Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
هو امتلأ يتضمنه الحامل الذي هو ملأ، وقد استعملت العرب: ملأ الماء الإناء، خلافا لمن أنكر استعماله، قال الشاعر:
تصرم مني ود بكر بن وائل ... وما كان ظني ودهم يتصرم
قوارص تأتيني، ويحتقرونها ... وقد يملأ الماء الإناء، فيفعم
/فإذا أردت المطاوع قلت: امتلأ الإناء ماء.
وقوله أو مقدرا في غير «ملآن ماء»، و «أحد عشر درهما»، و «أنا أكثر مالا»، ونحوهن أما ما كان غير الثلاثة التي ذكر فنحو: رأيت رجلا أشعت رأسا، وهند شنباء أنيابا، يجوز فيه النصب على التمييز والجر على الإضافة، فتقول: أشعت رأس، وشنباء أنياب.
وهذا عندنا أيضا ليس من قبيل ما انتصب عن المفرد الذي عبر النحويون عنه بأنه منتصب عن تمام الاسم، وإنما هذا مما انتصب عن تمام الجملة والكلام، وقد تقدم الفرق بينهما، وهذا فاعل من حيث المعنى، تقول: زيد أشعت رأسه، وهند شنباء أنيابها، فهذا التمييز هو من التمييز المنقول من الفاعل، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
وأما قوله ملآن ماء ف «ملآن ماء» هو عندنا من التمييز الذي هو فاعل من حيث المعنى، وانتصب عن تمام الجملة لا عن تمام المفرد.
وأما أحد عشر درهما فهذا مما انتصب عن تمام المفرد لا عن تمام الكلام، ولا خلاف في ذلك.
стр. 3012
وأما أنا أكثر مالا فهو عندنا من التمييز المنقول عن المضاف، وتقديره: مالي أكثر، وهو مما انتصب عن تمام الكلام لا عن تمام الاسم.
وقال في الشرح: «ومن الممنوع الإضافة للتمييز للزوم تنوينه تقديرا أحد عشرا وبابه، وكذلك أفعل التفضيل المميز بسببي، نحو: زيد أكثر مالا، وعلامة السببي صلاحيته للفاعلية بعد تصيير أفعل فعلا، كقولك في زيد أكثر مالا: زيد كثر ماله، فإن لم يصلح ذلك تعينت الإضافة، كقولك: زيد أكرم رجل» انتهى.
والذي أقول: إنه ليس في أحد عشر ولا في «أنا أكثر» تنوين مقدر البتة، فالذي منع الصرف منع منه التنوين، فكيف يقال: إن فيه تنوينا مقدرا؟ وكذلك أحد عشر مبني ومحكوم له بأنه اسم واحد، والتنوين الذي هو فيما يقابله هو تنوين الأمكنية، فكيف يقال: إن فيه تنوينا مقدرا؟
وقوله أو يكون نون تثنية مثالة: رطلا زيت.
وقوله أو جمع تصحيح مثاله: هم حسنو وجوه، وذلك على ما قال في أن مثل هذا تمييز عن المفرد لا عن الجملة.
وقال المصنف في الشرح: «ومما لا يضاف إلي مميزه عشرون وأخواته، فلا يقال: عشرون درهم، بل عشرون درهما، هذا هو المشهور.
وحكي الكسائي أن من العرب من يقول: عشرون درهم».
وبعض النحويين قاس على هذا الشاذ، فأجاز: عشرو درهم، وكذلك العقود بعدها.
стр. 3013
وقوله أو مضافاً إليه صالحا لقيام التمييز مقامه قال المصنف في الشرح:
«فإن كان أفعل مضافا إلي جمع بعده تمييز لا يمتنع بعده مكانا أفعل جاز بقاؤهما على ما كان عليه، وجاز حذف الجمع والإضافة إلي ما كان تمييزا، كقولك: زيد أشجع الناس رجلا» انتهى.
واحترز بقوله «صالحا لقيام التمييز مقامه» من مضاف إليه لا يصلح إن حذف أن يقوم التمييز مقامه، مثاله: زيد لله /دره رجلا! ويا ويحه رجلا! لو حذفت المضاف إليه لم يصلح التمييز لقيامه مقامه، فلا يجوز حذفه وجر ما بعده، لا يجوز: لله در رجل، ويح رجل.
وأما قول المصنف في الشرح «إن كان أفعل مضافا» إلي آخر كلامه، وتفسيره قوله «أو مضافا إليه صالحا لقيام التمييز مقامه» بقولك: زيد أشجع الناس رجلا، فيقرهما على ما كان عليه من إبقاء المضاف إليه ونصب التمييز، أو يحذف الجمع، ويضيف إلي ما كان تمييزا - فتخليط فاحش وسؤ فهم؛ لأنك إذا قلت زيد أشجع رجل فليس رجل هنا في هذا التركيب هو الذي كان في: زيد أشجع الناس رجلا، فحذفت الناس، وأضفت أشجع إلي تمييزه، بل لم يكن هذا تمييزا البتة، وإنما هو اسم مفرد قام مقام الجمع، والمعنى: زيد أشجع الرجال، فليس التمييز ل «أشجع»، ألا ترى أنه يجوز أن تأتي بالتمييز بعده، فتقول: زيد أشجع رجل قلبا، وأحسم رجل وجها، ولو كان هو التمييز لم يجز أن يكون لأشجع ولا لأحسن تمييزان اثنان.
стр. 3014
وقال س في أثناء باب الصفة المشبهة: «فإن أضفت، فقلت: هذا أول رجل - اجتمع فيه لزوم النكرة وأن يلفظ بواحد، وذلك أنه إنما أراد أن يقول: أول الرجال، فحذف استخفافا واختصارا، كما قالوا: كل رجل، يريدون: كل الرجال فكما استخفوا بحذف الألف واللام استخفوا بترك بناء الجميع، واستغنوا عن الألف واللام بقولهم: خير الرجال: وأول الرجال».
وقال س أيضا في باب كم، وقد ذكر تمييزها، فقال: «لو قلت كم لك الدرهم لم يجز كما لم يجز في قولك عشرون الدرهم، لأنهم إنما أرادوا عشرين من الدراهم. هذا معنى الكلام، ولكنهم حذفوا الألف واللام، وصيروه إلي الواحد، وحذفوا من استخفافا، كما قالوا: هذا أول فارس في الناس، وإنما يريدون: هذا أول من الفرسان» انتهى.
وتبين من كلام س أن المجرور هو المفضل عليه زيد، لأنك إذا قلت زيد أشجع رجل فمدلوله: أشجع الرجال، فهو مفضل عليهم، ولذلك قدره س مرة بالجمع المعرف مضافا إليه أفعل، فقال: أول الرجال، وتارة قدره بالجمع المعرف مجرورا بمن، فقال: أول من الفرسان، وأتضح أن المجرور المفرد هو بمعنى الجمع المعرف، وهو المفضل عليه من سبق ذكره، والمفضل عليه لا يكون هو التمييز.
وقوله في غير ممتلئين أو ممتلئين غضبا قال المصنف في الشرح: «ومما لا يضاف ممتلئان وممتلئون ونحوهما. والعلة في ذلك مفهومة مما ذكر في ممتلئ وملآن» انتهى.
стр. 3015
هذا بناء منه على ما قال: إن مثل ما هو من تمييز المفرد المعبر عنه في الاصطلاح بأنه منتصب عن تمام الاسم. وفهم العلة هو أنه - عنده - مضاف من حيث المعني، أي: ممتلئا الأقطار، او: ممتلئو الأقطار غضبا. وسيأتي كلام أصحابنا فيما خالفهم فيه المصنف وقال: إنه تمييز عن مفرد، وهم / يقولون إنه تمييز عن جمله، في الفصل بعد هذا، إن شاء الله.
-[ص: وتجب إضافة مفهم المقدار إن كان في الثاني معني اللام، وكذا إضافة بعض لم تغير تسميته بالتبعيض، فان تغيرت به رجحت الإضافة والجر علي التنوين والنصب، وكون المنصوب حينئذ تمييزا أولي من كونه حالا، وفاقا لابي العباس. ويجوز إظهار من مع ما ذكر في هذا الفصل إن لم يميز عددا، ولم يكن فاعل المعني.]-
ش: المقادير اذا يراد بها الآلات التي يقع بها التقدير فلا يجوز إلا اضافتها،
نحو: عندي منوا سمن، وقفيز بر، وذراع ثوب، تريد الرطلين اللذين يوزن بهما السمن، والمكيال الذي يكال به البر، والآلة التي يذرع بها الثوب فإضافة هذا النوع علي معني اللام لا علي معني من.
