← История

История · id 17097

نيل الأمل في ذيل الدول

عبد الباسط الملطي

Полный текст (3 142 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[جمادى الآخر] [سجن نائب دمشق] وفي جماد الآخر أحضر بيدمر نائب الشام فحمل إلى الإسكندرية مقيّدا (١). [الإفراج عن نائب حلب] وفيه أفرج عن / ٢٣٥ / أشقتمر نائب حلب وأخرج إلى القدس (٢). [نيابة الشام] وفيه قرّر في نيابة الشام كمشبغا الحموي نائب حماه (٣). [خروج إنسان من قبره بعد دفنه] [وفيه] جرت غريبة نادرة بدمشق، وهي أنّ رجلا من أعيان الناس مرض فحمل إلى البيمارستان ومات به فغسّل وكفّن وصلّي عليه، وحين أنزل إلى قبره عطس فأخرج منه وعوفي، وحدّث الناس بما جرى له في الموت. ثم عاش هذا الرجل بعد ذلك نحوا من ثلاث سنين (٤). [وفاة ابن جابر الأندلسي] [٥٧٨]- وفيه مات الأديب، العالم، الفاضل، الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي (٥)، الهوّاريّ، المالكيّ، الأعمى. صاحب البديعية المعروفة ب «العميان». وكان علاّمة وقته في الأدب، والعبرية والتصريف، مع كثرة العبادة. وكان هو ورفيقه أبو جعفر الماضي كالأخوين لا يزالان سفرا وحضرا. وله مصنّفات عديدة.

стр. 562

وحدّث عن المزّي، والحريري، وغيرهما. وانتفع به الناس. ومولده سنة سبع وتسعين وستماية. [نفي حاجب الحجّاب] وفيه نفي حاجب الحجّاب تغري برمش إلى حلب (١). [رجب] [نيابة حلب] وفي رجب قرّر تمرباي الدمرداشي في نيابة حلب بعد القبض على منكلي بغا وسجنه بقلعتها (٢). [قتل جماعة من أولاد الكنز] وفيه استقدم بنحو المايتي رجلا (٣) من أولاد الكنز النوبة (٤) في السلاسل الحديد ومعهم عدّة روس (٥) مقطوعة، فعل بهم ذلك قرط متولّي أسوان، وعلّقت الروس (٦) بباب زويلة. وهذا أول حدوث ذلك بالقاهرة، وما عهد ذلك قبل ذلك، واستمرّ يفعل به مثل هذا (٧). [قدوم أمين الدين النسفيّ] وفيه قدم الشيخ أمين الدين محمد بن محمد بن محمد العلاّمة الصالح، أبو عبد الله النّسفّي، الخوارزميّ، الخلوتيّ، الحنفيّ، أحد المسلّكين العارفين ببلاده، وكان معه طائفة من الفقراء، فأنزله شيخ الشيوخ النظام الأصفهانيّ بمدرسته التي بطارف الجبل تحت دار الضيافة، وهرع إليه الأمراء الأكابر والناس، وبالغوا في إكرامه. وكان فقيها. حصل له عمل الأطعمة للناس في الأوقات (٨). وذكر عن نفسه أنه جال الكثير من البلاد في سياحاته، ووصل إلى بلغار حيث لا تطلع الشمس عندهم عدّة أشهر، ودعاهم إلى الإسلام، وأجابوه، وعلّمهم الشرائع (٩).

стр. 563

[شعبان] [مشيخة سعيد السعداء] وفي شعبان قرّر الشيخ شمس الدين محمد النيسابوري الحنفي ابن (١) أخي قاضي القضاة جار الله في مشيخة سعيد السعداء عوضا عن البرهان الإبناسي، وكان خرج للحج في هذه السنة، وأقام نائبا عنه الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (٢). [رمضان] [نيابة الوجه القبليّ] وفي رمضان خلع على موسى بن / ٢٣٦ / قرمان بنيابة الوجه القبليّ، ولقّب بملك الأمراء على تقدمه ألف بمصر، وجعل معه حاجب أمير طبلخاناه، وهو أول من ولّي من كشّاف الصعيد نيابة الصعيد، وخوطب بملك الأمراء (٣). [هدم كنيسة] وفي ثامنه كانت كائنة هدم كنيسة ناحية بو النمرس من الجيزة، وجعلت مسجدا (٤). [وفاة ابن نجم بن صالح] [٥٧٩]- ومات في نصفه الشيخ الصالح، المعتقد، صالح بن نجم (٥) بن صالح بزاوية له بمنية السيرج. وكان يقصد للزيارة تبرّكا به، وللناس فيه الاعتقاد الحسن. [وفاة الأمير موسى بن شهري] [٥٨٠]- والأمير موسى بن محمد بن شهري الحلبيّ (٦)، الشافعيّ، أحد الأعيان من الأمراء.

стр. 564

ولي عدّة ولايات، منها نيابة سيس حين فتحت. وكان عارفا بالفقه للشافعية، وله ذكر وشهرة ومآثر حسان، وأذن له بالفتيا. [شوال] [القبض على الوزير ابن مكانس] وفي شوال قبض على ابن (١) مكانس الوزير وأخيه، وامتحنا، وفرّا واختفيا، وكانا قد أحدثا عدّة مظالم يطول الكلام عنها (٢). [نظارة الخاص] وفيه أعيد ابن (٣) المقسي لنظر الخاص (٤). [وفاة شيخ الخاتونية] [٥٨١]- وفيه مات الشيخ العالم، العلاّمة، محمود بن علي بن إبراهيم القيصري (٥)، الحنفيّ، شيخ الخاتونية. وكان فاضلا كبير الهمّة. وله مكانة وعظمة عند الناس مع كثرة أفضال وجزيل نوال ومكارم أخلاق. وكان نزل عمّا بيده لولده عبد الملك، وذلك قبل موته بيسير. وكان عبد الملك أيضا من الفضلاء. [وفاء المسند المقدسي القاسمي] [٥٨٢]- وفيه مات مسند الوقت [ابن أبي] عمر محمد (٦) بن أحمد بن إبراهيم أبي عمر المقدسيّ، الدمشقيّ القاسميّ. وهو آخر من بقي من أصحاب الفخر بن البخاريّ. ونزل الناس بموته درجة.

стр. 565

[ذو القعدة] [وفاة الأمير موسى الأزكشي] [٥٨٣]- وفي ذي قعدة مات الأمير موسى الأزكشّيّ (١). وكان حشما، كريما، رئيسا. تنقّل في عدّة ولايات جليلة، وتكلّم في المملكة وكان ذا عفّة وديانة. [نظر الدولة] قرّر في نظر الدولة يحيى بن رزق الله بن إبراهيم بن الفخر، المعروف بطباهجة (٢). [ذو الحجّة] [قضاء الإسكندرية] وفي ذي حجّة استقرّ ناصر الدين التّنسي أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله المالكي في قضاء الإسكندرية (٣). وهو جدّ البدر التّنسي قاضي مصر. [خروج التجريدة إلى البحيرة] وفي سابعه خرجت تجريدة كبيرة إلى البحيرة عليها إينال اليوسفي أمير سلاح، وعدّة أمراء في جماعة من الجند وافرة، وعادوا وقد أوقعوا بالعربان، / ٢٣٧ / وساقوا أنعاما كثيرة جدّا (٤). [إخماد فتنة الحاجّ اليمني] وفيه وصل إلى مكة حاجّ من اليمن ومعهم محمل وكسوة للكعبة، فكادت أن تقوم فتنة، ومنع قراد مرداش حجّاج اليمن من دخول مكة حتى تلطّف الشريف أحمد بن عجلان به، وحصل الخير وخمدت الفتنة (٥).

