Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
تتكرر "لا" وإن كان قياسها أن تتكرر، وذلك كما تقول: جاء زيد لا ضاحكًا ولا باكيًا، وكأنه قال: قام القوم غير مماثلين زيدا في القيام.
وما ذهب إليه فاسد لجواز دخول الواو على لا، فتقول: قام القوم ولاسيما زيد، ولو كان منصوبا على الحال لم يجز دخول الواو عليه، كما لا يجوز: جاء زيد ولا ضاحكا ولا باكيا.
ومن غريب القول ما حكاه صاحب "البديع"، وهو أن من النحويين من زعم أن "لا" في "لاسيما" زائدة.
وقوله وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و"ما" بمعنى الذي مثال ذلك: لاسيما زيد، فـ "ما" مخفوضة بالإضافة، وزيد خبر مبتدأ محذوف، تقديره: لا سي الذي هو زيد، ونظيره قول العرب: دع ما زيد، أي: دع الشخص الذي هو زيد.
وهذا الوجه فيه ضعف من جهتين:
إحداهما: حذف صدر الصلة من غير طول، وليس الموصول أيا، والتزام حذفه دائما، فلا يحفظ م كلامهم: لاسيما هو زيد.
والثانية: إطلاق "ما" على آحاد من يعقل، والمشهور أن ذلك لا يجوز، وخبر "لا" محذوف، كما كان حين كان "زيد" مخفوضًا. هذا هو المشهور في إعراب "ما" إذا ارتفع ما بعد: لاسيما.
وزعم الأخفش أن سي ليس مضافًا لـ "ما"، بل "ما" موصولة بمعنى الذي في موضع رفع، و"لا" مع "سي" كهي في قولك: لا رجل، و"ما" هو خبر"لا"، فكأنه قال: لا مثل الشخص الذي هو زيد.
стр. 2767
وهذا فاسد لأن فيه عمل "لا" في خبرها، وهو معرفة، و"لا" لا تعمل في المعارف.
وأجاز ابن خروف إذا ارتفع ما بعد لاسيما أن تكون "ما" نكرة موصوفة، وزيد: خبر مبتدأ محذوف، في موضع الصفة.
ولم يذكر المصنف في إعراب ما بعد لاسيما إلا الخفض، وبدأبه لأنه أقيس وأقل تكلفا، والرفع، وكلاهما جائز في المعرفة والنكرة.
ولم يذكر س غير الخفض والرفع.
وأهمل المصنف وجها آخر ذكروا أنه جائز في النكرة، / [٤: ٨٠/ أ] وهو النصب، وقد ضبط بيت امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح ولاسيما يوم بدارة جلجل
بالرفع والنصب والجر، والنصب في النكرة على التمييز، وفي إعراب "ما" وجهان:
أحدهما: أن تكون في موضع خفض بالإضافة، نكرة تامة، كأنه قال: ولا مثل شيء، ثم ميز وفسر بالنكرة المنصوبة، وهذا الإعراب الذي تلقفناه من أفواه الشيوخ.
وقال الفارسي في تذكرته: "رووا في "ولاسيما يوم" الوجوه الثلاثة، النصب عندي ليس بالسهل، ووجهه أن تجعل ما بمنزلة شيء، وتنصب يوما عن تمام الاسم بالإضافة، مثل: أفضل الناس رجلا. ولا يجوز أن تجعل ما بمنزلة الذي، وتنصب اليوم على الظرف، فتقول: لا مثل الذي يوما بدارة جلجل، وتجعله صلة الذي" انتهى.
стр. 2768
وفي البسيط: وذكر بعضهم أنه يجوز النصب في الاسم تمييزا، وتكون "ما" نكرة غير موصوفة، كأنك قلت: لا مثل شيء رجلا. وفيه ضعف؛ لأن مثل يضاف إلى معرفة ليتخصص، فيقال: لي مثله رجلا، وقد روي قول امرئ القيس:
.......................... ولاسيما يوم بدارة جلجل
بالثلاثة الأوجه.
وقال أبو القاسم بن القاسم: هو ظرف صلة لـ "ما"، أراد: ولا مثل الذي اتفق يوما، فحذف للعلم.
قال ابن هشام: وبهذا قال أكثر من رأيت، ومن كلامهم: قد عرفت الذي أمس، أي: الذي وقع واتفق. وحكي س في (باب ما حذف من المستثنى): هذا الذي أمس، قال: "يريد الذي فعل أمس". ومجيء الظرف صلة كثير إلا أن فيه قلقا؛ لأن اليوم لا يقع في اليوم، لكنه يتصور أن يريد: ألا رب وصل يوم، أو لذاذة يوم، فيتصور ذلك.
والوجه الثاني: أن تكون "ما" لا موضع لها من الإعراب، وتكون حرفا كافا لـ "سي" عن الإضافة إلى ما بعدها، فأشبهت الإضافة في قولهم "على التمرة مثلها زبدا" من جهة منعه الإضافة إلى ما بعدها، وهذا توجيه الفارسي.
وحكي عن الأستاذ أبي علي أنه كان يستحسنه. وقال المصنف في الشرح: "ولا بأس به في كل ما وقع بعد لاسيما من صالح للتمييز" انتهى. وجوزه أيضًا شيخنا أبو الحسن بن الضائع، قال: "ويجوز أن ينتصب يوما على
стр. 2769
الظرف، كأنه أراد: ولا مثل ما كان لك في يوم بدارة جلجل، هذا تفسير المعنى، وتكون ما كافة".
وقوله وقد توصل بظرف مثاله: يعجبني الاعتكاف ولاسيما عند الكعبة، أو: لاسيما إذا قرب الصبح، وقال الشاعر:
يسر الكريم الحمد لاسيما لدى شهادة من في خيره يتقلب
وجوز المصنف في الشرح في قول امرئ القيس:
........................ ولاسيما يوما بدارة جلجل
أن يكون "يوما" ظرفًا صلة لـ"ما"، و"بدارة جلجل" /صفة لقوله "يوما"، أو متعلقا به لما فيه من معنى الاستقرار.
وهذا الذي جوزه فيه بعد لأن "ما" إذ ذاك موصولة بمعنى الذي، ويعني بها اليوم، كأنه قال: ولا مثل اليوم يوما بدارة جلجل، أي: ولا مثل اليوم الذي في يوم بدارة جلجل.
وقد جوزه أيضًا شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع، فقدره: ولا مثل اليوم الذي ثبت لك في وقت بدارة جلجل. وجوز أيضًا أن يكون التقدير: ولا مثل الصلاح والحسن الذي في يوم بدارة جلجل، لما قال "ألا رب يوم لك منهن صالح" استدرك.
وقوله أو جملة فعلية مثاله: يعجبني كلامك لاسيما تعظ به، وقال الشاعر:
فق الناس في الخير لاسيما ينيلك من ذي الجلال الرضا
стр. 2770
وقوله وقد يقال لاسيما بالتخفيف زعم ابن عصفور أنه لا يجوز تخفيف الياء من لاسيما؛ لأن ذلك لم يحفظ من كلام فصيح، ولا يقتضيه القياس؛ لأن تخفيفها يؤدي إلى إبقاء الإسم المعرب على حرفين، وثانيهما حرف علة، وذلك غير محفوظ في حال إفراد ولا في حال إضافة إلا ما جاء من قولهم فوك وذو مال، وهما خارجان عن القياس.
