسب] [و] رجمت العامّة من الأوباش المحتسب. [الوحشة بين شيخو وبيبغاروس] وفيه توحّش ما بين شيخو (٦) وبيبغاروس النائب. وكان السبب في ذلك أنّ

стр. 156

السلطان بعث يطلب من شيخو ثلاثمائة درهم، فلم يعطه شيئا، فردّ قاصده بعنف، فبعث يطلب ذلك من النائب، فبعث إليه ثلاثة آلاف. وبلغ شيخو ذلك فنفر وتشوّش، وقال: «أنا ما كنت قادر على أن أبعث أضعاف ذلك، لكن حفظت العهود التي اتفقنا عليها أنّنا لا نمكّن السلطان من مال في غير ضرورة، وهو يعطيه حتى تبيضّ عنده وجهه، ويسودّ وجهي». ثم إنه وقع الرضى والصلح بينهما بسعاية منجك الوزير والتّلطّف بشيخو (١). [الحرب بين ابن فضل وابن مهنّا] وفيه وصل الخبر بأنه كانت بين سيف بن فضل وعمر بن موسى بن مهنّا حرب أسر فيها سيف، وقتل أخوه وجماعة من أصحابه (٢). [بيع الإقطاعات] / ٢٢ ب / وفيه فتح الوزير منجك بيع الإقطاعات بالمال، ففحش الأمر في ذلك حتى استولى كثير من العوامّ على عدّة أقاطيع (٣). [الفناء العظيم بقبرس] وفيه وصل الخبر بوقوع فناء عظيم بجزيرة قبرس هلك فيه من الخلق ما لا يحصى، وهلك في شهر واحد ثلاثة من ملوكهم (٤). [القبض على السحرتي] وفيه قبض على عنبر السّحرتي مقدّم المماليك وأخرج إلى القدس (٥). [وفاة الشهاب ابن جنكلي] [٨٥]- وفيه مات الشهاب أحمد بن جنكلي (٦) بن البابا.

стр. 157

[صفر] [وفاة الكمال الإدفوي] [٨٦]-[وفي] صفر صاحب «الطالع السعيد في تاريخ الصعيد» (١) الكمال الإدفويّ (٢)، جعفر بن ثعلب (٣) بن جعفر بن علي الشافعيّ، عن ثمان وستين سنة. وكان أديبا، فاضلا، عالما، بارعا، وله شعر جيّد. [وفاة البرهان ابن عثمان] [٨٧]- ومات بعده البرهان إبراهيم بن محمد بن عثمان (٤). [ربيع الأول] [صرف منجك عن الوزارة] وفي ربيع الأول صرف منجك عن الوزارة، واستعفى بيبغاروس من النيابة، فلم يعف. وبقي منجك على ما بيده من الأستادارية، وأضيف له شادّية عمل الجسر في النيل، وقرّر في الوزارة أسندمر العمري المعروف برسلان بصل، وحلّت (٥) عليه زيادة هذا الشهر (٦). [نيابة صفد] وفيه أخرج أحمد شاد الشراب خاناه على نيابة صفد. وكان قد بلغ النائب عنه بأنه في قصد الركوب وإثارة فتنة هو وألجيبغا (٧) وطنيرق، فطلب النائب الإعفاء، فما أعفي وأخرج وأقهر كما ذكرناه (٨).

стр. 158

[الدعاء بالاستسقاء] وفيه اجتمع القضاة الأربع (١)، وجماعة من الفقهاء والمشايخ والأمراء وغيرهم بالجامع الحاكمي (٢)، وقرأوا فيه القرآن العظيم ودعوا وتفرّقوا، ثم اجتمعوا ثانيا في عصر ذلك النهار ودعوا للاستسقاء، فأغاث الله تعالى الناس بمطر غزير (٣). ولله الحمد على ذلك. [تخوّف النائب من الفتنة] وفيه كادت أن تثور فتنة، وأشيع ذلك حتى امتنع النائب من الركوب في الموكب وقال: إنّي تركت النيابة لأنه قد بلغني أنّ الأمراء المظفّرية قصدهم إثارة الفتنة، واتفقوا على القبض على ألجيبغا وطنيرق، فأنكرا ذلك، فخافهما أرغون الكاملي، وأنه واعدهم على الركوب والقبض على النائب منجك، فاعتذر ألجيبغا بعذر غير مقبول، ففهم ذلك وما رمي به. فخلع عليه بنيابة طرابلس، وعلى طنيرق بإمرة في دمشق، وأخرجا من يومهما، ثم شفع / ٤٣ أ / في طنيرق، وتوجّه ألجيبغا (٤). [ربيع الآخر] [إنشاء جسر الجيزة] وفي ربيع الآخر كان العمل في الجسر من الجيزة إلى المقياس، ومن الروضة إلى جزيرة أروى. وكانا جسرين عظيمين، أحدهما طوله مايتي (٥) قصبة في عرض ثمان قصبات، وارتفاعه في أربع قصاب (٦)، والآخر طوله ماية قصبة وثلثي (٧) قصبة. وردم فيه من مراكب الحجر اثني عشر ألف مركب، سوى التراب والطين، ونفق عليهما من المال ما لا يدخل تحت حصر. وجبى فيه منجك من الأموال التي فرضها على الناس ما لا يعبّر عنه، وشرح ذلك يطول، وهي مشهورة في عدّة من التواريخ. [عودة منجك للوزارة] وكان منجك قد أعيد إلى الوزارة في هذا الشهر (٨). [وفاة الزين البلفيائي] [٨٨]- وفيه مات الزين البلفيائي (٩) عمر بن محمد بن عبد الحكم بن عبد الرزّاق بن جعفر الشافعيّ.

