← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

[جماد الآخر] [إمرة الأخورية] وفي جماد الآخر صرف بكتمر المؤمني عن إمرة الأخورية، وقرّر عوضه قندس (١). [الفتن بين آل مهنّا وغيرهم] وفيه كانت فتن بين آل مهنّا وأمراء تلك البلاد. وفيه أيضا كانت الفتن وكثرة العيث ببلاد الوجه القبلي من العربان (٢). [وليمة الأمير طاز] / ٤٧ أ / وفيه كان المهمّ الحافل بدار طاز التي أنشأها، وكانت قد انتهت، وكانت وليمة هائلة حضرها السلطان بنفسه وجميع الأمراء، ومدّت الأسمطة، وكانت حافلة جدّا. وقدّم طاز للسلطان والأمراء تقادم سنيّة بعد السماط، وكان يوما مشهودا، وعدّ نزول السلطان إلى هذه الدار من النوادر الغريبة التي ما وقعت في هذه الدولة التركية قبل هذا (٣). (أعجوبة) (٤) وفيه وصلت مكاتبة أيتمش نائب طرابلس ومعها محضر من طرابلس ثابت على قاضيها بأنّ امرأة من أهل طرابلس يقال لها «نفيسة» جميلة الصورة، وتزّوجت بثلاثة أزواج، وما قدر واحد منهم أن يزيل بكارتها من غير مانع منها، فظنّوا رتقها، وطلّقوها واحدا بعد واحد حتى بلغت خمسة عشر (٥) سنة، فغار ثديها واعتراها نوم ثقيل ليلا ونهارا، وصار يبرز (٦) لها من فرجها (٧) شيء قليلا قليلا، إلى أن تشكّل منه ذكر صغير وأنثيان، فكتمت أمرها، فكانت كما قالت، واشتهر (٨) أمرها بطرابلس، وكتب بذلك محضر بإذن النائب، وأنّ المذكور برز (٩) بين الرجال، وتسمّى بعبد الله. وذكر العماد ابن كثير في «تاريخه» (١٠) أنه اجتمع به ورآه بدمشق، وصار جنديّا، ونبتت له لحية سوداء (١١).

стр. 247

[رجب] [وفاة ابن الصائغ] [١٦٧]- وفي رجب مات الشيخ إبراهيم بن الصائغ (١). [وفاة أبي الحجّاج النابلسي] [١٦٨]- وفيه مات أيضا الجمال أبو الحجّاج النابلسي (٢)، يوسف بن عبد الله بن محمد بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان المقدسيّ، الدمشقيّ، الحنبليّ. وكان كثير العبادة والزهادة والورع، وتلاوة القرآن، وقيام الليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عالما فاضلا. سمع على عبد الحافظ بن بدران، والتقيّ سليمان، وغيرهما. ومولده سنة أحد (٣) وتسعين وستماية. [شعبان] [القبض على ابن دلغادر] وفي شعبان قبض علي بن (٤) أرتنا على قراجا بن دلغادر، وبعث به مقيّدا إلى حلب، فحمل إلى سجن قلعتها بعد أن تسلّمه أرغون نائب حلب، وسلّمه لنائب القلعة، وقدم الخبر بذلك إلى مصر، فسرّ السلطان به، وكتب بحمله إلى القاهرة (٥). [وفاة ابن أبي السفاح الحلبي] [١٦٩]- وفيه مات الزين بن السّفّاح / ٤٧ ب / كاتب سرّ حلب، عمر بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن أبي السفّاح (٦) الحلبيّ.

стр. 248

وله زيادة على الستين سنة. وكان أدوبا حشما، فاضلا، رئيسا، ولّي عدّة وظائف، منها كتابة السّر بحلب، وجرت عليه أمور لم تجر على كاتب سرّ غيره قبله، وصودر وصرف عن كتابة السرّ، وأعيد إلى وظائف كانت بيده بحلب، وبها بغته الأجل. ورثاه الشمس الصفديّ. [رمضان] [وفاة الصدر الميدومي] [١٧٠]- وفي رمضان مات المسند، المعمّر، الصدر، الميدوميّ (١)، محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم. وسمع من النجيب، وابن علاّق، وغيرهما. وكان خاتمة من سمع منهما. وحدّث، وسمع منه جماعة. ومولده سنة ٦٤٥. [سجن ابن دلغادر] وفيه قدم قراجا بن دلغادر وهو محتفظ به في سلسلة في عنقه، وأقيم بين يدي السلطان، وعدّدت عليه ذنوبه، ثم سجن بقلعة الجبل (٢)، إلى ما سنذكره. [صرف البسطامي عن المشيخة] وفيه صرف الركن البسطامي عن مشيخة الشيوخ بالخانقاه السرياقوسية (٣). [تعيين أمراء للوجه القبلي] وفيه عيّنت عدّة أمراء إلى بلاد الوجه القبليّ بسبب فساد العربان سيما الأحدب، وخرج شيخو أيضا في جماعة كبيرة بعد ذلك (٤).

стр. 249

[شوال] [وفاة بيغرا المنصوري] [١٧١]- وفي شوال مات بحلب بطّالا بيغرا (١) المنصوري، أحد المقدّمين الألوف بمصر. وكان خيّرا، ديّنا، مشكور السيرة. تنقّل في عدّة ولايات، منها الحجوبية بمصر. وشكرت فيها سيرته لخيره ودينه وعقله وسياسته. [سفر الحجّاج] وفيه خرج الحاجّ إلى البركة صحبة عمر شاه الحاجب. وحجّ في هذه السنة جماعة من الأعيان، منهم الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله، وقاضي القضاة العزّ بن جماعة، والبهاء عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل، وستّة من الأمراء الأكابر (٢). [الإحاطة بالعربان] وفيه ركب الأمير شيخو بنفسه إلى بركة الحاجّ، واحتاط بالركب، وضرب عليه حلقة، ونادى «من كان عنده بدوي وأخفاه حلّ دمه» (٣). ثم تتبّعت الكثير من الخيام وغيرها، وقبض على جماعة كبيرة من العربان، ووسّطوا هناك، وأفرج عن بعض. وكان العربان لما تسامعوا بخروج العساكر إليهم أخذوا حذرهم، فدخل الكثير منهم إلى القاهرة واختفى بها، ثم خرج جماعة منهم يقصدون الفرار إلى جهة مكة المشرّفة، وفطن شيخو بذلك، ففعل ما فعل. ثم زاد التتبّع في ذلك. وجرت أمور تطول، حتى قطع شيخو جائرة الكثير من العربان (٤). [وفاة البدر ابن خطير] [١٧٢]- وفيه مات البدر مسعود بن أوحد بن مسعود / ٤٨ أ / بن خطير (٥)، حاجب الحجّاب بمصر، ونائب طرابلس.

стр. 250

وكان إنسانا حسنا، رئيسا، حشما، أدوبا، شجاعا، عاقلا، سيوسا. تنقّل في الخدم في عدّة ولايات، منها حجوبيّة الحجّاب بمصر غير ما مرة، ونيابة طرابلس أيضا غير ما مرّة، وترشّح لنيابة الشام أيضا بعد قتل أرغون شاه. ومولده سنة ثلاث وسبعين وستماية. [هدم كنيسة النحريرية] وفيه كائنة هدم الكنيسة للنصارى بناحية النحريرية (١)، وكانت كاينة فظيعة ثار بها العامّة بسبب إنسان من النصارى شهد عند القاضي أنّ جدّه كان مسلما، فحكم القاضي بإسلامه وحبسه ليسلم، فأخرجه والي المحلّة ليلا بقيام بعض النصارى، فثار العامّة لرجم الوالي، وثار بهم الوالي، فهزم العامّة الوالي، وخرج فارّا، فقصدوا كنيس النصارى وهدموه وأحرقوا ما به من صلبان ونحوها، وعمّروها مسجدا، ونبشوا قبور النصارى وأحرقوا رممهم وهمّوا بأخذ النصارى كذلك فهربوا. وبلغ الخبر السلطان، وشنّع الحسام أستادار العلاء على القاضي وسعى في إلزامه بإعادة الكنيسة من ماله، فبعث السلطان فطلب القاضي والوالي، وعقد مجلس بجامع القلعة بالقضاة الأربع (٢) والوزير، وغيره من أهل الدولة، وطال فيه الكلام، وانفضّ على غير طائل. ثم أعيد ثانيا عند شيخو بداره، وحضر العلاّمة أكمل الدين، فحنق شيخو من القاضي وأغلظ عليه القول، فقام الأكمل في ذلك. وبلّغه شيخو بكلمات منها تخويفه من عواقب ذلك، وصدع الحسام (٣) بالإنكار، بل وسبّه ونسبه إلى الخروج عن الإسلام. وآل الأمر إلى سكون شيخو ورجوعه إلى كلام الأكمل، والبعض بكشف القضية. ثم آل الأمر إلى عزل القاضي والوالي (٤). [وفاة التقيّ القيراطي] [١٧٣]- وفيه مات التقيّ القيراطيّ (٥)، محمد بن عبد الله بن محمد بن

