← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

[عودة فارس الدين من الحجاز] وقدم أيضا فارس الدين الذي كان قد عيّن لعمارة العين، وكان نازعه هناك في ذلك عرب بني شعبة، وجمعوا له، فتحارب وإيّاهم، وقتل منهم جماعة، وقتل لفارس الدين مملوكان، وهزم العرب (١). [الوباء بمكة والمدينة] وأخبر الحاجّ بأنه كان بمكة المشرّفة والمدينة الشريفة وباء مات به خلق، وجافت منه البوادي (٢). [صفر] [قضاء المالكية] [وفي] صفر قرّر في قضاء المالكية بعد موت التقيّ الإخنائي المذكور التاج محمد بن محمد بن أبي بكر بن عيسى الإخنائيّ ولد أخي التقيّ المذكور (٣). [كتابة أملاك القاهرة] وفيه تقدّم منجك الوزير لوالي القاهرة العلاء ابن الكوراني بأن يأمر الخفراء بجمع أرباب الأملاك والبائع بكتابة أملاك بيع التي بالقاهرة ومصر وظواهرهما، ومعرفة أسماء سكانها وملاّكها، فبادروا في عمل ذلك وكتبوا. وكان إذا وجد في الحارة أو الخطّ دارا (٤) خالية لا يعرف لها مالك ختموا عليها. وبيعت الفنادق والوكايل والحواصل والمخازن ونحوها، وفعل بها كذلك، وختموا على كثير من ذلك (٥). [تجريد العساكر على العشران] / ٢٧ ب / وفيه كتب لأرغون شاه نائب الشام بتجريد عسكر يضاف إلى جركتمر نائب الكرك لقتال العربان المفسدة بتلك النواحي، وكذلك العشران. وكانوا قد استطالوا بتلك البلاد حتى خرجوا عن الحدّ. وخرج أيضا نائب غزّة وغيره (٦). [ربيع الأول] [ظفر نائب غزّة بالعشير] وفي ربيع الأول وصل الخبر بظفر نائب غزّة بكثير من العشير بعد كبسه عليهم

стр. 177

ليلا، وأسر جماعة كبيرة منهم بعد أن قتل نحوا من ستين منهم، ثم وسّط المأسورون (١) بغزّة (٢). [وصول ابن مهنّا القاهرة] وفيه وصل نعير بن جبّار (٣) بن مهنّا أمير العرب بقود (٤) أبيه إلى القاهرة. [شنق روميّة] وفيه شنقت أمة روميّة الجنس خارج باب النصر وهي بإزارها ونقابها، وكانت قد قتلت سيّدتها وما شهر بمصر امرأة سبقت قبل هذه (٥). ثم وقع ذلك كثيرا. ووقع في دولة الأشرف قبل الثمانين وبعدها، كما سيأتي في محلّه إن شاء الله. [قتل أرغون شاه نائب دمشق] [١١٥]- وفيه وصل الخبر بقتل أرغون شاه (٦) الناصري، رأس نوبة الجمدارية، نائب الشام، على يد ألجيبغا (٧) المظفّري نائب طرابلس بحيلة تحيّل بها في قتله، وتسبّب على أمراء دمشق بعداوة كانت حدثت بينهما. وله حكاية تطول. وكان أرغون شاه هذا من مماليك الناصر ممّن بعث به إليه هو وملكتمر بو سعيد في هدية، وحظي عنده، ثم تنقّل في عدّة ولايات، منها رأس نوبة الأمراء الجمدارية، ثم الأستادارية، ثم نيابة صفد، ثم حلب، بعد أن تأمّر نائبا بمصر، ثم نيابة دمشق. وعظم قدره جدّا، وصار إليه الأمر في البلاد الشامية بأسرها. وكان سفّاكا للدماء، شرس الأخلاق، فحّاشا، فظّا، غليظا. أصله من بلاد العين، وقتله كان ذبحا، وكانت كائنة غريبة نادرة.

стр. 178

وفيه لما ورد خبر قتل أرغون شاه ارتجّت القاهرة وارتاع الأمراء لذلك، واتّهم بعضهم بعضا، وحلف كلّ من شيخو وبيبغاروس الناس على البراءة من قتله. وخرج الأمراء إلى ألجيبغا بإعلام مختصرة (١) في قتله بعد الإنكار عليه، وإلى أمراء دمشق بالتفحّص عن هذه الواقعة وكتابة الجواب. [ربيع الآخر] وفي ربيع الآخر عاد ألجيبغا (٢) ومعه إياس الذي كان نائب حلب أحد أمراء دمشق إلى طرابلس بعد قتل أرغون شاه، وخيّما بظاهرها، فجاء الخبر من أمراء دمشق إلى أمراء طرابلس بما وقع من ألجيبغا (٢) وأن يحترزوا منه، وأنه على أصل الخبر من القاهرة. فإنه كان لما فعل ما فعل أحاط بكثير من موجود أرغون شاه وما حمله إلى قلعة دمشق. / ٢٨ أ / ثم ظهر بعد ذلك أنه احتيال، وزوّر مرسوما على لسان السلطان بما فعله، واعترف كاتب المرسوم أنه أجبر على ذلك، وأنه لما كتب كتبه في أوصال مقلوبة عسى يتفطّن إلى تزويره. [قتل ألجيبغا وإياس] [١١٦]- ثم جرت أمور، وكتب بالقبض على ألجيبغا وإياس، وقبض عليهما بعد أشياء. وحمل ألجيبغا (٢) مقيّدا إلى دمشق. ثم أقدم عليه إياس، وسجنا بها حتى ورد الأمر بقتلهما، فأخرجا ووسّطا، وعلّقا على الخشب. وكان ألجيبغا إذ ذاك حدثا ما (٣) طرّ شاربه، له نحوا (٤) من تسع عشرة سنة. [١١٧]- وإياس (٥)، وكان من نصارى الأرمن، وترقّى في أيام الناصر محمد بن

стр. 179

قلاون، وآل أمره أن ولي نيابة حلب، ثم تأمّر بدمشق، ووقع بينه وبين أرغون شاه عداوة، فإنّه ولي نيابة حلب عوضه. [نيابة دمشق وحلب وطرابلس] وفيه استقرّ في نيابة الشام أرقطاي نائب حلب. وقرّر في نيابة حلب عوضه نائب حماه قطليجا الحموي. وقرّر في نيابة طرابلس مسعود بن خطير عوضا عن ألجيبغا (١). [جماد الأول] [وصول موجودات ألجيبغا وإياس] وفي جماد الأول وصل موجود أرغون شاه ومماليكه، وكذا موجود ألجيبغا المظفّري وإياس، وكان شيئا كثيرا، فتصرّف فيه منجك كيف يختار (٢). [وفاة أرقطاي نائب الشام] [١١٨]- وفيه وصل الخبر بموت أرقطاي (٣) الذي قرّر في نيابة الشام. وكان أرقطاي هذا من مماليك المنصور قلاون، وتنقّل في عدّة ولايات، منها نيابة حمص، ثم صفد، ثم قدم إلى مصر، ثم ولي نيابة طرابلس، ثم أسجن، ثم ولي نيابة حلب، ثم طلب إلى مصر وقرّر رأس الميمنة، ثم ولي نيابة السلطنة، ثم أخرج باستعفائه إلى نيابة حلب كما تقدّم، ونقل إلى نيابة الشام. وكان مشكور السيرة. [وفاة الشهاب الهكاري] [١١٩]- ومات شيخ الإقراء بمصر، الشهاب الهكّاري (٤) أحمد بن الحسين (٥)

стр. 180

ابن موسى بن موسك بن جكو (١) عن ست وسبعين سنة. وكان محدّثا مقرئا، نحويّا، عالما، فاضلا، له شهرة. [القبض على أمراء بدمشق] وفيه عيّن قماري الحمويّ بالتّوجّه إلى دمشق فتوجّه وجميع أمراؤها (٢)، وقبض على كثير منهم وقيّدوا وسجنوا (٣). [ازدياد حركة العشران] وفيه توقّفت أحوال الدولة توقّفا فاحشا (٤). وفيه زاد شرور العشران ببلاد القدس ونابلس وتلك النواحي، وكذا العربان، وجالوا في البلاد بالفساد وقطع الطرقات ونهب الأموال (٥). وجرت فتن كثيرة يطول الشرح في ذكرها. [جماد الآخر] وفي جماد الآخر خرجت تجريدة عظيمة إلى قتال العرب والعشران، عليها منجك الوزير، وبينما هو آخذ / ٢٨ ب / في أهبة السفر قبل خروجه إذ وصل الخبر بموت قطليجا نائب حلب الذي كتب باستقراره في نيابة الشام عوضا عن أرقطاي، فقصد بيبغاروس النائب، ومنجك الوزير إخراج طاز على نيابة الشام، ومغلطاي أمير أخور على نيابة حلب ، فما وافقهما على ذلك، وكادت أن تثور فتنة كبيرة (٦). [نيابة الشام] فقرّر في نيابة الشام أيتمش الناصريّ (٧). [نيابة حلب] وسأل أرغون الكاملي أن يولّى حلب فأجيب إلى ذلك وخلع عليه بها. وقرّر في مقدّمته قطلوبغا الذهبي، ورسم له بالسفر، وسافر مع الوزير منجك (٨).

