← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

والذي ينبغي أن يجعل تقدير س ((وملابسة)) تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ ويكون المضمر كان. ويدل على ذلك ترجمة الباب، قال س: ((هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله وذلك قولك: ما لك وزيدًا، وزيدًا شأنك وعمرًا))، فقد بنى الباب على إضمار الفعل، هذا مع ما تقرر من أن مذهب البصريين أنه لا يجوز حذف / [٤: ١٩/ب] المصدر وإبقاء معموله لأنه موصول، ولا يجوز حذف الموصول، وقد منع ذلك س في قوله: ............ .... إلا الفرقدان وبما اختاره المصنف من إعمال المصدر مضمرًا هنا قال الأستاذ أبو علي في قديم إقرائه؛ وحمل كلام س على ظاهره، واعتذر الأستاذ أبو علي عن إعمال المصدر مضمرًا بأنه هنا في قوة الملفوظ به لوضوح الدلالةً عليه، ودعاه إلى الاعتذار منع س ذلك في باب الاستثناء في ((إلا الفرقدان)) كما ذكرناه. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: ((آخر ما أخذت عن الأستاذ أبي علي في ذلك هو أن الاسم هنا منصوب على انه مفعول معه، وأن تقدير س معنوي لا إعرابي، بل تقدير الإعراب فيه: ما لك تلتبس وزيدًا))، قال: ((ويدل على أنه عند س كذا ذكر هذه المسألةً في باب المفعول معه، ولو كان النصب على أنه مفعول به لم يذكرها معه)) انتهى.

стр. 2522

وإذا أخذ بظاهر كلام س في تقديره وملابسه زيدًا فلا يكون مفعولًا معه، إنما يكون مفعولًا به، وعلى هذا أخذ، أبو بكر بن طاهر وتلميذ، ابن خروف، غير أنهما قالا: الناصب لزيد فعل مضمر لا مصدر؛ لأنه لا يجوز حذف الوصول وإبقاء شيء من صلته، وقد نص على ذلك س، فتقدير الناصب له حقيقةً: وتلابس زيدًا، غير أن فيه قبحًا لعطف الفعل على الاسم، فلذلك لما أراد س إظهار الناصب قدره بما لا يقبح فيه- ونظير ذلك امتناع الحكايةً بـ ((أي)) وجوازها بـ ((من)) في الأعلام؛ لأنهم لو قالوا أي زيدًا لظهر القبح في اللفظ لاختلاف إعرابي المبتدأ والخبر واستتاره في: من زيدًا. وكذلك هذه المسألةً جاز عطف الفعل على الاسم مع الإضمار لاستتار القبح، فإذا أظهر غير، فهذا هو السبب في تقدير س الناصب مصدرًا. وأطال المصنف في الشرح الاستدلال على حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو مذهب الكوفيين، قال: ((وحذفه إذا قويت الدلالةً عليه وارد في الكلام الفصيح، كقوله تعالى ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: وصد عن المسجد الحرام، وضعف عطفه على (سبيل الله) لأجل الفصل، وعطفه على الضمير لأن ذلك لا يجوز عند الأكثرين، ولأنه لا يصح أيضًا، من جهة

стр. 2523

المعنى؛ لأن المشركين كانوا يعظمونه، إلا إن جعل تعظيمهم كلا تعظيم لكونه مستندا الى أهوائهم، وكقول الشاعر: لصونك من تعول أتم نفعا لهم، عن ضلةً وهوى مطاع ومثله: المن للذم داع، بالعطاء فلا تمنن، فتلفى بلا حمد ولا مال [٤: ٢٠/أ] /أي: صون عن ضلةً، ومن بالعطاء، والمحذوفان بدل من الموجودين، فاستغني بمعمول البدل كما استغني في الآية بمعمول المعطوف)). وما ذهب إليه المصنف من هذا الاستدلال لا حجةً فيه، وقد خرجنا الآية على العطف على الضمير، وأوردنا من لسان العرب كثيرا مما يدل على جواز ذلك في كتابنا في تفسير القرآن المسمى بـ ((البحر المحيط)). وأما البيتان فيتعلق المجرور فيهما بفعل محذوف يدل عليه المصدر، التقدير: تصونهم عن ضلةً، وتمن بالعطاء، فلم يتعين إضمار المصدر؛ إذ يحتمل إضمار هذا الفعل، وهو أولى- والعجب من جرأةً هذا الرجل على س حيث قال: ((ولو صرح س بمنع حذف المصدر مطلقًا لكان محجوبًا بثبوت ذلك عن العرب، فإن كلامهم هو المأخوذ به)) انتهى. وأين يثبت ذلك في كلام العرب؟ إنما استدل بشيء خلاف الظاهر وخلاف القواعد:

стр. 2524

وإذا ما الجبان حل بأرض طلب الطعن وحده والنزالا وقوله فإن كان المجرور ظاهرًا رجح الخطف مثاله: ما لزيد وعمرو، وما شأن زيد وعمرو، وهذا هو شيء عن احد الأقسام الأربعة التي قسم بعض أصحابنا، وهو أن تكون الجملةً اسميةً مضمنةً معنى الفعل، وتقدم الواو اسم لا يتعذر العطف عليه، نحو قولك: ما شأن عبد الله وزيد، وما أنت وزيد، فالأحسن جر زيد في المثال الأول، ورفعه في المثال الثاني، وهذا هو القسم الثالث تختار فيه أن يكون معطوفًا، ويجوز فيه أن يكون مفعولا معه. وقوله وربما ينتصب بفعل مقدر بعد ((ما)) أو ((كيف)) ربما تدل على القلةً، فمثل ما شأن عبد الله وزيد الأرجح فيه العطف على عبد الله، ويجوز على قلة أن ينتصب مفعولا معه. وقد منع س ذلك بعض المتأخرين وقوفًا مع ظاهر قول س: ((فإذا أظهر الاسم فقال ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر؛ لأنه قد حسن أن تحمل الكلام على عبد الله؛ لأن المظهر المجرور تحمل عليه المجرور. وسمعنا بعض العرب يقول: ما شأن عبد الله والعرب يشتمها)). وهذا وهم منه، نظر إلى كلام س أولًا، ولم ينظر إليه أخرا، فقول س ((فليس إلا الجر)) يعني في الأفصح، ويدل على هذا التقييد بالأفصح قول س بعد ذلك: ((ومن قال ما أنت وزيد؛ قال ما شان عبد الله وزيدًا، وحمله على كان؛ لأن كان تقع هاهنا، والرفع أجود وأكثر، والجر في قولك ما شأن عبد الله وزيد أحسن وأجود، كأنه/ [٤: ٢٠ أ/ب] قال: ما شأن عبد الله وشأن أخيه، ومن

стр. 2525

نصب أيضًا قال: ما لزيد وأخاه)) انتهى. فهذا نص من س على ترجيح العطف وتجويز النصب على أنه مفعول معه، وكلام س في هذا بين. وأشار المصنف بقوله ((في نحو وما أنت والسير)) لما أنشده س: وما أنت والسير في متلف يبرح بالذكر الضابط وكذلك: كيف أنت وقصعةً من ثريد، الرفع فيه هو الفصح الكثير، والنصب قليل، قال س: ((وزعموا أن ناسًا يقولون: كيف أنت وزيدا، وما أنت وزيدًا، وهو قليل في كلام العرب، لم يحملوا الكلام على ما ولا كيف، ولكن حملوه على الفعل، على شيء لو ظهر حتى يلفظوا به لم ينقض ما أرادوا من المعنى حين حملوا الكلام على ما وكيف، كأنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد، وما كنت وزيدًا؛ لأن كنت وتكون يقعان هنا كثيرًا)) انتهى. وزعم ابن عصفور أن هذا مما يجب فيه النصب على المعيةً، فقال: ((ولا يجوز التشريك؛ لأنه يلتبس بالسؤال عن حال كل واحد عنهما على الانفراد)). قال ابن الضائع: ((وهذا غلط، بل قد نص س على اختيار الرفع، وذلك أنك إذا سألت من بينه وبين زيد اختلاط والتباس فهم المقصود، فلا يقع لبس، فقد

