خصوص العين فليس واجبًا ولا مأمورًا به، وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق؛ بمنزلة الطريق إلى مكة، ولا قصد للآمر في خصوص التعيين) (١).
إذا عُلمت هذه القاعدة، وهي أن الأمر المطلق لا يتحقق إلا بتحصيل المعين فإن هنالك قاعدة أخرى مبنية عليها، وهي أن إطلاق الأمر لا يدل على تخصيص ذلك المعين بكونه مشروعًا أو مأمورًا به، بل يُرجع في ذلك إلى الأدلة؛ فإن كان في الأدلة ما يكره تخصيص ذلك المعين كُره، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه (٢).
وقد عبَّر ابن تيمية عن القاعدة الأخيرة بقوله: (شرع الله ورسوله ﷺ للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد) (٣).
ثم بين ﵀ أن هذه القاعدة إذا جُمعت نظائرها نفعت، وتميز بها ما هو من البدع من العبادات التي يشرع جنسها (٤).
стр. 107
مثال ذلك: أن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشرع بوقت دون وقت، ولا حدَّ فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء، فإذا خص المكلَّف يومًا بعينه من الأسبوع كيوم الأربعاء، أو أيامًا من الشهر بأعيانها كالسابع والثامن لا من جهة ما عينه الشارع فلا شك أن هذا التخصيص رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة؛ إذ هي تشريع بغير مستند (١).
(ومن ذلك: تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصًا، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذ من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك) (٢).
إذا عُلمت هاتان القاعدتان فالواجب - كما سبق - إتباع الشارع في إطلاقه وتعيينه.
ذلك أن الشارع إذا أطلق الأمر بعبادة من العبادات فينبغي أن يفهم من هذا الإطلاق: التوسعة، ولهذا فإن من خصص عبادة مطلقة بوقت
стр. 108
معين أو بمكان معين فقد قيَّد ما أطلقه الشارع، وهذا التقييد مخالفة واضحة لمعنى التوسعة المستفاد من أمر الشارع المطلق.
قال أبو شامة: (ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضَّله الشرع وخصَّه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك؛ اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة ... دون غيرها، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان) (١).
وقد بيَّن ابن تيمية المفسدة المترتبة على مثل هذا التخصيص فقال: (... من أحدث عملاً في يوم؛ كإحداث صوم أول خميس من رجب ... ... فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب.
وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب استحبابًا زائدًا على الخميس الذي قبله وبعده مثلاً ... ... إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة؛ فإن الترجيح من غير مرجع ممتنع) (٢).
стр. 109
من هنا يُعلم أن هذا التخصيص يسوغ متى خلا من هذه المفسدة، وذلك بأن يستند التخصيص إلى سبب معقول يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط، كتخصيص يوم الخميس لصلاة الاستسقاء لكونه يومًا يفرغ الناس فيه من أعمالهم، فهو أيسر لاجتماع الناس، وكقصر المرء نفسه على ورد محدد من العبادة يلتزمه في أوقات مخصوصة، كل ليلة أو كل أسبوع، لكون ذلك أدعى لديمومة العمل وأقرب إلى الرفق، فمثل هذا التخصيص موافق لمقصد الشارع.
أما إذا صار التخصيص ذريعة إلى أن يعتقد فيه ما ليس مشروعًا فيمنع منه لأمرين:
أولاً: لأجل الذريعة، وثانيًا: لكونه مخالفًا لمعنى التوسعة.
قال الشاطبي: (ثم إذا فهمنا التوسعة فلابد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون العمل بحيث لا يوهم التخصيص زمانًا دون غيره، أو مكانًا دون غيره، أو كيفية دون غيرها، أو يوهم انتقال الحكم من الاستحباب - مثلاً - إلى السنة أو الفرض) (١).
وبهذا يتبين أن تخصيص العبادة المطلقة يسوغ بشرطين:
الأول: ألا يكون في هذا التخصيص مخالفة لمقصود الشارع في التوسعة والإطلاق.
стр. 110
والثاني: ألا يوهم هذا التخصيص أنه مقصود شرعًا.
وسيأتي الكلام مفصلاً على هذا الإيهام في القاعدة التاسعة عشرة.
وفي هذا المقام تنبيهات:
١ - أن في تخصيص العبادة المطلقة مخالفة لإطلاق الدليل وعمومه.
٢ - أن في هذا التخصيص فتحًا للذرائع حيث يوهم ما ليس مشروعًا.
٣ - أن في هذا التخصيص معارضة لسنة الترك، وذلك من جهة دلالة السنة التركية على المنع من هذا التخصيص، وقد سبق في القاعدة الرابعة التنبيه على أن سنة الترك دليل خاص مقدم على الأدلة العامة المطلقة.