وما منعه الأستاذ أبو الحسن بن عصفور قد حكاه الأخفش في «الأوسط»، قال فيه: «ومن العرب من يخفف لاسيما». وحكا أيضاً أبو جعفر النحاس، وأبو الفتح بن جني، وأبو عبد الله بن الأعرابي في نواره، قال: «يقال: ولاسيما، وقد تخفف، ويرفع بها ويخفض، من جعل سيما حرفاً واحداً رفع ما بعده، ومن جعل ما حشواً خفض به» انتهى كلامه. ونسبة الرفع إليها والخفض على طريق المجاز، ولا يعني أن لاسيما ترفع وتخفض حقيقة، إلا أنه لما كان الرفع في الاسم بعدها والخفض نسب ذلك إليها. وقال الشاعر في تخفيف الياء في لاسيما:
ف بالعقود وبالأيمان لاسيما عقد وفاء به من أعظم القرب
وإذا خففت الياء في لاسيما فما المحذوف؟ أعين الكلمة أم لامها؟ وذلك أن سيا عينها واو، ولامها ياء، فهي من باب طويت، وأصلها سوي؛ لأنها من سويت، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها على حد ميزان، أو لوقوع الياء بعدها، أو لهما جميعاً، وأدغمت في الياء، فقيل سي.
فذهب ابن جني إلى أن المحذوف هو لام الكلمة، وانفتحت الياء بإلقاء حركة اللام عليها، قال: فكان ينبغي أن ترجع واواً لأنها عين، وتصح كما صحت في عوض وحول، وأن يقال: لا سوما زيد، لكنها أقرت على قلبها دلالة على أن المراد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت قلت لأنها الآن قد وقعت طرفاً، فضعفت.
стр. 2771
قال ابن يسعون: «وإنما آثر القول بحذف اللام لأنها أولى بذلك» انتهى. وأولويتها بذلك لأن حذف/ اللام أكثر من حذف العين [٤: ٨١/أ]
والأحسن عندي الوقوف فيها مع الظاهر وأن يكون المحذوف العين وإن كان أقل من حذف اللام.
وقد أبدلت العرب سين سيما تاء، فقالوا: لا تيما، كما قالوا في الناس: النات، وفي الأكياس: الأكيات، وقال بعضهم ﴿قل أعوذ برب النات. ملك النات. إله النات﴾.
وأبدلت أيضاً «لا» بـ «نا»، فقالوا: نا سيما، أي: لاسيما، كما قالوا: قام زيد نا بل عمرو، ويريدون: لا بل عمرو.
وقوله ولا سواء ما أي: يقال: ولا سواء ما، فتقول: قام القوم لا سواء ما زيد. وإطلاقه يدل على جواز الرفع والجر بعد: لا سواء ما، كما جاز ذلك بعد: لا سيما.
وحكي ابن الأعرابي في نوادره وأبو الحسن الهنائي في «المجرد» أن العرب تقول: «لا مثل ما» بمعنى: لاسيما، وأنهما بمعنى واحد. ونص ابن الأعرابي على أن ما بعد «لا مثل» يرفع ويخفض كما بعد: لاسيما.
وقال الهنائي: «لا تر ما، ولاسيما، ولا مثل ما، يمعنى واحد». وذكر ابن الأعرابي «ولو تر ما» بمعنى: لاسيما، إلا أنه قال: «لا يكون فيها إلا الرفع»، يعني أن الاسم الذي بعد «تر ما» لا يكون فيه إلا الرفع. وذكر أن الأحمر ذكر «ولو تر
стр. 2772
ما». وإنما لم يكن بعد «تر ما» إلا الرفع لأن «تر» فعل، فلا يمكن أن تكون «ما» بعدها زائدة، وينجر ما بعدها بالإضافة؛ لأن الفعل لا يضاف فينجر ما بعده بالإضافة، فـ «ما» موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بـ «تر»، وزيد: خبر مبتدأ محذوف.
و «تر» إن كان قبلها لا فتحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون مجزومة بـ «لا»، فتكون لا للنهي، والتقدير: لا تر أيها المخاطب الذي هو زيد، فإذا قلت «قام القوم لا تر ما زيد» فالمعنى: لا تبصر الشخص الذي هو زيد، فإنه في القيام أولى به منهم.
والوجه الثاني: أن تكون «تر» غير مجزومة، وتكون «لا» حرف نفي، وحذفت ألف «تر» على جهة الشذوذ، كما حذفت ياء أدري وأبالي في قولهم: لا أدر، ولا أبال، وهما منفيان، ولهذا قالوا حين أدخلوا الجازم على أبال: لم أبل، بجزم اللام.
وإن كان قبل «تر» «لو» فخذف ألف ترى أيضاً هو على وجه الشذوذ كما ذكرنا حين قدرنا «لا» نافية، وتكون لو حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، وجواب لو محذوف، والتقدير: ولو تبصر الذي هو زيد لرأيته أولى منهم بالقيام؛ إذ القيام بالنسبة إليه أولى منه بالنسبة إليهم.
ونظير ذلك قولك: لقد جاد الناس ولو رأيت زيداً، ولقد قائل العبسيون ولو رايتا عنترة، فجواب لو محذوف، والتقدير: ولو رأيت زيداً لرأيت الجود العظيم، ولو رأيت عنترة لرأيت القتال البليغ، فمعنى هذا الكلام أن زيداً وعنترة هما أولى بالفعل ممن أسند إليهم.
стр. 2773
فإن قلت: كيف أدت هذه الجملة الفعلية المركبة من «لا تر ما زيد» أو من «لو تر ما زيد» معنى لاسيما زيد، ولاسيما جملة اسمية؟
فالجواب: أن الشيء قد يشارك الشيء في تأدية المعنى وإن كانا مختلفي الحد؛ ألا/ [٤: ٨١/ب] ترى أن خلا وعدا وحاشا إذا انتصب ما بعدها، وليس ولا يكون- قد أدت معنى «إلا» في الاستثناء وإن كانت قد خالفت «إلا» في الحد، فكما جاز الاستثناء بهذه وتأديتها معنى إلا كذلك جاز أن يدل قولهم «ولو تر ما» «ولا تر ما» على معنى «لاسيما» في دخول ما بعدها في الحكم الذي قبلها على طريق الأولوية. ولم أر لأحد من النحويين كلاماً على «لا تر ما» ولا «لو تر ما»، وإنما خرجنا ذلك على قواعد ما اقتضته صناعة العربية.
ومن أحكام «لاسيما» أنه قد تجئ بعدها الجملة الشرطية، نحو قولك: السؤال يشفي من الجهل لاسيما إن سألت خبيراً، وقال الشاعر:
أرى النيك يحلو الهم والغم والعمى ولاسيما إن نكت بالمدسر الضخم
وحكي الأخفش أنهم يقولون: إن فلاناً كريم ولاسيما إن أتيته قاعداً، «ما» نائبة عن المضاف، تقديره: ولا مثله قاعداً. قال في البسيط: «يكون- يعني قاعداً- على هذا منصوباً على التمييز بعد «ما»؛ لأنها في المعنى ضمير، وكأن المستثنى محذوف، كأنه قال: في جميع حالاته إلا في هذا الحال فهو أكرم ما يكون» انتهى. وفي هذا التخريج نظر.