стр. 181

[كثرة القيل والقال بحق منجك وأخيه] وكان الوزير في عمل عظيم، وقد كثرت القالة في حقّه، وأخذوا يتقاولوا (١) بانقضاء مدّته ومدّة أخيه بيبغاروس، وفشت الإشاعة بأنّ شيخوا، وطاز، ومغلطاي قد اتفقوا عليهما حتى بلغهما ذلك، وقصدا إبطال التجريدة بعد خروج العسكر (٢). ثم وصل الخبر لمنجك بعد رحيله من بلبيس بأن العرب فرّت إلى البريّة، وأن أدّى (٣) نهب الكثير من مالهم، وانفرد (٤) في البلاد بعشرانه. وعاد منجك بعد أربعة أيام وقد حصل له من التقادم ما قيمته زيادة على الماية ألف دينار. وكان لدخوله القاهرة يوما مشهودا (٥). [وفاة قطليجا] [١٢٠]- وأمّا قطليجا الحمويّ (٦)، وكان من مماليك الناصر وأخصّائه، وتنقّل حتى ولي نيابة حماه، ثم حلب، ثم عيّن لنيابة الشام، وخرج إليه ملكتمر بالتقليد، فلما وصل إلى حلب وجده متغيّر المزاج، ومع ذلك فتجهّز وخرج إلى ظاهر حلب، فبغته الأجل في طريقه قبل بلوغ أمله. وكان سيّء السيرة. [نيابة غزّة] [وفيه] قرّر في نيابة غزّة دلنجي، وبقي إقطاعه معه وصرف منجك، وكان قد طمع العرب في جانبه (٧). [رجب] [القبض على جماعة من العشير] [وفي] رجب ورد الخبر بأن دلنجي نائب غزّة قبض على جماعة من العشير نحوا من مايتي نسمة، ووسّطهم بغزّة. وكان من خبر ذلك أنّ دلنجي هذا لما ولي غزّة ووقع ما وقع وفرّت العربان،

стр. 182

وقدمت (١) العشران وأظهروا الطاعة، ثم بلغه أنهم تجمّعوا وقصدوا نهب رملة لدّ مرة ثانية، فركب إليهم، ولقيهم قريبا من لدّ، / ٢٩ أ / فنزل تجاههم، وما زال يراسلهم ويطمّنهم ويحتال عليهم بكل حيلة ويخادعهم، حتى قدم إليه من أكابرهم القدر المذكور، فقبض عليهم وعاد بهم إلى غزّة، فتفرّق الباقي سيما لما وسّط أكابرهم (٢). [نائب حلب] وفيه خرج طلب أرغون الكاملي نائب حلب إليها (٣). [وفاة المكين القبطي] [١٢١]- وفيه مات المكين إبراهيم بن قروينة (٤) القبطيّ، بعد ما ولي استيفاء الصحبة، ونظر البيوت، ثم نظر الجيش غير ما مرة، وصودر غير ما مرة. [طلب أرقطاي] وفيه وصل طلب أرقطاي وولده من الشام (٥). [شعبان] [كشف الجسور] وفي شعبان أضيف كشف الجسور إلى ولاة الأقاليم، وكتب يطلبهم إلى القاهرة (٦). [إحضار مشايخ العشير] [وفيه] خرج قبلاي حاجب الحجّاب ومعه مضافيه (٧) من الطبلخانات والعشرات إلى جهة غزّة لإحضار مشايخ العشران، وعاد وقد احتال على جماعة وأخذهم (٨). [إعادة الضمان إلى الفار] وفيه أعيد الضامن (المظالم) (٩) الذي يقال له «الفار» إلى ضمان الجهات. وكان بطّالا مدّة، والناس آيسون من شرّه، حتى أعاده منجك، فساءت سيرته عمّا كانت، فإنه زاد في المعاملات ثلاث ماية ألف درهم في السنة (١٠).

стр. 183

[رمضان] [وفاة ابن عبّاد الأندلسي] [١٢٢]- وفي رمضان مات أبو جعفر أحمد بن سعد بن عبّاد الأندلسيّ (١) المالكيّ، المعروف بالنجار. وكان عالما، فاضلا، عارفا بالشروط. ولي قضاء بعض بلاد الأندلس. [قتل أمير العرب] [١٢٣]- وفيه ثار أخو أدي (٢) لما قبض عليه نائب غزّة، وقصد (٣) كبس غزّة، فخرج إليه نائبها دلنجي، والتقيا على ميل (من) (٤) غزّة، وتحاربا ثلاثة أيام، وقتل في اليوم الرابع بسهم أصابه، وكتب بذلك إلى مصر، فخرج الأمر لنائب صفد، ونائب الكرك بخروجهما نجدة (٥) له. [احتراز الأمراء من بعضهم] وفيه زادت ضخامة شيخو، وطاز، وزاد تمكّنهما من المملكة، وعارضا النائب بيبغاروس، ومنجك الوزير، وصار كلّ من الفرقتين محترز (٦) من الأخرى. [شوّال] [إبطال سماط عيد الفطر] وفي شوال أبطل منجك، سماط عيد الفطر، واحتجّ بأنه يقوّم بنحو الخمسين ألف درهم، ولا فائدة معتبرة، فإنّ الغلمان والعبيد ينهبوه (٧)، وأحوال الدولة متوقّفة، وتوفرة هذا السماط من المصلحة. وكان قد أبطل أيضا سماط شهر رمضان، فاشتدّ إنكار الأمراء عليه، بل وغير الأمراء (٨). [وفاة طقتمر الشريفي] [١٢٤]- وفيه مات بدمشق طقتمر (٩) الشريفي (١٠)، السّلحدار، وكان أحد الأمراء بدمشق، وعمي.

стр. 184

[إزالة دولة الموحّدي بتونس] وفيه سار (١) السلطان أبو الحسن علي بن عثمان / ٢٩ ب / بن يعقوب بن عبد الحق المريني، صاحب فاس عن تونس، وكان قدم إليها بجيوشه وملك إفريقية واستوثق لنفسه، واستخلف ابنه أبا [العباس] (٢) الفضل بها، وزالت دولة أبي حفص الموحّدي (٣)، [على] ما سنذكره. [انتهاء عمارة قيسارية المناوي] وفيه كان نهاية القيسارية التي أنشأها التاج المناوي بجوار الجامع الطولونيّ من مال وقف الجامع المذكور، وتشتمل على ثلاثين حانوتا (٤). [تجهيز الغلال إلى مكة] وفيه جهّز الأمراء إلى مكة المشرّفة وتلك النواحي الآلاف من إردب (٥) الغلال. [خروج الحاجّ المصري] وفيه خرج الحاجّ والمحمل صحبة فارس الدين، ومعه عدّة من مماليك الأمراء، وحمل معه من مال بيت المال، والمودع الحكمي (٦) أيضا مبلغا لعمارة عين جوبان وتقويتها، ومبلغ عشرة آلاف درهم زيادة عمّا حمل للعمارة، لتصرف إلى العرب بسبب العين المذكورة. ورسم بأن تكون مقرّرة لهم في كل سنة. وكان الحاجّ في هذه السنة كثيرا جدّا. [تفرّق العربان بالأرياف] وفيه تفرّقت العربان البادية بالريف. كانوا ببلاد غزّة في بلاد مصر، ونزل أكثرهم بالغربية والشرقية، لربط إبلهم على القرط (٧). [ذو القعدة] [عودة تونس إلى الحفصيّين] وفي ذي قعدة قام أبو العباس الفضل بن أبي بكر بن علي بن إبراهيم الحفصي

стр. 185

فملك تونس من أبي الفضل المريني الماضي خبره. وعاد ملك إفريقية إلى حفص كما كان، وبطل منها [حكم] (١) بني مرين. [كبسة نائب غزّة للعربان] وفيه وردت مكاتبات دلنجي نائب غزّة بأنّ العربان تفرّقوا ببلاد الشرقية والغربية، فرسم بالكبس عليهم حيث ما وجدوا، فتتبّعوا بالبلاد وقبض على زيادة على الثلاثماية رجل منهم، واستولى على نحو الثلاثة آلاف من الجمال لهم، ووجد في جملة ما وجد عندهم ثياب الجند وآلات سلاحهم وحوايصهم، فاستعمل الرجال في العماير حتى هلك الكثير منهم (٢). [كشف الجسور] وفيه خرج عدّة من الأمراء لعدّة من النواحي لكشف الجسور (٣). [وفاة الشهاب الأندرشي] [١٢٥]- وفيه مات شيخ النحو الشهاب العسكري، الأندرشيّ (٤)، أبو العباس أحمد بن سعد (بن محمد) (٥) بن أحمد الغسّاني، المالكيّ. وكان عالما، فاضلا، بارعا ماهرا في العربية. قدم من بلاده إلى دمشق فاستوطنها، وانتفع به الناس في العربية. وشرح كتاب «سيبويه» شرحا حافلا في أربع مجلّدات. وله عدّة تصانيف أخر. ومولده بعد السبعين وستماية. / ٣٠ أ / ومن نوادره الغريبة أنه قيل له يوما: إنّ تنكز نائب الشام قتل، وكان ذلك بعد قتله (بنحو) (٦) الخمس سنين وولاية غيره من النواب. فقال: ما علمت ذلك. وذلك لشدّة إعراضه (عن) (٧) همّ الناس.

