Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
ليحذفوا الموصوف بها ويقيموها مقامه، وقد نص س على منع ذلك، وشبه إلا هذه التي يوصف بها بأجمعين، في أنها لا تكون إلا تابعة، ولا ينكر أن تكون صفة لا يجوز أن تقام مقام موصوفها؛ ألا ترى أن الجمل والظروف والمجرورات إذا وقعت صفات لا تقام مقام موصوفها. والوصف بـ "إلا" يجوز فيما يجوز فيه البدل وفيما لا يجوز فيه.
وزعم أبو العباس أن الوصف بـ "إلا" لم يجيء إلا فيما يجوز فيه البدل، ولذلك منع: قام إلا زيد، بحذف الموصوف وجعل إلا صفة؛ لأنه لا يجوز فيه البدل.
وما / [٤: ٦٣/ أ] ذهب إليه خلف؛ لأنه قد جاء الوصف بـ "إلا" حيث لا يجوز البدل، نحو قوله:
وكل أخ مفارقه أخوه - لعمر أبيك- إلا الفرقدان
فـ "إلا الفرقدان" صفة، ولا يمكن فيه البدل.
ورد عليه الزجاج بقوله:
................... قليل بها الأصوات إلا بغامها
وقيل: وللمبرد أن يقول: يجوز هنا؛ لأن قليلًا قد تستعمل في النفي.
وقوله ولا حيث لا يصلح الاستثناء هذا أيضًا من الفرق بين الوصف بـ "إلا" والوصف بـ "غير"، فيجوز أن تقول: عندي درهم إلا دانق، فتكون وصفًا؛ لأنك لو قلت إلا دانقًا لصح، ولا يجوز أن تقول: عندي درهم إلا جيد؛ لأنك لو قلت عندي درهم إلا جيدًا لم يجز. ويجوز ذلك في غير، فتصف بها ما يمكن من الاستثناء فيه وما لا يمكن، فتقول: عندي درهم غير دانق، وعندي درهم غير جيد.
стр. 2697
وهذا الفرق الذي بين الوصف بـ "إلا" وبين الوصف بـ "غير" كالمجمع عليه من النحويين. وفي كلام س ما يقضي ظاهره بخلاف ذلك، وذلك قوله: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، فـ "إلا زيد" عند س وصف لرجل، ولا يجوز أن يستثنى منه فتقول: إلا زيدًا، وقد منع س الاستثناء المفرغ فيه، وكذلك الاستثناء غير المفرغ. وسبب ذلك أن رجلًا في قولك لو كان معنا رجل ليس عامًا استغراقيًا، وإنما هو مطلق، فعمومه عموم بدل، فلا يصح الاستثناء منه. وكذلك قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ﴾، لا يصح النصب فيه على الاستثناء؛ لأن (آلهة) ليس بعام عموم الاستغراق، فيندرج فيه ما بعد إلا، بل هو عام عموم البدل.
وقد تكلم أهل أصول الفقه في الاستثناء أهو مما لو لم يستثن لوجب أن يدخل في حكم الأول، أو هو مما لو لم يستثن لجاز أن يدخل في حكم الأول، والأصح عندهم القول الأول.
وأما النحويين فكالمجمعين على أن المستثنى المتصل لا بد أن يكون يندرج تحت المستثنى منه لو لم يستثن. وإذا تقرر هذا فما بعد إلا في تمثيل س وفي الآية ليس مما وجب اندراجه في رجل ولا في آلهة؛ فقولهم "إن الوصف بإلا شرطه صحة الاستثناء" لا يصح.
وقد انفصل بعض أصحابنا عن ذلك بأنه لا يعني بصحة الاستثناء الاستثناء المتصل بل الاستثناء مطلقًا، سواء أكان متصلًا أم منفصلًا، قال:
فإن قال قائل: الدليل على أن إلا مع ما بعدها ليس وصفًا في الآية أنه لا يجوز النصب على الاستثناء لما تقدم من أن الوصف لا يجوز إلا حيث يجوز
стр. 2698
الاستثناء؛ وإنما امتنع النصب على الاستثناء لأن معنى الآية يكون إذ ذاك: لو كان فيهما آلهة ولم يكن الله في تلك الآلهة لفسدتا، وهذا المعنى غير مستقيم؛ لأنه يلزم عنه أنه لو كان فيهما آلهة فيها الله لم تفسدا، وذلك باطل.
فالجواب أن تقول: إن الاستثناء إنما يمتنع في الآية إذا قدر متصلًا، وأما إذا قدر منقطعًا فمعنى الاستثناء / [٤: ٦٣/ ب] صحيح؛ لأن المعنى إذ ذاك يكون: لو كان فيهما آلهة لفسدتا، لكن فيهما الله، وهو واحد، فلم تفسدا، فلما ساغ الاستثناء المنفصل ساغ الوصف؛ لأن الوصف إنما يكون حيث يتصور الاستثناء على وجه من الوجوه، والاستثناء المنفصل في الآية سائغ، فالوصف أيضًا سائغ، ولذلك قال الجرمي والمبرد في قوله تعالى ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾: لو رفع القليل على الصفة للمرفوع قبله لكان حسنًا لو قرئ به. فأجازا الوصف بـ "إلا" وما بعدها مع أن الاستثناء بها في الآية لا يكون إلا منقطعًا.
ومما يدل على أن الوصف بـ "إلا" حيث لا يكون الاستثناء إلا منقطعًا سائغ قول أبي زبيد:
لدم ضائع، تغيب عنه أقربوه إلا الصبا والجبوب
فـ "أقربوه" موصوف بـ "إلا الصبا والجنوب"، والصبا والمعطوف عليه ليس من جنسه، قال أبو الحسن الأخفش: "والقصيدة التي منها هذا البيت مرفوعة" انتهى.
وكما تؤول الآية يمكن أن يؤول المثال الذي ذكره س، وهو: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، أي: لكن معنا زيد فلا نغلب.
стр. 2699
وتقول: جاءني رجل غير زيد، ورجلان غير زيد، ورجال غير زيد، ولا تدخل إلا مكان غير. وما جاءني إخوتك إلا زيد أصلح منهم، وجاءني رجل غير صالح، لا تدخل إلا لأنه لا يصلح فيه الاستثناء. وما رأيت أحدًا إلا زيد خير منه، ولا أقوم إلا أن تقوم، لا تكون فيهما غير. وعندي أصحابك غير جلوس، لا يجوز: إلا جلوسًا، جعلوا الحال هنا كالصفة، و ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ من هذا عند بعض المتأخرين، أي: لا يستوي القاعدون أصحاء. ويدل على ذلك ذكر س الآية في (باب ما تكون فيه إلا وما بعدها صفة)، وذكره فيما لا يكون إلا صفة من الأمثلة، ثم فصل ما يجوز فيه الوجهان، ورجع لباقي الباب.
وقوله ولا يليها نعت ما قبلها، وما أوهم ذلك فحال أو صفة بدل محذوف قال أبو الحسن في (كتاب المسائل): "لا يفصل بين الموصوف والصفة بإلا". ثم قال: "ونحو ما جاءني رجل غلا راكب تقديره: إلا رجل راكب، وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم".
وقال أبو علي في (التذكرة): "تقول: ما مررت بأحد إلا قائما إلا أخاك، لا يجوز كون قائمًا صفة لأحد؛ لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف. ولا كونه حالًا من التاء؛ لأن معنى ما مررت إلا قائمًا: مررت قائمًا، ولو قلت مررت قائمًا بأحد لم يجز، فكذلك ما في معناه، فإذا بطل هذان ثبت أن قائمًا حال من أحد، وإذا ثبت ذلك تعين أن تنصب أخاك؛ لأنه بعد إيجاب صحيح".
стр. 2700
قال المصنف في الشرح: "وما ذهبا إليه هو الصحيح؛ لأن الموصوف والصفة كشيء واحد، وشيئان هما كشيء واحد لا يختلفان بنفي الحكم عن أحدهما وإثباته للآخر، كالمتوسط بينهما إلا، فإن الصفة توضح موصوفها كما توضح الصلة / [٤: ٦٤/ أ] الموصول، وكما يوضح المضاف إليه المضاف، فكما لا تقع إلا بين الموصول والصلة، ولا بين المضاف والمضاف إليه - كذا لا تقع بين الموصوف والصفة، ولأن إلا وما بعدها في حكم جملة مستأنفة، والصفة لا تستأنف، ولا تكون في حكم مستأنف".