стр. 2774
ومن أحكامها أنه لا تجئ بعدها الجملة بالواو، نحو ما يوجد في كلام كثير من العلماء المصنفين من قولهم: لاسيما والأمر كذلك، أو: لاسيما والحالة هذه، وما أشبه هذا التركيب. ولا حذف «لا» من لاسيما، وقد أولع بذلك كثير من المصنفين أيضاً، لأن حذف الحرف خارج عن القياس، فلا ينبغي أن يقال بشيء منه إلا حيث سمع، وسبب ذلك أنهم يقولون إن حروف المعاني إنما وضعت بدلاً من الأفعال طلباً للاختصار، ولذلك أصل وضعها أن تكون على حرف واحد، أو على حرفين، وما وضع مؤدياً معنى الفعل واختصر في حروف وضعه لا يناسبه الحذف، ولم يسمع حذف لا من قولهم لاسيما في كلام من يحتج به، فلا يجوز حذفها، وإنما سمع ذلك في أشعار المولدين، نحو قول الحسين بن الضحاك الخليع:
كل مشتاق إليه فمن السوء فداه
سيما من حالت الأحـ ـراس من دون مناه
يريد: لاسيما.
وأما «بلة» فمذهب جمهور البصريين أنه لا يجوز فيما بعدها إلا الخفض، وأجاز الكوفيون والبغداديون فيه النصب على الاستثناء، نحو: أكرمت العبيد بله الأحرار. وإنما جعلوه استثناء لأنهم رأوا ما بعدها خارجاً عما قبلها في الوصف من حيث كان مرتباً عليه؛ لأن معنى أكرمت العبيد بل الأحرار أن إكرامك للأحرار يزيد على العبيد.
والصحيح أنها ليست من أدوات الاستثناء؛ بدليل انتفاء وقوع «إلا» مكانها، وأن ما بعدها لا يكون/ [٤: ٨٢/أ] إلا من جنس ما قبلها، وبجواز دخول حرف
стр. 2775
العطف عليها ولم يتقدمها استثناء، قال شيخنا ابن الضائع: «ومما يضعف إدخال بله ولاسيما في أدوات الاستثناء أنهم لم يأتوا بـ «حتى» في الاستثناء؛ ألا ترى أن قولهم قام القوم حتى زيد قد أخرج زيداً عن القوم لصفة اختص بها في القيام لم تثبت لهم، فلو كان هذا المعنى حقيقة في الاستثناء للزم- ولابد- ذكر حتى في أدوات الاستثناء» انتهى.
وما ذهب إليه الجمهور من البصريين من أنه لا يجوز فيما بعدها النصب ليس بصحيح، بل النصب بها محفوظ من لسان العرب، قال الشاعر:
تمشي القطوف إذا غنى الحداة بها مشي الجواد، فبله الجلة النجبا
وأنشد أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي في كتاب «شجر الدر» لجرير في النصب بـ «بله» يهجو الفرزدق:
وهل كنت يا بن القين في الدهر مالكا لغير بعير، بله مهرية نجبا
وقال آخر:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف، كأنها لم تخلق
روي بخفض الأكف.
стр. 2776
وقد روي الرفع بعد بله على معنى كيف، فيرفع، ذكره قطر ب، وأنكره أبو علي. وفي نختصر العين: بله بمعنى كيف، وبمعنى دع.
فأما الجر بعدها- وهو المجمع على سماعه من لسان العرب- فذهب بعض الكوفيين إلى أنها ذاك اسم بمعنى غير، فينجر ما بعدها بالإضافة، فمعنى قوله «بله الأكف»: غير الأكف، فيكون هذا استثناء منقطعاً.
وذهب الفارسي إلى أنها مصدر لم ينطق له بفعل، وهو مضاف لما بعده، وهي إضافة من نصب. وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر.
وأما النصب فيكون على أنه مفعول، وبله مصدر موضوع موضع الفعل، أو اسم فعل ليس من لفظ الفعل، فإذا قلت «قام القوم بله زيداً» فكأنك قلت: تركا زيداً، أو دع زيداً.
وأما الرفع فعلى الابتداء، وبله بمعنى كيف في موضع الخبر، وهو شبيه بقولهم: ما مررت برجلٍ مسلمٍ فكيف رجل راغب في الصدقة.
وقال ابن عصفور: «فأما بله فإدخالها في باب الاستثناء فاسد؛ لأنك إذا قلت قام القوم بله زيداً فإنما معناه عندنا: دع زيداً، ولا يتعرض للإخبار عنه، وليس المعنى: إلا زيداً؛ ألا ترى أن المعنى في البيت: دع الأكف فهذه صفتها، ولم يرد استثناء الأكف من الجماجم».
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن البضائع: «زعم- يعني ابن عصفور- أن معناها في البيت: دع الأكف فهذه صفتها، وهذا مناقض لقوله «كأنها لم تخلق»،
стр. 2777
فإنما يريد: إذا كان فعلها في الجماجم كذا فالأكف أحرى بذلك، فكأنها لم تكن قط، فيقال إنها قطعتها، فلا فرق بين معنى لاسيما وبله» انتهى.
وقالت العرب بهل في بله.
وأما «لما» فتكون بمعنى إلا، وهي قليلة الدور في/ [٤: ٨٢/ ب] كلام العرب، وينبغي ألا يتسع فيها، بل يقتصر على التركيب الذي وقع في كلام العرب، نحو قوله تعالى ﴿إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، ﴿وإن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ في قراءة من شدد الميم، فـ (إن) نافية، و (لما) بمعنى إلا.
وممن حكي أن لما بمعنى إلا الخليل وس والكسائي، وقرأ ابن مسعود ﴿ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾، أي: إلا له. وقالوا: نشدتك الله لما فعلت كذا، وعمرك الله لما فعلت كذا، وقعدك الله لما فعلت كذا، و «لما» مع هذه بمعنى إلا، وقد يحذف نشدتك أو سألتك وما أشبهه، فيقال: بالله لما صنعت كذا، أي: سألتك أو نشدتك بالله إلا صنعت كذا، قال الشاعر:
стр. 2778
قالت له: بالله، يا ذا البردين لما غنئت نفساً أو اثنين
فهذه التراكيب وما أشبهها من المسموع ينبغي أن تعتمد في مجيء لما بمعنى إلا.
وزعم أبو القاسم الزجاجي حين ذكر أن لما تكون بمعنى إلا أن يجوز أن تقول: لم يأتني من القوم لما أخوك، ولم أر من القوم لما زيداً، تريد: إلا زيداً.
وينبغي أن يتوقف في إجازة هذه التراكيب ونحوها حتى يثبت سماعها أو سماع نظائرها من لسان العرب، فأما قراءة حمزة: ﴿وإنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ بتشديد (إن) ونصب قوله (كلا) وتشديد (لما) فهي قراءة صعبة التخريج، ولذلك قال المبرد: هذا لحن، لا تقول العرب: إن زيداً لما خارج، ولا: إن زيداً إلا خارج. وقال الكسائي: «ما أدري ما وج هذه القراءة». وقال الفراء: «التقدير: لمن ما، فلما كثرت الميمات حذف منهن واحدة»، فعلى هذا القول هي لام التوكيد. وقال المازني: «إن بمعنى ما، ثم ثقلت». قال أبو جعفر النحاس: «يذهب المازني إلى أن إن إذا كانت خفيفة كانت بمعنى ما، ثم تثقل، كما أن «إن» المؤكدة تخفف، ومعناها الثقيلة» انتهى.
