Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
يخرج من الخلاء يقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة).
وقول واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الخذف هذا الذي قاله لم يذهب إليه أحد من النحويين، وهو أن اسمها- كما قال - بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، بل اتفق البصريون والكوفيون على أنه مضمر فيهما ليس ظاهرًا محذوفًا،/ [٧١:٤/ب] بل هو مضمر مفرد مذكر، قال البصريون: هو عائد على البعض المفهوم من الكلام السابق؛ لأن القائل ((قام القوم)) يسبق إلى فكرة أن بعضهم زيد، فقيل: ليس زيدًا، أو: لا يكون زيدًا، أي: ليس هو زيدًا ولا تكون هو زيدًا.
وقال الكوفيون: هو عائد على الفعل المفهوم من الكلام السابق، ولذلك كان مفردًا مذكرًا على كل حال، كما أن الفعل كذلك، فإذا قلت قام القوم ليس زيد فمعناه: ليس هو زيدًا، أي: ليس فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
ورد هذا المذهب بأن فيه دعوى مضاف محذوف لم يلفظ به قط.
وأقول: قد يأتي الاستثناء بما حيث لا يقدر ما قدره الكوفيون، نحو قولك: القوم إخوتك ليس زيدًا، أو: لا يكون زيدًا، وما أشبه هذا، فهنا لا يمكن تقدير: ليس فعلهم فعل زيد؛ إذ لم يسند إليهم فعل البتة.
стр. 2732
وإنما التزم إضماره لجريان هذه الأفعال بجري أداة الاستثناء التي هي أصل فيه، وهي إلا، فكما أنه لم يظهر بعد إلا سوى اسم واحد فكذلك بعد ما جرى مجراه.
وإنما أفرد لكونه عائدًا على مفرد كما قررناه، ولذلك تقول: جاء الناس ليس الزيدين، أو: ليس الزيدين، أو: ليس هندًا، أو: ليس الهندات، وكذلك لا يكون، فأفرد إذ التقدير: ليس هو، أي: بعضنهم.
وإنما لم يذهبوا إلى أن اسم ليس لا يكون ظاهرًا محذوفًا لأن اسم كان وأخوها لا بحذف لأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يحذف، فكذلك ما شبه به، وإنما هو من باب الإضمار.
إلا أن في البسيط ما يوافق قول المصنف، قال: هما باقيان على أصلهما في رفعهما الاسم ونصبهما الخبر، وإنما خرجا عن أصلهما تنبيها على معنى الاستثناء في أن اسمهما لا يظهر لفظًا ولا يثنى، ولا يجمع، وكأنه محذوف من باب حذف المبتدأ لدلالة الكلام، وليسا حرفي استثناء، وإنما فهم الاستثناء من التأليف وإعقابهما الجملة المتقدمةً، والجمل الباقيةً سواء في ذلك، إلا أنه اختصت هذه سماعًا بذلك، فلو أتيت بجملة نحو جاء القوم لكن زيدًا ما جاء لم يكن استثناء؛ لأنه لم يغير تغييرا يلزم عنه أن يكون في حكم أدواتهما، وهذا التغيير هو أن حذفوا الاسم، وذلك لقوة دلالة الكلام عليه، فإن القائل إذا قال جاء القوم فكأنه توهم عليه أن بعضهم زيد، فقال: لا يكون زيدًا، أي؛ لا يكون بعضهم زيدا، ولو حذفوا الخبر لجاز، لكنهم لم يقولوا إلا هذا لأنه أقوى، وفيه الفائدة.
ويدل على أنه محذوف وجهان:
стр. 2733
أحدهما: أنه لم يقدم ذكره فيضمر؛ لأنه ليس إلا ذكر القوم.
والثاني: أنه لا يتبع الأول لا في التأنيث ولا في الجمع ولا في التثنية، تقول: جاء الرجال؛ لا يكون زيدًا، وجاءت النساء لا يكون هندًا.
وقيل: إنما كان ذلك لأنها جعلت في معنى إلا، و ((إلا)) لا تغير بحسب ذلك، فلم يتغير ما هو بمعناه. ويدل على جعلها بمنزلة ((إلا)) إنك لا تقول: جاءني القوم ليس زيدًا ولا عمرا؛ لأنها صارت بمعنى إلا، وخرجت عن معنى الجحد الذي بسببه العطف بـ ((لا)).
وقدره بعضهم لا يكون الآتي زيدًا، وليس القائم زيد، يقدره باسم الفاعل الذي تدل عليه الجملة. وهذا لا يطرد له في قولك: القوم إخوتك ليس عمرًا.
وما ذهب إليه صاحب البسيط والمصنف من حذف اسم ليس واسم لا يكون لا يجوز لأنه مشبه بالفاعل؛ وأفعال هذا الباب - أعني باب كان - مشبهه بالمتعدي إلى واحد، فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه، فكذلك أسماء هذه الأفعال.
واختلف النحويون في ليس ولا يكون إذا استثني بهما هل لهما موضع من الإعراب أو لا موضع لهما عن الإعراب؟ والخلاف فيهما كالخلاف في عدا وخلا وحاشا إذا كن أفعالا، وقد سبق الكلام في ذلك.
وقوله وكذا فاعل الأفعال الثلاثة يعني عدا وخلا وحاشا، فإن فاعلها بعض محذوف مضاف إلى ضمير المستثنى منه، وقد سبق لنا ذكر الخلاف في ذلك، وأنه اختار في الشرح غير ما ذكر في الفاعل مصدر أن الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى
стр. 2734
منه، فيقدر في قاموا عدا زيدًا؛ جاوز قيامهم زيدا، وظاهر كلامه هذا أن الفاعل مصدر لازم الحذف، كما ادعى أن ليس ولا يكون حذف اسمهما، وقد رددنا عليه ذلك.
وقوله وقد يوصف على رأي الحق منه منكرًا أو مصحوب آل الجنسية بـ (ليس)) و ((لا يكون)) لفظ ((وقد)) يشعر بالقلة، وكذا لفظ س قال س: ((وقد يكونان صفةً، وهو قول الخليل، وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا، وما أتاني رجل لا يكون بشرا، إذا جعلت ليس ولا يكون بمنزلة قولك: ما أتاني أحد لا يقول ذلك)) انتهى.
وقوله ((على رأي)) مشعر بالخلاف، ولم يذكر أحد ممن رأينا كلامه في هذه المسألة خلافا. وقال س: ((ويدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول: ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً، فلو لم يجعلوه صفةً لم يؤنثوا؛ لأن الذي لا يجيء صفه فيه إضمار مذكر؛ ألا تراهم يقولون: أتيتني لا يكون فلانةً، وليس فلان، يريدون: ليس بعضهن فلانةً، والبعض مذكر)) انتهى.
وقال السيرافي: ((أجازوا الوصف بليس ولا يكون لأنهما نص في النفي عن الثاني، وهو معنى الاستثناء، وليس ذلك في عدا وخلا إلا التضمين)) انتهى. فلا يقال: ما أتتني امرأةً، عدت هندًا، ولا: ما مررت بامرأة خلت دعدًا؛ لأنهما ليسا بلفظي جحد كليس ولا يكون. و ((خلا)) لا يتعدى إلى منصوب إلا هنا لا صفةً ولا حالًا.
стр. 2735
وفي قول المصنف ((وقد يوصف على رأي المستثنى منه)) تجوز؛ لأنه إذا وصف بليس ولا يكون لم يكن إذ ذاك مستثنى منه؛ إذ لا تكون أداة استثناء ليس ولا يكون، وإذا لا تكون أداة استثناء فلا يكون ما بعدهما مشتى، وإذا لم يكن مستثنى لم يكن مستثنى منه. وينبغي أن يحمل قول المصنف ((المستثنى منه)) على الذي كان يكون مستثنى منه لو لم يوصف.
وقال المصنف في الشرح: ((ولا يكون الموصوف إلا نكرةً أو معرفًا تعريف الجنس لا تعريف [٧٢:٤/ب] /العهد، وذلك قولك: أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وأتاني القوم ليسوا إخوتك، وهما عن أمثلة أبي العباس، مثل بهما بعد أن قال: (فإن جعلته وصفا فمد، وكان الجرمي يختاره)) انتهى.
وتمثيله بقولك أتتني امرأةً لا تكون فلانةً ليس بصحيح فيما ادعاه؛ لأن قوله ((امرأةً)) في سياق النفي، فيصح أن تكون مستثنى منها، وس مثل بها في سياق النفي، فيصح أن تكون مستثنى منه؛ ألا تراه قال: ((ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً)).