وقوله خلافًا لبعضهم هو الزمخشري، قال في ما مررت بأحد إلا زيد خير منه: "يكون ما بعد إلا جملة ابتدائية واقعة صفة لأحد"، وزعم في الكشاف في قوله تعالى ﴿ومَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلاَّ ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أن قوله ﴿ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ واقعة صفة لقرية، ووسطت الواو بينهما لتوكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب.
وفي البسيط: "ما ضربت أحدًا إلا عمرو خير منه، معناه: إلا مفضلًا عليه عمرو، فهي مفرغة للحال. وقال الزمخشري: (إن ما بعد إلا صفة لما قبله - وهو أحد- و (إلا) لغو في الكلام، معطية في المعنى فائدتها، جاعلة عمرًا خيرًا ممن ضربت).
وإذا جاز أن تدخل على الجملة التي هي صفة على هذا صح أن تدخل على الصفة المفردة، فتقول: ما مررت برجل إلا صالح، فتكون إلا إيجابًا في العمد وفي
стр. 2701
الفضلات وفي التمامات، ولا تدخل في البدل الذي هو عين الأول، ولا في عطف البيان، ولا في كل تابع هو الأول؛ لأن الشيء لا يكون منفيًا موجبًا. قال: وإنما كانت هذه في موضع الصفة لأنها لو كانت حالًا لدخلت الواو. وأجيب بأن إلا أغنت عن الواو لأجل الاتصال، ولأنه فيها ضمير الأول، وأنت تقول: مررت بزيد أبوه قائم" انتهى.
وتابعه صاحب البديع وابن هشام.
وقد رد عليه المصنف في قياسه في ذلك الصفة على الحال - وبينهما فروق- بجواز تقديمها على صاحبها، وتخالفها في الإعراب، وبالتنكير والتعريف، وإغناء الواو عن الضمير، وبأنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي، فلا يلتفت إليه، وبأنه معلل بما لا يناسب؛ لأن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضد لما يراد من التوكيد. ولأن الواو فصلت الأول من الثاني، ولولا هي لتلاصقا، فكيف يقال: إنها أكدت لصوقها. ولأن الواو لو صلحت لتوكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضع لا يصلح للحال، نحو: إن رجلا رأيه سديد لسعيد، فـ (رأيه سديد) جملة نعت بها، ولا يجوز اقترانها بالواو لعدم صلاحية موضعها للحال، بخلاف ﴿ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾، فإنها جملة تصلح في موضعها الحال؛ لأنها بعد منفي، والمنفي صالح لأن
стр. 2702
يجعل صاحب حال، كما هو صالح لأن يجعل مبتدأ، وإذا ساغ في شبه النفي في قوله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفًا لحمام
فليجز بعد النفي، وهو أولى؛ لأن النهي لا يصحب المبتدأ، والنفي يصحبه. انتهى رده / [٤: ٦٤/ ب] على الزمخشري، وفيه تلخيص وبعض حذف.
وقوله ويليها في النفي فعل مضارع بلا شرط يعني أنه لا يشترط في مجيء المضارع بعد "إلا" إلا وجود النفي، سواء تقدمه فعل أم اسم، نحو: ما كان زيد إلا يضرب عمرًا، وما خرج زيد إلا يجر ثوبه، وما زيد إلا يفعل كذا.
وقوله وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ "قد" مثال الماضي المسبوق بفعل قوله تعالى ﴿ومَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. ومثال المقرون بفعل مصحوب بـ "قد" قوله:
ما المجد إلا قد تبين أنه بندى وحكم لا يزال مؤثلا
قال المصنف في الشرح: "وإنما أغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل لأن اقترانه بها يقربه من الحال، فيكون بذلك شبيها بالمضارع. وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد إلا لشبهه بالاسم، والاسم بـ (إلا) أولى؛ لأن المستثني لا يكون إلا اسمًا أو مؤولا بالاسم. وإنما ساغ بتقديم الفعل وقوع الماضي
стр. 2703
بعد إلا لأن تقدم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى: كلما كان كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان فيه فعلان، كما كان مع كلما" انتهى.
وقال أبو بكر بن طاهر: لا يجوز: ما زيد إلا قام، فإن قلت إلا يقوم صح، ولم يقل من تقدم من النحاة أكثر من هذا. وأجاز المبرد: ما زيد إلا قد قام، قال: لأن قد تقربه من المضارع ومن الأسماء؛ ألا تراه يصلح للحال بها، ولا يصلح دونها.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "لا تدخل (إلا) إلا على الاسم، أو على الجملة الاسمية، أو على الفعل المضارع، فتقول: ما قام إلا زيد، وما زيد إلا أبوه قائم، وما زيد إلا يقوم. ولو قلت: ما زيد إلا قام، لم يجز، وسبب ذلك أن إلا إنما هي أبدا للاستثناء في اللفظ أو في المعنى، فلما كان الذي يتصور استثناؤه إنما هو الاسم لم تدخل (إلا) إلا عليه، أو على ما أشبهه، وهو المضارع؛ لأنه يشبهه، ولذلك أعرب. وكذلك الجملة الاسمية؛ لأن إلا إذا دخلت عليها كانت في اللفظ مباشرة للاسم، فأشبه دخولها على الجملة الاسمية دخولها على الاسم، ولما كان الماضي ليس باسم ولا يشبهه لم يجز دخولها عليه" انتهى، وفيه بعض اختصار.
وولاية الفعل المضارع إلا والماضي بشرطه من الفوارق بين إلا وغير، فلا يلي غيرا فعل، وكذلك لا يليها جملة ابتدائية، وتلي إل، فتقول: ما رأيت أحدًا إلا زيد خير منه، ولا تقول: غير زيد خير منه، برفع زيد؛ لأن غيرًا لا تضاف إلى الجمل، فلو خفضت زيدًا بعد غير، ورفعت غيرًا بالابتداء، وخير خبر عنه - جاز
стр. 2704
ذلك، واختلف مدلول إلا وغير؛ لأنه في مسألة إلا أن: كل من رأيته زيد خير منه، وفي مسألة غير المعنى: ما رأيت أحدًا متصفًا بأن غير زيد خير منه، ولم تقصد تفضيل زيد على أحد، وإنما نفيت أن يكون غير زيد خيرًا منه، وهذا معنى يخالف المعنى / [٤: ٦٥/ أ] الأول.
وإن قلت: قد منع النحويون: ما زيد إلا قام، إلا بدخول قد على قام، فتقول: ما زيد إلا قد قام، وشرطوا في مجيء الماضي بعد إلا أن يتقدم إلا فعل منفي، نحو ﴿ومَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، أو يكون النفي سابقًا على اسم دون فعل، ويكون ذلك الماضي مقرونًا بقد، نحو: ما زيد إلا قد قام. وإذا كان كذلك فما تصنع بقول الشاعر:
وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جريها واحتفالها
قلت: قد زعموا أن كلهم في تأويل الجحد، والمعنى: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته، فهو نظير: أنشدك بالله إلا فعلت.
وفي البديع: "لو قلت: ما زيد إلا قام - لم يجز، فإن أدخلت قد أجازها قوم".
وقوله ومعنى أنشدك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلك أنشدك صورته صورة واجب، فكان القياس ألا تجيء بعده إلا، فكما لا يجوز ضربت إلا زيدًا كان ينبغي ألا يجوز: أنشدك إلا فعلك، لكنه كلام محمول على معنى النفي، كما جاء "شر
стр. 2705
أهر ذا ناب" صورته صورة المثبت، والمعنى على لنفي المحصور فيه نسبة الحكم إلى المبتدأ، وقدر فعلت هنا بالمصدر وإن لم يكن فيه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إلى ذلك، فهو كلام يعنون به النفي المحصور فيه المفعول، وقد صرح بـ (ما) المصدرية مع الفعل بعد إلا، قال الشاعر:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
وقال بعض أصحابنا: "قولهم (بالله غلا فعلت) جاؤوا بإلا جوابًا للقسم؛ لأنها في الكلام على معنى الحصر، فدخلت هنا لذلك المعنى، وكأنك قلت: بالله لا تفعل شيئًا إلا كذا، فحذف الجواب، وترك ما يدل عليه؛ لأن الإيجاب لا بد أن يتقدمه نفي: وعمرتك بمعنى ذكرتك وسألتك به، وهو مثبت معناه النفي، أي: ما سألتك بالله إلا ذكرك لنا".