وأفهم كلام المصنف أنه إذا لم يكن في الثاني معني اللام لا تجب الإضافة، وتحت نفي وجوب الإضافة المنع والجواز، ففي هذا المفهوم الهام، فكان ينبغي أن يبين الحال في المميز والمميز، لكنه قال في الشرح ما نصه: «لي ظرف عسل، وكيس دراهم، تريد ظرفا يصلح للعسل، وكيسا يصلح للدراهم، فالإضافة في هذا النوع متعينة، فلو اردت عسلا يملأ ظرفا، ودراهم تملا كيسا - جاز لك أن تضيف وتجر، وأن تنون وتنصب» انتهى.
стр. 3016
وفي البسيط: «لا يكون النصب إلا اذا كان الأول مقدار: كيلا، وزنا، أو ما في حكمهما، ونويت فيه ذا المقدار، فان نقص أحدهما لم يجز النصب، والمقدار كالمثقال، والرطل، والكر، وعدل كذا، ووزن كزا، ونحوه. وقد تنزل أشياء منزله المقادير وإن لم تكن مقادير، نحو: عندي بيتان تبنا، وحزمتان بقلا، وجبتان حزا، وخاتمان ذهبا، لا تنصب الا حين ترد مقدار الجبتين من الخز، والخاتمين من الذهب، ولو أردت نفس ذلك لخفضت، كقولك: ما فعلت جبة الخز؟ وما فعلت جبتك الخز؟ اتباعا، إلا أن تقطع كالنعت والحال. وتقول: عندي قضيبان عوسج وشوحط، ترفع لأن القضيب وما أشبهه ليس مقدارا لشيء، فان نويت قدر قضيبين من ذلك جررت ذلك» انتهى.
وقال أصحابنا: اذا أريد بالآلات الأشياء المقدرة بها جاز أربعه أوجه:
أحدها: نصب ما بعدها على التمييز. وجاز النصب لأن الأصل في عندي رطل زيتا: عندي مقدار رطل زيتا، وكذلك في: قفيز برا، وذراع ثوبا، واضافه «مقدار» إلى تمييزه لا تمكن لحجز المضاف بينهما، فلما تقرر النصب لما ذكرناه حذفوا المضاف الذي هو مقدار، وأقاموا ما كان مضافا اليه مقامه، فأعربوه بإعرابه، وأبقوا النصب في التمييز علي ما كان عليه في الأصل.
الوجه الثاني: الإضافة علي معني من، لأنه بعض ما أضيف اليه، وذلك أن القفير والرطل والذراع انما يراد بها المقدار المحذوف، وليس لها في اللفظ ما يمنعها من الإضافة ويحجز عنها، فأوثرت الإضافة على النصب.
стр. 3017
الوجه الثالث: جعل ما بعد المقادير صفة لها، فتعرب بإعرابها، وهو قول س، وضعفه، تقول: عندي / منوان سمن، وقفيز بر، وذراع ثوب. وهذا الوجه ضعيف لأن أسماء الأجناس جوامد، والجامد لا يوصف به الا بعد أن تتكلف تضمينه معني المشتق، وذلك قليل فيه. انتهى.
وقال ابن السراج: ويجوز أن تقول: عندي رطل زيت، وخمسه أثواب، ولي مثله رجل، علي البدل.
الوجه الرابع: نصبه علي الحال، ويكون أيضا في هذا الوجه قد ضمن معني المشتق كما كان في الصفة. قيل: وحسن وقوع الحال بعد النكرة كونه غير وصف في الأصل، نحو: مررت بماء قعده رجل، ووقع أمر فجاءة.
واعلم أن انتصاب التمييز عن تمام الاسم في الأعداد والمقادير انما يكون اذا تعذرت الإضافة، فان لم تتعذر لم يجز النصب لأن النصب في هذا الباب ضعيف لكونه في خامس رتبه من الفعل، لأن النصب بعدها مشبه بنصب أفعل من، وأفعل من مشبه بالصفة المشبهة، وهي مشبهة باسم الفاعل، وهو مشبه بالفعل، فلا يتكلف النصب الا عند تعذر الإضافة، تقول: ثلاثة أثواب، ومئة ثوب، وألف درهم، ولا يجوز التنوين والنصب الا في اضطرار الشعر.
وانما نصبو في عشرين وأحد عشر وبابهما لأن الأصل: من الرجال، واختصروا تخفيفا بحذف (من) و (أل)، واجتزائهم بالمفرد المراد به الجنس عن الجمع اذ يدل علي ما يدل الجمع، وهو أخف، ونصبوه.
стр. 3018
ولم يجيزوا: عشرو رجل، ولا أخد عشر رجل، لأن الإضافة علي معني من، ولو صرحت ب «من» عاودت الأصل، وهو الجمع بأل، فكما امتنع دخول من على المفرد امتنعت الإضافة اليه لأنه مفرد. وجاز النصب في «رطل سمنا» باعتبار أن الأصل: مقدار رطل سمنا، وتقدم تقرير ذلك.
فرع: اذا كان المقدار مختلطا من الجنسين فقال الفراء: لا يجوز عطف أحدهما علي الاخر، بل تقول: عندي رطل سمنا عسلا، اذا اردت ان عندك من السمن والعسل مقدار رطل، لأن تفسير الرطل ليس السمن وحده ولا العسل وحده، وانما هو مجموعهما، فجعل سما عسلا اسما للمجموع علي حد قولهم: هذا حلو حامض.
وذهب غيره الي العطف بالواو، وتكون جامعة، والواو الجامعة تصير ما قبلها وما بعدها بمنزلة شيء واحد، ألا تري انك تقول: هذان زيد وعمرو، فصيرت الواو الجامعة زيدا وعمرا خبرا عن هذان، ولا يمكن أن يكون زيد على انفراده خبرا، وعمرو خبر اخر عطف عليه، لأن كلا منهما مفرد، وهذان مثنى، والمفرد لا يكون خبرا عن المثنى. وكذلك: زيد وعمرو قائمان، الواو جامعة، لا يجوز أن يكون زيد مبتدأ علي انفراده، وعمرو معطوف عليه، لأن كلا منهما مفرد، ولا يكون المثنى خبرا عن المفرد.
قال بعض أصحابنا: وكلا القولين سائغ عندي.
وقوله وكذا إضافة بعض لم تغير تسميته بالتبعيض يعني أنه تجب إضافته، ومثل ذلك المصف في الشرح يجوز قطن، وحب رمان، وغصن ريحان، وتمره نخله، وسعف مقل، قال: «فهذا النوع إذا ميز بما هو منه فلا بد من إضافته إليه، لأن اسمه/ الذي كان له غير مستبدل به».
стр. 3019
وقال ابن السراج: «إذا قلت ماء فرات، وتمر شهريز، وقضيبا بان، ونخلتا برني - فذلك ليس بمقدار معروف مشهور، وكلام العرب (الخفض)، والاختيار فيه الإضافة أو الإتباع، ولا يجوز فيه التمييز إذا لم يكن مقدارا».
وقوله فإن تغيرت (به) رجحت الإضافة والجر علي التنوين والنصب إلى قوله لأبي العباس مثله المصنف في الشرح بجبة خز، وخاتم فضة، وسوار ذهب، قال: «فإن أسماءها حادثة بعد التبعيض والعمل الذي هيأها بالهيئات اللائقة بها، فلك في هذا النوع الجر بالإضافة، والنصب علي التمييز أو علي الحال، والثاني هو ظاهر قول س، وقد تقدم في باب الحال بيان شبهة س في جعله حالا، والأول قول أبي العباس، وهو أولي لأنه لا يحوج إلي تأويل. مع أن فيه ما في المجمع علي كونه تمييزا، بخلاف الحكم بالحالية، فإنه يحوج إلي تأويل بمشتق مع الاستغناء عن ذلك، ويحوج إلي كثره تنكير صاحب الحال، وكثرة وقوع الحال غير متنقلة، وكل ذلك علي خلاف الأصل، فاجتنابه أولي. فلو كان ما قبل خز وفضة معرفو رجحت الحالية، وقد تقدم ذلك في باب الحال» انتهى.
стр. 3020
وهذا الذي ذكره المصنف في الفص والشرح غير موافق عليه، بل في ذلك تفصيل: قال بعض اصحابنا: «إذا قلت عندي جبة خز فإما أن تريد أن عندك مقدار جبة او الجبة نفسها التي نسجت من الخز:
فإن أردت الأول كان بمنزلة: عندي رطل سمنا، تجوز فيه الأربعة الأوجه: الجر بالإضافة، والنصب علي التمييز، أو الحال، أو التبعية علي الوصف.
