← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كالحركات. وظاهر هذا القول أنها ليست حروفاً للإعراب ولا إعراباً كما قال قطرب. وقال أبو علي وجماعة من أصحابه: هي حروف إعراب ودوال على الإعراب وكأن جمع بين قول/ الأخفش وسيبويه، فحكموا بأنها حروف إعراب وصورها المختلفة تغني عن تقدير الإعراب فهي لامات. والجمع لا يصح، لأن كونها دوال يقتضي كونها زائدة على مذهب الأخفش وكونها حرف إعراب يقتضي كونها غير زائدة " انتهى. فأما المذهب الأول فهو الذي اختاره المصنف أولاً وبدأ به، ونصره في الشرح ب"أن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلاً وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة، ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف لأن الحرف المختلف الهيئات صالح للدلالة، أصلا كان أو زائداً مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة، وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حدة لأنهما فرعان على الواحد وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سبق مثله في الآحاد أمن من الاستبعاد فلم يحد عن المعتاد" انتهى ما ذكره المصنف. وفيه مناقشات: الأولى: قوله: " ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلاً" وهذا لا يتم إلا على مذهب من يقول: الإعراب مقدر في الحروف أو فيما قبل الحروف أما على مذهب من يزعم أن هذه الحركات التي قبل هذه الحروف

стр. 177

هي الإعراب -وذلك على مذهب المازني أو ألربعي أو الأعلم - فليس الإعراب مقدراً فقد تساوت هذه المذاهب مع مذهبه في أن الإعراب ظاهر. المناقشة الثانية قوله: " ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف إلى آخر تعليله" نعم يمنع من ذلك لأن الحرف الأصلي لا يكون إعرابا لأن الإعراب زائد على أصول الكلمة أو ما نزل منزلة الأصل من زائد والفرض أن هذا الحرف أصل، فتدافعا. وقوله هذا يؤدي إلى مذهب ألجرمي لأن أصل هذه الحروف هو واو وقد ثبت في الرفع ولم ينقلب وانقلب في النصب والجر، وسيأتي فساده. والمناقشة الثالثة قوله: " وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه" بل عنه مندوحة، وسيأتي ذكر الخلاف في إعراب المثنى والمجموع وأن أكثر النحويين لا يقول إنهما معربان بالحروف. وقد رد أصحابنا هذا المذهب الذي اختاره المصنف وقالوا: هو فاسد لأمرين: أحدهما أن الواو قد ثبتت في هذه الأسماء قبل دخول العامل عليها، فلو كانت إعرابا لم يوجد فيها إلا بعد دخول العامل. وقد تنبه المصنف لهذا حين قال: " ونحوهما فوك وأخواته على الأصح" فقال في الشرح مرجحاً للأصح عنده: " إن من الأسماء السنة ما يعرض استعماله دون عامل، فيكون بالواو، كقولك: أبو جاد هوز، فلو كانت الواو من الأسماء قائمة مقام ضمة الإعراب لساوتها في التوقف على عامل، وفي عدم ذلك دليل على أن الأمر بخلاف ذلك" انتهى قوله. وهو منقود أيضاً لأن الضمة تساوي الواو، ولا

стр. 178

يتوقفان على عامل، حكي النحويون أن العرب إذا تلفظت بأسماء العدد لمجرد العدد، ولم تعن معدودًا، ولا دخل عليها عامل لا في اللفظ ولا في التقدير، أنها تكون مضمومةً/ لكن بشرط أن تعطف على غيرها، أو يعطف غيرها عليها، فيقولون لمجرد العدد بلا عامل: واحد واثنان وثلاثةً وأربعةً، كلها بالضم، فقد ساوت الضمة الواو في ذلك. والأمر الثاني في إفساد هذا المذهب هو أن الإعراب زائد على الكلمة، فيؤدي ذلك إلى بقاء فيك وذي مالٍ على حرف واحد، وهما معربان وصلًا وابتداء، وذلك لا يوجد إلا في شذوذ من الكلام، نحو ما حكي أبو بكر بن مقسم عن أبي العباس أحمد بن يحيى من قولهم: "شربت ما يا فتى"، يريدون: شرب ماء يا فتى. وأما بقاء الاسم المعرب على حرف واحد في الوصل دون الابتداء فيوجد في كلامهم، نحو قولك: "من أب لك" في لغةً من ينقل. وأما المذهب الثاني - وهو مذهب س - فهو الذي صححه المصنف، ورجحه بما سبق ذكره عنه، وبأن أصل الإعراب أن يكون بحركات ظاهرة أو مقدرةً، فإذا أمكن القدير على وجه يوجد معه النظير فلا عدول عنه، وقد أمكن ذلك. وإذا كان التقدير مرعيًا في المقصور والمحكي والمتبع في نحو: جاء الفتى، ومن زيدًا؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ووا غلام زيداه، مع عدم ظاهر تابع للمقدر، فهو عند وجوده ذلك أحق بالرعاية.

стр. 179

وأما المذهب الثالث فرده أصحابنا بان الإشباع بابه الشعر، نحو قوله في إشباع الواو: وأنني حيثما يثني الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنوا فانظروا وفي إشباع الألف: أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب وفي إشباع الياء: يحبك قلبي ما حييت، فإن أمت يحبك عظم في التراب تريب يريد: فأنظر، والعقرب، وترب. وهذه الحروف تكون في هذه الأسماء في فصيح الكلام. وأما المذهب الرابع فرده أصحابنا بأن النقل لا يكون إلا في الوقف

стр. 180

بشرط أن يكون الحرف المنقول إليه الحركة ساكنًا صحيحًا، والمنقول منه صحيحًا، نحو قوله: أنا ابن ماويةً إذ جد النقر يريد النقر. وهذه الأسماء ينطق بها هكذا في الوصل والوقف، وقد فات شرط النقل في الوقف أيضًا. وضعفه المصنف في الشرح بأنه يلزم فيه جعل حرف الإعراب غير آخر والتباس فتحة الإعراب بالفتحة الني تستحقها البنية. وأما المذهب الخامس فهو فاسد لأنه إما أن تكون الحروف لامات الكلمات ردت إليها حالة الإضافة، أو تكون زائدةً نشأت عن الحركات، فإن كانت زائدةً نشأت عن الحركات فهو المذهب الثالث، وقد تبين فساده. وإن كانت لامات الكلمات ردت إليها فيلزم من ذلك جعل الإعراب في عينات الكلمات أو في فاءاتها مع وجود اللامات التي هي حروف الإعراب، أو العينات التي هي محل الإعراب عند فقد اللامات، وذلك/ لا يجوز لأن الإعراب إنما يكون في آخر الكلمة لفظًا أو تقديرًا. وأما المذهب السادس فهو فاسد بما فسد به قول من قال: "الإعراب بالحروف". وأيضًا ففيه خروج عن النظير؛ إذ لا يوجد علامتا إعراب في معرب واحد.