стр. 159

وكان عالما، فاضلا، بارعا، سمع على جماعة، منهم: الأبرقوهي، والدمياطي. وصنّف وألّف. وتولّى هذا حلب، وناب في الحكم بالقاهرة، ولعلّه ولي قضاء صفد أيضا. ومولده سنة أحد (١) وسبعين وستماية. [تفريق الأمراء المظفّرية] وفيه أخرج جماعة من الأمراء المظفّرية، وفرّقوا في البلاد الشامية (٢). [وفاة نائب الكرك] [٨٩]- وفيه مات تمر بغا (٣) العقيليّ نائب الكرك. وكان إنسانا حسنا، أدوبا، حشما، عارفا، مشكور السيرة. وقرّر عوضه في نيابة الكرك جركتمر. [عمارة عين جوبان] وفيه قدم قاصد من عند أولاد جوبان ملك التتار والممالك المغليّة بمال لعمارة عين جوبان والدهم، وإجراء الماء إليها، وكان قد انقطع، وبلغهم ذلك، وكانوا تألّموا بسبب ذلك، فما وافق الأمراء المصريون على إعادتها بمالهم، وعيّن بعض الأمراء للخروج إلى عمارتها، وأن ينفق عليها قاضي القضاة العزّ بن جماعة من مال الحرمين، فاهتمّ العزّ للسفر إلى الحجّ حتى خرج. ثم أصلحت العين حتى جرى الماء فيها لكن بقلّة، ونفقت الناس مع ذلك لغلوّ الأسعار بمكة المشرّفة (٤). [الخازندارية] وفيه استقرّ في الخازندارية (٥) أيتمش الناصري الحاجب.

стр. 160

[هدية نائب الشام] وفيه وصلت هدية أرغون شاه نائب الشام / ٢٣ ب / وكانت زيادة عمّا جرت به عوائد نواب الشام، ولم يدع أحدا من الأمراء المقدّمين ولا من أرباب الوظائف ولا من غلمان السلطان ممّن له وظيفة حتى الفرّاشين والطبّاخين إلاّ وبعث إليهم بالهدية، فخلع على مملوكه بتجهيز ذلك عدّة خلع، وزيد في إقطاعه، ورسم له بالانفراد بنيابة الشام، وهو أحبّ إمرة إليه بالولاية والعزل على وفر اختياره (١). [مشيخة خانقاه سرياقوس] وفيه قرّر الصدر الكازاتي، الحنفيّ في مشيخة الشيوخ بخانقاه سرياقوس عوضا عن الركن الملطيّ المتوجّه إلى بلاد الهند (٢). [جماد الأول] [ركوب السلطان] وفي جماد الأول ركب السلطان إلى الميدان على العامة، وكان له يوما مشهودا (٣). [وفاة وزير التتار] [٩٠]- وفيه مات خليفة (٤) بن علي شاه ناصر الدين، وزير التتار بدمشق. وكان قدم من بلاده إلى الشام فقرّر في جملة الطبلخانات، وكان قدم مع وزير بغداد نجم الدين محمود في أيام نيابة تنكز على دمشق، فأعجب تنكز شكله وحسنه، فقال (٥) السلطان أن يكون عنده بالشام، فأجابه الناصر إلى ذلك، واختصّ بتنكز ولازمه وتقرّب منه. ثم لما قبض على تنكز صار ينقص (إقطاعه) (٦) حتى قرّره يلبغا في (. . . . .) (٧)، ثم نقله أرغون شاه إلى صفد فتمرّض بها، فحمل إلى دمشق للتداوي، فكانت منيّته بها. [وفاة كوكاي المنصوري] [٩١]- وفيه مات كوكاي المنصوري (٨) السّلحدار صهر تنكز نائب الشام،