وإن أردت الثاني فالجر بالإضافة. ولا يجوز النصب علي التمييز، بل إن جاء منصوبا فعلي الحال، وذلك لما تقدم من أنه لا يجوز النصب علي التمييز في هذا الباب إلا إذا تعذر الخفض في لفظ المسألة أو في أصلها، وخفض خز في هذه المسالة علي هذا التقدير بإضافة جبة إليه غير متعذر لا في اللفظ ولا في الأصل، لأنه لا تقدر علي هذا المعني إضافة مقدار إلي جبه، لأنه ليس عندك مقدار جبة، وإنما عندك الجبة بنفسها، وإذا لم يكن الأصل عندي مقدار جبة لم يكن في المسألة ما يمنع من الإضافة، ولهذا حمل س انتصاب خز في قول العرب عندي جبة خزا علي الحال، ولم يجعله علي التمييز، وخالفه في ذلك المبرد، وزعم أن انتصابه علي التمييز. والصحيح ما ذهب إليه ما س من أه منصوب علي الحال للعلة التي ذكرناها، ويكون إذ ذاك متضمنا معني المشتق، والعامل فيه ما في عندي من معني الفعل» انتهى.
فعلى ما قاله هذا القائل لا يجوز في جبة خز، ولا سوار ذهب، ولا خاتم فضة - النصب علي التمييز إذا أريد بذلك أن الجبة منسوجه من الخز، وأن السوار مصوغ من الذهب، وأن الخاتم مصوغ من الفضة، وانما يجوز ذلك إذا أريد أن عنده من الخز مقدار جبة، ومن / الذهب مقدار سوار، ومن الفضة مقدار خاتم، وهذا مخالف لما قرره المصنف.
ويجري إذ ذاك جبة خز وبابه مجري رطل زيت في التقسيم، إن أريد بها الآلات فالجر بالإضافة، أو المقادير فالوجوه الأربعة.
стр. 3021
وفي الإفصاح: «ينون الأول، وينصب الثاني، وهو كثير، يعني في: ثوب خزا، ونحوه. ومذهب أبي العباس أنه تمييز، و (س) يجعله حالا، وهو الصحيح، لأنه يوصف به بدليل رفعه السبب.
وإذا أتبع فقول س إنه صفة، وضعفه س، وذكر أن من العرب من يرفع به، فيقول: (مررت) بسرج خز صفته، وبكتاب طين خاتمه. وجعله غيره عطف بيان، وهو قول أبي العباس، والزجاجي. وقد قيل: إنه بدل، قال ابن هشام: وفيه نظر، لأن الثاني أعم من الأول بوجه، والأول أعم بوجه اخر، إذ ليس كل باب ساجا ولا كل ساج بابا، وهو جائز عندي علي حذف مضاف، أي: هذا باب (باب) ساج».
وقوله ويجوز إظهار من مع ما ذكر في هذا الفصل يعني أنك تقول: ملء الأرض من ذهب، وإردب من قمح، وجمام المكوك من دقيق، ولي أمثالها من إبل، وغيرها من شاء، وويحه من رجل، ولله دره من فارس، وحسبك به من رجل، وأبرحت من جار، وما أنت من فارس، قال:
يا سيدا! ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع
وكذلك ما ذكرناه نحن، تقول: ويلمه من مسعر حرب، ويا طيبها من ليلة، ويا لك من رجل، قال:
стр. 3022
فيا لك من ليل، كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت ... بيذبل
وناهيك من رجل، وما في السماء موضع راحه من سحاب، وعليه شعر كلبين من دين، وممتلئ من ماء.
ولم يبين المصنف ما معنا «من» التي تظهر مع ما ذكر في هذا الفصل من المقادير وما اشبهها، واختلف النحويون فيها:
فذهب بعضهم إلي أنها للتبعيض، ولذلك لم تدخل علي التمييز المنقول عنه الفعل، لأنه ليس أعم من المبهم الذي أتي به لتفسيره، فإذا قلت طاب زيد نفسا فـ «نفسا» ليس أعم من المبهم الذي انطوت عليه الجملة، وإذا لم يكن أعم لم تدخل عليه من التي معناها التبعيض.
وقال الأستاذ أبو علي: ويمكن أن تكون (من) الداخلة علي التمييز بعد المقادير وما أشبهها زائده عن س كما زيدت في «ما جاءني من أحد»، لأنه جعل من في قوله «ويحه من رجل» موكده لمعني التبعيض، وشبهها في ذلك بقولهم: ما جاءني من أحد. قال: «إلا أن المشهور من مذهب النحوين ما عدا الأخفش أن من لا تزاد إلا في غير الواجب».
قال ابن عصفور: «والصحيح عندي أنها ليست بزائده، لأن الاسم المنتصب بعد المقادير وما اشبهها يحتمل أن يكون حالا وأن يكون تمييزا، فإذا أتيت، (من) كان المعني معني التمييز لا الحال، لأن من لا تدخل علي الحال، فلما كانت من تعطي ما لا يعطيه النصب - وهو النص علي إرادة معني التمييز والتبيين - لم يجز جعلها زائده، لأن الزائد هو الذي يكون معني الكلام في حال ثبوته وسقوطه واحدا».
стр. 3023
وقال ابن عصفور أيضا: «من هذه مؤكده لمعني التبعيض، وذلك أنك إذا قلت: عندي راقود خلا، ولي مقله رجلا، وعندي ذراع ثوبا، فمثله والذراع والراقود بعض هذه الاجناس المنتصب علي التمييز، فإذا أتيت بـ (من) كانت مؤكدة لمعني التبعيض المفعوم قبل الإتيان به، كما أن (من) في قولك ما جاءني من أحد مؤكده لمعني التبعيض الذي كان يعطيه الكلام قب دخول من، ألا تري أن المراد بقولك «ما جاءني أحد» نفي مجيء كل أحد من الناس منفرجا أو مع غيره، وبذلك حصل في هذا الكلام معني النفي العام، إذ لو كان المراد نفي مجيء الناس كلهم لم يلزم من ذلك نفي مجيء بعضهم، وإذا كان المعني علي ما ذكرناه فالموضع موضع تبعيض، لأن كل واحد من الناس بعض الناس، فأتي بـ (من) لتأكيد ما في الكلام من معني التبعيض».
وقوله إن لم يفسر عددا أي: فلا تدخل عليه من، نحو: أحد عشر درهما، وعشرين رجلا، فلا يجوز: من درهم، ولا: من رجل. ويعني بذلك إذا بقي علي إفراده، فإن جمعته لزمته من والتعريف، فتقول: قبضت أحد عشر من الدراهم، ورأيت عشرين من الرجال.
وإنما لم تدخل من علي تمييز الأعداد وهو مفرد لأن التمييز إذ ذاك لا يحتمل معنيين قبل دخول من، فيكون دخولهما مبينا أن المراد أحد المعنيين، كما كان ذلك في المقادير وفي كم، فإذا أدخلت من علي ما يبين الأعداد رددت الكلام إلى الأصل، فجمعت المبين، وعرفته بأل، ولم يكن إذ ذاك تمييزا لأنه معرفه، والتمييز لا يكون معرفه، فالذي بقي علي إفراده إذا دخلت عليه من في هذا الباب هو تمييز كم، وكل تمييز يجوز فيه أن ينتصب علي الحال، نحو: لي مثله فارسا، ولله دره عالما، وويحه راكبا، وعندي راقود خلا، وما أشبه ذلك.
стр. 3024
وقوله ولم يكن فاعل المعني قال المصنف في الشرح: «نحو: زيد أكثر مالا، وطيب نفسا بتفجر أرضه عيونا» انتهى. وهذا بناء منه علي ما قرره من أن التمييز في هذه المثل ونحوها هو تمييز مفرد لا تمييز جمله، وسيبين في الفصل بعد هذا أن مثل هذا مندرج تحت تمييز الجملة لا تحت تمييز المفرد.
وفي كلامه مناقشتان:
إحداهما: أن قوله «فاعل المعني» ليس بجيد، لأن مقله أفعل التفضيل، فإذا قلت: زيد أكثر مالا، وأحسن وجها - فمالا ووجها ليسا فاعلين في المعني، إذ لا يتقدر بـ «كثر ماله» ولا بـ «حسن وجهه»، لأن كثر يدل علي مطلق الكثرة، وكذلك حسن، وأكثر وأحسن يدلان علي الأكثرية والأحسنية، ولم تبن العب فعلا يدل علي هذا المعني، فليس لنا لفظ فعل يتضمن / معني أفعل التفضيل، فلا يصح أن يقال إنه فاعل المعني، إذ لا فعل له، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى أن هذا التمييز غير مقول لا من فاعل ولا من مفعول، وسيأتي إن شاء الله.