стр. 2526

كان ينبغي ألا يجوز فيه النصب إذ لا ناصب له، لكن زعم س أنه جار على توهم كان أو تكون)) انتهى. وظاهر كلام س أن الرفع في; ما شأن عبد الله وزيدًا، وما أنت وزيدًا، وكيف أنت وزيدًا، إذا نصب ما بعد الواو هو على إضمار كان، وقد صرح بذلك س كما ذكرناه في نصه، وفي قوله أيضًا، قال: ((ما كان شأن زيد وأخاه))، فعلى هذا ارتفاع شأن بـ (كان) المضمرةً، وارتفاع أنت في: كيف أنت، وما أنت بـ (كان) المضمرةً، ولا يتخيل أن معنى ما أنت وزيدًا - وهو ما كنت وزيدًا - هو الذي بعمل؛ لأن المعاني لا تعمل في المفعولات الصحاح. واختلفوا في ((كان)) هذه المضمرةً؛ فنص أبو علي الفارسي وغيره على أنها التامةً؛ لأن الناقصة مجردةً للدلالةً على زمان نسبةً أمر إلى آخر فيما مضى، ولا تعمل، وإنما عملت في المبتدأ والخبر بالتنبيه، فلا تعمل في غيره. وهو اختيار الأستاذ أبي علي، وأبي عمرو بن تقي وعلى هذا ((كيف)) في موضع نصب على الحال، وأما ((ما)) فلا تكون حالًا؛ لأنها سؤال عن الذات لا عن الأحوال. وزعم بعضهم أنها مجردةً عن أصلها إلى السؤال عن الحال. والصحيح آن كان المضمرةً ناقصةً، وأنها ليست مجردةً من الحدث، فتكون كيف في موضع الخبر. وكذلك ما، التقدير: على أي حال تكون مع قصعة من ثريد، وأي شيء تكون مع زيد، وأي شيء يكون شان عبد الله مع زيد. وقال ابن [٢١:٤ أ] /خروف: ((إن أنت ونحوه اسم كان، و (ما) الخبر، ولا يجوز أن تكون التامةً؛ لأنه تكون ما مبتدأ، وما بعدها الخبر، ولا ضمير فيه. ويجوز فيها مع كيف الوجهان، يعني لأن كيف تنتصب على الحال)) انتهى.

стр. 2527

واختلف في تقدير س مع ((ما)) ((كنت))، ومع ((كيف)) ((تكون)): أذلك مقصود لـ ((ص)) أم لا: فزعم السيرافي أنه غير مقصود، ولو عكس لأمكن. ورد المبرد على س، وقال: يصلح في كل واحد منهما الماضي والمستقبل، نحو: ما تكون وزيدًا، وكيف كنت وزيدًا. وتابعه ابن طاهر، وقال: إنما قدر مع ما الماضي ومع كيف المستقبل لكثرة ذلك في الكلام، ولا يمنع في القياس العكس كما قال المبرد، إلا أن الاستعمال ورد على ما ذكر س، وتوقف عنده. ورد ابن ولاد على المبرد، فزعم أنه لا يجوز إلا ما قال س، وذلك أن ((ما)) دخلها معنى التحقير والإنكار، وليست سؤالًا عن مسألةً مجهولةً، ولا ينكر إلا ما ثبت واستقر، ولو كانت هنا لمجرد الاستفهام لجاز فيه الماضي والمضارع. وقال بعضهم: إن ذلك مقصود من س، وذلك أن قولهم ما أنت وزيد إنما يقال لمن أنكر عليه أن قال: خالطت زيدًا، أو لابسته، فيقال له: ما كنت وزيدًا؟ ولا يقال له إذا قال ما لابسته: ما أنت وزيدًا؟ لأنه لا ينكر ما لم يقع، إنما ينكر الواقع. وأما كيف أنت وقصعة من ثريد فإنما يقال على معنى: كيف تكون، كذا يستعمل عندهم، ولم ينقل خلاف هذا، فهذا النصب إنما يقال منه ما سمع.

стр. 2528

وقال ابن خروف: إذا قال ما أنت فهو منكر عليه محقر أمره، وإذا قال كيف فهو يريد: على أي حال، ولما حقر أتي بـ (كان) ماضية مع ما، وأتى مع كيف بالمستقبل. وقال غيره: لما كان السواد إنما يقع في الأكثر عما يستقبل قرن المستقبل بكيف، ولما كان ما أنت وزيدا بمعنى التوبيخ على صحبته - وذلك في الأغلب إنما يقع على ما مضى - قرن الماضي بـ (ما). وقوله أو زمن مضاف مثله المصنف بقوله: ((أزمان قومي والجماعة))، وهذا من بيت أنشده س، وهو: أزمان قومي والجماعة ًكالذي منع الرحالةً أن تميل مميلا هكذا أنشده س في كتابه. وقال المصنف عن س إنه أنشده: ((كالذي لزم الرحالة)). ولعل ذلك وقع في نسخة من كتاب س وقعت للمصنف، وإلا فهو وهم منه، قال س: ((كأنه قال: أزمان كان قومي والجماعةً، فحمله على كان لأنها تقع في هذا الموضع كثيرا، ولا تنقض ما أرادوا من المعنى)) انتهى. ودل على الفعل هنا إضافةً الظرف إلى الاسم؛ لآن ظروف الزمان تضاف إلى الأفعال كثيرًا، [٤: ٢١/ب] /فبإضمار الفعل صلح المعنى. وظاهر كلام س أن كان هي الرافعة لقومي، وأنها تامةً. وقيل: ناقصةً. والخلاف في هذا كالخلاف في: ما أنت وزيدًا، هل المضمر التامةً أم الناقصة.

стр. 2529

وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع: ((ظاهر كلام س عندي أنه ليس كان في هذه المواضع محذوفةً، ويكون قومي مبتدأ، فكما آن توهم الباء في: ...... لست مدرك ما مضى ...................... لا يصير مدرك مخفوضًا [بها] فكذلك توهم كان هنا لا يصير قومي مرفوعا بها، وكذلك؛ ما أنت وزيدًا، وما مثله من الأبيات)) انتهى. وخبر ((كان قومي)) هو المفعول معه. وهو والجماعة - على مذهب ابن خروف في ((إنك ما وخيرًا)) أن ((وخيرًا)) هو الخبر لنيابته مناب الخبر. والصحيح أن خبر كان في البيت هو قوله: كالذي، ويريد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالمتجسر بالرحل أو السرج المانعة أن يميل. أشار إلى لزوم قومه الجماعةً وترك الخروج عن طاعة السلطان. وقيل: إنه يصف استقامة الأمور وعدم الفتن قبل قتل عثمان. وقوله وقبل خبر ظاهر مثل المصنف بما ورد في الحديث من قول عائشةً ﵂ (كان النبي ﷺ ينزل عليه الوحي وأنا وإياه في لحاف). وروى