стр. 251

عسكر (١) بن مظفّر بن نجم الطائيّ، الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، فقيها، محدثا، حسن الأخلاق. سمع على جماعة، وحدّث. [ذو القعدة] [عرض أجناد الحلقة] وفي ذي قعدة عرض النائب أجناد الحلقة وعيّن منهم جماعة ليجرّدوا إلى الصعيد، فوصل كتاب شيخو بأنه لا حاجة إلى ذلك، فبطلت (٢). [قتل ابن دلغادر] [١٧٤]- / ٤٨ ب / وفيه وسّط قراجا بن دلغادر (٣)، وكان بسجن البرج من القلعة. وقدم الخبر على البريد إلى السلطان وهو بسرياقوس من حلب بأنّ حيار (٤) بن مهنّا استدعى أولاد ابن (٥) دلغادر في طائفة كبيرة من التركمان للنجدة على سيف. وكان سيف قد التجأ إلى بني كلاب، فالتقى الجمعان على تعبئة، فكانت الكسرة على التركمان، وقتل منهم نحوا (٦) من سبعماية رجل، وأخذ منهم عدّة من الخيول، فكتب السلطان إلى النائب بقتل ابن دلغادر، وكان له بالسجن ثمانية وأربعين يوما. [وفاة الصاحب ابن زنبور] [١٧٥]- وفيه مات الصاحب، الوزير، العلم ابن (٧) زنبور (٨) عبد الله (٩) بن أحمد بن إبراهيم القبطيّ.

стр. 252

وكان قد بلغ في وزارته من الفخامة والضخامة والعظمة ما يكلّ واصفه أن يصفه به، وكثر ماله جدّا. وولي عدّة وظائف من أيام الناصر محمد، وجمع بين الوزارة ونظر الجيش، ونظر الخاص، وترأس بمصر. وآل أمره إلى ما عرفته. وأخرج إلى قوص، وبها بغته الأجل. فيقال إنه سمّ، ويقال: بل نهشه ثعبان. وأرّخ بعضهم موته في ربيع الأول. [ذو الحجّة] [القبض على ثقبة الحسني] وفي ذي حجّة قبض على ثقبة الحسني أمير مكة المشرّفة، وأفرد عجلان بالإمرة بها (١). [القبض على أبي القاسم الزيدي] وفيه قبض على أبي القاسم محمد بن أحمد اليمنيّ، الزيديّ، وكان متجاهرا بمذهبه في مكة المشرّفة، وينصب منبرا بالحرم (٢) المسجد الحرام يخطب عليه في يوم العيد وغيره بمذهبه (٣)، ويصلّي بطائفة بالمسجد الحرام، وضرب حين القبض عليه بالمقارع ليرجع عن مذهبه فلم يرجع، فسجن، ثم فرّ من سجنه إلى وادي نخلة (٤). [مقتل صاحب سنجار] [١٧٦]- وفيها - أعني هذه السنة - قتل صاحب سنجار الخالع بالموصل حسن بن هندوه (٥). وكان قد عاث بتلك البلاد، وحاصره عساكر الشام ثم عادت عنه. وكان قتله على يد صاحب ماردين. [استسقاء أهل دمشق] وفيها استسقى أهل دمشق، وكان قد تأخّر نزول المطر عندهم، وارتفع سعر الغلال، فأغاثهم الله تعالى (٦).

стр. 253

[مداواة اليهوديّ للنائب قبلاي] وفيها قدم نفيس الدّين الداووديّ، اليهوديّ من تبريز لمداواة النائب قبلاي من ضربان المفاصل، وكان أضر به ذلك، ولا يزال مريضا بها، وأعيا الأطبّاء أمره. وقدم مع نفيس أخوه المعتصم، وولده فتح الله (١) الذي / ٤٩ أ / ولي كتابة السرّ بعد ذلك، كما سيأتي في محلّه. [المولودان الملتصقان] وفيها ولدت امرأة ولدين ملتصقين، لكلّ ولد منهما ثلاثة أيدي وثلاثة أرجل، وليس لها قبل ولا دبر (٢). [ولادة شعبان السلطان] وفيها كانت ولادة شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاون (٣). وشعبان هذا هو الذي ولي السلطنة بعد ذلك، كما سيأتي. [وفاة شريفين] [١٧٧]- وفيها مات الشريفان: صاحب المدينة الشريفة. [١٧٨]- وصاحب الينبوع (٤).

стр. 254

سنة خمس وخمسين وسبعماية [محرّم] [قدوم الحاجّ] في محرّم منها، في ثاني عشره، قدم الحاجّ، فكان هذا من النوادر التي ما اتّفقت قبل ذلك للحاجّ فيما سلف، وهلك من المشاة جماعة كثيرة. واستقدم الشريف ثقبة مقيّدا فسجن (١). [عود الأمراء من الصعيد] وفيه وصل شيخو من بلاد الصعيد بمن معه من الأمراء والعساكر، بعد أن نظّف تلك النواحي والبلاد، لا سيما محمد بن واصل أمير عربان العرك الذي يقال له الأحدب، جدّ هؤلاء الموجودين الآن. كني بالأحدب، وما كان أحدبا، بل كان أقفصا (٢) يعرف بالأحدب. وكان قد حصل منه ومن غيره من العربان بعد موت الناصر محمد بن قلاون الفتن الكثيرة التي لا توصف ولا تحدّ، حتى طهّر الله تعالى البلاد منهم بشيخو، وخرج إليهم كما تقدّم في العام الماضي وعمل فيها البطيط (٣)، وكان معه عدّة من الأمراء الألوف وغيرهم. وأظنّ أنّ في هذه المرة كانت إقامة عمر جدّ بني عمر أمراء هوّارة الآن بتلك البلاد، فإنّ شيخو هو أصل إقامتهم هناك. وكان قد عزم السلطان في الحال على السفر بعد الأمراء، بل وعدّى الجيزة، وسار إلى جهة الفيّوم. وكانت هذه التجريدة تجريدة هائلة يطول الشرح في ذكرها، وما اتفق لها مع أحد، وما فعل بالعرب ما فعل فيها شيخو إلى وراء العقبة، وآلت إلى استئصال العرب، وإمرة الترك، وعود شيخو.

стр. 255

وفي ذلك يقول الناصر البياني أحد كتّاب الإنشاء من قصيدة يمدح بها شيخو هذا لنفسه (أبياتا) (١) أوّلها: صعودك للصعيد له صعود (٢) ... به نجزت من النصر الوعود / ٤٩ ب / وعمل جماعة من الشعراء نحوا من هذا. وأمّا ما نهب من أموال العرب ومواشيهم وخيولهم وسلاحهم فشيء يجلّ عن الوصف، من ذلك: ماية حمل من السّروج، وثمانين (٣) حملا من السيوف. وكانت كائنة من نوادر الكوائن تذكر إلى الآن. وفرّ الأحدب ناجيا بنفسه بعد أن بلغ مبلغا عظيما حتى صار يجعل نفسه كالسلاطين في حركاته وجميع أموره (٤)، ثم كان له بعد ذلك ما سنذكره. [صفر] [نفي ساطلمش] وفي صفر نفي ساطلمش تركاش، وكانت سيرته قد ساءت (٥). [نفي ابن طشتمر] وفيه أيضا أخرج ابن (٦) طشتمر الساقي (٧) منفيا إلى طرابلس، وكان قد انهمك في اللعبة واللهو حتى خرج عن الحدّ في ذلك. [ضرب شهود الزور] فيه اطلع على عدّة من شهود الزّور وقبض عليهم فضربوا وحلقت لحاهم وشهروا بالقاهرة، وكان لهم يوما شنيعا (٨). وكان التزوير قد فشى (٩) بالقاهرة في هذه السنة، وفي الخالية. وقام قاضي القضاة الحنبلي القيام التامّ في التفحّص عن ذلك. [ربيع الأول] [توبة الأحدب أمير العرك] وفي ربيع الأول قدم إلى القاهرة محمد بن واصل الأحدب أمير العرك، الماضي

стр. 256

خبر فراره، طائعا تائبا ممّا كان منه، نادما، مقلعا، بعد أن كان قد حضر إلى عند الشيخ الصالح الوليّ المعتقد بالوجه القبليّ، سيّدي أبو (١) القاسم الطحاوي (٢) - نفع الله تعالى به - وكتب في أمره إلى شيخو وشفع فيه، فأجيب إلى ذلك، وكتب له بالأمان. وكان قبل عصيانه قائما بدرك (٣) البلاد وخدمة السلطنة، فعرف له ذلك مع توبته، فحضر مع الشيخ أبو (٤) القاسم المذكور إلى القاهرة، وكان لدخوله إليها يوما مشهودا، فأكرمه شيخو والأمراء، وعفوا عن الأحدب، وقاموا بإكرامه لأجله وصعدوا به إلى بين يدي السلطان، فخلع عليه ودرّكه البلاد، وأقام بالقاهرة، وظهر منه بعد ذلك السداد (٥). [ربيع الآخر] [الإفراج عن مغلطاي ومنجك] وفي ربيع الآخر أفرج عن مغلطاي الأمير اخور، وعن منجك اليوسفيّ بعناية شيخوا وطاز، ثم قدما القاهرة، وكان لهما يوما مشهودا (٦). [نظارة الخاص] وفيه استعفى ناظر الخاص ممّا هو فيه بعد أن رتّبه (٧) صرغتمش ودلّه على أمر فعله حتى أجيب إلى / ٥٠ أ / ما سأله، وقرّر في نظارة الخاصّ عوضه التاج أحمد بن (٨) الصاحب أمين (٩) الملك بن الغنّام، بعد تمنّع زائد (١٠). [وفاة الصاحب الوزير الموفق] [١٧٩]-، [وفيه] مات الصاحب الوزير، الموفّق (١١)، أبو الفضل هبة الله (١٢) بن سعد الدولة (١٣) إبراهيم.