وفي البسيط: "الصحيح أن إلا جواب القسم، والأصل: نشدتك الله لتفعلن كذا، ثم أوقعوا موضع المضارع الماضي، كما قالوا: غفر الله لفلان، ولم يدخلوا لام التوكيد لأنها لا تدخل على الماضي، فجعلوا بدلها إلا، ثم حملوا عليها لما. أو يقال: إنه لما امتنع دخول اللام بنفسها فصلوا بينهما بـ (ما)، فقالوا: لما فعلت، كما يقولون: ربما يكون كذا، فصارت موطئةً، ثم حملت عليه إلا لأنها في معناها من الإيجاب".
وقال في البديع: "قد أوقعوا الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت، ونشدتك بالله إلا جئت، وعزمت عليك إلا أجبتني، ومنه قول
стр. 2706
ابن عباس للأنصار - وقد نهضوا له- (بالإيواء والنصر إلا جلستم)، التقدير: ما أطلب إلا فعلك، ولا أريد إلا جلوسكم".
-[ص: ولا يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها مطلقًا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنًى، أو مستثنًى منه، أو تابعًا له، وما ظن من غير الثلاثة معمولًا لما قبلها قدر له عامل، خلافًا للكسائي / [٤: ٦٥/ ب] في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "الاستثناء في حكم جملة مستأنفة؛ لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدًا، فكأنك قلت: جاء القوم ما منهم زيد، فمقتضى هذا ألا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها على الإطلاق، كما لا يعمل ما بعد (ما) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها، فاستمر على ما اقتضته هذه المناسبة من هذا المنع فيما تقدمها، نحو: ما زيد إلا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال ضارب في زيد، بل تقدر هاء عائدة على زيد، وترفع زيدًا بالابتداء" انتهى.
وقال الرماني: "لا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، كقولك: ما قومك زيدًا إلا ضاربون؛ لأن تقدم الاسم الواقع بعد (إلا) عليها غير جائز، فكذلك معمولة؛ لما تقرر أن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل غذ كان تابعًا له وفرعًا عليه، فإن جاء ذلك في الشعر أضمر له فعل من جنس المذكور".
стр. 2707
وقوله ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى يعني: مستثنى فرغ له العامل، نحو: ما قام إلا زيد. وإنما شرط في المستثنى كون العامل فرغ له لأنه إن لم يكن مفرغًا له فنصبه إنما هو بـ (إلا) على مذهبه.
وقوله أو مستثنًى منه نحو: ما قام إلا زيد أحد، أو تابعًا له نحو: ما مررت بأحد إلا زيد خير من عمرو.
وقوله وما ظن من غير الثلاثة هي المستثنى والمستثنى منه وتابعه معمولًا لما قبلها قدر له عامل فإذا وجد مثل: ما ضرب إلا زيد عمرًا، وما ضرب إلا زيدًا عمرو، وما مر إلا زيد بعمرو - قدر له عامل بعد إلا، يفسره ما قبله.
وقوله خلافًا للكسائي في منصوب ومخفوض مثال تأخر المنصوب قوله:
وما كف إلا ماجد ضير بائس أمانيه منه أتيحت بلا من
ومثال تأخر المخفوض قوله تعالى ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ والزُّبُرِ﴾، التقدير: كف ضير بائس، وأرسلناهم بالبينات والزبر.
وقوله وله ولابن الأنباري في مرفوع أي: وخلافًا للكسائي وابن الأنباري، ومثال تأخر المرفوع قوله:
تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زادني إلا غرامًا كلامها
وقول الآخر:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
стр. 2708
وقول الآخر:
مشائيم، ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبًا إلا ببين غرابها
وهذه المسألة والخلاف فيها عن الكسائي في المنصوب والمجرور، وعنه وعن ابن الانباري] في المرفوع [- تكرر ذكرها للمصنف هنا، وقد سبق له ذكرها في آخر الفصل الثاني من فصلي باب / [٤: ٦٦/ أ] النائب عن الفاعل، وأمعنا الكلام عليها هناك، واخترنا هناك مذهب الكسائي. وذكر هنا المصنف في الشرح عن ابن الأنباري فرقًا بين المرفوع وغيره، وقد أشرنا غليه مختصرًا في آخر ذلك الفصل.
قال ابن الأنباري: "الدليل يقتضي ألا يتأخر مرفوع ولا غيره؛ لأن مسائل الاستثناء المفرغ فيها العامل لما بعد إلا حقيقة بأن تختم بالمستثنى. فإن كان الواقع بعده مرفوعًا نوى تقديمه واتصاله برافعه لأنه كجزء منه، وتأخره لفظًا لا يمنع أن ينوى تقديمه، فإنه الأصل، ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختومًا به. وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه؛ لأنه متأخر بالأصالة، وقد وقع في موضعه، فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظًا ولا تقديرًا" انتهى.
وقد وافق الأخفش الكسائي في الظرف، والجار والمجرور، والحال، فأجاز: ما جلس إلا زيد عندك، وما مر إلا عمرو بك، وما جاء إلا زيد راكبًا، والقياس على قوله:
стр. 2709
وما كف إلا ماجد ضير بائس .................
لا يمنع، بل هذا أولى، لأنه تسامح في الظرف والمجرور بالتقديم والتأخير والفصل ما لا يتسامح بغيره.
стр. 2710
-[ص: فصل
يُستثنى بـ"حاشا" و"خلا" و"عدا"، فيجررن المستثنى أحرفًا، وينصبه أفعالًا، ويتعين الثاني لـ"خلا" و "عدا" بعد "ما" عند غير الجرمي. والتزم سيبويه فعلية "عدا" وحرفية "حاشا"، وإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها، خلافًا للمبرد بل أسميتها لجواز تنوينها. وكثر فيها حاش، وقل حشا وحاش، وربما قيل: ما حاشا، وليس أُحاشي مضارع حاشا المستثنى بها، خلافًا للمبرد، والنصب في "ما النساء وذكرهن" بـ"عدا" مضمرة، خلافًا لمن أول "ما" بـ"إلا".]-
ش: ذكر المصنف من أدوات الاستثناء حاشا وخلا وعدا، وأنه إذا انجر ما بعدهن كن حروفًا، وإذا انتصب كن أفعالًا. وإنما دل على تباين الماهية فيها بالعمل لأن الجر من عمل الحروف، والنصب من عمل الأفعال، ولا يمكن إذا انجر ما بعدهن أن يُدعى فيهن أنهن أسماء؛ لأن عمل الجر بالأصالة إنما هو للحروف، فلذلك أدعي فيها أنها حروف.
ولو زعم زاعم أنها أسماء، وما بعدها انجر بالإضافة، واستثني بها كما استثني بغير وسوى، وشاركت الأفعال في الوزن - لم يكن ذلك ببعيد.
وأما إذا انتصب ما بعدها فهي أفعال، وهي لا تتصرف حالة كونها استثناء، فلا يُستعمل منها مضارع ولا أمر.
ولو زعم زاعم أنها حروف، نصبت ما بعدها حملًا على إلا؛ لأنهما متوافقان معنى - لم يبعد. ولا تكون حجة في اتصال نون الوقاية بها على فعليتها؛ لأن نون الوقاية قد تتصل بالحروف، نحو إنني وليتني.
ولكنا نتكلم على ما قرره النحاة من كونها إذا أنجز ما بعدها حروفًا، وإذا / [٤: ٦٦/ ب] انتصب كن أفعالًا، وقد نظموا دليلًا على ذلك، فقالوا: يتعين أن يكن إذا انجر ما
стр. 2711
بعدهن حروفًا لأنها لو كانت أسماء - وليست بظروف - لجاز أن يباشرن العوامل كما باشرتها غير، ولو كانت أفعالًا لم يباشرن الجر بغير واسطة حرف جر. ويتعين أن يكن إذا انتصب ما بعدهن أفعالًا لانتفاء الاسمية بما سبق، ولنصب ما بعدهن، ولسن من قبيل الأسماء العاملة، ولانتفاء الحرفية لاستلزام ثبوتها أن يلين العوامل، فكما تقول ما قام إلا زيدٌ كنت تقول: ما قام القوم خلا زيدٌ، بالرفع، ولم يقولوا ذلك. وإذا بطلت الاسمية والفعلية إذا انجر ما بعدهن تعينت الحرفية، وإذا بطلت الاسمية والحرفية إذا انتصب ما بعدهن تعينت الفعلية.