стр. 2530

أبو محمد ثابت السرقسطي في "كتاب الدلائل" أن رسول الله ﷺ قال: (أبشروا بالله, لأنا وكثرة الشيء أخوفني عليكم من قتله). قال ابن خروف: "لم يذكر س في كل رجل وضيعته وما أشبهه مما لم يتقدمه استفهام إلا الرفع, وبعض العرب ينصب إذا كان معه خبر, وذلك قليل لأنه يتوهم الفعل ومعنى مع". وقال المصنف في الشرح: "كأنها قالت: وكنت وإياه في لحاف, أو: وأنا كائنة وإياه في لحف, ويجوز عندي أن يكون إياه في موضع رفع عطفًا على أنا, على سبيل النيابة عن ضمير الرفع, كما ناب عن ضمير الجر في: مررت بإياك, وفي: هو الغداة كأنا" انتهى. وينبغي ألا تبنى على مثل هذه الآثار قاعدة نحو لجواز النقل بالمعنى, فلا يتعين أنه لفظ عائشة, ولا لفظ الرسول, ولكون الرواة قد يلحنون. ص: ويترجح العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن, فإن خيف به فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية, فإن لم يلق الفعل بتالي الواو

стр. 2531

جاز النصب على المعية وعلى إضمار الفعل اللائق إن حسن "مع" موضع الواو, وإلا تعين الإضمار. ش: قال المصنف في الشرح ما ملخصه: "أشرت بقولي بلا تكلف إلى نحو قوله: فكونوا أنتم وبني أبيكم ................ البيت, فيحسن العطف من جهة اللفظ, وفيه تكلف من جهة المعنى؛ لأن المراد: كونوا بني أبيكم, فالمخاطبون هم المأمورون, فإذا عطف كان التقدير: كونوا لهم وليكونوا لكم, وذلك خلاف المقصود, وكذا قول الآخر: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه, وواكل أمره واللياليا معناه: وواكل أمره لليالي, وتقدير العطف فيه تكلف". قال: "وأشرت بقولي ولا مانع إلى نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه, أي: مع إتيانه, فالعطف ها هنا ممتنع, وكذا في: استوي الماء والخشبة, وما زلت أسير والنيل ونحوهما" انتهى. وتقدم الكلام في هذه الواو, وأن الجمهور ذهبوا إلى أنها لا تقع إلا في مكان يصح فيه العطف حقيقة أو مجازًا, فتبين كيف العطف في: استوى الماء,

стр. 2532

والخشبة، وفي: ما زلت أسير والنيل, فعلى ما قرره الجمهور لا مانع من العطف هنا, ولا يتعين كون الواو واو مع. قال المصنف: "وأشرت بقولي ولا موهن إلى نحو: ما صنعت وأباك, فنصبه مختار, وعطفه جائز على ضعف". وقوله فإن خيف إلى المعية مثاله: لا تغتذ بالسمك واللبن, ولا يعجبك الأكل والشبع, أي: مع اللبن, ومع الشبع, فالمعية تبين مراد المتكلم, والعطف لا يبينه, فتعين رجحان النصب للسلامة به من فوات ما يضر فواته, وضعف العطف؛ إذ هو بخلاف ذلك. وقوله فإن لم يلق (المسألة) قال المصنف في الشرح: "مثاله قوله تعالى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكَاءَكُمْ﴾، فلا يجوز أن يجعل (وشركائكم) عطوفا؛ لأن أجمع لا ينصب إلا الأمر والكيد ونحوهما, ولك أن تجعل (وشركاءكم) مفعولًا معه, وأن تجعله مفعولًا فأجمعوا مقدرًا, كأنه قيل: فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم, ومثله ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ﴾، فلك أن تجعل (الإيمان) مفعولًا معه, ولك أن تنصبه باعتقدوا مقدرًا. فإن كان الفعل غير صالح فيما بعد الواو, ولم تصلح "مع" في موضعها - تعين إضمار فعل صالح للعمل, فمن ذلك قول الشاعر:

стр. 2533

إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيونا لأن زججن غير صالح للعمل في العيون, وموضع الواو غير صالح لمع" انتهى. فأما قوله "لأن أجمع لا ينصب إلا الأمر والكيد ونحوهما" فهذا على المشهور في اللغة, لا يقال: أجمعت شركائي, إنما هي بمعنى عزم, يقال أجمع أمره: إذا عزم عليه, وجمع بمعنى ضم المفترق, يقال جمع الدراهم: إذا ضمها, والشركاء: ضمهم, فعلى هذا يقال: جمعت شركائي, لا أجمعت شركائي, وقد حُكي أن أجمع بمعنى جمع, قال أبو ذؤيب: فكأنها بالحزم حزم نبايع وأولات ذي العرجاء نهب مجمع أي: مضموم ما تفرق منه, ومجمع: اسم مفعول من أجمع, فعلى هذا يقال: أجمعت/ [٤: ٢٢ ب] شركائي, وإذا جاز ذلك أمكن عطف الشركاء على الأمر, ولم يحتج إلى تأويل الآية, وإنما تؤول على أنها من هذا الباب على المشهور من اللغة. فإن قلت: إذا كان مذهب الجمهور أنه لا تكون مع واو إلا حيث يصلح العطف ففي هذه الآية لا يصلح العطف على مشهور اللغة؛ فكيف أجزتم فيه أن تكون واو مع؟

стр. 2534

قلنا: إن كان لا يصلح العطف على "أمركم" فيصلح العطف على الضمير في فأجمعوا؛ إذ قد فصل بينهما بالمفعول, وقد قرأن برفع ﴿وشركاؤكم﴾ عطفًا على الضمير يعقوب الحضرمي. وأما قوله بإضمار الفعل جوازًا إذا كان لا يعمل فيما بعد الواو وتتقدر الواو بمع, ووجوبًا إذا كان لا يعمل فيما بعدها ولا تتقدر بمع, وتجويزه في (وشركاءكم) و (الإيمان) أن يكون مفعولًا معه, وعلى إضمار الفعل, وتعيينه الإضمار في: ................ وزججن الحواجب والعيونا ففي الحمل على إضمار الفعل اللائق خلاف: ذهب أبو عبيدة وأبو محمد اليزيدي والأصمعي والجرمي والمازني والمبرد وجماعة إلى أن الثاني معطوف على الأول, ويكون العامل قد ضمن معنى يتسلط به على المتعاطفين, قال أبو عمر في "الفرخ": يجوز في العطف ما لا يجوز في الإفراد, نحو: أكلت خبزًا ولبنًا, وأنشد: يا ليت زوجك قد غدا متقلدًا سيفًا ورمحًا إذ ضمن متقلدًا معنى حاملًا, وضمن يجدع في قوله: تراه, كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر

стр. 2535

معنى يذهب, لأنه إذا جدع أنفه فقد أذهبه, وضمن تسمع معنى تعلم في قول الشاعر: تسمع للأحشاء منه لغطًا وفي اليدين جسأة وبددًا وضمن أطفلت معنى وضعت في قوله: فعلًا فروع الأيهقان, وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها وضمن وزججن معنى وحسن؛ لأن التزجيج تحسين, وضمن يحلين معنى يعطين ويناولن في قوله: غرائر في كن وصون ونعمة يحلين ياقوتًا وشذرًا مفقرًا وريح سنا في حقة حميرية تخص بمفروك من المسك أذفرا وذهب إلى الفراء, وجماعة من الكوفيين, والفارسي, وجماعة من البصريين, إلى أن ما جاء من هذا النوع محمول على إضمار فعل مناسب لتعذر.