стр. 186

[الشكوى من التكاليف] وفيه توقّفت أحوال الدولة، وكثر الكلام من الأمراء وغيرهم، فشكى (١) الوزير من كثرة الكلف، وعمل حساب متحصّل الدولة ومصروفها. وكان المصروف بزيادة أربعة عشر (٢) ألف ألف وستماية ألف درهم، فتقاضى الأمراء عند سماع ذلك إلاّ مغلطاي الأمير أخور. وكان طلب زيادة في إقطاعه، فقال: من يحاقق المباشرين على قولهم، وغضب. [الإنعام على النواب بالسرحة] وفيه خرج طاز لسرحة البحيرة، وأنعم عليه من مال الإسكندرية بألفي دينار. وخرج أيضا صرغتمش، فأنعم عليه أيضا بألف دينار. ثم خرج النائب بيبغاروس، وأنعم عليه بثلاثة آلاف دينار. ثم خرج شيخو وأنعم عليه بثلاثة آلاف أيضا (٣). [زيادة إقطاع مغلطاي] وفيه استرضى مغلطاي الأمير أخور، فزيد في إقطاعه ناحية صهرجت (٤). [دخول شيخو الإسكندرية] وفيه لما دخل شيخو إلى الإسكندرية كان له يوما مشهودا (٥) واهتمّ أهلها به، وشكوا إليه مظالم بها، فأبطلها، وكتب بذلك مرسوم (٦). [ذو الحجّة] [الخلعة لابن زنبور] وفي ذي حجّة صعد العلم بن زنبور إلى القلعة، وخلع عليه، ونزل في موكب حافل إلى داره، وكان قد مرض أربعين يوما تصدّق فيها بثلاثين ألف درهم، وأفرج عن جماعة من المساجين، فعوفي (٧). [إبطال سماط عيد النحر] وفيه أبطل الوزير منجك سماط عيد النحر أيضا (٨).

стр. 187

[وفاة النجم الأصفوني] [١٢٦]- وفيه مات النجم الأصفوني (١) عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن علي القرشيّ، الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، اختصر (٢) «الروضة». ومولده سنة سبع وسبعين وستماية. [إبطال قمصان النساء] وفيه أبطل الوزير ما أحدثه النساء من القمصان التي خرجت في كبير أكمامها عن الحدّ، وإبطال الأزر الحرير، والخفاف، والسراميز التي أحدثنها أيضا وتغالين فيها. وعقد بسبب ذلك مجلس بحضور السلطان. وكتب إليهم أيضا بمنع النساء من ذلك، وأنه ممّا يجب. فأمر الوالي بأن يمنع من ذلك، فقام في ذلك أشدّ قيام، ووقعت أشياء تطول (٣). [قضاء الحنابلة بدمشق] وفيها قرّر قضاء الحنابلة بدمشق الجمالي يوسف المرداوي (٤)، عوضا عن العلاء علي بن أبي / ٣٠ ب / البركات (٥) بن عثمان بن أسعد بن المنجّا بعد موته في هذه السنة. [قضاء الشافعية بحلب] وفيها أيضا، استقرّ في قضاء [الشافعية] (٦) بحلب النجم محمد الزرعيّ، بعد موت النجم عبد الظاهر بن أبي السفاح.

стр. 188

[وفاء النيل] وفيه توقّفت زيادة النيل، ثم حصل الوفاء، ثم نقص نحوا من ثلثي ذراع، ودام في ستة عشر ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا، إلى أن وصل النوروز. ثم ردّ ما نقصه وزاد إصبعين، فبلغ ستة عشر ذراعا وثلاثا وعشرين إصبعا يوم عيد الصليب (١). [غرق الأراضي] وفيها غرق (٢) الكثير من الأراضي بكثير من النواحي لإضاعة الولاة النظر في حال الجسور، ومنع الجراريف. وامتدّت أيديهم مع ذلك كلّه إلى الفلاّحين، وأغرموا ما لا طاقة لهم به، وما لم تجر (٣) به العوائد. وشكي من الولات (٤) للوزير، فما التفت إلى ذلك (٥). [وفاة نوغاي البدري] [١٢٧]- وفيها مات نوغاي (٦) البدري والي الفيّوم. [وفاة ابنة الناصر محمد] [١٢٨]- والخوند (٧) ابنة الناصر محمد بن قلاون زوج (طاز) (٨)، وتركت موجودا هائلا، من جملة ذلك قبقاب مرصّع قيمته ألفي (٩) دينار. [وفاة ابن زنبور] [١٢٩]- ومات العلم ابن (١٠) زنبور (١١)، ناظر الدولة، وكان مشهورا.

стр. 189

سنة إحدى وخمسين وسبعماية [محرّم] [الشكوى من الفار] في محرّم وقف العامّة للسلطان يشكون من مظالم الضامن وما أحدثه من الزيادة في ضرائب المكوس، فما التفت إليهم. وكان قد حلّ بالناس من البلايا ما لا يعبّر عنه من إحداث ذلك والتجاوز عن الحدّ. وكانت حوادث قبيحة في دار البطّيخ ودار السمك، بل وفي سائر المعاملات. فإنّ هذا العدوّ لله كان من جهة الوزير منجك، وهو يجرف إليه الأموال جرفا. وتمكّن منه تمكّنا زائدا بحيث كان منجك يعظّمه جدّا ويقول: «هذا أخي» (١). [وقعة صاحب بغداد مع العرب] وفيه أوقع الشيخ حسين صاحب بغداد وهو وحيار بن مهنّا بطائفة من العرب وقتل منهم نحوا من المايتين، وأسر جماعة كثيرة، وفرّ منهم عدّة إلى جهة الرحبة، فبعث حيار بن مهنّا إلى باش الرحبة، وهو إذ ذاك ماردين النوري، وطلب منه تمكينه منهم، فامتنع من ذلك، فكتب إلى (٢) السلطان، فعزله عن النيابة (٣). [وصول التاجر ابن مسافر] وفيه قدم إلى القاهرة الخواجا عمر بن مسافر، تاجر المماليك، بعد غيبة طويلة، وقدم معه صاحب حصن كيفا، فأكرما، وزاد شيخوا (٤) في إكرام الخواجا عمر فإنه تاجره الذي كان قدم به / ٣١ أ / من بلاده ونسب إليه. وكان من جملة ما أحضره صاحب حصن كيفا من المتجر نحوا من ثلاثماية جلد سنجاب فرو، فروعي في متجره، وقدّم للأمراء تقادم جليلة. وبعثوا هم أيضا إليه بمال جليل. وأقام بمصر، وعاد بعد شهر إلى بلاده (٥).