стр. 161

وكان متموّلا جدّا، بلغت تركته زيادة على أربعمائة ألف دينار. [سقوط الدور ببولاق] وفيه سقطت الكثير من الدّور ببولاق بواسطة الجسر الذي عمل، فإنه لما زاد النيل هجم الماء على بولاق لقوّة الماء هناك، وتلف بواسطة ذلك أموالا (١) للناس نهبت لما سقطت تلك الأبنية من دور ورباع، وغير ذلك (٢). [جماد الآخر] [تسلّط السّرّاق بسرياقوس] وفي جماد الآخر خرج السلطان إلى ناحية سرياقوس وأقام بها أياما (٣)، وحصل على الناس أنكاد بسبب تسلّط السّرّاق عليهم، فقام الوزير منجك في ذلك، ووكّل عرب بني صبره بالسّرّاق حتى ظفر منهم بجماعة فسمّرهم وشهّرهم ووسّطهم، وأنعم على بني صبره بعدّة أقاطيع، وندبهم إلى الركوب في الليالي، وحمّلهم درك تلك النواحي (٤). [وفاة النور الأردبيلي] [٩٢]- وفيه مات النور الأردبيلي (٥) / ٢٤ أ / فرج بن محمد بن أحمد بن أبي الفرج الشافعيّ، شارح «منهاج» البيضاوي. وكان عالما، فاضلا، بارعا، ماهرا، منجمعا عن الناس، خيّرا، ديّنا، عالي الهمّة، وله عدّة تصانيف. علّق على «المنهاج» إلى البياعات ستّ مجلّدات. [رجب] [الحرب بين أولاد دمرداش والشيخ حسن] وفي رجب ورد الخبر بأنه كانت بين أولاد دمرداش والشيخ حسن حرب

стр. 162

انتصر فيها أولاد دمرداش وقتلوا الكثير من عسكر الشيخ حسن (١). [التوظيف بالمال] وفيه كثر سعي الناس في الوظائف وقرّر فيها عدّة من الأوباش والأطراف. وقصد باب الوزير منجك لذلك بالمال، ولم يرد أحد، فكثر طعن الأمراء فيه بسبب ذلك (٢). [وفاة ابن مهنّا] [٩٣]- وفيه قدم أحمد بن مهنّا (٣) إلى القاهرة فخلع عليه وقرّر في إمرة العرب، وخرج عائدا إلى بلاده وهو مريض، ومات بسلمية عن نيّف وخمسين سنة. وكان جوادا، كريما، خيّرا حسن المعاملة، يفي بالعهود، عاقلا، ساكنا، ليس في بني مهنّا مثله في العقل والسكون. وكان إذا مرض لا يتداوى، وإذا خاف السلطان لا يفرّ. وولي الأمر غير ما مرّة هذه آخرها. وأول من نوّه به من بينهم عمرو بن بلى في أيام الملك العادل. وديارهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرحبة آخره على سقي الفرات وأطراف العراق، وهي بلاد واسعة مشهورة، وعانة، والحديثة منها. ولهم مياه كثيرة ومناهل. وهم ملوك العرب وأكابرها. [خروج الحاج الرجبي] وفيه سار ركب الحاجّ الرجبيّ على العادة وحملوا المال معهم لعمارة عين جوبان (٤). وسافر قاضي القضاة العزّ بن جماعة. [سقوط الدور على شاطيء النيل] وفيه كثر سقوط الدّور التي على شاطيء النيل لما تقدّم ذكره من اندفاع الماء على بولاق بواسطة عمل الجسر الماضي ذكره (٥).

стр. 163

[ظهور الوباء بمصر] وفيه ترافعت الأخبار بوقوع الوباء في عامّة أرض مصر ونواحيها، وارتفع السعر وفشت الأمراض بالقاهرة، وخرج السلطان والأمراء إلى سرياقوس، ثم ظهر الوباء وتزايد بعد ذلك حتى كان الوباء العظيم الذي أخرب به النيل بعد ذلك (١). [شعبان] [تزايد الوباء بالقاهرة] وفي شعبان كان تزايده وفساده بالقاهرة، وكان عدد من يموت في أوائله مائتي إنسان، ثم عمّ وطمّ (٢). (غريبة) (٣) وفيه وصل محضر من مدينة حلب ثابت (٤) / ٢٤ ب / على قاضيها بكائنة غريبة نادرة اتفقت بنواحي تبريز، وهي أنّ عددا كبيرا من الأفاعي ذات خلقة هائلة في طولها وضخامتها اجتمعت وثارت ببعضها البعض بعد أن افترقت فرقتين، واقتتلت يوما كاملا إلى الليل، فافترقوا ثم عادوا (٥) في ثانية وثالثة، كذلك إلى اليوم الرابع، فقويت إحداهما على الأخرى وقتلت منها مقتلة عظيمة، وانهزم (٦) باقيها فلم تدع في هزيمتها شجرا إلاّ اقتلعته، ولا حجرا إلاّ قصمته، ولا حيوانا إلاّ أهلكته، وكان أمرا مهولا ومنظرا شنيعا جدّا، شهد به جماعة ممن حضروه وشاهدوه (٧). [رمضان] [صوم السلطان بسرياقوس] وفي رمضان وقع الاتفاق على أن السلطان يصوم بسرياقوس لكثرة الوباء وفشاؤه (٨) بالقاهرة (٩). [وفاة العلاء القونوي] [٩٤]- وفيه مات بدمشق العلاّمة العلاء القونوي (١٠)، علي بن محمود بن

