Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
يا رب يوٍم لي، لا أظلله أرمض من تحت وأضحى من عله
وقول الآخر:
في ليلة يحبها الطعام
ومن التوسع في ظرف المكان قوله:
ومشرٍب، أشربه، رسيل لا آجن الطعم ولا وبيل
فالضمير في "شهدناه" عائد على يوم، وفي "لا أظلله" عائد على يوم، وفي "يحبها" عائد على ليلة، وفي "أشربه" عائد على مشرب، وهو مفعل من الشرب، أي: مكان شرب، وكان الأصل: شهدنا فيه، ولا أظلل فيه، ويحب فيها، وأشرب فيه، فاتسع، ونصب الضمير نصب المفعول به مجازًا، ومن تمثيل س: سير عليه فرسخان.
قال ابن هشام الخضراوي: الضمائر من الزمان والمكان لا تقع خبرًا للمبتدأ منصوبة كما يقع الظرف في شيء من كلام العرب؛ تقول: يوم الخميس سفري فيه، ولا تقول: / [٤: ١٠/ ب] سفري إياه، ولا: إن سفري إياه، ولا: كان سفري إياه، إلا أن تدخل عليه "في". فدل هذا على أن الضمائر لا تنتصب
стр. 2487
ظروفًا؛ لأن كل ما ينتصب ظرفًا يجوز وقوعه خبرًا إذا كان مما يصح عمل الاستقرار فيه، ولم أر أحدًا نبه على] ذلك [هذا التنبيه.
وقوله والإضافة تارة يضاف إليه المصدر على طريق الفاعلية، كقوله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. وتارة على طريق المفعول به، كقوله تعالى ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، أي: إمضاء أربعة أشهر بتربص. وتارة يضاف إليه الوصف على طريق الفاعلية، كقولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار
وتارة على طريق المفعول به، كقولهم: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما س، وقال:
رب ابن عم لسليمى مشمعل طباخ ساعات الكري زاد الكسل
وقال:
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه فدعه إلى اليوم الذي أنت قادره
стр. 2488
قال الفارسي: "إذا أضفت إلى شيء منه، فقلت: يا سائر اليوم ويا ضارب اليوم - لم يكن إلا اسمًا، وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفًا؛ لأنها إذا كانت ظروفًا كانت في مراده فيها ومقدرة معها؛ بدلالة ظهورها مع علامة الضمير، فإرادة ذلك فيها تمنع الإضافة إليها؛ ألا ترى أنك إذا حلت بين المضاف والمضاف إليه بحرف جر نحو اللام في غلام لزيٍد لم تصح الإضافة، ومنع منها الحرف".
قال ابن هشام الخضراوي: "ولا يظهر عندي؛ لأن كل مضاف سوى باب الحسن الوجه يقدر باللام أو بمن، وعند قوم أن اللام أو من هو الخافض، ولم يمنع ذلك من الإضافة. وقولنا الظرف مقدر بفي معناه تصلح في اللفظ إن كان متمكنًا، لا نعني إضمارها لعدم الخفض، ولا تضمينها لعدم البناء، وإذا لم تضمر ولم تضمن فتقدرها تقدير معنى، كتقدير لام الملك في: غلام زيد، ومن التبيين في: ثوب خز، فكذا تقول هنا في الوعاء، ولا تمنع الإضافة كما لم يمنعها تقدير لام الملك. والذي أراد س أن الأول يخفض الثاني بالنيابة عن حرف الجر، فصار بمنزلته، وقام الدليل عند س على أن حرف الجر يخرج الظرف عن ظرفيته بدليل سين وسط، سكنوه متى جعلوه ظرفًا، وفتحوه غير ظرف، فإذا قالوا "في وسط" فكلهم يفتحها، ولا يسكنها أحد، وهذا وجدته لابن طاهر، وهو كلام صحيح، ولو قال الفارسي: الظرف إذا عمل فيه الفعل صح دخول الجر عليه، فإذا دخل لم يصح دخول آخر، وكذا إذا / [٤: ١١/ أ] أضيف إليه لم يصح دخول حرف الجر، ومعنى الظرفية مصاحب لجواز دخول الحرف أو تقدير دخوله - كان صحيحًا" انتهى.
стр. 2489
وقال ابن عصفور: "هذا الذي استدل به - يعني الفارسي- هو الذي عول عليه أكثر النحويين، وهو عندي ضعيف؛ لأن العرب تفصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر ملفوظًا به في باب لا، نحو قولك: لا أبا لك، وفي باب النداء، نحو قوله:
................. يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
وإذا لم يعتدوا به فاصلًا وهو ملفوظ به فالأحرى ألا يعتدوا به فاصلًا وهو مقدر، وليس ما ذكروه من أن المقدر بمنزلة الملفوظ به صحيحًا؛ إذ لو كان كذلك لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع التلفظ بـ "في"، بل لقائل أن يقول: كما لم يعتدوا بـ "في" المقدرة، ولذلك نصبوا، كذلك ينبغي ألا يعتدوا بها إذا أضافوا، وإلى ذلك ذهب أبو موسى الجزولي، فإنه أجاز الإضافة مع بقاء الظرفية.
فإن قال قائل: إنما جاز الفصل باللام لأنها مؤكدة لمعنى الإضافة من حيث كانت على معنى اللام، ولذلك لم يجز الفصل بغيرها من حروف الجر التي لا يوافق معناها معنى الإضافة، فأما قوله:
وقد علمت أن لا أخا بعشوزن ولا جار إذ أرهقتها بالحوافر
فالأخ ليس بمضاف، وإنما جاء به على لغة من يقول أخا كعصا، والظرف على تقدير في، ومعنى في غير موافق لمعنى الإضافة، فلذلك لم تجز الإضافة إلى الظرف.
стр. 2490
فالجواب: أن الإضافة إلى الظرف من قبيل إضافة التخفيف، وليست على معنى اللام فيناقض معناها معنى في، وإنما المخفوض منصوب في التقدير. والدليل على أن الإضافة للتخفيف أن المضاف لا يتعرف بها وإن كان الذي أضيف إليه معرفة؛ ألا ترى أن طباخاً لم يتعرف بإضافته إلى ساعات الكرى، ولذلك أجري على النكرة.
والصحيح عندي أنه لا يضاف إليه إلا بعد الأتساع فيه كما ذهب إليه أبو علي، لكن العلة فيه غير ما ذكره، وهو أن الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية؛ ألا ترى أن وسطاً إذا دخل عليها الخافض صارت اسماً بدليل التزامهم فتح سينها، و «وسط» المفتوحة السين لا تكون إلا اسماً. والسبب في خروج الظروف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره أبو الحسن في كتابه الكبير من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم ولا فعل؛ لشبهه به من حيث كان أكثر الظروف أخرج منها الإعراب، وأكثرها أيضاً لا يثنى ولا يجمع ولا يوصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء.
وقوله والإسناد إليه قال المصنف في الشرح: «من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف/ [٤: ١١/ب] المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول كقوله تعالى ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾، وقوله ﴿إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وكقول الشاعر:
стр. 2491
أقول للحيان، وقد صفرت لهم وطابي، ويومي ضيق الجحر معور
والثاني كقولهم: ولد له ستون عاماً، وصيد عليه الليل والنهار، وكقول الشاعر:
أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في جوف منحوث من الساج
يعني نفسه، وكان مأسوراً، فأخبر أن نهاره مقيد، وليله مسجون، مبالغة ومجازاً» انتهى.
وقد يتوسع فيه بأن يرتفع خبراً، نحو: الضرب اليوم.
وزاد بعض الشيوخ وجهاً آخر مما يخالف فيه الظرف الظرف المتوسع فيه، وهو أن الظرف لا يؤكد، ولا يبدل؛ لأن الظرف زيادة في الكلام غير معتمد عليها، بخلاف المفعول. قال صاحب البسيط: «وفي هذا نظر» انتهى.
وظاهر كلام المصنف أن كل ظرف يجوز فيه التوسع، فيجوز فيه ما ذكر من الأحكام.