وفي البسيط: مذهب س - وهو الأكثر - أنهما - يعني خلا وعدا - فعلان ضُمنا معنى الاستثناء، أما خلا فالأصل فيه ألا يتعدى، تقول: خلا المكان: بمعنى تفرغ، ويدخله معنى فارق وجاوز وانفصل، فتقول: خلوت من المكان، وخلوت المكان، بمعنى: فارقته وجاوزته، قالوا: خلاك ذم، أي: جاوزك، فلما لحقه معنى المفارقة والانفصال صار فيه معنى الخروج عن الشيء، فضمنوه ذلك، وأدخلوه في الاستثناء، فإذا قلت قام القوم خلا زيدًا فمعناه: خلا بعضهم زيدًان أي: جاوز بعضهم زيدًا، والبعض هنا خلاف زيد من القوم، كأنك قلت: جاوز أكثرهم زيدًا، بخلاف البعض المقدر في ليس ولا يكون؛ لأنه هو زيد في المعنى، فيكون في هذا بمنزلة ليس ولا يكون، بمعنى أنه محذوف الفاعل، وهو غير الأول، فلذلك لم يظهر، وهو بعيد لأن فيه حذف الفاعل، ولا يجوز. وقد يقال: إن خلا خرجت عن أصلها إلى معنى إلا، فصارت بمنزلتها سواء، فلا تحتاج إلى فاعل أصلًا.
وأما عدا فالأصل فيه عدا من العدو، وهو ضرب من المشي السريع، وهو مما تلزمه المفارقة، فضمن ذلك، فصار على معنى: عدا زيدٌ عمرًا، فإن قلنا قام القوم عدا زيدًا كان المعنى: عدا بعضهم زيدًا، أي: جاوز.
стр. 2712
والجملتان حكمهما ما تقدم في كونهما في موضع إعراب أم لا، لكن هل يجوز أن تكونا صفة؟ فيه نظر، ونص على منعه بعض النحويين؛ لأنهما لا يبقى فيهما معنى غير، أعني من احتمال الاستثناء.
ومن الجر بـ"حاشا" قول الشاعر:
من رامها حاشا النبي ورهطه في البحر غطمطه هناك المزبد
وقول الآخر:
في فتيةٍ جعلوا الصليب إلههم حاشاي إني مسلم معذور
وقول الآخر:
.................... وما لك حاشا بيت مكة من عدل
[٤: ٦٧/ أ] / وقول الآخر:
حاشا أبي ثوبان، إن أبا ثوبان ليس ببكمةٍ فدم
عمرو بن عبد الله، إن به ضنًا عن الملحاة والشتم
وأكثر النحاة يُركب صدر البيت الأول على عجز الثاني، فينشدونه كذا:
стр. 2713
حاشا أبي ثوبان، إن به ضنا عن الملحاة والشتم
وعلى الصواب أنشدهما ابن عصفور، والمصنف في الشرح، وهما للجميع الأسدي، وقبلهما:
وبنو رواحة ينظرون إذا نظر الندي بأنفٍ خثم
ثم استثنى، فقال: حاشا أبي ثوبان. وقال المرزوقي: روه الضبي: حاشا أبا ثوبان، بالنصب.
ومن الجر بـ"خلا" قول الشاعر:
خلا الله لا أرجو سواك، وإنما أعد عيالي شعبة من عيالكا
ومن الجر بـ "عدا" قول الشاعر:
تركنا في الحضيض بناتٍ عوجٍ عواكف، قد حضعن إلى النسور
أبحنا حيهم قتلًا وأسرًا عدا الشمطاء والطفل الصغير
ومن النصب بـ"حاشا" قول الشاعر:
стр. 2714
حاشا قريشًا، فإن الله فضلها على البرية بالإسلام والدين
وحكي أبو زيد الأنصاري، قال: كنا في جماعة، وفينا رجل يقال له أبو الأصبغ. والدعاء الذي دعا به الأعرابي روي أنه قوله: اللهم اغفر لي ولمن سمعني حاشا الشيطان وأبا الأصبغ. وروى هذا أيضًا أبو عمرو الشيباني، وغيره.
وفي البسيط: مذهب س وأكثر البصريين أن حاشا حرف خافض دالٌ على الاستثناء كإلا. وزعم بعض الكوفيين والمبرد والفراء أنها فعل ناصبة للاسم بعدها بمنزلة: عدا زيدًا، وخلا عمرًا. واستدلوا بالتصريف حاشى يُحاشي، وبدخول حرف الجر، وبالحذف، قالوا حاش، وبحكاية الشيباني. ورد جميع ذلك، وأن ما حكاه الشيباني شاذ. وجوز المبرد في الاستثناء الوجهين. وقال بعض الكوفيين: هي فعل استعملت استعمال الحروف، فحذف فاعلها.
والذي يظهر لي أن س لا يُنكر أن يُنطق بها فعلًا لغير الاستثناء، ففي الاستثناء حرف، وفي غيره فعل، تقول: قد فعل زيدٌ كذا، فنقول: حاشى له أن
стр. 2715
يفعل كذا، ومعناه: جانبه ذلك الفعل. ويتعدى بنفسه وباللام: حاشاك السوء، وحاشى لك السوء، حكاه الجوهري.
ومن النصب بـ"خلا" قول الشاعر:
[٤: ٦٧/ ب] /وبلدةٍ ليس بها طوري ولا خلا الجن بها إنسي
ومن النصب بـ"عدا" قول الراجز:
يا من دحا الأرض، ومن طحاها أنزل بهم صاعقة، أراها
تحترق الأحشاء من لظاها عدا سليمي، وعدا أباها
ويحتمل أن تكون هنا جارة؛ لأن "سُليمي" مقصور، لا يظهر فيه إعراب، و"أباها" يحتمل أن يكون على لغة من استعمله مقصورًا، فقال: قام أباك، ورأيت أباك، ومررت بأباك. وأوضح من هذا في استعمالها ناصبةً قول الشاعر:
تُمل الندامى ما عداني، فإنني بكل الذي يهوى نديمي مولع
وقوله ويتعين الثاني بـ"خلا" و"عدا" بعد "ما" عند غير الجرمي أي: ويتعين النصب إذا قلت: قام القوم ما خلا زيدًا، وما عدا زيدًا، هذا قول الجمهور إنه يتعين النصب وكونهما فعلين. ومن النصب بعد "ما خلا" قول الشاعر:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ لا محالة زائل
وقال الفراء: "إذ استثنيت بـ (ما عدا) و (ما خلا) ضمير المتكلم قلت: ما عداني وما خلاني. ومن نصب بحاشا قال: حاشاني، ومن خفض قال: حاشاي".
стр. 2716
و"ما" الداخلة عليهما مصدرية، وانتصاب الاسم بعدهما على أنه مفعول، وموضع ما والفعل نصب. واختلفوا في محل انتصابه: فزعم السيرافي أنه بتأويل مصدر منصوب، وأنه لا خلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين، قال: "وهو مصدر موضوع موضع الحال، وجاز وقوع ما المصدرية مع صلتها موضع الحال إجراء لها مجرى المصدر الذي هي في تقديره، كما وصف بها في قولك: مررت برجلٍ ما شئت من رجلٍ، إجراء لها مجرى المصدر الموصوف به في نحو قولك: مررت برجلٍ عدلٍ".
وزعم ابن خروف أن انتصابه على الاستثناء كانتصاب غير في قولك: جاءني القوم غير زيدٍ؛ ألا ترى أن "ما" وما بعدها بتقدير اسم فيه معنى إلا كما أن غيرًا كذلك.
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه السيرافي بدليل أنها لا يُفرغ لها الفعل، لا يقال: ما جاءني ما خلا زيدًا، ولو كانت بمنزلة غير لجاز ذلك فيها كما يجوز في غير، فلما التزمت العرب فيها أن تكون في موضع نصب دل ذلك على أنها موقع الحال، ولما كانت (ما) مصدرية لم يكن بد من أن يكون لهذا المصدر موضع من الإعراب.
وقال س: "ما هنا اسم، وعدا وخلا صلة له"، وقدره س: أتوني مُجاوزتهم زيدًا.