وقول النحويين ((إن ليس ولا يكون قد يوصف بهما)) إنما يعنون أنهما يكونان وصفين في المكان الذي يكونان فيه صالحين للاستثناء.
وقول المصفف أيضًا ((إنهما يوصف بهما المعرف تعريف الجنس)) هذا بناء على مذهبه في جواز وصف المعرف تعريف الجنس بالجمل، وذلك عندنا لا يجوز؛ لأن الجمل نكرات، والمعرف تعريف الجنس عندنا معرفةً، فلا يوصف بالنكرات؛ ألا ترى أنه يوصف بالمعرفة. ولم يمثل س في استعمال ليس ولا يكون وصفين إلا وما قبلهما نكرة كما نقلناه عنه.
стр. 2736
وقوله فيلحقهما إلى آخره بمعني أنه يطابق الضمير الذي في ليس ولا يكون في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع الاسم الذي جرتا صفةً عليه؛ ويلزم أن يطابق الضمير الاسم الواقع خبرًا، فتقول: ما جاءني نساء لسن الهندات، وما جاءني رجال ليسوا زيدًا، وما جاءني امرأةً ليت فلانةً، كما تقول إذا كان قبلهما ما لا يصلح للاستثناء، نحوت أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وجاءني رجال لا يكونون الزيدين، وصاحبني رجلان ليسا أخويك.
والقياس يقتضي أنه إذا وقع قبلهما ما يصلح للاستثناء، وكان معرفةً، أن يكونا في موضع نصب على الحال، نحو: جاء القوم ليسوا إخوتك، وجاءتني النساء لسن الهندات. ونص على ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي.
وتمثيل س في الصفة بـ (ليس)) و ((لا يكون)) من قوله: ((وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا، وما أتاني رجل لا يكون بشرًا))، واستدلاله على أنهما يكونان وصفين بالتأنيث في قولهم: ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً، وجعل ذلك بمنزلة قولك ((ما أتاني أحد لا يقول ذلك)) في موضع ((قائل ذلك)) - مما يدل على أن الضمير يطابق في التثنية والجمع كما طابق في التأنيث.
وقد قال بعض أصحابنا: ((لا تجوز الصفة إلا أن يكون الثاني بعدد الأول)). يعني أنه إذا كان الأول جمعًا كان ما بعد ليس ولا يكون جمعًا، وكذلك في التثنيةً والإفراد، فتقول: ما قام رجال ليسوا الزيدين، ولا يكونون الزيدين، وكذلك ما أشبهه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: ((أجاز س أن تكون ليس ولا يكون صفةً لما قبل، وزعم أنه قول الخليل، واستدل؛ على ذلك بقول بعضهم: ما
стр. 2737
أتتني امرأةٌ لا تكون فلانةً. قال: (فتأنيث تكون دليل على أنه صفةً). قال: (لأن الذي لا يجيء صفةً فيه إضمار مذكر؛ بدليل قولهم: أتينني لا يكون فلانةً، وليس فلانة، يريد: لا يكون بعضهن). وقياس هذا أن يقال: أتوني ليسوا زيدا، ولا يكونون عمرًا، إلا أن يقول قائل: إنما أجازوا ذلك حيث لم يظهر ضميره في اللفظ، وقد قاسوه، وهو ظاهر)) انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ((ويجوز أن يكون الضمير الذي في ليس ولا يكون على حسب الذي تقدمهما، فلا يكونان إذ ذاك استثناءين، بل تكون واحدةً منها مع معموليها في موضع صفةً للاسم المتقدم، نحو قولك: جاءني نساء لسن الهندات، وجاءني رجال ليسوا الزيدين)) انتهى.
وأما قولهم: قام القوم إلا أن يكون زيد، وما جاءني أحد إلا أن يكون زيد - فيجوز فما بعد يكون الرفع والنصب، فالرفع على أن ((يكون)) تامةً، فرفعه على الفاعلية، هذا هو الظاهر والقول عن الجمهور.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنها يجوز أن تكون ناقصةً، ويجوز أن تكون تامةً، قال في قولك: ما جاءني أحد إلا أن يكون زيد: إنما رفعت زيدًا يكونه، وجعك الخبر مضمرًا في يكون، كأنك قلت: إلا أن يكونه زيد. وإن شئت لم نجعل ليكون خبر؛ لأن كان قد تجيء ولا خبر لها، نحو: كان الآمر، وكان الرجل
стр. 2738
وهذا الذي ذهب إليه أبو الحسن من تجويز أن تكون الناقصةً، ويكون خبرها مضمرًا محذوفًا - لا يجيزه أصحابنا؛ لأنه لا يجوز عندهم حذف خبر كان ولا أخواتها للعلةً التي ذكرت في باب كان - قال س: ((فالرفع جيد بالغ وهو كثير في كلام العرب)) انتهى.
والنصب جائز، قال س: ((وبعضهم ينصب، على وجه النصب في لا يكون، والرفع أكثر))،.بمعنى أنه يضمر في يكون ضميرًا مفردًا مذكرًا، لا يبرز في تثنية ولا جمع، ولا يؤنث، كما لا يكون ذلك في ((لا يكون)) إذا استثني بها، ويكون التقدير: إلا أن يكون هو - أي: بعضهم - زيدًا.
وقال الأخفش: ((وقد يقول بعض العرب: ما ضربني أحد إلا أن يكون زيدًا، يضمر في يكون اسم الفاعل) انتهى. ويحتمل كلامه هذا أن يكون الفاعل الضمير العائد على أحد، ويحتمل أن يكون ضمير البعض المفهوم الذي في قولك: جاء القوم لا يكون زيدًا.
فأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ﴾ وتأنيث (تكون)، فقرئ بالرفع والنصب والتأنيث ظاهر على قراءةً الرفع. وأما مع نصب التجارةً فالقياس لفظ التذكير؛ لأن المراعى البعض، وهو مذكر؛ ألا ترى أن الأول يكون مؤنثًا، والإضمار مذكر.
ولأن المتقدم هنا (الذين) - وهو مذكر - فزعم السيرافي أن التأنيث على إضمار الأعواد، أي: إلا أن تكون الأموال؛ تجارةً، وحسنه أنه اللفظ المستعمل مع الرفع الذي هو أكثر كلام العرب.
стр. 2739
وأداة الاستثناء في ((إلا أن يكون)) هي إلا، و ((أن يكون)) في موضع اسم منصوب في لغة أهل الحجاز؛ لأن الكون غير المستثنى منه، والتقدير: ما جاءني أحد إلا كون زيد، كقولك: ما جاءني أحد إلا حمارًا- وهو في لغة بني تميم مرفوع على البدل من أحد، وهو أقيس، وكذا قاله الأخفش في ((الأوسط)).
وقال بعض شيوخنا: ((ينبغي أن تكون هنا تامةً حتى يكون المستثنى وجود زيد؛ لأن وجود الشيء يعبر به/ [٧٣:٤/ب] عن ذاته، بل هو ذاته في الحقيقةً، فيكون قولهم إلا أن يكون زيد في تقدير؛ إلا كون زيد، أي: إلا وجوده، أي: إلا زيدًا. ونظير التعبير بوجود الشيء عن ذاته في كلامهم قولهم: ما أحسن ما كان زيد، بالرفع، أي: ما أحسن كونه، أي: وجوده، ولا يتصور أن تكون هنا تامةً إلا برفع الاسم الذي بعدها، فالرفع في التعجب وهنا هو الوجه)) انتهى.
وهو استثناء منقطع؛ لأن كون زيد ليس من جنس الذوات. وقد رام بعض أصحابنا أن يجعله استثناء متصلًا، فقال: ((أن يكون؛ في موضع نصب بإلا، كأنك قلت: إلا كون زيد.
فإن قلت: ليس المعنى على استثناء كون زيد، وإنما المعنى على استثناء زيد. فالجواب: أنه يتصور على أن تكون أن وصلتها في موضع مصدر منصوب على الاستثناء، ويكون واقعًا موقع الاسم، وكأنك قلت: قام القوم إلا الكائن زيدًا، والكائن زيدًا هو زيد، وساغ لأن وصلتها أن تقع موقع الاسم كما يسوغ ذلك في المصدر الذي هي بتقديره، ومن ذلك قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندي
فأوقع أن تنبت اللحى موقع النابتي اللحى)) انتهى.