стр. 566

[خبر ارتجاع الأوقاف] وفي سادس عشره كانت كائنة إرادة حلّ الأوقاف وارتجاعها، وطلب الأتابك برقوق العلماء والقضاة، وعقد مجلس بسب ذلك، فطال فيه الكلام، وقام فيه الشيخ أكمل الدين الحنفي والشيخ سراج الدين البلقيني قياما تامّا حتى أسمعهما برقوق وبركة كلاما منكيا، ومع ذلك فما بلغ برقوق مراده، وانفضّ المجلس، وأخرجت بعض أوقاف من لا يعبأ به مستحقّه لذلك، وأقطعت لأناس (١). [وفاة قاضي قرم القزويني] [٥٨٤]- وكان لضياء (٢) الدين في هذا المجلس، وتكلّم بكلام قويّ حتى حنق منه برقوق وخشن عليه في كلامه بحيث ما خاف منه على نفسه حتى نزّل فتمرّض ومات في ثالث عشرينه. وهو ضياء بن سعد الله (٣) بن محمد بن (٤) عثمان القرميّ، القزوينيّ، العفيفيّ، الشافعي، الحنفي، المعروف بقاضي قرم. وكان من أجلّ العلماء قدرا. أخذ عن جماعة منهم القاضي العضد، وأخذ عنه جماعة منهم السعد الساداني، وسمع العفيف المصري، وغيره. وكان يقول: أنا حنفيّ الأصول، شافعيّ الفروع. وكان يستحضر المذهبين، ويقرىء فيهما. وأخذ عنه جماعة في المذهبين. ولما قدم القاهرة قرّر في مشيخة البيبرسية وتدريس الشافعية بالشيخونية. وكان معظّما في الدولة سيما في أيام الأشرف شعبان، مع الدين المتين والمهابة والإحسان إلى الطلبة، والتواضع الزائد، ومحبّة الخير وأهله.

стр. 567

وكانت لحيته طويلة جدّا بحيث إذا نام جعلها في كيس. وكان إذا ركب جعلها فرقتين، فكان العوامّ يبصرون رؤيتها، فإذا رأوها قالوا: «سبحان الخالق» (١). وكان يقول: «عوام نظر مؤمنون فإنهم يستدلّون على الصانع بالصنعة». وله نظم حسن. كتب إليه البدر بن حبيب: قل لمثرى الندى ومن طلب ... العلم بجدّ إلى سبل السواء (٢) إن أردت الخلاص من ظلمة ... الجهل فيما تهتدي بغير الضياء فكتب في جوابه: قل لمن يطلب الندا (٣) ... منّي خلت لمع السراب بركة ماء ليس عندي من الضياء شعاع (٤) ... حين تبغي الهدى من اسم الضياء (٥) [إيقاع نائب حلب بالتركمان] / ٢٣٨ / [وفيه] قدم البريد من جهة حلب بأن تمرباي نائبها لما كثر فساد التركمان الأجقية (٦)، والأغاجرية جمع عساكر حلب وبعضا من عساكر دمشق وحماه وتلك النواحي، وجنّبها إلى جهة سيس، فتتابع به التركمان، فتجهّز إليه جماعة من أكابرهم بالهدايا، وجمعوا طواشيهم، فأوقع بهم وقبض عليهم. وجهّز مع فرسانه بالعساكر حتى نهب بيوت التركمان وسبى حريمهم وقتل منهم ما لا يحصى، وعاد. فكاده التركمان وكمنوا له بمضيق باب الملك، وأوقعوا به وبمن معه، فهلكوا ما بين غريق وقتيل، ولم ينج منهم إلاّ القليل، وهم يعطبون. ونهب التركمان جميع برق (٧) العسكر كلّه، من ذلك ثلاثون ألف جمل محمّل، وثلاثة عشر ألف فرس بآلاتها. وكان هذا أول وهن وقع من التركمان، فإنهم كانوا كالسور للمملكة، فجعلهم سوء التدبير أعداء للمملكة، للطمع والظلم والعسف (٨). ومن حينئذ استمرّ حالهم على نحو

стр. 568

هذه الحالة إلى هلمّ جرّا، كما سيأتي ذلك في محلّه مفصّلا، وناهيك بالفتن الكائنة بعد ذلك، سيما من سوار وعلاء الدولة، من سنيّ ما بعد السبعين وثمانماية إلى هلمّ جرّا. [محن الحجّاج] وفيه أيضا حدث للحجّاج محن شديدة يطول الشرح في ذكرها. وغلت عندهم الأسعار في عودهم لفساد العربان وقطع الطريق على الإقامات (١). [وفاة الضياء الهندي الصاغاني] [٥٨٥]- مات الضياء الهنديّ، الصاغانيّ (٢)، الشيخ، العلاّمة، ضياء الدين محمد بن محمد بن سعيد (٣) بن عمر بن علي الحنفيّ نزيل المدينة، ثم مكة. وكان عالما، فاضلا، عارفا بالفنون، ماهرا في الفقه، والعربية والأصول. سمع المصري، وأخرين. وهو جدّ بني الضياء قضاة مكة، وكان يدّعي أنه من ذرّية الصاغاني صاحب «المشارق»، وهو من ذرّية عمر بن الخطاب ﵁ (٤). وله زيادة على الثمانين سنة.

стр. 569

[حوادث] سنة إحدى وثمانين وسبعماية [المحرّم] [القبض على مهتار الطشت خاناه] في محرّم منها كثر تخوّف [العامّة] (١) من وضع بركة السيف فيهم، وكان قد أسمع بأنّ غلام الله مهتار الطشت خاناه يريد الفتك ببرقوق، وبركة هو وطائفة من الزعر والعبيد في صلاة الجمعة، / ٢٣٩ / وتخوّفا على أنفسهما. وكان هذا في آخر الماضية. ووقعت أشياء، فقبض برقوق في هذا الشهر على غلام الله بمندوحة أنه وجدت سيوف عليها اسمه متوجّه بها لأولاد الكنز بالتوبة. ولما تخوّف العامة أغلقوا حوانيت معايشهم من أول الليل حتى نادى برقوق بالأمان حتى أحبّوه وتعصّبوا له بعد ذلك (٢). [خراب إسوان] وفيه كان ابتداء خراب إسوان وتغيير أحوال الوجه القبلي حتى آل إلى ما هو عليه الآن بعد تلك العظمة التي كانت له (٣). [مشيخة البيبرسية] وفيه استقرّ العلاّمة عزّ الدين الرازي الحنفي في مشيخة البيبرسية عوضا عن الضياء القرمي، وفي مشيخة الحديث بالمنصورية (٤). [صفر] [عزل ابن أبي البقاء عن القضاء] صفر، في أوائله عزل ابن (٥) أبي البقاء عن القضاء للشافعية، وخرج البريد

стр. 570

لإحضار ابن (١) جماعة من القدس (٢). [إظهار ذخائر الأشرف] وفي سابعه أخرج من ذخائر الأشرف بمكان (٣) من القلعة على يد الزمام مثقال الجمالي مبلغ ثلاثين ألف دينار، وبمكان آخر خمسة عشر ألف دينار، وبرنية ملئت (٤) بالفصوص والجواهر السّنيّة، من جملة ذلك فصّ عين الهرّ زنته ستة عشر درهما، ثم عوقب مثقال فلم يقرّ بشيء حتى وجدت أوراق عند بعض جواري الأشرف بخطه بفهرست ذخائره، فقوبلت، فما نقص منها شيء، فأطلق مثقال، فتحقّق براءته (٥)، وكان ذلك من الفرج بعد الشدّة. [وفاة شيخ القراء] [٥٨٦]- وفي تاسعه مات شيخ القرّاء (٦) البغداديّ، عبد الرحمن [بن أحمد] بن علي الواسطيّ (٧)، نزيل مصر. وكان عالما، فاضلا. درّس الحديث بالشيخونية. وتلى (٨) على التقيّ بن الصائغ، وانتفع به الناس في القراءآت، ودرّس بجامع ابن (٩) طولون فيها، وشرح «الشاطبية» وله غير ذلك من التصانيف. وقرأ على الزين العراقيّ. ومولده سنة ثلاث وسبعماية. [استمرار ابن جماعة بالقضاء] وفي ثالث عشرينه استمرّ البرهان ابن جماعة في القضاء بعد أن حضر من القدس،

стр. 571

وأكرم غاية الإكرام، لا سيما من بركة. ولما نزل بخلعته كان له يوما مشهودا (١) كأيام دوران المحمل، وتصالح هو والسراج البلقينيّ لنفرة كانت بينهما، وأركبه بغلة رائعة بقماش فاخر (٢). [قتل الكلاب] وفيه كانت كائنة قتل الكلاب، أمر بذلك الأمير بركة، وألزم كلّ أمير نقل ما بها، وقتل منها الكثير. وكانت قد كثرت بالأزقّة والشوارع. وعمل الشعراء في قتلها أشعارا (٣). [ربيع الأول] [ثورة الجند على نائب حلب] وفي ربيع الأول قدم / ٢٤٠ / البريد من حلب بأنه ثار بها جماعة من الجند والأمراء على النائب فكادوا يقتلونه، ووقع بينهم حرب فانكسروا. وفرّ أقبغا كبير القائمين بهم إلى نعير أمير آل فضل واستجار به (٤). [وفاة الشيخ التروجي] [٥٨٧]- وفيه مات الشيخ إبراهيم التروجيّ (٥). وكان صالحا، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويؤذى في ذلك فلا يرجع. وكان كثير العبادة. [وفاة صالح الجزيري] [٥٨٨]- ومات الشيخ الصالح المعتقد صالح الجزيريّ (٦)، ودفن بزاويته من جزيرة أروى المعروفة بالوسطانية. [وفاة ابن مرزوق المغربي] [٥٨٩]- ومات فيه العلاّمة، الإمام أبو عبد الله بن مرزوق (٧)، محمد بن محمد بن