стр. 2779
والحكم على هذه القراءة بأنها لحن ضعيف جداً؛ لأنها قراءة تلقفتها الأمة بالقبول لتواترها، وتقدير الفراء والمازني في غاية من الضعف، وقد لاح لي تخريجها على قواعد العربية، والحمد لله، فنقول: (إن) على حالها من كونها حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، و (كلا) أسمها، و (لما) هنا حرف جزم حذف فعله لدلالة الكلام عليه، والتقدير: وإن كلا لما يهمل، أو لما يترك سدى، وما أشبه هذا من التقدير، و (ليوفينهم) جواب قسم محذوف، والكلام يدل على هذا الفعل المحذوف بعد لما، وهذا جائز فصيح- أعني حذف المضارع المجزوم بعد لما لدلالة المعنى عليه- وذلك نحو قولهم: قاربت المدينة ولما، بخلاف حذفه بعد لم، فإنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وإذا كان الفعل بعد لما يجوز حذفه لدلالة الكلام عليه وضح تخريج هذه الآية عليه، ولم أر أحداً تنبه لهذا التخريج الذي خرجناه، إلا أني بعد هذا وصلت في تفسيري للقرآن في كتابي المسمى بـ «البحر المحيط» إلى هذه الآية، فرأيت/ [٤: ٨٣/أ] شيخنا مصنف كتاب «التحرير والتحبير» جمال الدين محمد بن سليمان بن حسن المقدسي- عرف بابن النقيب- حكي عن أبي عمرو بن الحاجب تخريج لما على نحو الذي خرجناه.
وأما «دون» فقد تقدم ذكرها في ظروف المكان، فإذا قلت «قعد زيد دون عمرو» فالمعنى أن قعود زيد في مكان منخفض عن مكان قعود عمرو، وكذلك «زيد دون عمرو» معناه: المكان الذي فيه زيد ومنخفض عن المكان الذي فيه عمرو، هذه حقيقة هذه اللفظة.
وقد يطلقون ذلك على المرتبة والمكانة، لكنه مجاز، فيقولون: زيد دون عمرو، يعنون في الشرف لا في المكان.
стр. 2780
وقد تكون دلالتها علي المكان مجازية، ولا يراد بها حقيقة الجهة، كقوله تعالي ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾، وقوله ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ ولا يَضُرُّهُمْ﴾، فدلالته في هذا ونحوه علي المكان هو علي سبيل المجاز.
وأما قولهم "الموت دون بلوغ كذا" بمعني أن الموت يحول بينه وبين كذا يجتمعا فمجازه أن مكان الموت منخفض عن مكان بلوغ كذا، وإذا كان منخفضاً عنه لم يجمعنا؛ إذ كل منهما في مكان فير مكان الآخر، وإذا لم يجتمعا وقعت الحيلولة.
وقد يتجوز بـ"دون"، فيصير كالوصف للأفعال، ولا يكاد يلحظ فيه المكان، فيقول: ضربت زيدًا دون عمرو، وأعطيته دون خالد، والمعني أنه ضرب زيدًا ضربًا دون ضرب عمرو، وأعطاه إعطاء خالد، كأن ضرب زيد منخفض، أي: أقل من ضرب عمرو، وكان إعطاءه منخفض وأقل من إعطاء خالد. وأما ما يتبادر إلي أفهام بعض الناس أنك إذا قلت ضربت زيدًا دون عمرو فمعناه أن الضرب حل بزيد دون عمرو- فليس بمفهوم عربي، ولهذا المفهوم زعم بعض الفقهاء أنه إذا قال القائل.
стр. 2781
تم بحمد الله وتوفيقه
الجزء الثامن من كتاب "التذييل والتكميل"
بتقسيم محققة، ويليه- إن شاء الله تعالي-
الجزء التاسع، وأوله
"باب الحال"
стр. 2782
فهرس الموضوعات
تتمة باب المفعول فيه ... ٥ - ٩٨
- الآن: ... ٥
- تأصيله ... ٥
- مسماه ... ٥
- ضرفيته غالبة لا لزمة ... ٦
- بناؤه وعلته ... ٧
- إعرابه الفراء في أنه منقول ... ٩
-"أل" في الآن ... ١٠
- قط وعوض: ... ١٠
- تأصيل قط، ومعناه، وبناؤه ... ١٠
- معني عوض ... ١١
- اختصاصهما بالنفي ... ١٢
- استعمال قط دون نفي ... ١٢
- ورود عوض للمضي، وإضافته، والإضافة إليه، وإعرابه ... ١٣
- اللغات في قط ... ١٣
- اللغات في عوض ... ١٤
- أمس: ... ١٤
- معناه، وتعريفه، واستعماله، وبناؤه وإعرابه ... ١٥
- تنكيره، وإضافته، واقترانه بالألف واللام، وإعرابه ... ٢٢
стр. 2783
- فصل: الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة ... ٢٦ - ٤٩
١ - ما دل علي مقدر ... ٢٦
٢ - ما دل علي مسمي إضافي محض ... ٣١
٣ - الجاري باطراد مجري الإضافي المحض ... ٣٤
- ما يلازمه غالبًا لفظ في ... ٣٦
٤ - ما دل علي محل الحدث المشتق هو من اسمه ... ٤٢
- فصل: ظروف المكان المتصرفة وغير المتصرفة ... ٥٠ - ٩٨
١ - ما كان كثير التصرف ... ٥٠
٢ - ما كان متوسط التصرف ... ٥١
٣ - ما كان نادر التصرف ... ٥٤
٤ - ما كان عادم التصرف ... ٥٩
-تفصيل القول في بعض الظروف: ... ٦٤
- حيث ... ٦٤
- عند ... ٦٩
- لدن ... ٧٠
- بناؤها ومعناها ... ٧٠
- إعرابها، ولغاتها ... ٧١
- جبر المنقوصة مضافة إلي مضمر ... ٧٢
- جر ما يليها ... ٧٢
- حكم "غدوة" بعدها ... ٧٣
- لدي: معناها وحكم ألفها عند الإضافة ... ٧٧
- مع: ... ٧٨
- معناها وإعرابها ... ٧٨
стр. 2784
- إفرادها ... ٧٩
- خروجها عن الحالية بعد إفرادها ... ٨١
- التوسع في الظرف المتصرف: ... ٨٣
-ما يسوع فيه إذا جعل مفعولاً به: ... ٨٥
١ - إضمار غير مقرون ب"في" ... ٨٥
٢ - الإضافة ... ٨٧
٣ - الإسناد إليه ... ٩٠
- ما يمنع هذا التوسع ... ٩٢
- فرع: التوسع في الظرف مع كان وأخواتها ... ٩٦
- فرع: عدم التوسع في الظرف مرتين ... ٩٦
- مسألة: الاتساع علي وجهين ... ٩٦
٢٦ - باب المفعول معه ... ٩٩ - ١٥٠
- تعريفه ... ٩٩
- انتصابه والعامل فيه ... ١٠١
- وقوع الولو قبل ما لا يصح عطفه ... ١٠٧
- عدم تقدمه علي عامل المصاحب ... ١١١
- عدم تقدمه علي المصاحب ... ١١٢
- مسائل هذا الباب إلي العطف والمفعول معه: ... ١١٤
١ - مايجب فيه العطف، ولا يجوز النصب علي المفعول معه ١١٤