стр. 164

حميد (١) الروميّ، الحنفيّ، شيخ الشيوخ بدمشق. وكان من العلم والفضل ومعرفة سائر الفنون، ومعرفة مذهب غيره أيضا. ومن الدين والخير بالمحلّ السامي المشهور. وله تصانيف مشهورة. سمع الحجّار، والجزريّ، وغيرهما، وطاف على الشيوخ، وأقرأ «الحاوي» في مذهب الشافعية، ولما ولي مشيخة الشيوخ بالسّميساطيّة أبطل ما كان يأخذه الشريف المالكيّ من الخواصّ في كل يوم. [ازدياد الوباء] وفيه زاد الوباء بالقاهرة وفزع الناس منه، وأخذ في البداية حتى كان فيه ما سنذكره. [وفاة الوليّ المنوفي] [٩٥]- وفيه مات الوليّ الصالح، الكبير، الشهيد، سيّدي عبد الله المنوفي (٢)، المغربيّ الأصل، المالكيّ، صاحب الكرامات. وكان له مشهدا حافلا (٣). ودفن بالصحراء. وقبره يزار سيما في عصرنا هذا. وقد ترجمه تلميذه الشيخ خليل بن الجندي المالكيّ ترجمة جيّدة في مجلّدة، وذكر علمه وفضله في العربية، والفقه، والأصول، والتصوّف، والتفسير، وغير ذلك، وذكر عبادته، وزهادته، وديانته وخيره، وصلاحه، وأخلاقه المرضيّة، وأوصافه الجميلة / ٢٥ أ / وكراماته، وأشياء أخر كثيرة. وقد (٤) أجاد فيها. وذكر أنّ مولده ببلاده سنة ٦٧٦. ومنه نالت الشيخ خليل البركة حتى وصل إلى ما وصل إليه من العلم والفضل. [القبض على ابن مهنّا] وفيه وصل فيّاض بن مهنّا بتقدمة جليلة فأخذت وقبض عليه وحمل إلى سجن الإسكندرية (٥).

стр. 165

[شوال] [وفاة طشتمر طلليه] [٩٦]- وفي شوال مات طشتمر طلليه (١)، وهو من مماليك الناصر محمد بن قلاون، وولي إمرة سلاح بعده. [وفاة زوجة الناصر] [٩٧]- وفيه مات الخوند طغاي (٢)، زوج الناصر محمد وأمّ ولده أنوك. وكانت بارعة الحسن والجمال، عفيفة، كريمة، وكانت أمة لبعضهم. وبلغ الناصر خبرها فبعث إلى تنكز نائب الشام يأمره بشرائها. وكان سيّدها مشغوفا بحبّها، فامتنع من بيعها، فلا زال تنكز به واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد حتى شراها بنحو الخمسة آلاف دينار، وجهّزت للناصر فأحبّها، وحظيت عنده. ويقال إنّ سيّدها ندم على بيعها، وقدم إلى مصر، فوقف للناصر بسببها، وشكى إليه حاله، فأعطاه ألف دينار، وكتب له مسموحا بألفي دينار أخرى. وترضّى خاطره. ثم ولدت أنوك، فسرّ به الناصر، واستأذنته في الحجّ، فجهّزها جهازا حافلا، حتى قيل إنه لم يسمع قبلها بامرأة سلطان حجّت حجّها. وبسببها أبطل الناصر مكس القمح بمكة المشرّفة ولم تنكب قط، وبلغت عدّة معتقيها من الجواري ألف أمة، ومن الطواشية ثمانين. واستمرّ الناصر على محبّتها حتى مات. ولها تربة بالصحراء يقال لها تربة خوند. [وفاة الشمس الأصفهاني] [٩٨]- وفيه مات العلاّمة الشمس الأصفهاني (٣)، شيخ الخاتونية القوصونيّة

стр. 166

محمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن علي الهمدانيّ، الشافعيّ. وكان عالما، عاقلا، فاضلا، بارعا، ماهرا في الفنون مبرّزا فيها. قدم من بلاده حاجّا، ثم قطن بدمشق، ثم طلب إلى القاهرة على البريد، وعظم قدره بها، / ٢٥ ب / وبنى (١) له قوصون الخانقاه المشهورة وقرّره في مشيختها. وله تصانيف عديدة منها: «شرح مختصر ابن الحاجب»، و «شرح الطوالع» و «الطالع»، و «بديع» ابن (٢) الساعاتي، و «تجريد» النصير الطوسي، وله «تفسير نفسه»، وناظر «العبر» في المنطق، وغير ذلك من التصانيف المشهورة، وكان من الخير والديانة على جانب. ومولده سنة ٦٧٤. [إحصاء الموتى داخل القاهرة] وفيه أحصي من مات في شعبان ورمضان بداخل القاهرة خاصّة، وكانوا تسعماية ألف (٣). [وفاة الشمس الأكفاني] [٩٩]- وفيه مات الشمس محمد الأكفاني (٤)، الطبيب والحكيم المشهور، صاحب التصانيف المشهورة. [وفاة قاضي حلب] [١٠٠]- وفيه مات قاضي حلب، النور بن الصائغ (٥) محمد بن محمد بن محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلّد بن جابر الأنصاري. وكان عالما، فاضلا، سمع على أحمد بن محمد بن الفراش. ولي قضاء حلب وشكر في ولايته.