стр. 190

[إنتهاء عمارة منجك] وفيه انتهت عمارة منجك بالصوّة الذي يعرف (١) الآن بالمنجكيّة، وهو صهريج منجك الذي أنشأه على الثغرة (٢) تحت القلعة (٣)، ووقف عليه ناحية بلقينه من الغربية، اشتراها من بيت المال بخمسة وعشرين ألف درهم، وأنعم عليه بها (٤). [عودة الحجّاج] [وفيه] قدم الحاجّ وقد حلّ بهم من البلاء ما لا يعبّر عنه ولا يوصف من شدّة الغلاء وقلّة الماء بمكة، حتى همّوا بالخروج منها ونزول بطن مر. فبعث الله تعالى في تلك الليلة بمطر استمرّ يومين وليلة حتى امتلأت البرك والآبار. وقدم أيضا عدّة قوافل بالغلال، فانحلّ السعر، وحصل بهم أيضا تخوّف من دخولهم المدينة لما كان قد وقع بها من أميرها، وكان قد صرف بسعد، فجمع جموعا وهجم المدينة الشريفة، واستولى على ما كان بها من ودائع الناس وعلى أموال الخدّام، وأخذ من قناديل الحجرة وأموال الأغنياء، وغيرهم وخرج (٥). [صفر] [رسل ملك الروم] [وفي] صفر قدم رسل أرتنا ملك الروم وعلى يدهم مكاتبة السلطان يطلب تقليد النيابة ببلاد الروم عن السلطان، فأكرموا وأجيبوا إلى ذلك (٦). [إخماد فتنة] وفيه كادت أن تثور فتنة بين الأمير منجك ومغلطاي أمير أخور، واستعدّ كلّ منهما لصاحبه بجماعته، حتى قام شيخو في ذلك وأخمد الفتنة (٧). [حريق البندقانيين] وفيه وقع حريق بخطّ البندقانيين، فهلك به وتلف الكثير من الدّور، وركب إليه

стр. 191

شيخو، والنائب بيبغاروس، وعامّة الأمراء، ومنعوا العامّة من النهب، ووقعت أشياء تطول. وأعيا (١) الناس طفي هذه النار (٢). وكان الهواء شديدا، فامتدّت النار إلى الرسّامين، وتعلّقت بما تجاه ذلك من الدّور، إلى أن اتصلت بزقاق الكنيسة آخذة إلى دار الجوكندار، ولم يبق إلاّ أن تصل لدار العلاء ابن فضل الله كاتب السرّ. وعظم الخطب، ونال الناس ذلك وأعياهم طفيها. ووقعت جهات، وذهب في هذا الحريق من الأموال ما لا ينحصر. ثم تتابع الحريق / ٣١ ب / بعد ذلك بالقاهرة وبمصر ودام كذلك مدّة، وتعب والي القاهرة تعبا عظيما هو وأعوانه. ثم نودي بأن لا يقيم بالقاهرة غريب، لأنهم اتّهموا بأنهم يلقون النار، وأنه وجد أشياء بزفت وزيت، وغير ذلك، يدلّ على أنّ النار مفتعلة، وتلقى في الأماكن (٣). [ربيع الأول] [القبض على حراميّ] وفي ربيع الأول قبض على إنسان من الحرامية المفسدين يقال له حمام، وعلى عبد له كان يحمل سلاحه، وثلاثة نفر معهما. وكان قد كثر أذى حمام هذا، وزاد شرّه حتى تجاوز الحدّ، وعظم فساده، حتى صار يهجم الديار ويأخذ ما فيها، ويقتل من يمنعه. وأعيا (٤) الولاة أمره، وترصّدوه، فما (٥) قدروا عليه، حتى أوقعه الله تعالى فسمّر هو ومن أخذ معه، وشهّروا بالقاهرة، وأراح الله تعالى منه (٦). [الاحتراس من الحريق] وفيه نودي باحتراس الناس على أملاكهم من الحريق، وكان قد زاد الحال فيه، وصار الناس يجدون هيئة كعكات من ورق مغيّبة بزيت وقطران، وتوجد سهام نشّاب بها نفط، ولم يعلم من الفاعل لذلك. واتّخذ الناس أوعية بدورهم ملوها (٧) ماء لأمر يحلّ بهم. وكانت الناس في هذه الأيام في جزع شديد وتخوّف ما عنه مزيد. [ربيع الآخر] [عزل جماعة من الولاة] وفي ربيع الآخر قبض على مقدّمي الدولة، وعزل جماعة من ولاة الأقاليم. وكان

стр. 192

قد وقف جماعة من الجند للسلطان يشكون من ولاة البلاد وطمعهم، وخراب البلاد، فأنكر الأمراء على الوزير منجك ذلك، وقبح سيرة (١) الولاة بالأعمال، وعرضوا له بأنهم يقولوا (٢) بالرشا، فلهذا اجتاح (٣) الظلم العباد، وخراب البلاد بالأخذ. وأخذ شيخو في الحطّ على مقدّمين (٤) الدولة، وما هما (٥) فيه من اللهو والانهماك في اللذّات وكثرة الأموال، فلم يجد الوزير بدّا من موافقة (٦) الأمراء على عزل الولاة والقبض على المقدّمين، وألزما (٧) بالأموال (٨). [فتنة الأطفيحية] وفيه وقعت بالإطفيحيّة فتنة وأمور ثار بها العربان، وفعلوا أفعالا عجيبة، حتى خرج إليهم سبعة من الأمراء الألوف، وعدّة من العشرات. وجرى ما لا خير فيه (٩). [جماد الأول] [إبعاد الساقي أحمد] وفي جماد الأول أخرج أحمد الساقي إلى حلب لسوء سيرته / ٣٢ أ / في كشف الجسور بالغربية (١٠). [قدوم ابن مهنّا] وفيه قدم جبار (١١) بن مهنّا إلى القاهرة بعد أن كان تقدّم قدوم قوده وقود سيف بن فضل، ثم عاد بعد أيام إلى بلاده مستمرّا على إمرته (١٢). [قاصد صاحب أذربيجان] [وفيه] قدم قاصد الأشرف دمرداش صاحب أذربيجان وتبريز يتضمّن السلام والتودّد، فأكرم قاصده وأعيد إليه بعد ذلك بجواب من جنس ما جاء به (١٣). [إرسال قاصدين] وفيه بعث إلى دمرداش (١٤) قاصد، وإلى الشيخ حسن أيضا صاحب بغداد (١٥).

стр. 193

[وفاة نائب غزّة] [١٣٠]- وفيه مات دلنجي (١) نائب غزّة. وكان ابن (٢) أخت جنكلي بن البابا. وكان من المشاهير، تنقّلت به الأحوال، حتى استقرّ في نيابة غزّة، وأوقع بالعشير والعرب، بعد أن قاسى من عرب جرم الشدائد، وقويت حرمته بها. [خلع صاحب تونس] وفيه (٣) خلع صاحب تونس (٤) ملك إفريقيّة أبو العبّاس الحفصي من الملك، وقام بعده أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر الحفصيّ، وكانت مدّة أبو (٥) العباس الفضل ستة أشهر. [رجب] [هرب صاحب مكة] [في] رجب قدم السيّد الشريف عجلان الحسني صاحب مكة المشرّفة فارّا منها، وقد أخرجه أخوه ثقبة، فطلب من السلطان أن يبعث معه تجريدة، فلم يجب إلى ذلك. وأمر بشراء مماليك واستخدام الأجناد البطّالين، فشرع في ذلك، وقرّره السلطان في إمرة مكة (٦) بمفرده، وعاد إليها بعد ذلك في رمضان، وكان معه ماية فارس، وحمل معه قسيّا وسهاما وغير ذلك من الأسلحة (٧). ترجمة ابن قيّم الجوزية (٨) [١٣١]- وفيه مات العلاّمة الشمس ابن (٩) قيّم الجوزيّة (١٠)، محمد بن أبي

стр. 194

بكر بن أيوب بن سعد بن جوبر الزرعيّ الدمشقيّ الحنبليّ، صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة. وكان إماما، عالما، فاضلا، بارعا في عدّة علوم. وسمع على التقيّ بن تيميّة، وامتحن معه، وانفرد بأشياء قال بها، وأفتى بجواز المراجعة من الطلاق البائن الكبير بغير محلّل، وامتحن بسبب ذلك حتى رجع عنه. وكان واسع الباع، كثير الاطّلاع، وشهرته تغني عن مزيد ذكره. ومولده سنة ٦٩١. [التحرّك للحجّ] وفيه تحرّك النائب بيبغاروس، وطاز للسفر إلى الحجّ (١). [خروج السلطان] وفيه خرج السلطان إلى سرحة سرياقوس (٢). [وفاة لاجين الناصري] [١٣٢]- وفيه مات لاجين (٣) الناصريّ أمير أخور، وترك مالا جمّا / ٣٢ ب / ورثه بعده ولده. ثم مات بعد أربع (٤) شهور.