стр. 572

محمد بن أحمد بن أبي بكر بن محمد بن مرزوق المغربيّ، التّلمسانيّ، التّجيبيّ (١)، المالكيّ، وزير المغرب وعالمه، وشيخ تدريس الفقه بالشيخونية، والمدرسة القمحية. وكان علاّمة وقته، وشهرته تغني عن مزيد ذكره. وله عدّة تصانيف. وكان عالي الهمّة، قويّ العزيمة. وجرت عليه أمور وخطوب ببلاده. وكان صالحا من الأولياء. [وفاة الطبردار الحراوي] [٥٩٠]- ومات فيه المسند ناصر الدين (٢) الطبردار، محمد بن يوسف (٣) بن علي بن إدريس الحراويّ (٤)، الكرديّ. سمع كتاب «الحيل» للدمياطيّ، منه، ورحل إليه الناس للسماع عليه. وكان سنّه أربعا وثمانون (٥) سنة. [إحضار أشقتمر] [وفيه] (٦) خرج البريد لإحضار أشقتمر (٧). [ربيع الآخر] [إغلاق فم قنطرة الخور بسلسلة] وفي ربيع الآخر قام إنسان يقال له الشيخ محمد صائم الدهر وتحدّث مع الأمير برقوق وبركة في النسق الذي يجري على ظهر الخلجان (٨) من النيل المبارك، فأمر السلاسل عملت على فوهات القناطر كام (٩) الخور، وموردة الجبس (١٠)

стр. 573

حتى لا يدخل الشخاتير إلى البرك، لا سيما بركة الرطلي (١). [عمارة الحرم الشريف] (٢) وفيه بعث الأمير بركة دواداره سودون باشاه لعمارة الحرم الشريف بمكة، وما بدا فيه بركة منها إجراء عين عرفة (٣). [منع الخمور] وفيه منع الخمر وكبست بسببه الكثير من الدور بحارة الأسرى وغيرها وأريقت وكسرت الكثير من جراره جدّا، وتولّى ذلك مأمور حاجب الحجّاب (٤). وفيه أراق أيضا الأمير بركة خمرا كثيرا من دور الأقباط (٥). [وفاة البرهان القيراطي] [٥٩١]- وفي عشرينه مات الأديب البارع البرهان القيراطيّ (٦)، شاعر وقته، إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفّر بن نجم بن شادي بن هلال الطائيّ، الطريفيّ، الشافعيّ. وكان مجاورا بمكة، وله القصائد الطنّانة / ٢٤١ / في امتداح جماعة من العلماء وغيرهم. وكان مع تعانيه النظم والأدب عابدا، خيّرا صالحا، فاضلا، درّس وأجاد. ومولده سنة إحدى وثلاثين وسبعماية (٧). [جمادى الأول] [نيابة أشقتمر لحلب] وفي جماد الأول في مستهلّه قدم أشقتمر المارديني من القدس، وخرج الأميران

стр. 574

برقوق وبركة إلى لقائه بالريدانية، وترجّلا له عن فرسيهما، فنزل لهما، ثم سارا معه إلى القاهرة، وأنزله برقوق وقام بما يليق به، ثم خلع عليه في رابعه وقرّر في نيابة حلب عوضا عن تمرباي بحكم أن يقيم بالقدس (١). [الحجابة الثالثة] وفيه قرّر سودون الشيخوني حاجبا ثالثا (٢). [اتخاذ قاضي الأحناف مودعا لأموال الأيتام] وفيه خلع على قاضي القضاة الحنفية جار الله بأن يقرّر مودع حكم الأيتام وأن يلبس الطرحة كالقاضي الشافعيّ، ويقيم أمين حكم، ويولّي قضاة الحنفية بالبلاد، فقام الشافعية في ذلك أشدّ قيام، واستمال العلاّمة الكمال البدر في ذلك. ولا زالوا حتى بطّلوا هذا الأمر بعد أن عقد مجلس عند الأتابك برقوق بسبب ذلك. وكان إنسان يقال له الشيخ خلف الطوخي ممّن يعتقد ولبرقوق فيه اعتقاد زائد استماله الشافعية بأن يخوّف برقوق عاقبة هذا الأمر حتى أبطل ذلك (٣). وهذا أمر لا طائل تحته حتى يتنافس فيه في الحقيقة، فإنّ قاضي القضاة في هذا الزمن اسم لا مسمّى له إذ كان في العصر الأول منفرد (٤) كأبي يوسف فهو قاضي قضاة الإسلام حقيقة. ولي في هذا كلام طويل لا يسعه هذا المختصر. [جمادى الآخر] [فيضان ماء الخليج الناصري] وفي جماد الآخر فاض الماء من الخليج الناصريّ وساح حتى غرق عدّة بساتين، وأغرق كوم الريش وما حولها من الأراضي بحيث صار لجّة عظيمة، وتلف فيه عدّة أماكن وأشياء (٥). [الإفراج عن نائب الشام] وفيه أفرج عن بيدمر نائب الشام من الإسكندرية إلى القدس (٦).

стр. 575

[نيابة غزّة] وقدم أقبغا عبد الله طائعا فقرّر في نيابة غزّة (١). [نيابة السكندري قضاء الأحناف] وفيه أمر برقوق للقاضي الحنفي يولّي إنسان (٢) من نوّابه يقال له زين الدين السكندري، وكان رجلا قد احتمى به خوفا على نفسه من بطش مأمور حاجب الحجّاب في أمر ما، وطلب هذا الرجل النظر في حاله بالطريق الشرعي، فغضب مأمور من ذلك وشكاه لبرقوق، وطلب المحتمى وضربه بالمقارع وشهّره، والمنادي ينادي عليه. / ٢٤٢ / وكان هذا أول حدوث كسر حرمة الشرع في دولة الجركس، وكان من أفظع الحوادث التي ما عهدت، واتّضع بها جانب منصب الشرع وطمع الترك الظلمة في القضاة، وانبسطت أيدي حكّام السياسة في الأحكام بما تهوى أنفسهم، والله حسبهم (٣). [رجب] [كائنة كلام الحائط] وفي رجب كانت كائنة كلام الحائط، وهي كائنة غريبة فظيعة، كان الناس بمصر افتتنوا بها وبقي لهم عند ذلك المكان اجتماع عظيم وقال وقيل، وكان من تقدّم منهم إلى الحائط وسأله عمّا يشاء أجابه بما أحبّ أو كره، وكادت تكون هذه من غرائب العجائب أو كانت. وهدم الحائط بسببها ثم عاد الكلام من حائط إلى جانبها حتى انكشف أن ذلك حيلة، وقبض برقوق وسمّرهم على جمال وطيف بهم القاهرة، وكان لهم يوما مشهودا (٤). وكان تسمير امرأة على هذا أول ما حدث، ولم يسمع به قطّ. وهي من حوادث دولة الجراكسة (٥). [شعبان] [فتنة إينال اليوسفي] وفي شعبان كائنة إينال اليوسفي أمير سلاح، وكان قد بلغه أنّ برقوق وبركة في