стр. 2717
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "قول السيرافي أقرب من قول ابن خروف لبقائه على ما استقر فيه قبل الاستثناء، وأقرب عندي من قول السيرافي أن يكون موضع / [٤: ٦٨/ أ] ما عدا نصبًا على الظرف، أي: قام القوم في وقت مجاورتهم زيدًا، ودخله معنى الاستثناء، وما المصدرية كثيرًا ما تكون ظرفًا، ولم يثبت فيها النصب على الحال" انتهى.
وفي البسيط: ويحتمل أن ينصبا نصب الظرف، والمعنى: وقت خلوهم، كما تقول: أتاني مقدم الحاج، وخفوق النجم.
وأجاز الكسائي، والجرمي، وأبو علي في "كتاب الشعر"، والربعي الجر بعد: ما خال، وما عدا، فعلى قولهم تكون ما زائدة، وخلا وعدا حرفا جر.
قال بعض أصحابنا: "النصب هو الكثير الشائع، والجرمي يخفض، فإن كان ذلك منه قياسًا فهو فاسد؛ لأنه ليس من مواضع زيادتها، وإن كان حكي ذلك فهو شذوذ" انتهى. والجرمي حكاه عن العرب، ذكر ذلك في باب الجر من كتاب (الفرخ).
فإن قلت: هلا جعلت ما زائدة في النصب كما جعلت زائدة مع الخفض؟
فالجواب: أن دخول ما المصدرية على الفعل جائز منقاس، وزيادة ما قبل الفعل لا تنقاس، فكان حملها على ما ينقاس أولى.
وقوله والتزم سيبويه فعلية عدا وحرفية حاشا لما كان الجر بـ"عدا" قليلًا لم يعرفه س، وكذلك خلا، لم يعرف الجر بها س، وإنما نقل الجر بهما الأخفش، وقال
стр. 2718
الأخفش في الأوسط: "كل العرب يجرون بخلا، وقد زعموا أنه ينصب بها، وذلك لا يعرف" انتهى. فهذا الذي التزمه س من النصب بـ"خلا" قال فيه الأخفش: "إنه لا يعرف".
وقال الأخفش في الأوسط أيضًا: "وأما عدا فإنهم ينصبون بها ويجرون، فإذا جروا فهو حرف جاء لمعنى، وُضع للجر بمنزلة من، وإذا نصبوا فهو فعل، كأنك قلت: جاوز بعضهم زيدًا، وكذلك تفسير خلا" انتهى.
وأما حاشا فلا يُجيز س في المستثنى بها إلا الخفض؛ لأنه لم يحفظ النصب بعدها، وأجاز النصب الأخفش، والجرمي، والمازني، والمبرد، والزجاج، وحكي ذلك بالنقل الصحيح عمن يوثق بعربيته، حكاه أبو زيد الأنصاري، والفراء، والأخفش، وأبو عمرو الشيباني، وابن خروف.
وذهب الكوفيون إلى أن حاشا فعل. وهو فاسد لورود الجر، قال الشاعر:
فلا أهل إلا دون أهلك عندنا وما لك حاشا بيت مكة من عدل
وإذا كانت عدا وخلا وحاشا حروفًا فجرت ما بعدها فمن النحويين من ذهب إلى أنها تتعلق بالفعل أو معنى الفعل، فموضع الجار والمجرور نصب به. ومنهم من ذهب إلى أن الجار والمجرور في موضع نصب عن تمام الكلام.
стр. 2719
وإذا كانت أفعالًا فنصبت فالنصب بـ"عدا" ظاهر؛ لأنها كانت متعدية قبل أن يُستثنى بها، قالت العرب: عدا فلانٌ طوره، أي: جاوزه.
وكذلك حاشا، هي فعل متعد، حكي ابن سيده أن حاشيت بمعنى استثنيت، / [٤: ٦٨/ ب] وأُحاشي بمعنى أستثني. وزعم بعض أصحابنا أنها مشتقة من الحشي، وهي الناحية؛ لأن المستثنى بها لما خالفه المستثنى منه صار لذلك كأنه في حشي خلاف حشاه، أي: في ناحية خلاف ناحيته.
وأما خلا فإنها في غير الاستثناء لا تتعدى البتة، ومعناها مخالف له في الاستثناء، لكنها ضُمنت معنى جاوز؛ لأن من خلا من شيء فقد جاوزه.
واختلف النحويون في فاعل هذه الأفعال: فذهب س وأكثر البصريين إلى أنه ضمير مستكن في الفعل، لا يبرز، عائد على البعض المفهوم من الكلام، ولذلك لا يُثنى، ولا يُجمع، ولا يؤنث؛ لأنه عائد على مفرد مذكر، فإذا قلت قام القوم عدا زيدًا فالتقدير: عدا هو، أي: بعضهم زيدًا، فإذا كان البعض واقعًا على من عدا زيدًا من القوم فينبغي ألا يجوز ذلك على مذهب الكسائي وهشام؛ لأنهما زعما أن بعضًا لا يقع إلا على ما دون النصف، والصحيح وقوعه على أزيد مما ذاكره، قال الشاعر:
داينت أروى، والديون تقضى فمطلت بعضًا، وأدت بعضا
فـ "بعض" في هذا البيت لابد أن يكون واقعًا على النصف أو على أكثر منه، وحكي ابن الأعرابي عن العرب أنها توقع بعضًا على النصف.
стр. 2720
وذهب المبرد إلى أن الضمير فيها واقع على "من" المفهوم من معنى الكلام المتقدم، فإذا قلت "قام القوم" علم المخاطب أن ثم من قام، وجعل في نفسه أن زيدًا بعض من قام، فإذا قلت "عدا زيدًا" فالتقدير: عدا هو، أي: عدا من قام زيدًا. وكأن الذي حمله على التقدير الفرار من إيقاع "بعض" على أكثر القوم.
وذهب الفراء إلى أن حاشا فعل، ولا فاعل له - ويمكن القول في عدا وخلا بذلك - وأن النصب بعدها إنما هو بالحمل على إلا، والتزم فيه النصب لأنه لم يتمحض للحرفية، والفروع يُقتصر فيها على بعض الأحكام، ولا يُنكر أن يعرى الفعل من الفاعل إذا استعمل استعمال الحروف؛ ألا ترى "قلما" قد استعملت للنفي المحض، فاستغنت عن الفاعل، فتقول "قلما يقوم زيدٌ" إذا أردت معنى: ما يقوم، فلا تحتاج إلى فاعل، وكذلك هذه الأفعال، لما كانت معانيها في الاستثناء بمعنى إلا، ولم يظهر فرق من جهة المعنى بين قولنا: قام القوم إلا زيدًا، وقام القوم عدا زيدًا - أجريت مُجرى إلا في العرو عن الفاعل.
وقال المصنف في الشرح: "يُقدر أكثر النحويين فاعل عدا وخلا (بعضهم). وفيه ضعف؛ لأن قولك قاموا عدا زيدًا إن جُعل تقديره جاوز بعضهم زيدًا لم يستقم إلا بأن يراد بالبعض [من] سوى زيد، وهذا - وإن صح إطلاق البعض على كل إلا واحدًا - فلا يحسن لقلته في الاستعمال. فالأجود أن يُجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيُقدر قاموا عدا زيدًا: جاوز / [٤: ٦٩/ ب] قيامهم زيدًان ويُستمر على هذا السنن أبدًا إذا دعت إليه حاجة" انتهى.
стр. 2721
وهذا الذي ذهب إليه لا يطرد له، فإن من صور الاستثناء ألا يتقدم فعل ولا ما جرى مجرى الفعل، نحو قولهم: القوم إخوتك ما عدا زيدًا، والقوم قُرشيون ما خلا زيدًا، فهاهنا لا يمكن أن يقدر: جاوز فعلهم زيدًا؛ لأنه لم ينسب إليهم فعل، وإذا كان كذلك بطل هذا التقدير، ورجعنا إلى تقدير ما هو عام في الاستثناء، وهو ضمير بعض يدل عليه سياق الكلام، إذ هو المطرد دون تقدير المصدر.