المناقشة الثانية: أن من مثل المصنف في ضرحه: هو مسرور قلبا، وقلبا ليس فاعلا، فعلي ظاهر كلامه يجوز أن تدخل عليه من، ولا يجوز ذلك، وقلبا هو مفعول (لما) لم يسم فاعله، لكنه قد يكون عني: ولم يكن فاعل المعني ولا نائبا عنه. وأما تمثيله بقوله «طيب نفسا بتفجر أرضه عيونا»
فهذا فاعل في المعني، إذ كان قبل صيرورته تمييزا: طيب نفسه بتفجر عيون أرضه، ف (عيون) و (نفس) حالة التمييز فاعلان من حيث المعنى.
стр. 3025
وقد ضبط بعض أصحابنا ما تدخل عليه «من» وما لا تدخل، فقال: «إن كان التمييز جنسا بقي علي لفظه، نحو: ملؤه عسلا، ويجوز: من عسل. أو غير جنس - وكان مما لا يجوز جمعه - فكذلك، نحو: لي مقله خيرا منك، ومن خير منك أو جاز جمعه والمفسر واحد فكذلك نحو: لي مقله عبدا، ولله دره فارسا، ومن عبد، ومن فارس، حافظوا علي المشاكلة. أو جمع غير عدد جاز جمعه وإفراده، نحو: لي ملء الدار من عبد، ومن العبيد، وعبدا، وعبيدا، أو عدد غير (كم) انتصب مفردا، ودخلت من مردودا إلي الجمع المعرف بأل ونحو: عشرين درهما، أو: من الدراهم رفضت الأصل حين نصبت، ولم ترفضه في: لي ملء الدار رجالا، أو (كم) خبريه فيجوز فيها مع من الإفراد والجمع، أو استفهامية فالإفراد» انتهى ملخصا.
*************
стр. 3026
-[ص: فصل
مميز الجملة منصوب منها بفعل يقدر غالبا إسناده إليه مضافا إلي الأول،
فإن صح الإخبار به عن الأول فهو له أو لملابسه المقدر، وإن دل الثاني علي هيئة وعني به الأول جاز كونه حالا، والاجود استعمال (من) معه عند قصد التمييز.]-
ش: قال المصنف في الشرح: «المراد بمميز الجملة ما ذكر بعد جملة فعلية مبهمة النسبة، نحو: طبت نفسا، واشتعل رأسي شيبا، ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ وامتلأ الكوز ماء، وكفي الشيب ناهيا. وإنما أطلق مميز الجملة علي هذا النوع خصوصا - مع أن كل تمييز فضله علي جمله - لأن لكل واحد من جزأي الجملة في هذا النوع قسطا من الإبهام يرتفع بالتمييز، بخلاف غيره، فإن الإبهام في أحد جزأي جملته، فاطلق علي مميزه مميز مفرد، وعلى تمييز هذا النوع مميز جملة» انتهى.
وهذا الذي شرطه المصنف في مميز الجملة أن يكون بعد جملة فعليه لم يشترطه النجاة، بل ذلك عندهم يكون بعد جمله فعليه، او جملة اسمية، أو اسم فعل، فمثل: زيد طيب نفسا، وأكثر مالا، ومسرور قلبا، وممتلئ غضبا، ومتفقئ شحما، وسرعان ذا إهالة، والزيدان حسان وجوها، والزيدون حسنون وجوها - كل هذا من قبيل ما انتصب عن الجملة، وهو الذي يعبرون عنه بأنه انتصب عن تمام الكلام.
ولما أخذ المصنف في تمييز الجملة شرط الفعل جعل هذه الأمثلة جميعها / من قبيل تمييز المفرد، ولا نعلم له سلفا في هذا الاصطلاح. وتعليله تمييز الجملة يقتضي
стр. 3027
اشتراك الجملة الاسمية مع الجملة الفعلية في ذلك، وهو قوله «لأن لكل واحد» إلي آخره.
وقد ذكر شيوخنا تقسيم التمييز إلى ما هو منتصب عن تمام الكلام، وهوما كان واقعا بعد فعل، أو اسم فيه معني الفعل، نحو الصفة المشبهة باسم الفاعل وأفعل من، وتأتي تقاسيمه. ومنتصب عن تمام الاسم، وهو الذي يأتي بعد الأعداد والمقادير من المكيل والموزون والمسموح وما شبه بها، وذكروا أن هذا يكون تفسيرا لاسم مبهم قبله. وأن الذي عن تمام الكلام يكون مفسرا لما انطوي عليه الكلام الذي قبله. وملخص ما ذكروه أن هذا مبهم في النسبة، وذلك مبهم في الجزء لا في النسبة، وإذا فهم هذا المعني لم يكن لما قاله المصنف وجه، ولا لما اصطلح عليه وحده، إذ صار فيما اصطلح عليه أنه تفسير للمفرد تخليط في المعني، إذ جمع فيه بين ما الإبهام فيه من جهة النسبة بين ما الإبهام فيه من جهة الجزء، وفيما اصطلح عليه من تمييز الجملة قصور، إذ خص إبهام النسبة بالجملة الفعلية، وهو معنى تشترك فيه الجملة الاسمية والجملة الفعلية.
وقوله منصوب منها بفعل أي: منصوب من الجملة بفعل، هذا علي ما اختاره.
وأما اصحابنا فيقولون: منصوب بعد فعل أو مصدر ذلك الفعل أول ما اشتق منه من وصف، نحو: اشتعل الرأس شيبا، وزيد طيب نفسا، ومسرور قلبا، وأكثر مالا، وأفره عبدا.
стр. 3028
ونصبه بالفعل أو ما جري مجراه من المصدر والوصف واسم الفعل، كقولهم: سرعان ذا إهالة، هذا مذهب س، والمازني، والمبرد، والزجاج، والفارسي.
قال ابن عصفور: وذهب المحققون إلي أن العامل فيه هو الجملة التي انتصب عن تمامها لا الفعل ولا الاسم الذي جري مجراه.
وإليه ذهب ابن عصفور، قال: والدليل علي ذلك شيئان:
أحدهما: أنا وجدنا المنتصب عن تمام الكلام قد لا يتقدمه فعل ولا اسم يجري مجراه، نحو قوله: داري خلف دارك فرسخا، وليس فرسخا من قبيل ما انتصب عن تمام الاسم، فلا تنصبه داري لأنها ليست الفرسخ، ولا خلف لأن الخلف ليس بالفرسخ، إذ الخلف ليس له مقدار يحصره، والفرسخ معلوم المقدار، وإنما هو تفسير لما انطوى عليه الكلام من المسافة، فبينت بهذا التمييز.
والآخر: أنه قد يكون في الكلام فعل، ولا يكون طالبا للتمييز، حو: امتلأ الإناء ماء، فليس الماء تبيينا للفعل ولا لمعموله الذي هو الإناء، وإنما هو تفسير لما انطوي عليه الكلام، ألا تري أنه إذا قلت «امتلأ الإناء» علم أن له مالئا إلا أنه لا يدري ما هو ففسرته بقولك ماء» انتهى ملخصا.
وقد ينازع في هذين الدليلين:
أما الأول فقد يدعي أن هذا المقال من قبيل ما انتصب عن تمام الاسم، وهو شبيه بقولهم: لي مثله فارسا، لأنه لما قال «لي مثله» انبهمت المثلية، ففسرت
стр. 3029
بقوله فارساً، وكذلك لما قال «داري خلف دارك» انبهمت / مسافه الخلف، ففسرت بقوله فرسخا. وأما قوله «لأن الخلف ليس بالفرسخ» أما من حيث المدلول والقطع عن هذا التركيب فصحيح، وأما في هذا التركيب فليس بصحيح، بل مسافه خلف دارك هي الفرسخ.
وأما الثاني فلا أسلم أن امتلأ لا يطلب ماء، بل هو طالب له من حيث إن المطاوع دال علي الحامل، فهو طالب له من حيث المعني وإن لم يصح إسناده إليه.
وقوله يقدر غالبا إسناده إليه مضافا إلي الأول شمل قوله «إسناده إليه» أن يكون منقولا من فاعل، نحو: طابت نفس زيد، في قولك: طاب زيد نفسا، وقال الشاعر:
تلفت نحو الحي حتي وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
وأن يكون منقولا من المفعول، نحو ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾، لأن إسناد الفعل إلي ما كان تمييزا وإضافته إلي ما كان انتصب بعدهما يشمل الإسناد إلي النوعين، لكن المصنف فسر في ضرحه أنه يريد بالإسناد إلي الفاعل، قال: «واحترزت بقولي يقدر غالبا من نحو ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾، وامتلأ الكوز ماء، و ﴿كفى بالله شهيدا﴾، وما أحسن الحليم رجلا».