стр. 576

قصد السوء له. واتفق أن خرج بركة لجهة الصيد بالبحيرة فتضاعف إينال حيلة وخوفا على نفسه، وأخذ يدبّر ما يفعله. ونزل إلى برقوق للعيادة غير ما مرة. ثم خرج برقوق إلى جهة المطعم، فاغتنم إينال الفرصة وركب من فوره بجماعة مماليكه وآخرين انضمّوا إليه، فكبس باب السلسلة فملكها، ونهب من معه جميع ما فيه لبرقوق، واستمال إينال من به من مماليك برقوق ووعدهم ومنّاهم، وبعث بطلب السلطان، فما أجاب، فأمر بضرب الدبادب حربيّا. وكانت كائنة غريبة وفتنة كبيرة، وبلغ برقوق ذلك فخارت قواه، وكاد أن يفرّ من هناك حتى قوّاه أيتمش وشجّعه وأخذه، وعاد به إلى داره، وجمع عليه الناس وثار معه العامّة، وقابلوا جماعة إينال وهم قد اشتغلوا بما نهبوه / ٢٤٣ / فهزموهم، وفرّ إينال بعد أن دخل أصحاب برقوق إلى الإصطبل من جهة باب السرّ من ناحية الصوّة. وكان قد جرح إينال في عقبه بسهم أصابه بعد أن قاتل قتال الموت ثم قبض عليه بعد فراره وقيّد وحمل إلى الإسكندرية فسّجن بها. وزيّنت القاهرة زينة حافلة. وأظهرت العامّة لبرقوق غاية التعصّب والمحبّة (١). [رمضان] [نيابة طرابلس] وفي رمضان قرّر منكلي بغا البلدي في نيابة طرابلس (٢). [تسمير الكمال الخرّوبي ورفيقه] وفيه ضرب برقوق الكمال سبط الخرّوبي هو وآخر معه وسمّرهما على جملين وهما ينادى عليهما: «هذا جزاء من يتكلّم فيما لا يعنيه». وكان الكمال هذا قد سعى في الوزارة سعيا جريئا عند الأمير بركة، وعيّن عدّة من أصحابه، منهم لنظر الخاصّ، وآخر لشدّ الدواوين، وآخر لتقدمة الدولة، وشرط أن يكفي الدولة ستة أشهر، وأن يسلّم إليه خاله التاج الخرّوبي وقرّ به وآخرين من التجار، وأجاب بركة إلى ذلك وما بقي إلاّ أن يتمّ. وبلغ ذلك الخراربة والتجار فأوصلوه إلى القبط، فثاروا على الكمال، وبلغوا ما قاله لبرقوق فأحضره ومن ساعده، وفرّ عنه بعض التجّار، فضرب رفقته بالمقارع، وشهّره كما قلناه (٣).

стр. 577

[وفاة الشرف ابن عسكر البغدادي] [٥٩٢]- وفيه مات الشرف ابن (١) عسكر (٢) البغداديّ أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عسكر المالكيّ. وكان فاضلا، وولّي قضاء دمشق ونظر خزانة الخاصّ بمصر وغير ذلك، وكفّ بصره بأخرة. وكان درّس بالمستنصرية ببغداد. ومولده سنة ست (٣) وستّين وستماية. [وفاة خضر الكردي] [٥٩٣]- وفيه مات الشيخ الوليّ الصالح، المعتقد، خضر الكرديّ (٤)، المهلّل. وكان للناس فيه الاعتقاد الحسن، وظهرت له كرامات، وكانت جنازته حافلة جدّا. [وفاة الطواشي ياقوت] [٥٩٤]- والطواشي الصالح، الخيّر، افتخار الدين ياقوت الرسولي (٥) الحسنيّ، شيخ خدّام الحرم الشريف النبويّ. وكان إماما بالحرم الشريف / ٢٤٤ / على مشيخته أحد (٦) وعشرين سنة. ومات في ليلة الجمعة سابع عشرينه. [إمرة السلاح] وفيه قدم يلبغا الناصريّ، وقرّر في إمرة سلاح عوضا عن إينال اليوسفيّ (٧). [شوال] [وفاة ابن عبد الملك] [٥٩٥]- وفي شوال مات الشيخ العالم الصالح، نزيل مكة المشرّفة، أبو عبد الله محمد بن عبد الملك (٨) بن عبد الله بن محمد.

стр. 578

وكان عارفا بالفقه والتّفسير وعلم الحرف، منجمعا عن الناس. [القبض على متنبّىء] وفيه، نصفه، قبض على رجل من آحاد الناس فقيرا (١)، وهو يدّعي أنه النبيّ الأمين، وأنه جاء ليقرّر شرع محمد ﷺ ، وأنه ينزل عليه قرآن مع جبريل وميكائيل وإسرافيل، ويذكر أسماء ملائكة أيضا، ويذكر أنّ الترك سيحكمه عليها ويكون سلطانا. فشهد رؤساء الطب بأنه مجنون، فجعل عند المجانين بالمارستان مدّة. ثم أطلقه بركة وضربه حتى رجع عن قوله. وذكر بعضهم عنه أنه كان يتلو عنه من قرآنه لنفسه (٢). [ذو القعدة] [محاولة الاستيلاء على تركة] وفي ذي قعدة قصد الأمير بركة الاستيلاء على تركة إنسان يقال له ابن الأنصاري قاضي دمنهور، وآخر يقال له محمد بن سلام التاجر، وكان مالا عريضا، فركب قاضي القضاة البرهان بن جماعة إلى برقوق ووعظه، ولا زال به حتى رجع عن ذلك (٣). [وفاة الشرف الصرخدي] [٥٩٦]- وفي أوائله مات الشيخ الصالح الشرف الصرخديّ (٤)، محمود بن أحمد بن صالح، نزيل دمشق. وكان عالما خاشعا، ناسكا، عابدا. ويشبّه بعض العلماء طريقته بطريقة النوويّ. [ذو الحجّة] [فساد الحال في ولايات البرّ] وفي ذي حجّة ولايات البرّ من الوجه البحري والقبلي والكشوفات قد زاد الحال في أمرها من كثرة عزل وأخذ، وولاته آخر بالمال حتى فسد الحال جدّا. وكان هذا أيضا من حوادث الدولة الجركسية، وكان سببا لفساد إقليم مصر وخراب بلادها في الحقيقة، وانسحب ذلك إلى أن كان منه أمرا فاحشا (٥)، لا سيما / ٢٤٥ / في

стр. 579

هذه الدول القريبة بعد الثمان ماية (١). ولله الأمر. [جرّ المياه من عرفة إلى خارج باب المعلاّة] وفي هذا الشهر جرّت عين الأزرق وعين ابن (٢) رخم من عرفة إلى البركتين خارج باب المعلاّة (٣) بمكة، واستجدّت ميضأة عند باب بني شيبة وربع من حوانيت، وأصلحت بئر زمزم والحجر وسطح الكعبة والميزاب. كل ذلك بواسطة الأمير بركة (٤). [قتل جماعة من المرتدّين] وفيه حضر جماعة ما بين رجال ونساء كانوا قد أسلموا عن النصرانية فجاءوا مرتدّين (عن) (٥) الإسلام - نعوذ الله من ذلك - وقالوا: نريد أن تطهّرونا بسفك دمائنا على ما وقع منّا متقرّبين عن ذلك إلى السيّد المسيح. فوعظهم القاضي المالكي، فما قبلوا وصمّموا على ما هم عليه، فحكم بسفك دمائهم وضربت أعناق الرجال تحت شبّاك الصالحية، والنساء بالرميلة تحت القلعة، وشنّع الناس على القاضي المالكيّ كونه ضرب أعناق النساء وأنكر عليه ذلك (٦). [ضرب عنق راهب وثلاث نساء نصرانيات] وفيه أيضا قدم راهب من النصارى وأفحش في قدحه في الإسلام، وأصرّ على ذلك، فضرب عنقه. واتّفق أن كان ثلاثة من النساء النصارى تعشّقوا (٧) هذا الراهب وأفرطن في عشقه، فلما رأينه فعل به ذلك رفعن أصواتهنّ بالولولة بألسنتهنّ فرحا بما صاروا (٨) إليه هذا الراهب، وأخذن يقدحن في الإسلام مثله، فضرب الحاجب رقابهنّ بالرميلة. وضرب رقبة شخص آخر رفيق الراهب بعده بعد ذلك (٩). [سجن مختلّ العقل] وفيه جاء إنسان جنديّ على فرس للقاضي المالكيّ وقال له: طهّرني بالسيف فإنّي

стр. 580

موتدّ عن الإسلام، فضرب وسجن بالبيمارستان لما قيل عنه إنه مختلّ في عقله (١). [تجمّع التركمان لأخذ ملطية] هذا الشهر عزم بركة على خروجه للسفر لقتال التركمان، وكان ورد الخبر بأنهم تجمّعوا لأخذ ملطية، ثم اقتضى الحال أن يتولّى قتالهم بيدمر، فأحضر من القدس واستقرّ في نيابة الشام / ٢٤٦ / عوضا عن كمشبغا الحموي (٢). [قتل ابن مكي داعية الرافضة] وفيه قتل بدمشق ابن ملي (٣)، الرافضيّ، بعد أن شهد عليه بقوادح في دينه (٤). [قطع مرتّبات جماعة] وفيه قطع الوزير معاليم جماعة من الناس ورواتبهم، فطلبه برقوق وسأل عن مقدار ما توفّر من ذلك، فأعلمه به، فأخرج عنه من جهات الدولة بقدر ذلك، فسقط في يده وبقي عليه أثر ما فعله، ومقته الناس وكثر الدعاء عليه (٥). [المحمل اليمني] وفيه وصل المحمل اليمني إلى مكة أيضا ومعه الحاج (٦).

