← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

البلاد، وكثرة حروبهم وشرورهم وأذاهم، بحيث (١) قتل منهم ألف رجل في هذه الفتنة (٢). [تقرير نائب غزّة مقدّم ألف] وفيه قرّر ألبكي نائب غزّة في مقدّمي الألوف بمصر، وعيّن للخروج إلى الوجه القبليّ هو وكاشف وعدّة أمراء طبلخانات (٣). [الإفراج عن بيبغاروس] وفيه وصل بيبغاروس من سجن الكرك، وكان لدخوله إلى القاهرة يوما مشهودا (٤)، ولما صعد إلى بين يدي السلطان خلع عليه ونزل إلى داره، وهرع إليه الناس، وحملت إليه التقادم (٥). ثم قرّر في نيابة حلب عوضا عن أرغون الكاملي (٦). [نيابة الشام] وقرّر الكاملي في نيابة الشام عوضا عن أيتمش الناصري (٧). [نيابة حماه] وقرّر في نيابة حماه أمير أحمد الساقي شاد الشراب خاناه الذي كان نائبا بصفد، وجرى عليه ما عرفته. وقرّر في نيابة حماه عوضا عن طنيرق. ورسم لطنيرق بإمرة طبلخاناة بحلب، ثم عدل عن ذلك إلى أن يقيم بدمشق بطّالا (٨).

стр. 212

[قدوم أيتمش النّاصريّ] [وفيه] رسم لأيتمش الناصري بقدومه إلى القاهرة (١). [استمرار الصحبة لابن زنبور] وفيه خلع على الصاحب علم الدين ابن زنبور بالاستمرار، فركب في إدارة المحمل أمامه بالزّنّاري في موكب حافل جدّا، ولم يركب أحد من الوزراء أمام المحمل سوى الصاحب ابن (٢) السلعوس في أيام الأشرف خليل، والصاحب تقيّ الدين بن الغنّام في أيام الناصر محمد بن قلاون مرة واحدة فقط (٣). [الإحاطة بموجود الست حدق] وفيه أحيط بموجود ستّ حدق، وما وجد لها كثير مال لكرمها، ثم أفرج عنها (٤). [وفاة أمير المدينة] [١٣٨]- وفيه - فيما نظنّ - مات أمير المدينة المشرّفة أدّي (٥)، ويقال: ودّي أيضا، ابن هبة بن جمّاز بن شيحة (٦) بن هاشم بن قاسم بن المهنّا (٧) بن حسين بن مهنّا بن داود بن القاسم بن عبد الله (٨) بن طاهر بن علي بن جعفر (٩) بن علي (١٠) بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسني، الهاشمي (١١). وكان قد ولي إمرة المدينة، وجرت عليه خطوب غير ما مرّة، وآل أمره أن قبض عليه وسجن، وبغته الأجل في سجنه. [شعبان] [إقامة منجك بطّالا] وفي شعبان قرّر منجك في نيابة صفد، واستعفى من ذلك، وسأل الإقامة بصهريجه

стр. 213

بطّالا، فأجيب إلى ذلك بسفارة الأمير شيخوا، واستردّ أملاكه التي كانت خرجت عنه، ورمّ صهريجه، واستجدّ به خطبة وأقيمت به الجمعة (١). [حجوبية الحجّاب] وفيه استقرّ عمر شاه في حجوبية الحجّاب (عوضا عن قبلاي) (٢) النائب. وقرّر طشتمر في مقدّمي الألوف والحجوبية الثانية. وأمّر جماعة من المماليك السلطانية (٣). [تقديم المارديني] وفيه قدم أمير علي المارديني، فقرّر في تقدمة بيغرا، وكان قد قبض عليه وسجن (٤). [تفريق أمراء] [وفيه] أخرج جماعة فرّقوا بالبلاد الشامية، منهم: طيبغا الدوادار، وأقجبا الحاجب، وملكتمر السعدي، وقطلوبغا أخو مغلطاي، وطينال الجاشنكير (٥). [إعادة صاحب اليمن إلى بلده] وفيه وصل الملك المجاهد صاحب اليمن إلى القاهرة بعد الإفراج عنه من محبسه بالكرك، وأمر بالعود إلى بلاده من جهة عيذاب (٦) بعد أن خلع عليه (٧). [وفاة القطب ابن مكرم] [١٣٩]- وفيه مات القطب أبو بكر بن محمد بن مكرم (٨) كاتب الإنشاء الشريف بجدّة. وكان فاضلا، كثير العبادة والمحاورة. سمع على جماعة. ومولده سنة ٦٧٥.

стр. 214

[اعتقال نائب الشام] وفيه قدم أيتمش الناصري نائب الشام فقبض عليه، وحمل إلى سجن الإسكندرية (١). [رمضان] [إمارة ثقبة بمكة] وفي رمضان وصل الشريف ثقبة أمير مكة، فخلع عليه بانفراده بإمرة مكة، بعد أن كان شريكا لأخيه عجلان، وتجهّز، وأقام عسكرا ليتوجّه به معه (٢). [إبطال رسم البرسيم] وفيه أبطل رمي البرسيم والشعر الذي كان من القبائح، ويحصل به الضرر على أهل النواحي، ونقش بذلك رخامة بجانب باب القلعة من الصليبية (٣). [إخراج عدّة مماليك] وفيه أخرج أيدمر الدوادار وعدّة من المماليك إلى البلاد الشامية (٤). [خروج الهجّان عن الطاعة] وفيه وصل الخبر بخروج عيسى / ٣٨ أ / بن حسن القاهري، الهجّان عن الطاعة، وامتناعه (٥) في الوادي بجماعة (٦). [وفاة الأحمدي] [١٤٠]- وفيه مات الناصر محمد بن بيبرس (٧) الأحمدي (٨) أحد الطبلخانات، وهو مجرّد بالصعيد، وحمل ميتا إلى القاهرة.

стр. 215

ووالده لعلّه تقدّم في سنة ٤٦ (١). [وفاة العلاء ابن مقاتل] [١٤١]- وفيه مات بالقدس العلاء الحرّاني (٢) علي بن محمد بن مقاتل ناظر الشام. [شوّال] [خلاف نائب الشام مع القاضي السبكي] وفي شوّال وصلت مكاتبة أرغون الكاملي نائب الشام بالحطّ على التقيّ السبكي قاضي القضاة بدمشق وأنه حكم بنزع وقف من يد أصحابه وأعاده ملكا. والتمس أرغون في مكاتبته أن يعقد لذلك مجلس بالقاهرة وقضاة القضاة وعلماء مصر بين يدي السلطان. فعقد ذلك. ووقع ما يطول شرحه. وآل الأمر أن كتب لنائب الشام بتحرير القضية (٣). [غلاء اللحم] وفيه ارتفع سعر اللحم بالقاهرة وعزّ وجوده، ووقف حال المعاملين في اللحم، فأبطلهم الوزير، وصار اشترى الأغنام من أربابها بالثمن الناضّ (٤). وكتب إلى الشام وإلى الوجه القبلي، وبعثت الأموال لتحصيل الأغنام، فوصلت بعد ذلك الأغنام وانحطّ السعر. [وفاة ابن العديم] [١٤٢]- وفيه مات قاضي القضاة بحلب الناصر ابن (٥) العديم (٦) محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى (٧) بن زهير بن أبي جرادة العقيلي، الحلبي، الحنفي.

стр. 216

وكان عالما، فاضلا، بارعا، من أعيان رؤساء بلده، صدرا، رئيسا. طالت أيامه في قضاء حلب زيادة على الثلاثين سنة، وطلب إلى القاهرة لقضائها ثم لم يتمّ ذلك. سمع من الأبرقوهي (١) وغيره. وولي قبل حلب قضاء حماه. وهو جدّ الجمالي عمر بن الجمال إبراهيم قاضي القضاة بمصر الآتي في محلّه. ومولده - أعني صاحب الترجمة - في سنة تسع وسبعين وستماية. [خروج الحاجّ] وفيه خرج الحاجّ من القاهرة وأميرهم بالمحمل طيبغا المجدي. وكان الحاجّ كثيرا في هذه السنة (٢). [وفاة طشبغا] [١٤٣]-، [وفيه] مات بدمشق طشبغا (٣) الدوادار الناصريّ. وكان فاضلا، ديّنا حسن السيرة، كثير مطالعة كتب الأدب. وكان من مماليك الناصر محمد بن قلاون. واختصّ نائبه أنوك. وولي الدوادارية في أول دولة الناصر حسن. ثم جرت عليه أمور حتى مات بدمشق بطّالا. [قدوم ركب التكرور] [وفيه] قدم ركب التكرور مع ملكهم، فسأل الإعفاء من الدخول على السلطان، فأعفي وسار هو إلى الحجّ (٤). [ذو القعدة] [قتل الكردي بماردين] وفي ذي قعدة وصل الخبر بقتل الكردي (٥) بحيلة عملت عليه من صاحب ماردين /