стр. 257

وكان كاتبا مجيدا، مشكور السيرة، له برّ ومعروف. تنقّل في الخدم حتى ولي نظر الدولة، ثم الوزارة. وكانت جنازته حافلة. [استقلال السلطان بتدبير الدولة] في هذه الأيام لما كثر القيل والقال، وضاقت بديوان الخاصّ والدولة الأحوال أخذ شيخو في الاستعفاء من التحدّث في أمور الدولة. وكان قد استشعر أنه يصرف (. . . . . . . . .) (١)، واستعفى، وتقرّر الحال على أن يستبدّ السلطان بتدبير دولته، ويستقلّ بأمور المملكة ويستبدّ بها من غير معارض أحد له في ذلك، كما كان أبوه وحده. واجتمع رأي الأمراء وسائر أرباب الدولة على ذلك بين يدي السلطان وفاوضوه في ذلك. وكان ذلك موافقا لغرضه ولما في نفسه، لا سيما وهو ممّا هو فيه محصور، ومع شيخو من التصرّف محجوز، وليس له من الأمر شيء. فأجاب إلى ذلك، فقلّدوه الأمور، والتزموا طاعته. ثم اختصّ السلطان بطاز وقدم إليه في الخفية بأن ينظر في أمور الدولة، وأرضاه أن لا يشهر ذلك ولا يظهره للناس خوفا عليه من شيخو. ثم شاع بأنّ استعفاء شيخو واستقلال السلطان بالأمر إنّما هو بتدبير طاز لكون السلطان كان له إليه الميل الكلّي، وشغف بحبّ أخيه جنتمر. ثم جرت بعد ذلك أمور وقطعت أرزاق الكثير من الناس للتوفرة على ديواني الوزارة والخاصّ. وشقّ ذلك على كثير من الأمراء. وكان ذلك سببا لبداية وحشة آلت إلى خلع السلطان (٢)، كما سيأتي. [إلزام ناظر الخاصّ بالمال] [وفيه] اتّهم البدر ناظر الخاصّ بأنه حوى مالا كثيرا من جهة تركة ابن (٣) زنبور، وما زالوا به حتى حمل من داره وهو مريض إلى القلعة، وألزم بحمل مال كثير، فحمل في مدّة أيام مبالغ لها صورة (٤). [جماد الأول] [حساب الأرزاق الأحباسية] [وفي] جماد الأول أمر السلطان بأن يعمل حساب الرزق الأحباسية التي في أقاطيع الأمراء وغيرهم من أراضي مصر، ما هي موقوفة على / ٥٠ ب / الكنائس والديارات،

стр. 258

وضبط كميّة فدادينها، فجاءت خمسة وعشرين ألف فدّان، فأمر السلطان لكلّ أمير بما في إقطاعه من ذلك، وفرّق منها عدّة رزق على جماعة من الفقهاء. وكان هذا الأمير سببا لتنبّه الناس والعامّة للنصارى واليهود (١)، حتى كان لهم ما سنذكره. [وفاة ناظر الخاصّ] [١٨٠]-، [وفيه] حمل البدر كاتب يلبغا ناظر الخاصّ على حمل قفاص إلى القلعة، وأدخل إلى قاعة الصاحب، وطولب بالأموال وهو يحمل أشياء، وهو في غاية المرض حتى تخلّى عن نفسه ومات. فقام صرغتمش في مساعدته والمنع من الحوطة على موجوده. وكان قد خلّف موجودا طائلا ما احتوى عليه من جهة ابن (٢) زنبور (٣). [إقطاع ابن رمضان التركماني] [وفيه] قدم ابن (٤) رمضان التركمانيّ أمير التركمان الذي استقرّ في الإمرة عوضا عن قراجا بن دلغادر، وأحضر معه ألف إكديش برسم التقادم للسلطان والأمراء، وقدّم ذلك، فشكر، وخلع عليه بإمرة التركمان، ورسم له بالإقطاع، وقرّر جماعة من أتباعه وألزامه في إمريّات ما بين عشرات وطبلخانات، وأقام بالقاهرة إلى أن يقضي أشغاله، وعاد إلى بلاده (٥). [جماد الآخر] [واقعة اليهود والنصارى] وفي جماد الآخر كانت كائنة اليهود والنصارى وثوران المسلمين بهم في يوم جمعة حتى قرئت المراسيم السلطانية ممّا كتب لهم بالعهود. وكان من خبر ذلك أنّ النصارى واليهود كانوا قد خرجوا عن الحدّ في التعاظم، وركوب الحمير الفرّه، ولبس الثياب الحسنة الفاخرة، وتكبير العمائم، وكثرة العبيد في خدمتهم ركوبا معهم، واتخاذ الأبنية العالية، واقتناء الجواري الجميلة من ترك وغيرهنّ، والاستيلاء مع ذلك كلّه على الكثير من دواوين السلطان والأمراء، وزادوا في الحماقة وقلّة اللباقة، وتعدّوا الطور في الرقاعة والتعاظم، حتى أنّ واحدا منهم اجتاز بالجامع الأزهر فتعاظم عليهم، فثار به أهل الجامع، وساعد السيد الشريف نقيب الأشراف، وجرت أمور يطول الشرح في ذكرها آلت إلى قيام شيخو وصرغتمش وبقيّة الأمراء، وبلّغوا / ٥١ أ / السلطان ذلك.

стр. 259

ثم عقد مجلس حافل بالقضاة والعلماء، وألزم فيه النصارى واليهود بجريانهم على ما كانوا عليه قديما. وأخرجت لم عدّة عهود مكتتبة من القديم، ثم كتبت مراسيم سلطانية، وسار بها البريد إلى جهات بلاد الإسلام بما تقرّر في ذلك. واتفق أن قرىء بعضا (١) منها بالجامع الأزهر في يوم جمعة على رؤوس (٢) الأشهاد، وكذا بجامع عمرو بن العاص، فلما سمعه السواد الأعظم في خامس عشرين هذا الشهر وقصدوا اليهود والنصارى، وفعلوا بهم أفعالا عجيبة غريبة، ونهبوا ديارهم وكنائسهم، وأوقدوا حفرا بالنيران وصاروا يحملونهم فيلقونهم فيها، فلما شنّع الحال في ذلك نودي من قبل السلطان بالمنع من ذلك، فما عفّ عنهم. وكانت كاينتهم من أعظم الكواين وجرياتها تطول. [فيه] لما جرت هذه الكاينة ترادفت الأخبار من الوجه القبليّ والبحري بأنّ كثيرا من النصارى أظهروا الإسلام وواظبوا المساجد والعبادات، وقرأوا القرآن، حتى بلغ الأمر في ذلك إلى أن أثبت بعضا (٣) منهم عدالته، وجلس مع الشهود. وفشا الإسلام في عامّة نصارى مصر بعد ذلك، حتى قيل إنه أسلم من قليوب خاصّة في يوم واحد نحوا (٤) من خمسماية نفر، وممّن أسلم في هذه الحادثة الشمس المقسي (٥)، جدّ بني المقسي الذي منهم التاج ناظر الخواصّ، والهيصم (٦) جدّ بني الهيصم الوزراء، وغيرهم. وأشيع على ألسنة الناس، لا سيما العامّة، أنّ هذه الأفعال منهم مكر (٧). [رجب] [هدم كنائس النصارى] وفي رجب استغاث الناس إلى السلطان في قوّة الإسلام يتمّم الأمر في قضيّة اليهود والنصارى، ووقعت عدّة قصص على لسان المسلمين بدار العدل تتضمّن أنّ النصارى استجدّوا في كنائسهم عمائر ووسّعوا بناءها، إلى غير ذلك من أشياء ذكروها، فبرز أمر السلطان بأن تهدم الكنائس المستجدّة، فلم يسمع العوامّ إلاّ ذلك حتى ثاروا يدا واحدة وهم يضجّون. وركب والي القاهرة ليكشف / ٥١ ب / عن صحّة ما ذكروه، فما أمهلوه، وأخذوا في هدم الكنائس وتشمّروا لذلك، وفعلوا أفعالا غريبة أيضا عجيبة بعد ذلك