стр. 581

[حوادث] سنة اثنتين وثمانين وسبعماية [المحرّم] [سفر بيدمر] في ثاني محرّم خرج بيدمر نائب الشام مسافرا إليها وهو في تجمّل زائد، وخرج مسفّره خضر رأس نوبة بركة، وعاد بعد ذلك بمال طائل جدّا يطول الشرح في تفصيل جرياته (١). [وفاة نقيب الأشراف] [٥٩٧]- وفي عاشره مات نقيب الأشراف السيد الشريف شرف الدين عاصم (٢). [زواج السلطان بابنة طشتمر] وفي ليلة عاشره بنى الأتابك برقوق على ابنة طشتمر الخوند بعد أن حملت إليه جهازا عظيما (٣). [ضرب النشو الملكي] وفيه ضرب التاج النشو الملكيّ الوزير، ضربه بركة محفيّا تحت رجله، ثم خلع عليه في غده، ونودي له بأنّ أحدا لا يحتمي عليه (٤). [عبث رجل بشخص يصلّي] وفي آخره قدم البريد من حلب وعلى يده محضر فيه من الغريب النادر أنّ أنسانا قام يصلّي بقوم فعبث به شخص، فتمادى في صلاته ولم يقطعها حتى فرغ، وحوّل الله تعالى وجه الشخّص العابث وجه خنزير رآه جمعا (٥) من الناس، وشهدوا به، وكتب بذلك

стр. 582

المحضر وذكر البريد محضره أنه شاهده وقد فرّ ودخل إلى غابة هناك (١). [صفر] [زواج امرأة من رجلين] وفي صفر شهّرت امرأة على جمل وهي ينادى عليها: هذا جزاء من يتزوّج برجلين في وقت واحد (٢). [قتل فرنجيّ قتل رجلا عدوانا] وفيه وقعت نادرة غريبة، وهي أنّ رجلا من الفرنج خاصم شخصا على مال ادّعاه عليه بين يدي الأمير بركة فلم يثبت له شيء، فحنق الفرنجيّ وأخرج سكّينا معه وضرب بها إنسان (٣)، يقال له بلبان الترجمان (٤)، فمات في الحال في موقف الدعوى بين يدي بركة بحضرة الملأ العام، فقبض عليه وسمّر تسميرا غريبا بحيث صارت اللعبة التي سمّر عليها تدور به على الجمل، ثم قطعت يداه ورجلاه، وأحرقت جثّته خارج القاهرة، وكان له وقتا حافلا (٥). [وفاة العلاء السعدي الحسباني] [٥٩٨]- وفي ليلة سابع عشره مات بدمشق حجّي بن موسى بن أحمد بن سعد بن غنم بن غزوان بن علي بن شرف بن محمد الشيخ علاء الدين السعدي، الحسبانيّ (٦)، الدمشقيّ، الشافعيّ. وهو جدّ الجماعة بني حجّي. وكان من أعيان فقهاء دمشق الأفاضل، مع خير، وفيه الجماع.

стр. 583

[الوحشة بين برقوق وبركة] وفيه كادت أن تكون فتنة كبيرة، / ٢٤٧ / وأغلقت أسواق القاهرة وتعطّلت أحوالهم في تاسع عشره لوحشة وقعت بين برقوق وبركة، وألبس بركة مماليكه آلة الحرب والسلاح ليلة كاملة وكذا الأمراء، حتى تلطّف به برقوق بأن طلب القضاة والشيخ العلاّمة أكمل الدين الحنفي والمشايخ وقرّبهم بأن يدخلوا بينه وبين بركة بالصلح، وكان ذلك مكيدة منه ودهاء، فلا زالوا يتردّدون بينهما حتى قرّروا الصلح، ووقع الصفاء ظاهرا، وحلف كلّ لصاحبه بما أحبّه. وكان بركة حتى أخذ حذره من أيتمش وهو على قصد إزالته، وأحسّ أيتمش بذلك ولجأ إلى برقوق، وكان عنده فبعث به برقوق إليه فلم يجد بدّا من الإغضاء، فخلع عليه وأعاده لبرقوق والقلوب فيها ما فيها. ونودي بالأمان. فسكن انزعاج الناس شيئا (١). [الخلعة على القضاة] وفيه خلع على القضاة وعلى الشيخ أكمل الدين ما عدا القاضي المالكي لأجل سعيهم في الصلح. والتزم بركة بأنه لا يتكلّم في شيء من أمور المملكة، وأن ينفرد برقوق بالتكلّم (٢). [ربيع الأول] [استمرار قاضي المالكية] وفي ربيع الأول خلع على العلم البساطي باستمراره على قضاء المالكية، وكان قد أرجف بصرفه عنها لا سيما وما ألبس خلعة في يوم صلح برقوق وبركة، فوعد بمال حتى خلع عليه (٣). ولله الأمر. [فتنة القبض على بركة] وفي سابعه كانت فتنة القبض على بركة، والكلام فيها طويل، محصّله أنّ بركة كان في قلبه من أيتمش أشياء، وهو مستند إلى برقوق، وتوحّش بسبب ذلك ما بين برقوق وبركة حتى بلغ برقوق بعد الصلح أنّ بركة في قصده الفتك به في يوم الجمعة حادي عشره، فبادره قبل ذلك بأن عمل مهمّا لمولود ولد له حضره الأمراء الأكابر وما حضره بركة بل بعضا (٤) من خواصّه من الأمراء، فقبض عليهم برقوق وأعلن بالركوب، ونادى

стр. 584

في العامة: «عليكم ببركة، انهبوا داره»، فثاروا به وهجموا داره، ففرّ هاربا إلى جهة الصحراء، وأقام بها، وتأهّب لقتال برقوق، ثم تقاتلوا، وكانت بينه وبين أصحاب برقوق عدّة وقفات. ودام ذلك أياما. وآل في يوم الخميس عاشره إلى قبض بركة وقيّد وحمل إلى سجن الإسكندرية هو وقراد مرداش وطائفة آخرين (١) من الأمراء (٢). وفي الحقيقة من هذا اليوم علت كلمة الجراكسة وزالت الدولة التركية الصمدية وانقرضت، / ٢٤٨ / فإنهم تتبّعوا حتى أخذوا فقتّلوا وسجنوا ونفوا. وقامت دولة الجراكسة وأمرها لم يتمّ، فإنها من أسوأ (٣) دولة وشرّها، وعلى يديها كان زوال محاسن مملكة مصر وقواعد سلطنتها، وتغيّرت الأحوال وظهرت الأهوال. وبالله المستعان. [تقييد يلبغا الناصري] وفي ليلة ثالث عشره أخرج يلبغا الناصريّ مقيّدا إلى الإسكندرية (٤). وكان ممّن قام مع بركة. [القبض على نائب الشام] وفيه قدم البريد بسيف بيدمر الخوارزميّ نائب الشام. وكان برقوق لما وقع ما وقع بينه وبين بركة بادر فبعث إلى الشام بالقبض عليه إن تيسّر ذلك، وبعث بركة بأن يحترز على نفسه فإنه قائم، وإذا وقع أمر قدم عليه، فوقعت فتنة بدمشق آلت إلى القبض على بيدمر وسجنه بقلعة دمشق. وكان ذلك من سعد برقوق، فسرّ به في هذا اليوم (٥). [استقرار عدّة أمراء] وفي حادي عشره استقرّ أيتمش في الرأس نوبة عوضا عن بركة. وقرّر علاّن الشعباني في إمرة سلاح. وألطنبغا الجوباني في إمرة مجلس. وصيّر جركس الخليلي أمير أخور من المقدّمين.