стр. 2536

عطفه على ما قبله؛ فيصير من عطف الجمل, فيضمرون: ويفقأ عينيه, وترى في اليدين, وباضت نعامها, وكحلن العيون. واحتج هؤلاء على المنع من عطف الاسم على الاسم الذي قبله بأنه لا يسوغ: علفتها ماء وتبًا, كما يقال: علفتها تبنًا وماء, قال الشاعر: فعلفتها تبًا وماء باردًا حتى شتت همالة عيناها فلو كان على التضمين لجاز هذا العطف, ولا حجة في قول الحطيئة: سقوا جارك العيمان لما جفوته وقلص عن برد الشراب مشافره سنامًا ومحضًا أنبتا اللحم, فاكتست عظام امرئ ما كان يشبع طائرة فالرواية المشهورة: قروا جارك, وعلى تقدير صحة رواية سقوا فلا حجة فيها؛ لأنهم كانوا يذيبون السنام في المحض ويشربونه. ولا حجة أيضًا في قول عنترة: ويمنعهن أن يأكلن منه حياة يد ورجل تركضان

стр. 2537

لجواز أن يكون تركضان صفة للرجل, وثنى لأنه يريد الرجلين, كقولهم: عين حسنتان, كما قال امرؤ القيس: وعين لها حدرة بدرة شقت ما فيها من أخر والذي يدل على التضمين ويقطع ببطلان إضمار الفعل أنه قد وجد في كلامهم ما ادعوا أنه لا يوجد؛ وهو مثل: علفتها ماء وتبنًا, قال طرفة: أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة لها سبب ترعى به الماء والشجر ] و [: ونابغة الجعدي بالرمل بيته عليه صفيح من تراب وجندل ضمن صفيح معنى ستر, وكأنه قال: ستر من تراب وجندل. وإذا كانوا قد عطفوا ما لا يدخل في العامل لا بتضمين ولا غيره فلأن يعطفوا ما يدخل بتضمين أولى وأحرى, أنشد الأحْوَل:

стр. 2538

ومستنبح بعد الهدو دعوته وقد حان من ساري الشتاء طروق يكابد عرنينًا من الليل باردًا تكف رياح ثوبه وبروق فالرياح تكف الثوب لا البروق, لكنه عطفها على الرياح لالتباسها بها. ومما يضعف مذهب الإضمار أنه جاء منه ما هو بعد مخفوض الإضافة, نحو قوله: شراب ألبان وتمر وأقط لأنه إذا أضمر وأكال تمر كان قد حذف المضاف, ولم يقم الثاني مقامه مع أنه لم يتقدم له ذكر في اللفظ, وهو غير سائغ, وأنه جاء منه ما هو مخفوض بحرف جر, نحو قوله: فلما دعت شيبًا بجنب عنيزة مشافرها في ماء مزن وباقل [٤: ٢٣/ ب] /فـ "شيب" في الماء لا في النبت, فإن أضمرت ورعت في باقل كان من قبيل: "خير, عافاك الله"، وهو في غاية الشذوذ. واختلف في هذا النوع من العطف أهو قياس أم سماع, والأكثرون على أنه قياس, وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام لهما.

стр. 2539

-[ص: والنصب في حسبك وزيدًا درهم بـ "يحسب" منويًا, وبعد ويله وويلًا له بناصب المصدر, وبعد ويل له بـ " ألزم" مضمرًا, وفي: رأسه والحائط, وامرأ ونفسه, وشأنك والحج - على المعية, أو العطف بعد إضمار "دع" في الأول والثاني, و "عليك" في الثالث, ونحو "هذا لك وأباك" ممنوع في الاختيار.]- ش: قال س: "ومن ثم قالوا: حسبك وزيدًا درهم, لما كان فيه معنى كفاك, وقبح أن يحملوه على المضمر - نووا الفعل, كأنه قال: حسبك ويحسب أخاك درهم, وكذلك: كفيك" انتهى. كفيك هو من كفاه يكفيه, وكذلك قطك, تقول: كفيك وزيدًا درهم, وقطك وزيدًا درهم, وقال: .............. فحسبك والضحاك سيف مهند وليس هذا من باب المفعول كما زعم الزمخشري؛ لأن المفعول معه لا يعمل فيه إلا الفعل أو ما جرى مجراه, فليس حسبك مما جرى مجرى الفعل. وأما ما قاله ابن عطية من أن الكاف في موضع نصب فلا يصح؛ لأن حسبك إضافته محضة؛ إذ ليس باسم فاعل ولا مصدر, وإنما جاء س به حجة للحمل على الفعل للدلالة, فحسبك يدل على كفاك. ويحسبني مضارع أحسبني فلان: إذا أعطاني حتى أقول حسبي, فالناصب في هذا فعل يدل عليه المعنى, وهو في كفيك وزيدًا درهم أوضح؛ لأنه مصدر للفعل المضمر, أي: ويكفي زيدًا, وفي قطك وزيدًا درهم التقدير فيه أبعد؛ لأن قطك

стр. 2540

ليس في الفعل المضمر شيء من لفظه, إنما هو ناصب مفسر من حيث المعنى فقط, وفي ذلك الفعل المضمر فاعل مضمر, يعود على الدرهم, والنية بالدرهم التقديم, فيصير من عطف الجمل. ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال لأن طلب المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه ولا عمله؛ فلا يتوهم ذلك فيه. وزعم الزجاج أن حسبك اسم فعل, والكاف في موضع نصب, وهو خطأ لدخول العوامل عليه, تقول العرب: بحسبك درهم, وقال تعالى ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾. فإن قلت: إذا دخلت عليه العوامل يكون غير اسم فعل, وإذا لم تدخل كان اسم فعل, كرويد وبله؛ ألا ترى أنهما بعدهما مخفوض لم يكونا اسم فعل, وإذا لم يجئ كانا اسمي فعل. فالجواب: أن رويد وبله جاءا في مكان تعين أن يكونا فيه اسمي فعل, وحسبك/ [٤: ٢٤/ أ] لم يقع في مكان يتعين فيه أن يكون اسم فعل, فبان الفرق. وقوله وبعد ويله وويلا له بناصب المصدر قال س: "وأما ويلًا له وأخاه, وويله وأباه - فانتصب على معنى الفعل الذي نصب, كأنه قال: ألزمه الله ويله وأباه" انتهى, لما امتنع أن يحمل على المخفوض وعلى ويلًا لأن المعنى

стр. 2541

يأباه حمل على الفعل الذي انتصب عليه ويلًا, وكأنه قال: ألزمه الله ويلًا وأخاه, ويكون معطوفًا على مفعول ألزم الأول. وقوله] وبعد [ويل له بـ "ألزم" مضمرًا قال س: "وإن قلت ويل له وأباه نصبت؛ لأن فيه ذلك المعنى" انتهى, كأنك قلت: ويل له وألزم الله الويل أباه, ودل على هذا الفعل ويل له؛ لأنه في معنى المنصوب الذي هو: ويلًا له. وقوله وفي رأسه إلى قوله والثاني: قال س: "ومن ذلك: رأسه والحائط, كأنه قال: خل أو دع رأسه مع الحائط, فالرأس مفعول, والحائط مفعول معه, فانتصبا جميعًا. ومن ذلك قولهم: شأنك والحج، كأنه قال: عليك شأنك مع الحج. ومن ذلك: امرأ ونفسه, كأنه قال: دع امرأ ونفسه, فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع قولهم: ما صنعت وأباك. وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى, فهو عربي جيد, كأنك قلت: عليك رأسك, وعليك الحائط, وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه, فليس ينقض هذا ما أردت في معنى مع من الحديث" انتهى. وفي تجويز س كون المنصوب في هذه المثل على المعية رد على من يعتقد أن المفعول معه لا يكون إلا مع الفاعل. وهذا كله مقيس, أعني المعطوف والمعطوف عليه, لك أن تقول: زيدًا وعمرًا, وما كان نحوه, على إضمار الفعل الذي لا يظهر.