٢ - ما يترجح فيه العطف، ويجوز النصب علي المفعول معه ١٢٤
٣ - ما تجب فيه المعية، ولا يجوز العطف ... ١٣١
٤ - ما تترجح فيه المعية، ولا يجوز العطف ... ١٣٢
٥ - ما يتساوي فيه العطف والمعية ... ١٣٢
стр. 2785
- عامل النصب في نحو: حسبك وزيدًا درهم ١٣٩
- عامل النصب بعد: ويله، وويلاً له ١٤٠
- عامل النصب بعد: ويل له ١٤١
- عامل النصب في: رأسه والحائط، وامرأ ونفسه، وشأنك والحج ... ١٤١
- امتناع نحو: هذا لك وأباك، في الاختيار ١٤٣
- الاختلاف في كون باب المفعول معه مقيساً ١٤٤
- حكم ما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ١٤٩
- فرع: الفصل بين الواو وما بعدها ... ١٥٠
٢٧ - باب لمستثني ١٥١ - ٣٨٠
- تعريفه ... ١٥١
- الاستثناء من العدد ... ١٦٣
- الاستثناء المتصل والاستثناء المنقطع ١٦٧
- مذهب البصريين في المنقطع ١٦٩
- مذهب الكوفيين في المنقطع ١٧٢
- الاستثناء المفرغ ... ١٧٣
- إعرابه ... ١٧٣
- حذف عامله ... ١٨٢
- الاستثناء التام ... ١٨٢
- نصبه ... ١٨٢
- العامل فيه النصب، ومذاهب النحويين فيه ... ١٨٢
- المواضع التي يشرك فيها بين النصب والبدل ... ٢٠٠
- اشتراط الفراء في جواز نصبه تعريف المستثني منه ... ٢١٤
- اشتراط بعضهم في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب ... ٢١٥
стр. 2786
- إتباع المتوسط بين المستثني منه وصفته أولي من النصب ... ٢١٧
- إتباع المجرور بمن والباء الزائدتين واسم "لا" الجنسية ٢٢١
- إجازة بني تميم إتباع المنقطع المتأخر ٢٢٤
- حكم الضمير العائد علي المستثني منه قبل المستثني بإلا ... ٢٣١
- جعل المستثني متبوعًا والمسثني منه تابعًا ٢٣٦
- لا يقدم دون شذوذ المستنثي علي المستني منه والمنسوب إليه معًا ... ٢٤١
- فرع: العطف علي المستثني منه والمنسوب إليه معًا ٢٥٠
- فصل: ٢٥١ - ٢٦٤
- لا يستثني بأداة واحدة دون عطف شيئان ٢٥١
- لا يمنتع استثناء النصف، ولا استثناء الأكثر ... ٢٥٥
- السابق بالاستثناء منه أولي من المتأخر عند توسط المستثني ... ٢٦٠
- تعدد المستني منه ... ٢٦٢
فصل: تكرير إلا توكيداً ولغير توكيد ٢٦٥ - ٢٨١
- تكريرها توكيداً ... ٢٦٥
- تكريرها لغير توكيد: ... ٢٧١
- أ: عدم إمكان استثناء بعض المستثنيات من بعض ... ٢٧١
١ - في الاستثناء المفرغ ٢٧١
٢ - في الاستثناء التام ... ٢٧٣
-ب: ما أمكن فيه استثناء بعض المستثنيات من بعض ... ٢٧٥
- الاستثناء من العدد ٢٧٥
- حكم نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة ... ٢٧٩
- فصل: تأويل "إلا" ب"غير" ٢٨٢ - ٣٠٩
- الوصف ب"إلا" وبتاليها ٢٨٢
стр. 2787
- ما يوصف بها وبتاليها ... ٢٨٤
- عدم جواز حذف موصوفها وإقامتها هي وما بعدها مقامه ٢٩٥
- لا يوصف بها حيث لا يصلح الاستثناء ... ٢٩٦
- لا يليها نعت ما قبلها ... ٢٩٩
- ما يليها في النفي ٣٠٢
- معني: أنشدك إلا فعلت ... ٣٠٤
- عمل ما بعد إلا فيما قبلها ٣٠٦
- عمل ما قبل إلا فيما بعدها ٣٠٧
- فصل: الاستثناء بـ "حاشا"، وخلا، وعدا، وليس، ولا يكون ٣١٠ - ٣٤٠
- استعمال حاشا وخلا وعدا أحرفا تارة، وأفعالاً تارة أخري ٣١٠
- تعين نصب المستثني بخلا وعدا بعد "ما" عند غير الجرمي ٣١٥
- التزام سيبويه فعليه عدا وحرفية حاشا ... ٣١٧
- إن ولي حاشا مجرور باللام لم تتعين فعليتها، بل أسميتها ٣٢٣
- اللغات في حاشا ... ٣٢٥
- أحاشي ... ٣٢٧
- النصب في "ما النساء وذكرهن" بـ "عدا" مضمرة ٣٢٨
- الاستثناء بـ"ليس"، و "لا يكون" ٣٢٠
- فاعل عدا وخلا وحاشا ٣٣٣
- وصف المستثني منه "ليس" و"لا يكون" ٣٣٤
- فصل: الاستثناء ب"غير" و "بيد"، و "سوي"، وأحكام المذكور بعد "لاسيما". و"بله"، و"لما"، و "دون" ٣٤١ - ٣٨٠
- الاستثناء بـ"غير": ٣٤١
- إعرابها ... ٣٤١
стр. 2788
- إجازة الفراء فتحها مطلقًا ٣٤٣
- جواز اعتبار المعني في المعطوف علي المستثني بها ... ٣٤٤
- الاستثناء بـ"بيد" في الاستثناء المنقطع ٣٤٩
- الاستثناء بـ"سوي" ٣٥٠
- ما ينفرد به "سوي" ٣٥١
- الأصح عدم ظرفية سوي ولزومه النصب ٣٥١
- اللغات في سوي ٣٦٠
- جواز حذف ما بعد "ليس إلا"، و "ليس غير"، و "غير" ٢٦١
- قولهم "ليس غيره"، و "لم يكن غيره" ٣٦٣
- أحكام المذكور بعد "لاسيما" ٣٦٣
- أدوات الاستثناء ... ٣٦٤
- حكم المجرور بعد "لاسيما" ٣٦٥
- حكم المرفوع بعد "لاسيما" ... ٣٦٦
- وصل "لاسيما" بظرف أو جملة فعلية ٣٦٩
- "لاسيما" بتخفيف الياء ... ٣٧٠
- لا سواء ما، ولا تر ما، ولا مثل ما ٣٧١
- وقوع الجملة الشرطية بعد "لاسيما" ... ٣٧٣
- لا تجيء بعد "لاسيما" الجملة بالواو ٣٧٤
- لا تحذف "لا" من "لاسيما" ٣٧٤
- بله ... ٣٧٤
- "لما" بمعني "إلا" ... ٣٧٧
- دون ... ٣٧٩
стр. 2789
من إصدارات الدار
للأستاذ الدكتور حسن محمود هنداوي
• التذييل والتكملة في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان النحوي الأندلس ١/ ٨. [تحقيق].
• سر صناعة الإعراب لأبي الفتح عثمان بن جني (مجلدان). ... [تحقيق].
• إيضاح الشعر (شرح الأبيات المشاكلة في الإعراب) لأبي علي الفارسي (مجلد) [تحقيق].
• مناهج الصرفية ومذاهبهم (مجلد) ... [تأليف].
• المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي (مجلد) ... [تحقيق].
• المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة لأبي الفتح عثمان بن جني ... [تحقيق].