стр. 181

وقال عبد الرحمن بن إسحاق: "معرب من مكانين محال عند البصريين؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان لجاز أن يجتمع فيه إعرابان مختلفان، فكما امتنع المختلفان امتنع المتفقان" انتهى كلامه. وإذا بنيت على هذا المذهب من أوى مثل أبوك لقلت: آياك، أو من وأى قلت: ووؤؤك، أو من هوى قلت: هايك. فإن جمعت قلت: ايوك وهيوك ووؤؤك، فيختلف في الأوليين المفرد والجمع، ويتفقان في وؤوك. وإذا ثنيت قلت: هذان آياك، ووؤياكز واختلف الكسائي والفراء في تثنية هايوك، فقال الكسائي: هوياك، وقال الفراء: هاياك. وأما المذهب السابع فرد بأنه يلزم فيه عدم النظير؛ إذ لم يوجد في الأسماء المفردة معتلة الآخر كانت أو صحيحةً ما إعرابه كذلك، وإذا أمكن حمل إعرابها على ما له نظير كان أولى. وبأن عامل الرفع لا يكون أحدث فيها شيئًا، ويكون عدم التأثير إذ ذاك علامةً للرفع، والعدم لا يكون علامة للإعراب. ولما أحسن ابن عصفور بهذا عدل في التثنيةً والجمع إلى قوله:

стр. 182

إن علامة الرفع فيهما بقاء اللفظ على حاله قبل دخوله ليأخذ ذلك ثبوتيًا لا عدميًا. وأما المذهب الثامن فرد كون أبيك وأخيك وحميك وهنيك معربة بالحروف بما رد به الأول. وأما المذهب التاسع - وهو أن بمدر أنها معربة بالحركات المقدرة في الحروف التي قبل حروف العلة - فرد بما زد به المذهب الخامس. وأما المذهب العاشر فهو ظاهر الفساد؛ إذ لا يكون حرف إعراب إلا ويكون فيه الإعراب إما ظاهرًا وإما مقدرًا. وقوله: وربما قيل "فا" دون إضافة صريحةً نصيًا. لا يجوز عند البصريين أن يفرد إلا بالميم لأنه لا يلحقه التنوين، إذ لو لحقه لحذف حرف المد واللين، فكان يكون على حرف واحد، ولا يجوز، وأما ما أنشد الكوفيون للعجاج من قوله: خالط من سلمى خياشيم وفا فتأوله ابن كيسان على أنه إنما جاز ذلك لأنه موضع لا يلحقه التنوين فحذف،: فحذف التنوين، ويقي مفردًا على حرفين، إذ الألف هي المنقلبة عن عين الكلمة، فلم يلزم من ذلك أن يبقى على حرف واحد. وذهب المصنف إلى أنه حذف المضاف، ونوي ثبوته، إذ أرادت خياشيمها وفاها، وهو قول أبي الحسن، فبقي على حاله مع المضاف إليه

стр. 183

المثبت. قال: "ومثله: وداهية من دواهي المنو ... ن، يرهبها الناس، لا فا لها أقحم اللام، وثنوى الإضافة، كقولهم: لا أبا لك" انتهى. وليس مثله لأن "خياشيم وفا"، لم يذكر بعدها ما يضاف إليه رأسًا، فهو مضاف إلى مفقود في اللفظ. وأما "لا فا لها" فليس ثم مضاف إليه محذوف. بل هو الضمير المتصل به لام الجر، وليس التقدير: لا فاها لها، فليس مثله. ويشعر قوله: وربما/ قيل بالتقليل، وهذا لم يسمع منه إلا هذا، وهو من ضرائر الشعر الذي حسنه الوزن وما قبله من عدم الإضافة، ولا يجوز مثل هذا في الكلام. وقوله: خلافًا لأبي علي زعم أبو علي الفارسي أن الميم لا تثبت حالة الإضافة إلا في الشعر. وسأل عيسى بن عمر ذا الرمة; هل تقولون: هذا فو؟ فقال: بل يقولون: قبح الله ذا فا. وهي عربيةً، فاستعملها في الإفراد من غير عوض.

стр. 184

قال المصنف في شرحه: "والصحيح أن ذلك جائز في النظم والنثر، وفي الحديث، الصحيح "لخلوف فم الصائم". وعلى مذهب أبي علي أصحابنا، قالوا: "وقد يعوضون في الضرورة من الواو ميمًا في حال الإضافة، نحو قوله: يصبح عطشان وفي البحر فمه ولذلك لم يجعل فم مفردًا من "فمه" لأن فما استعمل في الفصيح، وفمه لا يكون إلا في الضرورةً، وأيضًا فإن الإفراد قبل الإضافة، فلا يجعل الإفراد منها. قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأقبح من ذلك في الضرورةً أن تعوض الميم مشددة في حال الإضافة، نحو قوله: يا ليتها قد خرجت من فمه حتى يعود البحر في أسطمه انتهى. فجعل التشديد مع الإضافة من أقبح الضرورات، وليس التشديد كما زعم، بل تقدم لنا أن يعقوب واللحياني نقلا التشديد، وأن اللحياني نقل أنه جمع على أفمام، فعلى هذا التشديد لغة لا ضرورةً.

стр. 185

-[ص: وتنوب النون عن الضمة في فعل اتصل به ألف اثنين أو واو جمع أو ياء مخاطبة، مكسورة بعد الألف غالبًا، مفتوحةً بعد أختيها، وليست دليل الإعراب، خلاف للاخفش.]- ش: يشمل قوله ألف اثنين أن تكون الألف علامة نحو قولك: يقومان الزيدان، أو ضميرًا نحو: الزيدان يقومان. وكذلك قولك: يقومون الزيدون، والزيدون يقومون. وهذا الذي ذكرناه من تقسيم الألف والواو إلى علامة تثنية وجمع وإلى ضمير هو على المشهور، وسيأتي في باب المضمر ذكر الخلاف فيه إن شاء الله. ومثل المصنف في الشرح علامةً الجمع بقوله: "يتعاقبون فيكم ملائكةً بالليل وملائكةً بالنهار"، وردد ذلك في كتبه، فيقول: على لغة "يتعاقبون فيكم"، وهي اللغة التي يسميها النحاة لغة "أكلوني البراغيث" وما مثل به ليس على ما زعم؛ لأن الحديث، رواه مطولًا مجودًا البزار في