وفي البسيط: ليس هذا التوسع مطرداً في كل ما يكون ظرفاً من الأمكنة كما كان في الزمان؛ بل المتوسع فيه من الأمكنة سماع، وغير المتوسع فيه من الأزمنة سماع، يقال في المكان: نحي نحوك، وقصد قصدك، وأقبل قبلك، رفعوا، فدل على نصب التوسع، ولا يجوز في خلف وأخواتها، فتقول: ضربت خلفك، فتجعله مضروباً، وكذلك لا يتوسع فيها فتجعلها فاعلاً كما في ظرف الزمان، فتوسع الفاعل والمفعول غير مطرد في المكان، وإنما كان ذلك لأن ظروف الزمان
стр. 2492
أشد تمكناً منها في هذا، وقد نبه عليه س. ولا يقال: ظروف المكان هي أشد تمكناً لقربها من الأشخاص؛ لأنا نقول: ظرف المكان أشد تمكناً من الزمان من وجه، وهو قربها من الأناسي، وهو الموجب لأن يتعدى الفعل لها بالوساطة إلا ما أبه الزمان منها، وظرف الزمان أشد منه تمكناً في الانتصاب بعد الفعل، والتوسع معلول به، فلذلك لم يكن هذا التوسع في المكان، وإنما كان معلولاً لقوة فهم المعنى والدلالة. وأما التوسع في الرفع بأنه خبر الابتداء فجائز في كلها إلا ما لزم الظرفية كدونك، وهو في هذا كظرف الزمان، وهو مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون والجرمي إلى أنه لا يجوز كما في الأول إلا في ضرورة من قافية، كقوله
......................... ............... خلفها وأمامها
وقوله ويمنع من هذا التوسع على الأصح تعدي الفعل إلى ثلاثة [٤: ١٢/أ] / هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: جواز ذلك، وهو مذهب الأخف، وهو ظاهر كلام س، وعزاه ابن خروف إلى س، قال ابن خروف: «وإنما قاسه س، ولم يقس النقل- يعني في باب أعلم- لأن النقل فيه نصب الفاعل، ولا ينصب الفاعل إلا تشبيهاً بما ثبت أصله في الكلام، كما نصب الفاعل في: حسنٍ الوجه، تشبيهاً بضارب زيداً. ونصب الظرف على الأتساع ليس فيه تغييره عما كان عليه، وجميعه مجاز في متعد لواحد
стр. 2493
أو أكثر، والنقل كله حقيقة، فاقتصر فيه على السماع، بخلاف نصب الظرف على الأتساع، فإنه مجاز، ولا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه» انتهى.
قال س في «باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين» ما نص: «واعلم أن هذه الأفعال إذا انتهت إلى ما ذكرت لك من المفعولين، فلم يكن بعد ذلك متعدى- تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل، وذلك قولك: أعطى عبد الله زيداً المال إعطاء جميلاً، وسرقت عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفاً، ولكن كما تقول: يا سارق الليلة زيداً الثوب، لم تجعلها ظرفاً» انتهى. يريد س أنها- وإن وصلت إلى غاية التعدي- فلا يمنعها ذلك من أن تتعدى اتساعاً لما تعدى إليه اللازم والمتعدي لواحد ولاثنين في الاتساع من نصب الظرف والمصدر نصب المفعولية؛ وهذا مذهب الجمهور.
المذهب الثاني: جواز ذلك في اللازم، وفي المتعدي إلى واحد، وفي المتعدي إلى اثنين، ولا يجوز في المتعدي إلى ثلاثة؛ وذلك أن الأتساع مع الفعل اللازم له ما يشبه به، وهو المتعدي إلى واحد، والأتساع مع المتعدي إلى واحد له ما يشبه به، وهو المتعدي إلى [اثنين، والأتساع مع المتعدي إلى اثنين له ما يشبه به، وهو المتعدي إلى] ثلاثة، وأما ما يتعدى إلى ثلاثة فليس له ما يشبه به؛ إذ ليس لنا فعل يتعدى إلى أربعة. وقال ابن عصفور: «ذا قول أكثر النحاة» انتهى.
ونسب بعضهم إلى المبرد، وهذا هو اختيار المصنف، قال في الشرح: «جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبهاً دون مشبَّه به؛
стр. 2494
لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد أو مفعولان لم يعدم أصلاً يحمل عليه، بخلاف نصبه بما له ثلاثة، فإنه يلزم منه فرع لا أصل له، ومشبه دون مشبه به، فوجب منعه، ولأن جواز ذلك في غير باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام ما يوقع به في إخبار عنه وإضافته إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم- فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه» / [٤: ١٢/ب] انتهى.
وما ذكره المصنف وغيره من أن على جواز الأتساع ي التشبيه ليس بصحيح؛ وإنما جوز س ذلك من وجه آخر، وذلك أن تعدي الفعل إلى الظرف اتساعاً غير معتد به، ولا يراعي مراعاة تعديه إلى المفعول به غير المتسع فيه. ويدللك على ذلك تعدي ما لا يتعدى إليه، فلولا أنه لا يعتد به لم يجز في قام ونحوه مما لا يقتضي مفعولاً به، فلما كان كذلك صح الأتساع في الظرف فيما يتعدى إلى ثلاثة، ولم يلتفت س إلى ما يكون نظيراً في كلام العرب أصح أم لا؛ لأنه لا يلزم ذلك، ولا يعتد بهذا التعدي، فكأنه لم يجعل الظرف مفعولاً به، ولم يتوسع فيه؛ إذ ذاك مجاز لا حقيقة، ولولا ذلك لم يجز في قام ونحوه؛ لأن ذلك ممتنع في الحقيقة، وإنما جاز لضرب من المجاز.
وأما قوله «لم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه» فهذا أمر لازم له فيما يتعدى إلى اثنين، وقد جوز والتوسع فيما يتعدى إلى اثنين، ولم يسمع من ذلك شيء فيما يتعدى إلى اثنين، فينبغي على ما قرر ألا يجوز ذلك، وقد جوز هو الأتساع فيما يتعدى إلى اثنين، فناقض.
стр. 2495
المذهب الثالث: أنه لا يجوز الأتساع مع ما يتعدى إلى ثلاثة، ولا مع ما يتعدى إلى اثنين؛ لأنه ليس له أصل يشبه به؛ لأنه لا يوجد ما يتعدى إلى ثلاثة بحق الأصل؛ ألا ترى أن أعلم وأرى منقولان من علم ورأى، وما عداهما مما يتعدى إلى ثلاثة محمول عليهما ومضمن معنييهما، فإذا كان ما يتعدى إلى ثلاثة فرعاً كله فلا يحمل عليه غيره؛ لأن الحمل لابد أن يكون على الأصول لا على الفروع.
قال ابن عصفور: «وهذا هو الصحيح قياساً وسماعاً:
أما القياس فلأنه لما كان الظرف المتسع فيه مشبهاً بالمفعول به؛ بدليل وصول الفعل إلى ضميره بنفسه- وجب أن يكون العامل مشبهاً بالعامل في المفعول به.
وأما السماع فلأنه قد سمع الأتساع فيما لا يتعدى، نحو: يوم الجمعة ضمته، وفيما يتعدى إلى واحد، نحو قوله:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً ........................
ولا يحفظ فيما عدا ذلك» انتهى.
وقد ذكرنا أن س لم يجز الأتساع من جهة التشبيه، فلا يلزم ما ذكر ابن عصفور. وأما السماع فهو كما ذكر، ولا يمتنع القياس؛ إذ الجامع كون الأتساع فيه إنما هو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة، وهذا شيء يشترك فيه المتعدي إلى ثلاثة وإلى اثنين مع المتعدي لواحد ومع اللازم.
ولم يبين المصنف العامل الذي يتوسع في الظرف معه، والظرف تارة يعمل فيه الفعل أو ما جرى مجراه من الأسماء، وتارة يعمل في الحرف أو الاسم الجامد بما فيه من معنى الفعل، وذلك قليل، فإذا عمل/ [٤: ١٣/أ] فيه الحرف أو الاسم الجامد
стр. 2496
بما فيه من معنى الفعل فلا يتوسع فيه مع شيء منهما؛ لأن الظرف المتوسع فيه مشبه بالمفعول به، والعامل في المفعول به لا يكون رفاً ولا اسماً جامداً، فلا يعملان في المشبه به، وهو الظرف المتوسع فيه.