стр. 2740
وهذا الذي ذهب إليه من كونه استثناء متصلًا لا يسوغ؛ لأن المشهور الأفصح هو رفع زيد بعد: إلا أن يكون، وإذا كان الأفصح ذلك، و ((كان)) كما قررنا تامةً - فلا يمكن أن تقدر أن والفعل في موضع مصدر، ويكون واقعًا موقع اسم الفاعل؛ لأنه يلزم من ذلك إضافةً اسم الفاعل إلى الفاعل، وهو لا يجوز؛ إذ التقدير: إلا الكائن زيد، والكائن اسم فاعل من كان التامة، فلا يجوز أن يضاف إلى الفاعل.
وأما إذا نصب زيد فينبغي أيضًا ألا يسوغ؛ لأن أن والفعل لا تجري مجرى المصدر في كل مكان، والمصدر أيضًا لا يجري مجرى اسم الفاعل بقياس، فلا بجري المقدر به مجراه.
وأيضا فلا حجةً في البيت الذي قد استشهد به؛ لأنه يحتمل أن يكون على حذف مضاف، التقدير: لعمرك ما كمان الفتيان أن تنبت اللحى، فان تنبت اللحى باقٍ على وضعه، لا يراد به أنه يتقدر بالمصدر الموضوع موضع اسم الفاعل.
стр. 2741
-[ص: فصل
يستثنى بـ ((غير))، فتجر المستثنى معربه بما له بعد ((إلا))، ولا يجوز فتحها مطلقًا لتضمن معنى ((إلا))، خلافًا للفراء، بل قد تفتتح في الرفع والجر لإضافتها إلى مبني. واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز. ويساويها في الاستثناء المنقطع ((بين)) مضافًا إلى أن وصلتها.]-
ش: تقدم أن غيرًا أصل في الوصف، وأنها محمولةً في الاستثناء على إلا، كما حملت إلا في الوصف عليها.
وقوله معربة بما له - أي: للمجرور بها. بعد إلا، فلغير من الإعراب ما للاسم بعد إلا من نصب واجب، أو جائز يرجح على الإتباع، أو مرجح الإتباع عليه، أو كونه مفرغًا للعامل، فيكون في الإعراب على نحو طلبه، فجميع ما يعرب به الاسم الواقع بعد إلا تعرب به غير، فتقول: جاءوني غير زيد، بنصبها، ويجوز الرفع على النعت للضمير على مذهب من يجيز ذلك، أو على عطف البيان عند [٤: ٧٤/أ] عن تأول ما ورد عن ذلك على أنه تابع عطف بيان.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون غير بدلًا في الإيجاب؛ لأنه يجوز فيه تكرار العامل كما جاز أن تكون بدلًا في النفي في نحو: ما قام القوم غير زيد، لجواز تكرار العامل، وهو في النفي بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدةً؛ لأن غيرًا هي المستثنى منه، ولذلك قال س في أتاني القوم غير زيد: ((فغير هم الذين جاؤوا))، فليكن كذلك في الإيجاب؟
стр. 2742
فالجواب: أن غيرًا إذا وقعت في الإيجاب الأولى بقاؤها على أصلها من الصفة، ولا تجعل بدلًا، وإنما قيل في النفي إنها بدل لما ضمنت معنى إلا، وظهر منهم إعرابها إعراب الاسم الذي بعد إلا؛ ألا ترى كثرةً النصب في الإيجاب وقلته في النفي، ولو كانت على أصلها لاستوي الإيجاب والنفي في ذلك.
وتقول: ما جاءني أحد غير زيد، برفع غير، وهو أرجح من النصب. وما لزيد علم غير ظن، فتجيء فيه لغة الحجاز ولغة تميم. وما جاءني غين زيد، فيتعين أن يكون على حسب العامل.
وإذا انتصب غير على الاستثناء، نحو: قاموا غير زيد - ففي انتصابه خلاف:
ذهب أصحابنا إلى أن انتصابها انتصاب الاسم الواقع منصوبا بعد إلا، وأن الناصب له كونه جاء فضلة بعد تمام الكلام، وهذا موجود في غير.
وذهب السيرافي وأبو الحسن بن الباذش إلى أنها منصوبة بالفعل السابق، وهي عند ابن الباذش مشبهةً بالظرف المبهم، فكما يصل الفعل إليه بنفسه فكذلك يصل إلى غير بنفسه.
وهذا مردود بقولهم: القوم إخوتك غير زيد؛ إذ لا فعل ولا اسمًا جاريًا مجراه في الجملة السابقةً.
وذهب أبو علي الفارسي في ((التذكرة)) إلى أنها منصوبةً على الحال، وفيها معنى الاستثناء، كما أن ما عدا في نحو قاموا ما عدا زيدًا يتقدر بمصدر في موضع الحال، وفيها معنى الاستثناء. قال المصنف: ((وهو الظاهر من قول س في (باب
стр. 2743
غير) بعد تمثيله بأتاني القوم غير زيد: فغير الذين جاؤوا، ولكن فيه معنى إلا)، هذا نصه)).
وقوله ولا يجوز فتحها مطلقًا لتضمن معنى إلا، خلافًا للفراء قال المصنف في الشرح: ((أجاز الفراء بناء غير على الفتح ضد تفريغ العامل، سواء أكان المضاف إليه معربًا أم مبنيًا، نحو: ما جاء غير زيد، وما جاء غيرك، بالنصب، ولم يذكر في الاحتجاج لذلك من كلام العرب غير مضاف إلى مبني، قال: (بعض بني أسد وقضاعة إذا كانت غير في معنى إلا نصبوها، تم الكلام قبلها أو لم يتم، فيقولون: ما جاءني غيرك، وما جاءني أحد غيرك). وكأن حامله على العموم جعل سبب البناء تضمن غير معنى إلا، وذلك عارض، فلا يجعل وحده سببًا، بل إذا أضيفت غير إلى مبنى جاز بناؤها، صلح موضعها بـ ((إلا)) أو لم يصلح، لكن بناؤها إذا أضمت إلى مبني وصلح موضعها لـ ((إلا)) أقوى من بنائها إذا ضيفت إل مبني ولم يصلح موضعها لـ (إلا). فمثال الأول قول الشاعر:
[٤: ٧٤/ب] لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في سحوق ذات؛ أو قال
السحوق: الشجرةً العاليةً.
ومثال الثاني قول الشاعر:
стр. 2744
لذ بقيس حين يأبى غيره تلفه بحرا مفيضًا خيره
انتهى.
وظاهر قول الفراء جواز قولك: قام غير زيد، بالنصب؛ لأنه عمم الحكم في قوله ((نصبوها تم الكلام قبلها أو لم يتم))، ونسبته ذلك إلى بني أسد وقضاعة تجعله مما اختصت يه هاتان القبيلتان من بين العرب، وأنا تمثيله بالمضاف إلى المبني فلا يحصر الحكم العام فيه.
وقوله واعتبار المعنى في العطوف على المستثنى بها جائز تقول: ما أتاني إلا زيد وعمرًا، وجاءني القوم غير زيد وعمرًا، فيجوز في المعطوف وجهان: أحدهما: الجر عطفًا على المجرور بـ (غير)، وهو الأجود.
والثاني: أن يكون إعرابه على حسب إعراب ((غير)) نفسها، ولا يكون إذ ذاك معطوفًا على ((غير)) نسها، قال س - وحكاه عن الخليل ويونس -: ((وذلك أن غير زيد في موضع إلا زيد وفي معناه، فحملوه على الموضع، وشبهوه يقول الشاعر:
.................. فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وظاهر كلام س أنه عطف على الموضع؛ لأن غيرًا دخيلةً في باب الاستثناء، والأصل في الاستثناء أن يكون بأداته التي هي إلا، فمتى استثني بغيرها فليس ذلك بطريق التأصل، فالمستثنى بعد غير أصله أن يكون معمولًا لما قبل إلا، فالمجوز
стр. 2745
موجود، وهو طالب الرفع أو النصب، وإن كانت غير قد أضيفت إلى الاسم، فانجز، فنظير الجر بعدها نظير الجر في رب والباء في خبر ليس من حيث إن طالب الرفع أو النصب موجود؛ وهو رب وليس، وطالب الموضع في الاستثناء موجود، وهو تمام الجملة تفريغا على الأصح المنصور، وجواز العطف هنا لا نعلم فيه خلافا، وأنشدوا:
لم يبق غير طريد غير منفلت وموثق ي حبال القد مسلوب
روي بخفض ((وموثق)) حملًا على لفظ طريد، وبالرفع حملًا على المعنى.
وزعم الأستاذ أبو علي أن قول س في ((ما أتاني احد غير زيد وعمرو)) بالرفع ((إنه معطوف على الموضع))، لا يريد به أن زيدا في ((غير زيد)) موضعه رفع؛ لأنه لا عامل رفع هنا، فليس كقوله:
....................... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
ألا ترى أن أصل الجبال هنا النصب، وعامله حاضر يطلب به، قال: ((فإنما معناه أنه لما كان يجوز أن يقع في موضع ((غير زيد)) ((إلا زيد)) نطق بـ ((غير زيد))، وتوهم إلا زيد)).