واختلف النحويون هل لجملة عدا زيدًا، وخلا زيدًا، وحاشا زيدًا موضع من الإعراب أم لا:
فجوز السيرافي أن تكون في موضع نصب على الحال، والماضي يقع موقع الحال، وكأنك قلت: خالين زيدًا، وعادين زيدًا، ومُحاشين زيدًا، أي: مجاوزًا هو - أي بعضهم - زيدًا. وجوز أيضًا أن تكون الجملة لا موضع لها من الإعراب وإن كانت جملة مفتقرة من جهة المعنى إلى الكلام الذي قبلها - من حيث كان معناها كمعنى إلا، ولا يُنكر ذلك؛ ألا ترى أن قولك "ما رأيته مُذ يومان" الجملة الابتدائية التي هي "مُذ يومان" لا موضع لها من الإعراب، وهي مفتقرة إلى ما قبلها، ولو قطعت "مُذ يومان" من الكلام الذي قبله لم يكن له فائدة.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "والصحيح أنه لا يكون لها موضع من الإعراب؛ لأنك إذا جعلتها حالًا احتاجت إلى رابط يربطها بذي الحال، ولا رابط؛ لأن الضمير في عدا وخلا وحاشا ليس عائدًا على المستثنى منهم، وإنما هو عائد على البعض المفهوم، وهو مضاف إلى القوم، ولا يقال: إذا كان البعض مضافًا إلى القوم فقد حصل الرابط لأنه كالمصرح به، وكأنك قلت: عدا بعضهم زيدًا؛ لأن هذا هو ربط بالمعنى، والربط بالمعنى لا ينقاس؛ ألا تراهم قصروه على السماع في نحو: مررت برجلٍ قائمٍ أبواه لا قاعدين، ومنعوه في: مررت برجلٍ قائمين لا قاعد
стр. 2722
أبواه، على إعمال قاعد في الأبوين، لأن الرابط بالمعنى إنما سُمع في الصفة الثانية لا في الصفة الأولى، فلم يتجاوزوا به موضع السماع، وعدا وخلا وحاشا لا يجوز فيها أن تكون صفة لما قبلها إن كان مما يوصف بالجمل، بل يلزم الاستثناء، ولذلك كان الضمير الذي تحملته مفردًا مذكرًا دائمًا".
وذكر في البسيط الخلاف في "ليس" و"لا يكون" في الاستثناء، الجملة موضع من الإعراب أم لا. وحكمها في ذلك الخلاف حكم عدا وخلا وحاشا إذا نصبن، قال: "فقال قوم: لا موضع لها؛ لأنها جملة منفصلة، أُعطيت معنى الاستثناء بإعقابها الجملة الأخرى قياسًا على غيرها من الجمل. وقال قوم: لها موضع من الإعراب؛ لأن تغييرهم لها واختصاصهم هذه من سائر الجمل يدل على إرادة الاتصال كما بعد إلا. وإنما يكون ما كروه في الجمل التي لم تغير هذا النوع / [٤: ٩٦/ ب] من التغيير. وأيضًا فإنه كلام يجري تابعًا لا يكون ابتداءً، فدل على الافتقار إلى ما قبل وجعلها جزءًا منه. وهؤلاء قالوا: إنها في موضع الحال، والتقدير: أتوني غير مُلابسين زيدًا، أي: مستغنين عنه وغير كائنين معه. وفيه نظر، فإن هذا التقدير يدفع التقدير المتقدم في حذف الاسم، وإن الاسم البعض لا الأول، وسبك الجملة إنما يكون بما يبقي فيها المعنى الأول" انتهى.
وقال بعض أصحابنا ما معناه: يدل على تشبث (ليس) و (لا يكون) في الاستثناء بما قبلهما أن العرب لو قصدت أن تكونا جملتين منفصلتين يحصل منهما الاستثناء بحكم الانجرار أو أن تكونا حالًا لأتت بالواو فيهما؛ لأن كلام العرب أن تذكر جملة بعد جملة حملتها الواو، فتقول: قام القوم وخرج عمروٌ، ولا تستعمل بغير الواو إلا قليلًا، كذا قال الأخفش. وكذلك لو قصدوا الحال لأتوا بالواو، ولو في موضع واحد، فكونهم لم يُدخلوا عليهما الواو قط دليل على أنهم لحظوا فيهما معنى الاستثناء، فلم يُدخلوا فيهما الواو كما لا يُدخلونها على إلا وغير، ولو قلت: قام القوم ولم يقم زيدٌ، أو: ونقص منهم زيدٌ، لجئت بالواو، فلم يلحظوا معنى الاستثناء إلا في هاتين الجملتين.
стр. 2723
وقوله وإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها، خلافًا للمبرد، بل أسميتها لجواز تنوينها قال المصنف في الشرح: "إذا وليها مجرور باللام فارقت الحرفية بلا خلاف؛ إذ لا يدخل حرف جر على حرف جر، وإذا لم تكن حرفًا فهي إما فعل وإما اسم" انتهى.
وذكر غيره أن الفراء زعم أن حاشا فعل، ولا فاعل له، وزعم أن الأصل: حاشى لزيدٍ، لكن كثر الكلام بها حتى أسقطوا اللام، وخفضوا بها. فإذا كان قد زعم في "حاشا زيدٍ" أنها فعل، وأن أصلها حاشى لزيدٍ - فهي فعل إذا وليها مجرور باللام، وإذا قلت حاشى لزيدٍ فليس معناها الاستثناء، وإنما يؤتي بها لتنزيه الاسم المذكور حيث يذكر فيه سوء أو في غيره، وقد يريدون تنزيه الاسم من السوء، فيبتدرون تنزيه اسم الله تعالى على جهة التعجب والإنكار على من ذكر السوء فيمن برؤوه منه، كقوله تعالى ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كـ"معاذ الله"، و"سبحان الله في ذلك المعنى.
ويمكن أن يستدل للمبرد على فعليتها بأنها قد تثبت فعليتها في الاستثناء حالة النصب، ولم تثبت اسميتها قبل، وانتفت حرفيتها بدخول حرف الجر على الاسم، ولا يدخل حرف جر على حرف جر إلا في الشعر، بشرط أن يكون الفعل يتعدى تارة بهذا الحرف وتارةً بهذا الحرف، كقوله:
فأصبحن لا يسألني عن بما به .....................
стр. 2724
و"حاشى لزيدٍ" ليس مدلول حاشى مدلول اللام.
ويلزم على مذهب المبرد أن تكون اللام في لزيدٍ زائدة؛ لأن حاشى تتعدى بنفسها، فيكون نحو قوله:
..................... /أنخنا للكلاكل، فارتمينا
أي: أنخنا الكلاكل، وفاعل حاشى مضمر يفسره سياق الكلام، والمعنى: جاوز هو - أي: السوء - زيدًا.
وذهب الزجاج إلى أن حاشى لله في معنى: براءة لله، وهو مشتق من الحشى، وهو الناحية، يقال: في حشي فلان، أي: في داره وناحيته، وهو من قوله:
.................... بأي الحشي صار الخليط المُباين
قال: فإذا قلت حاشى لزيد فالمعنى: قد تنحى زيدٌ من هذا وتباعد منه، قال: وكذلك تحاشى، أي: صار في حشي منه.
وقال السيرافي: "وعلى هذا زعم بعض أصحابنا أن حاشا في معنى المصدر، قال: ويقال: حاشى الله، وحاش لله، كما يقال: براءة الله، وبراءةً لله".
стр. 2725
وقال السيرافي للزجاج: "لم لم ينون حاشا لله إذا جعله مصدرًا؟ فقال: هو مبنى كـ"بله"، جعله س مصدرًا، وهو مبني".
قال: "ويُنقص، فيقال: حاش لله، وحشا لله، كغدٍ في غدو".
وقال المصنف في الشرح: "الصحيح أنها اسم منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلًا من اللفظ بالفعل، فمن قال حاشى لله فكأنه قال: تنزيهًا لله. ويؤيد هذا قراءة أبي السمال "حاشى لله" بالتنوين، فهذا مثل قولهم: رعيًا لزيد، وقراءة ابن مسعود "حاشى الله" بالإضافة، فهذا مثل سبحان الله ومعاذ الله، فأما القراءة المشهورة "حش لله" بالا تنوين فالوجه فيها أن يكون (حاش) مبنيًا لشبهه بحاشا الذي هو حرف، فإنه شبيه به لفظًا ومعنى، فجرى مجراه في البناء كما جرى (عن) في قوله:
....................... من عن يميني تارةً وأمامي
مجرى (عن) في نحو: رويت عن زيد.
وقوله وكثر فيها حاش، وقل حشا يعني في التي تستعمل للتنزيه والبراءة من السوء. ولا يُحفظ حاش في المستثنى بها، وحفظ حشا، قال الشاعر:
стр. 2726
حشا رهط النبي، فإن منهم بحورًا لا تكدرها الدلاء
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: ويقال: حاشا وحشا وحاش إلا أن حاش لا تستعمل في الاستثناء.