فرع: هل يتوسع في الظرف مع كان وأخواتها؟ هو مبني على الخلاف في كان أتعمل في الظرف أم لا، فإن قلنا لا تعمل فلا يتوسع، وإن قلنا يجوز لها أن تعمل فيه فالذي يقتضيه النظر أنه لا يجوز التوسع في الظرف معها. وإنما قلنا ذلك لأنه يكثر المجاز فيها؛ لأنها إنما رفعت المبتدأ ونصبت الخبر تشبيهاً لها بالفعل المتعدي إلى واحد، فعملها بالتشبيه هو مجاز، فإذا نصبت الظرف على طريق الأتساع فهو مجاز أيضاً، فيكثر المجاز، فيمنع منه. ونظير ذلك قولهم: دخلت في الأمر، لا يجوز حذف «في» لأن هذا الدخول مجاز، ووصول دخل إلى الظرف بغير وساطة «في» مجاز، فلم يجمع عليها مجازان. وقال ابن عصفور: وأما كان وأخواتها فإنه يجوز معها، الأتساع في الظرف لأنها على كل حال فعل، والفعل قد يعمل في المفعول به.
فرع: إذا جوزنا التوسع مطلقاً أو خاصاً فهل يجوز في كل فعل أن يتوسع فيه في أكثر من واحد؟ فإذا توسعنا معه في الظرف فهل يتوسع في المصدر؟ إن قلنا إنه توسع في اللفظ فلا يبعد، وإن قلنا إنه في المعنى فيبعد؛ لأنه لا يوضع شيئان بدل شيء واحد، بل إن توسعت في الظرف فلا تتوسع في غيره.
فرع: إذا توسع في واحد فلا يتوسع فيه نفسه مرة أخرى، مثال ذلك أن تتوسع فتضيف إليه مثلاً، ثم تنصبه نفسه نصب المفعول توسعاً.
ومن النحويين من ذهب إلى أنه لا يتوسع في شيء من الأفعال إلا إذا حذف المفعول الصريح إن كان التوسع في المعنى؛ وإن كان توسعاً في اللفظ فحينئذ يجوز
стр. 2497
مطلقاً. وسببه أن التوسع في المعنى يجعل المتوسع فيه واقعاً به المعنى، ولا يكون معنى واحد في محلين من غير عطف ولا ما يجري مجراه.
ورد بقولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار
فذكر المفعول. وأجيب بأنه توسع في اللفظ.
مسألة: لا خلاف أن الأتساع على وجهين:
أحدهما: أن يكون على حذف المضاف، فإذا قلت: صيد عليه يومين، فأردت: وحش يومين- جاز بلا خلاف.
والآخر: أن تجعل اليومين مصيدين مجازاً.
وهذا مذهب س والجمهور.
وزعم ابن كيسان أن هذا الأتساع لأمر يلطف إدراكه، وهو أن القائل: يوم الجمعة صمته- فإنما اتسعت على أنك اعتمدته بالصوم، ولم تصم غيره، ولو قلت صمت فيه احتمل أن تكون صمت فيه وفي غيره، فالأتساع على معنى/ [٤: ١٣/ب] اختصاصه بالفعل، ودخل الفعل معنى اعتمدته بكذا، فانتصب على معنى اعتمدت. قال: والدليل على ذلك أنهم لا يفعلون ذلك إلا في الظرف
стр. 2498
المختص، ولو قلت صمت الدهر لم يجز أن ينتصب على السعة. وزعم أنك لا تقول: الدر صمته؛ لأنه لا يمكن الاعتماد في هذا، وأثار هذا الاختلاف.
أما إذا قلت «يوم الجمعة صمته» فمعناه على قول الأكثرين أن الصوم وقع بهذا اليوم؛ وعلى مذهب ابن كيسان لم يصم سواه.
ومذهبه في الأتساع في ظرف المكان كمذهبه في ظرف الزمان. ويستدل بأنه لا يجوز ذلك إلا في المختص لا في المبهم، فإذا قلت سير عليه فرسخان فالمعنى: لم يسر عليه إلا هذين لا غيرهما، ولا يجوز: سير عليه مكان.
والمصدر إذا اتسع فيه، فانتصب نصب الظرف، نحو: سير عليه خفوق النجم- فإما على إرادة: زمن خفوق النجم، وإما على جعل الخفوق حيناً. ولا يكون ذلك في ظرف المكان، لو قلت: سير عليه ضرب زيدٍ، تريد: مكان ضر بزيدٍ- لم يجز؛ لأن ظرف المكان يقع فيه قليلاً وكثيراً، والزمان قدر للفعل، إن قليلاً فقليل، وإن كثيراً فكثير، فاستسهل فيه ذلك، فصار يعبر بالمصدر عنه مطلقاً غير مقتصر بذلك على مصدر دون مصدر، وينبغي أن يرتكب في ذلك أنه على حذف المضاف لإطراده في جميع العربية.
وزعم ابن كيسان أن الأتساع على الطريق الآخر، ويسهله ما ذكرناه من كونه مقداراً للزمان، ومعبراً عنه به. وينبغي أن [يكون] في «ولد له ستون عاماً» أقوى؛ إذ ليس فيه إلا تجوز واحد، وهنا قد تجوزت قبل السعة بأنه جعلت المصدر حيناً، فينبغي أن يكون الأتساع أبعد. والأتساع عندنا على طريق الحذف، وعند ابن كيسان على أن يكون المصدر مفعولاً.
стр. 2499
-[ص: باب المفعول معه
وهو الاسم التالي واواً تجله بنفسها في المعنى كمجرور مع، وفي اللفظ كمنصوب معدي بالهمزة. وانتصابه بما عمل في السابق من فعلٍ أو عامل عمله، لا بمضمر بعد الواو، خلافاً للزجاج، ولا بها، خلافاً للجرجاني، ولا بالخلاف خلافاً للكوفيين. وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصلح عطفه، خلافاً لأبن جني. ولا يقدم المفعول معه على عامل المصاحب باتفاق، ولا عليه، خلافاً لابن جني.]-
ش: قوله التالي واواً جنس يشمل واو العطف في نحو: مزجت عسلاً وماءً. وقال المصنف: «قلت في حده التالي واواً ليخرج التالي غير الواو مما يطلق عليه في اللغة مفعول معهن كالمجرور بمع وبباء المصاحبة، نحو: بعت الفرس بلجامه، وجلست مع زيد، فإن/ [٤: ١٤/أ] عرف النحاة يقصر المفعول معه على المبوب له هنا» انتهى ملفقاً معناه من كلام المصنف. وجرى في ذلك على عادته كابن عصفور من ذكر الجنس أولاً، وأنه يحترز به من كذا، وقد تكلمنا معهما في أوائل هذا الشرح على أن الجنس لا يورد للاحتراز.
وقوله تجعله بنفسها في المعنى كمجرور مع إلى بالهمزة هذا فصل يخرج به المعطوف بعد ما تفهم منه المصاحبة، نحو: أشركت زيداً وعمراً، ومزجت عسلاً وماءً، بخلاف: سرت والنيل، فإن المصاحبة لم تفهم إلا من الواو.
ونبه بقوله وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة على أن الواو تعدي ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها، فينتصب به بوساطة الواو، فعلاً كان ما عدته
стр. 2500
كصنع، أو عاملاً عمل الفعل، نحو: عرفت استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، ولست زائداً حني يفعل. وس يسميه مفعولاً معه، ومفعولاً به.
وقال ابن عصفور: "المفعول معه هو الاسم المنتصب بعد الواو التي بمعني مع المضمن معني المفعول به، وذلك نحو قولك: ما صنعت وأباك؟ ألا تري أن الواو بمعني مع، والأب في المعني مفعول به، كأنك قلت: ما صنعت بأبيك؟ ولو لم ترد هذا المعني لكان الاسم الذي بع الواو معطوفا علي الاسم الذي قبله" انتهي.
وزعم بعض النحويين أنه لا يكون إلا مصاحب فاعل فعل مذكور أو مقدر؛ ليخرج منه مصاحب المفعول في قولك: ضربت زيدا وعمراً، وتخيل أنه من المعطوف ليس إلا، وأنه لو أريد المفعول معه هنا لأتي بالأصل، وهو مع؛ لأن فائدة النصب التنصيص علي المعية، ولما اشتبهت هنا وجب العدول إلي الأصل، فإن لم يعدل فيحمل علي العطف الأصلي.