فأما قوله تعالي ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ فقد استدل به علي مجيء التمييز منقولا من المفعول، وإلي أن التمييز يكون منقولا من المفعول ذهب أكثر المتأخرين، وبه قال ابن عصفور وهذا المصنف.
стр. 3030
وقال الأستاذ أبو الحسن الأبذي: «هذا القسم لم يذكره النحويون، وإنما الثابت كون التمييز منقولا من الفاعل». وتأول كلام الجزولي علي أنه يمكن أن يريد بقوله «منقولا من المفعول» أي: من المفعول الذي لم يسم فاعله، نحو: ضرب زيد ظهرا وبطنا، وفجرت الأرض عيونا.
وحمل الأستاذ أبو علي (عيونا) علي أنه منتصب علي الحال لا علي التمييز ن ويكون حالا مقدرة تسمية بالمآل، كقوله ﴿إني أرنى أعصر خمرا﴾ أي: صارت عيونا بعد التفجير.
قال ابن الضائع: «والأولي أن يقال: إن التفجير وكونها عيونا متلازمان، ليس أحدهما قبل الآخر بالزمان، وإنما غلطه في ذلك كون التفجير سببا في كونها عيونا، فليست عيونا قبل التفجير، بل فجرت في حال أنها عيون» انتهى.
وهذه الحال جامدة، ويتأول فيها الاشتقاق، وهو أن عيونا في معني محال أو حوامل للماء، وكثيرا ما تأتي الحال جامده، وقد نص علي ذلك س. قال الأستاذ أبو علي: «فعلى هذا لم يثبت التمييز منقولا من المفعول، فينبغي ألا يقال به» انتهى.
وتأوله أبو الحسين بن أبي الربيع تأويلين:
стр. 3031
أحدهما: أن انتصاب (عيونا) علي البدل من الأرض، أي: وفجرنا عيون الأرض، وحذف الضمير، أي: عيونها.
والثاني: أن انتصابه علي إسقاط حرف الجر، والأصل: فجرنا الأرض بعيون، وغرست الأرض بشجر.
ورد ذلك عليه بالتزام العرب التنكير في ذلك، ولو كان مفعولا علي اسقاط حرف الجر أو بدلا لجاز أن يأتي معرفة ونكرة، فتقول: فجرت الأرض عيونها، وغرست الأرض شجرها، وفجرت الأرض العيون، وغرست الأرض / الشجر، ولو كان معمولا علي إسقاط الحرف لجاز تقديمه علي الفعل.
وأما «امتلأ الكوز ماء» فلا نعلم خلافا أن انتصاب ماء علي التمييز عن الجملة وعن تمام الكلام، ولا يجوز أن يكون ماء منصوبا علي إسقاط حرف الجر وإن كان أصله حرف الجر، ويجوز أن تصرح به فتقول: امتلأ الكوز من الماء، لأنه لو كان كذلك لجاز أن يأتي نكرة ومعرفة، ولجز تقديمه علي الفعل، ولكنه لما التزم فيه التنكير والتأخير عن الفعل دل علي أن العرب انما نصبته علي التمييز، وقد تقدم لنا أن الماء من حيت المعني هو فاعل، لكنه ليس فاعلا لـ «امتلأ»، إنما هو فاعل لـ «ملأ» الذي امتلأ مطاوعه.
وكذلك تفقأ زيد شحما، هو مطاوع فقأ، فالشحم فاعل، لكنه بـ «فقأ»،
كما أن الماء فاعلا بـ «ملأ»، والشحم غير المتفقئ، والماء غير الممتلئ، فهما بخلاف: طاب زيد نفسا، النفس هي الطيبة، وحسن وجها، الوجه هو الحسن، فكأنه قال: تشقق زيد من أجل الشحم أو به، وامتلأ الإناء بالماء أو من الماء. ويجوز أيضا التصريح في تفقأ زيد شحما بـ «من» فتقول: من شحم.
стр. 3032
وأما ﴿كفى بالله شهيدا﴾ فهذا تمييز، يدل عليه جواز دخول من عليه، فتقول: كفي بالله من شهيد. وجعل المصنف هذا التمييز مما انتصب عن الجملة، ولا يصح أن يكون فاعلا بـ «كفي»، إذ ليس المعني علي: كفى شهيد الله.
وهذا النوع فيه خلاف: عده المصنف مما انتصب عن تمام الجملة، وهو الظاهر في بادي الرأي.
وعده بعضهم مما انتصب عن تمام الاسم، فذكر أن الذي يأتي عن تمام الاسم ثلاث أضرب: أعداد، ومقادير، ومحمول عليها، فذكر الأعداد والمقادير، ثم قال: «الضرب الثالث المحمول عليها، وذلك كقولك: حسبك به فارسا، ولله دره شجاعا، وكفي به ناصرا، ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، وويحه رجلا، ولي مقله رجلا، وعلي التمرة مثلها زبدا، فهذا النوع- وإن لم يكن داخلا تحت المقادير- فإنه يناسبها من حيث إنه يزيل الاحتمالات المبهمة، فإنك في قولك هذا قب دخول المميز متعجب من الاجناس التي احتملها، فإذا قلت فارسا أو شجاعا أو رجلا بينت المقصود. والباء في «حسبك به» يجوز أن تكون زائده، فتكون الكاف مفعولة والهاء فاعلة في المعني. ويجوز أن تكون غير زائدة، فتكون الكاف فاعلة في المعني، التقدير: اكتف به» انتهى.
ويظهر من كلام الأخفش في الأوسط أن «كفاك به رجلا» من المحمول على المقادير، لأنه ذكره مع: حسبك من رجل، وناهيك من رجل، وهدك وشرعك وكفوك، قال الأخفش: «واعلم أن هدك وشرعك وكفيك لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث. ويجيء فيها نحو كفاك ونهاك، تقول: هدوك وكفوك، وتقول:
стр. 3033
أحسبوك وأحسباك، ولا يجيء ذلك في: شرعك. ومن قال كفاك به رجلا قال: كفاك بهم، للجميع، وكفاك بهما، للاثنين، لأن اسم الفاعل هو الذي بعد الباء، والباء زائدة» انتهى.
وإذا استعملوا هدك ونهاك وكفاك وأحسبك وهي أفعال في معني هدك وناهيك وكفيك وحسبك ألحقوها الضمائر وعلامه التأنيث إذا أسندت إلي المثنى والمجموع / والمؤنث، وجاء بعدها التمييز كما جاء بعد الأسماء، والكلام فيها كالكلام في ﴿كفي بالله شهيدا﴾.
وقد ذكر بعض شيوخنا مع «أبرحت فارسا» «لله دره»، وقال: «وكذلك: ﴿كفي بالله شهيدا﴾ كـ (اكتف بالله شهيدا)، وكذلك قولهم: تالله رجلا» وأما «ما أحسن الحليم رجلا» فكان قبل همزه النقل: حسن الحليم رجلا، فهذا تمييز ليس منقولا من فاعل، فهو شبيه بقولهم: كفى بزيد ناصرا، فيمكن أن يجري فيه الخلاف كما جري في ذلك، فول قلت ما أحسن الحليم عقلا كان هذا من قبيل ما انتصب عن تمام الكلام بلا خلاف، لأن أصله: حسن الحليم عقلا، أي: حسن عقل الحليم، فهو منقول من الفاعل كـ «طاب زيد نفسا».
وقد قسم بعض أصحابنا التمييز المنتصب عن تمام الكلام إلي:
منقول من فاعل او مفعول أو مبتدأ، نحو: طاب زيد نفسا، ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾، وزيد أحسن وجها منك، الأصل: طابت نفس زيد، وفجرنا عيون الأرض، ووجه زيد أحسن من وجهك، وهذه الثلاثة يحصرها أنها منقولة من مضاف.
وإلي مشبه بالمنقول، وذلك نحو: امتلأ الإناء ماء، ونعم رجلا زيد. ووجه الشبه أن امتلأ مطاوع ملأ، فكأنك قلت: ملأ الماء الإناء، ثم صار تمييزًا بعد أن
стр. 3034
كان فاعلاً. وأما نعم رجلا زيد فكان الأصل: نعم الرجل، قم أضمرت، وصار بعد أن كان فاعلا تمييزا.
والى ما ليس بمنقول ولا مشبه بالمنقول، نحو: حبذا رجلا زيد.
وزعم ابن الضائع أن التمييز في باب نعم وحبذا شبيه بالمنقول، فإذا قلت نعم رجلا زيد فالأصل: نعم الرجل، فلما أسندت الفعل إلي ضمير مبهم جئت برجل بيانا، وكذلك حبذا. قال: «والظاهر من كلام س أن التمييز في نعم رجلا زيد ونحوه أشبه بالمقادير».