٤ - أن في هذا التخصيص مخالفة لعمل السلف الصالح حيث كانوا يتركون السنة لئلا يعتقد أنها فريضة كما سبق نقل ذلك عنهم في الأصل الثالث، وهو الذرائع المفضية إلى البدعة.
٥ - أن في هذه القاعدة ردًا على الذين يتمسكون في الأخذ ببعض البدع بعمومات الأدلة وإطلاقتها.
٦ - وبذلك يظهر أن هذه القاعدة خاصة بالبدع الإضافية، التي لها متعلق بالدليل العام من جهة، لكنها مخالفة لمعنى التوسعة - المستفاد من العموم - من جهة أخرى.
стр. 111
٧ - وبذلك أيضًا يُعلم أن الابتداع الواقع من جهة هذه القاعدة دقيق المأخذ، يندر التفطن له.
قال ابن تيمية: (واعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم يدركون بعض ما فيه من الفساد) (١).
القاعدة العاشرة (١٠)
الغلو في العبادة بالزيادة فيها على القدر المشروع والتشدد والتنطع في الإتيان بها بدعة (٢).
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - التقرب إلى الله بقيام الليل كله وترك النوم، وبصوم الدهر كله، وباعتزال النساء وترك الزواج. وقد ورد هذا في قصة الرهط الثلاثة كما سيأتي قريبًا.
٢ - رمي الجمار بالحجارة الكبار بناءً على أنه أبلغ من الحصى الصغار (٣).
стр. 112
٣ - الوسوسة في الوضوء والغسل وتنظيف الثياب بالزيادة والإسراف، وصب الماء على المحل غير المشروع، والتنطع في ذلك والتعمق والتشديد (١).
توضيح القاعدة: الأصل في هذه القاعدة: قصة الرهط الثلاثة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فأُصلِّي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).
وقد دل هذا الحديث على أن الغلو في الدين يقع في بابين (٣):
стр. 113
١ - في باب العبادات، ويكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب، كصيام الدهر.
٢ - في الطيبات، ويكون باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه، كترك النكاح.
ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أن الغلو والتشديد في الدين سبيل النصارى، وسبب ضلالهم، (وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾) (١).
* * *
стр. 114
الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين
ويندرج تحت هذا الأصل ثمان قواعد كلية.
بيان ذلك:
أن الانقياد والخضوع لدين الله يحصل بالتسليم التام لهذا الدين في أصوله فمخالفته تحصل بإحداث أصول واعتقادات؛ إما لكونها معارضة لنصوص الوحي، أو لكونها غير مأثورة في هذه النصوص، ويلحق بذلك: أن تجعل أصول هذا الدين محل جدل وخصومة مما يفضي - في الغالب - إلى الاعتراض عليها، فهذه ثلاث قواعد كلية تتعلق بأصول الدين.
وأما التسليم التام لهذا الدين في أحكامه فمخالفته تحصل بإحداث أحكام وشرائع إما لكونها تغيرًا وتبديلاً لبعض شرائع الدين المقررة، وإما لكونها زيادة واستدراكًا على أحكام الله وشرعه بحيث يُفرض على الناس إتباعها والالتزام بها، فهاتان قاعدتان كليتان تتعلقان بأحكام هذا الدين، فتحصل مما سبق خمس قواعد كلية.
ومن مقتضيات التسليم التام لهذا الدين ترك مشابهة أعدائه الكافرين، ومخالفة هذا المقتضى تحصل بمشابهتهم؛ إما في خصائصهم العبادية والعادية، وإما في غير خصائصهم من المحدثات التي استحدثوها، ويلحق بمشابهة الكافرين الإتيان بشي من أعمال الجاهلية، فهذه ثلاث قواعد كلية.
وإليك فيما يأتي بيان هذه القواعد:
стр. 115
القاعدة الحادية عشرة (١١)
كل ما كان من الاعتقادات والآراء والعلوم معارضًا لنصوص الكتاب والسنة، أو مخالفًا لإجماع سلف الأمة فهو بدعة (١).
ومما يدخل تحت هذه القاعدة الصور الثلاث الآتية:
الصورة الأولى: اتخاذ الرأي أصلاً مُحْكمًا وجعله مقطوعًا به، وعرْض النصوص السمعية على هذا الأصل، فما وافقه قُبل، وما خالفه رُدَّ. وهذا متضمن إما للتفويض أو للتأويل أو للتعطيل.
قال ابن تيمية: (فأما معارضة القرآن بمعقول أو قياس فهذا لم يكن يستحله أحد من السلف.