стр. 195

[نيابة طرابلس] وفيه قرّر في نيابة طرابلس بكلمش أمير شكار، عوضا عن أمير مسعود بن خطير، وكتب بحضور مسعود إلى القاهرة (١). [حمل سيس] وفيه قدم حمل سيس، وكان على حكم النصف لخراب بلادهم (٢). [تقرير تقدمة] وفيه قرّر عمر بن أرغون في تقدمة قطلوبغا الذهبيّ، وقرّر قطلوبغا في إمرة لاجين أمير أخور (٣). [شعبان] [مهاجمة الإطفيحية] وفي شعبان هجم ابن (٤) معين بعربانه على الإطفيحيّة، فحاربه أهلها، ووقعت مقتلة قتل فيها جماعة نحوا (٥) من مايتي رجل، وكسروا من ابن (٦) معين. وحصل ما لا خير فيه (٧). [نيابة غزّة] وفيه قرّر في نيابة غزّة فارس الدين ألبكي، وأنعم بإمرته على أخيه. وقرّر قطليجا الدوادار في إمرة طبلخاناة (٨). [رمضان] [شراكة ثقبة لعجلان بحكم مكة] وفي رمضان سافر السيد الشريف عجلان إلى مكة، وعقيب سفره وصل قاصد ثقبة بمكاتبة وصحبة ذلك محضر عمل بمكة ثابت على قضاتها يتضمّن الشكر من سيرته وتكذيب عجلان فيما نقل عنه، فكتب باستقراره شريكا لأخيه عجلان (٩).

стр. 196

[تقرير ابن خطير في إمرة طبلخاناة] وفيه كتب بعود أمير مسعود بن خطير إلى دمشق بطّالا حتى ينحلّ له ما يليق به، فعاد من رملة لدّ إلى دمشق، ثم قرّر في إمرة طبلخاناة بها، وكتب إليه بأن يجلس مترفّعا على مقدّمي الألوف بدمشق. (١) [الرسلية إلى صاحب بغداد] وفيه وصل قرا وأشقتمر المتوجّهين في الرسليّة إلى الشيخ حسن، بأنّ دمرداش ما بعث رسوله إلاّ عينا لكشف خبر العساكر المصرية، وأنه طائع في أخذ البلاد، وما فعله فهو مكر (٢). [صوم السلطان] وفيه خرج السلطان إلى برّ الجيزة ليتمّ صوم رمضان (٣). [زيادة إقطاع طاز] وفيه توجّه طاز إلى سرحة البحيرة، وأنعم عليه بعشرة آلاف إردبّ من الشعير، وخمسين (٤) ألف درهم، وزيد في إقطاعه طموه من الجيزية (٥). [وصول تقادم البلاد الشامية] وفيه وصلت تقادم البلاد الشامية، من نوّابها، وتواردت على بيبغاروس النائب لكونه يسافر إلى الحجّ، وكذا تقادم الأمراء بمصر، وحصل له أشياء كثيرة، وتجهّز هو وطاز تجهّزا حافلا (٦). [شوال] [عودة السلطان] وفي شوّال عاد السلطان من الجيزة إلى القلعة (٧).

стр. 197

[وفاة ابن أمير الغرب التنوخي] [١٣٣]- وفيه مات ابن أمير الغرب حسين بن خضر (١) بن محمد بن / ٣٣ أ / محمد (٢) بن حجّي بن كرامة بن بحتر (٣) بن علي بن إبراهيم بن الحسين بن إسحاق بن محمد التنوخيّ، صاحب جبال الغرب من بيروت. وجدّه الحسين بن إسحاق هو ممدوح (٤) المتنبّي. وكان صاحب الترجمة يلقّب بناصر الدين. وكان شيخا، جواد (٥)، جيّد الخطّ، كثير الخدمة والقيام لمن يتوجّه إلى جهة تلك النواحي من الأكابر. وكان مطاعا في قومه، وله شهرة. وذكر: وأول من ولي تلك الناحية منهم كرامة بن بحتر (٦) في أيام العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آق سنقر، فسمّي أمير الغرب. وبإمرة الثاني هذا نزل (٧) عن إمرته وإقطاعه لولده صالح. فلمّا مات (٨) أقرّ على ما هو عليه. ومولده سنة سبع وستين وستماية. [خروج المحمل] [وفيه] خرج الحاجّ، وأميرهم على المحمل بزلار أمير سلاح. وخرج طلب النائب بيبغاروس في تجمّل زائد، ومعه ماية وخمسون مملوكا بآلات السلاح. وخرج طلب طاز، وفيه ستون مملوكا، ولما ارتحلوا رحل النائب، ثم بعده طاز، ثم بزلار بالحاج، فكانت ركوبا ثلاثة (٩). [القبض على منجك الوزير] وفيه صرف منجك عن الوزارة وقبض عليه بعد أمور، وقبض عليه بعد أمور يطول الشرح في ذكرها. وكان السلطان قد عمل الخدمة بالقصر، وحضر القضاة والأمراء، وكان شيخوا غائبا بالعبّاسة.

стр. 198

ثم أخرج منجك إلى الإسكندرية وسجن بها، واحتيط على موجوده، وتتبّعت جماعته وحواسبه، وعبد له اسمه عنبر البابا. وكان قد أفحش في قطع المصانعات، والترفّع على الناس. وكتب إلى شيخو بإعلامه بالقبض على منجك، وأن يحضر، فقام منكلي بغا ومغلطاي في المنع من حضوره. وما زالا يخيّلا (١) للسلطان منه حتى كتب له مرسوم بنيابة طرابلس، ثم كتب له بإمرة دمشق، فتوجّه إليها، ثم كتب بالقبض عليه وإحضاره إلى سجن سكندرية. ولما وصل إليه الخبر بذلك حلّ سيفه بيده، وقال لنائب الشام: «والله ما أعرف لي ذنبا فيهم، غير أنني كنت لهم جسرا أمنع بعضهم من البعض». ثم قال: «لئن كان هذا، وأما هناك من غير هتكه»، وتعب. ثم بعد ذلك وصل إلى الإسكندرية وسجن بها. وجرت أمور يطول الشرح في ذكرها (٢). [ذو القعدة] [تعيين أمراء] وفي ذي قعدة قرّر بيبغاططر حارس الطير (٣) في نيابة السلطنة عوضا عن بيبغاروس بعد تمنّع زائد، وخلع عليه / ٣٣ ب / بذلك (٤). وقرّر في الرأس نوبة الكبرى مغلطاي الأمير أخور مضافا للأمير أخورية، وأطلق له التحدّث في الدولة كلّها عوضا عن شيخو (٥). وقرّر منكلي بغا الفخري رأس نوبة أتابك العساكر. وزيّنت مصر والقاهرة لولايات الأمراء، ودقّت البشائر (٦). [مصالحة طشتمر وابن فضل الله] وفيه وصل طشتمر (٧) الدوادار كان وعلى يده سيف شيخو من دمشق، فخلع عليه وأعيد إلى الدوادارية، وتصالح هو وابن فضل الله كاتب السرّ بحضرة الأمراء (٨).

стр. 199

[تأمير صرغتمش] وفيه رسم لصرغتمش أن يدخل مع الأمراء، وكان من جملة الجمداريّة ومن جماعة شيخو (١). [القبض على أمراء] وفيه قبض على جماعة من الأمراء والأعيان، فبعث بعضا (٢) منهم إلى الإسكندرية، وقرّر بعضا (٣) منهم بالبلاد الشامية (٤). [نيابة البيرة] وفيه استقرّ في الأستادارية بلبان السناني نائب البيرة، عوضا عن منجك (٥). [ثورة نائب صفد] وفيه لما بلغ أحمد الساقي نائب صفد القبض على منجك ثار بصفد وملك قلعتها بحيلة، وخرج عن الطاعة، وقدم الخبر بذلك إلى القاهرة، فكتب بتجريد عساكر غزّة والشام إليه (٦). [نيابة الإسكندرية] وفيه قرّر في نيابة الإسكندرية الشهاب ابن (٧) قرمان عوضا عن بكتمر المؤمني (٨). [حجوبية حلب] وصرف جركتمر عن نيابة الكرك وقرّر في حجوبية حلب عوضا عن موسى (٩). [وفاة الفخر المصري] [١٣٤]-، [وفيه] مات الفخر المصري (١٠) محمد بن علي بن إبراهيم بن

стр. 200

عبد الكريم (١) الدمشقيّ، الشافعي. وكان عالما، فاضلا، ذكيّا، حفظة، يتوقّد ذكاء. حفظ «مختصر الحاجب الأصلي» في تسعة عشر يوما. وهو من غريب النوادر. ومولده سنة أحد (٢) وتسعين وستماية. [القبض على بيبغاروس] وفيه وصل الخبر بالقبض على بيبغاروس وصرفه إلى مكة، وأخذ بسيفه إلى القاهرة، وأشيع بأنه سجن بالكرك ولم يكن ذلك إلاّ بعد أن حجّ وعاد، فإنه لما قبض عليه تلطّف بطاز وبزلار في أن يكون معهما موكّلا به حتى يحجّ، فأجاباه إلى ذلك. ولما بلغ المصريّين ذلك ظنّوا أنّ طاز معه (٣). [وزارة ابن زنبور] وفيه خلع على العلم ابن زنبور بالوزارة عوضا عن منجك، مضافا لما معه من نظر الخاصّ والجيش بعد أن تمنّع من ذلك، واشترط شروطا كثيرة. وكان ليوم ولايته يوما مشهودا (٤). [نيابة حماه] وفيه قرّر فيه نيابة حماه طنيرق عوضا عن أسندمر العمري (٥). [وزارة ابن زنبور] وفيه حمل العلاء بن فضل الله تقليد الوزارة إلى العلم بن زنبور، ولقّب فيه