وبعضهم جوز فيه الأمرين. وبعضهم حمله علي العطف لأنه أولي وإن كان يجوز أن تكون بمعني مع، ولا تنكر المعية للمفعول، نحو قولهم: كفاك وزيداً درهم، وامرأ ونفسه.
وشرط انتصابه أن يكون بعد تمام كلام. وزعم الصيمري أنه يجوز أنه يجوز أن ينتصب عن تمام الاسم، فأجاز: كل رجل وضيعته، وقاس ذلك علي قول العرب: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ وهذا قياس فاسد؛ لأن جملة المبتدأ والخبر هنا في
стр. 2501
معنى الفعل، فعوملت معاملته؛ إذا المعني: كيف تكون وقصعة؟ وإذا لم تكن الجملة في معني الفعل لم يجز النصب، لو قلت زيد أخوك وعمرا لم يجز، فإذا لم يجز بعد الجملة التي ليست في معني الفعل فكيف بعد المفرد. وأيضا المفعول معه فضلة، والفضلات هي من قبيل المفعولات، فلا تنتصب إلا بالفعل أو ما جري مجراه.
وقوله وانتصابه بما عمل في السابق من فعل مثاله: جاء البرد والطيالسة، واستوي الماء/ والخشبة.
وفي كان الناقصة خلاف: ذهب بعضهم إلي أن لمفعول معه لا يكون بعدها لأنها ليس فيها معني حدث يعدي بالواو، ولا تعمل إلا في اسمها وخبرها لا غير، وتأول ما ورد من ذلك بعد كان، نحو قوله:
فآليت أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلاً بعدي
وقول الآخر:
فكونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطحال
وقول الآخر:
فكان وإياها كحران، لم يفق عن الماء إذ لاقاه حني تقددا
علي أن "كان" في هذه الأبيات تامة، ومثلاً والظرف والمجرور أحوالاً، وإلي هذا ذهب الأستاذ أبو علي.
стр. 2502
وذهب الجمهور إلي جواز ذلك في "كان" الناقصة؛ لأن الصحيح أنها مشتقة، وأنها تدل علي معني سوي الزمان، فعلي هذا تعمل في الظرف، ويتعلق بها الجار، وتنصب المفعول معه كسائر الأفعال، وأنت تري افتقار" كان" في الأبيات المذكورة إلي ما بعدها افتقار المسند للمسند إليه، وجعل "مثلاً" و "مكان الكليتين" و "كحران" أحولا يفوت هذا المعني. والذي ينبغي أن يكون ذلك مقيساً في كل اسم يصح عطفه علي اسم كان الناقصة؛ لأنه كثر هذا فيها، كتلك الأبيات وغيرها.
وقال في البديع: "المفعول معه يكون من الفعل المتعدي وغير المتعدي عند الأكثرين، تقول: لو خليت والأسد لأكلك، ولو تركت الناقة وفصليها لرضعها. وقال قوم: إن هذا لا يكون إلا مع غير المتعدي؛ لئلا يلتبس بالمفعول به، فلا يقال ضربتك وزيداً، وزيداً: مفعول معه".
وقوله أو عامل عمله مثال ذلك: لست زائلاً وزيداً حني يفعل، وأعجبني استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، وأنشد أبو علي:
لا حبسك أثوابي، فقد جمعت هذا ردائي مطوياً وسربلا
وجعل سربالاً مفعولاً معه، وعامله مطويا.
ومذهب س أنه لا ينصبه العامل المعنوي، كحرف التشبيه والظرف المخبر به والجار والمجرور واسم الإشارة، ولذلك لم ينصبه به"لك" في قوله: هذا لك وأباك، ولا في: حسبك وزيداً درهم.
стр. 2503
وأجاز أبو علي في قوله "وسربلا" أن يكون العامل فيه "هذا". وهو خلاف ظاهر كلام سيبويه.
وصح الفعل وما جري مجراه العمل في المفعول معه مع توسط الواو لما كانت حرف عطف في الأصل؛ فكما يصح للفعل العمل في المعطوف مع توسط / [٤: ١٥/ أ] دليل مررت برجل قائم زيد وأبوه فكذلك هذا.
قل أبو الحسن بن الباذش: "المفعول معه يعمل فيه الفعل بتوسط الواو، بمنزلة حرف الاستثناء، إلا أن حرف الاستثناء يسلط الفعل ومعني الفعل، ولا تسلط الواو بمعني مع إلا الفعل عند س، فهي متروكة علي العطف أبداً، إلا في الفعل، فإنها تنقل من العطف إلي التعدية، وتسلط الفعل" انتهي. ويعني أيضاً وما جري مجري الفعل من مصدر واسم فاعل ومفعول.
وقوله لا بمضمر بعد الواو، خلافاً للزجاج فإذا قلت: ما صنعت وأباك؟ فالتقدير عنده: ولابست أباك، وإنما لم يجز عمل الفعل فيه لفصل الواو.
وما ذهب إليه باطل؛ لأن في نصب الاسم بفعل مضمر إحالة لباب المفعول معه؛ إذ يصير منصوباً علي أنه مفعول به لا مفعول معه. وأيضاً فد بينا أن توسط الواو في العطف لا يمنع عمل العامل، فكذلك في هذا. وأيضاً فإذا كان الفعل يطلب المفعول علي معني يقتضي توسط حرف بينهما عمل فيه مع توسطه؛ ألا تري أنك تقول: ما ضربت إلا زيداً، فتنصب زيداً بتوسط إلا، ولم تبال بهذا الفصل، لأن المعني يقتضيه، وكذلك الفصل ب "إما"، نحو: ضربت زيداً وإما عمراً.
стр. 2504
قال المصنف في الشرح: " ومما يبين فساد تقدير الزجاج أنه إما أن يقصد تشريك صنعت ولابست في الاستفهام، ولا يصح؛ لأن شرط عطف الفعل علي الفعل بعد اسم الاستفهام جواز الاستغناء بالثاني عن الأول، والأمر بخلاف ذلك في التقدير؛ إذ لا معني لقول القائل: ما لابست أباك؟ أو لا يقصد التشارك، ولا يصح؛ إذ لا تعطف جملة خيرية علي جملة استفهامية مع استقلال كل واحدة منهما، فألا يجوز ذلك مع عدم الاستقلال كما في المثال المذكور أحق وأولي" انتهي.
وهذا مخالف لمذهب س، قد أجاز س التخالف في تعاطف الجملتين بالخبر والاستفهام، فأجاز: هذا زيد ومن عمرو.
قال المصنف في الشرح: "وأيضاً لو كان كما قال الزجاج لم يحتج إلي الواو مع إضمار الفعل، كما لا يحتاج إليها مع إظهاره، لو قلت: ما شأنك لابس زيداً؟ دون واو صح، فينبغي مع الإضمار الاستغناء عنها، والاستغناء عنها باطل، وما أفضي غلي الباطل باطل" انتهي، وفيه بعض تلخيص.
وقوله ولا بها، خلافاً للجرجاني شبهه الجرجاني- والله أعلم- أنه رآها مختصة بالاسم؛ إذ لا يقع الفعل بعدها، ولاختصاصها بما دخلت عليه من الاسم
стр. 2505
أورد النحويون سؤالاً فيها، فقالوا: إن قيل: لم تخفض هذه الواو الاسم وهي مختصة به؟ فالجواب: أنها لم تخفضه لأن أصلها العطف، وحرف العطف لا يخفض / [٤: ١٥/ ب] اختصاصه، فلذلك لم يجز لخفض بها، وسيأتي الدليل علي أنها حرف عطف في الأصل.
وقال المصنف في الشرح: "وكان حق الواو إذ كانت معدية أن تجر ما عدت العامل إليه كما فعلت حروف الجر؛ إلا أنها أشبهت الواو العاطفة لفظاً ومعني، فلم تعط عملاً، بل أعطيت مثل ما أعطيت العاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلي ما بعدها لا علي سبيل الإتباع. وكان في ذلك أيضاً تنبيه علي أن أصل المجرور بحرف أن يكون منصوباً، ولكنه جر لفظاً، ثم حكم علي موضوع معموله بالنصب؛ إذ لم تتمحض عالميتيه، فإنه معد، ولتظهر بذلك مزية المتعدي نفسه بنفسه علي المتعدي بواسطة" انتهي.
فلما رأي الجرجاني اختصاصها بالاسم ادعي أن النصب بها نفسها.