وإنما اُبْتُدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم على ما سموه معقولاً وردوا القرآن إليه، وقالوا: إذا تعارض العقل والشرع إما أن يفوض أو يتأول، فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطان أتاهم) (٢).
стр. 116
وقال ابن أبي العز: (بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته وما ظنه معقولاً، فما وافقه قال: إنه محكم، وقبله واحتج به، وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم ردّه، وسمى ردَّه تفويضًا، أو حرَّفه، وسمى تحريفه تأويلاً، فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم) (١).
والرأي المعارض للنصوص يكون تارة في مسائل الاعتقاد وأصول الدين، ويكون تارة أخرى في أصول الفقه وقواعده وفروعه.
فمن النوع الأول:
البدع المحدثة في الاعتقاد كرأي جهم وغيره من أهل الكلام؛ لأنهم قوم استعملوا قياساتهم وآراءهم في رد النصوص (٢).
قال الذهبي (٣): (فأول ذلك بدعة الخوارج حتى قال أولهم للنبي ﷺ : (اعدل). (٤).
فهؤلاء يصرحون بمخالفة السنة المتواترة ويقفون مع الكتاب فلا يرجمون الزاني ولا يعتبرون النصاب في السرقة، فبدعتهم تخالف السنة المتواترة).
стр. 117
وقال: (ثم ظهر في حدود السبعين بدعة القدر؛ كذبوا بالعلم أو بالمشيئة العامة، وذلك مخالف للكتاب والسنة).
وقال: (ثم وجدت بدعة الجهمية والكلام في الله فأنكروا الكلام والمحبة وأن يكون كلَّم موسى أو اتخذ إبراهيم خليلاً أو أنه على العرش استوى، وذلك مخالفة للنصوص).
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا:
أن بعض الطوائف يردون الأحاديث (التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدَّعون أنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل؛ فيجب ردها: كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله في الآخرة.
وكذلك حديث الذباب وقتله، وأنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النبي ﷺ بسقيه العسل، وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول) (١).
ومن النوع الثاني:
القواعد والضوابط المحدثة في الفقه وأصوله المتضمنة رد نصوص الوحي إليها.
стр. 118
ومن الأمثلة على ذلك:
أ - القول بالتحسين والتقبيح العقليين (١).
ب - الاقتصار على كتاب الله وإنكار العمل بالسنة مطلقًا (٢).
ج - القول بترك العمل بخبر الواحد (٣).
د - ما ذكره الشاطبي، إذ قال: (وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم - وحاشاهم - وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامته.
كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذهب.
وربما ردوا فتاويهم وقبَّحوها في أسماع العامة؛ لينفِّروا الأمة عن إتباع السنة وأهلها) (٤).
هـ - ما ذكره ابن رجب، إذ يقول: (ومن ذلك - أعني محدثات العلوم - ما أحدثه فقهاء الرأي من ضوابط وقواعد عقلية ورد فروع الفقه إليها سواء أخالفت السنة أم وافقتها طردًا لتلك القواعد المقررة،
стр. 119
وإن كان أصلها مما تأولوه على نصوص الكتاب والسنة لكن بتأويلات يخالفهم غيرهم فيها) (١).
الصورة الثانية: الإفتاء في دين الله بغير علم.
قال الشاطبي: (فكل من اعتمد على تقليد قول غير محقق، أو رجح بغير معنى معتبر فقد خلع الربقة واستند إلى غير شرع عافانا الله من ذلك بفضله.
فهذه الطريقة في الفتيا من جملة البدع المحدثات في دين الله تعالى كما أن تحكيم العقل على الدين مطلقًا محدث) (٢).
وقال أيضًا: زيادة إلى القول بالرأي غير الجاري على العلم، وهو بدعة أو سبب إلى البدعة ...
وهو الذي بيَّنه النبي ﷺ بقوله: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (٣) وإنما ضلوا لأنهم أفتوا بالرأي، إذ ليس عندهم ... علم) (٤).
стр. 120
ويقرب من هذه الصورة:
الصورة الثالثة، وهي: استعمال الرأي في الوقائع قبل أن تنزل، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات؛ لأن في الاشتغال بهذا تعطيلاً وتركًا للسنن وذريعة إلى جهلها (١).
وفي ذلك يقول الشاعر (٢):
قد نقرَّ الناس حتى أحدثوا بدعًا
في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل
حتى استخف بدين الله أكثرهم
وفي الذي حُمِّلوا من دينه شغل
توضيح القاعدة:
هذه القاعدة خاصة بالاعتقادات والآراء والعلوم التي أُحدثت في دين الإسلام من جهة أهله الذين ينتسبون إليه، فلا يدخل تحت هذه القاعدة - بهذا النظر - اعتقادات الملاحدة والكافرين وآراؤهم وعلومهم وإن كانت معارضة لدين الإسلام.