стр. 201

بالجناب العالي. فخرج إليه الصاحب / ٣٤ أ / ابن زنبور، وتلقّاه وبالغ في شكره وإكرامه، وبعث إليه تقدمة سنيّة (١). [ذو الحجّة] [شادّية الدواوين والوزارة] وفي ذي حجّة قرّر بكتمر المؤمني نائب الإسكندرية في شادّية الدواوين (٢). وقرّر السعد رزق الله ولد العلم بن زنبور في كتابة المماليك. وألزم الوزير وولده أن يباشر الوزارة وكتابة المماليك بغير معلوم (٣). [استيلاء الكردي على الموصل] وفيه (٤) وصل الخبر بأنّ إنسانا من الأكراد يقال له هندو جمع جمعا حافلا واستولى على الموصل، ولحق به نجم (٥) التركماني، فتقوّى به، واستنابه، وأنه تحصّن بسنجار وأغار على الموصل فنهب وقتل، وأفسد الرّحبة، ومشى على بلاد ماردين ونهبها، وأنّ العساكر الشامية خرجت إليه ومعهم عسكر ماردين، فحصروه بسنجار، وآل به الأمر أن طلب الأمان على أنه يقيم الخطبة للسلطان، ويبعث بأخيه نجمة (٦) في عقد الصلح، وفعل ذلك، فهرب نجمه (٧) [عند] وصوله (٨) قاقون (٩). [عرض أجناد الحلقة] وفيه أمر السلطان بعرض أجناد الحلقة، ووقعت أمور، وآل [الأمر] (١٠) إلى إبطال العرض بعد أن حضر جميع من كان بالحلقة من الجند. وكان يوما مشهودا من كثرة الدعاء والبكاء (١١). [القبض على نائب صفد] وفيه قبض على أحمد نائب صفد بعد أن زحف على قلعة صفد غير ما مرّة، ثم أخذ بالأمان (١٢).

стр. 202

[الفتنة بمنى] وفيه كانت الفتنة العظمى بمنى، وقبض فيها على صاحب اليمن الملك المجاهد علي بن المؤيّد داود بن المظفّر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول. وكان قد قصد أخذ مكة وتملّكها لما وقعت الفتنة بين الأخوين عجلان وثقبة، وبعث ثقبة هذا إلى عجلان يغريه بأخذها، فتجهّز وأظهر أنه يريد الحجّ. وبلغ العسكر المصري المتجهّز مع أمير الحاجّ إلى مكة بذلك، فاهتمّوا له مع جيش مكة. ووقعت أمور تطول، ونهبت الناس وقتل جماعة من الحاجّ وغيرهم. وقبض على المجاهد، ونهبت أمواله وتشتّت عساكره (١). [تشريق البلاد] وفيها - أعني هذه السنة - شرّق الكثير من البلاد والنواحي، وكان كذلك في السنة الماضية، والتي قبلها أيضا كانت المظالم كثيرة زائلة، سيّما في وزارة منجك، كان عرب الصعيد في الثورة ومنعوا أشياء كثيرة (٢).

стр. 203

/ ٣٤ ب / سنة اثنتين وخمسين وسبعماية [محرّم] [وصول أسندمر] في محرّم وصل أسندمر العمري من حماه (١). [سرور السلطان بنائب حلب] وفيه وصل أرغون الكاملي نائب حلب منها على حين غفلة، فسرّ السلطان بقدومه عليه، وخلع عليه. وكان قد أشيع عنه المخامرة، فقطع مقدمه تلك الإشاعة. وكان بينه وبين موسى حاجب حلب عداوة فلم ير لنفسه من يتمكّن منه، ورأى أنه إن فعل به أمر (٢) فليكن على يد غيره. ولما أعيد إلى حلب كتب بصرف موسى وولايته ولاية قلعة الروم (٣). [سجن بيبغاروس] وفيه وصل الخبر من العقبة بأنّ بيبغاروس تسلّمه طينال من طاز، وسار به إلى الكرك يسجن بها. وعادت التجريدة التي كانت خرجت للعقبة من غير أن تلقى الشرّ، فإنها كانت توجّهت بسبب بيبغا هذا، لتوهّم أنّ طاز معه أو نحو ذلك (٤). [العفو عن صاحب اليمن] وفيه قدم طاز من الحجاز بمن معه وصحبته الملك المجاهد صاحب اليمن، ثم صعد بالمجاهد مقيّدا إلى بين يدي السلطان، وشفع فيه طاز، فحلّ عن القيد وأكرم (٥). [القبض على جماعة بيبغاروس] وفيه قبض على جماعة من ألزام بيبغاروس وأخرجوا إلى الإسكندرية (٦).

стр. 204

[حضور صاحب اليمن الموكب] وفيه حضر المجاهد الموكب مع الأمراء وجلس معهم تحتهم، وألزم بحمل أربعماية ألف دينار يقترضها من تجّار الكارم (١)، حتى يؤذن له بالسفر بعد ذلك (٢). [سفر صاحب اليمن إلى بلده] وفيه حضر المجاهد الخدمة السلطانية بالقصر وكان له يوما مشهودا (٣). وكان قد تلطّف به عند السلطان حتى أعفاه من المطمع الذي كان قد قدّر عليه وقدّمه السلطان ووعده بأن يعيده إلى مملكته معزّزا مكرّما بعد الإحسان إليه. ثم إنه صار يركب وينزل إلى نواحي القاهرة، وسافر بعد أيام بعد المنّ عليه والإحسان الزائد إليه. وكان السلطان قد أسرّ إلى مسفّره بأنه إن يرى منه ما يريب يمنعه من المضيّ ويطالع به (٤). [الخلعة على صرغتمش] وفيه خلع على صرغتمش وقرّر في الرأس نوبة بعناية طاز ومغلطاي (٥). [ربيع الأول] [وصول قطلوبغا إلى القاهرة] وفي ربيع الأول وصل إلى القاهرة قطلوبغا، وكان قد خرج مسفّرا لفيّاض بن مهنّا، وكان قد أعيد إلى إمرة العرب (٦). [ضياع أحوال بلاد الشام] وفيه قدم الخبر بلين أيتمش الناصري نائب الشام وضياع أحوال تلك النواحي بسبب ذلك، وأنّ أهل الشام لقّبوه ب «إيش كنت أنا»! / ٣٥ أ / وأنّ أحوال الشام متوقّفة، والغلاء بها فاش، وأنّ الجراد قد أضرّ زرعها (٧).

стр. 205

[السيل بحماه] وفيه وصل الخبر بأنه كان بحماه سيلا عظيما (١) أخرب عدّة أماكن (٢). [مقتل أمير المدينة المنوّرة] [١٣٥]- وفيه وصل الخبر بقتل سعد بن ثابت الحسنيّ أمير المدينة الشريفة على يد أدّي (٣)، فقرّر عوضه فضل بن قاسم (٤). [ربيع الآخر] [عرس ابنة الناصر محمد] وفي ربيع الآخر كان عرس الخوند زهراء ابنة الناصر محمد بن قلاون، أخت السلطان، وزوجة آق سنقر الناصريّ، على طاز وكان مهمّا حافلا. ثم كانت أعراس جماعة من الأمراء بعد ذلك. وكان السلطان هو الذي يعمل لهم المهمّات، كلّ ما يليق به. فأقامت الأفراح بالقاهرة في طول هذا الشهر (٥). [ترفّع نوروز على الأمراء] وفيه أخرج نوروز على إمرة طبلخاناة بدمشق، وكان قد أحضر من الشام واستمرّ في تقدمة ألف بمصر، فصار يترفّع على الأمراء ويتجسّر في السلطان ويتحدّث معه في المشورة، فما حملوه (٦). [القبض على صاحب اليمن] وفيه وصل الخبر بأنّ قشتمر قبض على المجاهد صاحب اليمن بينبوع (٧). ثم خرج الأمر بحمله إلى سجن الإسكندرية (٨). [وفاة صاحب فاس] [١٣٦]- وفيه مات السلطان الكبير ملك الغرب، صاحب فاس وتلك النواحي أبو الحسن علي بن أبي سعيد (٩) عثمان بن يعقوب بن عبد الحقّ المريني.