• كتاب مقاييس المقصور والممدود لأبي علي الفارسي ... [تحقيق].
• المسائل الشيرازيات لأبي علي الفارسي (مجلدين) ... [تحقيقا].
• فهارس التراكيب النحوية في كتاب سيبويه ... [تأليف].
• المخترع في إذاعة سرائر النحو لأبي الحجاج يوسف الشنتمري ... [تحقيق].
стр. 2790
-[ص: باب الحال
وهو ما دَل على هيئهٍ وصاحبِها متضمنًا ما فيه معنى «في» غيرَ تابعِ ولا عُمدهٍ وحقٌه النصب, وقد يُجَر بباء زائدة. واشتقاقُه وانتقاله غالبان لا لازمان.]-
ش: الحال تذكر وتؤنث, يقال: نحن في حالٍ حَسَنهٍ , وفي حالٍ حسن. والحال في إذاصطلاح قد رسمه المصنف فقوله ما دل على هيئه جنس يشمل الحال ونحو: تربعت, والقهقرى , ومتكئ في قولك: زيد متكئ , وراكب في قولك: مررت برجل راكب , فكل هذه تدل على هيئه.
وقوله وصاحبها فصل يخرج الفعل واسم المعنى ,لأن تربع والقهقرى لا يدلان إذا على هيئه فقط لا على صاحبها.
وقوله متضمنا ما فيه معنى «في» فصل يخرج ما ليس معنى «في» في نفسه ولا في جزء مفهومه مما هو يدل على هيئه وصاحبها , نحو: بنيت صومعة , فان هذا التركيب من مجموع بنيت صومعة يدل على هيئه وصاحبها , ولم يتضمن هذا التركيب شيئاً فيه معنى «في» , بخلاف الحال وما يحترز منه بعد.
стр. 2791
واحترز بقوله ما فيه معنى «في» مما معنى «في» لمجموعه لا لجزء مفهومه , نحو: دخلت الحمام , فان معناه: دخلت في الحمام , فليس بعض الحمام أولى بمعنى «في» من بعض , بخلاف الحال وما يتحرز منه بعد , فان معنى «في» مختص بجزء مفهومه، لأنك إذا قلت جاء زيد ضاحكاً ف «ضاحك» دل على الهيئة وصاحبها , ويتقدر معنى «في» بجزء مفهوم ضاحك -وهو المصدر- على حذف مضاف , إذ التقدير: جاء زيد في حال ضحك.
وقوله غير تابع احتراز من نحو: مررت برجل متكئ ,فانه يصدق عليه: في حال اتكاء.
واختلفوا من أي باب نصب الحال:
فقيل: نصب المفعول به , وهو قول أبى القاسم , يجعلها من أصول المفاعيل.
وقيل: نصب الشبيه بالمفعول به , وهو قول أبى على وأبى بكر , وهو ظاهر مذهب س , لأنه قال: «وليس بمفعول كالثوب في قولك: كسرت الثوب زيداً» ولأن الظرف أجنبي من إذاسم , والحال هي إلاسم الأول.
стр. 2792
وقوله ولا عمدة احتراز من نحو: زيد متكئ , فانه يصح تقديره: زيد في حال اتكاء. انتهى شرح هذا الرسم للحال , وهو في غاية الطول وكثره الفضول وهو منتزع من شرح المصنف له.
وقال في الشرح: «ولا يعترض على هذا بما لا يجوز حذفه من إذاحوال , نحو: ضربي زيداً قائماً , فيظن أنه قد صار بذلك عمده , فان العمدة في إذاصطلاح: ما عدم إذاستغناء عنه أصيل لا عارض كالمبتدأ والخبر, والفضلة في إذاصطلاح: ما جواز إذاستغناء عنه أصيل لا عارض , كالمفعول والحال. وان عارض للعمدة جواز إذاستغناء عنها لم تخرج بذلك عن كونها (عمده , وان عرض للفضلة امتناع إذاستغناء عنها لم تخرج بذلك عن كونها) فضله .. انتهى.
أما عروض امتناع إذاستغناء عن الفضلة فهو موجود في: ضربي زيدا قائماً, وقوله ﴿وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] , وقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] , وما أشبه هذا. وأما عروض إذاستغناء عن العمدة فلا نعلمه موجوداً في لسان العرب , إذا إن كان يعنى بذلك الحذف , كحذف المبتدأ , أو الخبر , أو إذاغناء عنه بالفاعل , فيمكن ذلك , ولا نقول فيما حذف من العمد وهو مراد انه عرض له جواز إلاستغناء عنه.
стр. 2793
وقوله وحقه النصب إنما كان ذلك لأنه فضله , وإعراب الفضلات النصب. وقوله وقد يجر بباء زائدة استدل المصنف على جواز جره بباء زائدة بقول رجل فصيح من طيئ: /
كائن دعيت إلى بأساء داهية ... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل
ويستدل له أيضاً بقول الشاعر:
فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها
التقدير عنده: فما انبعثت مزؤوداً ولا وكلاً , وتقدير البيت الثاني: فما رجعت خائبة ركاب.
ولا حجه في هذا على ما ادعاه , إذا تحتمل الباء فيهما إذا تكون زائدة , بل الباء فيهما للحال:
أما في البيت الأول فالتقدير: فما انبعثت ملتبسا بمزؤود , ويعنى بذلك المتكلم نفسه , إذا ترى أنه قد يسند الحكم إلى اسم ظاهر , ويعنى بذلك نفسه , نحو قوله: لقد صحبك منى رجل صالح , ولو جئتهم بى لجئت بفارس بطل , أي: لجئت ملتبسا بفارس بطل , وهو يعنى نفسه.
وأما البيت الثاني فالتقدير: فما رجعت ملتبسة بحاجه خائبة ركاب.
وإذا احتمل أن تكون للحال لم يكن في ذلك دليل على زعمه أن الحال قد تجر بباء زائدة.
ولو فرضنا أن الباء زائدة في هذين البيتين لم يصح إطلاقه قوله «وقد يجر بباء زائدة» , لأن محسن دخول الباء الزائدة إنما هو تقدم النفي قبلها , كما جاء
стр. 2794
ذلك محسناً في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَإذارْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ , فكان ينبغي أن يقيد ذلك بالنفي. وذكر في (باب حروف الجر) أن «من» الزائدة ربما دخلت على حال , ومثل ذلك بقراءة من قرأ﴾ ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء ﴿مبنياً (نتخذ) للمفعول الذي يُسم فاعله , أي: نتخذ م دونك أولياء.
وقوله واشتقاقه وانتقاله غالبان لا لازمان إذاشتقاق في الوصف كونه مصوغاً من إذاسم دإذا على معقولية إذاسم وشيء آخر لأجله كان الصوغ , حو راكب , فانه يدل على ذات متصفة بالركوب. وإنما قلنا «مصوغاً من إذاسم» ليشمل ما اشتق من المصدر , نحو راكب ومضروب , وما اشتق من إذاسم غير المصدر , نحو قولهم: رجل أظفر , أي طويل الظفر , ونحو قولهم: طين مستحجر , وبغاث مستنسر , فإنهما مشتقان من الحجر والنسر , وليسا مشتقين من مصدر.
وإذانتقال هو كون الوصف غير لازم.
وقال المصنف في الشرح: «ومن ورود الحال بلفظ غير مشتق قوله تعالى﴾ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ ﴿, وفَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴿, و﴾ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴿» انتهى. ف (أربعين) عنده منصوب على الحال.