وقوله وربما قيل ما حاشا قال المصنف في الشرح: "قد قيل: ما حاشا، في مسند أبي أمية الطرسوسي عن ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (أسامة أحب الناس إلى ما حاشا فاطمة) " انتهى.
وقول المصنف "وربما قيل ما حاشا" يُوهم أن ذلك في حاشا المراد بها التنزيه لا المراد بها الاستثناء، وتمثيله بما ورد في الحديث يدل على أنه أراد في الاستثناء.
وقد اختلف النحويون في جواز دخول "ما" المصدرية على "حاشا" في الاستثناء: فمنع من ذلك س، قال س: "لو قلت أتوني ما حاشا زيدًا لم يكن كلامًا".
وأجاز ذلك بعضهم على قلة، وقد سُمع ذلك من كلامهم، ومن ذلك قول الشاعر:
رأيت الناس ما حاشا قُريشًا فإنا نحن أفضلهم فعالا
стр. 2727
[٤: ٧٠/ ب] /واختلف النحويون في جواز دخول إلا على حاشا:
فذهب الكسائي إلى جواز ذلك إذا جرت حاشا، ومنع ذلك إذا نصبت، نحو: قام القوم إلا حاشا زيدٍ.
ومنع البصريون ذلك على كل حال.
وحكي أبو الحسن الأخفش عن العرب أنهم يقولون: قام القوم إلا حاشا زيدٍ.
وهذا عندنا شذوذ لا ينبغي أن يقاس عليه غيره، وهو جمع بين أداتين على جهة التأكيد.
وقوله وليس أحاشي مضارع حاشا المستثنى بها، خلافًا للمبرد استدل المبرد على فعليه حاشا بقول النابغة:
ولا أرى فاعلًا في الناس يُشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد
قال المصنف في الشرح: "وهذا غلط؛ لأن حاشا إذا كانت فعلًا، وقُصد بها الاستثناء - فهي واقعة موقع إلا ومؤدية معناها، فلا تتصرف كما لا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون، بل هي أحق بمنع التصرف؛ لأن فيها مع مساواتها للأربع شبهها بحاشا الحرفية لفظًا ومعنى.
стр. 2728
وأما أُحاشي فمضارع حاشيت بمعنى استثنيت، وهو فعل متصرف مشتق من لفظ حاشا، كما اشتق سوفت من لفظ سوف، ولوليت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيهت من لفظ أيها، وأمثال ذلك كثيرة" انتهى.
وقال بعض شيوخنا: زعم المبرد أنها تكون فعلا كـ (خلا). واستدل على ذلك بتصريف الفعل: حاشيت زيدًا أُحاشيه، وبقولهم: حاشى لزيدٍ، ولو كانت حرف جر لم تدخل على حرف جر.
قال السيرافي: "ولا حُجة له في حاشيت لأنه مشتق من (حاشا) حرف الاستثناء، كهلل، وبسمل، وسوف من سوف".
وقوله والنصب في "ما النساء وذكرهن" بـ (عدا) مضمرة روي من كلام العرب: "كُل شيء مهمةٌ من النساء وذكرهن"، وخرجه المصنف على أن صلة ما محذوفة، وهي عدا، حذفوها، أبقوا معمولها، قال المصنف: "ومعناه: كل شيءٍ يسيرٌ ما عدا النساء وذكرهن".
وقال غيره: والمهمة: الطراوة والنضارة، يقال: زان المرأة مههها، قال الراجز:
إن سُليمى زانها مههها
وإنما أضمر عدا لأنها مُتفق على فعليتها، بخلاف خلا وحاشا، فإنه مُختلف في فعليتها، فكان المتفق علي فعليته أولى بأن يكون هو المحذوف.
стр. 2729
وقوله خلافًا لمن أول ما بإلا قال المصنف في الشرح: "وزعم بعض الناس أن ما هاهنا بمعنى إلا، وليس بشيء" انتهى.
وإنما قال "وليس بشيء" لأن ما لم يثبت لها قط معنى إلا في لسان العرب، بخلاف كونها مصدرية، فهو ثابت في لسان العرب، وقد حصر النحويون مواقع ما في نيف على ثلاثين قسمًا، ليس منها أنها تكون بمعنى إلا.
وقال أبو زيد السهيلي: "ليس ما تدخل فيه ليس تحسن فيه ما، فيستثنى بليس دون ما إلا في كلمة جاءت مثلًا، وهي: كل شيءٍ مهمةٌ ما النساء وذكرهن، أي: ليس النساء وذكرهن" انتهى.
فهذا ثالث؛ لأنها عنده نافية، ليست مصدرية ولا بمعنى إلا، / [٤: ٧١/ أ] واستعمال ما النافية كـ"ليس" في الاستثناء غير معهود، وحذف صلة ما المصدرية كذلك أيضًا، فتتكافأ دعوى إضمار عدا ودعوى كون ما بمعنى ليس مستثنى بها، ووقوع الشيء موقع الشيء لاشتراكهما في المعنى أقرب من حذف صلة ما، ولا يوجد حرف مصدري حُذفت صلته، فأما قول الشاعر:
إذا ريدةٌ من حيث ما نفحت له أتاه برياها خليلٌ يواصله
فقد قدره المصنف: من حيث ما هبت، فحذف صلة ما.
وقد تكلمنا عليه في باب المفعول المسمى ظرفًا، وخرجناه على غير تخريج المصنف بما ظهر لنا أنه أرجح، فيُنظر هناك.
وقال بعض أصحابنا: وزعم الفراء والأحمر أن العرب تستثني بـ (ما)، وحكيا من كلامهم: كل شيءٍ مهمةٌ ما النساء وذكرهن، وهذا شيء لا يُحفظ منه غير هذا
стр. 2730
الذي حكيناه، وقد يتخرج على أن يكون (النساء) منصوبًا بفعل استثناء مضمر يدل عليه المعنى، فالتقدير: ما خلا الماء وذكرهن، فأبقى ما المصدريةً والمفعول وحذف الفعل، كما قالوا: أما أنت منطلقًا انطلقت معك، أبقوا أن المصدريةً، وحذفوا الفعل الذي هو كان، وأبقوا اسمها وخبرها.
-[ص: ويستثنى بـ ((ليس)) و ((لا يكون))، فينصبان المستثنى خبرًا، واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، وكذا فاعل الأفعال الثلاثةً. وقد يوصف على رأي المستثنى منه منكرًا او مصحوب أل الجنسية بـ (ليس)) و ((لا يكون))، فيلحقهما ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامةً.]-
ش: مثال ذلك: قام القوم ليس زيدًا، وخرج الناس لا يكون عمرًا، و ((لا)) قيد في ((يكون))، وهو أن تكون منفيةً بـ ((لا))، فلو كانت منفيةً بما أو بلم أو لما أو لن أو إن لم تقع في الاستثناء؛ وتكون هي الناقصة ولا يدعى أنها أخرى ارتجلت للاستثناء؛ لأن كونها الناقصة التي تقررت ممكن فيها، فلا يعدل إلى غيره.
ومن وقوع ليس استثناء قول الشاعر:
عددت قومي كعديد الطيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي
يريد: ليسني. وقال أخر:
فأصبح ما في الأرض مني ثقية لناظرها ليس العظام العواريا
وذكر في الحديث قول النبي ﷺ (يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب)، وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2731
يخرج من الخلاء يقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة).
وقول واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الخذف هذا الذي قاله لم يذهب إليه أحد من النحويين، وهو أن اسمها- كما قال - بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، بل اتفق البصريون والكوفيون على أنه مضمر فيهما ليس ظاهرًا محذوفًا،/ [٧١:٤/ب] بل هو مضمر مفرد مذكر، قال البصريون: هو عائد على البعض المفهوم من الكلام السابق؛ لأن القائل ((قام القوم)) يسبق إلى فكرة أن بعضهم زيد، فقيل: ليس زيدًا، أو: لا يكون زيدًا، أي: ليس هو زيدًا ولا تكون هو زيدًا.
وقال الكوفيون: هو عائد على الفعل المفهوم من الكلام السابق، ولذلك كان مفردًا مذكرًا على كل حال، كما أن الفعل كذلك، فإذا قلت قام القوم ليس زيد فمعناه: ليس هو زيدًا، أي: ليس فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
ورد هذا المذهب بأن فيه دعوى مضاف محذوف لم يلفظ به قط.