ورد هذا المذهب بأنها لو كامن هي العلة للنصفي الاسم لاتصل الضمير بها، ولم ينفصل في نحو:
فكان وإياها كحران ........... ...........................
كما اتصل بأن وأخواتها، فقلت: إنك وليتك، فأما قول ابن أحمر:
وكنا رهم كابني سبات، تفرقا جميعا، وكانا منجداً وتهاميا
стр. 2506
فالواو للعطف، والضمير ضمير رفع عطفاً علي الضمير في كنا، وليست واو مع، ولا "هم" بعدها ضمير نصب متصل.
وبأنه حكم بلا نظير؛ لأنه ما من حرف ينصب إلا وهو مشبه بالفعل. أو مشبه بما شبه بالفعل.
وبأنه لو كان كما زعم لم يشترط في وجود النصب تقدم فعل أو ما جري مجراه، فكان يقال: كل رجل وضيعته، بالنصب، وذلك لا يقال.
وقوله ولا بالخلاف، خلافاً للكوفيين هذا الذي نسبه إلي الكوفيين هو قول بعضهم. ومعظم الكوفيين والأخفش ذهبوا إلي أن الواو مهيأة لما بعدها أن ينتصب انتصاب الظرف؛ لا بالخلاف كما نسبه المصنف إلي الكوفيين، قالوا: وذلك أن الواو في قولك جاء البرد والطيالسة إنما هي واقعة موقع مع، وكأنك قلت: جاء البرد مع الطيالسة، فلما حذفت مع، وقد كانت منتصبة علي الظرف، ثم أقمت الواو مقامها- انتصبت الطيالسة بعدها علي أمعني انتصاب مع الواقعة الواو موقعها؛ إذ لا يصح انتصاب الحرف، كما أنه في قوله تعالي ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ﴾ ارتفع (الله) إذ لا يمكن أن يظهر الرفع في إلا؛ إذ الأصل: غير الله، فجعل الرفع الذي في غير اسم الله.
وهذا المذهب باطل؛ إذ لو كان انتصاب هذا الاسم علي الظرف لكان إذا أضمر يتعدي إليه الفعل بوساطة في، وأنت لا تأتي به إلا منفصلاً، نحو قوله:
стр. 2507
..................... تكون وإياها بها مثلا بعدي
ولم يقل: تكون وفيها.
وأما/ [٤: ١٦/ أ] المذهب الذي عزاه المصنف إلي الكوفيين- وهو النصب بالخلاف- فالخلاف معني من المعاني، ولم يثبت النصب بالمعاني المجردة من الألفاظ، وأيضاً لو كان الخلاف ناصياً لقيل: ما قام زيد لكن عمراً، ويقوم زيد لا عمراً، ولا يقال، بل يرفع العرب عمراً في المسألتين.
وقوله وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصح عطفه، خلافاً لابن جني قال المصنف في الشرح ما مخل خصه: " إن ابن جني زعم أن العرب لا تستعمل واو مع إلا في موضع يصلح أن تكون فيه عاطفة، وإن ابن خروف أنكر ذلك".
قال: "والعرب تستعملها في مواضع لا يصلح فيها العطف، وذلك علي ضربين:
أحدهما: ترك فيهما العطف لفظاً ومعني، كقولهم: استوي الماء والخشبة، ومازلت أسير والنيل، وقوله:
فكان وإياها كحران ........ ...........................
البيت. يصف رجلاً مات معانق امرأة بعد فراق.
والثاني: استعمل فيه العطف لمجرد اللفظ كاستعمال النعت علي الجوار، ومنه قولهم: أنت أعلم ومالك، أي: أنت أعلم مع مالك كيف تدبره، ومالك معطوف
стр. 2508
في اللفظ، ولا يجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ لأن المال ليخبر عنه بأعلم، وشرط عطف المبتدأ المضمر خبره أن يكون الخبر المضمر مثل خبر المعطوف عليه" انتهي.
وهذا الذي اختاره المصنف وابن خروف من أن واو مع قد تقع قبل ما لا يصح عطفه؛ وأن استعمال العرب علي ذلك- ليس مذهب الجمهور، ولا ينبغي أن ينسب أنها لامتقع إلا قبل ما يصح عطفه لابن جني وحده، بل قول ابن جني محكي عن أبي الحسن الأخفش، وتلقاه جل النحويين بالقبول، وبه قال السيرافي والفارسي، وغيرهم، وكفي بهذا حجة، فكلام الأخفش وحده كالنقل عن العرب، فلا ينبغي أن يتعدي، وهذا اختيار الأستاذ أبي علي، واين عصفور، وابن الضائع، وغيرهم. وقد ادعي الإجماع علي ذلك أبو الحسن بن الباذنش، قال: "ويمتنع بإجماع أن يكون المفعول معه غير منقول من العطف، ولا يكون فيه إلا النصب في شئ من الأفعال، كما زعم أبو القاسم- يعني الزجاجي- في قولهم استوي الماء والخشبة أنه لا يجوز فيه النصب؛ لأن المعني: ساوي الماء الخشبة، وهذا خلاف ما الباب عليه من أن بعض المعطوف هو الذي لا يجوز فيه النصب" انتهى.
стр. 2509
وفي البديع: " وتقول: جلست والسارية، والأخفش لا يجيز هذه. قال: ولا أقول: ضحكت وطلوع الشمس؛ حيث لا يصح فيه العطف؛ إذ الطلوع لا يكون منه ضحك، وأجاز: جاء البرد والطياليسة، لأن المجزئ يصح منها، وأجاز ابن جني ذلك جميعه".
والدليل علي أنها حرف عطف في الأصل ثلاثة أشياء:
الأول: أنه لو لم تكن العاطفة/ [٤: ١٦/ ب] لكانت مختصة بالاسم، وللزم خفضه بها، فلما لم يخفض دل علي أنها حرف عطف في الأصل، فروعي ذلك، فليمنع.
والثاني: امتنعا تقدم ما بعدها علي الفعل كما لا يتقدم المعطوف علي الفعل، ولو لم يكن أصلها العطف لتقدم كما تقدم سائر المفعولات.
والثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل إلا حيث يجوز فيه العطف حقيقة، نحو: جاء البرد والطيالسة، ما صنعت وأباك، أو مجازاً، نحو سار زيد والنيل؛ ألا تري أنه يصح عطفه علي المجاز من جهة أنه لا يفارق زيداً في حال سيره؛ كما لا يفارقه من سايره. وقد منعت العرب والنحاة إجازة: انتظرتك وطلوع الشمس، بالنصب؛ لأنه لا يجوز إسناد هذا الفعل إلي طلوع الشمس.
فأما قولهم ما زلت أسير والنيل فلا متضاد النيل معه لا يبعد أن ينسب إليه السير، فمن حيث لا يفارقك جزء من النيل يمكن أن ينسب إليه أنه سائر معك.
وأما استوي الماء والخشبة- بالنصب- فقد غلط الزجاجي في دعواه أنه لا يجوز فيوال خشبة إلا النصب؛ فزعم ابن عصفور أن الذي غلطه هو أنه لايجوز
стр. 2510
استوى الماء واستوى الخشبةً. وهذا لا حجةً فيه؛ لأنه وإن لم يسمع ذلك - فلا يمتنع العطف، كما لم يمتنع: اختصم زيد وعمرو، بالرفع وإن لم يسمع: واختصم عمرو.
وقال ابن الضائع: ((الأولى أن ينسب إليه - يعني الزجاجي - أن نسبةً الفعل إلى الخشبةً مجاز؛ لأنها لم تتحرك من موضعها، فالذي تحرك حتى ساواها هو الماء، فيقرب هذا - وإن لم يكن مثله - من قولهم: ما زلت أسير والنيل، فالأولى أن يقال: يضعف العطف في: استوي الماء والخشبةً، وألا يقطع فيه بالمنع من جهة القياس)) انتهى.
وأما:
فكان وإياه- كحران ............. ..............................
فزعم أكثر النحويين أن المراد: كحران والماء؛ لأنه لا يشبه اثنان بواحد، فعلى هذا يصح العطف، فيجوز: فكان هو وهي كحران والماء.