стр. 217

٣٨ ب / حتى قدم عليه، فضرب عنقه بيده، وقتل من كان معه (١). [انتصار تجريدة أزدمر على العربان] وفيه وصل الخبر من كاتب الوجه القبليّ أزدمر الذي توجّه ومعه التجريدة بأنهم انتصروا على العربان وقطعوا جائرة المفسدين، ونهبت أموالهم، وسبيت ذراريهم من الجند وغلمانهم ومن أعوانهم من العربان أيضا. وأن البلاد أخذت في التحصين. فسرّ السلطان والأمراء بذلك، وجهّزت الخلع إلى الكاشف والأمراء هناك (٢). [التضييق على الناصر حسن وزوجته] [وفيه] ضيّق على الناصر حسن، وسدّت عنه الأماكن كثيرة (٣) كان ينظر منها ويكلّم من أراد، واحتفظ به غاية الاحتفاظ. وألزمت ستّ حدق، وهي من جهته. بأنها لا تجتمع بأحد (٤). [خروج السلطان إلى السرحة] [وفيه] توجّه السلطان مع من أراد إلى سرحة قرب الأهرام (٥). [ذو الحجّة] [اختلال الأسعار] وفي ذي حجّة ارتفع سعر الغلال، وانحطّ سعر اللحوم (٦). [طلب إعفاء نائب الشام] وفيه وصلت مكاتبة أرغون الكاملي نائب الشام بطلب إعفائه من نيابة الشام (٧). [طاعة الهجّان للسلطان] وفيه قدم عيسى بن حسن القاهري، الهجّان طائعا، وكان قد أمّر، فخلع عليه (٨). [ذبح التاج محمد] [١٤٤]- وفيه نزل السّرّاق على التاج محمد بن أحمد بن الكويك (٩) في داره فذبحوه بها.

стр. 218

[وفاة والي المحلّة] [١٤٥]- وفيه مات اقبغا (١) والي المحلة. [نيابة سر حلب] وفيه أعني هذه السنة - استقرّ في نيابة سرّ حلب الجمال إبراهيم ابن (٢) الشهاب محمود، عوضا عن الشهاب السيد الشريف ابن قاضي العسكر. وقدم الشهاب إلى القاهرة (٣). [قضاء المالكية بحلب] وفيه قرّر في قضاء المالكية بحلب أيضا الزين عمر بن يحيى بن سعيد (٤) التلمسانيّ، عوضا عن الشهاب الرياحي (٥). [قضاء الحنفية بحلب] وقرّر في قضائها (٦) الحنفية الجمال إبراهيم بن العديم، عوضا عن أبيه الماضي ترجمته (٧). [الخلاف على وفاة الصفيّ الحلّي] وفيه أرّخ بعضا (٨) من المؤرّخين موت الصفيّ الحلّي الذي ذكرناه في محلّه (٩). وأرّخه جماعة هناك، وأرّخه البعض في سنة ٤١. [وفاة الشمس القيسراني] [١٤٦]- وفيه مات الشمس القيسراني [محمد] (١٠) بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد بن خالد بن محمد بن أحمد. وكان من أعيان موقّعي الدّست. وهو صاحب المدرسة المعروفة بسويقة الصاحب بالقاهرة، وبها دفن.

стр. 219

سنة ثلاث وخمسين وسبعماية [محرّم] [الفتنة بمكة] في محرّم قدم مبشّر الحاجّ وأخبر بأنه كانت بمكة المشرّفة فتنة كبيرة بسبب تفرّد ثقبة بإمرة مكة، وأنّ عجلان ثار بها وامتنع من تسليمها لأخيه ثقبة، وقام قاضي القضاة العزّ بن جماعة، وكان قد خرج للحجّ في هذه السنة، ومشى بالصلح / ٣٩ أ / بين الأخوين، واتّفق الرأي على تشريكهما حتى اطمأنّ الحاجّ بعد أمور (١). [دخول المجاهد تعز] وفيه قدم الخبر أيضا بأنّ المجاهد صاحب اليمن دخل إلى تعز واستولى على ملكه في ذي حجّة من الماضية. وكانت أمّه في غيبته قد ساست الأمور وأقامت أخا له، لقبه بالصالح، وقبضت عليه حين عود المجاهد أو قبل ذلك، ولا زالت تدبّر الأمور حتى وصل ولدها (٢). [مهاجمة بني هلال] وفيه عادت التجريدة من الوجه القبلي، فعاد الأحدب (٣) أمير العرب (٤) إلى القبّة وركب بجموعه، وقصد بني هلال، فكبس عليهم بناحية طما، وقتل منهم جماعة، ونهب ما وجدوه (٥). [صفر] [التجريدة الثانية إلى الوجه القبلي] وفي صفر خرجت تجريدة ثانية إلى الوجه القبليّ بسبب ما ذكرناه من ثوران الأحمدي، وكان على هذه التجريدة بلبان السناني الأستادار، وقماري الحاجب، وعدّة من أولاد الأمراء، وأمروا بالإقامة هناك حتى يتمّ قبض المغلّ (٦).

стр. 220

[إفساد عربان إطفيح] وفيه عادت عربان إطفيح إلى الفساد كما كانوا، وكانوا قد كفّوا لما ولي أسندمر مملوك أزدمر الكاشف، فصرف وقرّر غيره آخر يقال له بيبغا الشمسي، فعادوا لما كانوا عليه من الفتن والشرور والفساد وقطع الطرقات (١). [ربيع الأول] [إستقدام أيتمش الناصري] وفي ربيع الأول استقدم أيتمش الناصري إلى القاهرة، ردّ فيها من سجن الإسكندرية، [و] أخرج منها إلى صفد بطّالا (٢). [إقطاع قردم] وفيه نفي قردم أمير أخور إلى صفد، ثم قرّر في إقطاع تلك، وحضر تلك إلى القاهرة، فقرّر في إقطاع قردم. وقرّر في الأمير أخورية تلك الحسني الحاجب (٣). [الشروع في قصر طاز] وفيه شرع طاز في إنشاء قصر واصطبل (٤) تجاه حمّام الفارقاني بجوار المدرسة البندقدارية، وأدخل فيه عدّة أملاك، وحمل إليه الأمراء والأعيان من الرخام وآلات العمارة أشياء كثيرة (٥)، وجاءت دارا عظيمة. وهي التي جدّدها في عصرنا هذا أنبك قرا حاجب الحجّاب الآن، وزاد في محاسنها، وهي مسوّرة من أجلّ ديار مصر الآن. [دار صرغتمش] وفيه أيضا شرع ضرغتمش في بناء دار يشتمل على قبو وإصطبل بجوار بير الوطاويط قريبا من الجامع الطولوني. وكان هذا المكان قصرا وإصطبلا لأمير يقال له بدرجك، فأدخل فيه صرغتمش عدّة من الأملاك، وحمل إليه الأمراء وغيرهم أشياء كثيرة من آلات العمارة. وكانت دارا جيّدة. / ٣٩ ب / جدّد فيها بعد ذلك جانبك الفقيه أمير سلاح أشياء (٦). [شفاء قبلاي النائب] وفيه عوفي قبلاي النائب. وكان من يوم قرّر في النيابة وهو مريض بوجع المفاصل، ما ركب يوما، بل كان يجلس بشبّاك دار النيابة للحكم بين الناس، ومشى في

стр. 221

نيابته المقايضات (١) والنزول عن الأقاطيع حتى خرج في ذاك عن الحدّ، وفحش الحال في ذلك حتى صار مقدّموا (٢) الحلقة ينزلون عن التقدمة (٣). وكذا أرسل في ذلك حتى صارت الباعة والعامّة تأخذ الأقاطيع (٤). [رأس النوبة الكبرى لصرغتمش] وفيه قرّر صرغتمش في الرأس نوبة الكبرى عوضا عن شيخو برضاه بذلك واختياره، وجعل إلى صرغتمش التصرّف في الأمور كلّها، وتدبير الدولة في حقيرها وجليلها، وصار هو وشيخو شيئا واحدا، وقصده الناس، وشهر، وركب، وعظم في النفوس، وزادت مهابته، وتكلّم في جميع أمور الدولة، ما عدا مال الخاصّ والوزارة. وأخذ صرغتمش في معارضة الأمراء في جميع أفعالهم. وأراد هو أن لا يعمل شيء إلاّ من بابه وبإشارته، ومتى حدث أمر من غير مشورته غضب وأبطل ذلك، بل وأخرق بصاحبه (٥). وفيه أجمع رأي الأمراء على أن يستبدّ السلطان بالتصرّف، وأن يكون ما يأمر به على لسان صرغتمش (٦). (أعجوبة) (٧) وفيه وصل الخبر بأنّ طائفة الزيلع (٨) كانت جرت عادتهم بحمل مال على وجه مهادنة الحبشي ملك انجره الكافر، وأنّ رجلا من عباد الله الصالحين نهاهم أن يحملوا إلى الكافر ذلك، وشنّع عليهم أنهم يسلّمون ويعطون الجزية للكفّار، ثم ردّ رسول (٩) ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك (شقّ عليه) (١٠). وحصروهم للغزو، وأضمر أن يقتل الديلم عن آخرهم. ولما صار بينه وبينهم يوم، قام ذلك العبد الصالح ليلته وسأل الله تعالى كفاية أمير الحبشي، بعد ما قرب الحبشي بهم، وركب بجيوشه بكرة النهار (١١) أظلم الجو بقدرة الله تعالى حتى صار الرجل يكاد أن لا يرى يده إذا أخرجها، ولا يرى صاحبه. ودام ذلك مقدار ساعة. ثم انقشع وأمطرت السماء ماء متغيّرا في لونه حمرة، وأعقبه رمل أحمر امتلأت به عيون الكفار (١٢) ووجوههم. ثم نزلت حيّات كثيرة جدّا فقتلت منهم خلقا كثيرا، فعاد بقيّتهم من حيث جاءوا، وهلك في عودهم