стр. 186

مسنده، فقال فيه: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكةً بالليل وملائكةً بالنهار" وفي آخره: "وتركناهم وهم يصلون" فاغفر لهم اللهم يوم الدين". فالواو في "يتعاقبون" ضمير يعود على الملائكة، وارتفع "ملائكةً" على أنه بدل من الواو. واختصر الحديث، مالك، وأصله هذا الحديث المطول المجود. وقوله: مكسورةً بعد الألف الأصل في زيادة هذه النون للإعراب الكسون لأن الحركة زيادةً، فلا ينبغي أن تدعى إلا بدليل، وحركت لالتقاء الساكنين، وكانت الحركةً كسرةً على أصل التقاء الساكتين، أو حملًا على نون التثنية للشبه الذي بينهما. وقوله: غالبًا/ إشارةً إلى فتح بعض العرب إياها، كقراءةً من قرأ ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ بفتح النون. وقوله: مفتوحةً بعد أختيها يعني بعد الواو نحو تفعلون، وبعد الياء نحو تفعلين. وكانت مفتوحةً طلبًا للتخفيف، فلم يكررها على أصل التقاء الساكنين استثقالًا للجمع بين الواو والكرة، أو بين الياء والكرة، أو حملًا على نون الجمع؛ لأن الأفعال فرع عن الأسماء بدليل افتقارها إليها في التركيب، فكما فتحت في زيدون وزيدين فكذلك فتحت في تفعلون وتفعلين. وقوله: وليست دليل الإعراب، خلافًا للأخفش قال المصنف في

стр. 187

الشرح: "زعم الأخفش أن هذه النون ليست إعرابًا، وإنما هي دليل إعراب مقدر قبل ثلاثة الأحرف. قال: "وهو قول ضعيف لأن الإعراب مجتلب للدلالةً على ما يحدث بالعامل، والنون متصفةً بذلك، فادعاء إعراب غيرها مدلول عليه بها مردود لعدم الحاجة إليه والدلالة عليه. وهذا الذي حكاه المصنف عن الأخفش حكاه لنا صاحبنا أبو جعفر أحمد بن عبد النور المالقي صاحي كتاب "رصف المباني في حروف المعاني" عن أبي زيد السهيلي، قال: زعم أبو زيد السهيلي أن الإعراب مقدر في الأحرف التي قبل هذه الأحرف، كما هو مقدر في "غلامي"، وأن شغل تلك الحروف بالحركات المناسبة لهذه الحروف منعها من ظهور الإعراب في تلك الحروف، كما منع الإضافة إلى ياء المتكلم من ظهور الحركة في آخر المضاف لشغل الآخر بالحركةً التي تطلبها ياء المتكلم. قيل له: فما بال هذه النون تثبت في الرفع وتحذف في النصب والجزم؟ فقال ما معناه: إن هذه النون إنما لحقت هذه الأفعال لوقوعها موقع الأسماء، فهي من تمام دخول الرفع في المضاف لقيامه مقام الاسم، فكما قلت: إن زيدًا يقوم، فرفعته لحلوله محل قائم، فكذلك إذا قلت: إن الزيدين يقومان، لحقته هذه النون لحلوله محل قائمان، فإذا لم يحل محل الاسم لم تلحقه النون، فإذا قلت: لم يقوما، أو لن يقوما، لا يتقدر: لن قائمان، ولا:

стр. 188

لم قائمان، فلم تثبت النون لذلك، ولذلك إذا دخل الناصب والجازم في نحو لن يضرب ولم يضرب ذهب الرفع لأنه لا يحل محل الاسم. فعلى مذهبه تكون علامة الرفع في نحو يقومان ضمةً مقدرةً في الميم، وأما في النصب ففتحةً مقدرةً، وأما في الجزم فسكون الميم تقديرًا. وذهب الفارسي إلى أن هذه الأفعال معربةً، ولا حرف إعراب فيها، قال: "لأنه لا يكون حرف الإعراب فيها النون لسقوطها للعامل، وهي حرف صحيح، ولا يكون الضمير لأنه الفاعل، ولأنه ليس في آخر الكلمة، ولا ما قبل الضمائر من اللامات لملازمتها لحركة ما بعدها من الضمائر من ضم وفتح وكسر، وحرف الإعراب لا يلزم الحركةً، فلم يبق إلا أن تكون معربةً، ولا حرف إعراب فيها" وبين قول الفارسي هذا وقول الأخفش مناسبةً، إلا أن الأخفش يقول: إن الإعراب فيها مقدر، فهو أشبه. وفي البسيط: "زعم بعضهم أنها - يعني الألف والواو والياء في المضارع - علامة إعراب بمنزلة الزيدان والزيدون، تدل على التثنية والجمع/ للفاعل. ووجه فساده أن النون إما أن تكون كنون التثنية، ويبطل بحذفها في بعض الأحوال، أو يكون لها حظ في الإعراب، ويبطل لأنه إما أن تكون معربةً من مكانين، ولا يكون لأنه خروج عن الفصاحة واستعمال ما لا يحتاج إليه ولا نظير له، أو كون لها مع من الإعراب؛ لأنها إن كانت علامةً رفع مثلًا فلا تكون الواو موجودةً حينئذ، وبالعكس، ولم تكن" انتهى. وهذا الخلاف المنقول عن الأخفش وعن السهيلي وعن غيرهما يبين وهم من ذكر أنه لا خلاف بين النحويين في أن النون علامة إعراب لا حرف إعراب، وهو الأستاذ أبو الحسن بن عصفور قال: "بدليل حذف الجازم

стр. 189

لها، والجازم لا يحذف حرف الإعراب إذا كان متحركًا، وإنما يحذفه إذا كان ساكنًا، ثم لم يغز، ولم يخش ولم يرم". -[ص: وتحذف جزمًا ونصبًا، ولنون التوكيد، وقد تحذف لنون الوقايةً، أو تدغم فيها، وندر حذفها مفردة في الرفع نظمًا ونثرًا وما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكايةً أو إتباعًا أو نقلًا أو تخلصًا من مسكونين، فهو بناء، وأنواعه ضم وفتح وكسر ووقف.]- ش: مثال حذفها جزمًا ونصبًا: لم يقوما ولن يقوما. وإنما حمل المنصوب على المجزوم لأن الجزم مختص بالفعل، فحمل المشترك على المختص، ولم يحمل على المشترك، وهو الرفع، كما حمل منصوب المثنى والمجموع على حده على مجروره، قالوا: رأيت الزيدينِ والزيدينَ حملًا على مررت بالزيدينِ وبالزيدينَ. ومثال حذفها لنون الوقاية قول تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونَنِي فِي اللَّهِ﴾ في قراءة من حذف النون. وقد اختلف في المحذوفةً، فقيل: هي نون الرفع، وهو مذهب، واختيار المصنف، ورجح ذلك في شرحه إنها قد تحذف دون سبب مع عدم ملاقاتها لنون الوقاية، ولا تحذف نون الوقايةً المتصلةً بفعل محض غير مرفوع بالنون، وحذف ما عهد أولى من حذف ما لم يعهد