وقول ابن عصفور إنه أشبه بالمنقول ليس كذلك، بل هو كـ (ويحه رجلا) وبابه. ومنه أيضا: ربه رجلا، فهذا كله نمط واحد.
وقوله فإن صح الإخبار به عن الأول فهو له أو لملابسه المقدر مثاله:
كرم زيد أبا، فهذا يصح أن يقع أب خبرا لزيد، فتقول: زيد أب، فيجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون زيد هو الأب أي: كرم زيد نفسه أبا، أي: ما أكرمه
من أب، وإذ ذاك لا يكون هذا التمييز منقولا من الفاعل، ويجوز إذ ذاك دخول من عليه.
والثاني: أن يكون التمييز ليس زيدا، وإنما هو أبوه، فيكون الأصل: كرم أبو زيد، أي: ما أكرم أباه، ويكون منقولا من الفاعل، ولا يجوز إذ ذاك دخول من عليه.
стр. 3035
وقوله وإن دل الثاني علي هيئه وعني به الأول جاز كونه حالا إلي آخره مثال ذلك: كرم زيد ضيفا، إذا أريد زيدا هو الضيف جاز أن يكون ضيفا منصوبا علي الحال لدلالته علي هيئه، وجاز أن يكون تمييزا لصلاحية من. والأجود المجيء بـ «من» عند قصد التمييز رفعا لتوهم الحالية.
وإن لم يعن به الأول، بل المعني: كرم ضيف زيد- لم يجز نصبه علي الحال، / بل يتعين أن يكون تمييزا، ولا يجوز دخول من عليه لأنه فاعل في الأصل.
-[ص: ولمميز الجملة من مطابقة ما قبله إن اتحدا معني ما له خبرا، وكذا إن لم يتحدا، ولم يلزم إفراد التمييز لإفراد معناه أو كونه مصدرا لم يقصد اختلاف أنواعه، وإفراد المباين بعد جمع إن لم يوقع في محذور أولى.]-
ش: مثال المسألة الأولي: كرم زيد رجلا، وكرم الزيدان رجلين، وكرم الزيدون رجالا، فالتمييز مطابق لما قبله في الإفراد والتثنية والجمع لاتحاده بما قبله في المعني كما يجعل مطابقا له في الإخبار، فأما قوله ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ فرفيق وخليط وصديق وعدو يخبر بها وهي مفردة عن جمع كثيرا، ويزيده هنا حسنا أنه تمييز، والتمييز قد اطرد في كثير منه الاستغناء بالمفرد عن الجمع. ويحتمل أن يكون الأصل: وحسن رفيق أولئك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وجاء التمييز علي وفق المحذوف.
وقوله وكذا إن لم يتحدا أي: يطابق ما قبله في الإفراد والتثنية والجمع إذا كان غير متحد بما قبله من حيث المعني، ومثاله: حسن الزيدون وجوها.
واحترز بقوله «ولم يلزم إفراد التمييز لإفراد معناه» من قولهم: كرم الزيدون أصلا، إذا كام أصلهم واحدا، فأصل لم يتحد من حيث المعني بالزيدين، س
стр. 3036
وأصلهم واحد، فلا تجوز المطابقة لإبهام اختلاف أصولهم. فإضا كان الأصل واحدا لزم إفراده لإفراد مدلوله.
وكذلك أيضا شرط ألا يكون التمييز مصدرا لم يقصد اختلاف نوعه، نحو:
زكا الزيدون سعيا. فإن قصد اختلاف الأنواع في المصدر لاختلاف محاله جاء التمييز جمعا، كقوله ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾، لأن أعمالهم مختلفة المحال، هذا خسر بكذا وهذا خسر بكذا، وكقولك: تخالف الناس آراء، وتفاوتوا أذهانا.
وقوله وإفراد المباين إلى آخره مثاله ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا﴾، والزيدون قروا عينا، الإفراد هنا أولي من الجمعية لأنه أخصر، ولأنه يدل علي أنه أريد به الجمع لجمع ما قبله، 'ذ معلوم أن الجمع لا يكونون ذوي نفس واحدة ولا ذوي عين واحدة. ويجوز أن يأتي جمعا مطابقا للجمع قبله، فتقول: طابوا أنفسنا، وقر الزيدون أعينا.
وقوله إن لم يوقع في / محذور شرط في كون إفراد المباين أولي من المطابقة في الجمع، ومفهوم الشرط أنه إذا أوقع في محذور كان الجمع أولي، وليس كذلك، بل إذا أوقع في محذور لزمت المطابقة، كقولك: كرم الزيدون آباء، بمعني: ما أكرمهم من آباء، لأنك لو أفردت لتوهم أن المراد كون أبيهم متصفا بالكرم.
ويحتمل أيضا هذا المثال أن يكون المعني: كرم آباء الزيدين، فإذا أردت هذا المعني لزمت المطابقة. وقد يلزم الجمع أيضا بعد المفرد في المباين إذا كان معني الجمع يفوت بقيام المفرد مقامه، نحو قولك: نظف زيد ثيابا، لأنك/ لو قلت ثوبا توهم أنه له ثوب واحد نظيف.
стр. 3037
فرع: طاب الزيدان أبا وأخا، تريد الأب لأحدهما والأخ للآخر، لا يجوز أن يجمع ولا أن يعطف، ولا يقال انه يجوز كما كان في النعت، كقولك: قام الزيدان الضاحك والعاقل، لأنا نقول: الأصل في التمييز الإضافة، وأنت لو قلت: طاب أخو الزيدين وأبوهما- وأنت تريد أخدهما- لم يجز.
والتمييز في التعجب غير المبوب له، وفي باب نعم وبئس، وفي حبذا-يطابق المتعجب منه والمخصوص بالمدح والذم في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فتقول: زيد لله دره رجلا! والزيدان لله درهما رجلين! والزيدون لله درهم رجالا! وهند لله درها امرأة! والهندان لله درهما امرأتين! والهندات لله درهن نساء! وكذلك: حسبك، وشرعك، وهدك، وكفيك، وويحه، وأبرحت، وما أنت. وتقول: نعم رجلين الزيدان، ونعم رجالا الزيدون، ونعم امرأه هند، ونعم نساء الهندات. وحبذا رجلا زيد، وحبذا امرأه هند، وحبذا رجلين الزيدان، وحبذا رجالا الزيدون.
وأما التعجب المبوب له في النحو فإن كان المتعجب منه عينا والتمييز معني فالإفراد، إلا أن تقصد الأنواع فيجمع، نحو: ما أحسن زيدا أدبا! وما أحسن الزيدين أدبا! وما أحسن الزيدين أدبا! وكذلك أحسن بزيد أدبا! إلي آخره. وإن كان التمييز عينا طابق المتعجب منه في إفراد وفي تذكير وفروعهما، فتقول: ما أحسن زيدا رجلا! وما أحسن الزيدين رجلين! وما أحسن الزيدين رجالا! وكذلك: أكرم بزيد رجلا! إلي آخره.
وأما أفعل التفضيل فإن كان التمييز معني فكتمييز المتعجب منه، وإن كان عينا جاز إفراده وجمعه، فتقول: الزيدون أحسن الناس وجها، وأحسن الناس وجوها، ومن كلام العرب: هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها.
стр. 3038
وأما «كفى بزيد ناصرا» فيطابق ما قبله في إفراد وفي تذكير وفي فروعهما، قال تعالي ﴿وكفي بنا حاسبين﴾، وتقول: كفي بالزيدين شاهدين. وكذلك هدك وأحسبك ونهاك.
ويجوز في نحو «داري خلف دارك فرسخا» أن يثني ويجمع، فتقول: فرسخين، وفراسخ.
والتمييز بعد (كم) و (كائن) و (كذا) و (ربه) يأتي ذكره عند ذكر هذه إن شاء الله.
-[ص: ويعرض لمميز الجملة تعريفه لفظا، فيقدر تنكيره، أو يؤول ناصبه بمتعد بنفسه أو بحرف جر محذوف، أو ينصب علي التشبه بالمفعول به لا علي التمييز محكوما بتعريفه، خلافا للكوفيين. ولا يمنع تقديم المميز علي عامله إن كان فعلا متصرفا، وفاقا للكسائي والمازني والمبرد، ويمنع إن لك يكنه بإجماع، وقد يستباح في الضرورة.]-
ش: قد تقدم لنا ذكر طرف من تعريف التمييز عند ذكر المصنف في حده
«من نكرة»، وذكرنا اختلاف النحويين في ذلك. وتخصيص المصنف عروض التعريف. بمميز الجملة لا فائدة له، إذ الخلاف واقع في مميز المفرد ومميز الجملة، والسماع ورد في / بعض هذا وبعض هذا، فالتخصيص ليس بجيد.