стр. 222

الكثير منهم ومعظم دوابّهم. فكانت هذه من الآيات العظيمة ولله الحمد (١). [الصلح بين الأمراء بعد الفتنة] وفيه كثرت الأراجيف بوقوع فتنة بين الأمراء وإعادة السلطان حسن، / ٤٠ أ / والقبض على شيخو وطاز، وأنّ الكلمة تنفرد في صرغتمش. وكان قد زاد ترفّع صرغتمش على الأمراء والناس وتسلّطه، فتنكّروا له. ثم وقع الصلح بينه وبين الأمراء، وذلك بعد أن استقر طاز وشيخو، فلما بلغ صرغتمش ذلك أخذ في التلطّف بالأمراء ولطاز وشيخو، وحلف لهما أنه برىء ممّا رمي به، فلم يصدّقه طاز وداخله الوهم وهمّ به حتى قام شيخو في ذلك قياما تامّا، وأصلح بينهما (٢). [الفتنة بين الفرنج] [وفيه] ورد الخبر بوقوع الفتنة بين طوائف الفرنج من الجنويّين والبنادقة من أول هذه السنة وتمادت [إلى] (٣) ربيع الآخر. [حجوبية جرجي] [وفيه] استقرّ جرجي الدوادار حاجبا عوضا عن طشتمر القاسميّ باستعفائه (٤). [طلب جمال للسلطان] [وفيه] ركب ضروط البريد إلى فيّاض بن مهنّا بطلب جمال وهجن للسلطان لقلّة ذلك عند السلطان، حتى إنه لما خرج إلى بعض السرحات اكترى له جمال (٥) كثيرة لحمل الأثقال، ومنع الأمير اخورين ومن عادته من الكتّاب والموقّعين وغيرهم من حمل أثقالهم على جمال السلطان (٦). [جماد الأول] [وفاة منكلي بغا] [١٤٧]-[وفي] جماد الأول ورد الخبر بموت منكلي بغا (٧) الفخري، الناصري.

стр. 223

وكان إنسانا حسنا، فيه مروءة وخير وديانة وشجاعة. تنقّل في عدّة ولايات، وناب بطرابلس، ثم بحلب في دولة الناصر حسن، وصار من أمراء المشورة، ثم قبض عليه واعتقل، وبغته الأجل في الشهر الماضي. [تأثير فتنة الفرنج على التجارة] [وفيه] عزّ وجود الخشب وغلا سعره جدّا، وتعذّر وجود الكثير من الأصناف التي يجلبها الفرنج، كالقصدير والزعفران، حتى بلغ المنّ من ذلك مايتي درهم إلى خمسماية، كل ذلك لقلّة الواصل، للفتنة التي بين الفرنج من أول هذه السنة إلى آخر ربيع الماضي. ثم ورد الخبر بأنّ البنادقة قد انتصروا على الجنويّين وأخذوا لهم أحد (١) وثلاثين غرابا (٢)، بعد قتل من بها (٣). [إكرام الشيخ الزرعي] [وفيه] قدم الشيخ الصالح، المعتقد، أحمد الزرعيّ من الشام، فبالغ صرغتمش وشيخو في إكرامه حتى عاد لبلاده (٤). [إسلام صاحب أذربيجان] [وفيه] وصل قصّاد من عند دمرداش بن جوبان صاحب أذربيجان ومعهم مكاتبة منه يخبر فيها بأنه أسلم وحسن إسلامه هو وإخوته وأقاربه، وبعث يشكو (٥) في مكاتبته من أرتنا (٦) صاحب الروم، ويتودّد إلى السلطان، ويسأله أن لا يدخل بينه وبين أرتنا إن حاربه، ورغب في مكاتبته أيضا إلى السلطان في أن يبعث إلى بلاده / ٤٠ ب / من نزح عنده من التجّار، وذكر أنه سار سيرة العدل والتزمها في رعاياه، وشكى (٧) من كثرة الاختلاف بينهم حتى هلك الكثير منهم. وبعث إلى التجّار بأمان، فجمع السلطان من بالقاهرة من تجّار العجم، وكانوا قد جاءوا في هذه السنة وما قبلها وكثروا بمصر والشام لسوء سيرة الولاة فيهم. فعرض السلطان عليهم أمان دمرداش، فلم يوافقوا على العود إلى بلاده (٨).

стр. 224

[تظلّم تجّار العجم السلطان] وفيه وقف جماعة من تجّار العجم إلى السلطان، وذكروا أنهم إنّما خرجوا من بلادهم وتركوها فرارا من ظلم الولاة وما حلّ بهم من جور التتار، وأنهم باعوا بضائعهم لعدّة من تجّار القاهرة فأكلوها عليهم، وأرادوا إثبات أعشارهم على القاضي الحنفي وهم في سجنه، وقد فلّس بعضهم. فرسم لجرجي الحاجب بإخراج غرماء التجّار من السجن واستخلاص ما في قبلهم للتجّار. وأنكر على القاضي الحنفي ما عمله. ثم أمر بأن لا يتحدّث في أمر التجّار والمديونين. فأحضر جرجي التجّار وأحضر لهم أعوان الوالي وأمر بهم فضربوا، وخلّص منهم المال شيئا فشيئا. ومن يومئذ صارت (١) الحجّاب بالقاهرة وببلاد الشام يتكلّمون بين الناس، فيما كان من شأن القضاة الحكم به (٢). [الإشاعة بهرب بيبغاروس] [وفيه] كثرت الإشاعة بحلب أنّ بيبغاروس في قصد الفرار إلى بلاد التتار حتى بلغه ذلك، فساءه، وقبض على جماعة من العوامّ وسمّرهم وشهّرهم، ثم أفرج عنهم (٣). [تعيين وظائف جامع شيخو] وفيه رتّب شيخو أمر جامعه الذي أنشأه بالصليبة، وجعل شيخو المدرّس به العلاّمة أكمل الدين محمد بن أحمد الرومي (٤)، الحنفي، وقرّر عنده عشرين صوفيّا، وجعل مدرّس (٥) مالكيّا أيضا، وقرّر أمر خطابة الجامع وسائر أحواله، كل ذلك قبل إنشائه جامعا له، ثم لما أنشأها نقل الصوفية إليها وجعل الأكمل شيخها، وزاد في عدد الصوفية، وزاد أشياء أخر، كما سيأتي بيان ذلك (٦). [جماد الآخر] [إعادة شيخو رأس النوبة] وفي جماد الآخر أعيد شيخو إلى الرأس نوبة الكبرى، عوضا عن صرغتمش، واتفق أن يستدعيه ليلبسه (٧) خلعة ذلك بولد ولد له من بعض سراريه، وكان ذكرا، فسرّ به سرورا ما عليه (٨) مزيد. وقصده الأدباء بالمدائح والقصائد (٩).

стр. 225

[سجن شخص ادّعى أنه الملك الناصر أبو بكر] وفيه سمّر إنسان على جمل وطيف به شوارع القاهرة وقطع لسانه بعد أن سجن. وكان هذا الإنسان قد قام بقرية من قرى صفد يقال لها حطّين، وادّعى بأنه السلطان الملك المنصور أبو بكر بن الناصر محمد بن قلاون، فأحضره نائب صفد إلى عنده، وذكر له أنه هو أبو بكر، وأنه لما بعث بقتله ما قتله [عبد ال] (١) مؤمن، ولكن أطلقه، وأنه فرّ فركب البحر وصار (٢) / ٤١ أ / إلى قطيا، وبقي مختفيا ببلاد غزّة إلى الآن. وجرت عليه أمور آلت إلى حمله إلى مصر، وفعل به ما ذكرناه. ثم ذكر عنه أنه في عقله خلل أو نحو ذلك، وأنّه سيء السيرة، وأنه يعرف بأبي بكر بن الرمّاح، وخشّب، وبعث به إلى مصر (٣). [ادّعاء النبوّة] وفيه ادّعى شخص بالقاهرة النبوّة، وأنّ معجزته أنه يجامع امرأة فتحبل وتلد من وقتها ولدا ذكرا يخبر بصحّة نبوّته. فقيل له: «إنك لبئس النبيّ». فقال: «كذبتم (٤) لبئس الأمة». فأمر به أن يسجن حتى يكشف عن أمره، فإذا هو مجنون، فجعل في البيمارستان (٥). [تسمير ابن مغني] وفيه سمّر ابن (٦) مغني ومعه جماعة قبض عليهم مجد الدين بن موسى البرماوي الكاشف من معدية زفيتة. وكانوا قد أفسدوا كثيرا (٧). [وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله] [١٤٨]- وفيه مات الخليفة أمير المؤمنين، الحاكم بأمر الله (٨)، أحمد بن