стр. 190

حذفه، وأيضًا فنون الرفع نائبةً عن الضمةً، وقد حذفت الضمة تخفيفًا في الفعل في نحو ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ﴾ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ في قراءة من سكن، وفي الاسم نحو ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ اللام، في قراءة من سكن اللام، وليؤمن بذلك تفضيل الفرع على الأصل، وليؤمن أيضًا حذف نون الوقاية، إذ لا يعرض لها سبب آخر يدعو إلى حذفها، وحذف نون الوقاية أولًا لا يؤمن معه حذف نون الرفع عند الجزم والنصب، ولأن نون الوقاية لو كانت المحذوف لاحتج إلى كسر نون الرفع بعد الواو والياء، وإذا حذفت نون الرفع لم يحتج إلى تغيير ثانٍ. انتهى، وفيه بعض اختصار. وقال س في بعض أبواب نون التوكيد: وتقول: هل تفعلن ذلك؟ فتحذف نون الرفع لأنك ضاعفت النون، وهم يستثقلون التضعيف، فحذفوها إذ كانت تحذف وحدها - يعني في الجزم والنصب - وهم في هذا الموضع أشد استثقالًا للنونات، وقد حذفوا فيما هو أشد س ذلك، بلغنا أن بعض القراء قرأ ﴿أَتُحَاجُّونَنِي﴾، وكان يقرأ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾، وهي قراءة أهل

стр. 191

المدينة، استثقالاً للتضعيف/" وقال في: ... فليني "وإنهم مما يحذفون لفظ النون للاستثقال، فإذا حذفوها هنا للتكرير، وهي لا تحذف وحدها، فالتي تحذف وحدها أولى بالحذف". ونقل المصنف أن أكثر المتأخرين ذهب إلى أن المحذوفة نون الوقايةً، وأن الباقية نون الرفع، وهو مذهب الأخفش والمبرد والأخفش الصغير وأبي علي وابن جني، لأنها المتكررةً المستثقلة، ولا تدل على إعراب، فكانت أولى بالحذف. ويمكن أن يستدل له بأن نون الوقاية يجوز حذفها لكثرة الأمثال في نحو إنَّني وكأنَّني، وهذه الحروف إنما لحقها نون الوقاية تشبيهًا بالفعل، فلو لم

стр. 192

يكن يجوز حذفها في بعض جنس الفعل لاجتماع الأمثال لما جاز حذفها في إنَّ وكأنَّ وشبههما، ولكان يلزم من ذلك تفضيل الفرع على الأصل في ذلك. وأيضًا فنون الرفع دخلت لعامل، ونون الوقاية جاءت بغير عامل، فلو كان المحذوف هو نون الرفع للزم من ذلك وجود مؤثر بلا أثر مع إمكانه. وأيضًا فدخول نون الوقاية إنما يضطر إليها حيث لا يكون ثَمَّ ما يمكن أن يقي الفعل من الكسر، وقد أمكن ذلك بنون الرفع، فإنه يحصل بها كونها علامةً للرفع، وكونها تقي الفعل من الكسر، فكان حذف نون الوقاية أولى. ومثال الإدغام فيها قراءة من قرأ ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ﴿تَامُرُونِّي﴾ بالتشديد. ومثال ندور حذفها في الرفع نظمًا قول الشاعر: فإنْ يَكُ قوم سرهم ما صنعتم ... ستحتلبوها لاقحًا غير باهل وقال الراجز: أبيت أسري، وتبيتين تدلكي ... وَجْهَكِ بالعنبر والمسك الذكي يريد: ستحتلبونها، وتبيتين تدلكين وأنشد صاحب «البسيط»: ولا تغصبوا الناس أموالهم ... إذا مَلَكتم ولم تغصبوا

стр. 193

على أن "لا تغصبوا" نفيٌ لا نهي، أي: ولا تَغْصِبُون. ومثال ذلك نثرًا قراءة أبي عمرو في رواية من روى ذلك عنه ﴿قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَّاهَرَا﴾، بتشديد الظاء، وأصله تتظاهران، فأدغم التاء في الظاء، وارتفع (ساحران) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: قالوا أنتما ساحران تظاهرا. وفي الحديث "والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا"، أصله: لا تدخلون ولا تؤمنون. وحذف هذه النون عند أصحابنا من غير جازم ولا ناصب ولا اجتماع مثلين مخصوص بالشعر إجراء لها مجرى الضمة في ذلك. وقوله: وما جيء به لا لسان مقتضى العامل إلى آخره أراد أن يحصر حركات آخر الكلمة، وكان قد ذكر حركات الإعراب، وهي الضمةً والفتحةً والكسرةً، فذكر أن الحركة تكون للحكاية نحو: من زيدًا؟ ومن زيدٍ؟ لمن قال: رأيت زيدًا، ومررت بزيد. وقد ذكرنا الخلاف في هذه الحركات وأن مذهب الكوفيين أنها/ حركة إعراب، وبينا ذلك في شرح باب الحكاية من هذا الكتاب.

стр. 194

وتكون للإتباع نحو قراءة عن قرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بكسر الدال، ومنهم زيد بن علي، وقراءة من قرأ ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا بضم التاء، أتبع في الأولى الدال للام، وفي الثانية التاء لضمة الجيم. وتكون للنقل نحو قراءة ورش ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ﴾ بفتح الميم، نقل حركة الهمزة إلى الميم، وحذف الهمزة. وتكون للتخلص من ساكنين، نحو قوله تعالى: ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ حرك الهمزة لأنها ساكنةً قد لقيت اللام ساكنةً، فحركها ليخلص من الجمع بين ساكنين.

стр. 195

وقوله: فهو بناء أي: ما خالف حركة الإعراب، وحركة الحكاية، وحركه الإتباع، وحركة النقل، وحركة التخلص من ساكنين، فهو بناء. فتلخص عن كلامه أن حركات الآخر ست. ونقصتنه حركةً سابعةً، وهى حركة المضاف إلى ياء المتكلم غير مثنى ولا مجموع على حده على مذهب الجمهور، فإنها ليست حركة بناء عندهم، ولا هي من الحركات التي عدها. وقوله: وألقابه ضم وفتح وكشر ووقف وهذه التسمية لألقاب البناء بالضم والفتح والكسر والوقف، ولألقاب الإعراب بالرفع والنصب والجر والجزم هي لـ "س"، ولذلك قال في كتابه: "وإنما ذكرت ثمانية محار لأفرق"، فذكر أنه ذكر ذلك لتفر ق بين ما يحدث بعامل وبين ما وضعت عليه الكلمة فلا يزول. وكثير من النحويين البصريين والكوفيين يقولون: إنها تجري على أربعة مجارٍ، ولا يفرقون في الحركات كما فرق س. وقد غلط أبو عثمان س في قوله: "وهى تجري على ثمانيةً مجار"، قال: لأن المبني لا يتغير، فكيف تكون له مجار" ذكر ذلك عن أبي عثمان أبو يعلى بن أبي زرعة. ولابني كيسان والزجاج وعلي بن سليمان ومحمد بن الوليد كلام في تصحيح كلام س ليس هذا موضعه.

стр. 196

-[ص: باب إعراب المعتل الآخر يظهر الإعراب بالحركة والسكون، أو يقدر في حرفه، وهو آخر المعرب، فإن كان ألفًا قدر فيه غير الجزم، وإن كان ياء أو واوًا تشبهانه قدر فيهما الرفع، وفي الياء الجر. وينوب حذف الثلاثة عن السكون إلا في الضرورةً، فيقدر لأجلها جزمها، ويظهر لأجلها جر الياء ورفعها ورفع الواو، ويقدر لأجلها كثيرًا، وفي السعة قليلًا، نصبهما ورفع الحرف الصحيح وجره، وربما قدر جزم الياء في السعة.]- ش: مثال الظهور المذكور: زيد لم يخرج، ومثال التقدير: قام الفتى، فالضمة مقدرةً فيه. هذه عبارةً أكثر النحويين، يقولون: في التقدير. وقال أبو علي: "والاختلاف الكائن في الموضع" والموضع عند النحويين غيره للمبنى. وقال بعض أصحابنا: الإعراب ملفوظ به ومقدر نحو الملهى؛ لأن الألف منقلبةً عن ياء متحركة، ومنوي نحو حبلى وأرطي لأن ألفهما لم تنقلبا عن شيء، فالإعراب فيهما منوي. وكذلك غلامي؛ لأن تقدير حركة يؤول إلى اجتماع حركتين، ولا يصح، فالإعراب منوي لا مقدر ومعتبر، وهو في موضع الاسم المبني نحو "هذا"، فإذا الإعراب/ ملفوظ به ومقدر ومنوي ومعتبر.

стр. 197

وقوله: فإن كان ألفًا قدر فيه غير الجزم الذي آخره ألف من الأسماء المعربة قدر فيه الرفع والنصب والجر، أو من المضارع المعرب بغير النون قدر فيه الرفع والنصب، مثال الأول: قام الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، ومثال الثاني: يخشى زيد، ولن يخشى. قوله: وإن كان - يعني حرف الإعراب - ياء أو واوًا يشبهانه في كونهما حرفي مد ولين، قدر فيهما الرفع، [وفي الياء الجر]، نحو: يغزو القاضي، ويرمي إلى الداعي، فالضمة مقدرةً في واو يغزو وياء القاضي وياء يرمي، والكسرةً مقدرةً في ياء الداعي. ودل كلامه هذا على أن المنقوص بقياس - وهو ما آخره ياء قبلها كسرةً لازمةً - تقدر فيه الضمةً والكسرةً، وتظهر الفتحة، نحو ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾. وأغفل مسألة من هذا المنقوص تقدر فيها الفتحةً حالة النصب، وهي ما أعرب من مركب إعراب متضايفين وآخر أولهما ياء، وذلك نحو: رأيت معدي كرب، ونزلت قالي قلا، وذلك أن هذا النوع من المركب نقل فيه ثلاثة أوجه: البناء على الفتح، وإعرابه إعراب ما لا ينصرف، وإعرابه إعراب المضاف والمضاف إليه، فعلى هذا الوجه تقدر في "معدي" الفتحة حالة النصب، لا خلاف في ذلك في هذا الوجه، جعلوا الياء فيه كياء دردبيس، فكما لا تأثر هذه الياء للعوامل، كذلك لا تأثر هذه الياء، استصحب فيها حكمها حاله البناء وحاله إعرابه إعراب ما لا ينصرف. وقد تنبه المصنف لذلك في باب منع الصرف، فقال في الفصل الثالث منه: "قد يضاف صدر المركب فيتأثر بالعوامل ما لم يعتل" انتهى. فقوله: "ما لم يعتل" يشمل

стр. 198

أحواله الثلاث من الرفع والنصب والجر، فتقول: قام معدي كرب، ورأيت معدي كرب، ومررت بمعدي كرب. ودل كلام المصنف أيضًا على أن ما آخره ياء تشبه الألف يقدر فيه الرفع، وقد بينا ذلك بنحو يرمي، وهذا كما ذكر، إلا أن في نحو يعيي ويحيي خلافًا، فمذهب الجمهور أنه تقدر فيه الضمةً، وزعم الفراء أن الياء قد تكون في آخر الفعل وما قبلها ساكن، فظهر علامة الرفع فيها إذ ذاك لأن الياء إذا مكن ما قبلها جرت مجرى الحرف الصحيح، وأنشد من ذلك قول الشاعر: وكأنها بين النساء سبيكة ... تمشى سدة بيتها فتعي والصحيح أنه لا يقال تعي، وإنما يقال تعيي، هكذا هو السماع وقياس التصريف، بن جهة أن الفعل إذا كان معتل العين واللام جرت عينه مجرى الحرف الصحيح، فلم تعل، فلا فرق بين الياء التي هي عين الكلمة في تعيي وبين الدال في تجدي، فكما أن الضمة تقدر في ياء تجدي، فكذلك تقدر في ياء تعيي، ولا نقول إنها مثل العين في يقر وذلك أنه يقول إن أصله يعيي، فنقل حركة العين التي هي الياء في يعيي إلى العين التي هي الفاء، فتسكن العين، فيصير نظير يقر، فكما أدغمت الراء في الراء إذ أصله يقرر، فنقلت، فالتقى المثلان والأول ساكن، فوجب الإدغام، فكذلك تدغم الياء الساكنةً في الياء التي هي لام الفعل. والبيت الذي أنشده الفراء لا/ يعرف قائله، بل لعله مصنوع، وإذ ثبت كان شاذًا لا يعتد به. وقد تلخص مما أشار إليه المصنف وقررناه أن الألف والياء اشترك فيهما الاسم والفعل، نحو يخشى الفتى، ويقضي قاضي بلدك، وأن الواو التي

стр. 199

حركةً ما قبلها من جنسها لا تكون إلا في الفعل، نحو تغزو، ولا تكون في الاسم إلا إن كان مبنيًا أو معربًا عرض بطرف الواو فيه، أو كان يستحيل إلي غيره، فإن أدى القياس في معرب غير ما ذكر أو عارض بناء إلى ذلك قلبت الواو ياء، والضمة قبله كسرةً، إلا إن كان منقولًا من لسان العجم أو من الفعل، ففي قلبه وإقراره مذهبان: القلب مذهب البصريين، والإقرار مذهب الكوفيين، وذكرنا توضيح هذا في التصريف. وقوله: وينوب حذف الثلاثةً من السكون يعني بالثلاثة الألف والواو والياء المذكورات، فقول: لم يخش، ولم يغز، ولم يرم. وإنما حذف الجازم هذه الحروف لأنها عاقبت الضمةً، فأجريت في الحذف مجرى ما عاقبته، فكما أن الضمةً تحذف في نحو لم يخرج، فكذلك تحذف هذه الحروف بالجازم، هكذا قرر الشيوخ. ونقول: الذي يقضيه النظر أن هذه الحروف انحذفت عند الجازم لا بالجازم. يدل على أنها لم تحذف للجزم شيئان: أحدهما: أن الجازم لا يحذف إلا ما كان علامة للرفع، وهذه الحروف ليست علامةً للرفع، وإنما علامةً الرفع ضمة مقدرةً فيها. والآخر: أن الإعراب زائد على ماهية الكلمة، والواو والياء في نحو يغزو ويرمي من الحروف الأصلية؛ إذ هما من الغزو والرمي، والألف في نحو يغشى منقلبةً من أصل؛ لأنه من الغشيان، وقد يكون الحرف منقلبًا عن حرف ملحق بأصل، نحو يسلنقي ويغرندي، ماضيهما اسلنقى، واغرندى،

стр. 200

وهما ملحقان باحرنجم، وحرف الجزم لا يحذف الحرف الأصلي ولا الملحق بالأصلي، فكان القياس يقتضي أن يحذف الجازم الضمة المقدرةً في الحروف، لكن يبقى المجزوم بصورة المرفوع لو اقتصر على ذلك، فحذف الجازم الضمةً المقدرةً، وحذفت هذه الحروف لئلا يلتبس المجزوم بالمرفوع، لكون الصورة تكون واحدةً، فلذلك قلنا إن هذه الحروف تحذف عند الجازم لا بالجازم. وفي كتاب س إيماء إلى هذا المعنى. وظاهر قول المصنف: "وينوب حذف الثلاثة عن السكون" أنه متى كان الفعل آخره ياء أو واو أو ألف مطلقًا تحذف هذه الخروف للجازم الذي يدخل عليها. وهذا تحته قسمان: أحدهما: أن لا تكون تلك الحروف بدلًا من همزة. والآخر: أن تكون بدلًا من همزةً. فإن لم تكن بدلًا من همزةً فالحكم كما ذكر. وإن كانت بدلًا من همزةً نحو يقرا في يقرأ ويقري في يُقرئ، ويوضو في يوضؤ. قال بعض أصحابنا: فهذا إما أن يقدر أن الجازم دخل عليه قبل البدل، فسكن الهمزة، ثم أبدلها حرفًا مناسبًا لحركة ما قبلها، فيصير يقرأ المجزوم: يقرا، ويقرئ: يقري، ويؤضؤ: يوضو، كما أبدلت/ في كاس وبئر وبؤس، فقلت: كاس وبير وبؤس، فعلى هذا الإبدال لا يجوز حذف حروف العلةً لأن الجازم قد عمل عمله في حذف الضمةً من الهمزة قبل الإبدال. وإما أنك تبدل قبل أن يدخل الجازم، فقول في يقرآ ويقرئ ويوضؤ: يقرا ويوضو ويقري، فتصير شبيهة بيخشى ويغزو ويرمي، فإذا دخل الجازم حذف هذه الحروف. هذا مذهب الأستاذ أبي الحسن بن عصفور، وظاهر كلام المصنف. وقد رد أصحابنا على ابن عصفور في جواز الحذف، وقالوا: لا يجوز

стр. 201

إلا الإقرار لأن البدل المحض الذي ليس على التسهيل القياس لا يجوز إلا في الضرورة، نص على ذلك س وغيره من النحاةً، وقد ذكر هذا أبو علي في التذكرة والحجة، وابن جني في "المعرب" له، وأفرد له في الخصائص بابًا ذكر فيه أنه لا يجوز إلا في الضرورةً، فما نص عليه س وأصحابه أنه لا يجوز إلا في الضرورة لا يسوى بينه وبين ما اتفق عليه أنه جائز في الكلام فصيح، وما كفى ابن عصفور ما ذكر فيه من جواز الحذف حتى قدمه على الإثبات. وقال أبو عبد الله بن هشام: يقرا ويقري ويوضو صرف الفعل تصريف المعتل على ما حكاه الأخفش من نحو قريت وتوضيت ورفوت، والأصل قرأت وتوضأت ورفأت. وكلتا اللغتين ضعيفةً، فإذا دخل الجازم على المضارع في هذه اللغة لم يجد إلا حرف العلة مسكنًا، فيحذفه كما يحذفه من يرمي ويخشى ويغزو، والإثبات أحسن، وعليه قوله: عجبت من ليلاك وانتيابها من حيث زارتني، ولم أورابها يريد: ولم أورأ بها، أي: لم أشعر بها من ورائي. وعلى الثاني البيت

стр. 202

الذي أنشده ابن عصفور، وهو: جريء متى يظلم يعاقب ظلمه ... سريعًا، وإلا يُبْدَ بالظلم يظلم ولا حجة في هذا البيت الذي ظنه ابن عصفور وابن هشام حجة لأنه ثبتت لغة في بدأ: بدي على وزن بقي، ومضارعه يَبْدَى، فيحتمل أن يكون قوله: "وإلا يبد" من هذه اللغة، فلا تكون إذ ذاك ألفه بدلًا من همزة، وإنما تكون بدلاً عن ياء كألف يبقى. وقال ابن هشام أيضًا: الهمزات هنا لا تبدل حرف علة في رفع ولا نصب إلا إن أدى إلى شيء من ذلك ضرورةُ شعر، فمثل هذا لا يجعل قياسًا مطردًا يعمل عليه، ويُساوى بينه وبين المطرد. فإذا دخل الجازم، وسكنت الهمزة، انقلبت من جنس حركة ما قبلها، فساوت في اللفظ حروف العلة، ولا تحذف حينئذ لأن الجازم قد سكن الآخر قبل، فلو حُذف الآن كان له عملان، وما من عامل يكون له في لفظ واحد عملان. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن علي بن يوسف الكُتامي الإشبيلي، عُرف بابن الضائع، وهو عن جلة أصحاب الأستاذ أبي علي الشلوين: "ما في آخره همزة فكالحرف الصحيح، جزمه بكون الهمزة، ومن سهل الهمزة/ فأبدلها حرف لين لم يحذف حرف اللين للجزم؛ لأن حكم الهمزة المسهلة حكم الهمزة نفسها مخففةً، فلا يجوز إلا: لم يقرا زيد، بألف ساكنة على لغة من سهل، فأما قوله: "وإلا يبد بالظلم يظلم" فضرورة، ووجهها مراعاة اللفظ بعد التسهيل؛ ألا ترى أن منهم من يدغم رؤيا بعد التسهيل، فيقول رُيَّا، ولا يراعي أصله. أو يكون أبدل الهمزة بدلًا محضًا لا على قياس التسهيل،

стр. 203

وكأنه على لغة من يقول في قرأت: قَرَيْتُ، وهي ضعيفة» انتهى كلامه. ونص ابن عصفور في "شرح (*) المقرب" أن من حذف حروف العلةً في مثل لم يقر، ولم يقرر، ولم يوض، إنما جاء على ما حكام الأخفش من هذه اللغةً، أنهم يبدلون الهمزة حرف علةً محضًا، وليس ذلك بقياس، وهي لغةً ضعيفةً. فكان ينبغي على هذا الذي حكاه وقرره من ضعف هذه اللغة وعدم اطرادها أن لا يبني الحكم عليها في "المقرب"، ولا يبدأ بها على الإثبات، فيشعر بجوازها على الإطلاق. وقوله: إلا في الضرورةً، فهدر لأجلها جزمها يعني أنه تقر هذه الخروف التي هي الواو والياء والألف في الضرورةً، وأنها هي حروف الإعراب. فمثال ما أقرت فيه الواو مع الجازم قوله: هجوت زبان، ثم جئت معتذرا من هجو زبان، لم تهجو، ولم تدع ومثال الياء: ألم يأتيك، والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد

стр. 204

واختلف النحويون فيما حذفه الجازم، فمنهم من ذهب إلى أن المحذوف هي الضمةً الظاهرةً التي كانت على الواو والياء؛ إذ هما جاءا مضمومين ضمةً ظاهرةً في الشعر، نحو قوله: إذا قلت عل القلب يسلو قيضت هواجس لا تنفك تغريه بالوجد ونحو قوله: فعوضني منها غناي، ولم تكن ... تساوي عندي غير خمس دراهم وانبنى على هذا الخلاف هل يجوز إقران مثل ألف يخشى إذا دخل عليه الجازم في الضرورةً، فمن زعم أن المحذوف هي الضمةً الظاهرةً لم يجز إقران الألف للجازم لأن الألف لا تظهر فيها الضمةً ولا حركةً غيرها. ومن زعم أن المحذوف هي الضمةً المقدرةً أجاز ذلك، وقد استدل مجيز ذلك بقوله: إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها، ولا تملق فقوله: "ولا ترضاها" نهي، وقد أثبت الألف.

стр. 205

ومن مع ذلك تأول البيت على أن قوله "لأ ترضاها" جملة حالية، أي: فطلقها غير مترض لها، أو الواو للعطف على الاستئناف، أخبر أنك لا ترضاها، أي: وأنت لا ترضاها. وظاهر كلام ابن عصفور في "المقرب" أن إقرار هذه الألف يجوز للضرورةً مع الجازم، والذي نصره أنه لا يجوز، وأن الجازم إذا دخل على ما آخره ألف حذفها، ولا يقرها لا في ضرورةً ولا غيرها، قال: لأن الآلف لا تقبل الحركةً، فلا يجوز/ لذلك إجراء ما هي فيه مجرى الصحيح، وأيضًا فإن الجازم إذ ذاك ليس له ما يحذف إلا الحركةً المقدرة في الألف، وإذا حذفها وجب أن يرجع حرف العلةً إلى أصله، فيقال: لم يخشى؛ لأن انقلابها ألفًا إنما كان لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإذا ذهبت الحركة للجزم وجب أن تصح لذهاب الحركة منها، فلما لم يصححوها في حال الجزم دل ذلك على أنهم لم يحذفوا الحركةً المقدرةً. ونقل غيره من النحويين أن لغةً لبعض العرب إقرار هذه الحروف مع الجازم في سعة الكلام، وأن بعضهم لا يقرها مع الجازم إلا في ضرورةً الشعر. وذهب بعض النحويين إلى أن ما ورد في ضرورةً الشعر من نحو "لم تهجو"، و "ألم يأتيك"، و"لا ترضاها"، ليست هذه الحروف فيها هي من نفس الفعل الذي ينبغي حذفها [منه] للجازم، بل هي حروف إشباع تولدت عن الحركات التي قبلها، وأن مثل هذه الأفعال مجزومةً بحذف حروف العلة التي من نفس الفعل.

стр. 206

فأما قوله تعالى: ﴿لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ فاستدل به بعضهم على جواز إقرار الألف مع الجازم لأنه عنده نهي. وتأوله السيرافي على أنه مجزوم بحذف الألف، وهذه الألف جيء بها لمراعاة الفواصل، كما جاءت في قوله: ﴿الظُّنُونَا﴾ و ﴿السَّبِيلَا﴾ في قراءة من أثبت الألف. وهذا تأويل حسن. وتأوله بعضهم على أنه مرفوع لا مجزوم، وهي جملة استئنافيةً، التقدير: وأتت لا تخشى، أخبر تعالى موسى حين نهاه عن الخوف أنه لا يخشى، فـ "لا" حرف نفي لا حرف نهي. وأما قول الشاعر: وتضحك مني شيخةً عبشميةً ... كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا

стр. 207

في رواية من رواه بالألف، فقيل: الألف إشباع، إذ الأصل: كأن لم تر. وتأوله أبو علي الفارسي على أن أصله ترأى في لغة من قال رأى يرأى بإثبات الهمزةً في المضارع، فلما دخل الجازم - وهو حذف الألف، ثم نقل حركة الهمزةً إلى الراء، وأبدل الهمزة ألفًا، كما قالوا في المرأةً والكمأةً: الهمزةً والكمأة، ولم يحذف الهمزة على قياس النقل والتخفيف الكثير في كلامهم. ومن روى "كأن لم تري" فالتاء للخطاب، والتفت من الغيبةً إلى الخطاب، وعلامة الجزم فيه حذف النون إذ أصله ترين. ويجوز في الشعر الجزم بعد [حذف] هذه الحروف تشبيهًا بما لم يحذف منه شيء، تقول: لم يغزه ولم يخش، ولم يرم، فتسكن بعد الحذف لأنك تشبه الكلمةً بعد الحذف بما لم يحذف منه شيء، فكما أنك تجزم يضرب إذا أدخلت عليه الجازم، فكذلك تفعل بتلك، ومن ذلك قول الشاعر: ومن يتق فإن الله معه ورزق الله منتاب وغاد حذف الياء من يتقي، ثم حذف حركةَ القاف.