стр. 260

الأفعال كلّها، وتمادى الحال بالعوامّ على ذلك حتى عجز الحكام عن ردّهم. [وفيه] كان هدم كنيسة شبرا الخيام، وحرق إصبع الشهيد الذي يزعمون (١) النصارى أنه من الأمور العظيمة. وأنّ النيل لا يجري إلاّ إذا ألقي به ثم أخرج، فعارض صرغتمش في ذلك بعد أن استأذن السلطان فيه، وأعلمه أنّ في هذا الإصبع من الفتن والفساد ما لا يحصى، فأذن له بهدم الكنيس وحرق الإصبع، فركب هو والوالي وحاجب الحجّاب إلى ذلك، وكان يوما مشهودا، هدم فيه الكنيس عن آخره، ومن جملة أحجاره أنشأ شيخو جامعه، بل ومن جملة ذلك ما دخل به في عمارة خانقاته. وأخذ الصندوق الذي فيه الإصبع وحمل إلى بين يدي السلطان وهو بالميدان فأضرم النار وأحرق الصندوق، فأخذ النصارى يشيعوا (٢) بأنّ النيل لا يحصل منه الوفاء في هذا العام، فزاد زيادة خارجة عن الحدّ على ما سيعرف ما حصل من زيادته. وبطل الشهيد وما كان يحدث في يوم حمله لإلقائه بالنيل من المفاسد والاجتماعات ومنع الخمور والتظاهر بها بناحية شبرا. وكان يفعله المسلمون للنصارى ذلك اليوم من خروجهم إلى هناك، وصار في صحائف صرغتمش (٣). [قيام الخدم على شاطىء النيل] [وفيه] اقتضى رأي السلطان أن يقام الخدم في يومي الخميس والإثنين بالميدان على شاطىء النيل، وهو ميدان الناصرية، كما يقام بالإيوان من القلعة، ولم يسبق السلطان إلى هذا، وعدّ من النوادر. وكان النيل قد كسر، ونزل السلطان إلى هذا الميدان، فأقام به، وصار العوامّ والغوغاء يتوجّهون إلى تلك النواحي، ويتسوّروا (٤) حيطان الميدان للفرجة، وأخذوا في عادة سماجتهم في التكلّم بما لا يعنيهم، وصاروا في الليالي يسمعون السلطان والأمراء الكلمات المنكية، حتى حنقوا منهم، وثاروا بهم. وركب مماليك الأمراء والوالي، وقبض على جماعة منهم، وهجم على آخرين، وسجنوا إلى / ٥٢ أ / أن شفع فيهم بمندوحة أنّ النصارى واليهود قد شمتوا بهم، فأفرج السلطان عنهم (٥). [الرخاء بمكة] [وفيه] كان الرخاء موجودا بمكة المشرّفة، وكان الماء بها قليلا لانقطاع عين جوبان من الجريان، حتى أغاث الله تعالى عباده بالمطر هناك فنفعهم (٦).

стр. 261

[شعبان] [مصادرة جماعة] [وفي] شعبان حسّن ناظر الخاصّ للسلطان بأن ينقل جميع ما في خزانة الخاصّ من الأموال إلى داخل (١) الدّور، فحملت بأسرها، ثم حسّن له مصادرة جماعة وكتب أسماءهم، ومن جملتهم: خالد بن داود مقدّم الخاصّ، وبلغه ذلك، فأعمل فكره وحيلته حتى اتصل بالسلطان، وألزم له أن يحصّل له من الأموال فوق ما في أهله، بعد أن أقرّ له أنه لا مال له، واستعفى من تقدمة الخاص، وأن يعطى إقطاعا، ويبقى من جملة الجند. فأجابه السلطان إلى ذلك، وألبسه الكلفتاه، ومكّنه ممّا يريده، فنزل وقبض على جماعة من الزام ابن (٢) زنبور، فدلّوه على صندوق مودع (٣) عند قاضي الجيزة، فركب إليه، ولا زال به حتى أحضره والصندوق، ووجد به مالا كثيرا. وحصل في يوم زيادة على الماية ألف دينار، فسقط في يد ناظر الجيش، وندم على ما وقع منه (٤). ولهذا ينبغي للعاقل أن لا يحرّك الساكن، ويسكّن المحرّك، ولا ينبش الشرّ، فيصلى به. [انضمام ابن جماعة للحاجّ الرجبي] [وفيه] التقى الحاجّ الرجبيّ بالعزّ بن جماعة قاضي القضاة، وهو قاصد مكة من المدينة الشريفة أن (٥) ليصوم بها شهر رمضان ، فانضمّ إليهم، ودخلوا مكة بأجمعهم، وتلقّاهم أميرها فأكرمهم (٦). [رمضان] [منع حمل السلاح بمكة] [وفي] رمضان نودي بمكة المشرّفة بأنّ أحدا لا يحمل سلاحا، لا من بني حسن، ولا القوّاد، ولا العبيد، فامتنعوا من حمله (٧). [وفاة الجمال السبكي] [١٨١]-، [وفيه] مات الجمال السبكيّ (٨)، الحسين بن علي بن عبد الكافي بن

стр. 262

علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمّام الأنصاريّ، الشافعيّ، بدمشق. وكان عالما، فاضلا، جوادا، كريم النفس. سمع الحديث على جماعة، ودرّس بعدّة أماكن. ومولده سنة أحد (١) وستين وستماية. [الريح بمكة] [وفيه] هبّت ريح بمكة المشرّفة من قبل اليمن، وحصل عقبها ظلمة، ثم فشت في الناس هناك الأمراض الحارّة، وكان سليما في غالب الأمر بحصول البرودة في السابع / ٥٢ ب / وما بعده، وعمّ الناس إلاّ البعض (٢). [تبرّوء إمام الزيدية من مذهبه] [وفيه] حضر أبو القاسم محمد بن أحمد اليمنيّ الزّيديّ، إمام الزّيدية، الماضية قضيّته في الخالية، فارتمى على قاضي القضاة العزّ بن جماعة مظهرا التوبة والإقلاع عمّا كان عليه من مذهب الزيدية، فعقد له مجلس بالحرم حضره أمير الركب وعامّة أهل مصر ومكة، وأشهدهم على نفسه أنه رضي عمّا كان يعتقده من مذهب الزيدية، وتبرّأ إلى الله تعالى من إباحة دم الشافعية وأموالهم، والتزم بأنه يصلّي مع الجماعة ويواظب على الجمعة والجماعات مع أئمّة الحرم، وأنه متى خرج عن ذلك فعل به ما يقتضيه الشرع الشريف. وكتب قضيّة ذلك، وسجّل عليه بذلك. وفي ذلك أنشد بعضهم: استتوبوا الزيديّ عن مذهب (٣) ... قد كان من قبل به معجبا لو لم يدارك نفسه بتوبة (٤) ... لعجّل الله له مذهبا [لهو السلطان في سرياقوس] [وفيه] (خرج السلطان إلى سرياقوس) (٥) ومعه والدته وحرمه، وجميع الأمراء على

стр. 263

العادة وتأخّر شيخو بداره، وكان موعوكا، وكثر لهو السلطان ولعبه بسرياقوس، ووقع له بها أشياء نادرة غريبة، من جملتها أنه عمل في وسطه فوطة على هيئة الطبّاخ، ووقف في وليمة صنعها لأمّه الخوند قطلوبك، وطبخ فيها بيده، وبالغ في نحوه، وزاد شغفه بجنتمر أخي طاز، وجمع عليه جاعة من الجند وغيرهم من الأوباش وأهل الصنايع، وصار يعمل القزازة وغيرها على أنوال بيده، وأصرف مالا كثيرا في غير مستحقّه، وبلغ ذلك شيخو وصرغتمش وهما مبعدان عنه وهو معرض عنهما، فما سهل بهما ذلك، ثم ما كفاه ذلك حتى أشيع عنه بأنه في قصد القبض على شيخو، وأنه اتفق هو وطاز وجماعة على ذلك. وبلغ ذلك شيخو فأخذ في إعمال فكره وتوسعة الحيلة في أسباب خلع السلطان وإقامة غيره (١). ثم كان ما سنذكره. [وفاة أيتمش الناصرى] [١٨٢]-، [وفيه] مات أيتمش الناصريّ (٢)، الخازندار، نائب الشام، ثم طرابلس. / ٥٣ أ / وكان عاقلا، أدوبا، حشما، عارفا، سيوسا، ذا حزم ورأي، وحسن تصرّف. تنقّل في الخدم في دولة الناصر محمد بن قلاون، ثم ولي الوزارة في دولة الصالح إسماعيل. ثم الحجوبية الكبرى، ثم نيابة الشام، ثم سجن بالإسكندرية، ثم أطلق إلى صفد بطّالا، وطلبه بيبغاروس للخروج معه، فتعلّل لضعفه، فأخذه معه في محفّة، ثم آل أمره أن ولّي طرابلس، وبها بغته الأجل. [نيّة السلطان بالقبض على شيخو وصرغتمش] [وفيه] عاد السلطان من سرياقوس وقد قرّر مع طاز القبض (على) (٣) شيخو. وخرج طاز مسافرا إلى جهة البحيرة بعد ما وقع الاتفاق بالقبض على شيخو و (على) (٤) صرغتمش أيضا، وأن يكون ذلك في يوم العيد حتى صعوده للصلاة مع السلطان (٥).