وقدره ابن الطراوة: كحرانين، قال: ((لأنه لا تشبه اثنين بواحد)). قال الأستاذ أبو علي: ((غلط ابن الطراوة في هذا التقدير، أراد أن يثني ما تعلق به المجرور، فالتبس عليه)). قال: ((والصحيح أن يقدر: فكان وإياها كاثنين كحران والماء، فغلط فقدر: كحرانين)). قال ابن الضائع: ((والغلط في هذا بعيد جدًا،
стр. 2511
فالأولى أن ينسب لابن الطراوةً أن المعنى: شدة شرق كل واحد منهما إلى صاحبه، فكل واحد عنهما حران، فهما كحرانين مع الماء، غير أن نظير الماء أحدهما، فكل واحد منهما مع صاحبه كحران مع الماء، فكلاهما كحرانين مع الماء، فعلى هذا يصح أن يقدر: كحرانين)).
وأما قولهم أنت أعلم ومالك فلما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال مع اختيار الناظر فيه صار مواتيا له، فنسب إليه العلم مجازا؛ على أنه [٤:١٧ /ب] قد يمكن أن يكون المال مشتركًا مع أعلم، كأنه قال: أنت ومالك، ولاسيما على مذهب ابن خروف حيث يجعل كل رجل وضيعته ليس له خبر محذوف، بل خبر، المعطوف؛ لأنه كـ ((مع)، فتكون في المسألةً قد عطفت خبرًا على خبر، ويكون على تقدير: أنت أعلم ومالك، فاجتزأ باللفظ الأول؛ لأن المعنى يدل على ذلك، وحذف المبتدأ بحرف العطف؛ لأنه لو حذف وحده أدى إلى اجتماع حرفي عطف، فيقبح اللفظ، ونظير حذف الحرف والعطوف ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾، أي؛ فضربت فانفلق، وإني الكلام على هذه المسألة حيث ذكرها المصنف مشبعا إن شاء الله تعالى.
وقوله ولا يقدم القعود معه على عامل المصاحب باتفاق قال المصنف في الشرح: ((قد تقدم بيان كون الواو التي بمعنى مع معدية وأن لها شبها بالواو
стр. 2512
العاطفة في اللفظ والمعنى؛ ولذلك لم تعمل عمل حروف الجر في لفظ ما عدت إليه العامل، بل أوصلت إليه عمل العامل لفظا ومحلًا، فالتزمت محلًا واحدًا لشبهها بهمزةً التعدية، ولا تتقدم على عامل المصاحب كما تتقدم مَعً في قولهم: مَعً الخشب؛ استوي الماء)) انتهى. وملخصه أنه إنما لم تقدم على العامل تشبيها لها بواو العطف، لأنها واو عطف في الأصل، والجمهور منعوا ذلك من حيث هي واو عطف في الأصل، وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقوله ولا عليه، خلافًا لابن جني إنما لم يجز تقديمه على الفاعل فقط دون العامل فتقول استوي والخشبةً الماء لأنها حرف عطف في الأصل، ولا يجوز ذلك فيها في العطف إلا بشروط، وبابه الشعر، فلما أخرجوها عن أصلها من العطف المحض لم يتصرفوا فيها تصرفهم في الأصل.
وقد عورضت هذه العلةً بأن الأصل في المفعول معه ألا يمتنع فيه التقدم، بخلاف المعطوف، فإنه تابع، والأصل في التابع ألا يتقدم على متبوعة، فليست في المفعول معه العلة المانعة عن التقدم، وإنما المانع فيه تشبيهه به، فإذا جاز قليلًا فيما هو الأصل في امتناع التقديم فجوازه فيما حمل عليه أولى؛ إذ ليس فيه العلةً المانعةً.
وقال المصنف في الشرح: ((أشار في الخصائص - يعني ابن جني - إلى جوازه، وله شبهتان:
إحداهما: أن ذلك قد جاز في العاطفةً، فليجز فيها؛ لأنها محمولةً عليها.
стр. 2513
والثانية: أن ذلك قد ورد في كلامهم، قال:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه، والسوءة اللقبا
وقال الآخر:
جمعت وفحشًا غيبة ونميمةً خصالًا ثلاثًا، لست عنها بمرعوي
[١٧:٤/ب] /ولا حجةً في الشبهة الأولى، لأن العاطفة أقوى وأوسع مجالا، فجعل لها مزية بتجويز التقديم، ففيه إبداء مزية الأقوى على الأضعف، فلو أشرك بينهما في الجواز خفيت المزية، ولأن واو مع وإن أشبهت العاطفة فلها شبه بهمزةً التعدية مقتضٍ لها لزوم مكان واحد كذا لزمت الهمزة مكانًا واحدًا.
وأما السماع فلا يتعين ما ذكر فيه، بل قوله (جمعت وفحشًا) من باب العطف، وبه وجهه أكثر النحويين. وأما (ولا ألقبه والسوءة اللقبا) فهو من باب:
.................... وزججن الحواجب والعيونا
стр. 2514
الأصل: ولا ألقبه اللقب وأسوءه والسوءة فحذف أسوءه لدلالة ألقبه عليه، ثم قدم مضطرا، والتقدير على ما كان عليه)) انتهى كلامه، وفيه بعض اختصار وتلخيص.
-[ص: ويجب العطف في نحو: أنت ورأيك، وأنت أعلم ومالك، والنصب عند الأكثر في نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا، والنصب في هذين ونحوهما بـ (كان)) مضمرةً قبل الجار، أو بمصدر ((لابس)) منويًا، بعد الواو، لا بـ ((لابس))، خلافًا للسيرافي وابن خروف، فإن كان المجرور ظاهرًا رجح الخطف، وربما نصب بفعل مقدر بعد ((ما))، أو ((كيف))، أو زمن مضاف، أو قبل خبر ظاهر في نحو: ما أنت والسي، وكيف أنت وقصعه، و:
أزمان قومي والجماعة ............ ...............................
و (ألا وإياه في لحاف).]-
ش: أخذ المصنف يذكر مسائل هذا الباب بالنسبة إلى العطف والمفعول معه، وقد قسمها بعض أصحابنا أربعة أقسام:
القسم الأول: يجب فيه العطف، ولا يجوز النصب على المفعول معه، وذلك قسمان:
أحدهما: ألا يقدم الواو إلا مفرد، نحو: كل رجل وضيعته، وأنت ورأيك و ((الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها))، ((وإنك ما وخيرًا))، وقوله:
........................ فإني وجروة ..........................
وكل هذا مسموع من العرب.
والثاني: أن تتقدم الواو جملة غير متضمنة معنى فعل، نحو قولك: أنت أعلم ومالك.
стр. 2515
وعبر المصنف، عن هذين القسمين بأن تكون الواو بمعنى ((مع)) بعد ذي خبر لم يذكر، أو ذكر وهو أفضل تفضيل. وعلل لزوم العطف فيه بعدم فعل وما يعمل عمله، قال: ((والمراد بعمله عمله أن يكون من جنس ما ينصب مفعولًا به)). قال: ((ولا خلاف في وجوب الرفع فيما أشبه المثالين المذكورين)) انتهى. يعني: أنت ورأيك، وأنت أعلما ومالك.
وقد ذكرنا الخلاف عن الصيمري في جواز النصب في: كل رجل وضيعته، وهو جارٍ في: أنت ورأيك. فقول المصنف ((ولا خلاف)) ليس بجيد لوجود الخلاف. قال: ((ومن ادعي جواز النصب في نحو كل رجل وضيعته على تقدير: كل رجل كائن وضيعته - فقد ادعي ما لم يقله عربي، فلا التفات إليه، ولا تعريج/ [٤: ١٥٨/ أ] عليه)) انتهى.
فعلى هذا تكون المذاهب في هذه المسألة ثلاثةً: أحدها وجوب الرفع، وهو قول الجمهور والصحيح. والثاني جواز النصب بلا تأويل أن ما قبل الواو جملة بل مفرد، وهو مذهب الصيمري. والثالث هذا الذي حكاه، وهو جواز النصب على تأويل ما قبل الواو أنه جملة حذف ثاني جزأيها.
فأما أنت أعلم ومالك فقد تقدم توجيه الرفع في ((وماك)) على وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفًا على أنت، ونسب العلم إلى المال على سبيل المجاز وإن كانا في الحقيقةً لم يشتركا في العلم، وإنما المعنى: أنت أعلم بمالك، والواو للمصاحبةً.
стр. 2516
والثاني: أن يكون ((ومالك)) مقدرا قبله مبتدأ، والتقدير: أنت أعلم وأنت ومالك.