стр. 121
وبيان هذه القاعدة مرتبط بمعرفة أصل عظيم من أصول هذا الدين ألا وهو وجوب التسليم التام للوحي وعدم الاعتراض عليه.
قال ابن تيمية: (... فلهذا كانت الحجة الواجبة الإتباع: الكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الإتباع، لا يجوز تركه بحال ... وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه) (١).
والمعارضة لما جاء به الوحي تشمل: معارضته بالآراء والمعتقدات، وبالأقوال وبالأعمال.
وهذه القاعدة متعلقة ببيان معارضة الوحي بالاعتقادات والآراء والأقوال، أما ما يتعلق بمعارضته بالأعمال فسيأتي بيانه في القاعدتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة.
وإليك فيما يأتي كلام بعض أهل العلم في تقرير هذه القاعدة:
قال الشافعي: (والبدعة: ما خالف كتابًا أو سنة أو أثرًا عن بعض أصحاب ... الرسول ﷺ ) (٢).
وقال ابن تيمية: (وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين) (٣).
وقال الشاطبي: (والرأي إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة) (٤).
стр. 122
القاعدة الثانية عشر (١٢)
ما لم يرد في الكتاب والسنة ولم يؤثر عن الصحابة ﵃ والتابعين من الاعتقادات فهو بدعة (١).
ومما يدخل تحت هذه القاعدة ما يأتي:
١ - علم الكلام (٢).
فقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن أهل الكلام مبتدعة فقال:
(أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم) (٣).
стр. 123
وإليك فيما يأتي شذرات من أقوال السلف تقرر ذلك:
قال مالك: (لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل) (١).
وقال أحمد: (وكل من أحدث كلامًا لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة؛ لأن الكلام لا يدعو إلى خير) (٢).
وقال البربهاري: (وما كانت قط زندقة ولا بدعة ولا هوى ولا ضلالة إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس.
وهي أبواب البدع والشكوك والزندقة) (٣).
وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إن فلانًا صنَّف كتابًا يرد فيه على المبتدعة. قال: بأي شيء؟ بالكتاب والسنة؟ قال: لا. لكن بعلم المعقول والنظر. فقال: أخطأ السنة، وردَّ بدعة ببدعة) (٤).
وعلم الكلام يشمل المسائل والدلائل، والابتداع حاصل فيهما.
قال ابن أبي العز: (وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع) (٥).
стр. 124
أ. فمن المسائل المبتدعة: القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر (١).
ب. ومن الدلائل المبتدعة: الاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات ... الصانع (٢).
٢ - الطرق الصوفية.
ذلك أن الصوفية (في كثير من الأمور يستحسنون أشياء لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عمل بأمثالها السلف الصالح، فيعملون بمقتضاها، ويثابرون عليها، ويُحَكِّمونها طريقًا لهم مهيعًا، وسنة لا تخلف، بل ربما أوجبوها في بعض الأحوال) (٣).
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الشاطبي حيث يقول:
ومن ذلك: أشياء ألزموها المريد حالة السماع، من طرح الخرق، وإن من حق المريد ألا يرجع في شيء خرج منه البتة، إلا أن يشير عليه الشيخ بالرجوع فيه، فليأخذه على نية العارية بقلبه، ثم يخرج عنه بعد ذلك من غير أن يوحش قلب الشيخ، إلى أشياء اخترعوها في ذلك لم يعهد مثلها في الزمان الأول) (٤).
стр. 125
قال ابن رجب: (ومما أحدث من العلوم: الكلام في العلوم الباطنة من المعارف وأعمال القلوب وتوابع ذلك بمجرد الرأي والذوق أو الكشف، وفيه خطر عظيم. وقد أنكره أعيان الأئمة كالإمام أحمد وغيره) (١).
٣ - التعرض للألفاظ المجملة بالإثبات أو النفي بإطلاق. كلفظ (الجهة) و (الجسم) و (العرض).
وقال ابن تيمية: (فلم ينطق أحد منهم [أي السلف] في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلاً ... بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة) (٢).
أما طريقة السلف في التعامل مع الألفاظ المجملة فقد بيَّنها ابن أبي العز بقوله: (والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في الإثبات والنفي: فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني).
وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى
стр. 126
يُنظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحًا قُبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد.
والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطَب بها ونحو ... ذلك) (١).