стр. 585

وولّي عدّة من الأمراء عدّة وظائف. وأعيد خليل بن عرّام إلى نيابة الإسكندرية (١). [نيابة طرابلس وحلب ودمشق] وفيه أفرج عن إينال اليوسفي وبعث به نائبا على طرابلس، عوضا عن منكلي بغا البلدي، بعد نقله إلى نيابة حلب، عوضا عن أشقتمر المارديني، بعد نقله إلى نيابة دمشق، عوضا عن بيدمر (٢). [احتياط السلطان على مال امرأة وغيرها] وفي هذا الشهر احتاط برقوق على مال امرأة أشيع بأنها ماتت بطريق الحجاز، وكان موجودا كثيرا، فظهر كذب الإشاعة، وعادت فلم يعوّض عن مالها شيء. واتفق أن كان بإخميم خطيبا (٣) صاحب ثروة عظيمة مات، فبعث بركة بالاحتياط على ماله، وجرى عليه ما جرى، فأخذه برقوق وترك ورثته فقراء (٤). ومات أيضا بعض الجند السلطانيّ، / ٢٤٩ / وترك مالا وأولادا، فلم يعط ورثته شيئا. فكان هذا من الحوادث التي ما عهدت قطّ إلاّ في دولة الجركس، واستمرّت كذلك إلى يومنا هذا. بل فحش الأمر في ذلك في هذا (٥) الأزمان إلى تجريها بعد الثمان ماية (٦). [وفاة ابن الموّاز] [٥٩٩]- وفيه مات الشيخ الصالح المعتقد محمد بن الموّاز (٧)، وكان من عباد الله الصالحين. [ربيع الآخر] [القبض على الوزير الملكي] وفي ربيع الآخر قبض برقوق على الوزير التاج الملكيّ بسبب شكوى جماعة، ثم أفرج عنه (٨).

стр. 586

وزادت عظمة برقوق في هذا الشهر، وصار المنفرد في تدبير المملكة، وإليه المرجع في جليلها وحقيرها، وصار يقيم مواكب حافلة لم يعهد مثلها إلاّ من قبله. [موت الوزير التاج الملكي] [٦٠٠]- وفيه ترك التاج الملكي (١) الوزارة ولبس هيئة الزّهّاد، وقصد جامع عمرو بن العاص، وأقام به وأحضر وسجن ولا زال يعاقب حتى مات تحت العقوبة. [جمادى الأول] [خراب دمنهور] وفي أول جماد الأول سارت تجريدة للبحيرة، وآل الأمر إلى خراب دمنهور وما حولها من البلاد، ثم تراجع الحال شيئا (٢). [إبطال ألعاب النوروز] وفيه نودي بإبطال ما كان يفعل في يوم النوروز من اللعب بالماء، وضرب أربعة بالمقارع بسبب ذلك وشهّروا (٣). [نيابة الوجه البحري] وفيه خلع على الشريف بكتمر واستقرّ في نيابة الوجه البحري، وأمر بأن يقيم بتروجة، وخوطب بملك الأمراء. وهو أول من خوطب بذلك من كشّاف البحيرة (٤). [جمادى الآخر] [وضع سلسلة بقنطرة المقسي] وفي جماد الآخر، في مستهلّه سلسلت قنطرة المقسي والفخر لأجل امتناع الشخاتير فيها (٥). [هبوط النيل وغلاء الأسعار] وفيه هبط النيل قبل أوان هبوطه، وغلت أسعار الغلال، ثم انحلّ شيئا (٦).

стр. 587

[وفاة منكلي بغا نائب طرابلس] [٦٠١]- وفيه قرّر إينال اليوسفي في نيابة حلب عوضا عن منكلي بغا البلديّ (١)، وفيه مات، وكان إنسانا حسنا، مات عن نيّف وأربعين سنة. ومن آثاره البرج الذي بناه بساحل طرابلس في أيام نيابته لها (٢). [نيابة طرابلس وصفد] وقرّر كمشبغا الحمويّ في نيابة طرابلس. وطشتمر في نيابة صفد (٣). [رجب] [قتل بركة بالسجن] [٦٠٢]- وفي رجب كان قتل بركة بسجن الإسكندرية، قتله خليل (بن أحمد بن علي) (٤) بن عرّام، فأنكر عليه ذلك واحتيط بموجوده. وخرج يونس دوادار برقوق / ٢٥٠ / فقبض عليه، فيقال إنه لما قبض عليه أخرج له ورقة فيها خطوط الأمراء من برقوق ومن دونه، فقتله، ونبش يونس قبر بركة فوجده قد دفن بثيابه بغير غسل ولا صلاة، ووجد به أثرا (٥) لضرب في رأسه وجسده، فغسّل وكفّن، وصلّي عليه، ودفن، وبني عليه قبّة وتربة. [قتل ابن عرّام] [٦٠٣]- ثم أحضر ابن (٦) عرّام فسجن بخزانة شمائل، وقرّر على مال اتّهم بأنه

стр. 588

أخذه من بركة، فلم يقرّ. ثم أخرج في رابع عشرينه على حمار، وطيف به القاهرة ينادى عليه: «هذا جزاء من يقتل الأمراء بغير إذن»، وهو يقول: «ما قتلته إلاّ بإذن»، ويستغيث: «يا سيدي نهار هذا ما وعدتني به». وكان الشيخ «نهار» فيما ذكره ابن (١) عرّام عنه أنه قال له إنه يموت مقتولا بالسيف، وكان سمّر بالمسامير (٢) في كفّيه وذراعيه وقدميه، وصار ينشد: لك قلبي تعلّه ... فدمي لم تحلّه قال: إن كنت بالأمر (٣) ... فلي الأمر كلّه وهو يكرّر ذلك في مثل تلك الحالة. ثم أحضر إلى تحت القلعة للتوسيط فبدره مماليك بركة بسيوفهم فقطّعوه قطعا، وحزّت رأسه وعلّقت على باب زويلة، فلا زالت أمّه تلقط ما عساها قدرت عليه من بدنه، وأخذت رأسه وغسّلته ودفنته بمدرسته جوار قنطرة أمير حسين. وكان ابن (٤) عرّام هذا إنسانا حسنا، له فضيلة، ويذاكر بعلوم. وصنّف تاريخا مفيدا مع معرفة وذكاء وفطنة ورياسة، وتقدّم في عدّة دول، سيوسا حازما، عنده نوادر، وله جرأة وإقدام. فيقال إنه قتل ظلما لأنه أمر بقتل بركة ثم أنكر عليه ذلك افتئاتا (٥). وهذه من نذالة الجراكسة فافهمها. [وفاة جار الله النيسابوري] [٦٠٤]- وفي رابع عشره مات الشيخ الإمام، العلاّمة، جلال الدين محمد بن محمد بن محمد النيسابوريّ، الحنفيّ، المدعو بجار الله (٦). وكان عالما فاضلا ترقّى المناصب العليّة، وله معرفة بالعقول العلمية.

стр. 589

[إعفاء الجلال بن رسولا من قضاء الأحناف] وفيه طلب الأتابك برقوق بالشيخ العلاّمة جلال الدين بن رسولا التبّاني، فصعد إليه بعد أن استعفى في ذلك غير ما مرة، فسأله أن يتولّى الصالحية، فأصرّ في الامتناع، وصمّم على عدم ذلك كما وقع له في الدولة الأشرفية شعبان ، واعتذر. فألحّ عليه / ٢٥١ / برقوق، فأخرج من كمّه مصحفا شريفا وفتحه (وكتاب الشفاء) (١)، وقال لبرقوق: أقسم عليك بالله تعالى وبهما أن تعفيني من هذه القضية، فإن العجم لا معرفة لهم باصطلاح مصر. فسكت عنه برقوق، فاستدعى برقوق القضاة واستشارهم فيمن يصلح لهذه الوظيفة، فأشار عليه ابن (٢) جماعة بالصدر بن منصور قاضي دمشق، فخرج البريد لإحضاره (٣). [شعبان] [الإفراج عن أمراء] وفي شعبان أفرج عن يلبغا الناصريّ، وقرا دمرداش، وبيدمر الخوارزميّ (٤). [وفاة ابن منصور الحنفي] [٦٠٥]- وفيه مات بدمشق ابن (٥) منصور (٦) الحنفيّ، الشيخ العلاّمة، شرف الدين أحمد بن علي بن أبي منصور (٧). وكان عالما، خيّرا، ديّنا، ترك قضاء مصر كما تقدّم. [رمضان] [الخلعة بقضاء الحنفية] وفي رمضان خلع على الصدر (٨) محمد بن علي بن أبي البركات منصور الدمشقيّ،