وقال أبو القاسم بن القاسم الخضراوي: ((أنت أعلم ومالك: لا يصح عطف ومالك على أنت على حد: أنت أعلم وزيد؛ لأنك تضمر في هذا خبرًا من جنس ما أظهرته، والمال لا يعلم. ولا يصح عطفه على أعلم لأن العطوف على الخبر خبر يصح انفراده، فلو قلت أنت مالك لم يصح. ولا يصح عطفه على الضمير في أعلم لاستتاره غير مؤكد، ولأن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر إذا وليه، فكذلك إذا عطف على مضمر رفعه، وقد يكونان هذان الوجهان بشذوذ، بمعني العطف دون توكيد، ورفع الظاهر)).
قال: فإذا استحالت هذه الأوجه كان معطوفًا على أنت لا على ذلك الوجه، بل هو بمنزلة: شاة ودرهم، أي: معطوف في اللفظ، خبر في المعنى، لنيابته منابه.
وهكذا أعرب المسألةً الجرمي في ((الفرخ))، قال: الشاء شاةً ودرهم. قال: من قال هذا جعل الشاء مبتدأ، وشاةً مبتدأ، ودرهم خبره، والجملةً خبر الأول.
وقال أبو بكر بن طاهر: ((هو معطوف على أعلم؛ لأن الأصل: بمالك، فوضعت الواو موضع الباء، فعطفت على ما تبلها، ورفعت ما بعدها في اللفظ، وهو بمعنى الباء متعلقة بأعلم)).
وهذا أقرب لتفسير كلام س؛ لأنه قال في الواو: ((يعمل فيما بعدها المبتدأ)). يريد أنك تعطفه على أعلم، فيعمل فيه ما عمل في أعلم، وهو المبتدأ.
стр. 2517
وأما أنت أعلم وعبد الله فثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الواو بمعنى مع، وعطف بما في اللفظ مبتدأ حذف خبره وجوبا لوقوعه مرقع المجرور بـ ((مع)) والاستطالةً.
والثاني: أن الواو لمجرد العطف، وعبد الله مبتدأ محذوف الخبر جوازا، والقدير: أنت أعلم بعد الله وعبد الله أعلم بك، ثم دخله الحذف كما دخل في: أأنت خير أم زيد، والأصل: أأنت خير من زيد أم زيد خير منك.
والثالث: أن يكون عبد الله معطوفًا على أنت، وأعلم/ [١٨:٤/ب] اخبر عنهما، كأنه قال: أنت وعبد الله أعلم من غيركما، فيشتركان في المعنى، ويكون أعلم خبرا لهما متوسطا بينهما.
قال أبو الفضل البطليوسي في شرح كتاب س: ((فعلى هذا يجوز: زيد قائمان وعمرو، ولا مانع منه)) انتهى.
ولا ينبغي أن يجوز إلا بسماع من العرب، والفرق بين المسألتين ظاهر، وذلك أن أعلم أفضل تفضيل، فيجري مفردًا مذكرًا على المفرد المذكر وفروعها، فلا يظهر في ذلك مخالفةً خبر لمخبر عنه، فتقول فيه: أنت وزيد أعلم، فلا يظهر مخالف، بخلاف ما يصح تثنيته وجمعه وتأنيثه إذا قلت: زيد قائمان وعمرو، إذ لا يصح: زيد قائمان، بخلاف: زيد أعلم، فالذي ينبغي منع زيد قائمان وعمرو؛ لأن فيه الفصل بين المعطوف والعطوف عليه بما م خبر لهما مخالف لفظه للفظ المبتدأ.
стр. 2518
وأما: أنت ومالك، وأنت وشأنك، ونحوهما فذكر أبو الحسن في ((الأوسط)) اختلاف النحويين في توجيه ذلك:
فذهب بعضهم إلى أن لا إضمار، وان الواو تسد مسد الخبر.
ومنهم من أضمر، وقدر: مقرونان، وإلى تقدير مقرونان ذهب س والأكثرون، إلا أن ابن خروف زعم أن تقدير س ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، وزعم أن س نص على أن الواو وما بعدها الخبر في: اشتريت، الشاء شاةً ودرهم.
وقال ابن الضائع: ((لا نص في كلام س على ذلك، فإن زعم أن وضعيته ارتفع بكونه خبر المبتدأ لا بالتشريك مع الأول فيلزمه أن ينصبه في خبر كان ويرفعه في خبر إن، ولم تفعل العرب ذلك، بل قالت؛ إن رجلا وضيعته، وإنك ما وخبرا. وقال:
فكان تنادينا وعقد عذاره .................................
ولو نصب ((وعقد عذاره)) لكان كنصب: كنت وزيدًا كالأخوين. وإن زعم انه [مرفوعا] بالتشريك [والعطف] فحكمه حكم ما عطف عليه؛ لأنه شريكه في العامل، فهو مبتدأ مثله، فلا بد من دلالة شيء عليهما في المعنى)).
стр. 2519
قال ابن خروف: ((ويدل على عدم الإضمار أن الكلام لا يدل على الاقتران، بل يمكن أن يكونا غير مقرونين)). قال: ((فمعنى تقدير س مقرونان أي: إن وضعيته في موضع مقرونان، كما تقدر: زيد ضربته، في الاشتغال: تريد: أخوك؛ لتري أن ضربته في موضع الخبر)). قال: ((ولا دليل على ذلك الخبر)).
وهذا باطل؛ فإن الواو التي بمعنى مع تدل على الاقتران، وليس يراد بالاقتران هنا الملامسةً والصلاح، وهذا الذي غلط ابن خروف، بل يراد به أن كل إنسان مع ضيعته، يفعل فيها ما يشاء من إصلاح أو إفساد.
وأما قول س في شاةً ودرهم إنه خبر ف ((س)) قد يسمي ما ليس خبرًا خبرا إذا كان في معنى الخبر، وفي كلام س ما يدل على خلاف ما زعم ابن خروف، قال س في المسألة: ((إنه يريد: شاة بدرهم، وهذا المجرور خبر)). قال: ((فصارت الواو بمنزلة الباء في المعني)). فقوله ((في المعنى)) يدل على أنها ليست في اللفظ بخبر، وهذا ظاهر الدلالةً، وتقدم الكلام في هذه المسألة في باب الابتداء.
وقوله والنصب عند الأكثر في نحو: ما لك وزيدًا، وما شأنك وعمرًا قال المصنف في الشرح: ((أشرت بذلك إلى كل جملةً آخرها واو المصاحبة وتاليها
стр. 2520
وأولها (ما) المستفهم بما على سبيل الإنكار قبل ضمير مجرور باللام أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه)).
((ونسبت وجوب النصب إلى الأكثر لأن ابن خروف حكي عن الكسائي أنه قال: إذا أوقعت; ما بال، وما شأن، وما لٍ، على اسم مضمر، ثم عطفت عليه باسم ظاهر - كان الوجه في المعطوف النصب، والخفض جائز، فصرح الكسائي بجواز الجر، وبه أقول، لا على العطف، بل على حذف مثل ما جر به الضمير لدلالة السابق عليه)) انتهى.
وهذا الذي أدرجه المصنف فيما يتعين فيه العطف عند الأكثر هو شيء من أحد الأقسام الأربعة التي قسم بعض أصحابنا مسائل هذا الباب إليها، وهو أن تكون الجملة فعليةً أو اسميةً متضمنةً معنى الفعل، وقبل الواو ضمير متصل مرفوع غير مؤكد بضمير رفع منفصل، وليس في الكلام طول يقوم مقام التأكيد، أو ضمير خفض متصل باسم لا يمكن عطف ما بعد الواو عليه، نحو قولك: ما صنعت وأباك، وما شأنك وزيدًا، ولا يجوز رفع الأب وخفض زيد إلا في ضرورة، ولا يجوز رفع زيد وعطفه على الشأن، فهذا القسم - وهو الثاني - يكون الاسم فيه مفعولًا معه، ولا يجوز فيه العطف إلا في الضرورةً.
وقوله والنصب في هذين ونحوهما بـ ((كان)) مضمرةً قبل الجار، أو بمصدر لابس منويًا بعد الواو، لا ب ((لابس))، خلافًا للسيرافي وابن خروف تقدير كان وملابسه مصدر لابس في كتاب س، قال س: ((ومن نصب أيضًا قال: ما لزيد وأخاه، كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه)). وقال أيضًا: ((فإذا أضمرت فكأنك قلت: ما شأنك وملابسةً زيد، [أو] وملابستك زيدًا)).