стр. 2542

فإذا عطفت فالمعنى: دع رأسه مع الحائط, واترك الحائط مع رأسه, فالرأس والحائط متروكان, وهذا المعنى بعينه هو معنى مع, ولا فرق بينهما إلا أن مع يفهم منها أحد المعاني التي تحتملها الواو, وهو كونهما في حين واحد, وإذا كانت الواو عاطفة احتمل الكلام إلا أن تكون قرينة, فيكون ذلك من خارج لا من الواو نفسها, بخلاف واو مع. وقوله و "عليك" في الثالث يعني أن المحذوف في قولهم شأنك والحج هو لفظ الإغراء, وهو عليك, بمعنى: ألزم شأنك والحج, وغر المصنف في أن جعل الناصب لشأنك عليك محذوفة تمثيل س ذلك بعليك في قوله " ومن ذلك قولهم: شأنك والحج, كأنه قال: عليك شأنك مع الحج". وهذا الذي قدره س هو تمثيل وتقدير معنى لا تفسير إعراب, وتفسير الإعراب هو: ألزم شأنك, وبهذا قدره النحويون, وقالوا: لا يضمر عليك, وإنما يضمر الفعل. ويظهر لي في تعليل ذلك أنه لما كان أصل العمل في المفعول به للفعل, وأنابوا عليك منابه لكونه اسم فعل, وكان قياسه ألا يعمل - لم يتصرفوا فيه/ [٤: ٢٤/ ب] تصرف الفعل؛ لأنه فرع عنه, فلم يجيزوا إعماله مضمرًا لئلا تساوي الفروع الأصول؛ ألا ترى أن "ما" لما شبهت بـ "ليس" نقص عملها عن عمل ليس, و "لا" التي للنفي العام لما شبهت بـ "إن" نقص عملها أيضًا.

стр. 2543

وقوله ونحو "هذا لك وأباك" ممنوع في الاختيار قال س: "وأما هذا لك وأباك فقبيح؛ لأنه لم يذكر فعلًا ولا حرفًا فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل" انتهى. قال المصنف في الشرح: "كثر في كلام س التعبير بالقبح عن عدم الجواز, وقد استعمله قبل إذ قال في حسبك وزيدًا درهم: (لما كان فيه معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر - نووا الفعل). واستعمله أيضًا هنا, والحاصل أن س قد أفصح بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن معنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه؛ لأنه حكم على أن هذا لك وأباك قبيح, ومراده أنه غير جائز, ولو كان اسم الإشارة صالحًا عنده لنصب المفعول معه أو ما تضمن معنى الاستقرار من ظرف أو حرف جر لأجاز أن يقال: هذا لك وأباك, مخيرًا بين أن ينسب العمل لهذا أو لـ "لك"، وقد أجاز أبو علي في قول الشاعر: ................... هذا ردائي مطويًا وسربالًا أن ينصب السربال بـ (هذا) مفعولًا معه. وأجاز بعض النحويين أن يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر" انتهى. وقد تم الكلام على انقسام مسائل هذا الباب على ما ذكره المصنف إلى: واجب العطف, وراجحه, وواجب المعية, وراجحها, ومتساوي العطف والمعية,

стр. 2544

فصارت خمسة أقسام. وتقدم من تقسيم أصحابنا إلى واجب العطف, ومختاره, وواجب المعية, ومتساوي المعية والعطف, وقسم شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع المسائل إلى ما قسمها المصنف. فالواجب المعية قولهم: جلست والسارية, ومازلت أسير والنيل؛ وذلك أن العطف هنا لو كان حقيقة من جهة المعنى لقبح من جهة اللفظ العطف على المضمر؛ على أنه لا يجوز: جلس عمرو والسارية؛ لأنه مجاز لا معنى له في هذا الموضع. والواجب التشريك: كل رجل وضيعته, وأنت وشأنك, خلافًا للصميري, فإنه أجاز فيه المعية, والصحيح مذهب الجمهور. والراجح المعية: ما لك وزيدًا. والراجح العطف: ما لزيد وعمرو, وما أنت وقصعته من ثريد. والمستوى فيه العطف والمعية: ما صنعت أنت وأبوك, ولو تركت هي وفصيلها لرضعها, انتهى ملخصًا غاية التلخيص. -[ص: وفي كون هذا الباب مقيسًا خلاف, ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ما له متقدمًا, وقد يعطى حكم ما بعد المعطوف, خلافًا لابن كيسان.]- ش: قال المصنف في الشرح: "بعض النحويين يقتصر في مسائل في هذا الباب على السماع, والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة" انتهى.

стр. 2545

وقال أبو الحسن: "قوم يقيسون هذا في كل شيء, وقوم يقصرون على ما سمع منه"، قال ابن عصفور: "ويعني بالذين يقصرونه على السماع أنهم لا يجيزون ذلك إلا حيث لا يراد بالواو معنى العطف المحض؛ لأن السماع إنما ورد به هنالك. ويعني بالذين يقيسون أنهم يجيزون ذلك حيث يراد به معنى العطف المحض, نحو: قام زيد وعمرًا, وحيث لا يتصور معنى العطف أصلًا, نحو: قعدت وطلوع الشمس" انتهى. وقال الفارسي في التذكرة: "من لم يقس يقول إن الواو حرف غير عامل, كما أن إلا حرف غير عامل, وقد وصل الفعل بكل واحد منهما إلى ما بعده, فكما لا يقال على إلا غير الاستثناء كذلك لا يقاس: استوي الماء والخشبة, إلا ما سمع, والذي يقيس يقول: إن الواو حرف قد أبدل من الباء في نحو: والله, وفي نحو: لك الشاء شاة ودرهم, أي: بدرهم, فلما أشبه الباء في هذا, وقاربه في المعنى أيضًا - جعله بمنزلة حرف الجر". قال ابن عصفور: "والصحيح عندي أن ذلك لا يقاس في كل شيء, فلا يجوز انتصاب الاسم على أنه معه حيث لا يتصور معنى العطف أصلًا؛ لقيام الأدلة على أن واو مع واو عطف في الأصل, ولا حيث يراد معنى العطف المحض؛ لأنه لا موجب إذ ذاك للعدول عما يقتضيه العطف من المشاكلة إلى النصب, مع أن العرب تؤثر المشاكلة على غيرها, وإنما يجوز ذلك حيث يدخل المعطوف بالواو معنى المفعول به؛ لأن دخول ذلك المعنى فيه هو الذي سوغ نصبه" انتهى.

стр. 2546

وقال الأستاذ أبو علي: "متى كان العطف نصًا على معنى مع, وكان حقيقة في المعنى - ضعف النصب, كقولك: قام زيد وعمرو, فهذا لا يقال بالنصب إلا إن سمع, ومنه على ما زعم قول الشاعر: فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا أي: مع القمر, فإذا كان العطف ليس بنص في المعنى, أو كان مجازًا - قوي النصب على المفعول معه". قال: "وفي هذين ينبغي أن يكون الخلاف, أقياس هو أم لا"، قال: "ومثال الأول: استوي الماء والخشبة, ومثال الثاني مشيت والنيل". قال: "فما حكي الفارسي في الإيضاح أن قومًا يقيسونه وآخرين يقصرونه على السماع ينبغي أن يكون مخصوصًا بهذين القسمين لا بالقسم الأول, فإنه ليس بمقيس أصلًا". وقال ابن هشام الخضراوي: المفعول معه اختلف: هل يقاس أم لا, والقياسون اختلفوا: فقيل: في كل ما جاز فيه العطف حقيقة أو مجازًا, وقيل: قياسه في المجاز, وسماعه في العطف الحقيقي. ومذهب الفارسي عدم القياس, والنصب بما قيل الواو من فعل أو معناه بتوسط الواو فيما جاء منه, وأنه لم يجز منه شيء إلا مع صلاحية العطف, فلا يجيز:

стр. 2547

جلست والسارية, أي: مع السارية؛ لأنه ليس في معنى المعطوف, ولا: جلست وطلوع الشمس, وإن قلت مع طلوع الشمس, ولا: أنت وشأنك, بالنصب؛ لأنه لم يتقدم فعل, ولا: قام زيد وعمرًا, وإن كان سمع فيما هو في معناه, إلا أنه لا يقيسه, وعلى هذا أكثر النحويين, وهو ظاهر مذهب الكتاب. وأما نصبه بفعل ظاهر أو مضمر فنص من س لا يحتمل تأويلًا, ونصبه بمعنى الفعل فيه احتمال, وقد أجاز جماعة ما ذكرت على أبي علي منعه, والنص معدوم في كل ما خالف شروطه. وزعم السيرافي أن: استوي الماء والخشبة, وجاء البرد والطيالسة - لا يجوز فيهما إلا النصب, وهذا مطرد في كل ما كان مؤثرًا للأول, وكان الأول سببًا له, فالبرد سبب لاستعمال الطيالسة, وإذا قلت: جئت وزيدًا - أي: كنت السبب في مجيئه - فلا يجوز فيه إلا النصب, وهذا القول قول أبي العباس وأبي عمر, ونحو هذا: ما زلت وعبد الله حتى فعل, فألزموا النصب هنا, ولم يجيزوا العطف؛ لأن المعنى ليس عليه, والقصد الإعلام بتأثر الثاني عن الأول عندهم. وغيرهم يرى جواز العطف في هذا؛ لأن كل واحد منهما مشارك للأول في الاستواء والمجيء وإن كان في الثاني بعد تجوز. ورأيت الشلوبين يجيز القياس في هذا النوع, وفي قولهم: ما زلت أسير والنيل؛ لأن العطف في هذه الأشياء يجوز, فينبغي أن يقاس عليه. ورأيت لغيره من المتقدمين من أصحابنا مثل هذا فيما يقبح عطفه من جهة اللفظ لا المعنى؛ نحو: ما صنعت وزيدًا, وما لك وزيدًا؛ لأن العطف على الضمير

стр. 2548

المرفوع دون توكيد وعلى ضمير الخفض على الإطلاق قبيح؛ فيقيسون في هذا الموضع لاختلال العطف. وهذان مذهبان ليسا مأثورين عن جلة المتقدمين, ولا مذهب السيرافي مشهور عمن كان قبله, والاتفاق على أن هذا مطرد في لفظ الاستواء والمجيء والصنع وفي كل لفظة سمعت. وينبغي عندي أن يقاس على ما سمع ما في معناه وإن لم يكن من لفظه؛ فتقيس وصل على جاء, ووافق على استوي, وفعلت على صنعت. وذكر س: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها, وما زلت وزيدًا حتى فعل, وهذا يجب نصبه في قول السيرافي. وما أنت وزيدًا, وكيف أنت وعبد الله, الأكثر في كلامهم في هذين الرفع, وقليل منهم نصب بإضمار: ما كنت, وكيف تكون؛ لاستعمالهم "كنت" بعد "ما", و "تكون" بعد "كيف" كثيرًا. وذكر: ما لك وزيدًا, وما شأنك وعبد الله, مما لا يصح فيه العطف, فإذا قلت: ما لزيد وعمرو, وما شأن زيد وعمرو - لم يجز فيه إلا الخفض, إلا في لغة/ [٤: ٢٦/ أ] من يقول: ما أنت وزيدًا, على إضمار: ما كان شأنك, وما كان لزيد. وحكي: حسبك وزيدًا وزيد درهم, وجعله على تقدير: يكفي, وويلًا له وأباه, على العطف, أي: ألزمه الله ويلًا له, وألزم أباه, وويل له وأباه, بالإضمار, أي: وألزم أباه الويل.

стр. 2549

فهذه الفصول هي الجائزة في هذا الباب, وكذا ما في معناها, وما يمكن أن يقاس عليه وليس من ألفاظها ومعانيها لا ينبغي أن يجوز. وقوله ولما بعد إلى قوله متقدمًا مثال ما هو خبر لما قبله: كان زيد وعمرًا متفقًا, فمتفقًا: خبر كان, وهو مفرد كحاله لو تقدم فقلت: كان زيد متفقًا وعمرًا, ومثال ما هو حال لما قبله: جاء البرد والطيالسة شديدًا, فشديدًا حال من البرد, وهو مفرد كحاله لو تقدم فقلت: جاء البرد شديدًا والطيالسة. وقوله وقد يعطى حكم ما بعد المعطوف أي: وقد يعطى الخبر والحال مع المفعول معه حكمهما بعد الاسم المعطوف عليه بالواو؛ فيطابق الاسم والمفعول معه كما يطابق الاسم والمعطوف عليه, فتقول: كان زيد وعمرًا مذكورين, وجاء زيد وعمرًا ضاحكين, كما تقول: كان زيد وعمرو مذكورين, وجاء زيد وعمرو ضاحكين, وهذا مذهب الأخفش, واختاره المصنف, والإفراد معهما أولى كما يكون بـ "مع". وقوله خلافًا لابن كيسان يعني أن ابن كيسان لا يجيز مطابقة الاسم والمنصوب على المعية في الخبر والحال؛ بل لا يجعل ذلك إلا مطابقًا للاسم وحده دون ما بعد واو مع, قال المصنف في الشرح: "ومما يدل على أن مع يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو قول الشاعر: مشق الهواجر لحمهن مع السري حتى ذهبن كلاكلا وصدورًا أراد: مزقت الهواجر والسرى لحمهن, فأقام مع مقام الواو" انتهى. وهذا لا ينهض أن يكون حجة على ابن كيسان.

стр. 2550

وإجراء مع مجرى الواو العاطفة فيراعى مجرورها مراعاة المعطوف فيه خلاف: أجاز الكسائي وهشام: عبد الله مع جاريته قاعدان, على أن مع محمولة على الواو والتقدير: عبد الله وجاريته قاعدان, وأبطل هذا الفراء, وأجاز الكسائي وأصحابه: اختصم زيد مع عمرو, بمعنى: اختصم زيد وعمرو, ولم يجز الفراء. والذي نختاره مذهب ابن كيسان؛ لأن باب المفعول معه باب ضيق, وأكثر النحويين لا يقيسونه, فلا ينبغي أن يقدم على إجازة شيء من مسائله إلا بسماع من العرب. فرع: يجوز الفصل بين الواو العاطفة وبين معطوفها بالظرف, فتقول: قام زيد واليوم عمرو, وضربت زيدًا واليوم عمرًا, ولا يجوز ذلك في الواو التي بمعنى مع لا بظرف ولا بغيره, فإذا قلت قام زيد وعمرًا فلا يجوز فيه: واليوم عمرًا؛ لأنه قد صار بمنزلة مع عمرو كالجار والمجرور, فمنعوا الفصل بينهما.