стр. 590

وقرّر في القضاء الحنفية، وكان قدم القاهرة قبل ذلك، ونزل في موكب حافل ومعه ابن جماعة والحاجب الكبير. [تعيين نوّاب القضاة] وفيه رسم بأن يكون لكلّ قاضي (١) من القضاة الأربع أربع (٢) نوّاب، فاستناب الثلاثة كلّ أربع (٣) نوّاب، ولم يستنب الحنبليّ نائبا، واستراح الناس ممّا كانوا فيه من نوّاب المجالس الذين اتخذوا لهم (٤) مكتبا مكتبا يتكسّبون من الخلع بين الناس ويجلسون لذلك على أبواب المساجد والجوامع وفي الحوانيت، ويقاسمون الشهود. وكان هذا بواسطة ابن (٥) جماعة. ومشت أحوال الناس (٦). ولما احتاجوا إلى مثل هؤلاء. ثم نقض ذلك (٧). ولو رأيت ما الناس فيه وفي زمننا هذا بعد الثمان ماية في مثل هؤلاء القضاة لرأيت العجب العجاب. [شوال] [مشيخة الخانقاه] وفي شوال أعيد البرهان الأبناسيّ إلى مشيخة الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء (٨). [الوباء بالإسكندرية] [وفيه] فشا الوباء بثغر الإسكندرية وتمادى إلى أثناء ذي الحجّة (٩)، ومات به الكثير من الناس. [ذو الحجّة] [خروج الأتابك برقوق للقاء أبيه] وفي ذي حجّة خرج الأتابك برقوق إلى لقاء أبيه آنص الجركسيّ وقد أحضره الخواجا عثمان من بلاده فتلقّاه بجميع العساكر معه وأوصله إلى القاهرة في موكب حافل جدّا، فيقال إنّ آنص لما (١٠) رأى ما أهاله تعجّب وقال لولده: يا ولدي هذه المملكة ما لها أصحاب؟ فقال: نحن أصحابها.

стр. 591

فقال له: لو كان لها أصحاب ما كنتم أنتم أصحابها ولا تمكّنتم منها. / ٢٥٢ / وهذا الكلام من مثل هذا الإنسان عبرة لمن تدبّر وتذكرة لمن تبصّر. ثم صعد عثمان بآنص إلى بين يدي السلطان المنصور، فشراه وأجرى عتقه عليه، وقرّره في تقدمة ألف من يومه (١). [اهتمام السلطان بالخروج] وفيه همّ السلطان بالخروج بالعساكر إلى جهة البحيرة. وفيه ورد الخبر بقتل نائبها قرط، ثم ترك سفر السلطان، وخرجت العساكر إلى جهة البحيرة بعد أن كشف الخبر فلم يوجد لقتل قرط صحّة. وكانت فتنة كبيرة بالبحيرة، والقائم بها شيخ العرب بدر بن سالم (٢). [إبطال ضمان المغاني] وفيه أبطل برقوق ضمّان المغاني من مدينة حماه والكرك، وناحية منّية بني خصيب. وأبطل ضمان الملح من ناحية عينتاب. وضمان الدقيق من البيرة. وأبطل عدّة مكوس (٣). * * * [عمارة جسر نهر الأردن] وأعمر في هذه السنة جسر نهر الأردن، يعرف بالشريعة، فيما بين مدينة بيسان ودمشق، وجاء طوله ماية وعشرون ذراعا (٤).

стр. 592

[حوادث] سنة ثلاث وثمانين وسبعماية [المحرّم] [الوباء بالقاهرة] في محرّم ابتدأ الوباء في الناس بالطاعون بالقاهرة (١). [نقابة ابن أ صفر عينه الجيش] وفيه استقرّ جمال الدين محمود بن علي بن أصفر عينه في نقابة الجيش. وكان [من] أجناد الحلقة بسكندرية (٢). وهذا أول ظهور محمود بالقاهرة. وهو الذي ولي الأستادارية بعد ذلك، وأنشأ المدرسة المحمودية بالشارع، وعظم قدره جدّا. [مرض السلطان] وفيه مرض السلطان حتى أرجف بموته ثم عوفي (٣). [صفر] [وفاة أبي لحاف] [٦٠٦]- وفي صفر في ثامنه مات الشيخ الصالح، المعتقد، أبو لحاف (٤) علي الشاميّ. [وزارة ابن مكانس] وفيه استقرّ كريم الدين بن مكانس في الوزارة، ونظر الخاص عوضا عن المقسي (٥).

стр. 593

[وفاة أيدمر الشمسي] [٦٠٧]- وفيه مات أيدمر الشمسيّ (١)، أحد الألوف، وقرّر في ذلك فيه آنص والد الأتابك برقوق، وخلع عليه بذلك ولم يكن [له] عادة. [وفاة الملك المنصور علي بن شعبان] [٦٠٨]- وفيه يوم الأحد ثالث عشرينه مات السلطان الملك المنصور علي (٢) بن الأشرف شعبان، ودفن ليلا بتربة جدّه خوند بركة بالتّبانة. فكانت مدّة سلطنته خمس سنين وثلاثة أشهر وعشرين يوما ليس له فيها من الأمر شيء سوى الاسم. وكان سنّه يوم مات نحو الاثنتي عشرة سنة. وكان له نفقة في كل يوم. / ٢٥٣ / ولا يمكّن من شيء غير ذلك. [سلطنة الملك الصالح] وفي رابع عشرينه تسلطن الملك الصالح صلاح الدين، ويقال: زين الدين أمير حاج، ويقال: حاجّي أيضا، ابن (٣) الأشرف شعبان بعد أن اجتمع الأتابك برقوق بالقلعة هو والأمراء، وحضر الخليفة والقضاة إلى باب الستارة، وبعث إلى الزمام بإحضار الأسياد أولا الأشرف شعبان، فأحضروا إليه الثلاثة وهم: إسماعيل، وأبي (٤) بكر، وحاجي، فاختاروا حاجي، وكان أكبرهم، فسلطنوه وحلفوا له، وبايعه الخليفة، وركب بشعار السلطنة من باب الستارة، وساروا (٥) الأمراء في ركابه إلى القصر فأجلس على سرير

стр. 594

الملك على العادة، وقام الكلّ بين يديه، ولقّب بالصالح، وكني بأبي الجود (١). [وفاة المسندة جويرية] [٦٠٩]- وفيه ماتت المسندة جويرية (٢) بنت أحمد بن أحمد بن الحسين بن موسك الهكّاريّ. وكانت خيّرة، ديّنة، أكثر عنها طلب الحديث. [وفاة ابن السيوري الموسيقي] [٦١٠]- وابن (٣) السيوري (٤)، شيخ الموسيقا، والأستاذ في ضرب العود، محمد بن محمد بن محمد. وكانت قد انتهت إليه الرياسة في فنّه وفي الموسيقا. وكان يذكر أنه من ذرّية عامر بن ياسر. [ربيع الأول] [وفاة صاحب النظامية] [٦١١]- وفي ربيع الأول مات الشيخ نظام الدين (٥)، صاحب النظاميّة، بطارف الجبل، إسحاق بن عاصم الأصفهانيّ الهنديّ، الحنفي، شيخ الشيوخ بالخانقاه السّرياقوسيّة. وكان عالي الهمّة، مقرّبا.

стр. 595

وولي شيخ الشيوخ بعده ولده جلال الدين، ولقّب بشيخ الإسلام شيخ الشيوخ (١). وأرّخه البعض في ربيع الآخر . [ارتفاع الوباء] وفيه ارتفع الوباء في أواخره (٢). [خروج التركمان عن الطاعة] وفيه ورد الخبر بخروج التركمان بالأعمال الحلبية والأبلستين عن الطاعة (٣). [ربيع الآخر] [نصب خيمة عظيمة بميدان القاهرة] وفي ربيع الآخر وصلت خيمة عظيمة تحمل على ماية وثمانين جملا أحضرت للأتابك برقوق، فنصبت بالميدان، وركب الأتابك أرديتها وعمل مهمّا حافلا بها، ومدّ سماطا عظيما أكله الأمراء ومن حضر، وهرع الناس إلى رؤية ذلك. وكان من النوادر (٤). [تقرير سودون الشيخوني] وفيه قرّر سودون الشيخونيّ في تقدمة ألف والحجوبية الثانية (٥). [وفاة علاّن العثماني] [٦١٢]- وفيه مات علاّن العثماني (٦) أمير سلاح. [وفاة ابن قشتمر الحاجب] [٦١٣]- وأمير علي بن قشتمر (٧) الحاجب أحد مقدّمي الألوف.