وأقول: قد يأتي الاستثناء بما حيث لا يقدر ما قدره الكوفيون، نحو قولك: القوم إخوتك ليس زيدًا، أو: لا يكون زيدًا، وما أشبه هذا، فهنا لا يمكن تقدير: ليس فعلهم فعل زيد؛ إذ لم يسند إليهم فعل البتة.
стр. 2732
وإنما التزم إضماره لجريان هذه الأفعال بجري أداة الاستثناء التي هي أصل فيه، وهي إلا، فكما أنه لم يظهر بعد إلا سوى اسم واحد فكذلك بعد ما جرى مجراه.
وإنما أفرد لكونه عائدًا على مفرد كما قررناه، ولذلك تقول: جاء الناس ليس الزيدين، أو: ليس الزيدين، أو: ليس هندًا، أو: ليس الهندات، وكذلك لا يكون، فأفرد إذ التقدير: ليس هو، أي: بعضنهم.
وإنما لم يذهبوا إلى أن اسم ليس لا يكون ظاهرًا محذوفًا لأن اسم كان وأخوها لا بحذف لأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يحذف، فكذلك ما شبه به، وإنما هو من باب الإضمار.
إلا أن في البسيط ما يوافق قول المصنف، قال: هما باقيان على أصلهما في رفعهما الاسم ونصبهما الخبر، وإنما خرجا عن أصلهما تنبيها على معنى الاستثناء في أن اسمهما لا يظهر لفظًا ولا يثنى، ولا يجمع، وكأنه محذوف من باب حذف المبتدأ لدلالة الكلام، وليسا حرفي استثناء، وإنما فهم الاستثناء من التأليف وإعقابهما الجملة المتقدمةً، والجمل الباقيةً سواء في ذلك، إلا أنه اختصت هذه سماعًا بذلك، فلو أتيت بجملة نحو جاء القوم لكن زيدًا ما جاء لم يكن استثناء؛ لأنه لم يغير تغييرا يلزم عنه أن يكون في حكم أدواتهما، وهذا التغيير هو أن حذفوا الاسم، وذلك لقوة دلالة الكلام عليه، فإن القائل إذا قال جاء القوم فكأنه توهم عليه أن بعضهم زيد، فقال: لا يكون زيدًا، أي؛ لا يكون بعضهم زيدا، ولو حذفوا الخبر لجاز، لكنهم لم يقولوا إلا هذا لأنه أقوى، وفيه الفائدة.
ويدل على أنه محذوف وجهان:
стр. 2733
أحدهما: أنه لم يقدم ذكره فيضمر؛ لأنه ليس إلا ذكر القوم.
والثاني: أنه لا يتبع الأول لا في التأنيث ولا في الجمع ولا في التثنية، تقول: جاء الرجال؛ لا يكون زيدًا، وجاءت النساء لا يكون هندًا.
وقيل: إنما كان ذلك لأنها جعلت في معنى إلا، و ((إلا)) لا تغير بحسب ذلك، فلم يتغير ما هو بمعناه. ويدل على جعلها بمنزلة ((إلا)) إنك لا تقول: جاءني القوم ليس زيدًا ولا عمرا؛ لأنها صارت بمعنى إلا، وخرجت عن معنى الجحد الذي بسببه العطف بـ ((لا)).
وقدره بعضهم لا يكون الآتي زيدًا، وليس القائم زيد، يقدره باسم الفاعل الذي تدل عليه الجملة. وهذا لا يطرد له في قولك: القوم إخوتك ليس عمرًا.
وما ذهب إليه صاحب البسيط والمصنف من حذف اسم ليس واسم لا يكون لا يجوز لأنه مشبه بالفاعل؛ وأفعال هذا الباب - أعني باب كان - مشبهه بالمتعدي إلى واحد، فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه، فكذلك أسماء هذه الأفعال.
واختلف النحويون في ليس ولا يكون إذا استثني بهما هل لهما موضع من الإعراب أو لا موضع لهما عن الإعراب؟ والخلاف فيهما كالخلاف في عدا وخلا وحاشا إذا كن أفعالا، وقد سبق الكلام في ذلك.
وقوله وكذا فاعل الأفعال الثلاثة يعني عدا وخلا وحاشا، فإن فاعلها بعض محذوف مضاف إلى ضمير المستثنى منه، وقد سبق لنا ذكر الخلاف في ذلك، وأنه اختار في الشرح غير ما ذكر في الفاعل مصدر أن الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى
стр. 2734
منه، فيقدر في قاموا عدا زيدًا؛ جاوز قيامهم زيدا، وظاهر كلامه هذا أن الفاعل مصدر لازم الحذف، كما ادعى أن ليس ولا يكون حذف اسمهما، وقد رددنا عليه ذلك.
وقوله وقد يوصف على رأي الحق منه منكرًا أو مصحوب آل الجنسية بـ (ليس)) و ((لا يكون)) لفظ ((وقد)) يشعر بالقلة، وكذا لفظ س قال س: ((وقد يكونان صفةً، وهو قول الخليل، وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا، وما أتاني رجل لا يكون بشرا، إذا جعلت ليس ولا يكون بمنزلة قولك: ما أتاني أحد لا يقول ذلك)) انتهى.
وقوله ((على رأي)) مشعر بالخلاف، ولم يذكر أحد ممن رأينا كلامه في هذه المسألة خلافا. وقال س: ((ويدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول: ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً، فلو لم يجعلوه صفةً لم يؤنثوا؛ لأن الذي لا يجيء صفه فيه إضمار مذكر؛ ألا تراهم يقولون: أتيتني لا يكون فلانةً، وليس فلان، يريدون: ليس بعضهن فلانةً، والبعض مذكر)) انتهى.
وقال السيرافي: ((أجازوا الوصف بليس ولا يكون لأنهما نص في النفي عن الثاني، وهو معنى الاستثناء، وليس ذلك في عدا وخلا إلا التضمين)) انتهى. فلا يقال: ما أتتني امرأةً، عدت هندًا، ولا: ما مررت بامرأة خلت دعدًا؛ لأنهما ليسا بلفظي جحد كليس ولا يكون. و ((خلا)) لا يتعدى إلى منصوب إلا هنا لا صفةً ولا حالًا.
стр. 2735
وفي قول المصنف ((وقد يوصف على رأي المستثنى منه)) تجوز؛ لأنه إذا وصف بليس ولا يكون لم يكن إذ ذاك مستثنى منه؛ إذ لا تكون أداة استثناء ليس ولا يكون، وإذا لا تكون أداة استثناء فلا يكون ما بعدهما مشتى، وإذا لم يكن مستثنى لم يكن مستثنى منه. وينبغي أن يحمل قول المصنف ((المستثنى منه)) على الذي كان يكون مستثنى منه لو لم يوصف.
وقال المصنف في الشرح: ((ولا يكون الموصوف إلا نكرةً أو معرفًا تعريف الجنس لا تعريف [٧٢:٤/ب] /العهد، وذلك قولك: أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وأتاني القوم ليسوا إخوتك، وهما عن أمثلة أبي العباس، مثل بهما بعد أن قال: (فإن جعلته وصفا فمد، وكان الجرمي يختاره)) انتهى.
وتمثيله بقولك أتتني امرأةً لا تكون فلانةً ليس بصحيح فيما ادعاه؛ لأن قوله ((امرأةً)) في سياق النفي، فيصح أن تكون مستثنى منها، وس مثل بها في سياق النفي، فيصح أن تكون مستثنى منه؛ ألا تراه قال: ((ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً)).
وقول النحويين ((إن ليس ولا يكون قد يوصف بهما)) إنما يعنون أنهما يكونان وصفين في المكان الذي يكونان فيه صالحين للاستثناء.
وقول المصفف أيضًا ((إنهما يوصف بهما المعرف تعريف الجنس)) هذا بناء على مذهبه في جواز وصف المعرف تعريف الجنس بالجمل، وذلك عندنا لا يجوز؛ لأن الجمل نكرات، والمعرف تعريف الجنس عندنا معرفةً، فلا يوصف بالنكرات؛ ألا ترى أنه يوصف بالمعرفة. ولم يمثل س في استعمال ليس ولا يكون وصفين إلا وما قبلهما نكرة كما نقلناه عنه.
следующие страницы →