стр. 226

سليمان بن أحمد بن الحسن بن أبي بكر، أبو القاسم، العبّاسي، المصريّ. وكان ولي الخلافة في سنة ٤٢، وكان مع أبيه بقوص لما أخرج إليها في أواخر دولة الناصر محمد بن قلاون، على ما هو مشهور في محلّه من التواريخ. فلما مات والده، وهو المستكفي بالله ابن الحاكم بالله، عهد إليه بالخلافة، فلم يمض الناصر عهده، وعدل عنه إلى ابن عمّه أخي المستكفي إبراهيم. فلما ولي الأشرف كجك استدعى قوصون أبا القاسم هذا، وقرّره في الخلافة في السنة التي ذكرناها. وتلقّب أولا بالمستنصر، ثم عدل عن ذلك إلى لقب جدّه أحمد القبّي (١) أول خلفاء بني العباس بمصر. وذكر بعض المؤرّخين أنّ الحاكم هذا عاد للخلافة في سنة إحدى وأربعين وسبع ماية بقيام طاجار الدوادار في ذلك. وكان السبب في ذلك أنه لما أريد سلطنة المنصور أبو (٢) بكر بن الناصر محمد طعن الطاعن في خلافة إبراهيم، وأنّ التقليد منه فيه ما فيه. وذكروا أنّ الناصر إنّما عدل عن أحمد هذا لشيء كان في نفسه من ابنه المستكفي، وأنه لما حضرته الوفاة أوصى الأمراء بردّ الأمر إلى وليّ غير المستكفي، فإنه كان / ٤١ ب / قد عهد إليه بالخلافة. ولما مات بقوص كما ذكرناه. وأنه لما تسلطن أبو بكر عقد مجلسا وطلب إبراهيم وأحمد هذا، فقال السلطان للقضاة: «من يستحقّ الخلافة شرعا؟». فأجاب ابن جماعة بأنّ المستكفي قد عهد بالخلافة لولده أحمد من بعده، وأن ذلك ثبت عندي. فخلع السلطان حينئذ إبراهيم، وبايع أحمد هذا، ثم قلّده السلطنة. وذكر الزين العراقيّ أنه سمع الحديث على بعض المتأخّرين، وحدّث. وكان موته مطعونا في هذه السنة، لعلّه في هذا الشهر، فإنّ ذلك ما حرّرته تماما. وكان قد عهد بالخلافة لأخيه أبو (٣) بكر في وصيّته. وكانت مدّة خلافته (٤) الحاكم هذا نحوا من اثنتي عشرة سنة. [خلافة المعتضد] أمير المؤمنين، أبو الفتح، أبو بكر بن المستكفي، في جماد هذا، بعد موت الحاكم، على ما عرفته.

стр. 227

طلب السلطان أبو (١) بكر هذا وبايعه بالخلافة عوضا عن أخيه الحاكم المذكور، وكان قد عهد إليه بها. ولما بويع بها لقّب بالمعتضد بالله، وأفيض عليه شعار الخلافة، ونزل في موكب حفل، بعد أن أركب الفرس للسلطان بالسرج الذهب والكنبوش الزركش (٢). [كسر النيل] وفيه - في ثالث عشر مسرى - كان الكسر للنيل عن الوفاء، ونودي عليه بزيادة عشر (٣) أصابع من سبعة عشر ذراعا، ثم انتهت زيادته إلى ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. وكان قد توقّف في أول الزيادة، ثم زاد زيادة حسنة في كل يوم ما بين أربعين وثلاثين وعشرين، إلى أن كان الوفاء. وكان قاعه في هذه السنة ثلاثة أذرع وثلث، واحترق احتراقا شديدا قبل ذلك (٤). [رجب] [عودة صاحب اليمن إلى ملكه] وفي رجب وصل الخبر من الملك المجاهد صاحب اليمن بأنه وصل إلى بلاده، وعاد إلى ملكه، وأنه جهّز تقدمة، وأوفا (٥) التجّار ما كان اقترضه من الأموال (٦). [اختفاء منجك] وفيه فقد الأمير منجك من موضع هو به، فتطلّب في عدّة أماكن، وكبست عليه مواضع. وركب صرغتمش لذلك مع جماعة من الأمراء، فخفي عنهم أمره، ونودي عليه بالقاهرة، وهدّد من أخفاه، وبعث جماعة لأخذ الطرقات عليه. وكتب إلى النوّاب وإلى الأعمال بتحصيله. وكان من خبر فراره أنه قدم مكاتبة أرغون الكاملي نائب الشام بأنه قبض على قاصد منجك بمكاتبة إلى أخيه بيبغاروس نائب حلب بتحسين الحركة والقيام، وأنه اتفق مع ساير الأمراء، وما بقي إلاّ أن يركب ويتحرّك. فاقتضى رأي السلطان التأنّي في أمر المكاتبة إلى طلوع الأمراء والنائب إلى القلعة. / ٤٢ أ / ثم قرأ الكتاب بحضورهم، ويقبض على منجك. فكأنه أحسّ ذلك، فلما صعد الجماعة لم يصعد منجك معهم، فتطلّب، فلم يوجد. وذكر أتباعه أنه لم يعرفوا حاله من عشاء الآخرة (٧).

стр. 228

[وفاة الشهاب ابن بيليك] [١٤٩]-، [وفيه] مات الشهاب أحمد بن بيليك (١) المحسنيّ، التركيّ الأصل، القاهريّ، الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، فقيها، ناظما، ناثرا، مع جنديّته. وكان تقرّب من تنكز نائب الشام واختصّ به. ونظم «التنبيه» نظما حسنا، وشرحا فائقا وقفت عليه. وكان يعرض ما ينظمه منه على التقيّ السبكيّ أوّلا فأوّلا حتى يفرغ. وولي بعد ذلك نيابة دمياط، وبها بغته الأجل. وكان والده نائبا بالإسكندرية. ومولد ولده سنة تسع وتسعين وستماية. [وفاة الشهاب ابن القيسراني] [١٥٠]-، [وفيه] مات الشهاب ابن (٢) القيسرانيّ (٣) يحيى بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن خالد بن محمد بن نصر (٤) المخزوميّ. وكان فاضلا، بارعا. كتب في الإنشاء بمصر، وكان عارفا به. وباشر توقيع الدّست ثم ولي نيابة سرّ دمشق. وكان حسن الهيئة والخلق والخلق، نيّرا، متجمّلا في شؤونه (٥)، كثير العبادة والصيام. ومولده سنة سبعماية. [وفاة تمر الموسوي] [١٥١]-، [وفيه] مات تمر الموسوي (٦). وكان لا بأس [به].

стр. 229

[وفاة الزغاري الشاعر] [١٥٢]-، [وفيه] مات أيضا الشاعر، الأديب، الفاضل، البدر، الزّغاري (١)، حسن بن علي بن حمد (٢) الغزّي، بدمشق. وكان أديبا، فاضلا، له نظمّ حسن. ومولده سنة ستّ وسبعماية. [عصيان الأمير بيبغاروس] [وفيه] ورد الخبر بخروج بيبغاروس عن الطاعة بحلب، وأنه وافقه أحمد الساقي نائب حماه، وبكلمش نائب طرابلس، فكتب إليه بحضوره إلى القاهرة، وإذا امتنع فهو معزول عن نيابة حلب. ثم وصل الخبر ثانيا بأنّ بيبغاروس تسلطن بحلب، وأنّه لقّب نفسه بالملك العادل، وأنّ قراجا بن دلغادر انضمّ إليه بتركمانه وجنده، وأنهم تواعدوا على المشي على مصر [مع] شعبان، وأنه في تجهيز نفسه. فعيّن السلطان تجريدة بالخروج إليه. ثم وصل الخبر من نائب الشام بأنه لا بدّ من سفر السلطان إليه بنفسه لقوّة أمره وما هو فيه، وموافقة الكثير من النواب، وابن دلغادر، وجيار (٣) بن مهنّا. فاتفق الرأي على سفر السلطان. وأخذ الوزير في تجهيزه، واقترض مالا كثيرا للسلطان من التجار، والأمراء، وغيرهم (٤). [وفاة أرتنا صاحب الروم] [١٥٣]-، [وفيه] مات أرتنا (٥) صاحب الروم من قبل القان بو سعيد بن خربند بن

стр. 230

أرغون بن أبغا بن هولاكو المغلي، ملك التتار، صاحب العراقين، والجزيرة، وخراسان، والروم. وكان أرتنا هذا قد قرّر في مملكة الروم دمرداش، فغدر به، واستبدّ بالروم. / ٤٢ ب / وغزاه حسن بن دمرداش فهزمه، واستمرّ أرتنا في ملكه للروم كل ذلك بعد موت بو سعيد، وصار يوالي الناصر محمد بن قلاون. وكتب إليه تقليدا بسلطنة الروم، وبعث إليه بالخلع. وهو الذي تحارب مع القان سليمان فكسره في سنة أربع وأربعين. وكان حسن الإسلام. ولما مات استقرّ في ملكه بعده ولده محمد بك. [شعبان] [القبض على منجك] [وفي] شعبان زادت الحركة بسبب سفر السلطان، وكثر الاضطراب بالقاهرة، والوزير مجتهد في عمل برق السلطان، وبعث بالإقامات والشعير إلى الطرقات، وعيّنت العساكر. وخرج طاز ومعه بزلار، وكلتا، وألبكي، وكان لخروجهم يوما مشهودا. وساروا كالمقدّمة للسلطان. ثم خرج طيبغا المجدي، وابن أرغون النائب. ثم خرج بعد أيام شيخو في تجمّل عظيم إلى الغاية. وبينا الناس في التفرّج على طلبه، إذ أشيع بأنه قبض على منجك. وكان قد وجد له مكاتبة بعثها إلى بيبغاروس بعثها طاز من أثناء طريقه إلى شيخو، فتفحّص شيخو عن منجك. وكان قد اختفى بالقاهرة بجوار الجامع الأزهر. والظنّ أنه فرّ إلى أخيه. فلما ظهرت هذه المكاتبة على أنه بمصر تفحّص شيخو عنه حتى وجد وقبض عليه، وحمل إلى سجن الإسكندرية (١). [سفر السلطان نحو الشام] في سابعه كان سفر السلطان بعد أن رتّب أمور مصر والقاهرة، وأقام قبلاي النائب نائب الغيبة، ورتّب أمير على القلعة داخل باب القّلة، وارنان (٢) على باب القلعة. ثم ارتحل من الريدانية في ثاني يوم خروجه إلى جهة الشام (٣).