وبهذا يعلم أن من (السنة اللازمة: السكوتَ عما لم يرد فيه نص عن الله ورسوله أو يتفق عليه المسلمون على إطلاقه، وترْكَ التعرض لها بنفي أو إثبات، فكما لا يُثبت إلا بنص شرعي فكذلك لا يُنفى إلا بدليل سمعي) (٢).
توضيح القاعدة:
هذه القاعدة خاصة بأمور العقيدة التي لم يرد ذكر لها في نصوص الكتاب والسنة، واتفق الصحابة والتابعون على ترك الكلام عليها.
وهي صنو القاعدتين: الثالثة والرابعة الخاصتين بالعبادات التي لم ينقل فعلها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة أو التابعين.
стр. 127
ولهذه القاعدة أهمية بالغة في إبطال البدع والرد على أهلها، حيث اعتمد أئمة السلف - كثيرًا - على هذه القاعدة في مناظراتهم للمبتدعة والرد عليهم.
فمن ذلك: أن الإمام الشافعي قال لبشر المريسي: (أخبرني عما تدعو إليه؟ أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال) فقال بشر: (لا إنه لا يسعنا خلافه) فقال الشافعي: (أقررت بنفسك على الخطأ. . .) (١).
وقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: (خبِّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله ﷺ ) قال: (لا ...) قال: (ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه؛ فإن قلتَ علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلتَ: جهلوه وعلمتَه أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون ﵃ شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك) (٢).
وإليك فيما يأتي ما يقرر هذه القاعدة من كلام أهل العلم:
١ - قال سعيد بن جبير: (ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين) (٣).
стр. 128
٢ - قال مالك بن أنس: (إياكم والبدع، فقيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان) (١).
٣ - قال الشافعي: (كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس له فيه إمام متقدم من النبي ﷺ وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا) (٢).
٤ - قال بعض السلف: (ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء، وما سكت عنه السلف فالكلام فيه بدعة) (٣).
٥ - قال البربهاري: (واعلم أن الناس لو وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلامًا مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه لم تكن بدعة) (٤).
стр. 129
القاعدة الثالثة عشرة (١٣)
الخصومة والجدال والمراء في الدين بدعة.
ومما يدخل تحت هذه القاعدة ما يأتي:
١ - السؤال عن المتشابهات.
ومن الأمثلة على ذلك:
قصة صبيغ الذي كان يسأل عن المتشابهات، فلما بلغ عمر ﵁ ذلك أمر به فضُرب ضربًا شديدًا، وبَعث به إلى البصرة، وأمرهم ألا يجالسوه، فكان بها كالبعير الأجرب: لا يأتي مجلسًا إلا قالوا: (عزمة أمير المؤمنين) فتفرقوا عنه، حتى تاب وحلف بالله ما بقي يجد مما كان في نفسه شيئًا، فأذن عمر في مجالسته، فلما خرجت الخوارج أُتي، فقيل له: هذا وقتك. فقال: لا، نفعتني موعظة العبد الصالح (١).
ومن ذلك أيضًا: ما ورد عن الإمام مالك لما جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟
فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول،
стр. 130
والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ فإني أخاف أن تكون ضالاً وأمر به فأُخرج. (١).
قال ابن تيمية: (لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه) (٢).
وقال أيضًا: (هذا الجواب من مالك ﵀ في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات، مثل نزول والمجيء واليد والوجه وغيرها) (٣).
ومعلوم أن أسماء الله وصفاته وأفعاله من جهة كيفيتها من المتشابه الذي يجب الإيمان به والكف عن الخوض فيه، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾.
٢ - امتحان المسلمين بما ليس في الكتاب والسنة من المسائل والآراء.
стр. 131
قال البربهاري: (والمحنة في الإسلام بدعة، وأما اليوم فيمتحن بالسنة لقوله: إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم) (١).
ومن الأمثلة على ذلك:
ما أشار إليه ابن تيمية بقوله: (فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية، وامتحان المسلمين به؛ فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة.
فإنه بسبب ذلك اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة، وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل، وهو خطأ بيِّن) (٢).
٣ - التعصب والانتساب الذي يفرِّق الأمة، وعقْد المولاة والمعاداة على هذه النسبة.
قال ابن تيمية: (ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة؛ بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرِّقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون) (٣).
(وكذلك التفريق بين الأمة، وامتحانُها بما لم يأمر الله به ولا رسوله؛ مثل أن يقال للرجل: أنت شكيلي أو قرفندي) فإن
стр. 132
هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا في الآثار المعروفة عن سلف الأئمة: لا شكيل ولا قرفندي.
والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك أن يقول: لا أنا شكيلي ولا قرفندي، بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله.
وقد روينا عن معاوية بن أبي سفيان: أنه سأل عبد الله بن عباس ﵄ فقال: أنت على ملة علي أو ملة عثمان؟
فقال: لست على ملة علي، ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله ﷺ (١).
وكذلك كان كل من السلف يقولون: كل هذه الأهواء في النار.
ويقول أحدهم: ما أبالي أي النعمتين أعظم؟ على أن هداني الله للإسلام، أو أن جنبني هذه الأهواء.
والله تعالى قد سمَّنا في القرآن: المسلمين، المؤمنين، عباد الله، فلا نعدل عن هذه الأسماء التي سمّانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم - وسموها هم وآباؤهم - ما أنزل الله بها من ... سلطان) (٢).
стр. 133
٤ - رمي واحد من المسلمين بالكفر أو البدعة دون بيّنة.
قال ابن بطة: (والشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والولاية بدعة.
والشهادة: أن يشهد لأحد ممن لم يأت فيه خبر أنه من أهل الجنة أو النار.
والولاية: أن يتولى قومًا ويتبرأ من آخرين.
والبراءة: أن يبرأ من قوم هم على دين الإسلام والسنة) (١).
وقد مثَّل لذلك ابن تيمية فقال:
(وأول من ضل في ذلك هم الخوارج المارقون، حيث حَكَموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنته، وأنَّ عليًا ومعاوية والعسكريين هم أهل المعصية والبدعة، فاستحلوا ما استحلوه من المسلمين) (٢).
توضيح القاعدة: هذه القاعدة خاصة بالجدال في باب العقيدة وأصول الدين، وبذلك يخرج الجدال في باب الفقه والأحكام الفرعية.
стр. 134
والفرق بين هذين البابين يوضحه الشافعي بقوله:
(إياكم والنظر في الكلام؛ فإن رجلاً لو سُئل عن مسألة في الفقه فأخطأ فيها، أو سُئل عن رجل قتل رجلاً فقال: ديته بيضة؛ كان أكثر شيء أن يُضحك منه، ولو سُئل عن مسألة في الكلام فأخطأ فيه نُسب إلى البدعة) (١).
وبهذا يعلم أن الجدال في أصول الدين إذا لم يكن في ذاته بدعة فهو مفض إليها.
قال بعض السلف: (إذا جلس الرجلان يختصمان في الدين فليعلما أنهما في أمر بدعة حتى يفترقا) (٢).
وقال بعض الأئمة: (والسنة إنما هي التصديق لآثار رسول الله ﷺ وترك معارضتها بكيف؟ ولِمَ؟
والكلام والخصومات في الدين والجدال محدث، وهو يوقع الشك في القلوب ويمنع من معرفة الحق والصواب) (٣).
стр. 135
القاعدة الرابعة عشرة (١٤)
إلزام الناس بفعل شيء من العادات والمعاملات، وجعْل ذلك كالشرع الذي لا يُخالف، والدين الذي لا يُعارض بدعة (١).
ومن الأمثلة على ذلك:
ما ذكره الشاطبي من وضْع المكوس في معاملات الناس، كالدِّين الموضوع والأمر المحتوم عليهم، دائمًا أو في أوقات محدودة، على كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة، ويؤخذون به، وتوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذ زكاة المواشي والحرث، وما أشبه ذلك (٢).
ومن ذلك أيضًا قول الشاطبي: (وكذلك تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها بطريق التوريث، فإنَّ جعْل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيًا في الدين، ومعمولاً بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين.
وكون ذلك يتخذ ديدنًا حتى يصير الابن مستحقًا لرتبة الأب - وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب - بطريق الوراثة أو غير ذلك،
стр. 136
بحيث يشيع هذا العمل ويطرد، ويرِدُه الناس كالشرع الذي لا يُخالف بدعة بلا إشكال) (١).
توضيح القاعدة: هذه القاعدة خاصة بالعادات والمعاملات، فإن الابتداع ها هنا يقع فيها من جهة الخروج على نظام الدين يجعل هذه العادات أو المعاملات فرضًا محتومًا على الناس؛ بمثابة فرائض الدين وعزائم الشرع.
ولا يدخل تحت هذه القاعدة ما إذا كان الإلزام جاريًا على سبب معقول ومفضيًا إلى مصلحة معتبرة، فهذا يندرج تحت باب المصالح المرسلة، وهو باب لا يقع فيه الابتداع كما تقدم (٢).
ومن الأمثلة على المصالح المرسلة: وضع اللوائح التننظيمية، والتراتيب الإدارية التي تحقق المصالح العامة للأمة وفق مقاصد الشريعة.