стр. 2551

-[ص: باب المستثنى [٤: ٢٦/ ب] /وهو المخرج تحقيقًا أو تقديرًا من مذكور أو متروك بألا أو ما بمعناها بشرط الفائدة؛ فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل, وإلا فمنقطع مقدر الوقوع بعد لكن عند البصريين, وبعد سوى عند الكوفيين.]- ش: جرت عادة النحاة س فمن بعده أن يبوبوا هذا الباب باب الاستثناء؛ وكأن المصنف إنما عدل إلى باب المستثنى لأنه أجراه على ما قبله من باب المفعول معه؛ فكما بوب لما بعد واو مع المفعول معه كذلك بوب لما بعد وإلا وما أشبهها بالمستثنى. وقوله وهو المخرج جنس, يدخل تحته المخرج بالاستثناء, والمخرج بالتخصيص, وغير ذلك من المخصصات. وقوله تحقيقًا مثاله: قام إخوتك إلا زيدًا. وقوله أو تقديرًا هو الاستثناء المنقطع, نحو قوله تعالى ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، فإن الظن - وإن لم يدخل في العلم تحقيقًا - فهو في تقدير الداخل فيه؛، فإن الظن - وإن لم يدخل في العلم تحقيقًا - فهو في تقدير الداخل فيه؛ إذ هو مستحضر بذكره لقيامه مقامه في كثير من المواضع, فهو حين استثني مخرج مما قبله تقديرًا. وأتى المصنف في الشرح بمثل من الاستثناء المنقطع, من ذلك الفائق ما قبله مع اتحاد الجنس, نحو: له على الألف إلا ألفين, ذكره الفراء, قال المصنف في

стр. 2552

الشرح: "فمثل هذا لم يكن داخلًا فيخرج بإلا, لكنه في التقدير مخرج؛ لأن المقر إذا اقتصر على مقدار بمنزلة المنكر غيره, فكأنه قال: له على ألف لا غير إلا ألفين, فبان بهذا أن ألفين مخرجان تقديرًا. ومن هذا القبيل ﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ﴾ إذا لحظت في الإضافة معنى الإخلاص, فلم يندرج الغاوون فيهم فيخرجون, وتفاوت الغاوين أكثر من تفاوت ألفين بكثير, يدل عليه حديث بعث النار, فكأنه قيل: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم إلا من اتبعك من الغاوين, وقد يجعل متصلًا إذا كان العباد عامًا, والانقطاع قول ابن خروف, والاتصال قول الزمخشري. ومن المخرج تقديرًا ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ على أصح الوجوه, فالتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله لأحد, أو لما ذكر العاصم استدعى معصومًا, فكأنه قيل: لا معصوم عاصم إلا من رحم الله.

стр. 2553

ومن ذلك المستثنى السابق زمانه زمان المستثنى منه, نحو ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، لم يدخل (ما قد سلف) فيما قبله, لكنه جائز أن تبقى المؤاخذة به, فبين بالاستثناء عدم بقائها, فكأنه قيل: الناكح ما نكح أبوه مؤاخذ بفعله إلا ما قد سلف. ومن ذلك قولهم: لأفعلن كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا, مثل به س, ثم قال: "فأن أفعل كذا وكذا بمنزلة فعل كذا وكذا, وهو مبني على حل, وحل مبتدأ, كأنه قال: ولكن حل ذلك أن أفعل كذا وكذا". ولما كان حل مرفوعًا اعتذر عنه بأنه جملة, فلو كان موضعه مفرد كان منصوبًا, فالجملة في موضع نصب, ولذلك أحتاج إلى ذكر: والله لا أفعل إلا أن تفعل؛ لأنه فعل, فلم يظهر فيه حكم الاستثناء, وفسره س بـ "حتى تفعل"، وهو تفسير معنى؛ لأن أن قد نصبت الفعل, فهو مصدر, فلم تدخل حتى, فإنما الكلام على حذف مضاف, كأنه قال: لا أفعل ذلك إلا وقت فعل, فيكون استثناء من عموم الحكم. وزعم المبرد أن هذا على معنى: لا أفعل إلا بأن تفعل, أي: لا أفعل إلا بسبب فعلك. وما ذهب إليه يمكن أن يساعده المعنى, لكن إنما يقال ذلك بمعنى أن الفعل مقترن بالفعل الآخر غير متراخ عنه, ومذهب المبرد لا يتعرض لشيء من هذا, وإنما دل على أن الفعل بسبب هذا الفعل, فيمكن أن يكون بعده بزمان, فإن نقل أنه يقال في هذا المعنى كان حسنًا.

стр. 2554

قال السيرافي: "إلا بمعنى لكن؛ لأن ما بعدها مخالف لما قبلها, وذلك أن قوله والله لأفعلن كذا وكذا عقد يمين عقده على نفسه, وحله إبطاله ونقضه, كأنه قال: علي فعل كذا معقودًا لكن أبطل هذا العقد فعل كذا". قال المصنف: "وتقدير الإخراج في هذا أن يجعل قوله (لأفعلن كذا) بمنزلة: لا أرى لهذا العقد مبطلًا إلا فعل كذا, فهذا استثناء منقطع بجملة". وجعل ابن خروف من هذا القبيل ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ (٢٢) إلاَّ مَن تَوَلَّى وكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ على أن يكون (من) مبتدأ, و (يعذبه الله) خبره, ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الجزاء. وجعل الفراء من هذا ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾، على تقدير: إلا قليل منهم لم يشربوا، واستحسنه ابن خروف. ومن هذا النوع قوله ﵇ (ما للشياطين سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون, أولئك المطهرون المبرؤون من الخنا).

стр. 2555

ويمكن أن يكون من هذا ﴿إلاَّ امْرَأَتَكَ إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ في قراءة من رفع, على أن يكون (امرأتك) مبتدأ, وخبره ما بعده, وبهذا التوجيه يكون الاستثناء في النصب والرفع من ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، وهو أولى من أن يكون المنصوب من (أهلك)، والمرفوع من (أحد). ومن ذلك: إن لفلان مالًا أنه شقي, وما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر, ولا تكونن من فلان في شيء إلا سلامًا بسلام, وهي من أمثلة س, ومن أمثلة غيره: جاء الصالحون إلا الطالحين, وجاء زيد إلا عمرًا, وما في الأرض أخبث منه إلا إياه. فالمستثنى في هذه الأمثلة ليس مخرجًا تحقيقًا بل تقديرًا, فكأنك قلت: عدم البؤس, ثم استثنيت من البؤس كونه شقيًا, وكأنك قلت, ما عرض له عارض, ثم استثنيت من العارض النقص, وكأنك قلت: ما أفاد شيئًا إلا ضرًا, وكأنك قلت: لا تعامله بشيء إلا متاركة, وكأن السامع توهم مجيء غير الصالحين, فأزلت توهمه بالاستثناء, وكأنك عرفت علم السامع بمرافقة زيد لعمرو, وقدرت أنه توهم أنك اقتصرت على زيد اتكالًا على علم السامع بترافقهما؛ فأزلت توهمه بالاستثناء, وكأنك قلت: ما يليق خبثه بأحد إلا إياه, وتسلم هذا السبيل فيما ورد من أمثال هذا.

стр. 2556

[٤: ٢٧/ ب] /قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعًا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يستثننى, فتأمل هذا فإنه يدق, فمن ذلك ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ﴾، فالعاصم الفاعل, ومن رحم قد دل على العصمة والنجاة, وكأنه قال: ولكن من رحم يعصم أو معصوم". وقال في ما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر: "وإنما حسن هذا الكلام لأنه لما قال ما زاد دل على قوله: هو على حاله, فكأنه قال: هو على حاله إلا ما نقص, وكذلك: هو على أمره إلا ما ضر" انتهى, وفيه بعض تلخيص. وقوله من مذكور مثاله: قام القوم إلا زيدًا, فزيد مستثنى من مذكور, وهو القوم. وقوله أو متروك مثاله: ما ضربت إلا زيدًا, التقدير: ما ضربت أحدًا إلا زيدًا, فزيد مستثنى من متروك لا من مذكور, وهو أحد. وظاهر قول المصنف أن المستثنى مخرج من الاسم المستثنى منه مذكورًا كان أو متروكًا؛ وهذا مذهب الكسائي, زعم أنك إذا قلت قام القوم إلا زيدًا فمعناه الإخبار بالقيام عن القوم الذين ليس فيهم زيد؛ وزيد مسكوت عنه, لم يحكم عليه بقيام ولا بنفيه, فيحتمل أنه قام, ويحتمل أنه لم يقم. وذهب الفراء إلى أنه لم يخرج زيد من القوم, وإنما أخرجت إلا وصف زيد من وصف القوم؛ لأن القوم موجب لهم القيام, وزيد منفي عنه القيام. وذهب س وجمهور البصريين إلى أن الأداة أخرجت الاسم الثاني من الاسم الأول, وحكمه من حكمه.