стр. 206

وكان من أجلّ ملوك فاس وأشهرهم، وأعلاهم قدرا وهمّة، عالما، فاضلا، بارعا، شجاعا، مقداما، عارفا، عاقلا، سيوسا، حازما، عادلا، كامل السّؤدد، كثير المهابة، كثير الجيوش. يقال إنّ جيشه زيادة على الماية ألف. وكان عالي الهمّة في الجهاد، وملك فاس ومرّاكش بعد أبيه، ودام ملكه إحدى وعشرين سنة نشر فيها العدل، وأبطل مكوسا وخمورا. ومات بجبال المصامدة وهو كهل. وكان شديد الأدمة. وملك بعده ولده أبو عثمان فارس. [جماد الأول] [وصول رسل ملك أذربيجان] وفي جماد الأول وصل رسل دمرداش جوبان ملك أذربيجان بسبب الصلح، فأنزلوا بصهريج منجك، ولم يمكّن أحد من الاجتماع بهم. / ٣٥ ب / ثم مثلوا بين يدي السلطان وأعيدوا بالأجوبة عمّا جاءوا به (١). [نيابة غزّة] وفيه قرّر في نيابة غزّة أرغون الإسماعيلي عوضا عن ألبكي، وقدم ألبكي فقرّر في إمرة طبلخاناة بمصر (٢). [هرب عرب الإطفيحية] وفيه كثر أذى عرب الإطفيحية وضررهم، وخرج إليهم طاز ليكبس عليهم، ففرّوا (٣). [مرض السلطان] وفيه توعّك السلطان ولزم الفراش أياما، فأشيع عنه أنه تمارض حيلة، وبلغ طاز، ومغلطاي، ومنكلي بغا أنه إنّما أراد بإظهار توعّكه القبض عليهم إذا دخلوا عليه، وأنه قد اتفق مع جماعة على ذلك، وهم: أشقتمر، وملكتمر المارديني، وألطنبغا الزامر، وتنكز بغا، وأنه يعطيهم أقاطيعهم ووظائفهم، فأخذوا في التحرّز على أنفسهم (٤).

стр. 207

[وفاة التاج المرّاكشي] [١٣٧]- وفيه مات التاج المرّاكشيّ (١) محمد بن إبراهيم بن يوسف بن حامد الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، بارعا، فقيها، نحويا، أخرج إلى دمشق بسبب منافرة بينه وبين القزويني، فبغته الأجل فجأة. سمع على جماعة، منهم: محمد بن عالي، والتاج من الطبقة. ومولده بعد السبعماية. [جماد الآخر] [اتفاق الأمراء ضد السلطان] وفي جماد الآخر اتّفق طاز، ومغلطاي، ومنكلي بغا، على القيام على السلطان لما خافوه، فوافقهم النائب واتفاقهم على ذلك، وساروا بأطلابهم إلى جهة قبّة النصر، فبعث السلطان إليهم يسألهم عن سبب ركوبهم ويتلطّف بهم ويعلمهم أنّ إثارة الفتنة ليست بحسنة، فأعادوا إليه الجند بأنه اتفق مع مماليكه على القبض عليهم، ولا رجوع لهم عمّا هم فيه إلاّ إذا أرسل إليهم تنكز بغا، وألطنبغا، وأشقتمر، وملكتمر، وأنه لا بدّ من ذلك، فأجابهم وبعث بهم إليهم كسرا للشرّ، ظنّا منه أنهم إذا وصلوا إليهم يرجعوا عمّا هم فيه. / ٣٦ أ / فحين وصل بهم إليهم قبضوا عليهم وبعثوهم إلى سجن خزانة شمايل. وبلغ السلطان ذلك، فشقّ عليه، وبعث إليهم بالنّمجاة (٢) ودرقة الملك، وذكر لهم مع رسوله أنه خلع نفسه من السلطنة، وقام إلى الحريم، فبعثوا إليه بصرغتمش وقطلوبغا الذهبي، وآخرين، فدخلوا عليه إلى مكانه وأخذوه منه، فثار النساء بالحريم وأقمن الصياح والصراخ، وصاحت الستّ حدث بصرغتمش، وقالت (٣) له: «هذا جزاؤه منك»؟ وأسمعته كلمات منكية. وأخرج إلى رواق الإيوان، ووكّل به من يحفظه. وعاد الخبر إلى الأمراء. وزال ملك حسن كأنه لم يكن. وكانت مدّته هذه ثلاث سنين وتسعة أشهر ونصف، منها مدّة الحجر عليه ثلاث سنين، ومدّة الاستبداد نحوا (٤) من تسعة أشهر. وأنه لما قبض على شيخوا ثبت رشده، واستبدّ بالأمور حتى خلع.

стр. 208

وكانت أيامه في هذه المدّة شديدة، جرت فيها الأهوال، وساءت الأحوال، وناهيك بالفناء العامّ الذي كان بها، والفتن والخراب، وقيام العربان، حتى اختلّ أمر المملكة، إلى غير ذلك من أشياء تطول. لكنه كان هو في نفسه مفرط الذكاء، مع صغر سنّة، ضابطا للأمور، عارفا، عاقلا، شهما، حسن التصرّف، سديد الكنه (١). لم يجد ناصرا ولا مغيثا (٢). [بيعة الملك الصالح صلاح الدين] وفيه في يوم الإثنين ثامن عشرينه كانت مبايعة الملك الصالح صلاح الدين أبو (٣) البقاء صالح بن الناصر محمد بن المنصور قلاون، أخو (٤) حسن هذا بالسلطنة. وذلك أنّ الأمراء لما بعث السلطان إليهم بالنمجاة ودرقة الملك كما تقدّم، وجاءوه فقبضوا عليه، أصبحوا فاستدعوا صالحا هذا من الدّور مع وجود حسين، وعدلوا عنه اختشاء من عائلته. ثم بعثوا إلى الخليفة والقضاة والمشايخ، وسائر أهل الدولة وبايعوه بالسلطنة، ولقّبوه بالصالح، وأفيض عليه شعار السلطنة، وأركب فرس النوبة على العادة، وساروا به من باب الستارة إلى القصر، وهم مشاة بين يديه حتى أجلسوه على سرير الملك، وقام الكلّ بين يديه. وكان كلّ / ٣٦ ب / من طاز، ومنكلي بغا آخذا بشكيمة فرسه، ثم حلفوا له على العادة، وتمّ أمره في السلطنة، واستبشر الناس بسلطنته تفاؤلا (٥) باسمه ولقبه. [زيادة النيل] واتفق أن زاد النيل في يوم سلطنته ثلاثة أصابع بعد أن كان نقص شيئا، وزاد استبشارهم (٦).

стр. 209

[إكرام السلطان لأخويه] وفيه بعث الصالح هذا إلى أخيه حسن يستعطفه ويسلّيه ويعيده إلى مكانه الذي كان هو به، ورتّب له جماعة في خدمته، وطلب أخاه حسينا أيضا فأكرمه وعظّمه ووعده بتغيير إقطاعه وبزيادة راتبه (١). [إرسال البشائر] وفيه خرجت البشائر إلى البلاد الشامية بسلطنته (٢). [الخلاف بشأن الإفراج عن شيخو] وفيه كتب بالإفراج عن شيخو من سجنه وطلب إلى القاهرة. وكان طاز هو القائم بذلك وعورض، فكتب ثانيا بتوجّهه على نيابة حماه عوضا عن طنيرق، وانتقال طنيرق إلى نيابة حلب فما أعجب طاز وصرغتمش ذلك (٣). [رجب] [الفتنة بسبب شيخو] وفي رجب كانت فتنة القبض على مغلطاي ومنكلي بغا الفخري بسبب قضيّة شيخو بعد أن جرت أشياء يطول الشرح في ذكرها، ركب فيها طاز وصرغتمش وأركبا السلطان معهما، ووقع قتال. وانكسر مغلطاي وفرّ، وانهزم منكلي بغا، وآل أمرهما إلى القبض عليهما، وسجنا بخزانة شمايل، وسرّ السلطان بذلك لما بلغه وهو بقبّة النصر في عساكره، فعاد إلى قلعته، وأصبح بها، وأقام الموكب بالإيوان، وجلس به، فدخل الأمراء عليه وهنّوه بالسلامة، ونودي بالزينة، وكتب بحضور شيخو (٤). [الاحتفال بشيخو] وفيه قدم شيخو إلى القاهرة وكان لدخوله إليها يوما مشهودا، زيّنت له الصليبية، وكان بها جامعه المعروف به الآن، وكان قد فرغ منه في سنة خمسين وذلك قبل إنشائه الخانقاه، وسيأتي خبرها (٥). وخلع عليه ونزل إلى داره في موكب حافل