стр. 264

[وفاة مغلطاي] [١٨٣]-، [وفيه] مات مغلطاي (١) أمير شكار وأمير اخور بطّالا بدمشق. وكان من خواصّ الناصر محمد بن قلاون، وتنقّل في الخدم حتى ولي الأمير شكارية، والأمير اخورية، ثم قبض عليه، وأخرج إلى طرابلس، ثم إلى دمشق. [وفاة الشريف الحسني] [١٨٤]- وفيه مات السيد الشريف العلاء علي (٢) بن حمزة بن علي الحسنيّ، نقيب الأشراف (٣) بحلب. وقد أناف على السبعين. وكان من الأعيان. [شوال] [مقتل متملّك الأندلس] [١٨٥]-[في] شوّال، في أول يوم منه، وهو العيد، قتل متملّك الأندلس، أخو السلطان، أبو الحجّاج يوسف بن إسماعيل بن فرج (٤) بن يوسف بن أحمر (٥) الأنصاري، الخزرجيّ، الأرجونيّ، صاحب غرناطة. ثار به شخص مجنون وهو في صلاة العيد فضربه بخنجر كان معه بعد أن رمى بنفسه عليه. وكان ملكا جليلا في بني الأحمر، شهما، شجاعا، مهيبا، ذا رأي وعقل وسياسة، قائما بوظيفة الجهاد. وفي زمنه كانت الواقعة العظمى بظاهر طريف بين المسلمين والقيسي صاحب قشتالة (٦). وكانت نصرة المسلمين على يدي أبي الحجّاج هذا.

стр. 265

وكان مشغوفا بجمع المال وبالأبنية. [تغيّب شيخو عن صلاة العيد] [وفيه] في يوم العيد هذا كان عزم السلطان القبض على شيخو، فلم يركب إلى صلاة العيد مع السلطان، لأنه كان قد بلغه بأنه دبّر السلطان هو وطاز الحيلة في قبضه. وأنّ السلطان قرّر مع كلتاي (١) وجنتمر أخو (٢) طاز، وأمير عمر ما يفعلوه (٣). وأمر بماية من الخيل فشدّت وأوثقت (٤). [إعادة الناصر حسن السلطنة] [و] أصبح شيخو في يوم الإثنين فأعاد الناصر حسن إلى السلطنة وعقدها له. وكان من خبرها على جهة الاختصار أنه لما فطن شيخو بما أضمره له السلطان ولم يصعد إلى القلعة لصلاة العيد أخذ حذره، وبات في ليلة الإثنين ثانيه وهو آخذ فكره في هذا الأمر أصبح راكبا ومعه من الأمراء صرغتمش، وتقطاي، وساروا إلى تحت القلعة فأمروا بضرب الكوسات حربيّا، فركب جميع العسكر تحت القلعة بالسلاح، فما فطن السلطان إلاّ وتنكز بغا، وأسن بغا المحمودي قد حضروا (٥) له وقبضا عليه، وسجناه مقيّدا. ثم صعد شيخو إلى القلعة والأطلاب معبّأة (٦) تحتها، فاتفق رأيه مع الأمراء على خلع السلطان، فخلعوه. وكانت مدّة سلطنته ثلاث سنين وثلاث (٧) شهور، وثلاثة أيام (٨). ثم اتفقوا ثانيا على إعادة حسن. وكان يبلغهم عنه حسن السيرة في أيام سجنه، وأنه كتب بيده مصحفا، وكتاب «دلائل النبوّة» للبيهقيّ، وأنه مشتغل بالطاعات والصلوات والإقبال على الاشتغال بالعلم، ومواظبة المطالعة، فطلبوه وأحضروا الخليفة والقضاة، وعقدوا له الملك، وهي ثانية. وأفيض على بدنه شعار السلطنة، وأركب فرس النوبة على العادة، ومشى الأمراء وأرباب الدولة ومن حضر بين يديه، وساروا به حتى أجلسوه على السرير، وقام الكلّ بين يديه، وحلفا (٩) له الأمراء، وحلف لهم (١٠).

стр. 266

واتفق من غرائب النوادر الذي كان عمل ليأكله الصالح، أحضر إلى حسن، والمأكل الذي كان عمل لحسن بحبسه أحضر إلى الصالح (١). وكانت من بدائع صنع الله تعالى في عباده. ولقّب حسن هذا بالناصر أيضا على عادته الأولى وما غيّر لقبه. [ظهور الكوكب فوق مكة] [وفيه] وقع بمكة المشرّفة نادرة غريبة، وهي أنّ كوكب (٢) في قدر القمر أكثر نورا من الهلال ظهر بعد العشاء الآخرة من قبل جبل أبي قبيس، ومرّ على الكعبة، فسمع من إنسان يمانيّ (٣) هناك وهو يقول: «لا إله إلاّ الله القادر على كل شيء. هذا يدلّ أنّ رجلا يكون في شدّة يفرّج الله عنه / ٥٤ أ / ورجلا يكون في فرج فيصير في شدّة، والله يدبّر الأمور بقدرته» (٤). [تنبّوء أبي طرطور بسلطنة الناصر] واتفق أيضا أنّ الشيخ أبا طرطور، وكان معتقدا بمكة، كان جالسا يوما، وهو اليوم الذي أعيد فيه الناصر حسن، فقال: «لا إله إلا الله، اليوم جلس حسن في دست مملكته بمصر»، واتفق أن كان عنده سمع كلام القطب الهرماس، ولم يكن عنده سواه، فقام من فوره إلى أزدمر أمير الركب الرجبيّ، والشيخ عزّ الدين بن جماعة قاضي القضاة، وهما بالحرم فجلس إليهما ثم أظهر الإطراق بشخصه، ثم رفع رأسه وقال الكلام الذي سمعته من أبي طرطور، موهما بأنه كشف له هو، ثم قال: «ورّخوا ذلك»، فورّخه أزدمر، فقدم الخبر بعد ذلك بما اتفق بمصر. وكان هذا هو السبب في إرتباط عزّ الدين على الهرماس حتى أوصله إلى الناصر حسن. وبلغ ما بلغ ممّا سيأتي بعضا (٥) منه في محلّه. وظنّ أزدمر أنّ ذلك من كشف الهرماس. وما كان إلاّ ممّا تلقّنه من الشيخ المذكور (٦). [نيابة حلب] [وفيه] قرّر طاز في نيابة حلب، وخرج إليها من يومه بعد أن كانت له كائنة وحصل له لطف، لأنه كان غائبا على ما تقدّم. فلما بلغه الخبر قدم وثار بمماليكه، وآل أمره إلى

стр. 267

القبض عليه، وراعى شيخو صحبته له بينهما، فقرّره في نيابة حلب (١). [وفاة ابن الغنّام ناظر الخاص] [١٨٦]-، [وفيه] قبض على التاج أحمد بن الغنّام ناظر الخاص والجيش معا، وعوقب بأشدّ العقوبات، حتى مات تحت العقوبة. وكان أحد كتّاب مصر المعدودين، وكان يقظا في أموره وتعلّقاته، يخرج جريدته بنفسه، ولا يحتاج إلى عامل ولا غيره، بل يكاد أن يعمل حساب كل أحد من ذهنه لفرط فطنته وذكائه. وكان عفيفا، أمينا، كثير التوفير. وكان شيخو هو السبب في قبضه لأمر كان يغضّ منه بسببه. [التقرير بنظر الخاص] [وفيه] قرّر في نظر الخاصّ والجيش العلم عبد الله بن نقولا كاتب الخزانة (٢). [إكرام نائب حلب] [وفيه] قدم أرغون الكامليّ نائب حلب إلى القاهرة. فخلع عليه وأكرم، وقرّر في إمرة طاز من غير زيادة على ذلك (٣). [ذو القعدة] [نيابة حماه] [وفي] ذي قعدة قرّر أسندمر العمريّ في نيابة حماه، عوضا عن طنيرق، وقرّر طنيرق في إمرة بدمشق (٤). [نيابة طرابلس] وقرّر منجك في نيابة طرابلس / ٥٤ ب / عوضا عن أيتمش الماضي خبر موته (٥).