стр. 167

[ذو القعدة] [تناقص الوباء] وفيه - ذي القعدة - قلّ الوباء وتناقص، فصار يموت كبار الناس. [وفاة طغاي اللكاش] [١٠١]- وفيه مات طغاي (١) اللكاش، ووصل خبر موته قتيلا بين عرب غرارة وبني هلال، وقتل كثير من جماعته وجنده. [مهاجمة العربان أسيوط] وثارت العربان، ونهبوا الغلال، وقطعوا الطرقات، وشنّوا الغارات، وهجموا على سيوط ونهبوها، وكانت فتنة كبيرة هناك (٢). [وفاة الأصفهاني] وفيه مات العلاّمة، الفقيه (٣)، الأصفهانيّ (٤). [وفاة التاج القزويني] [١٠٢]- وفيه مات التاج القزويني (٥)، عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الدمشقيّ، الشافعيّ، خطيب الجامع الأمويّ. ووالده هو الجلال القزويني قاضي القضاة. [١٠٣]- ومات معه أخوه الصدر عبد الكريم (٦). وكانا عالمين فاضلين. [وفاة الشمس ابن عدلان] [١٠٤]- ومات أيضا الشمس ابن (٧) عدلان (٨) محمد بن أحمد بن عثمان بن

стр. 168

إبراهيم بن عدلان بن محمود بن لاحق بن داود الكتّاني، الشافعيّ، عن ستّ وثمانين سنة. وكان عالما، فاضلا، مشهورا في مذهبه. [وفاة ابن اللبّان] [١٠٥]- والشمس ابن (١) اللبّان (٢) محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسعردي (٣). [وفاة الشمس الكتّاني] [١٠٦]- والشمس محمد بن الكتّاني (٤)، الشافعيّ. [وفاة الشمس الطبيب] [١٠٧]- والطبيب المشهور، الشمس، محمد بن محمد بن عبد الله بن صغير (٥). وكان فاضلا، عارفا بالطبّ، وله شعر حسن.

стр. 169

وفيه مات جماعات كثيرة يعسر عدّتهم. [ذوة الحجّة] [ارتفاع الطاعون] [وفي] ذي حجّة ارتفع الطاعون بعد أن جرف جرفا وزحف بجيش الآجال رجفا. / ٢٦ أ / وكان وباء عظيما قلّ أن رؤي مثله في هذه الأزمان القريبة عمّ البلاد جميعها، بل العالم كلّه في سائر الأقاليم. وله حكايات مشهورة، وقضايا مذكورة. وعرف بالوباء العامّ، ولم يدخل ثغر أسوان ولا بغرناطة من بلاد الأندلس ولا بغزّة وحماه، وما علم سلم من شرّه غير هذه البلاد فقط. ويعجب من ذلك. وكان من غرائب النوادر من كونه عمّ جميع أقاليم الأرض إلاّ هذه. وكان الناس يحرثون فيه (. . . . . .) (١) وطرقات القاهرة وشوارعها وأسواقها بالموتى، حتى أقفرت منه المنازل. وقال فيه الشعراء الأشعار، ومن جملة ذلك ما قاله المعمار (٢)، من جملة ما قال: يا من تمنّى الموت قم واغتنم (٣) ... هذا أوان الموت ما فاتا قد رخص الموت على أهله ... ومات من لا عمره ماتا وله: قبّح الطاعون داء ... فقدت فيه الأحبّة بيعت الأنفس فيه ... كل إنسان (٤) بحبّه (٥) (المعمار) (٦) [١٠٨]- واتفق موته في هذا الطاعون. وكان عامّيّا، ذكيّ الطبع، قويّ القريحة، وله أشعار

стр. 170

حسنة لائقة جيّدة، رائقة، مشهورة، وكان اسم والده علي بن إبراهيم، ويلقّب كمال الدين. [وفاة ابن الوردي] [١٠٩]- وفيه مات ابن (١) الورديّ (٢) أيضا، الزين عمر بن المظفّر (٣) بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس بن علي الحلبيّ، المعرّي الشافعيّ (٤). وكان عالما، فاضلا، فقيها، أديبا، شاعرا. ونظم «الحاوي» وصنّف وألّف، وعمل «مقامة» في هذا الوباء ومات عقيبها، وهي مشهورة لطيفة رقيقة. ومولده بعد الثمانين وستماية. [نفي طشبغا الدوادار] وفيها وقع بين كاتب السرّ العلاء بن فضل الله وطشبغا الدوادار مفاوضة أفضت به لأخذ طشبغا بأطواق كاتب السرّ، ودخلا إلى شيخوا (٥) وهما على ذلك، فأنكر شيخو على طشبغا، وأمر بإخراجه منفيّا بطّالا. وقرّر في الدوادارية قطليجا الأرغوني (٦).