وهذا الذي ذهب إليه الأستاذ أبو علي يظهر من كلام ابن عصفور؛ لأنه لم يصرح بأنه عطف على الموضع، بل قال: إن ذلك حمل على المعنى. قال: لأن/ [٤: ٧٥ /أ] المعنى في جاءني القوم غير زيد وعمرًا؛ جاءني القوم إلا زيدًا وعمرًا، وفي ما جاءني أحد غير زيد وعمرو: ما جاءني أحد إلا زيد وعمرو.
وأما المصنف فقال في الشرح: ((وذلك أن غير زيد في موضع إلا زيد، وفي معناها، فحملوه على الموضع، كما قال:
стр. 2746
.................... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فلما كان في موضع إلا زيد كان معناه كمعناه، وحملوه على الموضع. والدليل على أنك إذا قلت غير زيد فكأنك قلت إلا زيد أنك تقول: ما أتاني غير زيد وإلا عمرو)) انتهى.
ولا يجوز أن يكون المعطوف - وإن أعرب إعراب غير - معطوفًا على ((غير)) نفسها مع إرادةً هذا المعنى؛ لأنه يلزم إذ ذلك تشريك المعطوف مع غير في العامل، ويصير معنى أخر غير ذلك المعنى، فإذا قلت: ما أتاني غير زيد وعمرو، وجعلته معطوفًا على غير - كان المعنى: ما أتاني غير زيد وما أتاني عمرو، وهذا خلاف ذلك المعنى؛ لأنك إذا لحظت في ((غير زيد)) معنى ((إلا زيد))، وعطفت مراعيًا لهذا المعنى - كان زيد وعمرو آتيين، وكأنك قلت: ما أتاني إلا زيد وعمرو، فيلزم من إرادة هذا المعنى أن تنزل غير منزلة إلا، ويعرب عمرو بإعراب ما بعد إلا، وبإعراب ما بعد غير، ومراعاة ذلك في العطف تقتضي مراعاةً ذلك في سائر التوابع، نحو النعت وعطف والبيان والتأكيد والبدل، فتقول على هذا: ما جاءني غير زيد نفسه، أو غير زيد العاقل، أو غير زيد أبي حفص، أو غير زيد أخيك، فالقياس يقتضي جواز هذا كله بالجر والرفع، ولم ينصوا إلا على العطف.
إلا أن في لفظ ابن عصفور ما يقتضي العموم، لأنه قال: ((وأما المستثنى بغير- وهو الاسم الوقع بعدها - فلا يكون إلا مخفوضًا بالإضافةً، وكذلك تابعه، نحو قولك: جاءني القوم غير زيد وعمرو. وقد يجوز في تابعه أن يكون إعرابه على حسب إعراب غير نفسها حملًا على المعنى، فتقول: جاءني القوم غير زيد وعمرا، بنصب عمرو، وما جاءني أحد غير زيد وعمرو، برفع عمرو)) انتهى.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يراعى موضع مجرور غير إلا إذا كانت استثناء لا صفةً؛ لأنه قال: ((واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز)).
стр. 2747
وفي البسيط: ((وإذا كانت غير صفةً جاز العطف على موضع الاسم بعدها، وذلك إذا كانت صفةً في الموضع الذي تصح فيه إلا، تقول: ما جاءني غير زيد وعمرو، فلك أن تحمل على المعنى فترفع، لأن المعنى: ما جاء إلا زيد، وكذلك: جاء القوم غير زيد وعمرا، نصبا؛ لأن المعنى؛ جاءني القوم إلا زيدًا. وأما إن كانت صفةً فيما لا تصلح فيه إلا فلا موضع لها؛ لأنه تقدير تفريغ في الإيجاب.
وأما إذا كانت استثناء فيجوز الحمل على اللفظ والحمل على الموضع، وهو أقوى من الصفةً؛ لأن الأول حمل على المعنى، وهذا على اللفظ، وهذا ذكره س، واحتج على جوازه انه في معنى إلا.
وقال قوم: إنه خاص بالاستثناء، فلا يكون [٧٥:٤/ب] / في الصفةً. والظاهر جوازه، ولا فرق بينهما في المعنى أعني في الحمل على اللفظ والحمل على الموضع.
ويجوز وجه أخر، وهو القطع على الابتداء كما كان في الاستثناء)).
وإذا عطفت على المستثنى إلا فلا يجوز في المعطوف إلا مشاركة ذلك الاسم في الإعراب؛ فإذا قلت قام القوم إلا زيدا وعمرا فلا يجوز عمرو، بالخفض على تقدير: قام القوم غير زيد وعمرو؛ لأن زيدًا بعد إلا لا موضع له يخالف لفظه، بل لفظه وموضعه واحد.
وقد ذهب بعض النحويين - ومنهم ابن خروف - إلى إجازة ذلك، وحمل عليه قول الشاعر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة تغنت على خضراء سمر قيودها
стр. 2748
روي برفع سمر على لفظ حمامةً، وبجره، قال: على معنى: وما هاج هذا الشوق غير حمامة سمر قيودها.
ومن منع ذلك تأول الجر في سمر على أنه خفض على الجوار أو على أن سمرا نعت لخضراء، والمراد بالقيود عروق الشجرة، وقد حكي ذلك لغة.
وفي الاستدلال بقوله ((سمر قيودها)) على أن يكون نعتًا لحمامةً، على تقدير ((إلا حمامةً)) بـ ((غير حمامةً)) - دليل على إجراء النعت مجرى العطف؛ فعلى هذا يجوز أن يراعى المعنى في قولك: ما جاء غير زيد العاقل، برفع العاقل على معنى: ما جاء إلا زيد العاقل، فلا تتقيد المسألةً بالعطف كما قيدها المصنف وأكثر النحويين.
وإذا كانت غير استثناء ففي العطف بعدها ب ((لا)) خلاف:
فذهب أبو عبيدة والأخفش وابن السراج والزجاج وأبو علي والرماني إلى جواز ذلك، إما على تقدير زيادةً لا، وإما على الحمل غير المعنى؛ لأن الاستثناء فيه معنى النفي، فإن قولك جاءني القوم إلا زيدًا معناه: جاءني القوم لا زيد، وهو هنا أولى لأن غيرًا في أصلها تعطي المعني، ويدل عليه أنك تقول: أنت غير القائم ولا القاعد.
وذهب الفراء وثعلب إلى أنه إذا كانت استثناء فلا يجوز العطف بعدها بـ ((لا)) كما لا يكون بعد إلا، فلا تقول: جاءني القوم غير زيد ولا عمرو، كما لا تقول: جاءني القوم إلا زيدًا ولا عمرًا.
стр. 2749
وأجاز النحويون: عندي غير زيد ولا عبد الله، ولم يجيزوا: عندي سوى عبد الله ولا زيد.
وأجاز بعضهم: أنت زيد غير ضارب، ولم يجيزوا: أنت زيد مثل ضارب، لجعلهم غيرا بمنزلة لا.
مسألة: ما لي إلا زيدًا صديق وعمرو، بالنصب، وعمرو بالرفع، فالنصب عطف على إلا زيدا، والرفع على الابتداء، والخبر محذوف لأنه تقدمه ما يدل عليه، كأنه قال: وعمرو لي صديق أيضًا، وحذفت لأن معنى ما لي إلا زيدًا صديق في معنى: زيد صديقي، كما حذفت في: إن زيد قائم وعمرو؛ لأن معنى إن زيد قائم: زيد قائم، وهذا تخريج الخليل.
وقال غيره: إلا زيدا كان يجوز فيه الرفع على أن يبدل منه صديق، كما جاز: ما لي إلا عمرو أحد، وهو ومنع العام موضع الخاص،/ [٧٦:٤/أ] وقد كان لو وقع في موضعه اختير فيه الرفع، فرفع الثاني حملًا عليه؛ ألا ترى أن ما لي صديق إلا زيد كان يختار فيه الرفع، وهذا قد وقع موقعه، فرفعوه بالعطف على التوهم، ولا يجوز على هذا: ما لي صديق إلا زيدًا وعمرو، ويعطف على زيد لأنه قد يرتفع؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، فإنما سمع الرفع في الآخر على هذه الصورة، وهو الفصل بينه وبين المستثنى الأول، فوجهت على ما ذكر.