أما الإلزام الذي يجري فيه الابتداع فهو المناقض لمقاصد الشريعة، الخارج على نظام الدين، وإنما يُصار إليه بسبب التفريط في الأخذ بشرع الله.
قال ابن تيمية: (وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعًا من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛
стр. 137
لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم) (١).
القاعدة الخامسة عشرة (١٥)
الخروج على الأوضاع الدينية الثابتة، وتغيير الحدود الشرعية المقدَّرة بدعة (٢).
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما ذكره ابن رجب بقوله: (وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما؛ فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية، كجعل حد الزنا عقوبة مالية، وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله، لا ينتقل به الملك لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام.
стр. 138
ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فقال النبي ﷺ : «المئة شاة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلدة مئة وتغريب عام» (١).
٢ - الحيل الباطلة التي يحصل بها تحليل المحرمات أو إسقاط الواجبات، وذلك كاستحلال الربا ببيع العينة، ورد المطلقة ثلاثًا لمن طلقها بنكاح التحليل، وإسقاط فرض الزكاة بالهبة المستعارة.
قال الشاطبي: (... مدخل البدعة ها هنا من باب الاحتيال الذي أجازه بعض الناس، فقد عدَّه العلماء من البدع المحدثات) (٢).
وقال الشيخ محمود شلتوت: (ومن ذلك إسقاط الصلاة؛ فإن أصحابها قاسوها على فدية الصوم التي ورد النص بها، ولم يقفوا عند هذا الحكم بالجواز، بل توسعوا فشرعوا لها من الحيل ما يجعلها صورة لا روح فيها، ولا أثر.
والابتداع هنا من أغرب أنواع الابتداع ...) (٣).
٣ - ويمكن أن يلحق بذلك: الحوادث التي أخبر ﷺ أنها تقع وتظهر وتنتشر، وهي تجامع البدع من جهة أن كلاً منهما مؤذن بتغيير معالم
стр. 139
الدين واندراسه، كقوله ﷺ : «إن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر» (١).
قال الشاطبي: (فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي ﷺ من أنها تقع وتظهر وتنتشر أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية) (٢).
توضيح القاعدة:
هذه القاعدة خاصة بأحكام الدين القاطعة كتحريم الزنا وشرب الخمر، وبالمقدَّرات الشرعية، فتشمل أنواع الجنايات والحدود، وأنصبة المواريث، ومقادير الكفارات والعدة، ونحو ذلك مما ورد في الشرع تحديده بقدر معين.
وإذا كان لهذه المقدَّرات جهتان: جهة عادية وجهة تعبدية؛ فإن الابتداع يقع فيها من جهة كونها تعبدية، لا من جهة كونها عادية معقولة المعنى.
وكون هذه المقدَّرات تعبدية معناه أن الشارع جعلها أحكامًا ثابتة لا تقبل التبدل ولا التغيُّر في كل زمان ومكان.
стр. 140
قال ابن القيم: (الأحكام نوعان:
نوع لا يتغير عن حالة واحدة، هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة.
كوجوب الواجباب وتحريم المحرمات، والحدود المقدَّرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وُضع عليه.
والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له: زمانًا ومكانًا وحالاً؛ كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوَّع فيها بحب المصلحة) (١).
القاعدة السادسة عشرة (١٦)
مشابهة الكافرين فيما كان من خصائصهم من عبادة أو عادة أو كليهما بدعة (٢).
ومن الأمثلة على ذلك (٣):
الامتناع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين تشبهًا بالكافرين.
стр. 141
ومن ذلك: موافقة الكافرين في أعيادهم ومواسمهم.
قال الذهبي: (أما مشابهة الذمة في الميلاد والخميس والنيروز فبدعة وحشة) (١).
توضيح القاعدة:
هذه القاعدة والتي تليها خاصتان بنوع معين من المحرمات، وهو مشابهة الكافرين.
ويدخل تحت هذه المشابهة أمران:
الأمر الأول: مشابهة الكافرين في خصائصهم دون ما أحدثوه، وبيان هذا في هذه القاعدة.
قال ابن تيمية: (وأصل آخر، وهو أن كل ما يشابهون فيه من عبادة أو عادة أو كليهما هو من المحدثات في هذه الأمة، ومن البدع؛ إذ الكلام فيما كان من خصائصهم ...
فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة والإجماع على قبح البدع وكراهتها: تحريمًا أو تنزيها؛ تندرج هذه المشابهات فيها؛ فيجتمع فيها: أنها بدع محدثة، وأنها مشابهة للكافرين، وكل واحد من الوصفين موجب للنهي (٢).