стр. 171

[تقاتل العشير بالشام] [وفيها] ورد الخبر بخروج العشير ببلاد الشام عن الطاعة وقتلهم بعضهم البعض، وكثرة الحروب والفتن والشرور بينهم، ونهب الغور (١) ونابلس. [كسرة نائب الكرك] وورد الخبر أيضا بأنّ جركتمر / ٢٦ ب / نائب الكرك خرج (٢) إليهم لفسادهم وقطعهم الطرقات، فكسروه (٣). [توفّر الإقطاعات والمرتّبات] وفيه توفّرت الكثير من الأقاطيع والجوامك والمرتّبات بموت أهلها من هذا الوباء العظيم الذي لا يحدّ ولا يضبط المرتبات التي كانت به (٤). [قضاء العسكر] وفيه استقرّ في قضاء العسكر الحنفية ابن (٥) الأطروش. وفي قضاء العسكر الشافعية التاج بن المناويّ. وابن الأطروش أول حنفيّ ولي قضاء مصر (٦). [وفاة ابن فضل الله العمري] [١١٠]- وفيه مات كاتب سرّ دمشق، الشهاب أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلّي العمري (٧)، العدوي، الدمشقي، الشافعيّ بدمشق.

стр. 172

وكان بارعا في الإنشاء، فقيها عالما. وله شعر حسن. ومولده سنة سبعماية. [وفاة البرهان الحكري] [١١١]- وفيه مات البرهان الحكري (١) إبراهيم بن عبد الله بن علي المقري، الشافعيّ، شيخ الإقراء بمصر. [وفاة الصفيّ الحلّي] [١١٢]- وفيه مات الأديب الناقد، الصفيّ (٢) الحليّ (٣)، عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم (٤) بن أحمد بن نصر بن أبي العزّ بن سرايا بن باقي (٥) بن عبد الله السنبسيّ. وكان عالما، فاضلا، ماهرا في النظم. له شعر حسن مشهور.

стр. 173

ومولده سنة سبع وسبعين وستماية. [الظفر بخبيئة ببغداد] وفيها، أعني هذه السنة، ورد الخبر بأنّ الشيخ حسن صاحب بغداد ظفر بخبيّة بغداد بدار الخلافة، فيها عشرة آلاف قنطار دمشقية من الذهب النقد العين حتى تعجّب من ذلك (١). [توقف الأحوال بالقاهرة] وفيها كانت الأحوال متوقّفة بالقاهرة، سيما بسبب الفلوس، حتى نودي أن لا يؤخذ منها إلاّ ما عليه صكة السلطان أو غيره من الصكك (٢). [الفتن والوباء] وفيها كانت الفتن بساير الأقاليم. وفيها كان الوباء أيضا بكثير من الأقاليم، وكان عامّا، لكنه كان ابتدأ من بلاد التتار وتلك النواحي حين سنة اثنتين (٣) وأربعين، ولا زال زائدا حتى عمّ الدنيا بأسرها. وجرت فيه أمور وغرائب وعجائب قد ذكرها عدّة من المؤرّخين يطول الشرح في ذكرها.

стр. 174

سنة خمسين وسبعماية [محرّم] في محرّم كان الناس يتخطّفون بالوباء، فإنه ما ارتفع بالكلّية، لكنه تناقص جدّا حتى زال فيه بالكليّة (١). [وفاة العلاء التركماني] [١١٣]- وفيه مات العلاء التركمانيّ (٢)، قاضي [مصر] (٣)، علي بن عثمان بن إبراهيم بن / ٢٧ أ / مصطفى المارديني، الآمدي، الحنفيّ. وكان عالما فاضلا، علاّمة، ماهرا، بارعا. وله التصانيف الحافلة النافعة. وله شعر. وولي قضاء مصر وباشره مباشرة حسنة. ومولده سنة ثلاث وسبعين وستماية. وفيه لما مات ابن (٤) التركماني قام جماعة الحنفية وطلبوا من الأمير شيخو العمري أن يولّي القضاء لولده الجمالي عبد الله، فأجابهم إلى ذلك، وتولاّه وله من السنين نحوا (٥) من ثلاثين سنة (٦).

стр. 175

[وفاة التقيّ الإخنائي] [١١٤]- وفيه مات التقيّ الإخنائيّ (١) قاضي القضاة محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السعدي المالكيّ. وكان عالما فاضلا، سمع على جماعة منهم: الشرف الدمياطي، وابن المنبجي، وولي قضاء مصر. وأحبّه الناصر محمد بن قلاون، وحدث به عمّى، فلم يصرفه عن القضاء، وقدح عينه فأبصر. ومولده سنة ستّ وستين وستماية تقريبا (٢). [تدريس الحنفية بجامع ابن طولون] وفيه وصل الحاجّ وقدم فيهم قاضي القضاة الزين عمر بن البسطاميّ الحنفيّ، وكان قد عزل عن القضاء، فترك له الجمال عبد الله بن التركماني وظيفة تدريس الحنفية بجامع ابن (٣) طولون، فشكر على ذلك (٤). [زواج ابن التركماني] وفيه أيضا قدم من الحجاز العزّ بن جماعة قاضي القضاة الشافعية، فتزوّج الجمال ابن (٥) التركماني بابنته (٦).