стр. 268

[تسمية شيخو بالأمير الكبير] [وفيه] ركب السلطان وعدّى الجيزة إلى جهة الأهرام، ثم عاد فدخل إلى دار شيخو وقد وعك فعاده، فقدّم له شيخو تقدمة سنيّة (١). [و] عظم قدر شيخو جدّا، وصار هو المرجع إليه في أمر المملكة، وتسمّى بالأمير الكبير، وهو أول من قيل له الأمير الكبير بمصر. [نظر البيمارستان المنصوري] [وفيه] خلع على صرغتمش بنظر البيمارستان المنصوريّ، وكان له مدّة، وقد خلى (٢) من متحدّث تركيّ. وكان المتكلّم عليه القاضي علاء الدين الأطروش، ففسد حاله، فقام صرغتمش في أمره حتى رمّم الكثير من أوقافه، وقام بمصالحه ومصالح الماضي (٣). [ذو الحجّة] [تعاظم أمور شيخو] [وفي] ذي حجّة كثر تردّد الناس إلى شيخو، وفتحت به أبواب السعي في الولايات بالرشوة، وتقرّر جماعة في عدّة جهات، وكثر الازدحام على باب شيخو جدّا، وزادت عظمته، وعدلت به أمور المملكة (٤). [إرتفاع النيل] وفيها - أعني هذه السنة - فاض النيل لزيادته النادرة، فإنه بلغ عشرين إصبعا من عشرين ذراعا، وبلغ في فيضه إلى قنطرة قدادار، وغرقت كوم الريش، وأشرفت الحسينية على الغرق، وقال العلاء ابن الكورانيّ والي الشرطة، وقشتمر الحاجب في ذلك أشدّ القيام حتى سدّوا الماء بجسر عظيم عن الحسينية. وكانت المطرية، والأميرية، والمنية، وشبّرا، الجميع ملقة (٥) واحدة قد عمّها الماء، متّصلة كلّها مع الضواحي بالنيل الأعظم، وغرق بسبب الزيادة الكثير من الدّور سقطت وتدرّست (٦).

стр. 269

[وفيها] شرق الكثير من نواحي الفيّوم لغرقها وانقطاع جسرها (١). [وفيها] تلف كثير من الزراعات وأشجار البساتين، وتلفت الفواكه جميعها (٢). [وفيها] عدم التبن والبرسيم وغلا سعرهما، وتحسّنت أسعار الغلال (٣).

стр. 270

سنة ستّ وخمسين وسبعماية [محرّم] [هدم أملاك لشيخو] وفي محرّم كان شروع شيخو في هدم أملاك ابتاعها بخطّ الصليبة المعظم (١) الطولونية، تزيد مساحتها على فدّان، واختطّ موضعها خانقاته هذه الموجودة الآن على ما هي عليه وأحوازها من الحوانيت والحمّامين، وما يعلوا (٢) ذلك من الرباع والأماكن، وجدّ في ذلك / ٥٥ أ / حتى إنه عمل منها بنفسه ومماليكه. ثم ابتدأ بالعمارة في ربيع الأول، وانتهائها في شوّال من هذه السنة، وكانت من أعظم الأبنية وأجلّها، ولها الصيت والذكر الذي يغني عن مزيد التعريف. فرحم الله تعالى بانيها (٣). وسنذكر تمام أمرها عند يوم الحضور بها إن شاء الله تعالى. [وفاة الأديب الضفدع] [١٨٧]-، [وفيه] مات الأديب الفاضل، الشمس، الخياط، محمد بن يوسف بن عبد الله الدمشقي، الحنفيّ، الملقّب بضفدع (٤). وكان أديبا، فاضلا، جيّد الشعر، وكان النظم عليه سهلا. وله «ديوان» في ستّ مجلّدات. وكان كثير المعارضة لابن نباتة، ويكثر هجاء الناس، مع أنه كان ديّنا، كثير التلاوة. ومن شعره (فيمن التحى) (٥): كم تظهر الحسن البديع وتدّعي ... وبياض وجهك في النواظر يظلم (٦) هل تصدق الدعوى لمن في وجهه ... بالذقن كذّبه السواد الأعظم

стр. 271

بغته الأجل في طريق الحجّ وهو عائد منه. ومولده سنة ثلاث وتسعين وستماية. [صفر] [قضاء المالكية في مصر] وفي صفر قرّر في القضاء المالكية بمصر النور السخاويّ، بعناية شيخو، وصرف التاج ابن (١) الإخنائيّ، وقرّر في نظر الخزانة وخلع عليه بذلك. فاتّفق أن تمرّض النور السخاويّ بعد مدّة يسيرة من ولايته القضاء، ثم أبلّ (٢) من مرضه، فبلغه بأنه لما أيس منه صرف عن القضاء، فسأل شيخو في تجديد ولايته، فجدّدت من السلطان، وفرح به شيخو، وصنع وليمة لعافيته. فاتفق أن مات في اليوم الثامن من عمل الوليمة، فأعيد التاج الإخنائيّ إلى القضاء على عادته، واستناب في نظر خزانة الخاصّ أخاه إبراهيم (٣). [قضاء القضاة بدمشق] [وفيه] كتب توقيع للتاج عبد الوهاب ابن (٤) قاضي القضاة التقيّ السبكي أن يكون نائبا عن أبيه في قضاء دمشق في حال حياته، ومستقلا به بعد وفاته. وطلب التقيّ السبكيّ إلى القاهرة، فسعى ولده البهاء أحمد في ذلك، فكتم التقيّ ذلك عن أهل دمشق، وخرج وهو مريض في محفّة موريا بأنه يزور القدس، فقدم بعد ذلك القاهرة، ونزل بجزيرة الفيل، واشتدّ به مرضه حتى مات، على ما سيأتي في شهر وفاته. واستقلّ ولده التاج بقضاء دمشق بعده (٥). [القبض على نائب حلب] [وفيه] قبض على أرغون الكامليّ، نائب حلب الماضي خبر قدومه، مصروفا بطاز، وتقرّر / ٥٥ ب / في إمرة طاز، وحمل إلى الإسكندرية فسجن بها خوفا من شرّه (٦). [وفاة التلمساني] [١٨٨]-، [وفيه] مات الزين عمر بن سعيد بن يحيى التلمسانيّ (٧)، المغربيّ، المالكيّ، قاضي المالكية بدمشق.

стр. 272

وكان عالما، فاضلا. ومولده قبل السبعماية. وقرّر في قضاء حلب عوضه الشهاب أحمد بن ياسين الرباحي (١) عائدا إليها كما كان قبل ذلك. [١٨٩]-، [وفيه] استقرّ كريم الدين أكرم (٢) بن شيخ في نظر الدولة، وقرّر خالد بن داود في شاديّة الدواوين بإمرة عشرة، ولبس الشربوش، ثم قبض عليه بعد ذلك وصودر وعذّب وعوقب حتى مات. [تقرير تقدمة ألف] [وفيه] قرّر الشهاب أحمد بن السلطان في تقدمة ألف (٣). [مهاجمة الفرنج طرابلس الغرب] [وفيه] وصل الخبر بأنّ الفرنج نازلوا طرابلس الغرب وهجموها واستولوا عليها، وقتلوا عامّة أهلها، وأنّ ذلك لما بلغ السلطان أبو عنان فارس المرينيّ صاحب فاس بعث إلى الفرنج، فاشتراها منهم بمال كثير، وأعمرها، وصارت تحت ولايته (٤). [عصيان ابن مانع بالصعيد] [١٩٠]-، [وفيه] خرج عمر شاه إلى الوجه القبلي بسبب عصيان سودي بن مانع هو وأخوه، فأخذهما ووسّطهما (مع) (٥) جماعة من أصحابهما (٦). [ربيع الأول] [هديّة ابن مهنّا للسلطان] [وفي] ربيع الأول قدم فيّاض بن مهنّا ومعه قوده هديّة للسلطان، وكان قودا حافلا، فأنزل، وأجريت له الرواتب على العادة وأكرم. فاتفق في أثناء إقامته بالقاهرة أن شفع في ثقبة الحسنيّ أمير مكة، وكان مسجونا - كما عرفت ذلك فيما تقدّم -، فأطلق هو وأخوه وابن عمّهما مغامس، فأقاموا مدّة يسيرة

стр. 273

بالقاهرة، ثم فرّ ثقبة وتطلّب فلم يوجد وما قدر عليه (١). [وفاة قبلاي نائب السلطنة] [١٩١]-، [وفيه] مات قبلاي (٢) الناصريّ نائب السلطنة. وكان مشكورا، تنقّل في الخدم، وولّي نيابة الكرك والحجوبية الكبرى، ثم النيابة، على ما عرفته. [إمرة ابن دلغادر] [وفيه] قدم أولاد قراجا بن دلغادر ومعهم تقادم جليلة، فقبلت، وأعيد كبيرهم إلى إمرة التركمان (٣). [وفاة الزين الخضر] [١٩٢]-، [وفيه] مات الزين خضر (٤) بن محمد بن خضر بن عبد الرحمن بن سليمان بن علي. وكان فاضلا، عارفا بالنحو والعروض، وقرأ شيئا في الفقه. وأسمع على وزيرة، والحجّار. وكتب في الإنشاء، وكان سريع الكتابة والإنشاء. نوّه به العلاء ابن (٥) فضل الله كاتب السرّ. ومولده سنة ٧١٠. [عمارة خانقاه شيخو] [وفيه] ابتدأ شيخو بعمارة الخانقاه، الماضي خبرها، واهتمّ لذلك / ٥٦ أ / غاية الاهتمام، ولم يستعمل فيها مقيّدا من السجون، كما كانت جرت عادة أمراء الذين في عمائرهم، ولا قطع فيها أجرة لصانع، بل كانت الأجر (٦) تصرف كاملة. وكان لا يمنع العمّال من الصلاة في أوقاتها ويحسن إليهم ويرأف بهم، ولا سخّر في هذه العمارة