стр. 142
والأمر الثاني: مشابهة الكافرين فيما أحدثوه مما ليس في دينهم، وبيان هذا في القاعدة التالية لهذه القاعدة.
والابتداع يقع بمشابهة الكافرين من جهة كونه خروجًا على نظام الدين لأن التشبه بالكافرين أصل دروس الدين وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي، كما أن المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم أصل كل خير.
ولهذا عظم وقع البدع في الدين، وإن لم يكن فيها تشبه بالكفار فكيف إذا جمعت بين الوصفين! (١).
ومن هنا كانت مخالفة الكافرين أمرًا مقصودًا شرعًا؛ إذ المقصود من إرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة (٢).
يوضح ذلك أن اليهود عرفوا باستحلال المحرمات وارتكابها بالحيل الباطلة، كما أن النصارى عرفوا بالغلو والزيادة في الدين على الحد المشروع، وكلا هذين الأمرين بدعة أو ذريعة إلى البدعة.
ولهذا كان السلف يقولون: (إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى) (٣).
стр. 143
ومما لا يدخل تحت مشابهة الكافرين أمران (١):
أ - ما كان مشروعًا في الشريعتين، أو ما كان مشروعًا لنا وهم يفعلونه، كصوم عاشوراء أو أصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في صفة العمل وكيفيته.
ب - ما لا يتصور فيه اختصاصهم به مما تقتضيه طبيعة الحياة واستقامة المعاش من العادات والصناعات.
القاعدة السابعة عشرة (١٧)
مشابهة الكافرين فيما أحدثوه مما ليس في دينهم من العبادات أو العادات أو كليهما بدعة (٢).
ومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره الآجري، إذ قال: (أكثر هذه الأمة، والعام منها تجري أمورهم على سنن أهل الكتابين أو سنن كسرى وقيصر أو سنن الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم في العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية والأكل والشرب والولائم والمراكب والخدام والمجالس والبيع والشراء والمكاسب) (٣).
стр. 144
ومن ذلك: تقليد الكافرين فيما يسمى بالموضات والموديلات التي عمَّ بها البلاء في هذا العصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن ذلك أيضًا: موافقتهم في الاحتفال بالأعياد التي استحدثوها ولم تكن مشروعة في دينهم (١)، كعيد الأم ويوم الصحة.
تنبيه مهم: مشابهة الكافرين في شيء من أعيادهم ولو كان العيد موسما دنيويًا محضًا تندرج تحت مشابهتهم في أمور الدين؛ ذلك أن العيد يجتمع فيه أنه شريعة وشعيرة، عبادة وعادة في آن واحد.
قال ابن تيمية: (العيد المشروع يجمع عبادة، وهو ما فيه من صلاة أو ذكر أو صدقة أو نسك، ويجمع عادة، وهو ما يفعل فيه من التوسع في الطعام واللباس) (٢).
ويكفيك بيانًا لذلك أن تتأمل المفاسد المترتبة على مشابهة الكافرين عمومًا، ومشابهتهم في أعيادهم خصوصًا، وهذا ما سيأتي التنبيه عليه في خاتمة هذه القاعدة.
توضيح القاعدة:
هذه القاعدة تتعلق بمشابهة الكافرين في المحدثات التي أحدثوها، والابتداع في هذا النوع من المشابهة يحصل من جهتين: من جهة كونها محدثات بالنسبة للكافرين، ومن جهة كونها مشابهة.
стр. 145
قال ابن تيمية: (... فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحًا فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط، بل أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح، فهذا أصل) (١).
وبهذا يعلم أن مشابهة الكافرين فيما أحدثوه يُنهى عنها من ثلاث جهات: من جهة كونها محدثة في دينهم، ومن جهة كونها مشابهة، ومن جهة كونها محدثة في دين الإسلام.
تنبيهات حول مشابهة الكافرين:
التنبيه الأول: أن الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار قد دلت على أن التشبه بالكافرين في الجملة منهي عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع: إما إيجابًا وإما استحبابًا بحسب المواضع مع أن هناك أمورًا خصتها السنة بعينها بالنهي؛ كحلق اللحية وإعفاء الشارب.
التنبيه الثاني: أن مخالفة الكافرين من المقاصد الشرعية، ولذا فإن النهي عن مشابهة الكافرين يعم ما إذا قُصدت مشابهتهم أو لم تقصد.
ذلك أن مشابهة الكافرين - بقصد أو بدون قصد - تترتب عليها مفاسد اعتقادية وعملية. بيان ذلك في الآتي: