Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
لك) فكأنك قلت: [أنت] أهل للدعاء عليك، وليس دعاء صريحًا؛ إذ لو كان دعاء صريحًا لما جاز أن يُقال لمن ليس له أب: لا أبا لك، كما لا يُقال للأعمى: أعماه الله، وقوله:
يا تيم تيم عدي، لا أبا لكم لا يُلقينكم في سوأةٍ عمر
أقوى دليل على ما ذكرناه؛ لأنه ليس لتيم كلها أب أحد، ولكن معناه: كلهم أهل للدعاء عليه".
وكذلك أيضًا "لا أخا لك" لم يُرد به نفي الأخ حقيقة، قال: "ويؤكد ذلك قول الشاعر:
أفي كل عامٍ بيضةٌ تفقؤونها وتترك أخرى فردةً لا أخا لها
ولم يقل: لا أخت لها".
فثبت إذًا بما ذكرناه أن المعنى ليس على ما يعطيه ظاهر اللفظ من نفي أب وأخ معينين؛ لأن المعنى ليس على ذلك، وإذا لم يُرد أبًا وأخًا مُعينين كانت الإضافة غير معرفة، فلم يزل من ذلك إعمال (لا) في اسم معرفة.
وزعم ابن السراج أن الأب إنما لم يتعرف بالإضافة لأن إضافته في نية الانفصال، وأن الأصل قبل الإضافة: لا أبًا لك، والمجرور الذي هو (لك) من تمام الأب، ولذلك نون لطوله به، والخبر مضمر، إلا أنهم حذفوا التنوين استخفافًا، وأضافوا، وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى،
стр. 1647
قال: "وإنما فعل هذا في هذا الباب، وخص به".
قال بعض أصحابنا: "وهذا الذي ذهب إليه ابن السراج باطل؛ إذ لو كان (لك) معمولًا لـ (أب) ومن تمامه، كما زعم، لم تسغ إضافته إليه؛/ ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: لا ناصح لزيدٍ في القوم" انتهى.
وأقول: إن قول ابن السراج "إن المجرور الذي هو (لك) من تمام الأول" ليس بصحيح؛ لأن (لك) من تمام الأول" ليس بصحيح؛ لأن (لك) لا يكون من تمام الأول إلا لو كان الأول مما يُمكن أن يتعلق به حرف الجر، و (الأب) ليس من هذا القبيل، وإن عنى بالتمام أنه صفة للأول فهو يتعلق بمحذوف، فليس من تمامه، ولا يكون الأول مطولًا بالصفة، وإلا كان يجوز أن تقول: لا رجلًا ظريفًا، وتقول طال (لا رجلًا) بالصفة، فنصب، وهذا لا يجوز.
فإن قلت: إذا كان الاسم نكرة، وإضافته غير محضة كما ذكرتم، فهلا قالت العرب (لا أباك) في فصيح كما يقولون: لا ضارب زيدٍ؟
فالجواب: أن الأب لما كان إذا أُضيف إلى عرفة في غير هذا الباب تعرف بها استقبحوا دخول (لا) النافية عليه، فلم يُدخلوها إلا بعد إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه إصلاحًا للفظ، وأعني بذلك أنه يجيء في اللفظ على صورة غير المضاف وإن كان مضافًا في التقدير، فهي معتدٌ بها من جهة أنها هيأت الاسم لعمل (لا) فيه، وغير معتد بها من جهة أنها لم تمنع الإضافة بدليل إثبات الألف التي لا تلحق الأب في حال نصبه في فصيح الكلام إلا في حال الإضافة، ولا يُقحمون بين المتضايفين في هذا الباب النداء نحو قوله:
................ يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
стр. 1648
من حروف الجر إلا اللام خاصة؛ لأنها مؤكدة لمعنى الإضافة في البابين على معنى اللام، فأقحموها لذلك. وأما قول الشاعر:
وقد علمت أن لا أخا بعشوزنٍ ولا جار إذا أرهقتها بالحوافر
فالأخ غير مضاف، وإنما جاء على لغة من يجعل أخاك بمنزلة عصاك، فلا يحذف لأمه أضيف أو لم يُضف.
فإن قلت: إذا كان (الأب) من قولهم (لا أبا لك) مضافًا إلى ما بعده فكيف ساغ للعرب أن تقول (لا أبا لي) بإثبات الألف، و (لا أخا لي) قال الأعشى:
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجةٌ وإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا
وقال آخر:
وما راعني إلا زهاء معانقي فأي عنيق بات لي، لا أبا ليا
/ وقال آخر:
وذي إخوةٍ قطعت أسباب بينهم كما تركوني مُفردًا لا أخا ليا
والأب والأخ إذا أُضيفا إلى ياء المتكلم لم تُرد فيه اللام المحذوفة.
فالجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت (أبي) إنما
стр. 1649
هو ما يلزم في ذلك من ثقل التضعيف لأجل الإدغام في ياء المتكلم، إلا أنك لو رددتها -وهي الواو- لكسرته لأجل ياء المتكلم، وللزم أن تتبع حركة العين حركة اللام، فتقول (أبوي)، ثم تسكن الواو، وتقلبها ياء لانكسار ما قبلها، وتدغم الياء في الياء، فتقول (أبي)، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام أمن التضعيف المستثقل، فأعادوا اللام المحذوفة كما يُعيدونها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم. انتهى ما نُقل من كلام من ذهب إلى أن (لا أبا لك) وشبهه من الأسماء المضافة.
وفي (الغرة): "لم يفعلوا ذلك مع غير اللام من حروف الجر، فأما قوله:
وقد علمت أن لا أخا بعشرزنٍ .....................
فجاء بالباء، وهي شاذة" انتهى.
فرع: من قال (لا أبا لزيدٍ) لم يقل (لا أبا لزيدٍ وأخا لعمرٍو)، فيُقحم اللام بين المعطوف على اسم (لا) وبين ما أُضيف إليه، نص على ذلك الفارسي في (البصريات).
والسبب في امتناعه أن إقحامها بين المتضايفين خارج عن القياس، ولولا السماع لما قيل به، فلا ينبغي أن يُتعدى به موضع السماع، والأول في هذا الباب قد يختص بما لا يجوز في الثاني؛ ألا ترى أن اسم قد يُبنى معها، ولا يجوز ذلك في الاسم المعطوف عليه.
وقد قال أبو جعفر بن مضاء مؤلف كتاب (المشرق): "شذت مسألة، وذلك قولهم: لا أخا لك، ولا أبا لك، ولا يدي لفلان، وتقدم أن (لا) لا تعمل إلا في النكرات العامة، وهذه الألف لا تلحق الأسماء الستة المعتلة إلا في حال الإضافة، فإن جعلت هذه الأسماء مضافة إلى الضمير
стр. 1650
واللام زائدة لم يجز نصبها بـ (لا)، وإن قدرنا اللام ثابتة والأسماء نكرات فلم دخلت الألف وسقطت النون، لكن هكذا سُمعت من العرب" انتهى.
واطرد إقحام اللام بين المتضايفين إذا كان المضاف إليه معرفة لكثرة ما جاء منه، فتقول: لا أبا لك، ولا حما لك، ولا يدي/ لك، ولا غلامي لك، ولا مُسلمي لك، ولا زيدي لك.
ويجوز في قولك (لا غلام لك) و (لا جارية لزيد) أن يكون من هذا الباب، ويكون الخبر محذوفًا. ويجوز أن يكونا غير مضافين، والمجرور في موضع الخبر، ويكون حذف التنوين إذ ذاك لأجل بنائه مع (لا).
قالوا: وتكون التثنية في هذا الباب من قبيل التثنية التي يُراد بها شفع الواحد، نحو (لبيك) و (حنانيك)؛ ألا ترى أن المراد بقولهم (لا غلامي لك) نفي ما قل وكثر من الغلمان؛ لأن (لا) النافية لا تعمل إلا إذا نُفي بها نفيٌ عامٍ، كما أن معنى (حنانيك) تحنن علينا حنانًا بعد حنان، و (لبيك) لزومًا لطاعتك بعد لزوم، وليس المراد حقيقة التثنية.
وإقحام اللام في هذا الباب لازم، فلا يجوز حذف اللام وإبقاء الإضافة فيه لا في الكلام ولا في الشعر، ولا جاء شيء من ذلك في كلامهم إلا مع الأب في ضرورة الشعر.
وقوله إن وليه مجرورٌ بلامٍ مُعلقةٍ بمحذوفٍ غير خبرٍ تقدم أن المُقحم لا يكون إلا اللام، وقال المصنف في الشرح: "بشرط كون اللام ومجرورها غير خبر، فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون وحذف الألف بإجماع، وكذا إن لم تل اللام ومجرورها النكرة، أو كان في موضع اللام حرف غيرها". مثال ذلك (لا يدين لك) إذا كان (لك) هو الخبر،
стр. 1651
و (لا أبا لك) و (لا غلامين ظريفين لك)، فلم تل (لك) (غلامين) إذ قد فُصل بينهما بالصفة، و (لا يدين بزيدٍ)، فالباء قد دخلت على المجرور، فهي في موضع اللام. فهذه المسائل كلها لا يجوز فيها إلا إثبات التنوين وبناء الاسم المفرد، نحو (لا غلام لك) على الفتح.
وقوله فإن فصلها - أي اللام - جار آخر - نحو: لا يدي بها لك - أو ظرفٌ - نحو: لا يدي اليوم لك، ولا غلامي عندك لزيدٍ - امتنعت المسألة في الاختيار، خلافًا ليونس، فإنه أجاز ذلك في الاختيار، وأشار س إلى جوازه في الضرورة، هكذا قال المصنف. وفي كتاب س أن يونس يفرق في الفصل بين الظرف الناقص والتام، فالناقص يُجيز الفصل به في فصيح الكلام، وكأنه عنده لما لم يستقل الكلام به لم يذكر، والتام لا يُجيز الفصل به.
ورد عليه س أنك لم تفرق بين الناقص والتام في الفصل بين (إن) واسمها، ولا في باب (كان)؛ ألا ترى أنك تقول: إن عندك زيدًا مقيمٌ، وإن اليوم زيدًا مسافرٌ، وكان عندك زيدٌ مقيمًا، على جعل/ (عندك) معمولًا للخبر، وكان اليوم زيدٌ مسافرًا، فإذا لا فرق بين الناقص والتام. وأجاز س الفصل بجملة الاعتراض، فقال: لا أبا - فاعلم - لك.
وقوله وقد يقال في الشعر (لا أباك) قال أبو علي في (الإيضاح):
"وربما حذف الشاعر هذه اللام للحاجة، والتقدير بها الثبات، قال الشاعر:
стр. 1652
أبالموت الذي لا بد أني ملاقٍ لا أباك تُخوفيني"
فظاهر كلام أبي علي هذا يدل على أن الشاعر قد يحذف هذه اللام المُقحمة بين المضاف والمضاف إليه إذا اضطر إلى ذلك.
والصحيح أن ذلك لم يجئ في ضرورة ولا في غيرها إلا في (الأب) خاصة، وكذا قال المصنف في الشرح، قال: "ولا يُستغنى عن اللام بعدما أعطي حكم المضاف من الأسماء المذكورة إلا بعد الضرورة،
كقول الشاعر:
وقد مات شماخٌ، ومات مُزودٌ وأي كريمٍ لا أباك يُخلدُ
وقول الآخر:
أبالموت الذي لا بد أني ملاقٍ لا أباك تخوفيني
أراد: لا أبا لك، ولا أبا لك، كذا زعموا. وهو عندي بعيد؛ لأنه إن كان الأمر كذلك لم يخل من أن يكون (أب) مضافًا إلى الكاف عاملًا فيها، أو يكون مقدر الانفصال باللام، وهي العاملة في الكاف مع حذفها. فالأول ممنوع لاستلزامه تعريف اسم (لا)، أو تقدير عدم تمحض الإضافة فيما إضافته محضة. والثاني ممنوع لاستلزامه وجود ضمير متصل معمول
стр. 1653
لعامل غير منطوق به، وهو شيء لا يُعلم له نظير، فوجب الإعراض عنه والتبرؤ منه.
والوجه عندي في (لا أبا لك) أن يكون دعاء على المخاطب لئلا يأباه الموت. وهذا توجيه ليس فيه من التكلف شيء" انتهى ما ذكره في (لا أباك) وتوجيهه إياه على أنه فعل ماض دخلت عليه (لا) للدعاء، وفاعله ضمير الموت المذكور في قوله:
أبالموت الذي لا بد أني .............................
وضمير المصدر المفهوم من قوله:
وقد مات شماخٌ ................. ..................
والذي ذكر النحويون أن اللام المحذوفة مقدرة، وإن كانت إذا أتى بها مقحمة زائدة؛ لأنهم لما استعملوها في حال الإضافة إصلاحًا للفظ، ورفضوا ترك الإتيان بها - وإن كان الأصل - صار الإتيان بها كأنه الأصل، فلما اضطر الشاعر إلى إسقاطها قدرها، ونواها لذلك،/ وإذا كانت مقدرة وجب أن يكون خفض الضمير بها لا بالإضافة؛ لأن المنوي المقدر بمنزلة الثابت الملفوظ به، وأنت إذا لفظت باللام كان الخفض بها.
ومما يبين أيضًا أن اللام منوية مقدرة قولهم (لا أباي)، حكي ذلك الأستاذ أبو بكر بن طاهر؛ ألا ترى أن اللام لو لم تكن مقدرة لقالوا (لا أبي) كما قالوا (لطمت في)، فلما لم تُكسر الباء في (لا أباي) دل ذلك على أن الكسرة التي توجبها ياء المتكلم ليست في اللام المردودة، وإنما هي في اللام المحذوفة المقدرة.
стр. 1654
وأما تأويل المصنف (لا أباك) على أنه فعل ماضٍ، و (لا) للدعاء، والفاعل مضمر كما قرره، ففي غاية الفساد من وجوه:
أحدها: أن العرب قالت (لا أباك) حيث لم تذكر موتًا، فلا يكون دعاء بالموت، قال:
أمن أجل حبل - لا أباك - ضربته بمنسأةٍ، قد جر حبلك أحبلا
وقال ابن الدمينة:
فقلت لها: لا باك، هلا عذرتني لديها، فقد حانت علي ذنونب
فليست هنا للدعاء بالموت.
الثاني: أن العرب حذفت من الكلمة الهمزة في بيت ابن الدمينة، وحذفت مع الهمزة أيضًا الألف، فقالوا (لا ب شانيك)، يريدون: لا أبا لشانيك، ولو كان هذا فعلًا ماضيًا لم يجز حذف ذلك منه. وإنما جاز كثرة الحذف في (لا أبا لك) لكثرة دوره على ألسنتهم في هذا الباب.
الثالث: يدل على أن (أباي)، فو كان فعلًا ماضيًا لقال (لا أباني)، فتلحقه نون الوقاية، وهذا قاطع ببطلان تأويل المصنف.
وقوله وقد يحمل على المضاف مُشابهه بالعمل، فينزع تنوينه قال المصنف في الشرح: "لو تعلقت اللام بالاسم تعين الإعراب وتوابعه
стр. 1655
غالبًا، نحو: لا واهبًا لك درهمًا. واحترزت بـ (غالبًا) من قول الشاعر:
أراني -ولا كفران لله أيةً لنفسي - قد طالبت غير مُنيل
أنشده أبو علي في (التذكرة)، وقال: إن أيةً منصوب بـ (كفران)، أي: لا أكفر لله رحمةً لنفسي. ولا يجوز نصب (أية) بـ (أويت) مضمرًا لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي (أرى) (أية) بـ (أويت) مضمرًا لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي (أرى) بجملتين، إحداهما (لا) واسمها وخبرها، والثانية (أويت)، ومعناه: رققت.
وإلى (ولا كفران لله أيةً) أشرت بقولي "وقد/ يُحمل على المضاف مُشابهه بالعمل". ويُمكن أن يكون من هذا قول النبي ﵇ "لا صمت يومٌ إلى الليل" على رفع (يوم) بالمصدر على تقديره بـ (أن) وفعل ما لم يُسم فاعله" انتهى. ويعني بـ (مشابهه بالعمل) المُطول، نحو: لا خيرًا من زيدٍ عندك، ولا ضاربًا بكرًا في الدار، ولا حسنًا وجهه لك، ولا عشرين درهمًا عندك.
ولم يذكر المصنف في هذه المسألة في الفص ولا في الشرح خلافًا، أعني في جواز نزع التنوين من هذه المُثل ونحوها، وهذا مسألة خلاف:
ذهب الجمهور إلى أن الاسم الواقع بعد (لا) إذا كان عاملًا فيما بعده لزم تنوينه.
стр. 1656
وذهب ابن كيسان إلى أنه يجوز فيه التنوين وترك التنوين، قال: "فإذا قلت (لا ضاربًا زيدًا) جاز أن تنون ضاربًا وألا تنونه". وترك التنوين عنده أحسن.
ووجه التنوين عنده أن زيدًا من تمام ضارب، فصار التنوين كأنه في وسط الاسم، فلم يُحذف لأن التنوين في هذا الباب إنما يُحذف من آخر الاسم المبني مع (لا).
ووجه ترك التنوين عنده أن المفعول لو أمسكت عنه لجاز الكلام بضارب وحده، فلم يعتد لذلك بالمفعول، فعومل لذلك معاملة الاسم المفرد، فبني مع (لا)، وحذف منه التنوين.
وكذلك أجاز في (لا خيرًا منك) التنوين وترك التنوين على التقديرين المذكورين، لكن التنوين في هذا أمثل منه في ضارب لأن تمام معناه إنما يحصل بـ (من).
وهذا الذي ذهب إليه باطل من جهة أن الاسم العامل فيما بعده لم يُجعل مع غيره كاسمٍ واحد في غير هذا الباب، فيُحمل هذا الباب عليه، بل يجب إذا سُمع من ذلك شيء قد تُرك منه التنوين ألا يُجعل مع ما بعده معمولًا له، فإذا قلت "لا آمر يوم الجمعة لك"، ولم تنون، انتصب (يوم الجمعة) بالخبر الذي هو (لك)، أو بفعل محذوف يفسره قولك (لا آمر لك بالمعروف، فقدمت، وأضمرت عاملًا، أي: يأمر بالمعروف.
والمصنف لم يأخذ بمذهب الجمهور ولا بمذهب ابن كيسان. أما مذهب الجمهور فلا يجوز نزع التنوين من المُطول تشبيهًا بالمضاف، وهو قد أجاز ذلك. وأما مذهب ابن كيسان فإن ترك التنوين عنده أحسن من
стр. 1657
إثباته، والمصنف قال "وقد يُحمل على المضاف مُشابهُه بالعمل"،/ فدل لفظه على القلة في ذلك. وابن كيسان جعل نزع التنوين لأجل البناء وتركيب الاسم مع (لا)، والمصنف يدل ظاهر كلامه على أن الاسم معرب، فإن نزع التنوين منه إنما هو لمشابهته بالعمل للمضاف.
وأما ما أنشده أبو علي من قوله:
أراني ولا كُفران لله أيةً ...........................
وزعمه واحتجاج المصنف أن (أيةٍ) منصوب بـ (كفران)، وأنه نُزع منه تنوينه مع بقائه عاملًا في المفعول له، فتخريجه على غير ما ذكراه، إذ يجوز أن يكون منصوبًا بمحذوف يدل عليه (لا كفران لله)، أي: لا أكفر أيةً لنفسي، ودل على هذا المحذوف ما قبله، كما خرجوا قوله تعالى ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: لا عاصم يعصم اليوم.
وأما منع أبي علي انتصاب (أيةً) على (أويت) مضمرة لأن ذلك يؤدي إلى الفصل بين مفعولي (أوي) بجملتين للاعتراض فهو شيء بناه أبو علي على مذهبه من أنه لا تعترض جملتان بين مقتضٍ ومقتضي. وقد رده المصنف عليه في آخر (باب الحال)، فقال: "وقد يعترض جُملتان، خلافًا لأبي علي). وسيأتي الدليل على صحة مذهب غير أبي علي - إن شاء الله - حيث يعرض له المصنف.
وفي (البسيط): "معمولها -يعني معمول لا - إن كان عاملًا فيما بعده فيظهر العمل، ولا يصح البناء سواء كان مفردًا أم مثنى أم مجموعًا أم مشبهًا بالمجموع، نحو، لا عشرين درهمًا لك، والعاملُ عاملُ
стр. 1658
خفضٍ كالمضاف، نحو: لا حسن وجهٍ، ولا مثل زيدٍ، ولا غلامي رجلٍ، ولا ضاربي قوم، وعاملُ نصب، نحو: لا ضاربًا زيدًا، ولا ضاربين عمرًا، ولا حسنًا وجهه، ولا مارًا بزيدٍ، وسواء أكان مفعولًا صريحًا أم ظرفًا أم مجرورًا أم فاعلًا.
وجوز البغداديون بناءها وإن كانت عاملةً في ظرف بعدها أو مجرور، كقوله ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. والأول قول الخليل وس.
وإن كان غير عامل سواء أكان مفردًا أم مثنى أو مجموعًا فالجمهور على أن (لا) عاملة في الاسم على أنه مبني، وهو مذهب س. وقالت طائفة: هو معرب. ويُنسب إلى الزجاج والسيرافي وأهل الكوفة.
والقائلون بالبناء على طريقين:
أحدهما: أنه جوابٌ رُكب على السؤال، والسؤال مُستغرق بـ (من)، فالجواب مثله.
والثاني: أن ما بعد (لا) مُفتقر إلى (لا) في أنه لا يكون إلا بعد نفي متقدم، فصار كالحرف، والحرف مفتقر إليه، فبُنيا لذلك.
والقائلون بأنها لا تعمل/ على وجهين:
أحدهما: أن (لا) وما بعدها مركب، صارا كشيء واحد، وبعض الشيء لا يعمل في بعضه.
والثاني: أن الأصل (لا من كذا)، فموضعه رفع بمنزلة: هل من رجلٍ؟ وما من رجلٍ، فلما حذف (من)، وتضمنها الاسم، بقي مرفوعًا كحاله الأولى" انتهى، وفيه تلخيص.
стр. 1659
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: "وأجازوا - يعني الكوفيين - لا قائل قولًا حسنًا، ولا ضارب ضربًا كثيرًا، يبنون الاسم المُطول. وخرج هذا على إضمار: يقول قولًا حسنًا، ويضرب ضربًا كثيرًا، والإضمار للدلالة كثير".
فرع: الاسم المركب من قبيل المُشبه بالمضاف من جهة أنه لا يجوز تركيبه مع (لا) وجعلهما كاسمٍ واحد لما يلزم من جعل ثلاثة أشياء كشيء واحد، وذلك لا نظير له في المركب، كما لا خمسة عشر لك) فـ (خمسة عشر) في موضع نصب بـ (لا)، وليست مركبة مع (لا)، والفتحة التي في راء (عشر) هي الفتحة التي كانت فيها قبل دخول (لا) عليها، وليست حادثة بسبب (لا). ومما يبين ذلك أنك لو أدخلت (لا) على (عمرويه) على حد دخولها على (هيثم) في قوله:
لا هيثم الليلة للمطي
لقلت: لا عمرويه، فأبقيت الاسم على كسره، ولم تفتح الآخر بسبب (لا).
стр. 1660
-[ص: فصل
إذا انفصل مصحوب (لا)، أو كان معرفةً، بطل العمل بإجماع، ويلزم حينئذٍ التكرار في غير ضرورة، خلافًا للمبرد وابن كيسان، وكذا التاليها خبرٌ مفردٌ أو شبهه. وأفردت في (لا نولك أن تفعل) لتأوله بـ (لا ينبغي). قد يؤول غير (عبد الله) و (عبد الرحمن) من الأعلام بنكرة، فيُعامل معاملتها بعد نزع ما فيه أو فيما أضيف إليه من ألفٍ ولام، ولا يُعامل بهذه المعاملة ضميرٌ ولا اسم إشارة، خلافًا للقراء.]-
ش: (لا) هذه أضعف في العمل من (ما) الحجازية؛ لأن (ما) جوزوا الفصل بينها وبين اسمها بالخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا على خلاف فيه، وبمعمول الخبر إذا كان أحدهما، نحو: ما اليوم زيدٌ سائرًا، و (لا) لا يجوز فيها ذلك. وإنما كان ذلك لأن شبه (ما) بـ (ليس) أقوى من شبه (لا) بـ (إن). ومثال الانفصال قوله تعالى ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾. وكذلك لو عملت عمل (ليس) أيضًا لم يجز الفصل بينها وبين اسمها، نص على ذلك س.
وقوله أو كان معرفةً إنما لم تعمل في المعرفة من قبل أن موضوع (لا) العاملة أنها/ تنفي نفيًا عامًا على سبيل النصية، و (لا) التي لا تنفي نفيًا عامًا لا خصوصية لها بالأسماء، وإذا لم تختص بالأسماء لم تعمل فيها؛ لأن الحرف إذا لم يختص فبابه ألا يعمل، ولهذه العلة لم تعمل
стр. 1661
(لا) إذا دخلت على النكرة التي فيها معنى الفعل، نحو قولك: لا سلامٌ على زيدٍ، ومن ذلك قوله:
ونُبئت جوابًا وسكنًا يسبني وعمرو بن عفرا، لا سلامٌ على عمرو
يريد: لا سلم الله على عمرو.
فإن قلت: هلا عملت (لا) في المعرفة إذا كانت بـ (أل) الاستغراقية.
فقال المصنف: "لأنها بلفظ العهدية، فليس التنصيص بها على العموم كالتنصيص عليه بـ (من) الجنسية مذكورةً أو منوية".
وقوله بطل العمل بإجماع إن رجع قوله (بإجماع) إلى قوله (أو كان معرفة) صح عند البصريين إذ أجمعوا على ذلك.
وأجاز الكوفيون بناء الاسم العلم سواء أكان مفردًا، نحو: لا زيد ولا عمرو، أو مضافًا إليه، نحو: لا أبا محمد، ولا أبا زيد. وإن كان مضافًا إلى (الله) و (الرحمن) و (العزيز) أجازوا أن تعمل (لا) فيه، فيقولون: لا عبد الرحمن، ولا عبد الله، ولا عبد العزيز، وسيأتي الكلام في هذا.
وإن عاد إلى هذه المسألة والتي قبلها من انفصال مصحوب (لا) فليس بصحيح؛ إذ قدم تقدم لنا النقل عن الرماني أنه إذا فُصل بطل البناء، وجاز النصب.
стр. 1662
وفي (البسيط): قال س: ولا تعمل إذا فُصل بينها وبين اسمها ناصبةً ولا رافعة، وذلك لضعفها عن درجة (إن) و (ما)، وذلك أبين في المبنى لأنه فصل بين الشيء وجزئه.
وأما الفصل فيما عداه فظاهر إطلاق س أنه لا يجوز، ولذلك قدر قوله:
................. لا كالعشية زائرًا ...................
على: لا أرى، ولم يُقدره على: لا زائرًا كالعشية.
وأما الفصل في (لا ضاربًا لك) - أعني بين العامل والمعمول - فيظهر أنه جائز وإن كان س قد شبه ذلك بـ (أفعل من كذا)، لكن من أجل اشتراط تعلق الثاني بالأول لا في جميع أحكامه، وسواء انفصل بالخبر وبالأجنبي.
فأما (لا أبا لك) فلا يجوز الفصل إلا في ضرورة؛ إذ يكون من باب الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فلا تقول (لا أبا فيها لك) إلا على قوله:
كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج
وقوله ويلزم حينئذ - أي: حين إذ بطل العمل إما لأجل الفصل وإما لكون الاسم/ معرفة - التكرار في غير ضرورة هذا مذهب س
стр. 1663
والجمهور. وعلة ذلك قال المصنف: "ليكون التكرار عوضًا مما فاتها من مصاحبة ذي العموم، إن في التكرار زيادة كما في العموم زيادة، ثم حُمل في لزوم التكرار المفصولة على التي تليها معرفة لتساويهما في وجوب الإهمال".
وقال غيره: يلزم تكرار (لا) غير العاملة إذا لم يكن الاسم الذي بعدها في معنى الفعل معرفةً كان أو نكرة؛ ولا يجوز أن تقول (لا زيدٌ عندك) حتى تكرر (لا)، فتقول (ولا عمروٌ). وسبب ذلك أن العرب جعلتها في جواب من سأل بالهمزة وأم، فكما أن السؤال بهما لابد فيه من العطف، فكذلك ما هو جواب له.
فإن قلت: ما المانع من أن يقال (لا زيدٌ في الدار) من غير تكرار في جواب من قال: هل زيدٌ في الدار؟
فالجواب: أن العرب جعلت في جواب من قال (هل زيدٌ في الدار) (ما زيدٌ في الدار) و (ليس زيدٌ في الدار)، واستغنوا بذلك عن (لا).
فإن كان الاسم في معنى الفعل لم يلزم تكرارها، نحو قولك (لا سلامٌ على زيد)؛ لأن معناه: لا سلم الله زيدًا، و (لا نولك أن تفعل)؛ لأنه صار بمنزلة: لا ينبغي لك أن تفعل، و (لا بك السوء)؛ لأنه في معنى: لا يسؤك الله، فحكموا لذلك بحكم ما هو في معناه، فلم يكرروها كما لم يكرروها في الفعل، كما حكموا لـ (يذر) بحكم (يدع) لما كان في معناه.
стр. 1664
فإن قلت: لأي شيء لم تُكرر مع الفعل مع أنها غير عاملة فيه كما كُررت مع الاسم إذا لم تكن عاملة فيه؟
فذكر في الجواب: أنه إنما لم تُكرر مع الفعل لأنها تقع في جواب اليمين، واليمينُ قد تقع على فعل واحد. وأيضًا فإن (لا أفعل) نقيض (لأفعلن)، فمن حيث لم يجب ضم فعل آخر إلى (لأفعلن) لم يجب ذلك في نقيضه.
وزعم أبو العباس أن السبب في عدم لزوم تكرارها مع الفعل أن الأفعال بعدها وقعت موقع الأسماء النكرات التي بُنيت مع (لا)، فكما لا يلزم تكرار (لا) معها فكذلك لا يلزم تكرارها مع الفعل. قال: "ولو قدرتها تقدير (لا رجل في الدار ولا غلام) لقلت: لا يقعد زيدٌ ولا يقوم، ولصارت جوابًا لقوله: أيقوم زيدٌ أم يقعد".
وهذا الذي ذهب إليه باطل لأمرين:
أحدهما: أن (لا) الداخلة على الفعل لا تنفي نفيًا عامً، فلا يجوز أن تُقدر تقدير التي بُني معها الاسم.
وأيضًا فإن (لا) التي تنفي نفيًا عامًا لو جاز/ دخولها على الفعل لكانت غير مختصة، والحروف غير المختصة بابُها ألا تعمل.
وكذلك أيضًا لم تُكرر العرب (لا) - وإن كانت غير عاملة - في قولهم "لا سواءٌ" في جواب من قال "هذان سواءٌ" لأنها جُعلت عوضًا
стр. 1665
من المبتدأ المحذوف، ولذلك لم يقولوا "هذان لا سواءٌ" فيجمعوا بين العوض والمعوض منه، فلما جعلوا (لا) عوضًا من المبتدأ المحذوف أجروها مُجرى المبتدأ، فكما أنه لا يلزم التكرار في قولك "هذان سواءٌ" فكذلك لم يكرروا (لا) في قولهم "لا سواءٌ".
وأما التي فُصل بينها وبين الاسم بخبر فامتنع إعمالها فيه من جهة أن (لا) العاملة تنزلت من الاسم الذي عملت فيه منزلة (من) الزائدة من الاسم الذي دخلت عليه في الجملة الاستفهامية التي وقعت (لا) جوابًا لها؛ فكما لا يجوز الفصل بين (من) الزائدة وما عملت فيه فكذلك لا يجوز الفصل بين (لا) وبين الاسم الذي عملت فيه، فوجب لذلك إذا فُصل بينهما ألا تعمل فيه، ويجب فيها أيضًا أن تُكرر لأن (لا) غير العاملة في الاسم إنما جعلتها العرب في جواب من سأل بالهمزة و (أم)، وقد تدخل على المعرفة، فيغني عن تكرارها حرف نفي غيرها، وهو قليل، قال الشاعر:
وكان طوى كشحًا على مُستكنةٍ فلا هو أبداها، ولم يتجمجم
وقوله في غير ضرورة مثال ما لم تُكرر فيه مع المعرفة قوله:
بكت أسفًا واسترجعت، ثم آذنت ركائبها أن لا إلينا رجوعها
ويروي: بكت جزعًا، وقوله:
أشاء ما شئت حتى لا أزال لما لما أنت شائيةٌ من شأننا شاني
ومثال ما لم تُكرر فيه مع الفصل قول الشاعر:
стр. 1666
وقوله خلافًا للمبرد وابن كيسان أجاز المبرد وابن كيسان إذا فُصل بين (لا) وبين الاسم، أو جاء بعدها معرفة، ألا تُكرر، وذلك في السعة، ولا يختص ذلك بالضرورة، فأجازا: لا في الدار رجلٌ، وأجازا: لا زيدٌ عندك.
فإن قلت: إذا قال القائل: أزيدٌ في الدار؟ فقلت: نعم، أليس يجوز أن يقال: نعم في الدار؟ فما المانع من أن يقال في الجواب: لا زيدٌ في الدار، كما قيل: نعم زيدٌ في الدار؟
فالجواب: أن الجملة في قولك (نعم زيدٌ في الدار) تأكيد لما تضمنته (نعم)، وكأنك قلت: نعم نعم، ولا يكون/ ذلك في (لا لأن قولك (زيدٌ في الدار) إيجاب؛ لأن (لا) قد استقلت بالجواب، فليست داخلة على هذه الجملة بعدها فتنفيها، وإذا كانت إيجابًا فلا يؤكد بها النفي. ولا حجة لهما في قول العرب (لا نولك أن تفعل) و (لا بك السوء) لما ذكرناه من أن معنى الاسم فيه الفعل.
وقال السيرافي رادًا على المبرد ما نصه: فإن هذا الذي أورده: أغلامٌ عندك؟ جوابه: نعم، أو: لا، وأما أحد الاسمين فلا، إنما يُجاب بالاسم من سأل بالهمزة و (أم)، فحينئذٍ تقول: عندي غلامٌ، أو تقول: عندي جاريةٌ، أو تنفيهما، فتقول: لا هذا ولا هذا، فالتكرار لازم لـ (هذا)؛ ألا ترى أن الجواب بالاسم إنما يُرتب على من سأل بالهمزة و (أم).
стр. 1667
قال بعض أصحابنا: وهذا الذي قاله السيرافي إذا حققته اضمحل، وذلك أن جواب من سأل بالهمزة خاصة إنما يكون بـ (نعم) أو بـ (لا) إذا كان السؤال ملفوظًا به، نحو: أغلامٌ عندك؟ فعندما تُجيب هذا تقول: نعم، أو: لا، وأما إذا قدرت سؤالًا فإنما يكون الجواب بالاسم؛ لأنه لا يدري أحد ما يُعني بـ (نعم) أو (لا)، فيتعين هنا الجواب بالاسم.
فهذا الذي ذكرناه للمبرد أن يقوله، وهو حق، وإنما يُرد عليه بأن العرب لم تقل قط (لا غلامٌ) وتلغي (لا) دون تكرار إلا شذوذًا، نحو:
................... .............. أن لا إلينا رُجوعها
فكونهم لا يقولون (لا زيدٌ) دليلٌ على أنهم قد عزموا على أن تكون هذه الملغاة جوابًا لمن سأل بالهمزة وأم، وإذا أرادوا جواب من سأل بالهمزة قالوا: ما زيدٌ عندي، أو: ما عمروٌ. فهذا الذي أراد س، فهو تعليل بعد السماع. فما ذهب إليه المبرد ساقط إذ لا سماع يعضده، ولا يُحفظ من كلامهم. انتهى.
وقوله وكذا التاليها خبرٌ مفردٌ أو شبهه مثال ما وليها خبر مفرد قولك: زيدٌ لا قائمٌ ولا قاعدٌ. وأفهم قوله (مفرد) أنه إذا وليها الخبر وهو جُملة فلا يلزم تكرارها، وليس كذلك، بل إن كانت فعلية كان ذلك، نحو: زيدٌ لا يقوم، وإن كانت اسمية فيلزم تكرارها إلا في ضرورة.
وشبه الخبر المفرد الحال والنعت، نحو: نظرت إليه لا قائمًا ولا قاعدًا، ومررت برجلٍ لا قائمٍ ولا قاعدٍ، فيلزم تكرار (لا) في هذه المواضع إلا في ضرورة، نحو قول الشاعر:
стр. 1668
وأنت امرؤٌ منا، خلقت لغيرنا حياتك لا نفعٌ، وموتك فاجع
وسهل هذا هنا أن (وموتك فاجع) في معنى: ولا موتك يسر، وقول الآخر:
/ قهرت العدا لا مُستعينًا بعصبةٍ ولكن بأنواع الخدائع والمكر
وقول الآخر:
إني تركتك لا ذا عُسرةٍ تربًا فاستعففن، واكف من وافاك ذا أمل
وقوله وأفردت في (لا نولك أن تفعل) لتأوله بـ (لا ينبغي) النول من التنويل والنوال، وهو العطية، ضمن (لا نولك) معنى: لا ينبغي لك أن تفعل، فكما لا يلزم تكرار الفعل بعد (لا) كذلك لم يلزم تكريرها بعد ما هو في معنى الفعل.
قال ابن هشام: "وأن تفعل: فاعلٌ بـ (نولك)، سد مسد الخبر لما كان في معنى الفعل، ونظيره (أقائمٌ الزيدان)، و (ما قائمٌ الزيدان)، فاعل سد مسد الخبر لما كان المعنى: أيقوم الزيدان؟ وما يقوم الزيدان" انتهى.
والذي أذهب إليه أن (نولك) مبتدأ، و (أن تفعل) خبره، وليس مرفوعًا به رفع الفاعل؛ لأنه ليس اسم فاعل ولا اسم مفعول، وتقدم الكلام عليه في أوائل (باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر).
وقوله وقد يؤول إلى قوله من ألفٍ ولام ذكر المصنف أن العلم غير الاسمين اللذين ذكرهما - وهما عبد الله وعبد الرحمن - قد يؤول بنكرة، فيُبنى مع (لا)، أو يُنصب إن كان مضافًا، فإن كانت فيه ألف ولام نحو
стр. 1669
(العزى) نُزعت منه، نحو قول الراجز:
إن لنا عزى، ولا عُزى لكم
أو فيما أضيف إليه نُزعت أيضًا منه، نحو قول عمر (قضيةٌ ولا أبا حسنٍ لها).
وأفهم قول المصنف "غير عبد الله وعبد الرحمن" أن هذين الاسمين لا يؤولا بنكرة، فيعاملان معاملتها، قال في الشرح: "للزوم الألف واللام في عبد الله، وكذا عبد الرحمن على الأصح؛ لأن الألف واللام لا يُنزعان منه إلا في النداء" انتهى.
وقال الفراء: "إنما أجزنا (لا عبدالله لك) لأنه حرف مستعمل، يقال لكل أحد عبد الله، ولا نجيز: لا عبد الرحمن، ولا عبد الرحيم، لان الاستعمال لم يلزم هذين كما لزم عبد الله" انتهي.
وكذلك سُمع: نعم عبد الله خالدٌ، وبئس عبد الله أنا إن كان كذا. ولا يجوز: نعم غلامٌ زيدٌ؛ لأن (عبد الله) ينطلق على كل أحد، فكأنه قال: نعم المرء خالدٌ.
وكان الكسائي يقيس على (لا عبد الله لك) لا عبد الرحمن، ولا عبد العزيز. وقد حكي الفراء عن العرب: قُتل عبد العزيز وعرقل، فلا عبد عزيز ولا عرقل/ ليه، بحذف الألف واللام من (العزيز)، كما حُذفت في (قضيةٌ ولا أبا حسنٍ).
стр. 1670
وفي (الغرة): وقوم من الكوفيين يُجيزون (لا زيد لك)، وأجروا (عبد الله) مُجرى النكرة، وعبد العزيز وعبد الرحمن يجريان مجرى عبد الله، إلا أنهم يُسقطون منهما الألف واللام، فيقولون: لا عبد عزيزٍ ولا عبد رحمن، ولا يعرف هذا بصري.
وقوله فيعامل مُعاملتها يعني: فما كان مفردًا بُني على ما يُنصب به، وما كان منها مضافًا أو مُطولًا أعرب، فمما جاء من ذلك "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده"، وقول الراجز:
لا هيثم الليلة للمطي
وقول ابن الزبير الأسدي:
أرى الحاجات عند أبي خبيبٍ نكدن، ولا أمية بالبلاد
وقال الآخر:
стр. 1671
تُبكي على زيدٍ، ولا زيد مثله سليمٌ من الحمى صحيح الجوانح
وتنكير المعرفة على قسمين:
أحدهما: أن يُجعل الاسم واقعًا في الحال على مسماه وعلى كل من أشبه مُسماه، فيكون إذ ذاك نكرة لعمومه، ومن هذا القبيل الأبيات التي تقدم ذكرها، أوقع (أمية) على الشخص الذي اسمه (أمية) وعلى كل من أشبهه، وكذلك (هيثم) و (زيد)، وإيقاع اسم الشخص على من أشبهه جائز في كلام العرب، نحو: زيدٌ زُهيرٌ، وعلى هذا الضرب تُنزع الألف واللام إن كانت فيه؛ لأن التنكير مع وجودهما غير جائز، ومنه (ولا أبا حسنٍ)، و (لا عبد عزيزٍ).
والضرب الثاني: أن يكون (مثل) مضافًا إليه في التقدير، فعلى هذا تقول (قضيةٌ ولا أبا الحسن) بإثبات (أل) في الحسن، تريد: ولا مثل أبي الحسن، وتكون على هذا قد نفيت أن يكون للقضية أبو الحسن أو من يشبهه، على حد قولهم: مثلك من يفعل كذا، يريدون: أنت وأمثالك تفعلون كذا. ومن هذا الضرب ما حكاه الكسائي من قول بعضهم (لا أبا حمزة لك)، وأبو حمزة ليس مُنكرًا على الطريق الأول بدليل منعه الصرف، وإنما هو مُنكر على الطريق الثانية، والتقدير: لا مثل أبي حمزة لك، فحُذف (مثل)، وأقيم ما أضيف إليه مُقامه، ورُوعي المعنى بعد الحذف.
وحكي الكسائي أيضًا (لا أبا محمد لك)، وكان القياس (لا أبا محمدٍ لك) على الضربين السابقين، فحمله بعض النحويين على أنه من قبيل/ الأسماء المركبة، نُقل من الإضافة إلى التركيب.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يكون ممنوع الصرف، وهو مما مُنع
стр. 1672
لسبب واحد - وهو التعريف - نحو قوله:
أنا أبو دهبل وهبٌ لوهب
والتنكير على الضرب الأول أحسن من التنكير على الضرب الثاني؛ لأن العرب إذا حذفت المضاف وأقامت المضاف إليه مُقامه فإنما تجعل الحكم للملفوظ به، ولا تجعله للمحذوف إلا في قليل من الكلام، وبابه الشعر، نحو قوله:
تأتي المُقيم وما سعى حاجاته عدد الحصى، ويخيب سعي الطالب
نصب (عدد الحصى) على الحال، وهو معرفة في اللفظ، لما كان التقدير: مثل عدد الحصى.
فإن قلت: ما الدليل على أن هذه الأسماء المعارف مؤولة بنكرة؟ ولعلها عملت فيها (لا) وهي باقية على تعريفها على سبيل الشذوذ، كما عملت (لا) في المعرفة عمل (ليس) على طريق الشذوذ، كما عملت (لا) في المعرفة عمل (ليس) على طريق الشذوذ.
فالجواب: ما ذكره الفراء من أن من قال (لا أمية لك)، ثم نعت نعته بنكرة وإن كان له لفظ التعريف بترك إجرائه، فقال (لا أبا أمية عاقلًا لك)، ولا يقال (العاقل) لنيابته عن النكرة.
وفي (الغُرة): فأما قول الشاعرك
لا هيثم الليلة للمطي
وقولهم (قضية ولا أبا حسنٍ) ففيه وجهان:
стр. 1673
أحدهما: أنه جعل من جماعةٍ كل واحد منهم هيثم، فتنكر، كما تقول: زيدين.
والآخر: أنه فيه حذف، تقديره: لا مثل هيثم. وقالوا على هذا (أما البصرة فلا بصرة لكم)، و (أما بغداد فلا بغداد لكم). وعلى القول الثاني لا يجوز وصفه عند الأخفش لأنه في موضع نكرة، فلا يجوز وصفه بالمعرفة، ولا يجوز وصفه بالنكرة وهو معرفة، فبطل الوصف.
وقال المصنف في الشرح: "قدر قوم العلم المعامل بهذه المعاملة مضافًا إليه (مثل). وقدره آخرون بـ (لا مُسمى بهذا الاسم)، أو بـ (لا واحد من مسميات هذا الاسم). ولا يصح واحد من التقديرات الثلاثة على الإطلاق:
أما الأول فممنوع من ثلاثة أوجه:
أحدها: ذكر (مثل) بعده، نحو:
تُبكي على زيدٍ، ولا زيد مثله .........................
فتقدير (مثل) قبل (زيد) مع ذكر (مثل) بعده وصفًا أو خبرًا يستلزم وصف الشيء بنفسه، أو الإخبار عنه بنفسه، وكلاهما ممتنع.
الثاني: أن المتكلم بذلك إنما يقصد نفي مُسمي العلم المقرون بـ (لا)، فإذا قدر (مثل) لزم خلاف المقصود؛ لأن نفي مثل الشيء لا تعرض فيه لنفي/ ذي المثل.
стр. 1674
الثالث: أن العلم المُعامل بها قد يكون انتفاء مثله معلومًا لكل أحد، فلا يكون في نفيه فائدة، نحو: لا بصرة لكم، ولا أبا حسنٍ لها، و "لا قريش بعد اليوم".
وأما التقدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارهما مطلقًا، فإن من الأعلام المُعاملة بذلك ما له مُسميات كثيرة، كأبي حسنٍ وقيصر، فتقدير ما كان هكذا بـ (لا مُسمى بهذا الاسم)، أو بـ (لا واحد من مُسمياته) لا يصح لأنه كذب، فالصحيح ألا يُقدر هذا النوع بتقدير واحد، بل يُقدر ما ورد منه بما يليق به، وبما يصلح له، فيُقدر (لا زيد مثله) بـ: لا واحد من مُسميات هذا الاسم مثله، ويُقدر (لا قريش بعد اليوم) بـ: لا بطن من بطون قريش بعد اليوم، ويُقدر (لا حسنٍ لها) و (لا كسرى بعده، ولا قيصر بعده) بـ: لا مثل أبي حسنٍ، ولا مثل كسرى، ولا مثل قيصر، وكذلك: لا بصرة، ولا أمية، ولا عزى. ولا يضر في ذلك عدم التعرض لنفي ذي المثل؛ فإن سياق الكلام يدل على القصد".
وقوله ولا يُعامل بهذه المعاملة ضميرٌ ولا اسم إشارة، خلافًا للفراء لم تقل العرب (لاك) ولا (لا إياك لنا). وأجاز الفراء (لا هو) و (لا هي) على أن يكون الضمير اسم (لا) محكومًا بتنكيره ونصبه.
وهذا في غاية الضعف، فإن سُمع ذلك مع العرب كان تأويله على خلاف ما أجازه الفراء، فيكون (هو) مرفوعًا على الابتداء، وحُذف الخبر لدلالة المعنى عليه، ولم تتكرر (لا) على سبيل الشذوذ.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: وأجازوا - يعني الكوفيين - دخول
стр. 1675
(لا) على المضمر، وتكون بمنزلة (إن)، وبمنزلة (ليس)، فأجازوا في (لا هو) على الوجهين، وحكوا: إن كان أحدٌ سلك هذا الفج فلا هو بهذا.
وفي (الغرة): وأجازوا - يعني قومًا من الكوفيين - دخولها على المضمر الغائب، وحكوا: إن كان واحدٌ في هذا الفج فلا هو. ولا يعرف هذا بصرىٌ وأنشد الفارسي:
ولا هي إلا أن تُقرب وصلها علاةٌ كناز اللحم ذات مشاورة
وأجاز الفراء أيضًا: لا هذين لك، ولا هاتين لك، على أن يكون اسم الإشارة اسم (لا) محكومًا بتنكيره. وما أجازه في اسم الإشارة منقول عن العرب، لكنه من الشذوذ والقلة بحيث لا يُقاس عليه.
ص: ويُفتح أو يُرفع الأول من نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فإن فُتح فُتح الثاني أو نصب أو رفع، وإن رفع الثاني أو فتح. وإن سقطت (لا) الثانية فُتح الأول ورُفع الثاني/ أو نُصب، وربما فتح منويًا معه (لا).
وتنصب صفة اسم (لا) أو تُرفع مطلقًا، وقد تُجعل مع الموصوف كـ (خمسة عشر) إن أُفردا واتصلا، وليس رفعها مقصورًا على تركيب الموصوف، ولا دليلًا على إلغاء (لا)، خلافًا لابن برهان في المسألتين.
وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرفع، فإن لم يصلح لعملها تعين رفعه. وكذا المعطوف نسقًا.
стр. 1676
وإن كرر اسم (لا) المفرد دون فصلٍ فُتح الثاني أو نُصب.
ش: مسألة: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وما أشبهها فيها خمسة أوجه:
[الأول]: لا حول ولا قوة، الفتح في (حول) وفي (قوة) على البناء، فتكون (لا) الثانية كالأولى، ومن ذلك ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾.
الثاني: لا حول ولا قوةً، الفتح في (لا حول) على البناء، والنصب في (قوةً) على العطف على لفظ اسم (لا)، و (لا) الثانية زائدة لتأكيد النفي، مثلها في قولهم: ليس زيدٌ ولا أخوه عندك، ومن ذلك قول الشاعر:
لا نسب اليوم ولا خُلةً إتسع الخرق على الراقع
وقوله:
رعت إبلي برمل عتود إذ لا مقيل بها ولا شربًا نقوعا
وفي (الغرة): "النصب بالتنوين في المفرد المعطوف على المبني مع (لا) لا يُجيزه يونس وجماعة من النحاة إلا على الضرورة، كما لا
стр. 1677
يُجيزون تنوين المنادى المفرد المعرفة، وغيرهم يُجيزه مع (لا)، يجعل (لا) الثانية زائدة مؤكدة، كما تقول: ليس زيدٌ قائمًا ولا عمروٌ منطلقًا، فتكون (لا) مؤكدة، يدلك على ذلك قولهم: ليس زيدٌ ولا عمروٌ ذاهبين. ولما اطرد في الأولى أن يكون المفرد بعدها مبنيًا على الفتح تنزلت منزلة المُحدث للفتحة، فحُمل الثاني على لفظ الأول، ولم يُبن الاسم الآخر على الفتح لأنه اعتُقد أن (لا) الثانية زائدة. وليس بصحيح أن يُبنى مع الأولى أيضًا لأجل عطف العطف، ولئلا تكون ثلاثة أشياء واحدًا، وهذا نظير (يا زيد والحارث) في عطف معرب مرفوع على معطوف منصوب الموضع؛ بخلاف المنادى لأنه مضموم اللفظ منصوب الموضع" انتهى.
الثالث: لا حول ولا قوةٌ، الفتح في (لا حول) على البناء، والرفع في (قوةٌ) من وجهين:
أحدهما: أ، يكون/ معطوفًا على موضع (لا) مع اسمها، و (لا) زائدة لتأكيد النفي، مثلها في قولهم: ليس زيدٌ ولا أخوه عندك.
والوجه الثاني: أن تكون (لا) بمنزلة (ليس)، والنكرة مرفوعة اسمها. وعلى العطف على الموضع قوله:
стр. 1678
بها العين والآرام لا عد عندها ولا كرعٌ إلا المغرات والربل
وقوله، وهو جرير:
بأي بلاءٍ يا نُمير بن عامرٍ وأنتم ذنابى، لا يدين ولا صدر
وقول الآخر:
هذا - وجدكم - الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
أنشده س وأبو علي على ذلك، وعدلوا إليه، ولم يذهبوا إلى أن (لا أب) ارتفع فيه (أب) على أن تكون (لا) بمنزلة (ليس)، ويكون (أب) اسمها، لما يؤدي إليه ذلك من كثرة الحذف؛ إذ يلزم حذف خبر ليس، وحذف شرط آخر، وحذف جوابه بتقدير جعل (لا) بمنزلة (ليس) لأنها مستأنفة، فيصير من عطف الجمل، ولا يريد انتفاء الأب على الإطلاق، بل انتفاءه على تقدير شرط، وهو: إن كان ذاك ولا أب. وفي الوجه الأول ليس فيه إلا حذف جواب الشرط الذي هو: إن كان ذاك، و (لا أب) من عطف المفردات، فلذلك رجحا حمل البيت على ما ذكرناه.
الرابع: لا حولٌ ولا قوةٌ، نحو قوله ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾، وقول الشاعر:
وما هجرتك حتى قلت معلنةً لا ناقةٌ لي في هذا ولا جمل
стр. 1679
ولا يخلو النفي من أن يكون عامًا أو غير عام، إن كان غير عام لم تعمل (لا) شيئًا، وكان ارتفاع الاسمين على الابتداء. وإن كان عامًا جاز أن تكون (لا) الأولى و (لا) الثانية بمنزلة (ليس)، والنكرتان مرتفعتان بهما، وجاز أن تكون الأولى بمنزلة (ليس)، والثانية زائدة لتأكيد النفي في العطف، والنكرة بعدها معطوفة على النكرة قبلها.
الخامس: لا حولٌ ولا قوة، يرفعون الأول لأن (لا) بمنزلة (ليس)، ويُفتح الثاني لأنها بمنزلة (إن)، وعلى هذا الوجه الخامس قوله:
فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها وما فاهوا به لهم مُقيم
ولا يجوز أن تقول (لا حولٌ ولا قوةً) برفع الأول ونصب الثاني منونًا، ولا (لا حولًا ولا قوة) بنصب الأول وتنوينه إلا إن اضطر شاعر فنون، / نحو قوله:
متى ما تزرنا تلقنا لا محالةً بقرقرةٍ ملساء ليست بقردد
وقوله وإن سقطت (لا) الثانية فُتح الأول، ورُفع الثاني أو نُصب رفع الثاني على الموضع، ونصبه على اللفظ، ومنه قوله:
стр. 1680
فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
وقوله وربما فُتح منويًا معه (لا) حكى أبو الحسن أن من العرب من يُسقط التنوين من المعطوف، فيقول: لا رجل وامرأة، وذلك على نية (لا)، وكأنه قال: ولا امرأة، فحذف (لا) لدلالة ما قبلها عليها، وأبقى الحكم على ما كان عليه، كما حذفوا في: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمةً، حذفوا (كلا) لدلالة ما قبلها عليه، وأبقوا أثرها، وهو الخفض، وعلى هذا حمل أبو الحسن ما حكاه، وهي لغة ضعيفة. ولم يجز أن يجعل ذلك من باب التركيب كخمسة عشر، كما ركبوا في الصفة، لحجز حرف العطف بينهما، ولم يجز أن يُجعلا مع حرف العطف بمنزلة اسم واحد لأنه لا يوجد في الأسماء المركبة ما هو مركب من ثلاثة ألفاظ.
وقوله وتنصب صفة اسم (لا) أو تُرفع مطلقًا مثال النصب: لا رجل ظريفًا عندك، ولا رجل ضارب زيدٍ في الدار، ولا رجل ضاربًا زيدًا في الدار. وهذا الوجه أكثر في الكلام وأحسن قياسًا على سائر المبنيات التي هي في موضع نصب بالعوامل الداخلة عليها؛ ألا ترى أن رجلًا من قولك (لا رجل) مبنيٌ في موضع نصب بـ (لا)، كما أن (هذه) من قولك (رأيت هذه) مبنية في موضع نصب بـ (رأيت)، فكما تقول: رأيت هذه العاقلة، فتنصب الصفة، فكذلك تقول: لا رجل عاقلًا لك، فتنصب الصفة.
ومثال الرفع: لا رجل ظريفٌ عندك، ولا رجل ضارب زيدٍ، ولا رجل ضاربٌ زيدًا، فتجري الصفة على الموصوف في موضعه لأن موضع (لا) مع (رجل) رفع لأنه مبتدأ، فتجريه على الموضع.
стр. 1681
ويعني بقوله (مطلقًا) أي: لتركيب وعدمه، وفي اتصال الصفة وانفصالها، وفي كونها مفردة أو مضافة أو مُطولة.
ووقع لبعض أصحابنا وهم، وهو أن اسم (لا) إذا كان معربًا فلا يُتبع إلا على لفظه. وهو شبيه بما ذهب إليه ابن برهان، وسيأتي مذهبه. ووهم آخر، وهو أن النعت إذا كان مضافًا أو مطولًا فلا يجوز الإتباع فيه/ إلا على لفظ اسم (لا)، نحو: لا رجل صاحب دابةٍ في الدار، ولا رجل خيرًا من زيدٍ.
وفي (البسيط) ما ملخصه: الظاهر أن اسم (لا) لا موضع له من الإعراب لفقدان الطالب؛ فكل ما دخل على الجملة الابتدائية للعمل أبطل معنى الابتداء، فارتفع حكمه، فلا موضع، إلا أن النحويين قالوا: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، عطف على موضع (إن)؛ لأن هذا العامل ضعيف لم ينسخ معنى الابتداء، فكأنه لم يرتفع، بخلاف ليت ولعل وكأن، وفي حكم (إن) (لا) لأنها عامل ضعيف، لا يقال إنها تُغير معنى الابتداء لضعفها، فلا يكون لها موضع؛ لأنا نقول: النفي لا يُغير معنى الخبر إذ هو والإيجاب نوعان للخبر، بخلاف التمني والتشبيه، وإذا كان لها موضع فهو رفع، وهو على وجهين: إما (لا) وما بعدها في موضع مبتدأ، كما في (بحسبك)، وهو ظاهر كلام س. وإما أن يكون ما بعدها، أي: ما (لا) في موضع مبتدأ بمنزلة (إن زيدًا)، ولما كانت عاملةً النصب، ومنع
стр. 1682
من ظهوره البناء، صارت عاملة في المحل بمنزلة: إن هذا قائمٌ، فصار لها محل، ولأن هذا الاسم صارت حركة بنائه بمنزلة حركة الإعراب، فصار له لفظ، كما في باب النداء في: يا زيد العاقل. فحصل من هذا أن الرفع له وجهان، والنصب وجهان.
وقوله وقد تُجعل مع الموصوف كـ (خمسة عشر) إن أفردا واتصلا مثاله: لا رجل ظريف، جعل المنفي ونعته بمنزلة اسم واحد، كما جعل المنادى ونعته في قولك (يا زيد بن عمرو) بمنزلة اسم واحد؛ لأن باب النفي بـ (لا) شبيه بباب النداء من جهة أن علامة البناء في البابين شبه الإعراب لاطرادها.
وسهل ذلك في هذا الباب كون بناء الاسم مع الاسم أكثر في كلام العرب من بناء الاسم مع الحرف؛ لأن تركيب الاسم مع الاسم قد جاء في هذا الباب وفي غيره كثيرًا، وتركيب الحرف مع الاسم إنما جاء في هذا الباب، ولم يجيء في غيره إلا قليلًا، ومنه:
أثور ما أصيدكم أم ثورين
فجعل (ما) مع (ثور) بمنزلة اسم واحد، ولذلك حذف التنوين، وتركيب الصفة مع الموصوف دون (لا)؛ لأنه لا يكون ثلاثة أشياء كشيء واحد، ولا يكون هذا التركيب بدون (لا) مع الوصف.
وعلة البناء كون الوصف من تمام اسم (لا)، واسم (لا) وجب له البناء لتضمنه معنى الاستغراق، وهذا من تمامه، فصارا كأنهما تضمنا معنى (من)؛ ألا ترى/ أن غير المبني إذا كان مفتقرًا إلى مبني ليُتمه
стр. 1683
اكتسب منه البناء، كظروف الزمان إذا أُضيف إلى الظروف المبنية.
وقد يقال: لا يبعد أن يُحمل على لفظه في الإعراب لأنه أشبه حركة الإعراب، ولا يلزم من الحمل عليه أن يُبنى المحمول؛ لأنك لما جعلت الأول في حكم الإعراب ارتفع البناء حكمًا.
وقد قيل: يجوز أن يُتبع بحذف التنوين، وتكون الفتحة إعرابًا، وحذف التنوين للمُشاكلة. فعلى هذا يكون محمولًا على محله وعلى لفظه.
وفي (الغرة): "ويجوز أن تبني الصفة مع الموصوف، وتفك (لا) من البناء، فتقول: لا رجل ظريف. وإنما فككتها منه لئلا تجعل ثلاثة أشياء شيئًا واحدًا.
ورأيت كلام الفارسي يدل على أن ثلاثة أشياء قد جُعلت شيئًا واحدًا، ذكره في كتاب (الإغفال)، قال: لأن فتحة فاء ظريف فتحة تركيب نائبة عن فتحة البناء مع (لا) النائبة مناب نصبه، وإنما فعلوا ذلك لشدة اتصال الصفة بالموصوف" انتهى.
وشرط الإفراد في الموصوف وفي الصفة، فلو كان الموصوف مضافًا أو مُشبهًا بالمضاف فلا بناء. وشرط أيضًا الاتصال، فلو فُصل بينهما بشيء فلا بناء. وإنما لم يجز البناء مع المُطول والمضاف لأن العرب لم تُركب واحدًا منهما مع اسم آخر في موضع من المواضع لطولهما. ولم يجز البناء مع الفصل لحجز الفاصل بينهما. ولو قلت (لا رجل ظريفًا عاقلًا في الدار) لم يُبن (عاقلًا) مع (رجل) لحجز الوصف الأول بينهما، ولم تُركب الصفتان مع (رجل) لأن العرب لا تركب ثلاثة ألفاظ وتجعلها بمنزلة لفظ واحد في موضع من المواضع.
стр. 1684
وقوله وليس رفعها مقصورًا على تركيب الموصوف أي: ليس رفع الصفة مقصورًا على تركيب الموصوف مع (لا)، بل يجوز الرفع سواء أكان الاسم مُركبًا مع (لا) أم مضافًا أو مُطولاً، فتقول: لا مثل زيدٍ ظريفٌ عندنا، ولا ضاربًا زيدًا ظريفٌ عندنا، كما تقول: لا رجل ظريفٌ عندنا.
وقوله ولا دليلًا على إلغاء (لا) بل يكون الرفع مع الإلغاء ومع الإعمال كما مثلنا.
وقوله خلافًا لابن برهان في المسألتين قال المصنف في الشرح: زعم ابن برهان أن صفة اسم (لا) لا تُرفع إلا إذا كان الموصوف مُركبًا مع (لا)، فإن رفعها دليل على إلغاء (لا). وحمله على ذلك أن العامل في الصفة هو/ العامل في الموصوف، والاسم الموصوف لا يعمل الابتداء فيه، فلا عامل له في صفته. والاسم المبني على الفتح إن نصبت صفته دل ذلك عنده على الإعمال، وإذا رفعت دل ذلك عنده على الإلغاء.
وما ذهب إليه غير صحيح لأن إعمال (لا) المشار إليها عند استكمال شروطها ثابت بإجماع العرب، فالحكم عليها بالإلغاء دون نقصان الشروط حكمٌ بما لا نظير له.
وقوله "لا عمل للابتداء في الاسم المنصوب" غير مُسلم، بل له عمل ي موضعه، كما له بإجماع عملٌ في موضع المجرور بـ (من) في نحو: هل من رجلٍ في الدار؟ فصح ما قلناه، وبطل ما ادعاه" انتهى كلام المصنف.
وقوله وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرفع مثال ذلك: لا أحد
стр. 1685
فيها رجلٌ ولا امرأةٌ، بالرفع والنصب، وسواء أكان البدل مفردًا أم مضافًا أم مُطولًا، نحو: لا أحد فيها صاحب دابةٍ، بنصب (صاحب) ورفعه، ولا أحد فيها خيرًا من زيدٍ، بنصب (خير) ورفعه. ولا يجوز أن يُجعل المبدل منه والبدل بمنزلة اسم مركب، كما جاز ذلك في النعت؛ لأنه على نية تكرار العامل، فبينهما حاجز مقدر.
وقوله فإن لم يصلح لعملها تعين رفعه مثاله: لا أحد فيها زيدٌ ولا عمروٌ، فلا يجوز في زيد ولا عمرو إلا الرفع حملًا على الموضع، ومنه ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾.
وقوله وكذا المعطوف نسقًا مثاله: لا غلام فيها ولا زيدٌ، لا يجوز في (زيد) إلا الرفع عطفًا على الموضع؛ لأن المعارف لا تعمل فيها (لا) الناصبة، وهذا بناء على أن المعطوف يحل محل المعطوف عليه. ومن لم يقل ذلك، وقال (كل شاةٍ وسخلتها بدرهمٍ)، قال: لا غلام ولا العباس، ولا رجل عندنا ولا أخاه. انتهى من البسيط.
وقال س ما معناه: إنك إذا قلت: لا غلام، ثم جئت باسم علم أو مُعرف فلا سبيل إلا أن تحمله على الموضع؛ لأن (لا غلام) في موضع اسم مبتدأ، فيعمل في المعطوف الابتداء، ولو كانت (لا) بمنزلة (ليس) لم يجز الحمل أصلًا لأنه لا موضع ثم، فإنما كان يكون محمولًا على لفظ الاسم، فتكون (لا) عاملة، ولا تعمل في معرفة أصلًا، فلهذا يمتنع الا يُحمل على الموضع. ومن قال (كل شاةٍ وسخلتها) فحمل على محل المعرفة، وهي لا تدخل عليه، قال هنا: لا غلام لك ولا أخاه. وسوغ له التشريك أن دخل الثاني ما دخل الأول.
следующие страницы →