стр. 274

أحد (١) من الخلق، واتّخذ آجرّا غريبا نادرا، ومسامير تعرف بالشيخوني إلى يومنا هذا، وتعرضنا في ذلك الحل (٢). [ربيع الآخر] [وفاة البارنباري] [١٩٣]-[وفي] ربيع الآخر مات كاتب سرّ طرابلس، التّاج البارنباريّ (٣) محمد بن محمد بن عبد المنعم بن عبد العزيزة بن عبد الحقّ السّعديّ، الشافعيّ. وكان له شعر جيّد. ولّي كتابة الإنشاء مدّة، ثم قرّر في كتابة (٤) سرّ طرابلس، وعظم بها قدره. وكان عارفا بالمصطلح، يكتب من رأس القلم ما يراد منه. ومولده سنة ستّ وتسعين وستماية. [جماد الأول] [وفاة القاضي السخاوي] [١٩٤]-[وفي] جماد الأول مات النور السخاويّ (٥) علي بن عبد النصير بن علي بن عبد الخالق المالكيّ، قاضي القضاة. وكان عالما، فاضلا، ماهرا، رأس المالكية في عصره. سمع على جماعة، منهم:

стр. 275

الدمياطي. وأقام بدمشق مدّة، وقدم القاهرة في آخرة ولازم شيخو وعظمته، وقرّره في مشيخة المالكية بجامعه، ثم قام له بتولية القضاء على ما تقدّم ذلك، فوليه وما طالت مدّته حتى بغته الأجل، وكان في كهوليّته. [إعادة الإخنائي إلى القضاء] [وفيه] أعيد إلى القضا المالكية (١) التاج محمد بن الإخنائيّ، عوضا عن السخاويّ (٢). [جماد الآخر] [مولود شيخو] [وفي] جماد الآخر ولد لشيخو ولدا ذكرا (٣) من زوجته ابنة السلطان الناصر محمد بن قلاون، وأخت السلطان حسن. فسرّ به، واحتفل له احتفالا زائدا، سيما في عقيقته. فمات بعد أيام، وكفّت أيده (٤) عقيب ولادته، فلم يتهنّ الوالد ولا الوالدة ولا المولود (٥). (ترجمة التقيّ السبكي) (٦) [١٩٥]-، [وفيه] مات العلاّمة، التقيّ السبكيّ (٧)، علي بن عبد الكافي بن علي

стр. 276

بن تمّام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم الأنصاريّ، الشافعيّ، قاضي قضاة دمشق. وكان عالما، فاضلا، بحرا، عارفا، له اليد الطولى، والشهرة الزائدة، والتصانيف الحافلة في مذهبه، وغير ذلك. وسمع على جماعة، منهم: الحافظ الدمياطي، وجماعة. وولي قضاء دمشق، ونزل عنه لولده على ما تقدّم. وقدم القاهرة موعوكا، وفيها بغته، الأجل. ومولده سنة ٦٣٩. وانتهت إليه رياسة مذهبه في وقته. [قطع يد شريف مزوّر] [وفيه] قطعت يد إنسان شريف كان كثير التزوير، وكان إليه المنتهى في تزوير خطوط الناس / ٥٦ ب / من شاء كما شاء، أمّة في ذلك، وأهين وامتحن غير ما مرة وهو لا يرجع عمّا هو عليه، وله في التزوير وكتابة خطوط الناس ومحاكاتهم حكايات غريبة نادرة يطول الشرح في ذكرها. وقبض على عدّة من معارفه فضربوا بالمقارع وشهّروا (١). [وفاة شهاب ابن السمين] [١٩٦]-، [وفيه] مات الشهاب ابن السمين (٢)، صاحب «إعراب القرآن»، أحمد بن يوسف بن محمد الحلبيّ، النحويّ، المقري، الشافعيّ. وكان عالما، فاضلا، بارعا، ماهرا في القراءآت والنحو. أخذ النحو عن أبي

стр. 277

حيّان، والقراءآت عن التقيّ بن الصائغ. وسمع من يونس الدبابيسيّ. وولي عدّة وظائف، منها نظر أوقاف ومشيخة الإقراء بجامع ابن (١) طولون. وصنّف وألف. وله تفسير في نحو العشرين مجلّدة، وإعرابه القرآن، كتاب مشهور، جليل، نافع في فنّه. وله عدّة تصانيف. وكان خيّرا، ديّنا. وأرّخه بعضهم في شعبان . [شعبان] [المطر والبرد في الوجه البحري] [وفيه] نزل مطر ومعه برد نادر عمّ بلاد الوجه البحريّ، بلغ زنة الحبّة منه الأوقيّة والأوقيّتين، ونزل منه ما هو في قدر الرغيف الكبير، وكان ذلك في غير أوانه، فتلف به الكثير من الزروع بواسطة السيول، وتلف من الأغنام وغيرها أيضا شيئا كثيرا (٢). [غرق مراكب بالنيل] [وفيه] هبّت ريح (٣) عاصفة غرق بسببها عدّة مراكب ببحر النيل. [المطر ببلاد الروم] [وفيه] ورد الخبر من جهة بلاد الروم بأنه أمطرت بها بردا كبارا زنة الحبّة منه نحوا (٤) من رطل وثلث بالحلبيّ، وأنه خرب منه نحوا (٥) من مائة وخمسين قرية صارت دكا، وحصل منه الضرر البالغ (٦). [رمضان] [تخطيط مدرسة صرغتمش] [وفي] رمضان اختطّ صرغتمش مدرسته المعروفة بجوار جامع ابن طولون بعد أن أخذ عدّة أماكن كثيرة ومساكن هناك فهدمها قبل هذا التاريخ، وأدخل قطعة من سلّم باب الجامع ممّا يلي المنار في بنائه، وجاءت مدرسة أنيقة جليلة من أجلّ المباني وأبهجها وأحسنها كما هي ظاهرة (٧).

стр. 278

[كشف أوقاف جامع ابن طولون] [وفيه] قام صرغتمش في كشف أوقاف جامع ابن (١) طولون بنفسه، ورمّ شعث الكثير من ذلك (٢). [وفاة قردم الأمير اخور] [١٩٧]-، [وفيه] مات قردم (٣) أمير اخوار، وكان قد أخرج إلى دمشق بطّالا صيّر من جملة أمرائها حتى بغته الأجل بها. [وفاة ملك آص الناصري] [١٩٨]-، [وفيه] أيضا ملك آص (٤) الناصري الجاشنكير. وكان تولّى شاديّة الدواوين أيضا بدمشق، ثم نيابة صفد، وتأمّر طبلخاناة، ثم سجن بالإسكندرية، ثم أفرج (٥) عنه وعاد إلى دمشق بطّالا. [شوال] [انتهاء عمارة خانقاه شيخو] [وفي] شوّال كان نهاية عمارة شيخو لخانقانه. وعدّ بناء مثل هذا البناء الثقيل الهائل في دون الثمان (٦) شهور / ٥٧ أ / من غريب النوادر، ولو نقل لنا ذلك على الألسنة لما صدّقناه (٧). وكنت أسمع بهذا القول فأستبعده حتى رأيت على الرخامة المنقوشة على واجهة باب الخانقاه المذكورة ذلك، وصورته: «وكان ابتداء الشروع في عمارة هذا المكان المبارك وما حواه في شهر ربيع الأول»، ثم ذكر هذه المدّة، ثم قال: «ونهايته في شوال من السنة المذكورة». فصرت أتعجّب من هذا حتى قيل لي إنه لما أخذ الأماكن من أول السنة، وهدم، صار العمال يعملون أسباب هذا البناء من نحيت الأحجار وعمل السقوف والطوب والآلات، فما استتمّ الهدم إلاّ وجميع الآلات قد حصلت فيها، شرع في البناء ولم تتعوّق العمارة أصلا.