وقوله ويساويها في الاستثناء المنقطع بيد مضافًا إلى أن وصلتها قال المصنف في الشرح: ((مثاله قول النبي ﷺ : (أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من
стр. 2750
قريش, واسترضعت في بني سعد))) انتهى. وكون ((بيد)) بمعنى ((غير)) كما ذكر هو المشهور.
وذهب الأموي إلى أن معنى ((بيد)): ((على)) , وأورد الحديث المذكور.
وقال في البديع: ((وأما بيد فأكثر ما تستعمل مع أن, تقول: ذهب الناس بيد أني لم اذهب, ومعناه معنى غير, وقد تكون بمعنى على, وقد تبدل من بائها ميم)).
-[ص: ويساويها مطلقا سوى, وينفرد بلزوم الإضافة لفظا, وبوقوعه صلة دون شيء قبله, والأصح عدم ظرفيته ولزومه النصب. وقد تضم سينه, وقد تفتح, فيمد.]-
ش: يعني بقوله ((ويساويها)) أي: يساوي غيرا, ويعني بقوله ((مطلقا)) أي: في الاستثناء المتصل, والاستثناء المنقطع, والوصف بها, فتقول: قام القوم سوى زيد, قال:
كل سعي سوى الذي يورث الفو ز فعقباه حسرة وخسار
وتقول: ما في الدار احد سوى حمار, وقال:
стр. 2751
لم ألف في الدار ذا نطق سوى طلل ...........................
وتقول: جاءني رجل سوى زيد, قال:
أصابهم بلاء كان فيهم سوى ما قد أصاب بني النضير
قال المصنف في الشرح: ((وتساويها أيضا في قبول تأثير العوامل المفرغة رافعة وناصبه [وخافضة] في نظم ونثر)) انتهى. وسنورد ما أورده المصنف في ذلك والخلاف فيه قريبا, إن شاء الله.
وقوله وينفرد بلزوم الإضافة لفظا, وبوقوعه صلة دون شيء قبله أي: وينفرد سوى عن غير بلزوم الإضافة لفظا, يعني أنها لما ساوتها فيما ذكر من الاستثناء المتصل والمنفصل والوصف وتأثير العوامل انفردت عنها بأنها لازمة الإضافة لفظا دون معنى, وسيأتي ذلك إن شاء الله.
ولا يعترض على سوى بقوله تعالى ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ , فإنها هنا قد استعملت بلا إضافة لأنها مغايرة لها في المعنى, إذ هي هنا بمعنى مستو, فـ ((سوى)) لفظ مشترك.
وأما وقوعه صلة فتقول: مررت بالذي سواك, فتصل به الموصول في فصيح الكلام, وسنذكر علة ذلك,/ ولا تصله بـ ((غيرك)) , لو قلت ((جاءني الذي غيرك)) لم يجز فصيحا إلا عند الكوفيين.
وقوله والأصح عدم ظرفيته ولزومه النصب يعني انه لا يكون ظرفا البتة, ولا يلتزم فيه النصب, يعني انه مرادف ل، ((غير)) أبدا, فكما أن غيرا لا تكون ظرفا, ولا يلتزم فيها النصب, فكذلك سوى.
стр. 2752
وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أن الأصح عدم ظرفية سوى لا نعلم له سلفا في ذلك إلا الزجاجي, فإن شيخنا الأستاذ أبا الحسن بن الضائع نقل عنه أنها أسماء غير ظروف كغير, قال: ((وإنما غلطه في ذلك أنها ليست أمكنة)). والمشهور بل المنقول أن سوى ظرف.
وإنما الخلاف فيه أهو متصرف أو غير متصرف, بمعنى انه يستعمل ظرفا وغير ظرف:
فذهب س والفراء وأكثر النحويين إلى انه لازم الظرفية.
وذهب بعضهم- ومنهم الرماني والعكبري- إلى انه ظرف متمكن, أي: يستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا.
فعلى المذهب الأول لا يجوز أن يفرغ العامل لها كغير ظرف غير متمكن.
وعلى المذهب الثاني يجوز, وحكاه شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع عن ابن عصفور, قال: ((وزعم ابن عصفور أن سوى ظرف متمكن, ورد على أبي
стр. 2753
عليٍّ الفارسي لأنه سوى بينها وبين الممدودة, وقد زعم س أن الممدودة غير متمكنة, فزعم ابن عصفور أن الأصل في الظروف التمكن, فلا يجوز أن يقال في شيء منها غير متمكن إلا بثبت, وقد اثبت س أن الممدودة غير متمكنة, ولم ينص في المقصورة على ذلك, فالأولى أن تحمل على الأصل)).
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن: ((وليت شعري! ما الفرق بين النص من س على أن المقصورة متمكنة والنص على ذلك من أبي علي؟ فإن كان النص من س محمولا على أنه عن العرب فكذلك يكون عن أبي علي.
فإن قال: س باشر العرب, فيحمل كلامه على النقل, وليس كذلك أبو علي.
قلت: هما مستويان في النفي؛ فإن س إذا نفى تمكن سواء الممدودة فنحمله على الاستقراء, أي: لم يسمعها من كلامهم إلا كذا ظرفا, وأي فرق بين س وأبي على في ذلك؟ فكلام العرب مروى موجود, فنقول: يمكن لكل متأخر أن يتتبعه ويستقريه. وأيضا فكلام أبي علي إذا أطلقه كذا فقال ليس بمتمكن إنما يحمل على ما قد ثبت عنده- ولا بد- إما من استقراء كلام العرب أو من النقل من كلام الأئمة.
ثم إذا كانت سوى في معنى سواء الممدودة فالقياس أن يكون حكمهما واحدا, فاللفظان المتفقان ينبغي- ولا بد- أن تكون أحكامهما متفقة, لاسيما والظرفية فيها ليست متمكنة)) انتهى كلام الأستاذ أبي الحسن شيخنا.
ولا ادري من أي موضع نقل هذا الاختيار عن ابن عصفور, والذي نص عليه ابن عصفور في غير ما تصنيف له موافقة الجمهور من أن سوى ظرف غير
стр. 2754
متمكن, قال ابن عصفور: ((ولم يتصرف سوى وسواء لأنهما بمعنى مكانك الذي يدخله معنى عوضك وبدلك؛ ألا ترى انك إذا قلت (مررت برجل سواك) فمعناه: مررت/ [٤: ٧٧/ أ] برجل مكانك, أي: عوضك وبدلك, ومكان إذا أريد به هذا المعنى لا يتصرف, فكذلك ما هو في معناه. وسبب ذلك أن مكانك بهذا المعنى ليس بمكان حقيقي؛ لان مكان الشيء حقيقة إنما هو موضعه ومستقره, فلما كانت الظرفية على طريقة المجاز لم يتصرفوا فيه كما يتصرفون في الظروف الحقيقية)).
وقال: سوى وسواء لا يرفعان, لا يقال: قام سوى زيد, ولا: قام سواء زيد, ولا ينتصبان على غير الظرفية إلا أن يجئ شيء من ذلك في ضرورة شعر.
وقال أيضا: ((سوى وسوى وسواء بمنزلة غير في المعنى, إلا أن يكون أبدا في موضع نصب على الظرف, فإذا قلت: قام القوم سواك وسواك وسواءك فكأنك قلت: القوم مكانك وبدلك.
ولا تستعمل بعد عامل مفرغ, فلا تقول: ما قام سواك, كما تقول: ما قام غيرك, وكذلك لا تقول ما ضربت سواك, ولا: ما مررت بسواك, كما تقول: ما ضربت غيرك, وما مررت بغيرك؛ لأنها لزمت الظرفية)).
وقال المصنف في الشرح ناصرا لمذهبه الذي اختاره: ((وتساويها أيضا في قبول تأثير العوامل المفرغة رافعة وناصبة وخافضة في نثر ونظم, كقول النبي ﵇: (دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسهم) , وقوله: (ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود, أو كالشعرة السوداء
стр. 2755
في جلد الثور الأبيض) , وكقول بعض العرب: أتاني سواؤك, نقله الفراء, ومن أمثلته: أتيت سواك, وكقول أبي داود:
وكل من ظن أن الموت مخطئه معلل بسواء الحق مكذوب
وكقول الآخر:
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة, إني إذا لصبور
وكقول الآخر:
لديك كفيل بالمنى لمؤمل وان سواك من يؤمله يشقى
وكقول الآخر:
وإذا تباع كريمة أو تشتري فسواك بائعها, وأنت المشتري
وكقول الآخر:
ذكرك الله عند ذكر سواه صارف عن فؤادك الغفلات
وكقول الآخر:
فلما صرح الشر فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
стр. 2756
وكقول الآخر:
وقال نساء: لو قتلت لساءنا سواكن ذو الشجو الذي أنا فاجع
وكقول الآخر:
فقلت لهم: بني ذبيان عودوا كما كانت أوائلكم تعود
على المولى بالا تخذلوه فإن أخا سوائكم الوحيد
وجعل س سوى ظرفا غير متصرف, فقال في باب ما يحتمل الشعر مما لا يحتمل في غيره: (وجعلوا مالا يجري في الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء, وذلك قول المرار العجلي:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا)
ثم قال: (فعلوا ذلك لان معنى سواء معنى غير).