стр. 231

[إنحلال أمر بيبغاروس] [وفيه] قدم الجند على السلطان بأنّ بيبغاروس قدم إلى جهة دمشق وفعل بها أفعالا قبيحة هو ومن معه من جموعه، وأنّ نائب الشام خرج بعساكره إلى جهة الرملة لينضمّ (١) إلى السلطان، وأنّ بيبغا لما بلغه القبض على أخيه، وخروج السلطان بعساكر إلى قتاله انحلّت عرى من معه من العرب والتركمان وجماعته أيضا، وأنه عاد راحلا إلى جهة حلب. وقدم الخبر بذلك إلى القاهرة، وضربت الدبادب والبشارة (٢). [رمضان] [دخول السلطان دمشق] [وفي] رمضان كان دخول السلطان / ٤٣ أ / إلى دمشق. وكان شيخو وطاز تقدّماه قبل ذلك، وتأخّر صرغتمش لترتيب أموره وتدبير عساكره. وركب السلطان بعد أن نزل بقلعة دمشق، ونزل إلى الجامع الأمويّ، فشهد به صلاة الجمعة. وكان الأمراء قد مضوا في طلب بيبغاروس (٣). [انهزام بيبغاروس] [و] لما قدم بيبغاروس إلى حلب عصت عليه، وعمل جماعة الحيلة حتى فرّ هو وعساكره، فتبعه الحلبيّون قبل وصول عساكر السلطان، وأوقعوا بمن معه حتى تمزّقوا، وأخذوا من العرب ومن أهل حلب، ونهب خزانته وأثقاله، وفرّ هو بنفسه، وقبض على أخيه فاضل وعلى جماعته من خواصّه ومماليكه، وسجنوا بقلعة حلب. ووصلت هذه الأخبار إلى السلطان، ففرح هو ومن معه، وضربت دبادب البشائر. وكتب بذلك إلى مصر. وكتب إلى حلب بطلب الأسرى ومن قبض عليه. وكان لهم ما سنذكره (٤).

стр. 232

[وفاة البهاء الأنصاري] [١٥٤]-، [وفيه] مات البهاء ابن إمام المشهد (١) محمد بن علي بن سعيد الأنصاري، الشافعيّ، أبو المعالي. وكان عالما، فاضلا، محدثا، سمع جماعة منهم: ابن (٢) مشرّف، وستّ الوزراء، وآخرين (٣). وكتب المنسوب (٤) وله نظم جيّد، وصنّف، وألّف. ومولده سنة ستة (٥) وستين وستماية. [عودة الأمراء] [وفيه] عاد الأمراء الذين توجّهوا إلى بيبغاروس وقد كفوا شرّه. وكانوا وصلوا إلى حلب (٦). [نيابة حلب] وفيه قرّر في نيابة حلب أرغون الكاملي، عوضا عن بيبغاروس، وقد انضمّ لابن دلغادر (٧). [شوال] [صلاة العيد] [وفي] شوّال صلّى السلطان العيد بدمشق بالميدان، وكان في موكب حافل جدّا، وقد ركب معه الأمراء بأسرهم والذين قدموا من حلب، وكان معهم الأسرى ممّن قبض عليه من جماعة بيبغاروس.

стр. 233

ولما انقضت صلاة العيد مدّ السّماط بالميدان، وكان حافلا (١). [توسيط أمراء وسجن آخرين] [وفيه] وسّط تحت قلعة دمشق عدّة من الأمراء ممّن كانوا مع بيبغاروس، وهم: ألطنبغا برناق، وطيبغا حلاوة، ومهدي (٢)، وأسنبغا التركمانيّ، وألطنبغا العلائيّ، وشادي أخو أمير أحمد الساقي. وأمّا ملكتمر السعديّ (٣) فأعيد إلى السجن. ثم قبض على جماعة من أمراء دمشق، وبعثوا ملكتمر إلى الإسكندرية، فسجنوا بها (٤). [نيابة طرابلس] [وفيه] قرّر (٥) / ٤٣ ب / في نيابة طرابلس أيتمش النّاصريّ، عوضا عن بكلمش (٦). [نيابة حماه] وقرّر طنيرق (٧) في نيابة حماة، عوضا عن أحمد الساقي (٨). [نيابة صفد] وقرّر الشهاب ابن (٩) صبح في نيابة صفد (١٠). [تحريض ابن دلغادر على بيبغاروس] [وفيه] كتب إلى ابن دلغادر بأنه على إمرته إن قبض على بيبغاروس، وبعث به. فامتنع (١١) فخلع على رمضان أمير أدنة ومصّيصة. وقرّر في إمرة التركمان عوضا عن ابن (١٢) دلغادر.

стр. 234

ورمضان هو والركنيّ رمضان تركمان أذنة ومصّيصة (١). [خروج السلطان من دمشق] في سابعه صلّى السلطان الجمعة بدمشق، وخرج منها يريد القاهرة بعد تقرير الأمور بتلك البلاد. هذا وأحوال مصر في غاية الأمان في غيبة السلطان (٢). [وفاة تلك الحسني] [١٥٥]-، [وفيه] مات تلك الحسني (٣) بغزّة وهو عائد مع السلطان، وكان من أمراء دمشق بأخرة. [عودة السلطان إلى القاهرة] [وفيه] وصل السلطان إلى القاهرة، وكان لدخوله إليها يوما مشهودا (٤)، وفرشت الشقق الحرير تحت نعال مركوبه بعد أن خرج الناس للقائه، وأقيم له موكبا حافلا (٥) لم يتّفق لأحد من إخوته في سلطنته، وحين صعد إلى القلعة تلقّته أمّه وجواريه وإخوته، وقد فرش تحت فرسه شقق الأطلس، ونثر عليه الذهب والفضّة، وأظهرت التهاني بمصر والقاهرة. وفي ذلك أنشد الشهاب ابن أبي حجلة، ﵀: الصالح الملك المعظّم قدره ... تطوى له أرض (٦) البعيد النازح لا تعجبوا من طيّها لمسيره ... فالأرض تطوى دائما للصالح [ثم] عمل المهمّ العظيم الحافل بالقلعة، وكان مهمّا لم ير مثله، وعمل سماطا هائلا جدّا يطول الشرح في وصفه، وأكل الأمراء، وخلع عليه فيه. وتأنّق الوزير الصاحب علم الدين ابن زنبور تأنّقا زائدا (٧).

стр. 235

[القبض على الوزير ابن زنبور] [وفيه] أعني هذا اليوم قبض على الوزير ابن (١) زنبور وهو بخلعته، وارتجّت القلعة لقبضه، وأحيط بموجوده. وكان السبب في ذلك صرغتمش، بل هو الذي قبض عليه، وله في ذلك ما جرية يطول الشرح في ذكرها. وأخذ شيخو يتلطّف بقضيّته مع صرغتمش، فلم يرجع إليه في ذلك (٢). [تقرير الوزارة] [وفيه] قرّر في الوزارة الموفّق هبة الله (٣). [نظارة الجيش] [و] ولّي نظر الجيش التّاج بن الغنّام (٤). [نظر الخاصّ] وفي نظر الخاصّ البدر كاتب يلبغا (٥). [تقرير وظائف] / ٤٤ أ / وقرّر في عدّة وظائف عدّة من الكتبة. [وفاة الشمس القفصي] [١٥٦]- وفيه مات الشمس القفصيّ (٦) محمد بن سليمان بن أحمد المغربيّ، المالكيّ.