وقوله فيقدر بنكرة يعني انه إن كان بـ (أل) قدرت زائدة، وإن كان بالإضافة نوي فيها الانفصال، وحكم بتنكير المضاف، قال المصنف في الشرح «كما فعل
стр. 3039
» في قولهم: كم ناقة وفصيلها لك فقدر: كم ناقة وفصيلا لها، وكما قال س [في] قولهم: كل شاة وسخلتها بدرهم، قال: «وإنما يريد: كل شاة وسخلة لها بدرهم»، وحكي عن بعضهم: هذه ناقة وفصيلها راتعان، علي تقدير: هذه ناقة وفصيل لها راتعين، ثم قال: «والوجه: كل شاة وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعين، لأن هذا أكثر في كلامهم، وهو القياس، والوجه الآخر قاله بعض العرب» انتهى.
ولا يتخرج غبن زيد رأيه، ووجع بطنه، علي أنها إضافة يراد بها الانفصال، لأن هذا ضمير يعود علي معرفة، وليس من مواضع انفصال الإضافة، فهي إضافة محضة، ولا يسوغ قياسه على: كم ناقة وفصيلها لك، ولا على كل شاو وسخلتها بدرهم، وهذه ناقة وفصيلها راتعان، لأن الضمير في هذه عائد علي نكرة، فيمكن أن يلحظ فيه التنكير بالنسبة إلي ما عاد عليه من النكرة، وإن كان الأكثر أن يلحظ فيه التعريف، ألا تري إلي جعل س قول الشاعر:
...................................... أظبي كان أمك أم حمار
من قبيل ما أخير فيه عن النكرة بالمعرفة، إذ الضمير في كان عائد علي ظبي، فهو نكرة من حيث المعني لعوده على نكرة.
стр. 3040
وقوله أو يؤول ناصبه بمتعد بنفسه فيؤول غبن بـ «سوأ» أي: جعله سيئا، وألم بـ «شكا». وأما سفه نفسه فذكر بعضهم أنه متعد بنفسه، وأن معناه: أهلك نفسه. وقال المبرد: ضيع نفسه. وقال الزمخشري: امتهم نفسه. وجعله نظير قوله ? (الكبر أن تسفه الحق). ويدل علي أنهم أرادوا التعدية أنهم يقولون: سفه زيد وسفه، ولا يقولون في نصب الرأي إلا سفه بالكسر، ولما كان لا يتعدى لم يسقطوا معه حرف الجر.
وقال صاحب «العجائب والغرائب» في قوله تعالى ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾: إن نسه توكيد لـ (من)، و (من) منصوب علي الاستثناء، كما تقول: ما قام أحد إلا زيدا نفسه.
وقوله أو بحرف جر محذوف: كأنه قيل: غبن في رأيه، ووجع في بطنه، وألم في رأسه، قم أسقط حرف الجر، فتعدي الفعل ونصب.
стр. 3041
وقوله أو ينصب علي التشبيه بالمفعول به فيحمل الفعل اللازم علي الفعل المتعدي، كما حملت الصفة اللازمة علي اسم الفاعل المتعدي، فقالوا: غبن رأيه والرأي، ووجع بطنه والبطن، كما قالو: هو حسن وجهه والوجه. قال المصنف في الشرح: «ومن ذلك قراءة بعضهم ﴿فإنه ءاثم قلبه﴾، ومنه قول الشاعر:
وما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا»
انتهى. ولا يتعين ما قاله في قراءة ﴿فإنه ءاثم قلبه﴾، إذ يجوز أن يكون (قلبه) منصوبا علي البدل/ من اسم إن، أي: فإن قلبه آثم.
وقال المصنف في الشرح:
«إلا أن النصب علي التشبيه بالمفعول به شاذ في الأفعال مطرد في الصفات. وإنما كان الأمر كذلك لوجهين:
أحدهما: أن الصفة اللازمة تساوي الصفة المتعدية في عمل الجر بالإضافة، بعد رفعها ضميرا، والجر أخو النصب وشريكه في الفضيلة، فجاز أن تساويها في استبدال النصب بالجر، والفعل بخلاف ذلك.
الثاني: أن المنصوب علي التشبيه بالمفعول به لو حكم باطراده في الفعل اللازم كمان حكم باطراده في الصفة اللازمة لم يتميز لازم الأفعال من متعديها، بل كان اللازم يظن متعديا، ولا يعرض مثل ذلك إذا كان النصب على التشبيه
стр. 3042
بالمفعول به مقصورا الاطراد علي الصفات شاذا في الأفعال. ومما شذ وروده في الفعل ما في الحديث من قول راويه (إن امرأه كانت تهراق الدماء)، أراد: تهراق دماؤها، فاسند الفعل إلي ضمير المرأة مبالغة، ثم نصب الدماء علي التشبيه بالمفعول به أو علي التمييز وإلغاء الألف واللام. ويجوز أن يكون أراد: تهريق الدماء، ثم فتح الراء، وقلب الياء ألفا لا لأنه فعل ما لم يسم فاعله، بل علي لغة طيئ، كما قال شاعرهم:
نستوقد النبل بالحضيض، ونصـ ... ـطاد نفوسا بنت علي الكرم
وكما الآخر:
أفي كل عام مأتم تبعثونه ... على محمر ثوبتموه، وما رضا
إلا أن المشهور في لغة طيئ أن يفعل هذا بلام الفعل لا بعينه، وحرف العلة في تهراق عين، فمعاملته معاملة اللام علي خلاف المعهود» انتهى.
وهذا تخريج في غاية البعد، لأن ذلك إنما تفعله طيئ بالياء المتحركة لفظا بالفتح، وتكون لام الكلمة، وهذا ليس كذلك، واصل هذا التخريج لأبي زيد السهيلي، زعم أن الدماء مفعول به صحيح، وأصله (أن امرأه كانت تهريق الدماء)، وهو في معني تستحاض، وهو مبني للمفعول به، فغسرت ياء تهريق في اللفظ فصار في اللفظ كتستحاض مبنيا للمفعول، ومرفوعه في المعني فاعل، والدماء مفعول صحيح.
стр. 3043
وأما قوله تعالى ﴿بطرت معيشتها﴾ فخرجه المصنف في الشرح علي تقدير انفصال الإضافة والتنكير، وعلي اسقاط حرف الجر، وعلي أن يكون الأصل: بطرت مده معيشتها، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب علي الظرفية، نحو ﴿وإدبار النجوم﴾.
وقوله لا علي التمييز محكوما بتعريفه، خلافا للكوفيين قد تقدم أن ابن الطراوة وافقهم علي ذلك، ومما استدل به علي ذلك باب الصفة المشبهة باسم الفاعل، ولا خلاف في جوازه فصيحا، وليس بتمييز عندهم، فان التمييز عندهم لفظة اصطلاحية منهم علي المفسر الذي لا يجوز فيه التعريف إلا شذوذا كمفسر المقادير، ولا يحفظ في لسان/ العرب: عندي رطل الزيت، ولا قفيز الشعير.
وقوله ولا يمنع تقديم المميز علي عامله إن كان فعلا متصرفا تقدم الخلاف في العامل في التمييز في نحو: طاب زيد نفسا، وتصبب زيد عرفا، ونحوه، وأن ابن عصفور حكي أن مذهب المحققين أنه ليس منصوبا بـ «طاب» ولا بـ «تصبب» ولا لما اشبههما من الأفعال، وأنه منصوب عن تمام الكلام، فالعامل فيه هو تمام الكلام،
وهو عامل معوي، وبني علي ذلك منع تقدمه علي الجملة بأسرها. واستدل علي صحه هذا المذهب بأن ما انتصب عن تمام الكلام قد لا يكون فيه فعل، نحو داري خلف دارك فرسخا، وبأنه قد لا يكون الفعل فيه طالبه، فكيف يكون ناصبا له، نحو: امتلأ الكوز ماء. وتقدمت منازعتنا له في المثالين. ولم يشعر المصنف بهذا الخلاف الذي ذكرناه، فلو يودعه فص كتابه ولا شرحه.
стр. 3044
ولم يتعرض المصنف لتوسط التمييز بين الفعل ومرفوعة، نحو: طاب نفسا زيد وكرم أصلا عمرو، وحسن وجها عمرو، وضرب ظهرا وبطنا بكر، ولا نعلم خلافا في جواز ذلك في نحو هذا الفعل، قال زفر بن الحارث:
فلو نبش المقابر عن عمير ... فيخبر عن بلاء أبي الهذيل
يطاعن عنهم الأقران حتي ... جري منهم دما مرج الكحيل
وقال آخر:
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوه خفرات
في أحد التوجيهين في مسكا. والتوجيه الآخر نصبه علي الحال.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: «التمييز المنتصب بعد تمام الكلام العامل فيه الفعل يجوز توسيطه، فتقول تفقا شحما زيد، وحسن وجها عبد الله، وهو متفق عليه» انتهى.