قلت: قد صرح س بأن معنى/ [٤: ٧٧/ ب] سواء معنى غير, وذلك يستلزم انتفاء الظرفية كما هي منتفية عن غير؛ فإن الظرف في العرف ما ضمن معنى في من أسماء الزمان والمكان, وسوى ليس كذلك, فلا يصح كونه ظرفا, ولو سلم كونه ظرفا لم نسلم لزوم الظرفية للشواهد التي تقدم ذكرها نثرا ونظما.
فإن تعلق في ادعاء الظرفية بقول العرب: رأيت الذي سواك, فوصلوا الموصول بسواك كما وصلوه بـ (عندك) ونحوه من الظروف- فالجواب أن يقال: لا
стр. 2757
يلزم من معاملته معاملة الظرف كونه ظرفا؛ فإن جرف الجر يعامل معاملة الظرف, ولم يكن بذلك ظرفا, وان سمي ظرفا فمجاز. وان أطلق على سوى ظرف إطلاقا مجازيا لم يمتنع, وإنما يمتنع تسميته ظرفا بقصد الحقيقة, وان كان ذلك مع عدم التصرف فامتناعه أحق.
فإن قيل: فلم استجيز الوصل بـ ((سوى)) , ولم يستنجز بـ ((غير)) , وهما بمعنى واحد؟
فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أن هذا في النوادر كنصب غدوة بعد لدن, وكإضافة ذي إلى تسلم في قولهم: اذهب بذي تسلم.
والثاني: أن ((سوى)) لازمة الإضافة لفظا ومعنى, فشبه لـ ((عند)) و ((لدى)) في ذلك مع كثرة الاستعمال, فعومل في الوصل به معاملتهما, ولم تعامل ((غير)) هذه المعاملة لأنها قد تنفك عن الإضافة لفظا.
فإن قيل: فما موضع ((سوى)) من الإعراب بعد الموصول؟
قلت: يحتمل أن يكون موضعه رفعا على انه خبر مبتدأ مضمر, ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على انه حال, وقبله ((ثبت)) مضمرا, كما اضمر قبل أن في قولهم: لا افعل ذلك ما أن حراء مكانه. ويقوي هذا الوجه قول من قال: رأيت الذي سواءك. ونظيره أيضاً قولهم: كل شيء مهة ما النساء وذكرهن. ولنا أن نجعل سواءك بعد الموصول خبر مبتدأ مضمر على أن يكون مبنيا لإبهامه وإضافته إلى مبنى, كما فعل ذلك بـ ((غير)) في قوله:
стр. 2758
لذ بقيس حين يأبى غيره تلفه بحرا مفيضا خيره))
انتهى كلام المصنف في الشرح.
وإنما كثر الشواهد على زعمه لأنه ذهب مذهبا قل أن يتبع عليه؛ لان مستقري اللغة وعلم النحو لا يكاد احد منهم يذهب إلى مقالته, وهي عندهم منصوبة على الظرف, ولا حجة فيما كثر به من الشواهد؛ لأنها كلها جاءت في الشعر, وهو محل ضرورة, ولم يجئ شيء منه في الكلام.
وأما ما جاء في الحديث فقد تكلمنا معه في ذلك, وبينا أن النحاة لم يستدلوا بما ورد في الحديث على إثبات القواعد النحوية, وبينا العلة في ذلك.
وأما رواية الفراء ((أتاني سواؤك)) فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه, وناهيك أن س حكي أن سواءك لا يجري في الكلام إلا ظرفا, وانشد بيت المرار على انه ضرورة, وكذلك عجز بيت الأعشى, وصدره:
تجانف عن أهل اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا
[٤: ٧٨/ أ] / وأما كلامه في تخريج ((سوى)) إذا كانت وصلا للموصول فهو في غاية التكلف ومخالف لكلام الناس.
وذكر في البسيط أن الكوفيين ذهبوا إلى أنهما- يعني سوى وسواء-قد يكونان اسمين بمنزلة غير, واحتجوا بقوله:
ولم يبق سوى العدوا ن ....................................
وقوله:
стр. 2759
................ وما قصدت من أهلها لسوائكا
وقوله:
........................... معلل بسواء الحق مكذوب
وقالوا في الكلام: أتاني سواؤك, أي: غيرك. وقال البصريون: هذا من الشاذ.
وأما ((سواء)) من قوله ﴿فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ , وقولهم ((مررت برجل سواء والعدم)) , وسواء على أقمت أم قعدت, و ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ﴾، و:
....................... ............ في سواء القبر ملحود
وقوله ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ - فهما اسمان لا ظرفان اتفاقا.
وقال بعضهم: ((الفرق بين (سوى) و (غير) أن غيرا تضاف إلى المعرفة والنكرة, وسوى لا تضاف إلا إلى المعرفة)) انتهى.
وما ذكر هذا القائل من أن ((سوى)) لا تضاف إلا إلى المعرفة فقد تقدم إنشادنا:
................. سوى طلل ....................
و:
.............................. سوى ليلة ..................
وهما نكرتان.
стр. 2760
وقوله وقد تضم سينه، وقد تفتح فيمد المعنى أن سوى الواقعة في الاستثناء تضم سينه، فيقال: قام القوم سوى زيد، وقد تفتح فيمد، فيقال: قام القوم سواء زيد، وروى ضم السين والقصر الأخفش، وروى فتح السين والمد س، ولم يذكر فيما يستثنى به منهن إلا سوى المقصورة المكسورة السين، وظاهر كلام الأخفش أنه يستثنى بالثلاثة. وذكر ابن الخباز الموصلي في "شرح ألفية ابن معط" لغة رابعة، وهي كسر السين مع المد.
وقال ابن عصفور في الشرح الصغير: "الصحيح أن جميعها - يعني سوى وسوى وسواء- منتصب على الظرف، ولم يشرب منها معنى الاستثناء إلا سوى المكسورة السين، فإن استثنى بما عداها فبالقياس عليها" انتهى. ولذلك لم يمثل س إلا بـ "سوى" المكسورة السين، قال س في الاستثناء في باب لا يكون وليس: "وأما أتاني القوم سواك فزعم الخليل ﵀ أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، إلا أن في سواك معنى الاستثناء".
وقال غير س: سوى وسوى لا يحكم على موضعهما إلا بالنصب؛ لأنهما ظرفان بمنزلة بدلك وموضعك، ومتى مددت ظهر الإعراب، إلا أنه لا يكون إلا نصبًا، نحو: قام القوم سواءك، وما مررت بأحد سواءك، ولا يجر إلا في الشعر.
وزعم عبد الدائم بن مرزوق القيرواني أن سواء مبنية على الفتح. وكأنه لما رأى قولهم: قام القوم سواءك، وما مررت بأحد سواءك، يلتزم في همزة سواء الفتح، ولم تتغير تغير غير بوجوه الإعراب، وهي في هذه المواضع بمعنى غير - ادعى أنها مبنية.
стр. 2761
و"سواء" المعربة إنما هي بمعنى مستو، نحو قوله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾، أو بمعنى وسط، نحو قوله تعالى ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ﴾، أو بمعنى حذاء، نحو قولهم: زيد سواء عمرو، أي: حذاء عمرو.
ولما ذكره عبد الدائم وجه من القياس، وهو أن /سواء بنيت لتضمنها معنى الحرف - وهو إلا- مع قلة تصرفها؛ ألا ترى أنها لا يبتدأ بها، ولا تكون مفعولًا صريحًا، ولا تجر إلا في الشعر ضرورة، بخلاف غير، فإنها يكون فيها ذلك. ويلزم عبد الدائم أن يقول ذلك في سوى وسوى، أو يبدي فرقًا بين هذين وسواء.
والصحيح أن الفتحة في سواء هي فتحة إعراب، وهي ظرف ملتزم فيها الظرفية إلا في الشعر.