стр. 2795
وانتصاب (أربعين) عندي على أنه تمييز منقول من الفاعل , والتقدير: فتمت أربعون لميقات ربه. ويجوز انتصابه على الظرف , لأن التقدير في قوله﴾ ووعدنا موسى ثلثين ليله ﴿: وواعدنا موسى المناجاة ثلاثين ليله , فتم ميقات ربه , وهو ما وقته وحدده له من المناجاة في أربعين ليله.
وقال المصنف في الشرح: «ومن وروده دإذا على معنى غير منتقل قوله تعالى﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴿» انتهى - ويحتمل أن يكون (مفصلاً) انتصب نعتاً لمصدر محذوف , أي: إنزإذا مفصلاً- قال﴾ وَخُلِقَ إذانسَانُ ضَعِيفًا ﴿,﴾ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿,﴾ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿, ومن كلام العرب: (خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها).
ولما كانت الحال خبراً في المعنى , والخبر يكون مشتقاً وغير مشتق , ومنتقلاً وغير منتقل , جاءت الحال كذلك. وكثيراً ما يسميها س خبراً , وقد يسميها مفعولاً فيها , / وصفه , فسماها خبراً في تمثيله: فيها عبد الله قائماً , وفي: مررت بكل قائماً , وفي: هذا مالك درهماً. وسماها مفعولا فيها في
стр. 2796
مسألة: كلمته فاه إلى في. وسماها صفه في: أما صديقاً مصافياً فليس بصديق مصاف.
وقال الفارسي: «الحال تشبه الظرف من حيث كانت مفعولاً فيها , كما أن الظرف كذلك , وذلك قولك: جاء زيد راكباً , وخرج زيد مسرعاً , فمعنى هذا: خرج زيد في حال إذاسراع ووقت إذاسراع , فأشبهت ظرف الزمان». وإنما سماها مفعولاً فيها على طريق المجاز لشبهها بالمفعول فيه من جهة المعنى إذا أفادت ما يفيد «وفت كذا». كما سماها مفعولاً صحيحاً تشبيهاً بالمفعول به , إذا نصبها الفعل لا على تقدير «في» , ولا بعد واو «مع» , ولا على إسقاط لام العلة , كما نصب المفعول به كذلك.
وقول المصنف «واشتقاقه وانتقاله غالبان لا لازمان» فيه الهام , ونحن نوضح القول في ذلك , فنقول: الحال قسمان: مبنية , ومؤكده , فالمبنية , لابد أن تكون منتقلة أو مشبهه بالمنتقلة , فالمشبهة بالمنتقلة نحو قولك: خلق زيد أشهل , وولد قصيراً , فالشهولة والقصر ليسا من إذاوصاف المنتقلة , لكنها شبيهه بالمنتقلة , فقد خلق وولد لأنه كان يمكن أن يخلق ويولد غير أشهل وغير قصير , وقال الشاعر:
стр. 2797
فجاءت به سبط العظام , كأنما ... عمامته بين الرجال لواء
ف «سبط العظام»:منصوب على الحال , وليست بمنتقلة , ولكنها مشبهه بالمنتقلة لمجيئها بعد «جاءت به» بمعنى: ولدته.
وأما الحال المؤكدة فيجوز أن تكون غير منتقلة , ومنه قوله تعالى وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ﴿,﴾ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ﴿,﴾ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ ﴿,﴾ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴿,﴾ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ , وقال الشاعر:
ولا عيب فيها غير شكله عينها ... كذاك عتاق الطير شكلاً عيونها
فهذه أحوال مؤكده لا مبينه , لأنه لم ينبهم ما قبلها فتكون مبينه له , وإنما هي مؤكده لما قبلها.
ولا يجوز أن تكون الحال غير منتقلة ولا شبيهه بالمنتقلة إذا إذا كانت مؤكده , فأما قوله:
إذا قلت: هاتى نولينى , تمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
ف «هضيم» منصوب على المدح لا على الحال , لأنها صفه لازمه, وليست بمؤكده , وكذلك قوله تعالى﴾ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴿. وأما قوله﴾ إِلَهًا وَاحِدًا﴾
стр. 2798
فبدل. وقد أنكر الفراء - وتبعه السهيلي - وجود الحال المؤكدة , وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله عند ذكر المصنف الحال المؤكدة.
وفي البسيط: أما الثابتة فقد اختلف فيها:
فقال بعضهم: لا تكون حالا إذا بعد كلام تكون بالإضافة إليه ممكنه أن تكون وإذا تكون , نحو: ولد زيد أزرق , ولو قلت جاء زيد أزرق لم يجز , وجعلوا ما ورد من قولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها , وقوله:
فجاءت / به سبط العظام ..... ... ..................................................................
محمولاً على التأكيد لأنه في حكم المعلوم.
وقال آخرون: لا يشترط فيها ذلك , لأنه لا يلزم أن تقيد الفعل تقييداً, بل تفيد وصفاً في الإسم , بخلاف المنتقلة , فإنها تفيد تخصيصاً في الفعل كالظرف , لذلك قدرت ب «في» بخلاف هذا , فتقول: مررت بزيد أكحل , ولقيته أسود , تريد: لقيته بهذا الوصف , وعلى هذه الحال , وهذه جبتك خزاً , ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣] , ودعوت الله سميعاً.
стр. 2799
-[ص: ويغني عن اشتقاقه وصفه , أو تقدير مضاف قبله , أو دلالته على مفاعله , أو سعر , أو ترتيب , أو أصالة , أو تفريع , أو تنويع , أو طور واقع فيه تفضيل. وجعل «فاه» حالا من «كلمته فاه إلى في» أولى من أن يكون أصله جاعلاً فاه إلى في , أو: من فيه إلى في. ولا يقاس عليه , خلافاً لهشام.
]-
ش: مثال إغناء الوصف عن الانشقاق قوله تعالى﴾ فتمثل لها بشراً سوياً ﴿
ومثال تقدير مضاف قبله قول العرب: «وقع المصطرعان عدلي عير , يريدون: مثل عدلي عير». قال المصنف في الشرح: «أو كقول الشاعر:
تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوه خفرات»
انتهى. يريد: مثل مسك.
والأجود عندي أن يكون «مسكاً» منصوباً على التمييز , وهو منقول من الفاعل وهو أمدح.
стр. 2800
ومثال دلالته على مفاعله: كلمته فاه إلى في , أي: مشافهه , وبايعته يداً بيد , أي: مناجزة , وفسر س , فقال: «بايعته نقداً» , وهو تفسير معنى , لأن المعنى على التعجيل والمناجزة. ولا يصح أن تقدر: جاعلاً يداً بيد , لأنك لم ترد أنك جعلت يدك في يده , ولا أن يكون اسما وضع موضع المصدر , لأنه لا مصدر له من لفظه , وهو حال من الضمير في بايعته , والمعنى: ذا يد , أي: في حال أنه ذو يدٍ على ملكه , ويصح أن يكون حالا من المبيع المحذوف , والمعنى: بايعته شيئاً في حال أن ذلك الشيء المبيع ذا يد , أي: مجعولاً عليه اليد. وبعته رأساً برأس , أي: مماثله. ولا يقتصر على «فاه» , ولا على «يداً» , ولا على «رأساً» , بل يلزم الجار فيه لزومه في مثل: سادوا كابراً عن كابر , وابتع هذا ناجزاً بناجز.