وقياس توسطه مع الوصف، فتقول أطيب نفسا زيد، وما حسن وجها عمرو، وما أحسن وجها منك أحد.
ومن زعم أنه يكون منقولا من مفعول فقياس قوله أن يجيز التوسط، فيقول: غرست شجرا الأرض، وفجرت عيوناً الأرض.
стр. 3045
ومن زعم أن قولهم دارى خلف دارك فرسخا هو من المنتصب عن تمام
الكلام لا يجيز توسيطه بين الجزأين فلا يقول: دارى فرسخا خلف دارك. واما من
يجعله منصوبا عن تمام الاسم فهو احرى بالمنع.
وأما المسألة التى ذكرها المصنف، وهى انه يجوز تقدم التمييز على العامل اذا
كان فعلا متصرفا فاحترز بقوله "متصرفا" من ان يكون غير متصرف، فانه لا
يجوز وذكر المصنف الاجماع على ذلك ومثاله: ما أحسن زيد رجلا! وأحسن
بزيد رجلا! فلا يجوز: ما رجلا أحسن زيدا ولا: رجلا أحسن بزيد.
ونقص المصنف شرط اخر فى جواز التقديم على العامل اذا كام فعلا
متصرفا وهو ان يكون التمييز غير منقول، فانه لا يجوز تقديمه على العامل فيه وان
كان فعلا متصرفا وهو قولك: كفى بزيد ناصرا كفى بزيد
باجماع ولا: شهيدا كفى بالله. وقد عده المصنف فى مميز الجملة، واما غيره
فعده فيما انتصب عن تمام الاسم , فامتنع التقديم كما امتنع فيما انتصب عن تمام
الاسم.
وقد أثبت المصنف كون التمييز منقولا من المفعول , فيندرج جواز تقديمه
على العامل اذا كان فعلا متصرفا فيجوز: شجرا غرست الارض وعيونا فجرت
الارض.
وأما ما العامل فيه الوصف فان المصنف جعله مما انتصب عن تمام المفرد ,
فقياس قوله يقتضى الا يجوز تقديمه على الوصف فلا يجوز: ما نفسا طيب زيد
ولا: اغضبا ممتلئ عمرو؟ وقياس من جعل ذلك منتصبا عن تمام الكلام ان يجيز
ذلك لجريان الوصف مجرى الفعل.
أما فى أفعل التفضيل فانه لا يجوز تقديم التمييز عليه مجال لا مقال: ما وجها
أحسن منك احد ولا: زيد وجها أحسن منك. والفرق بينه وبين الوصف الذى
قبله ان الوصف له فعل بمعناه , وأفعل التفضيل لم تبن العرب فعلا بمعناه فضعف
стр. 3046
عن أن يلحق بالوصف الذى ذكرناه ,ولضعفه اقتصر به على العمل فى الضمير
غالبا, ولا يعمل المظهر الا فى لغة ضعيفة أو بشرط , وسياتى ذلك فى بابه ان
شاء الله
وقوله ... وفاقا للكسائىوالمازنى والمبرد يعنى ان الكسائى والمازنى والمبرد
أجازوا: نفسا طاب زيد وعرقا تصبب بكر , وما اشبه ذلك وقال فى الشرح:
"حكى ابن كيسان أن الكسائى أجاز: نفسه طاب زيد. وان الفراء منع ذلك"
انتهى
وما ذهب اليه المصنف فى نقله عن الكسائى أنه يجيز تقديم التمييز على
العامل من حكاية ابن كيسان عن الكسائى "نفسه طاب زيد"زهم ,لان الكسائى
ليس مذهبه فى ذلك أنه مشبه بالمفعول ولذلك اختلف هو والفراء فى ذلك فالفراء
يعتققد أنه تمييز فمنع من تقديمه على الفعل ,والكسائى يعتقد انه مشبه بالمفعول,
فيجيز تقديه ,ولذلك أجاز الكسائى بناء هذا للمفعول لاعتقاده أنه مشبه بالمفعول
وحكى عن العرب: من المسفوه رأيه؟ ومن الرجوع ظهره؟ وخذه مطيوبة به
نفس وقد بينا وهم المصنف على الكسائى فى ان يجيز بناء الفعل الذى لم يسم
فاعله للتمييز فى باب النائب عن الفاعل فى قوله "ولا مميز خلافا للكسائى"
وذكرنا ذلك ان الكسائى لايعتقد كونه تمييزا بل مشبها بالمفعول ,وقد وافق
البصريون الكسائى فى جواز التقديم فى: رأسه وجع زيد ورايه سفه عمرو, وذلك
لاعتقادهم أن غير تمييز.
стр. 3047
ونقول: اختلف النحويونفى تقديمه على الفعل:
فذهب س والفراء وأكثر البصريين والكوفيين الى منع ذلك ,وبه
قال ابو على فى شرحه الابيات وأكثر نتأخرى أصحابنا.
وذهب الكسائى - ان صح النقل عنه من غير طريق المصنف - والجرمى
والمازنى والمبرد ومن اخذ بمذهبهم من البصريين وبعض الكوفيين الى جواز
ذلك ,وهو اختيار هذا المصنف وهو الصحيح لكثرة ما ورد من الشواهد على
ذلك وقياسا على سائر الفضلات , قال الشاعر:
أتهجر ليلى للفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق يطيب
стр. 3048
وقد تكلف المتأخرون فى تأويل هذا البيت على انه خبر كان على حذف
مضاف أى: وما كان ذا نفس بالفراق يطيب أو على أنه خبر كان بغير
اضمار لأن النفس يراد بها الانسان كما قالوا:
ثلاثة أنفس ......................... ... ..................................
حين أرادوا الذكر ,وعليه قراءة (بلى قد جائتك) بالفتح وفى يطيب
ضمير النفس اذا الفعل للنفس:
وقال ابن السيد:"لا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أنه ضرورة ,بدليل أنه لم يسمع الا فى هذا البيت" قال"فكما أن
جميع ما يرد من الضرائر لا يكون حجة على ما يستعمل فى فصيح الكلام فكذلك
هذا" قال: " والوجه الثانى أن الزجاج قال: ان الرواية:
.............................................. ... وما كان نفسى بالفراق تطيب"
انتهى
стр. 3049
أما الوجه الثاني فهو ضعيف جدا لأنه لا تعارض روايةبرواية لا بتخطئه
ولا بتكذيب.
واما الوه الاول فوافقه عليه ابن عصفور فقال "لم يجئ الا فى بيت
واحد من الشعر, ولا حجة فيه لانه قد يتقدم فى الشعر ما لا يجوز تقديمه فى
الكلام".
وهذا من ابن السيد وابن عصفور ومن قال بقولهما عدم اطلاع على كلام
العرب وتقليد ل "س" قال س: " وهو- يعنى -الفعل - فى انهم قد ضعفوه مثله " ,
يعنى مثل عشرين. وقال قبل ذلك:"ولا يقدم فيه المفعول فيقال ماء امتلأت ,كما
لا يقدم فى الصفات المشبهة":قال ابن الضائع:"وهذا فصل قد جمع السماع
والقياس فظاهر قوله (ولا يقدم) أنه ليس من كلامهم , وقاسه على الصفة لان
الحكم فيهما واحد فى النقل زالتفسير ز وايضا فالصفة تعمل فيه معرفة ونكرة,
فعملها اقوى وهذا لايعمل فيه الا نكرة فهو أحرى بمنع التقديم" انتهى.
وهذا غير متجه لأن كلام س لم ينقل فيه المنع عن العرب , انما هذا من رايه,
ولو اطلع على ما قالته العرب فى ذلك من التقديم لأتبعه ,لكنه هو لم يطلع على
ذلك ,وقد جاء منه جملة فى كلام العرب تبنى القواعد الكلية على مثلها ,ولم
стр. 3050
ينقل نصاً عن أحد من العرب انها تمنع ذلك ,فوجب القول بالجواز والحق أحق أن
يتبع قال ربيعة بن مقروم الضبى:
وواردة كانها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسنابك أصبها
رددت بمثل السيد نهد مقلص ... كميش اذا عطفاه ماء تحلبا
وقال بعض طيئ:
اذا المرء عينا قر بالاهل مثريا ... ولم يعن بالاحسان كان مذمما
وقال اخر:
ولست اذا ذرعا أضيق بضارع ... ولا يائس عند التعسر من يسر
وقال اخر:
أنفسا تطيب بنيل المنى ... وداعى المنون ينادى جهارا
وقال آخر:
следующие страницы →