-[ص: وقد يقال: "ليس إلا"، و"ليس غير"، و"غير" إذا فهم المعنى، وقد ينون، وقد يقال: "ليس غيره"، و"ليس غيره"، و"لم يكن غيره" و"غيره" وفاقًا للأخفش.]-
ش: يجوز حذف ما بعد "إلا" وبع "غير"، وذلك بعد ليس خاصة، تقول: جاءني زيد ليس إلا، وليس غير، أي: ليس الجائي إلا هو، أو غيره.
وتقول: قبضت عشرة ليس إلا، وليس غير وغير، فالأول على تقدير: ليس غير ذلك مقبوضًا، والثاني على تقدير: ليس المقبوض غير ذلك.
وليس قولهم "جاءني زيد ليس إلا، وليس غير" استثناء من الأول؛ لأنه يكون تابعًا لما ليس متبعضًا كالشخص، ولأن ما بعد ليس هو الأول كيف كان.
стр. 2762
وقدر س في "ليس غير" الخبر محذوفًا، و"غير" هو الاسم، أي: ليس غير ذلك جاءني.
وجوز الأخفش أن يكون المحذوف الاسم، فيكون "غير" الخبر، لكنه مبني، كذا نقل في "البسيط".
وذكر ابن خروف أن قول س "ليس غير" في "باب مجاري أواخر الكلم من العربية" روي بفتح الراء وضمها، والأخفش يجعلها معربة في الحالين، ونزع التنوين للإضافة، والمضاف إليه ثابت في التقدير.
وكذا قال في "الإفصاح"، قال: قال أبو الحسن: ليس غير: غير اسم ليس، وحذفوا التنوين لاعتقاد الإضافة، والخبر محذوف للاختصار، والمعنى: ليس غير ذلك موجودًا. وروي فيه "ليس غير" بالنصب، قال: وهو خبر ليس على ذلك التقدير. وذكر أن بعض العرب ينون غيرًا مرفوعةً ومنصوبةً لأنه في اللفظ غير مضاف.
وذهب الجرمي والمبرد وأكثر المتأخرين إلى أن قولك "ليس غير" الضمة فيه حركة بناء، وحكاه صاحب البسيط عن س. وكان البناء على الضم للقطع عن الإضافة، وتكون مبنية سواء أكانت اسم ليس أم خبرها تشبيهًا بقبل وبعد في الإبهام والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه. وإن شئت قلت: ضمنت معنى إلا؛ لأن العرب تقول في هذا الموضع: ليس إلا.
стр. 2763
ويستدل للإعراب بتنوينها؛ لأنه إما أن يكون للصرف أو للعوض من المضاف إليه، وأيا ما كان لزم كون ما فيه معربًا؛ لأن تنوين الصرف لا يلحق مبنيًا، وتنوين العوض يبقى ما دخله على حاله السابق من إعراب، نحو كل وبعض، أو من بناء، نحو حينئذ.
وتجوز إضافة غير، فيرفع أو ينصب، فيقال: ليس غيره، فتقول في تقدير الرفع: ليس الجائي غيره، وفي تقدير النصب: ليس الجائي غيره. وهذا التقدير يصح في "ليس إلا"، أي: ليس الأمر إلا ذاك، أو ليس الأمر إلا ذاك، فتحذف الاسم أو الخبر، وتقدره على ما يليق بالمعنى، والأجود التصريح مع "غير" بالمضاف إليه، فقولك قبضت عشرة ليس غيرها، أو ليس غيرها، أجود من ليس غير أو غير.
واختلف / [٤: ٧٩/ أ] في الحذف، هل يجوز مع "لم يكن":
فأجاز ذلك الأخفش، فأجاز أن تقول: لم يكن غيره أو غيره، فتحذف الاسم أو الخبر مع "غيره" مضافة كحذفهما مع ليس. ووافقه على ذلك المصنف.
وزعم السيرافي أن هذا الحذف لا يجوز مع "لم يكن"؛ لأن حذف الاسم أو الخبر في "ليس" القياس فيه ألا يجوز؛ لأنها من باب كان، والأصل في كان وأخواتها ألا يجوز فيها حذف الاسم ولا حذف الخبر لعلة ذكرت في باب كان، فلا ينبغي أن يقاس على ما شذ من ذلك في ولهم: ليس إلا، وليس غير.
ص: والمذكور بعد "لاسيما" منبه على أولويته بالحكم لا مستثنى، فإن جر فبالإضافة، و"ما" زائدة، وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و"ما" بمعنى الذي. وقد توصل بظرف أو جملة فعلية، وقد يقال "لاسيما" بالتخفيف، ولا سواء ما.
стр. 2764
ش: أدوات الاستثناء المتفق عليها والمختلف فيها: إلا، وغير، وسوى، وعدا، وخلا، وحاشا، وليس، ولا يكون، وسوى بضم السين، وسواء بالمد وفتح السين وكسرها، وما النافية، وبيد، وإلا أن يكون، وتقدم الكلام على هذه. ولاسيما، وبله، ولما، وفي كلام بعض الفقهاء الحنفيين ما يدل على أن "دون" من أدوات الاستثناء، ونحن نتكلم على هذه الأربعة، فنقول:
أما "لاسيما" فعدها الكوفيون وجماعة من البصريين كالزجاج وأبي علي والنحاس، ومن أصحابنا أبو جعفر بن مضاء صاحب كتاب "المشرق" وغيره من أدوات الاستثناء.
ووجه ذكرها في أدوات الاستثناء أنك إذا قلت قام القوم لاسيما زيد فقد خالفهم زيد في أنه أولى بالقيام منهم، فهو مخالفهم في الحكم الذي ثبت لهم بطريق الأولوية.
والصحيح أن "لاسيما" لا تعد من أدوات الاستثناء لأنه مشارك لهم في القيام، وليس تأكيد القيام في حقه يخرجه عن أن يكون قائما، ولذلك لم يذكرها س إلا في باب النفي، ودخول الواو عليها يمنع أن تكون من أدوات الاستثناء. ويدل على بطلان كونها أداة استثناء عدم صلاحية "إلا" مكانها، بخلاف سائر الأدوات، فإنه تصلح إلا مكانها، وهذا واضح من دلالتها.
وقال ابن هشام: لما كان ما بعدها بعضًا مما قبلها وخارجًا عنه بمعنى الزيادة كان استثناء من الأول؛ لأنه خرج عنه بوجه لم يكن له، وأقرب ما يشبه به قول النابغة:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد، فما يبقي من المال باقيا
стр. 2765
لأن كونه جوادا خير، لكن زاد في هذا الخير على خيره بما هو خير.
وقوله فغن جر فبالإضافة، و"ما" زائدة يعني: إذا قلت "لاسيما زيد" فمعناه: لا مثل زيد، وزيادة "ما" بين المضاف والمضاف غليه مسموعة من كلام العرب، وإن لم تطرد زيادتها بين كل مضاف ومضاف إليه، وهي في هذا المكان من المسموع عن العرب. ويجوز حذف ما، فتقول: / [٤: ٧٩/ ب] ولا سي زيد، نص عليه س.
وقال ابن هشام في "شرح الإيضاح" عن س: إنه زعم أن ما زائدة لازمة لا تحذف. كأنه وقف على أول كلام س فيها، ولم يطالع آخره، فإن س زعم أن ما يجوز حذفها، قال س: "وإن حذفت ما ومن فعربي جيد". يريد "ما" من لاسيما زيد، و"من" من كائن.
وزعم الأستاذ أبو علي أن الخفض ضعيف لزيادة ما، قال: "لأنه ليس من مواضع زيادتها".
وما ذهب إليه ليس بجيد؛ لأن هذا مما علم زيادة "ما" فيه بالسماع فصيحًا، فكما نقول تطرد زيادة ما بعد إذا كذلك نقول تطرد زيادة ما في لاسيما زيد. و"لا" عاملة النصب في سي، وخبرها محذوف لفهم المعنى، والتقدير: لا مثل قيام زيد قيام لهم. وإنما قدرنا الخبر نكرة لان "لا" لا تعمل في المعارف، وإنما عملت في سي زيد لأن سيا بمعنى مثل، فهي لا تتعرف بما تضاف إليه.
وزعم أبو علي في "الهيتيات" أن قولك قام القوم لاسيما زيد ليست "لا" عاملة النصب في سي، بل سي منصوب على الحال من الجملة السابقة، ولم
стр. 2766
تتكرر "لا" وإن كان قياسها أن تتكرر، وذلك كما تقول: جاء زيد لا ضاحكًا ولا باكيًا، وكأنه قال: قام القوم غير مماثلين زيدا في القيام.
وما ذهب إليه فاسد لجواز دخول الواو على لا، فتقول: قام القوم ولاسيما زيد، ولو كان منصوبا على الحال لم يجز دخول الواو عليه، كما لا يجوز: جاء زيد ولا ضاحكا ولا باكيا.