стр. 210

ما رؤي مثله لأمير، وأظهروا (١) أهل القاهرة التهاني بقدومه (٢). [الإفراج عن أمراء] وفيه كتب بالإفراج عمّن بالإسكندرية من الأمراء وهم منجك، وفاضل أخو بيبغاروس، وأحمد الساقي نائب صفد، وعمر شاه الحاجب، وآخرين (٣)، وقدموا بعد ذلك وخلع عليهم. [سجن أمراء] وفيه أخرج بيبغاططر / ٣٧ أ / حارس الطير نائب السلطنة، وأمر بأن يسفّر إلى نيابة غزّة، ثم اعترض في طريقه إلى الإسكندرية فسجن بها وسجن جماعة أخر معه منهم مغلطاي ومنكلي بغا وآخرين (٤). [الشكوى من الضامن] وفيه ركب السلطان ومعه أمراؤه إلى الميدان، ولعب فيه بالكرة على العادة، وكان له يوما مشهودا (٥)، ووقف له العامّة، فشكوا في الفار الضامن، ورفعت فيه زيادة على الماية قصّة، فقبض عليه، وضربه الوزير بالمقارع حتى كاد يهلك، وصودر على أموال كثيرة، ووجد له خبيئة فيها نحوا (٦) من مايتي ألف درهم، فأخذت (٧). [نيابة السلطنة] وفيه استقرّ في نيابة السلطنة قبلاي الحاجب عوضا عن بيبغا حارس الطير، وخلع عليه (٨). [فتنة العربان] وفيه وصل الخبر بنفاق العربان بالوجه القبلي ونهب الغلال ومعاصر السّكّر وكبس

стр. 211

البلاد، وكثرة حروبهم وشرورهم وأذاهم، بحيث (١) قتل منهم ألف رجل في هذه الفتنة (٢). [تقرير نائب غزّة مقدّم ألف] وفيه قرّر ألبكي نائب غزّة في مقدّمي الألوف بمصر، وعيّن للخروج إلى الوجه القبليّ هو وكاشف وعدّة أمراء طبلخانات (٣). [الإفراج عن بيبغاروس] وفيه وصل بيبغاروس من سجن الكرك، وكان لدخوله إلى القاهرة يوما مشهودا (٤)، ولما صعد إلى بين يدي السلطان خلع عليه ونزل إلى داره، وهرع إليه الناس، وحملت إليه التقادم (٥). ثم قرّر في نيابة حلب عوضا عن أرغون الكاملي (٦). [نيابة الشام] وقرّر الكاملي في نيابة الشام عوضا عن أيتمش الناصري (٧). [نيابة حماه] وقرّر في نيابة حماه أمير أحمد الساقي شاد الشراب خاناه الذي كان نائبا بصفد، وجرى عليه ما عرفته. وقرّر في نيابة حماه عوضا عن طنيرق. ورسم لطنيرق بإمرة طبلخاناة بحلب، ثم عدل عن ذلك إلى أن يقيم بدمشق بطّالا (٨).

стр. 212

[قدوم أيتمش النّاصريّ] [وفيه] رسم لأيتمش الناصري بقدومه إلى القاهرة (١). [استمرار الصحبة لابن زنبور] وفيه خلع على الصاحب علم الدين ابن زنبور بالاستمرار، فركب في إدارة المحمل أمامه بالزّنّاري في موكب حافل جدّا، ولم يركب أحد من الوزراء أمام المحمل سوى الصاحب ابن (٢) السلعوس في أيام الأشرف خليل، والصاحب تقيّ الدين بن الغنّام في أيام الناصر محمد بن قلاون مرة واحدة فقط (٣). [الإحاطة بموجود الست حدق] وفيه أحيط بموجود ستّ حدق، وما وجد لها كثير مال لكرمها، ثم أفرج عنها (٤). [وفاة أمير المدينة] [١٣٨]- وفيه - فيما نظنّ - مات أمير المدينة المشرّفة أدّي (٥)، ويقال: ودّي أيضا، ابن هبة بن جمّاز بن شيحة (٦) بن هاشم بن قاسم بن المهنّا (٧) بن حسين بن مهنّا بن داود بن القاسم بن عبد الله (٨) بن طاهر بن علي بن جعفر (٩) بن علي (١٠) بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسني، الهاشمي (١١). وكان قد ولي إمرة المدينة، وجرت عليه خطوب غير ما مرّة، وآل أمره أن قبض عليه وسجن، وبغته الأجل في سجنه. [شعبان] [إقامة منجك بطّالا] وفي شعبان قرّر منجك في نيابة صفد، واستعفى من ذلك، وسأل الإقامة بصهريجه

стр. 213

بطّالا، فأجيب إلى ذلك بسفارة الأمير شيخوا، واستردّ أملاكه التي كانت خرجت عنه، ورمّ صهريجه، واستجدّ به خطبة وأقيمت به الجمعة (١). [حجوبية الحجّاب] وفيه استقرّ عمر شاه في حجوبية الحجّاب (عوضا عن قبلاي) (٢) النائب. وقرّر طشتمر في مقدّمي الألوف والحجوبية الثانية. وأمّر جماعة من المماليك السلطانية (٣). [تقديم المارديني] وفيه قدم أمير علي المارديني، فقرّر في تقدمة بيغرا، وكان قد قبض عليه وسجن (٤). [تفريق أمراء] [وفيه] أخرج جماعة فرّقوا بالبلاد الشامية، منهم: طيبغا الدوادار، وأقجبا الحاجب، وملكتمر السعدي، وقطلوبغا أخو مغلطاي، وطينال الجاشنكير (٥). [إعادة صاحب اليمن إلى بلده] وفيه وصل الملك المجاهد صاحب اليمن إلى القاهرة بعد الإفراج عنه من محبسه بالكرك، وأمر بالعود إلى بلاده من جهة عيذاب (٦) بعد أن خلع عليه (٧). [وفاة القطب ابن مكرم] [١٣٩]- وفيه مات القطب أبو بكر بن محمد بن مكرم (٨) كاتب الإنشاء الشريف بجدّة. وكان فاضلا، كثير العبادة والمحاورة. سمع على جماعة. ومولده سنة ٦٧٥.

стр. 214

[اعتقال نائب الشام] وفيه قدم أيتمش الناصري نائب الشام فقبض عليه، وحمل إلى سجن الإسكندرية (١). [رمضان] [إمارة ثقبة بمكة] وفي رمضان وصل الشريف ثقبة أمير مكة، فخلع عليه بانفراده بإمرة مكة، بعد أن كان شريكا لأخيه عجلان، وتجهّز، وأقام عسكرا ليتوجّه به معه (٢). [إبطال رسم البرسيم] وفيه أبطل رمي البرسيم والشعر الذي كان من القبائح، ويحصل به الضرر على أهل النواحي، ونقش بذلك رخامة بجانب باب القلعة من الصليبية (٣). [إخراج عدّة مماليك] وفيه أخرج أيدمر الدوادار وعدّة من المماليك إلى البلاد الشامية (٤). [خروج الهجّان عن الطاعة] وفيه وصل الخبر بخروج عيسى / ٣٨ أ / بن حسن القاهري، الهجّان عن الطاعة، وامتناعه (٥) في الوادي بجماعة (٦). [وفاة الأحمدي] [١٤٠]- وفيه مات الناصر محمد بن بيبرس (٧) الأحمدي (٨) أحد الطبلخانات، وهو مجرّد بالصعيد، وحمل ميتا إلى القاهرة.

стр. 215

ووالده لعلّه تقدّم في سنة ٤٦ (١). [وفاة العلاء ابن مقاتل] [١٤١]- وفيه مات بالقدس العلاء الحرّاني (٢) علي بن محمد بن مقاتل ناظر الشام. [شوّال] [خلاف نائب الشام مع القاضي السبكي] وفي شوّال وصلت مكاتبة أرغون الكاملي نائب الشام بالحطّ على التقيّ السبكي قاضي القضاة بدمشق وأنه حكم بنزع وقف من يد أصحابه وأعاده ملكا. والتمس أرغون في مكاتبته أن يعقد لذلك مجلس بالقاهرة وقضاة القضاة وعلماء مصر بين يدي السلطان. فعقد ذلك. ووقع ما يطول شرحه. وآل الأمر أن كتب لنائب الشام بتحرير القضية (٣). [غلاء اللحم] وفيه ارتفع سعر اللحم بالقاهرة وعزّ وجوده، ووقف حال المعاملين في اللحم، فأبطلهم الوزير، وصار اشترى الأغنام من أربابها بالثمن الناضّ (٤). وكتب إلى الشام وإلى الوجه القبلي، وبعثت الأموال لتحصيل الأغنام، فوصلت بعد ذلك الأغنام وانحطّ السعر. [وفاة ابن العديم] [١٤٢]- وفيه مات قاضي القضاة بحلب الناصر ابن (٥) العديم (٦) محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى (٧) بن زهير بن أبي جرادة العقيلي، الحلبي، الحنفي.
следующие страницы →