ومثال دلالته على سعر قولهم: بعت الشاء شاه ودرهما , والبر قفيزاً بدرهم , والدار ذراعاً بدرهم , أي: مسعراً
ويجوز رفع «شاه ودرهم , وقفيز بدرهم , وذراع بدرهم» على الابتداء , وهو مبتدأ محذوف منه الصفة ,التقدير: شاه منها , وقفيز منه , وذراع منه.
فأما قولهم بعته ربح الدرهم درهم فلا يجوز فيه إذا الرفع , والجملة حال , أي: ومربوح الدرهم درهم. وكذلك: بعت دارى الذراعان بدرهم.
стр. 2801
وأجاز بعض الكوفيين نصب / الربح والدرهم , ونصب الربح ورفع الدرهم , وذلك على إسقاط الباء , أي: بعت المتاع بربح الدرهم درهما , أي: بأن ربح الدرهم درهماً أن جعلت المصدر مضافا إلى الفاعل , وبرفعه وان جعلته مضافاً للمفعول , أي: بأن ربح الدرهم درهم.
وتقول: قامرت فلاناً درهماً في درهم , أي: باذلاً , وأخذت منه الزكاه درهماً لكل أربعين , أي: فرضاً , وتصدقت بمالي درهما درهما.
ومثال دلالته على ترتيب: ادخلوا رجلاً رجلاً , وتعلمت الحساب بابا بابا , أي مفصلاً أو مصنفاً , وادخلوا أول أول , أي: مرتبين واحداً بعد واحد. ولا يفرد شيء من هذه الألفاظ.
وتقول: لك الشاء شاه بدرهم شاه بدرهم , وان ألغيت «لك» فلم تجعله خبر المبتدأ قلت: شاه بدرهم شاه بدرهم , وإذا قلت: الشاء لك - فيجوز الرفع والنصب.
وفي نصب الثاني من المكرر نحو علمته الحساب باباً باباً خلاف:
стр. 2802
ذهب أبو علي الفارسي إلى أن باباً الأول لما وقع موقع الحال جاز ان يعمل في الثاني.
وذهب ابن جني إلى انه في موضع الصفة للأول , وتقديره: بابا ذا باب , ثم حذفت ذا , وأقمت الثاني مقامه , فجرى عليه جريان الأول , كما تقول: زيد عمرو , أي: مثل عمر , هذا نقل بعضهم.
ونقل بعضهم أن الفارسي زعم أن بابا الأول حال , لكن لا يفهم التفصيل به وحده , فجعل الباب الثاني صفه للأول , لأنه لا يجوز أن يجعل توكيداً, إذا لو كان توكيداً لأدى ما أدى الأول , وزعم أن الاسمين مركبان.
قيل له: فالتركيب ثلاثة أنواع: بناؤهما , نحو: خمسه عشر , والأعراب في الثاني: بعلبك , وإضافة الأول إلى الثاني: بعلبك , ولم يستقر رابع. قال: قد جاء التركيب بإعراب الاسمين , قال:
تزوجتها راميه هرمزيه ..............................................................................
وزعم الزجاج أن الباب الأول حال والثاني توكيد.
قيل له: فكيف يكون توكيداً , ولا يفهم التفصيل إلا به؟
стр. 2803
قال: قد قالت العرب: بعته الشاء شاه بدرهم , دون تكرار , وهو على معنى: شاه بدرهم , ولم تستعمل العرب: بينت له حسابه باباً باباً , إذا هكذا , ولو أفردت لفهمنا التفصيل كما فهمناه في: لك الشاء شاه بدرهم.
قال بعض أصحابنا: «ومذهب الزجاج أرجح من مذهب الفارسي , لأن التكرار للتأكيد ثابت من كلامهم , وأما التكرار للتفصيل فلم يثبت في موضع. انتهى».
والذي اختاره غير ما قالاه , بل كلاهما منصوب بالعامل قبله , لأن مجموعهما هو الحال لا أحدهما , ومتى اختلف بالوصفية أو بكونه معمولاً للأول لم يكن له مدخل في الحالية , والحالية مستفادة منهما لا من احدهما , فصارا يعطيان معنى المفرد , فأعطيا إعرابه , وهو النصب , ونظير ذلك قولهم: هذا حلو حامض , فكلاهما مرفوع على الخبرية , والخبر إنما حصل بمجموعهما , فلما نابا مناب الفرد الذي هو مز أعربا / بإعرابه , وهو الرفع , كذلك هذا.
ولو ذهب ذاهب إلى أن النصب إنما هو بالعطف على التقدير حذف الفاء , وأن المعنى: بينت له الحساب باباً فباباً , وادخلوا أول فأول , لكان وجهاً حسناً عارياً عن التكلف , لأن المعنى: بينت له الحساب باباً بعد باباً , وادخلوا رجلاً بعد رجل. والذي يدل على إرادة الفاء كونه يجوز ذلك في المرفوع والمنصوب والمجرور , فمثال المرفوع قول الشاعر:
стр. 2804
كرة وضعت لصوالجة ... فتلقفها رجل رجل
أي: فرجل. ومثال المنصوب: (ونفلوا بعيراً بعيراً) , أي: فبعيراً. ومثال المجرور: (قيراط قيراط) , أي فقيراط.
إذا انه يعكر على هذا المذهب ما زعم أبو الحسن من انه لا يجوز أن يدخل حرف العطف في شيء من هذه المكررات إذا الفاء في الموضع الذي يكون فيه الترتيب , نحو: ادخلوا الأول فالأول , ولا تقول: بينت له الحساب باباً فباباً , ولا بابا وبابا , ولا: ادخلوا رجلاً فرجلاً , ولا تقول لثلاثة: ادخلوا الأول فالأول , ولا لاثنين ادخلوا الأول فالأول. انتهى. والتكرار في نحو هذا لا يدل على أنه يراد به شفع الواجد , بل المراد به الاستغراق لجميع الأبواب والرجال ونحو ذلك.
ومثال دلالته على أصالة قوله تعالى﴾ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴿, ونحو: هذا خاتمك حديداً , وهذه جبتك خزاً , وهما من أمثله س.
стр. 2805
ومثال دلالته على فرعيه الشيء: هذا حديدك خاتماً.
ومثال دلالته على النوع: هذا تمرك شهريزاً, وهذا خاتمك ذهباً. هكذا مثل المصنف في الشرح , وليس ذهباً دالا على نوع الخاتم , بل هذا المثال من باب ما دل على أصالة , نحو ما مثل به المصنف عن س من قوله: هذا خاتمك حديداً وهذه جبتك خزاً.
ومثال ما دل على طور واقع فيه تفضيل قولك: هذا بسراً أطيب منه رطباً.
وقوله وجعل «فاه» حالا من «كلمته فاه إلى في أولى» من أن يكون أصله: جاعلاً فاه إلى في , أو: من فيه إلى في قال المصنف في الشرح: «مذهب س أنه نصب على الحال , لأنه واقع موقع مشافهاً ومؤد معناه» انتهى.
وزعم الفارسي أنه حال نائبه مناب جاعلا, ثم حذف , وصار العامل فيها كلمته , قال: «وهذا مذهب س» انتهى.
وقال المصنف في الشرح: «ومذهب الكوفيين أن أصله: كلمته جاعلاً فاه إلى في - يعنى فهو مفعول به - ومذهب الأخفش أن أصله: من فيه إلى في» انتهى. ومال إلى قول الكوفيين أبو على في «الحلبيات».
следующие страницы →