стр. 236

وكان عالما، فاضلا. ناب (١) في الحكم بدمشق. [وفاة أخي بيبغاروس] [١٥٧]- ومات بحلب فاضل (٢) أخو بيبغاروس. [تتبّع حاشية ابن زنبور] وفيه تتبّعت حواشي ابن (٣) زنبور وجماعة، وجرف صرغتمش الأموال جرفا من هذا الوجه. ووقعت جريات في ذلك تطول (٤). [ذو القعدة] [الإذن بتجريدة من حلب] وفي ذي قعدة وصل الخبر من نائب حلب بأنه لا بدّ من تجريدة تخرج لابن دلغادر من حلب، وهو يستأذن السلطان في: هل نخرج أم لا (٥)؟. [ضبط موجود ابن زنبور] وفيه ضبط موجود ابن (٦) زنبور بعد أن تتبّع شيئا فشيئا، وكان شيئا كثيرا لا يكاد أن يمكن حدّه. وكان صرغتمش هو القائم في ذلك بنفسه ويركب هو لذلك. وكان عدّة الحمّالين لما وجد له من المتاع النفيس نحوا من ثمان ماية حمّال، سوى البغال. ووجد له من أواني الذهب والفضّة مازنته ستين (٧) قنطارا، ومن الجوهر النفيس [ما] زنته ستين (٧) رطلا، ومن اللؤلؤ إردبّين، ومن الذهب الهرجة مبلغ مايتي ألف دينار (٨) وأربعة آلاف دينار، ومن الحوايص ستّة آلاف حياصة، ومن الكلفتات الزركش ستة آلاف، ومن ملابسه ستة آلاف (٩) وستماية فرجيّة، ومن البسط ستّة آلاف بساط، ومن الصنج لوزن الذهب والفضّة ما القيمة عنه خمسين (١٠) ألف درهم. ووجد له من الخيل والبغال ألفا (١١) رأس، وعاملة ستة آلاف رأس بقر، وحلاّبة كذلك ستة آلاف. ومعاصر قصب خمسة وعشرون معصرة، وأقاطيع سبعماية إقطاع، ارتفاع كل إقطاع خمسة وعشرون ألف

стр. 237

درهم، في كلّ سنة. ومن العبيد ماية عبد، ومن الطواشية ستون طواشي (١). ومن الجواري سبعماية جارية، ومراكب في بحر النيل وغيره سبعماية، ومن الأملاك ما قوّم بأربعة آلاف دينار (٢). ومن السروج والبدلات خمسماية، ومن الحواصل اثنان وثلاثون حاصلا، منها من أنواع المتاجر ما يقوّم بأربعماية ألف دينار، ومن الحمير خمسماية حمار. ومن الأقطاع سبعة آلاف نطع، ومن البساتين مايتي (٣) بستان. ومن السواقي أربعماية (٤). كل ذلك، سوى ما نهب واختلس له. وكان هذا من أغرب النوادر وأعجبها. وجرت على ابن زنبور أمور مهولة. وكان شيخو سببا لنجاته من القتل (٥). [سجن أمراء بالإسكندرية] وفيه قبض على قماري الحمويّ، ومحمد بن بكتمر الحاجب، وشعبان قريب يلبغا، ومأمور، وحملا (٦) إلى سجن الإسكندرية (٧). [وصول قصّاد صاحب أذربيجان] / ٤٤ أ / [وفيه] وصلت قصّاد دمرداش بن جوبان صاحب أذربيجان بمكاتبة للسلطان، بأنّ في قصده محاربة أرتنا صاحب الروم، وأنه إن مشى عليه فلا يدخل السلطان بينهما. وأعيد إلى جوبان جوابه (٨). [ذو الحجّة] [دخول نائب الشام دمشق] [وفي] ذي حجّة كان دخول أمير علي الماردينيّ نائب الشام إلى دمشق، وكان له يوما مشهودا (٩). وكان مسفّره أزدمر الخزندار (١٠).

стр. 238

[القبض على نائبي حماه وطرابلس] [وفيه] وصل البريد من حلب بأنه قبض على أحمد الساقي نائب حماه، وبكلمش نائب طرابلس، وذلك على يد ابن (١) دلغادر، وأنهما وصل بهما إلى حلب وسجنا بقلعتها، فخرج الجواب بالشكر والثناء، وأن يقتل أحمد وبكلمش بعد أن يشهّرا. وجهّز لنائب حلب خلعة (٢). [الشهاب ابن بيليك] [١٥٨]-، [وفيه] مات الشهاب أحمد بن بيليك (٣) المحسنيّ، الشافعيّ. وكان أميرا، فقيها، عالما، فاضلا، ناظما، نائرا. نظم «التّنبيه» فأجاز في نظمه. وكان كلّما نظم منه شيئا عرضه على التّقيّ السبكي. وقد وقعت عليه فرأيته ذا حلاوة نظم مع رشاقة وجودة ألفاظ ومعاني. وكان من خواصّ تنكز نائب الشام ومن المقدّمين لديه. وولّي بأخرة نيابة دمياط، وبها بغته الأجل. ومولده سنة تسع وتسعين وستماية. ووالده بيليك المحسنيّ كان نائبا بالإسكندرية. وقدّمنا (٤) ترجمته. [المطر بغزّة] [وفيه] وصل الخبر من غزّة بكثرة الأمطار بها بحيث خرجت عن الحدّ، حتى تهدّم منها عدّة بيوت، وهلك تحتها جماعة، وسقط نصف دار النيابة. وسكن النائب بجامع الجاولي، وأنه تلف الكثير من الزرع، ثم نزل ثلج كثير حتى تجاوز العريش. وكانت الأمطار كثيرة جدّا في كثير من النواحي، ونزل الثلج بناحية بركة الحبش، وبأراضي الجيزة، وعلى الجبل (٥). [حريق دمشق] [وفيه]- أعني هذه السنة وقع بدمشق حريق عظيم عند باب جيرون (٦)، وعدم فيه الباب النحاس الأصفر العجيب الذي ما رؤي مثله. وكان أهل دمشق يزعمون أنه من بناء جيرون (٧) بن سعيد بن عاد بن إرم بن سام بن نوح (٨).

стр. 239

[وفاة العضد العراقي] [١٥٩]-، [وفيه] مات العلاّمة، القاضي، العضد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفّار العراقيّ (١)، شارح «مختصر ابن الحاجب»، و «المواقف». وكان إماما، علاّمة، عالما، فاضلا، بعيد الصّيت والشهرة في سائر العلوم، خصوصا العقلية بأحوال الأصول الدينية، والفقهية، والمعاني، والبيان، / ٤٥ أ / والعربية. مشاركا في الفنون. وله تلامذة عظاما (٢) شهروا في الآفاق بعده، منهم: الشمس الكرماني، والسعد التفتازاني، والضياء العفيفي، وغيرهم. وولي قضاء المالكية في أيام بو سعيد ملك التتار. وكان كريما، جوادا، منعما على الطلبة، واسع المال. وجرت له محنة مع صاحب كرمان، فسجنه بالقلعة، وبها بغته الأجل. وأرخه التبريزي في هذه السنة، والسبكيّ في سنة اثنتين وخمسين. والإسنويّ (٣) قبل ذلك. والله أعلم. [نظر خزانة الخاصّ] [وفيه] استقرّ في نظر خزانة الخاصّ التاج الإخنائيّ، ثم استعفى بها (٤) بعد القبض على الوزير ابن (٥) زنبور، فقرّر فيها عوضه التاج الجوجريّ (٦).

стр. 240

سنة أربع وخمسين وسبعماية [محرّم] [إشاعة القبض على ابن دلغادر] في محرّم وصل الخبر من حلب على البريد بالقبض على قراجا بن دلغادر، فسرّ أهل الدولة ذلك، ثم ظهر كذب هذا الخبر (١). [مقتل نائب حماه] [١٦٠]-، [وفيه] مات مقتولا بحلب أحمد الساقي (٢)، نائب حماه. وكان شجاعا، مقداما، أهوج، جهولا. وأصله من الأويراتية. بعثه نائب البيرة في أيام الناصر محمد بن قلاون، فأعطاه لبكتمر السّاقي، ثم قرّر بعده في إمرة عشرة، ولقّبه بالسّاقي كأستاذه، ثم نقل إلى إمرة طبلخاناة، وصيّر شادّ الشراب خاناه. ثم تنقّل في عدّة ولايات بها، إمرة شكار، ثم نيابة صفد. وجرت منه ما تقدّم. ثم ولّي نيابة حماه حتى كان منه وله ما قد عرفته. [مقتل نائب طرابلس] [١٦١]- ومات معه قتيلا أيضا بكلمش (٣) الناصريّ أمير شكار نائب طرابلس. وكان ظالما، غاشما، سيّء السيرة، تنقّل في عدّة ولايات حتى ولي نيابة طرابلس، وجرى عليه ما تقدّم ذكره.