стр. 176

[عودة فارس الدين من الحجاز] وقدم أيضا فارس الدين الذي كان قد عيّن لعمارة العين، وكان نازعه هناك في ذلك عرب بني شعبة، وجمعوا له، فتحارب وإيّاهم، وقتل منهم جماعة، وقتل لفارس الدين مملوكان، وهزم العرب (١). [الوباء بمكة والمدينة] وأخبر الحاجّ بأنه كان بمكة المشرّفة والمدينة الشريفة وباء مات به خلق، وجافت منه البوادي (٢). [صفر] [قضاء المالكية] [وفي] صفر قرّر في قضاء المالكية بعد موت التقيّ الإخنائي المذكور التاج محمد بن محمد بن أبي بكر بن عيسى الإخنائيّ ولد أخي التقيّ المذكور (٣). [كتابة أملاك القاهرة] وفيه تقدّم منجك الوزير لوالي القاهرة العلاء ابن الكوراني بأن يأمر الخفراء بجمع أرباب الأملاك والبائع بكتابة أملاك بيع التي بالقاهرة ومصر وظواهرهما، ومعرفة أسماء سكانها وملاّكها، فبادروا في عمل ذلك وكتبوا. وكان إذا وجد في الحارة أو الخطّ دارا (٤) خالية لا يعرف لها مالك ختموا عليها. وبيعت الفنادق والوكايل والحواصل والمخازن ونحوها، وفعل بها كذلك، وختموا على كثير من ذلك (٥). [تجريد العساكر على العشران] / ٢٧ ب / وفيه كتب لأرغون شاه نائب الشام بتجريد عسكر يضاف إلى جركتمر نائب الكرك لقتال العربان المفسدة بتلك النواحي، وكذلك العشران. وكانوا قد استطالوا بتلك البلاد حتى خرجوا عن الحدّ. وخرج أيضا نائب غزّة وغيره (٦). [ربيع الأول] [ظفر نائب غزّة بالعشير] وفي ربيع الأول وصل الخبر بظفر نائب غزّة بكثير من العشير بعد كبسه عليهم

стр. 177

ليلا، وأسر جماعة كبيرة منهم بعد أن قتل نحوا من ستين منهم، ثم وسّط المأسورون (١) بغزّة (٢). [وصول ابن مهنّا القاهرة] وفيه وصل نعير بن جبّار (٣) بن مهنّا أمير العرب بقود (٤) أبيه إلى القاهرة. [شنق روميّة] وفيه شنقت أمة روميّة الجنس خارج باب النصر وهي بإزارها ونقابها، وكانت قد قتلت سيّدتها وما شهر بمصر امرأة سبقت قبل هذه (٥). ثم وقع ذلك كثيرا. ووقع في دولة الأشرف قبل الثمانين وبعدها، كما سيأتي في محلّه إن شاء الله. [قتل أرغون شاه نائب دمشق] [١١٥]- وفيه وصل الخبر بقتل أرغون شاه (٦) الناصري، رأس نوبة الجمدارية، نائب الشام، على يد ألجيبغا (٧) المظفّري نائب طرابلس بحيلة تحيّل بها في قتله، وتسبّب على أمراء دمشق بعداوة كانت حدثت بينهما. وله حكاية تطول. وكان أرغون شاه هذا من مماليك الناصر ممّن بعث به إليه هو وملكتمر بو سعيد في هدية، وحظي عنده، ثم تنقّل في عدّة ولايات، منها رأس نوبة الأمراء الجمدارية، ثم الأستادارية، ثم نيابة صفد، ثم حلب، بعد أن تأمّر نائبا بمصر، ثم نيابة دمشق. وعظم قدره جدّا، وصار إليه الأمر في البلاد الشامية بأسرها. وكان سفّاكا للدماء، شرس الأخلاق، فحّاشا، فظّا، غليظا. أصله من بلاد العين، وقتله كان ذبحا، وكانت كائنة غريبة نادرة.