ومن غريب القول ما حكاه صاحب "البديع"، وهو أن من النحويين من زعم أن "لا" في "لاسيما" زائدة.
وقوله وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و"ما" بمعنى الذي مثال ذلك: لاسيما زيد، فـ "ما" مخفوضة بالإضافة، وزيد خبر مبتدأ محذوف، تقديره: لا سي الذي هو زيد، ونظيره قول العرب: دع ما زيد، أي: دع الشخص الذي هو زيد.
وهذا الوجه فيه ضعف من جهتين:
إحداهما: حذف صدر الصلة من غير طول، وليس الموصول أيا، والتزام حذفه دائما، فلا يحفظ م كلامهم: لاسيما هو زيد.
والثانية: إطلاق "ما" على آحاد من يعقل، والمشهور أن ذلك لا يجوز، وخبر "لا" محذوف، كما كان حين كان "زيد" مخفوضًا. هذا هو المشهور في إعراب "ما" إذا ارتفع ما بعد: لاسيما.
وزعم الأخفش أن سي ليس مضافًا لـ "ما"، بل "ما" موصولة بمعنى الذي في موضع رفع، و"لا" مع "سي" كهي في قولك: لا رجل، و"ما" هو خبر"لا"، فكأنه قال: لا مثل الشخص الذي هو زيد.
стр. 2767
وهذا فاسد لأن فيه عمل "لا" في خبرها، وهو معرفة، و"لا" لا تعمل في المعارف.
وأجاز ابن خروف إذا ارتفع ما بعد لاسيما أن تكون "ما" نكرة موصوفة، وزيد: خبر مبتدأ محذوف، في موضع الصفة.
ولم يذكر المصنف في إعراب ما بعد لاسيما إلا الخفض، وبدأبه لأنه أقيس وأقل تكلفا، والرفع، وكلاهما جائز في المعرفة والنكرة.
ولم يذكر س غير الخفض والرفع.
وأهمل المصنف وجها آخر ذكروا أنه جائز في النكرة، / [٤: ٨٠/ أ] وهو النصب، وقد ضبط بيت امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح ولاسيما يوم بدارة جلجل
بالرفع والنصب والجر، والنصب في النكرة على التمييز، وفي إعراب "ما" وجهان:
أحدهما: أن تكون في موضع خفض بالإضافة، نكرة تامة، كأنه قال: ولا مثل شيء، ثم ميز وفسر بالنكرة المنصوبة، وهذا الإعراب الذي تلقفناه من أفواه الشيوخ.
وقال الفارسي في تذكرته: "رووا في "ولاسيما يوم" الوجوه الثلاثة، النصب عندي ليس بالسهل، ووجهه أن تجعل ما بمنزلة شيء، وتنصب يوما عن تمام الاسم بالإضافة، مثل: أفضل الناس رجلا. ولا يجوز أن تجعل ما بمنزلة الذي، وتنصب اليوم على الظرف، فتقول: لا مثل الذي يوما بدارة جلجل، وتجعله صلة الذي" انتهى.
стр. 2768
وفي البسيط: وذكر بعضهم أنه يجوز النصب في الاسم تمييزا، وتكون "ما" نكرة غير موصوفة، كأنك قلت: لا مثل شيء رجلا. وفيه ضعف؛ لأن مثل يضاف إلى معرفة ليتخصص، فيقال: لي مثله رجلا، وقد روي قول امرئ القيس:
.......................... ولاسيما يوم بدارة جلجل
بالثلاثة الأوجه.
وقال أبو القاسم بن القاسم: هو ظرف صلة لـ "ما"، أراد: ولا مثل الذي اتفق يوما، فحذف للعلم.
قال ابن هشام: وبهذا قال أكثر من رأيت، ومن كلامهم: قد عرفت الذي أمس، أي: الذي وقع واتفق. وحكي س في (باب ما حذف من المستثنى): هذا الذي أمس، قال: "يريد الذي فعل أمس". ومجيء الظرف صلة كثير إلا أن فيه قلقا؛ لأن اليوم لا يقع في اليوم، لكنه يتصور أن يريد: ألا رب وصل يوم، أو لذاذة يوم، فيتصور ذلك.
والوجه الثاني: أن تكون "ما" لا موضع لها من الإعراب، وتكون حرفا كافا لـ "سي" عن الإضافة إلى ما بعدها، فأشبهت الإضافة في قولهم "على التمرة مثلها زبدا" من جهة منعه الإضافة إلى ما بعدها، وهذا توجيه الفارسي.
وحكي عن الأستاذ أبي علي أنه كان يستحسنه. وقال المصنف في الشرح: "ولا بأس به في كل ما وقع بعد لاسيما من صالح للتمييز" انتهى. وجوزه أيضًا شيخنا أبو الحسن بن الضائع، قال: "ويجوز أن ينتصب يوما على
стр. 2769
الظرف، كأنه أراد: ولا مثل ما كان لك في يوم بدارة جلجل، هذا تفسير المعنى، وتكون ما كافة".
وقوله وقد توصل بظرف مثاله: يعجبني الاعتكاف ولاسيما عند الكعبة، أو: لاسيما إذا قرب الصبح، وقال الشاعر:
يسر الكريم الحمد لاسيما لدى شهادة من في خيره يتقلب
وجوز المصنف في الشرح في قول امرئ القيس:
........................ ولاسيما يوما بدارة جلجل
أن يكون "يوما" ظرفًا صلة لـ"ما"، و"بدارة جلجل" /صفة لقوله "يوما"، أو متعلقا به لما فيه من معنى الاستقرار.
وهذا الذي جوزه فيه بعد لأن "ما" إذ ذاك موصولة بمعنى الذي، ويعني بها اليوم، كأنه قال: ولا مثل اليوم يوما بدارة جلجل، أي: ولا مثل اليوم الذي في يوم بدارة جلجل.
وقد جوزه أيضًا شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع، فقدره: ولا مثل اليوم الذي ثبت لك في وقت بدارة جلجل. وجوز أيضًا أن يكون التقدير: ولا مثل الصلاح والحسن الذي في يوم بدارة جلجل، لما قال "ألا رب يوم لك منهن صالح" استدرك.
وقوله أو جملة فعلية مثاله: يعجبني كلامك لاسيما تعظ به، وقال الشاعر:
فق الناس في الخير لاسيما ينيلك من ذي الجلال الرضا
стр. 2770
وقوله وقد يقال لاسيما بالتخفيف زعم ابن عصفور أنه لا يجوز تخفيف الياء من لاسيما؛ لأن ذلك لم يحفظ من كلام فصيح، ولا يقتضيه القياس؛ لأن تخفيفها يؤدي إلى إبقاء الإسم المعرب على حرفين، وثانيهما حرف علة، وذلك غير محفوظ في حال إفراد ولا في حال إضافة إلا ما جاء من قولهم فوك وذو مال، وهما خارجان عن القياس.
وما منعه الأستاذ أبو الحسن بن عصفور قد حكاه الأخفش في «الأوسط»، قال فيه: «ومن العرب من يخفف لاسيما». وحكا أيضاً أبو جعفر النحاس، وأبو الفتح بن جني، وأبو عبد الله بن الأعرابي في نواره، قال: «يقال: ولاسيما، وقد تخفف، ويرفع بها ويخفض، من جعل سيما حرفاً واحداً رفع ما بعده، ومن جعل ما حشواً خفض به» انتهى كلامه. ونسبة الرفع إليها والخفض على طريق المجاز، ولا يعني أن لاسيما ترفع وتخفض حقيقة، إلا أنه لما كان الرفع في الاسم بعدها والخفض نسب ذلك إليها. وقال الشاعر في تخفيف الياء في لاسيما:
ف بالعقود وبالأيمان لاسيما عقد وفاء به من أعظم القرب
وإذا خففت الياء في لاسيما فما المحذوف؟ أعين الكلمة أم لامها؟ وذلك أن سيا عينها واو، ولامها ياء، فهي من باب طويت، وأصلها سوي؛ لأنها من سويت، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها على حد ميزان، أو لوقوع الياء بعدها، أو لهما جميعاً، وأدغمت في الياء، فقيل سي.
فذهب ابن جني إلى أن المحذوف هو لام الكلمة، وانفتحت الياء بإلقاء حركة اللام عليها، قال: فكان ينبغي أن ترجع واواً لأنها عين، وتصح كما صحت في عوض وحول، وأن يقال: لا سوما زيد، لكنها أقرت على قلبها دلالة على أن المراد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت قلت لأنها الآن قد وقعت طرفاً، فضعفت.
следующие страницы →