стр. 241

وحملت رأسهما، أعني بكلمش هذا، وأحمد، إلى القاهرة، على يد جنتمر أخو (١) طاز. [مشيخة خانقاه سرياقوس] [وفيه] وصل من بلاد الهند شيخ الشيوخ الركن الملطيّ، وتلقّاه طوائف الناس، وصعد لبين يدي السلطان، فخلع عليه، وأركب بغلة رائعة بالزنّاري، وقرّر في مشيخة الشيوخ بالخانقاه السّرياقوسيّة على ما كان، بعد أن أيس منه. وكانت غيبته نحوا من عشر سنين أو زيادة عليها، وعاد بغير طائل (٢). [وفاة الإمام القسطلاني] [١٦٢]-، [وفيه] مات الإمام القسطلانيّ (٣) محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون، الغسّانيّ، القيسيّ، الشافعيّ. وكان من رؤساء مصر وذوي البيوتات. / ٤٥ ب / وهو مشهور السّلف. سمع من الرضى الطبريّ، وغيره. ومولده سنة أحد (٤) وتسعين وستماية. [تخليص ابن زنبور من القتل] [وفيه] أخرج الصاحب علم الدين بن زنبور إلى قوص بعد أن عوقب وأريد قتله، فثار له شيخو حتى خلّصه من يد صرغتمش بعد أن أغلظ القول في ذلك (٥). [الفتنة في مكة] [وفيه] وصل الحاجّ وأخبروا بفتنة كانت بين الأخوين أميرين (٦) مكة المشرّفة: (ثقبة) (٧) وعجلان، وهي مستمرّة (٨).

стр. 242

[منع التجّار من التوجّه إلى مكة] [وفيه] صحّ الخبر بأنّ المجاهد صاحب اليمن منع التجّار من التوجّه إلى مكة غيظا بما وقع من أربابها (١). [صفر] [حلّ أوقاف ابن زنبور] [وفي] صفر قام صرغتمش قياما تامّا في حلّ أوقاف ابن (٢) زنبور وارتجاع أملاكه إلى جهة السلطان، بمساعدة (٣) جماعة، منهم: الشريف السيّد شرف الدين تعقيب الأشراف، ولقّناه في ذلك أشياء يحتجّ بها على ذلك، وعقد بسبب ذلك مجلس، فقام العزّ بن جماعة قاضي القضاة، والموفّق الحنبليّ في ذلك أشدّ قيام، وبالغا في الحطّ على صرغتمش حتى أعرض عن ذلك على رغمه، ومرض من كثرة حنقه وتغيّظ حتى تصدّق في أثناء مرضه بأموال وصل بها الفقراء، وأطلق من السجون. وكان أرجف بأنه يموت. فأين أين ذلك الزمان، ولو أريد الآن في عصرنا هذا حل ما يريده أقلّ الأمراء لبادر إليه قضاتنا (٤). [تقرير شيخو في رأس النوبة] [وفيه] قرّر شيخو في الرأس نوبة الكبرى على عادته، وصرف صرغتمش، وكانت قد اشتدّت وطأته على الناس، فقام الأمراء في صرفه ليقلّ شرّه وتنحطّ رتبته، ودبّروا ذلك في أثناء غرضه. وقام شيخو وطاز في ذلك قياما تامّا. ثم لما أقيم الموكب بالقصر بين يدي السلطان قام الأمراء بأسرهم وذكروا توقّف حال الدولة، وذكروا أنّ الأمر يحتاج إلى نظر شيخو، فأخذ هو في التّمنّع من ذلك، فما زالوا به حتى ألبسوه التشريف، فشرط عليهم أنّ أحدا لا يتحدّث في أمر جليل أو حقير، فأجابوا إلى ذلك. واستقرّ الناصري محمد بن بيليك المحسني مشير (٥) الدولة، وأغدقت الأمور بشيخو، وصار أكابر المباشرون (٦) والكتّاب بين يديه يتصرّفون فيما هو وفق مراده، وعظم قدره جدّا في هذه الأيام. وصدرت عنه التدابير الحسنة في المملكة، وأبطل المبايعات والنزولات في الأقاطيع / ٤٦ أ / بعد ما كان قد فحش الأمر في ذلك (٧).

стр. 243

[ربيع الأول] [قتل بيبغاروس] [١٦٣]- وفي ربيع الأول وصل الخبر بوصول بيبغاروس (١) إلى حلب وقد قبض عليه وقتل بها لسابق الأمر السلطاني بذلك، فإنه لم ينتظر به الإذن ثانيا. وكان بيبغا هذا من مماليك الناصر محمد بن قلاون ومن خواصّ خاصكيّته. وشهر في دولة الصالح إسماعيل، ثم ضخم في دولة المظفّر حاجي، وتنقّل في إمرة مجلس، ثم النيابة، وحسنت سيرته فيها، وقام في الطاعون العام فجهّز الأموات، حتى قيل إنّ جملة من جهّزه زيادة على الماية ألف إنسان. وقد عرفت ما جرياته قبل ذلك. وقبض عليه بأخرة بالأبلستين، وحمل إلى حلب فقتل بها، وأحضر تقطاي الدوادار برأسه إلى القاهرة، وكتب إلى نائب حلب بالشكر والثناء، وأن يحتال في أخذ قراجا بن دلغادر، وإن عجز عن الحيلة في إحضاره خرج إلى قتاله، فأعاد الجواب بالاعتذار عن ذلك، وأنه حلف له أنه إنّ جهّز بيبغاروس يكون آمنا من قتله. فاشتدّ إنكار أمراء مصر على نائب حلب، وعاد إليه الأمر بالتأكيد عليه في محاربته. وكتب إلى نوّاب الشام بنجدة نائب حلب على قتال ابن (٢) دلغادر، فاحتاج إلى أن خرج بعد ذلك (٣). وكان ما سنذكره. [ربيع الآخر] [خروج نائب حلب لقتال ابن دلغادر] وفي ربيع الآخر خرج نائب حلب في مستهلّه بعساكره إلى جهة ابن (٤) دلغادر (٥).

стр. 244

[تسمير شيخ عرب العايد] [١٦٤]- وفيه سمّر عيسى بن حسن العايدي (١) شيخ عرب العايد بالشرقية، وهجّان السلطان. وكان قد عظم وكثرت أمواله، وصارت الشرقية كلّها تحت حكمه، وجرت عليه أمور. وفرّ إلى الطور خوفا من شيخو، ثم أخذ بأخرة فسمّر، ولم ير أجلد منه في تسميره، لم يسمع منه كلمة واحدة، ولا تأوّه، ولا نحوه. [هدايا صاحب اليمن للسلطان] وفيه وصل قاصد الملك المجاهد مع هذه الهدية، وكان يلقّب بالناصر، فأنزل وأكرم هو ومن معه (٢). [وفاة ألجي بغا العادلي] [١٦٥]- وفيه مات ألجي بغا (٣) العادلي. وكان شجاعا، مقداما، كريم النفس، حسن السيرة. وهو من مماليك كتبغا العادل. وذكر بعضهم موته في ربيع الأول. [استقالة ابن جماعة من القضاء] وفيه استعفا (٤) العزّ بن جماعة قاضي القضاة من القضاء لكونه عزم أن يتوجّه إلى الحجّ / ٤٦ ب / والمجاورة، واعتذر بكبر سنّه، فلم يجب إلى ذاك، ثم تلطّف حتى أجيب وشرط عليه أن يعيّن للقضاء من يختاره فعيّن صهره قاضي العسكر التاج المناوي. فقرّر في القضاء وامتنع من قبوله، فما زال به ابن (٥) جماعة حتى قبل، وقام الناس يسعون في وظائف المناوي، فقام القاضي الحنفي في عود ابن (٥) جماعة، ولا زالوا بشيخو حتى أعيد ابن (٥) جماعة، وشرط عليه أن يتوجّه إلى الحجّ ويقيم المناوي خليفة حتى يعود. ثم خلع عليه، ونزل في موكب حافل جدّا إلى داره.

стр. 245

[وفاة الخواجا ابن مسافر] [١٦٦]- وفيه مات الخواجا عمر (١) بن مسافر التّاجر جالب شيخو الذي إليه ينسب بالعمري، وإليه نسب عدّة من المماليك. وكان إنسانا حسنا، خيّرا، ديّنا، كثير المال، له حرمة ووجاهة خصوصا صحابة شيخو. [جماد الأول] [الحرب بين نائب حلب وابن دلغادر] وفي جماد الأول كانت محاربة عظيمة بين نائب حلب مع عساكره وبين قراجا بن دلغادر، وكان قد فرّ إلى الجبال، فتبعه العسكر وقاتلوه عشرين يوما حتى طال الأمر، وقتل وجرح جماعة من الفريقين. ثم نزل ابن (٢) دلغادر وقاتل بنفسه قتالا شديدا، وانهزم إلى الروم، فتبعه طائفة من العساكر وقبضوا على ولدين له ونحوا (٣) من أربعين نفرا من خواصّه، وصعد باقي العسكر إلى الجبل أين كان فنهبوا أمواله وأغنامه، وكانت شيئا كثيرا، وسبيت حرمه، فأبعن بحلب بأبخس الأثمان، ورخصت الأكاديش والأبقار والأغنام جدا حتى أبيع الإكديش من أربعين إلى خمسين درهما والبقرة إلى ثلاثين، والرأس الضأن بثلاثة دراهم، وظفر العسكر لهم بدفاين فيها أموالا (٤) كثيرة (٥). [إعدام نصراني] وفيه أعلن بعض نصارى الطور في قدح دين الإسلام، والعياذ بالله تعالى، ووقع منه أشياء، وآل أمره أن ضربت عنقه وأحرقت جثّته (٦). [اعتقال ابن دلغادر] وفيه وصل الخبر بأنّ ابن دلغادر توجّه إلى ابن أرتنا صاحب الروم، وأنه أكرمه، فكتب إليه بإعمال الحيلة في قبضه، فما زال به حتى آل أمره بالقبض عليه وبعثه محتفظا به إلى حلب في شعبان (٧)، كما سيأتي.