стр. 178

وفيه لما ورد خبر قتل أرغون شاه ارتجّت القاهرة وارتاع الأمراء لذلك، واتّهم بعضهم بعضا، وحلف كلّ من شيخو وبيبغاروس الناس على البراءة من قتله. وخرج الأمراء إلى ألجيبغا بإعلام مختصرة (١) في قتله بعد الإنكار عليه، وإلى أمراء دمشق بالتفحّص عن هذه الواقعة وكتابة الجواب. [ربيع الآخر] وفي ربيع الآخر عاد ألجيبغا (٢) ومعه إياس الذي كان نائب حلب أحد أمراء دمشق إلى طرابلس بعد قتل أرغون شاه، وخيّما بظاهرها، فجاء الخبر من أمراء دمشق إلى أمراء طرابلس بما وقع من ألجيبغا (٢) وأن يحترزوا منه، وأنه على أصل الخبر من القاهرة. فإنه كان لما فعل ما فعل أحاط بكثير من موجود أرغون شاه وما حمله إلى قلعة دمشق. / ٢٨ أ / ثم ظهر بعد ذلك أنه احتيال، وزوّر مرسوما على لسان السلطان بما فعله، واعترف كاتب المرسوم أنه أجبر على ذلك، وأنه لما كتب كتبه في أوصال مقلوبة عسى يتفطّن إلى تزويره. [قتل ألجيبغا وإياس] [١١٦]- ثم جرت أمور، وكتب بالقبض على ألجيبغا وإياس، وقبض عليهما بعد أشياء. وحمل ألجيبغا (٢) مقيّدا إلى دمشق. ثم أقدم عليه إياس، وسجنا بها حتى ورد الأمر بقتلهما، فأخرجا ووسّطا، وعلّقا على الخشب. وكان ألجيبغا إذ ذاك حدثا ما (٣) طرّ شاربه، له نحوا (٤) من تسع عشرة سنة. [١١٧]- وإياس (٥)، وكان من نصارى الأرمن، وترقّى في أيام الناصر محمد بن

стр. 179

قلاون، وآل أمره أن ولي نيابة حلب، ثم تأمّر بدمشق، ووقع بينه وبين أرغون شاه عداوة، فإنّه ولي نيابة حلب عوضه. [نيابة دمشق وحلب وطرابلس] وفيه استقرّ في نيابة الشام أرقطاي نائب حلب. وقرّر في نيابة حلب عوضه نائب حماه قطليجا الحموي. وقرّر في نيابة طرابلس مسعود بن خطير عوضا عن ألجيبغا (١). [جماد الأول] [وصول موجودات ألجيبغا وإياس] وفي جماد الأول وصل موجود أرغون شاه ومماليكه، وكذا موجود ألجيبغا المظفّري وإياس، وكان شيئا كثيرا، فتصرّف فيه منجك كيف يختار (٢). [وفاة أرقطاي نائب الشام] [١١٨]- وفيه وصل الخبر بموت أرقطاي (٣) الذي قرّر في نيابة الشام. وكان أرقطاي هذا من مماليك المنصور قلاون، وتنقّل في عدّة ولايات، منها نيابة حمص، ثم صفد، ثم قدم إلى مصر، ثم ولي نيابة طرابلس، ثم أسجن، ثم ولي نيابة حلب، ثم طلب إلى مصر وقرّر رأس الميمنة، ثم ولي نيابة السلطنة، ثم أخرج باستعفائه إلى نيابة حلب كما تقدّم، ونقل إلى نيابة الشام. وكان مشكور السيرة. [وفاة الشهاب الهكاري] [١١٩]- ومات شيخ الإقراء بمصر، الشهاب الهكّاري (٤) أحمد بن الحسين (٥)

стр. 180

ابن موسى بن موسك بن جكو (١) عن ست وسبعين سنة. وكان محدّثا مقرئا، نحويّا، عالما، فاضلا، له شهرة. [القبض على أمراء بدمشق] وفيه عيّن قماري الحمويّ بالتّوجّه إلى دمشق فتوجّه وجميع أمراؤها (٢)، وقبض على كثير منهم وقيّدوا وسجنوا (٣). [ازدياد حركة العشران] وفيه توقّفت أحوال الدولة توقّفا فاحشا (٤). وفيه زاد شرور العشران ببلاد القدس ونابلس وتلك النواحي، وكذا العربان، وجالوا في البلاد بالفساد وقطع الطرقات ونهب الأموال (٥). وجرت فتن كثيرة يطول الشرح في ذكرها. [جماد الآخر] وفي جماد الآخر خرجت تجريدة عظيمة إلى قتال العرب والعشران، عليها منجك الوزير، وبينما هو آخذ / ٢٨ ب / في أهبة السفر قبل خروجه إذ وصل الخبر بموت قطليجا نائب حلب الذي كتب باستقراره في نيابة الشام عوضا عن أرقطاي، فقصد بيبغاروس النائب، ومنجك الوزير إخراج طاز على نيابة الشام، ومغلطاي أمير أخور على نيابة حلب ، فما وافقهما على ذلك، وكادت أن تثور فتنة كبيرة (٦). [نيابة الشام] فقرّر في نيابة الشام أيتمش الناصريّ (٧). [نيابة حلب] وسأل أرغون الكاملي أن يولّى حلب فأجيب إلى ذلك وخلع عليه بها. وقرّر في مقدّمته قطلوبغا الذهبي، ورسم له بالسفر، وسافر مع الوزير منجك (٨).
следующие страницы →