стр. 279

[ذو القعدة] [١٩٩]-[وفي] ذي قعدة مات الشهاب ابن (١) الفرات (٢) أحمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن الجماليّ، موقّع الحكم. وكان عالما، فاضلا، عاقلا، حشما، له خير وديانة وعفّة، ومعرفة تامّة بالتوقيع والكتابة والحساب، وكان يقصد لذلك ويعتمد فيه عليه. وسمع من جماعة، منهم: الحافظ الدمياطي، والطبريّ، في آخرين. وسمع منه الحافظ الزين العراقيّ، وأثنى عليه. ومولده سنة ٦٨٣. [ذو الحجّة] [وفاة الفخر النويري] [٢٠٠]-[وفي] ذي حجّة مات الفخر النويريّ (٣) عثمان بن يوسف بن أبي بكر بن محمد الأنصاري، المالكيّ. وكان عالما، فاضلا، فقيها، محدّثا، صالحا، عارفا بمذهب مالك، ﵁. أفتى، ودرّس، وسمع الكثير، وأسمع كثيرا بمصر والشام والحرمين، وكان كثير الحجّ والمجاورة مع الدين المتين والورع والإخلاص. وقد ذكره الحافظ الذهبيّ فبالغ في الثناء عليه. وذكره الحافظ العراقيّ، وقال في ترجمته: كان أحد العلماء الصالحين الزاهدين في الدنيا، والتاركين المناكب، يقول الحق ولو كان مرّا. ومولده سنة ٦٦٣. [مشيخة خانقاه شيخو] في يوم عرفة كان أول حضور وقع بالخانقاه الشيخونية بعد أن قرّر شيخو أحوال الخانقاه المذكورة. وقرّر في مشيختها الكبرى الشيخ العلاّمة / ٥٧ ب / شيخ الإسلام الأكمل

стр. 280

الحنفيّ محمد (١) بن محمود بن أحمد البابرتي وجعل إليه النظر عليها، ومشيخة التصوّف ودرس الحنفية. وقرّر في تدريس الشافعية إليها البهاء السبكيّ. وفي تدريس المالكية الشيخ خليل المقري. وفي تدريس الحنابلة الشيخ نصر الله، شريكا لقاضي القضاة الموفّق. وولّى بها شيخ حديث، وشيخ قرّاء، وشيخ إسماع. ومن الحنفية أربعون (٢). ومن الثلاثة مذاهب من كلّ ثلاثين، ومحدّثين خمسة عشر، وقرّاء عشرة. وستّ (٣) خدّام، وخادم كبير، وخادم السجّادة، وكاتب غيبة وخمس (. . . . . . . . .) (٤)، وفرّاشين، ووقّادين، وبوّاب، وطبّاخين، ومشرف، وحوائج كاش، وكتّاب وعمال تزيد جماعته على المايتي نفر. وشرط في كتاب وقفه شروطا. ولما تقرّر ذلك جميعه ركب في جماعة من الأمراء والأعيان وقضاة القضاة، ومشايخ العلم إلى هذه الخانقاه. وجلس المقرّرون (٥) الثلاث (٦) ما عدا الأكمل، وألقوا (٧) دروسا حافلة. ثم لما أذّن العصر قام شيخو بنفسه ففرش سجّادة الأكمل بيده وأجلسه عليها، وحضروها. ثم لما انقضى الحضار (٨) ودّعوا وانصرفوا. وكان يوما مشهودا. وأنشد أدباء ذلك العصر في هذه الخانقاه أشعارا مشهورة الآن (٩). ولو ذكرنا جريات ما وقع لطال الكلام.

стр. 281

سنة سبع وخمسين وسبعماية [محرّم] [وفاة صاحب بغداد] [٢٠١]- في محرّم مات صاحب بغداد الحسن بن الحسين بن أقبغا بن أيلكان (١). وكانت مدّته ستة عشر (٢) سنة. وكان يقال له الشيخ حسين، وملك بغداد بعد أبيه. وهو سبط أرغون بن أبغا بن هولاكو بن (٣) طولو بن جنكز (٤) خان، ملك التتار المشهور، صاحب اليسق والأحكام التركية. وكان في أيام الشيخ حسن هذا ببغداد الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله، حتى أبيع بها الخبز بسنج الفضّة، وتركها الناس ونزحوا عنها. وولي بغداد بعد الشيخ حسن هذا ولده أويس. [صفر] [غزو الفرنج صيدا] وفي صفر استولى الفرنج / ٥٨ أ / على مدينة صيدا فقتلوا وأسروا وعادوا، وقتل منهم جماعة أيضا (٥).

стр. 282

[مهاجمة الفرنج طرابلس] وفيه أيضا هجم على طرابلس الشام جماعة من الفرنج في عدّة شواني، وحصل منهم فساد، وعادوا إلى بلادهم (١). [الحريق بدمشق] وفيه حدث حريق عظيم بدمشق بظاهر باب الفرج (٢)، وتلف به عدّة أماكن، منها ستماية حانوت، سوى الديار، وذهب في ذلك من المال ما لا يحدّ. وذكر بعضهم أنّ قيمة ما تلف يزيد على الألف ألف درهم مرّتين. ثم تكرّر الحريق بدمشق في غير ما موضع، غير ما مرّة (٣). [وفاة النشائي] [٢٠٢]- وفيه مات الكمال بن مهدي النّشائي (٤) أحمد بن عمر بن أحمد بن مهدي الشافعي. وكان عالما، فاضلا، سمع على جماعة، وصنّف وألّف عدّة تصانيف، منها: «جامع المختصرات»، و «المنتقى»، وعلّق «استدراكات على التنبيه». وكان بيده تدريس جامع الخطيري (٥) وإمامته وخطابته. وهو أوّل [من] ولي ذلك. ومولده سنة أحد (٦) وتسعين وستماية.

стр. 283

[ربيع الأول] [الريح بالقاهرة] وفي ربيع الأول هبّت رياح بالقاهرة غربيّة (١)، اصفرّ منها الجوّ، ثم احمرّ، ثم اسودّ، واستمرّ من أوّل النهار إلى نصف الليل، وامتلأت به الأرض أغبرة وأتربة، وسقطت به عدّة أماكن، ثم أغاث الله تعالى الناس بالمطر فسكنت الريح (٢). [ربيع الآخر] [الحريق بساحل الشام] وفي ربيع الآخر وقع حريق عظيم ببلاد الساحل الشاميّ ونواحي كسروان (من) بلاد الشام، وعمّ بلاد طرابلس إلى بيروت. وكانت (٣) النور يقوم من النار يضيها (٤). وكانت من الغرائب تلف بها أشياء كثيرة من الوحش والطير وأمتعة وشجر الزيتون. وسقطت ورقة من شجرة في بيت فأحرقت جميع ما فيه. ودامت هذه النار ثلاثة أيام، ثم بعث الله تعالى بمطر فأطفأه (٥). [تعمير عمّان] وفيه عمرت مدينة عمّان من (٦) البلقاء، بعناية صرغتمش، وجعلت قاعدة تلك النواحي، ونقلت الولاية إليها والقضاة أيضا من حسبان. وعمّان هذه من المدن المشهورة القديمة، يقال إنها من بناء عمّان ابن (٧) أخي لوط - على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام - بناها بعد هلاك قوم لوط. ويقال: إنها / ٥٨ ب / مدينة الملك دقيانوس الذي كان في زمن أصحاب الكهف، وأنّ أصحاب الكهف خرجوا منها، وأنها هي المعنيّة في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (٨). وأنّ الكهف والرقيم هناك. وبها تلقّب سليمان بن داود،

стр. 284

على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام (١). [جماد الأول] [كوكب الذوآبة] وفي جماد الأول ظهر بالسماء كوكب غريب نادر في هيئة له ذوآبة ونور يضيء، وكان كبيرا في مقداره (٢). [ترتيب الموظّفين بالصّرغتمشيّة] وفيه كان ابتداء الحضور بالمدرسة الصرغتمشيّة بعد انتهائها وكمالها، وركب إليها صرغتمش ومعه قضاة القضاة ومشايخ العلم والطلبة والأمرا وأرباب الدولة، وحضروا بها بعد تقرير أمورها. وحضر العلاّمة الشيخ قوام الدين الأتقاني (٣)، رحمه الله تعالى. وجلس بها، وقرّره صرغتمش في مشيختها، وقرّر عنده جماعة من الطلبة الحنفية، وهم ستّون نفرا، وألقى بها درسا حافلا. ومدّ بها سماط جليل، ومليت بركتها بالسّكّر المذاب، فأكل الناس وشربوا ثم انصرفوا. وكان يوما حافلا مشهودا عظّم فيه صرغتمش الشيخ قوام الدين وبالغ في إكرامه وتعظيمه (٤) جدّا، حتى أخذ بشكيمة بغلته وعضده حين ركوبه ونزوله بيده (٥). وأنشد أدباء العصر والشعرا أبياتا في وصفها ووصف بنائها وشيخها (٦). [قدوم ابن نباتة القاهرة] وفيه قدم الشيخ جمال الدين بن نباتة إلى القاهرة بطلب من دمشق، فلم ينجح قدومه، وأقام بها خاملا (٧). [جماد الآخر] [وفاة نقيب الأشراف] [٢٠٣]- وفي جماد الآخر مات السيّد الشريف، الشرف (٨) علي بن حسين بن

стр. 285

محمد الحسينيّ، الشافعيّ، نقيب الأشراف (١). وكان عالما، فاضلا، وله تصانيف، وولي تدريس الفخريّة، والمشهد الحسيني، و وكالة بيت المال ، والحسبة (٢). ومولده سنة أحد (٣) وتسعين وستماية. [وكالة بيت المال] وفيه قرّر في وكالة بيت المال عوضا عن الشريف المذكور الجمال الإسنويّ الشيخ عبد الرحيم (٤). [نقابة الأشراف] وقرّر في نقابة الأشراف الشهاب أحمد بن أبي الركب (٥). [رجب] [وفاة الشرف المناوي] [٢٠٤]- وفي رجب مات الشرف المناويّ (٦) إبراهيم بن إسحاق بن الهمام الشافعيّ. وكان عالما فاضلا، فقيها، محدّثا، أفتى ودرّس، وناب في الحكم، وصنّف، وألّف، وسمع على جماعة.
следующие страницы →