стр. 2521
والذي ينبغي أن يجعل تقدير س ((وملابسة)) تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ ويكون المضمر كان. ويدل على ذلك ترجمة الباب، قال س: ((هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله وذلك قولك: ما لك وزيدًا، وزيدًا شأنك وعمرًا))، فقد بنى الباب على إضمار الفعل، هذا مع ما تقرر من أن مذهب البصريين أنه لا يجوز حذف / [٤: ١٩/ب] المصدر وإبقاء معموله لأنه موصول، ولا يجوز حذف الموصول، وقد منع ذلك س في قوله:
............ .... إلا الفرقدان
وبما اختاره المصنف من إعمال المصدر مضمرًا هنا قال الأستاذ أبو علي في قديم إقرائه؛ وحمل كلام س على ظاهره، واعتذر الأستاذ أبو علي عن إعمال المصدر مضمرًا بأنه هنا في قوة الملفوظ به لوضوح الدلالةً عليه، ودعاه إلى الاعتذار منع س ذلك في باب الاستثناء في ((إلا الفرقدان)) كما ذكرناه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: ((آخر ما أخذت عن الأستاذ أبي علي في ذلك هو أن الاسم هنا منصوب على انه مفعول معه، وأن تقدير س معنوي لا إعرابي، بل تقدير الإعراب فيه: ما لك تلتبس وزيدًا))، قال: ((ويدل على أنه عند س كذا ذكر هذه المسألةً في باب المفعول معه، ولو كان النصب على أنه مفعول به لم يذكرها معه)) انتهى.
стр. 2522
وإذا أخذ بظاهر كلام س في تقديره وملابسه زيدًا فلا يكون مفعولًا معه، إنما يكون مفعولًا به، وعلى هذا أخذ، أبو بكر بن طاهر وتلميذ، ابن خروف، غير أنهما قالا: الناصب لزيد فعل مضمر لا مصدر؛ لأنه لا يجوز حذف الوصول وإبقاء شيء من صلته، وقد نص على ذلك س، فتقدير الناصب له حقيقةً: وتلابس زيدًا، غير أن فيه قبحًا لعطف الفعل على الاسم، فلذلك لما أراد س إظهار الناصب قدره بما لا يقبح فيه- ونظير ذلك امتناع الحكايةً بـ ((أي)) وجوازها بـ ((من)) في الأعلام؛ لأنهم لو قالوا أي زيدًا لظهر القبح في اللفظ لاختلاف إعرابي المبتدأ والخبر واستتاره في: من زيدًا. وكذلك هذه المسألةً جاز عطف الفعل على الاسم مع الإضمار لاستتار القبح، فإذا أظهر غير، فهذا هو السبب في تقدير س الناصب مصدرًا.
وأطال المصنف في الشرح الاستدلال على حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو مذهب الكوفيين، قال: ((وحذفه إذا قويت الدلالةً عليه وارد في الكلام الفصيح، كقوله تعالى ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: وصد عن المسجد الحرام، وضعف عطفه على (سبيل الله) لأجل الفصل، وعطفه على الضمير لأن ذلك لا يجوز عند الأكثرين، ولأنه لا يصح أيضًا، من جهة
стр. 2523
المعنى؛ لأن المشركين كانوا يعظمونه، إلا إن جعل تعظيمهم كلا تعظيم لكونه مستندا الى أهوائهم، وكقول الشاعر:
لصونك من تعول أتم نفعا لهم، عن ضلةً وهوى مطاع
ومثله:
المن للذم داع، بالعطاء فلا تمنن، فتلفى بلا حمد ولا مال
[٤: ٢٠/أ] /أي: صون عن ضلةً، ومن بالعطاء، والمحذوفان بدل من الموجودين، فاستغني بمعمول البدل كما استغني في الآية بمعمول المعطوف)).
وما ذهب إليه المصنف من هذا الاستدلال لا حجةً فيه، وقد خرجنا الآية على العطف على الضمير، وأوردنا من لسان العرب كثيرا مما يدل على جواز ذلك في كتابنا في تفسير القرآن المسمى بـ ((البحر المحيط)).
وأما البيتان فيتعلق المجرور فيهما بفعل محذوف يدل عليه المصدر، التقدير: تصونهم عن ضلةً، وتمن بالعطاء، فلم يتعين إضمار المصدر؛ إذ يحتمل إضمار هذا الفعل، وهو أولى- والعجب من جرأةً هذا الرجل على س حيث قال: ((ولو صرح س بمنع حذف المصدر مطلقًا لكان محجوبًا بثبوت ذلك عن العرب، فإن كلامهم هو المأخوذ به)) انتهى.
وأين يثبت ذلك في كلام العرب؟ إنما استدل بشيء خلاف الظاهر وخلاف القواعد:
стр. 2524
وإذا ما الجبان حل بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
وقوله فإن كان المجرور ظاهرًا رجح الخطف مثاله: ما لزيد وعمرو، وما شأن زيد وعمرو، وهذا هو شيء عن احد الأقسام الأربعة التي قسم بعض أصحابنا، وهو أن تكون الجملةً اسميةً مضمنةً معنى الفعل، وتقدم الواو اسم لا يتعذر العطف عليه، نحو قولك: ما شأن عبد الله وزيد، وما أنت وزيد، فالأحسن جر زيد في المثال الأول، ورفعه في المثال الثاني، وهذا هو القسم الثالث تختار فيه أن يكون معطوفًا، ويجوز فيه أن يكون مفعولا معه.
وقوله وربما ينتصب بفعل مقدر بعد ((ما)) أو ((كيف)) ربما تدل على القلةً، فمثل ما شأن عبد الله وزيد الأرجح فيه العطف على عبد الله، ويجوز على قلة أن ينتصب مفعولا معه.
وقد منع س ذلك بعض المتأخرين وقوفًا مع ظاهر قول س: ((فإذا أظهر الاسم فقال ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر؛ لأنه قد حسن أن تحمل الكلام على عبد الله؛ لأن المظهر المجرور تحمل عليه المجرور. وسمعنا بعض العرب يقول: ما شأن عبد الله والعرب يشتمها)).
وهذا وهم منه، نظر إلى كلام س أولًا، ولم ينظر إليه أخرا، فقول س ((فليس إلا الجر)) يعني في الأفصح، ويدل على هذا التقييد بالأفصح قول س بعد ذلك: ((ومن قال ما أنت وزيد؛ قال ما شان عبد الله وزيدًا، وحمله على كان؛ لأن كان تقع هاهنا، والرفع أجود وأكثر، والجر في قولك ما شأن عبد الله وزيد أحسن وأجود، كأنه/ [٤: ٢٠ أ/ب] قال: ما شأن عبد الله وشأن أخيه، ومن
стр. 2525
نصب أيضًا قال: ما لزيد وأخاه)) انتهى. فهذا نص من س على ترجيح العطف وتجويز النصب على أنه مفعول معه، وكلام س في هذا بين.
وأشار المصنف بقوله ((في نحو وما أنت والسير)) لما أنشده س:
وما أنت والسير في متلف يبرح بالذكر الضابط
وكذلك: كيف أنت وقصعةً من ثريد، الرفع فيه هو الفصح الكثير، والنصب قليل، قال س: ((وزعموا أن ناسًا يقولون: كيف أنت وزيدا، وما أنت وزيدًا، وهو قليل في كلام العرب، لم يحملوا الكلام على ما ولا كيف، ولكن حملوه على الفعل، على شيء لو ظهر حتى يلفظوا به لم ينقض ما أرادوا من المعنى حين حملوا الكلام على ما وكيف، كأنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد، وما كنت وزيدًا؛ لأن كنت وتكون يقعان هنا كثيرًا)) انتهى.
وزعم ابن عصفور أن هذا مما يجب فيه النصب على المعيةً، فقال: ((ولا يجوز التشريك؛ لأنه يلتبس بالسؤال عن حال كل واحد عنهما على الانفراد)).
قال ابن الضائع: ((وهذا غلط، بل قد نص س على اختيار الرفع، وذلك أنك إذا سألت من بينه وبين زيد اختلاط والتباس فهم المقصود، فلا يقع لبس، فقد
следующие страницы →