стр. 246

[جماد الآخر] [إمرة الأخورية] وفي جماد الآخر صرف بكتمر المؤمني عن إمرة الأخورية، وقرّر عوضه قندس (١). [الفتن بين آل مهنّا وغيرهم] وفيه كانت فتن بين آل مهنّا وأمراء تلك البلاد. وفيه أيضا كانت الفتن وكثرة العيث ببلاد الوجه القبلي من العربان (٢). [وليمة الأمير طاز] / ٤٧ أ / وفيه كان المهمّ الحافل بدار طاز التي أنشأها، وكانت قد انتهت، وكانت وليمة هائلة حضرها السلطان بنفسه وجميع الأمراء، ومدّت الأسمطة، وكانت حافلة جدّا. وقدّم طاز للسلطان والأمراء تقادم سنيّة بعد السماط، وكان يوما مشهودا، وعدّ نزول السلطان إلى هذه الدار من النوادر الغريبة التي ما وقعت في هذه الدولة التركية قبل هذا (٣). (أعجوبة) (٤) وفيه وصلت مكاتبة أيتمش نائب طرابلس ومعها محضر من طرابلس ثابت على قاضيها بأنّ امرأة من أهل طرابلس يقال لها «نفيسة» جميلة الصورة، وتزّوجت بثلاثة أزواج، وما قدر واحد منهم أن يزيل بكارتها من غير مانع منها، فظنّوا رتقها، وطلّقوها واحدا بعد واحد حتى بلغت خمسة عشر (٥) سنة، فغار ثديها واعتراها نوم ثقيل ليلا ونهارا، وصار يبرز (٦) لها من فرجها (٧) شيء قليلا قليلا، إلى أن تشكّل منه ذكر صغير وأنثيان، فكتمت أمرها، فكانت كما قالت، واشتهر (٨) أمرها بطرابلس، وكتب بذلك محضر بإذن النائب، وأنّ المذكور برز (٩) بين الرجال، وتسمّى بعبد الله. وذكر العماد ابن كثير في «تاريخه» (١٠) أنه اجتمع به ورآه بدمشق، وصار جنديّا، ونبتت له لحية سوداء (١١).

стр. 247

[رجب] [وفاة ابن الصائغ] [١٦٧]- وفي رجب مات الشيخ إبراهيم بن الصائغ (١). [وفاة أبي الحجّاج النابلسي] [١٦٨]- وفيه مات أيضا الجمال أبو الحجّاج النابلسي (٢)، يوسف بن عبد الله بن محمد بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان المقدسيّ، الدمشقيّ، الحنبليّ. وكان كثير العبادة والزهادة والورع، وتلاوة القرآن، وقيام الليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عالما فاضلا. سمع على عبد الحافظ بن بدران، والتقيّ سليمان، وغيرهما. ومولده سنة أحد (٣) وتسعين وستماية. [شعبان] [القبض على ابن دلغادر] وفي شعبان قبض علي بن (٤) أرتنا على قراجا بن دلغادر، وبعث به مقيّدا إلى حلب، فحمل إلى سجن قلعتها بعد أن تسلّمه أرغون نائب حلب، وسلّمه لنائب القلعة، وقدم الخبر بذلك إلى مصر، فسرّ السلطان به، وكتب بحمله إلى القاهرة (٥). [وفاة ابن أبي السفاح الحلبي] [١٦٩]- وفيه مات الزين بن السّفّاح / ٤٧ ب / كاتب سرّ حلب، عمر بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن أبي السفّاح (٦) الحلبيّ.

стр. 248

وله زيادة على الستين سنة. وكان أدوبا حشما، فاضلا، رئيسا، ولّي عدّة وظائف، منها كتابة السّر بحلب، وجرت عليه أمور لم تجر على كاتب سرّ غيره قبله، وصودر وصرف عن كتابة السرّ، وأعيد إلى وظائف كانت بيده بحلب، وبها بغته الأجل. ورثاه الشمس الصفديّ. [رمضان] [وفاة الصدر الميدومي] [١٧٠]- وفي رمضان مات المسند، المعمّر، الصدر، الميدوميّ (١)، محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم. وسمع من النجيب، وابن علاّق، وغيرهما. وكان خاتمة من سمع منهما. وحدّث، وسمع منه جماعة. ومولده سنة ٦٤٥. [سجن ابن دلغادر] وفيه قدم قراجا بن دلغادر وهو محتفظ به في سلسلة في عنقه، وأقيم بين يدي السلطان، وعدّدت عليه ذنوبه، ثم سجن بقلعة الجبل (٢)، إلى ما سنذكره. [صرف البسطامي عن المشيخة] وفيه صرف الركن البسطامي عن مشيخة الشيوخ بالخانقاه السرياقوسية (٣). [تعيين أمراء للوجه القبلي] وفيه عيّنت عدّة أمراء إلى بلاد الوجه القبليّ بسبب فساد العربان سيما الأحدب، وخرج شيخو أيضا في جماعة كبيرة بعد ذلك (٤).

стр. 249

[شوال] [وفاة بيغرا المنصوري] [١٧١]- وفي شوال مات بحلب بطّالا بيغرا (١) المنصوري، أحد المقدّمين الألوف بمصر. وكان خيّرا، ديّنا، مشكور السيرة. تنقّل في عدّة ولايات، منها الحجوبية بمصر. وشكرت فيها سيرته لخيره ودينه وعقله وسياسته. [سفر الحجّاج] وفيه خرج الحاجّ إلى البركة صحبة عمر شاه الحاجب. وحجّ في هذه السنة جماعة من الأعيان، منهم الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله، وقاضي القضاة العزّ بن جماعة، والبهاء عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل، وستّة من الأمراء الأكابر (٢). [الإحاطة بالعربان] وفيه ركب الأمير شيخو بنفسه إلى بركة الحاجّ، واحتاط بالركب، وضرب عليه حلقة، ونادى «من كان عنده بدوي وأخفاه حلّ دمه» (٣). ثم تتبّعت الكثير من الخيام وغيرها، وقبض على جماعة كبيرة من العربان، ووسّطوا هناك، وأفرج عن بعض. وكان العربان لما تسامعوا بخروج العساكر إليهم أخذوا حذرهم، فدخل الكثير منهم إلى القاهرة واختفى بها، ثم خرج جماعة منهم يقصدون الفرار إلى جهة مكة المشرّفة، وفطن شيخو بذلك، ففعل ما فعل. ثم زاد التتبّع في ذلك. وجرت أمور تطول، حتى قطع شيخو جائرة الكثير من العربان (٤). [وفاة البدر ابن خطير] [١٧٢]- وفيه مات البدر مسعود بن أوحد بن مسعود / ٤٨ أ / بن خطير (٥)، حاجب الحجّاب بمصر، ونائب طرابلس.

стр. 250

وكان إنسانا حسنا، رئيسا، حشما، أدوبا، شجاعا، عاقلا، سيوسا. تنقّل في الخدم في عدّة ولايات، منها حجوبيّة الحجّاب بمصر غير ما مرة، ونيابة طرابلس أيضا غير ما مرّة، وترشّح لنيابة الشام أيضا بعد قتل أرغون شاه. ومولده سنة ثلاث وسبعين وستماية. [هدم كنيسة النحريرية] وفيه كائنة هدم الكنيسة للنصارى بناحية النحريرية (١)، وكانت كاينة فظيعة ثار بها العامّة بسبب إنسان من النصارى شهد عند القاضي أنّ جدّه كان مسلما، فحكم القاضي بإسلامه وحبسه ليسلم، فأخرجه والي المحلّة ليلا بقيام بعض النصارى، فثار العامّة لرجم الوالي، وثار بهم الوالي، فهزم العامّة الوالي، وخرج فارّا، فقصدوا كنيس النصارى وهدموه وأحرقوا ما به من صلبان ونحوها، وعمّروها مسجدا، ونبشوا قبور النصارى وأحرقوا رممهم وهمّوا بأخذ النصارى كذلك فهربوا. وبلغ الخبر السلطان، وشنّع الحسام أستادار العلاء على القاضي وسعى في إلزامه بإعادة الكنيسة من ماله، فبعث السلطان فطلب القاضي والوالي، وعقد مجلس بجامع القلعة بالقضاة الأربع (٢) والوزير، وغيره من أهل الدولة، وطال فيه الكلام، وانفضّ على غير طائل. ثم أعيد ثانيا عند شيخو بداره، وحضر العلاّمة أكمل الدين، فحنق شيخو من القاضي وأغلظ عليه القول، فقام الأكمل في ذلك. وبلّغه شيخو بكلمات منها تخويفه من عواقب ذلك، وصدع الحسام (٣) بالإنكار، بل وسبّه ونسبه إلى الخروج عن الإسلام. وآل الأمر إلى سكون شيخو ورجوعه إلى كلام الأكمل، والبعض بكشف القضية. ثم آل الأمر إلى عزل القاضي والوالي (٤). [وفاة التقيّ القيراطي] [١٧٣]- وفيه مات التقيّ القيراطيّ (٥)، محمد بن عبد الله بن محمد بن
следующие страницы →