стр. 2557

وهذا الخلاف الذي ذكرناه هو في الاسم المتصل. واحتج الكسائي لمذهبه بقولك: قام القوم إلا زيدًا فإنه لم يقم, فلو كان قولك إلا زيدًا يقتضي نفي القيام عن زيد لكان قولك فإنه لم يقم فضلًا لا يحتاج إليه, ويدل على جواز هذا التركيب قوله تعالى ﴿فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾، وبقوله ﴿إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾. وأجيب عن قوله ﴿لمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾، وعن قولهم "إلا زيدًا فإنه لم يقم" - بأن ذلك جاء على طريقة التأكيد لا على جهة الإخبار بأحد المحتملين, وهو نظير قولهم: أكلت السمكة حتى رأسها أكلته, بخفض رأسها؛ ألا ترى أن أكلته تأكيد لما دل عليه الكلام الأول من أن الرأس مأكول؛ حتى إذا كان ما بعدها جزءًا مما قبلها كان داخلًا في حكم الأول إلا إن دل دليل على خلاف ذلك. واعترض هذا بأن المعاني التي تدل عليها الحروف لا تؤكد, فلا يقال: ما قام زيد نفيًا, ولا: أتقوم استفهامًا, تأكيدًا لمعنى ما, و "استفهامًا" تأكيدًا لمعنى الهمزو, ولا: ما قام زيد أنفي ذلك, ولا: أيقوم زيد أستفهم عن ذلك؛ لأن الحروف وضعت على الاختصار؛ ألا ترى أن الهمزة أخصر من أستفهم, و "ما" أخصر من أنفي, والتأكيد مبني على الإطالة, فلم يجمع بينهما للتناقض وهذا الاعتراض قوي. وأجيب عن قوله ﴿أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ بأن في هذه الجملة زيادة معنى لا تدل عليه/ [٤: ٢٨/ أ] إلا, فليست لتأكيد نفي السجود عنه فقط, وهو دلالتها على أن عدم سجوده إنما كان ناشئًا عن إبائه وتكبره, وهذا المعنى لا تدل عليه إلا, إنما تدل على انتفاء السجود, فلما كان في الجملة مزيد بيان جاز ذلك.

стр. 2558

وهذا الذي أجيب به في هذه الآية مجاب به في قوله ﴿لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ لأن نفي كونه من الساجدين أبلغ من نفي السجود؛ إذ نفي الكون يقتضي نفي الأهلية, ففرق بين قولك: ما كان زيد من الصالحين, وبين قولك: ما زيد صالح؛ لأن في الأول نفي الكون, وهو مشعر بنفي الأهلية, وفي الثاني نفي الصلاح فقط. قال بعض أصحابنا: "ويبطل مذهب الكسائي بالاستثناء المنقطع؛ لأن إلا أخرجت الثاني من حكم الأول ضرورة, ولولا ذلك لم يكن في الاستثناء فائدة, ولم يخرج الاسم من الاسم؛ إذ لم يندرج تحته أصلًا, وإذا ثبت ذلك في الاستثناء المنقطع كان ذلك في المتصل؛ لأن معنى إلا في الحالين واحد, وهو الاستثناء. ويبطل أيضًا بقولك: لا إله إلا الله؛ إذ هذا اللفظ مثبت الأهلية لله وحده فقط بإجماع الأمة, ولو كان ما بعد إلا مسكوتًا عنه لم يكن المتلفظ بذلك مقرًا لله بالإلهية, ولا مثبتًا للربوبية, بل ساكت عن ذلك. ويدل أيضًا على ذلك أن الذي يتبادر إلى الفهم في قولك "لا في إلا علي, ولا سيف إلا ذو الفقار" هو الثناء على علي وعلى ذي الفقار؛ ولو كان ما بعد إلا مسكوتًا عنه لما تبادر ذلك إلى الفهم" انتهى ملخصًا. والذي يقطع ببطلان مذهب الكسائي أنه لا يوجد من كلام العرب: قام القوم إلا زيدًا فإنه قام؛ إذ لو كان يحتمل ما بعد إلا القيام ونفي القيام لجاز أن يرد ذلك من كلامهم كما زعم أنه وجد: قام القوم إلا زيدًا فإنه لم يقم.

стр. 2559

وحجة الفراء أنه قد ثبت في الاستثناء المنقطع أنه من الحكم لا من الاسم؛ فوجب أن يكون كذلك في الاستثناء المتصل؛ لأنك إذا قلت ما رأيت أحدًا إلا حمارًا فمحال أن يستثنى الحمار من الأحدين؛ لأنه ليس منهم, وإنما استثنيت رؤيته من الرؤية المتقدمة لأنها من جنسها. وأجيب بأنه قد يمكن أن يستثنى الحمار من أحد وإن لم يكن من جنسه على أوجه من المجاز تأتي إن شاء الله. قالوا: والصحيح مذهب س وجمهور البصريين؛ لأنه إذا ثبت أن الإخراج من الحكم ثبت إخراج الاسم من الاسم؛ إذ محال أن يكون حكم ما بعد إلا خارجًا عن حكم ما قبلها, ويكون الاسم داخلًا تحت الاسم الذي قبلها؛ ألا ترى أن معنى قام القوم إلا زيدًا: إخراج زيد عن القيام, فيلزم من ذلك ألا يكون داخلًا في القوم المحكوم عليهم بالقيام؛ لأنه يكون غير قائم قائمًا, وذلك لا يكون. وقول المصنف "وهو المخرج"، وقول النحاة "الاستثناء إخراج كذا" ليس بجيد أصلًا ولا بمحرر؛ فإن المستثنى قط ما دخل تحت الاسم الأول ولا تحت حكمه فيوصف بالإخراج؛ إذ لو دخل فيهم أو في حكمهم ما صح إخراجه البتة. وإصلاح ذلك أن يقال: المستثنى هو المنسوب إليه بعد الأداة/ [٤: ٢٨/ب] ١ مخالفة المنسوب إليه قبلها. وقوله بإلا قال المصنف في الشرح: "الباء في بإلا متعلقة بالمخرج, واحترز بذلك من إلا بمعنى غير, كقوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، والتي بمعنى الواو, كقوله تعالى ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي:

стр. 2560

ولا الذين ظلموا، قاله الأخفش، والتي بمعنى إن لم كقوله تعالى ﴿بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ﴾، والزائدة كالأولى من اللتين في قول الشاعر: أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معللًا أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله، أي: يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وأخرى يخفضهم، كذا قال ابن جني، ثم قال: (وعلى ذلك تأولوا أيضًا قول ذي الرمة: حراجيج، ما تنفك إلا مناخةً على الخسف، أو نرمي بها بلدًا قفرا أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة). هذا قول ابن جني" انتهى كلام المصنف. فأما احترازه من "إلا" بمعنى "غير" فكان ينبغي أن يقيد غيرًا بالصفة؛ لأن غيرًا تكون استثناء، وتكون صفة. وأما قوله "والتي بمعنى الواو" فلا تكون إلا في معنى الواو في مذهب المحققين من النحويين؛ وقد تُؤول ما استدلوا به على أنه من الاستثناء المنقطع.
следующие страницы →