стр. 208

وقوله: ويظهر لأجلها جر الياء ورفعها ورفع الواو يعني يظهر لأجل الضرورة، ومثال جر الياء قول الشاعر: ويماً يوافيهن الهوى غير ماضي ويومًا ترى منهن غولا تغول وقول الآخر: / كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا ولم تختضب سمر العوالي بالدم وقول الآخر: ما إن رأيت، ولا أرى في مدتي كجواري يلعبن بالصحراء وقوله: فلو كنت حرا ذا وفاء جعلتنا لعينيك من دون الغواني مقنعا وقوله: لا بارك الله في الغواني هل يصبحن إلا لهن مطلب ومثال رفعها في الفعل ما أنشدناه قبل من قوله:

стр. 209

................. تساوي عندي غير خمس دراهم ومثال ذلك في الاسم قوله: تراه، وقد فات الرماة، كأنه أمام الكلاب، مصغي الخد أصلم وقوله: وكأن بلق الخيل في حافاته ترمي بهن دوالي الزراع وقول جرير: وعرق الفرزدق شر العروق خبيث الثرى كأبي الأزند ومثال رفع الواو ما أنشدناه قبل من قوله: إذا قلت عل القلب يسلو قيضت. البيت. وقوله: ويقدر لأجلها كثيراً- أي لأجل الضرورة- وفي السعة قليلاً نصبهما، أي نصب الياء والواو. مثال تقدير الفتحة في الياء حالة النصب قول الشاعر:

стр. 210

ومن يعص أطراف الزجاج فإنه يطيع العوالي ركبت كل لهذم وقول الآخر: كأن أيديهن بالقاع القرق أيدي جواز يتعاطين الورق وقول الآخر: ردت عليه أقاصيه ولبده ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد وقول الآخر: ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا وقول الآخر: أكاشر أقوامًا حياء، وقد أرى صدورهم باد علي مراضها وقول الآخر: ومن يطيق مذك عند صبوته ومن يقوم لمستور إذا خلعا

стр. 211

وقول الآخر: وكسوت عار لحمه، فتركته جذلان يسحب ذيله ورداءه وتقدير الفتحة في منصوب هذا المنقوص من الضرائر الحسنة عند جمهور النحويين، وزعم أبو حاتم أن ذلك لغة فصيحة. ومثال ذلك في الفعل قول الشاعر، وهو ابن قيس الرقيات: كي لتقضيني رقية ما وعدتني غير مختلس ومثال ذلك في السعة قراءة جعفر الصادق ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. ومثال تقدير النصب في الواو قوله: إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها رفعن، وأنزلن القطين المولدا وقوله:

стр. 212

وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف وقوله: / أرجو وأمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويل وقوله: فعلك أن تنجو من النار إن نجا مصر على صهباء طيبة النشر ومثال ذلك في السعة قراءة من قرأ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ بسكون الواو. وما ذهب إليه المصنف هو جنوح إلى مذهب أبي حاتم، وترك جادة ما عليه الجمهور بأن هذا كله من ضرائر الشعر الحسنة. وقوله: ورفع الحرف الصحيح وجره مثال تقدير الرفع فيه قراءة مسلمة بن محارب ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ﴾ بإسكان التاء، وحكي أبو زيد ﴿ورُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾ بإسكان اللام، وحكي أبو عمرو أن لغة تميم تسكين

стр. 213

المرفوع من "يعلمهم "ونحوه. وتسكين المجرور كقراءة أبي عمرو ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ﴾ وقراءة حمزة ﴿ومَكْرَ السَّيِّئِ﴾. هذا كلام المصنف في الشرح. ونص أصحابنا على أن هذا من ضرائر الشعر، قالوا: ومن الحذف- يعني في الشعر- تسكين حركة الإعراب إجراء للمنفصل مجرى المتصل، قال الشاعر: رحت وفي رجليك ما فيهما وقد بدا هنك من المئزر وقال الآخر: سيروا بني العم، فالأهواز منزلكم أو نهر تيرى، ولا تعرفكم العرب وقال الآخر: فاليوم أشرب غير مستحقب إثمًا من الله ولا واغل

стр. 214

وقوله: ألا ليت أيري من عظام، وأنه على حرك موقوف يد الدهر أجمعا أجرى "هنك "و "ربغ "مجرى عضد، و"رفك "مجرى فعل لو كان في الكلام، إذ لو كان فيه لجاز تسكينه، و "حرك "مجرى إبل. وذهب المبرد إلى أن هذا لا يجوز لا في الشعر ولا غيره، ويزعم أن الرواية "أسقى"، و "قد بدا ذاك"، و "فلم تعرفكم". وما ذكره من أن الرواية ما ذكر لا يدفع بها ما رواه غيره، فالمصنف فيما ذكره لم يأخذ بقول المبرد الذي منع ذلك البتة، ولا بقول غيره ممن خص ذلك بالشعر، وإذا ثبت نقل أبي عمرو أن ذلك لغة تميم كان ذلك حجة على المذهبين. وقد أغفل المصنف ذكر مسائل تقدر فيها الحركات الثلاث في حرف الإعراب وهو صحيح، وجاء بهذه المسالة التي ذكر أنه يقدر فيها الرفع والجر قليلاً، وفيها الخلاف الذي ذكرناه. فإحدى المسائل: أن يسكن الحرف للإدغام، كقوله تعالى: ﴿وقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾.

стр. 215

الثانية: الحكاية إذا قلت: من زيداً؟ لمن قال: ضربت زيداً، ومن زيد؟ لمن قال: مررت بزيد، ومن زيد؟ لمن قال: قام زيد، وذلك على مذهب البصريين، وعنهم في حال الرفع خلاف، أهي حركة إعراب أم حركة حكاية، والثاني أصح. الثالثة: المضاف لياء المتكلم، نحو: قام غلامي، ورأيت غلامي، ومررت بغلامي، على أصح الأقوال فيه. وقوله: وربما قدر جزم الياء في السعة، مثل المصنف هذه المسألة/ بقراءة قنبل ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ بإثبات الياء في (يتقي). ولا دليل في هذه القراءة على إثبات هذا الحكم لتقدير الجزم في الياء؛ لأنه لا يتعين (يتقي) هنا أن يكون مجزوماً لعطف (ويصبر) المجزوم عليه؛ لأنه يحتمل أن تكون (من) موصولة، و (يتقي) مرفوع، وهو صلتها، ويكون (ويصبر) معطوفًا على التوهم لا على مجزوم في اللفظ، فكأنه توهم أنه تقدم اسم شرط، وجزم به، وعطف على مجزوم. ومما جاء من جزم خبر الموصول
следующие страницы →