стр. 596

وكان فاضلا من أهل العلم. [جمادى الأول] [التنبّوء بعدم زيادة النيل] وفي جماد الأول وقعت غريبة، وهي أنّ إنسانا أعجميّا حضر إلى الأتابك برقوق فذكر له أنّ النيل لا يزيد شيئا في هذه السنة، فاتفق أن زاد في ثاني يوم ذلك خمسة عشر إصبعا، ثم بعده ستة عشر، فأحضره برقوق وضربه وشهّره (١). [وفاء النيل] وفي عاشره وفاء النيل، وركب الأتابك برقوق إليه فخلّق المقياس، وفتح الخليج بحضوره (٢). [الريح العاصف بدمشق] وفيه هبّت بدمشق ريح عاصفة جدّا / ٢٥٤ / هال الناس أمرها، ووقع بسببها الكثير من الأشجار اقتلعت من الأرض (٣). [خروج عساكر الشام لقتال ابن دلغادر] وقدم الخبر بخروج العساكر الشامية بأجمعها لقتال خليل بن قراجا بن دلغادر (٤). وفتنة بني دلغادر فتنة قبيحة من تلك الأيام وهلمّ جرّا. وما ستقف عليه بعد هذا، لا سيما بعد سنيّ ثمان ماية ترى فيه العجب. [الخلاف بين القضاة] وفيه عقد مجلس عند الأتابك برقوق بسبب وقف حضره القضاة الأربع (٥) ومشايخ العلم، فوقع كلام بين ابن (٦) جماعة الشافعي، والبساطي المالكي، فتغيّظ ابن (٧) جماعة، ونهر البساطيّ، فعزله برقوق، وجعل تعيين القاضي المالكي إلى ابن (٨) جماعة، فعيّن الجمال عبد الرحمن بن خير وقرّر في القضاء (٩).

стр. 597

[كسرة ابن دلغادر] وفيه ورد الخبر بكسرة ابن (١) دلغادر من العساكر الشامية وتملّك مرعش منه (٢). [جمادى الآخر] [وفاة الأمير أحمد بن حسين] [٦١٤]- وفي جماد الآخر، في عاشره مات الأمير (إبراهيم بن) (٣) حسين بن محمد بن قلاوون (٤). وكان خيّرا، ديّنا، وذكر للسلطنة مرة وما تمّ ذلك. [القبض على ابن المقسي] وفي خامس عشره قبض على العلم بن المقسي واحتيط بموجوده (٥). [ظلم ابن مكانس] وفي هذا الشهر كثر ظلم ابن مكانس، والدعاء عليه، وشنّعت العامّة (٦) في حقّه (٧). [وفاة الشهاب الأذرعيّ] [٦١٥]- وفيه مات الشهاب الأذرعيّ (٨)، الشيخ، الإمام، العالم، العلاّمة،

стр. 598

الفقيه، أحمد بن حمدان بن أحمد (١) بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد بن أحمد بن سالم بن داود بن يوسف الحلبيّ، الشافعيّ. صاحب «الغوث» (٢) وهو كتاب جليل فيه فقه كثير. وأصله من أذرعات. وتفقّه بدمشق وشهر وبرع، وأقبل على الإشغال والتصنيف والفتوى، وكان عنده كتبا (٣) جمّة لم يجمع لغيره في عصرنا. ورحل إلى حلب فأقام بها. وانتهت إليه رئاسة مذهبه بها. وله شعر. ومولده سنة تسع وسبعماية. [وصول رسل ابن أويس] وفيه قدمت رسل السلطان جمال الدين الملك المعزّ حسين بن أويس صاحب أذربيجان وبغداد، وكبيرهم قاضي قضاة تبريز الشيخ علاء الدين علي بن عبد الله بن سليمان العتائقي (٤) الأسدي، الشافعي، والوزير شرف الدين عطاء بن حسين الواسطي، في آخرين، فأنزلوا وأكرموا، وهرع إليهم الأعيان، وكانوا في تجمّل زايد. ثم أحضروا الأتابك برقوق فخلع عليهم بعد ما مدّ لهم سماطا حافلا أوقف عليه مقدّم المماليك، ولم يتقدّم برقوق أمير لفعل ذلك، أحدث من نوادره (٥). [إيقاع جيش الحبشة بالمسلمين في معاملة أسوان] وفيه ورد الخبر بأنّ الحطّي (٦) أحمد (٧) بن السيف أرعد ملك الحبشة بعث بجيش إلى أطراف مقابلة (٨) أسوان فأوقعوا / ٢٥٥ / بمن هناك، ونال أهل الإسلام منهم عناء (٩) كبير، فأمر الأتابك برقوق البطرك متّى (١٠) بن سمعان اليعقوبي بأن يكتب لملك الحبشة بالكفّ عن ذلك، فأجاب بعد تمنّع زائد. وكتب إليه السلطان بالإنكار عليه وتهديده، وبعث له رسولا بهدية (١١). [وفاة أقتمر عبد الغني] [٦١٦]- ومات في تاسع عشرينه أقتمر عبد الغني (١٢)، وكان من أجلّ الأمراء،

стр. 599

تنقّل في عدّة ولايات، منها نيابة طرابلس، والشام، ونيابة السلطنة بمصر. ثم مقدّم ألف بمصر، وحاجب، وغير ذلك من الولايات. وكان متواضعا، ليّنا، سليم الباطن، يرجع إلى خير. [رجب] [استمرار ابن جماعة بالقضاء] وفي رجب في ثانيه خلع على العزّ بن جماعة باستمراره على قضائه. وكان قد تغيّظ حتى طلب منه مال من الأوقاف فجهّز به رسول إلى صاحب الحبشة، وامتنع من الخلع حتى استرضي (١). [إزالة الأتربة من الشوارع] وفيه قام مأمور الحاجب بقطع ما على الطرقات بالشوارع ونحوها، فقطعت بالمساحي، ورميت بالكيمان (٢). [زيادة النيل] وفيه بلغت زيادة النيل إلى تسعة عشر ذراعا واثنتي عشر إصبعا، وغرقت فيه عدّة بساتين (٣). [دورة المحمل] وفيه دار المحمل وتجهّز حجّاج كثيرون رجبيّة، وخرجوا بعد ذلك في أواخره (٤). [وفاة ركن الدين القرشي] [٦١٧]- وفيه مات العلاّمة، الشيخ ركن الدين القرشيّ (٥)، أحمد بن

стр. 600

محمد (١) بن عبد المؤمن الحنفيّ، شارح «البخاريّ»، ويعرف بقاضي القرم أيضا. ولّي قضاء القرم نحوا من ثلاثين سنة، ثم قدم القاهرة وقطنها، وكان عالما مفنّنا، واسع الفضيلة، عارفا بالفنون. وولّي إفتاء دار العدل، وتصدّر بالأزهر وغيره، ونفع الناس. وشرحه حافل على «البخاري». [نيابة حماه] وفيه نفي مأمور حاجب الحجّاب إلى الشام، ثم قرّر في نيابة حماه عوضا عن طشتمر بعد موته، وقرّر في الحجوبية تغري برمش (٢). [سفر رسل بغداد] وفيه سافر رسل بغداد بعد ما خلع عليهم (٣). [وفاة قاضي حلب] [٦١٨]- وفيه مات قاضي حلب الشافعيّ، الكمال بن المعرّيّ (٤) عمر بن عثمان بن هبة الله. [وفاة الإسعردي تاجر المماليك] [٦١٩]- والخواجا تاجر المماليك، فخر الدين، عثمان بن محمد بن أيوب بن مسافر الإسعرديّ (٥)، جالب الأتابك برقوق، ثم والده، وغيرهما من المماليك. وكان معظّما في الدول سيما في دولة برقوق جدّه. وسعى في إبطال مكس الرمّان من دمشق، وأجيب إلى ذلك. وكان له جاه عريض وصيت، وله قيسارية / ٢٥٦ / بدمشق حسنة. وأسف عليه برقوق في موته، وحضر الصلاة عليه. وإليه ينسب برقوق العثمانيّ.
следующие страницы →