← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وأجاز بعض النحويين في ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله﴾ أن ينتصب (مَقْتًا) على الحال، و (أن تَقولوا) فاعل (كَبُرَ). وفي ﴿كبرت كلمة تخرج﴾ أن تكون (كلمةً) حالاً موطِّئة بالصفة، والفاعل مضمر لتقدُّم ذكره. وتقدَّم مِن قولنا أنَّ فَعُلَ لا يُستعمل في الضمة النقل إلى فاء الكلمة إلا إذا كان للمدح أو الذمّ لا في التعجب، وأنشدا علي ذلك قول الشاعر: لم يَمْنَعِ الناسُ مِنَّي ما أَرَدتُ، ولا ... أُعْطِيهمُ ما أَرادُوا، حُسْنَ ذا أَدَبَا

стр. 3327

-[ص: باب حَبَّذا أصلُ «حَبَّ» من «حَبَّذا»: حَبُبَ، أي: صار حبيبًا، فأُدغِم كغيره، وأُلزِم مَنعِ التصرف وإيلاءَ «ذا» فاعلاً في إفرادٍ وتذكير وغيرهما. وليس هذا التركيب مُزيلاً فعليَّة حَبَّ، فيكون مع «ذا» مبتدأً، خلافًا للمبرد وابن السراج ومن وافقهما، ولا اسميةَ «ذا» فيكون مع حَبَّ فعلاً فاعلُه المخصوص، خلافًا لقوم. وتدخل عليها «لا»، فتحصل موافقهُ «بِئسَ» معنًى.]- ش: حَبَّذا ولا حَبَّذا من الصيغ التي وُضعت للمدح والذم عمومًا كِنعمَ وبئسَ، والعامّ ما أُجملت فيه الصفات المحمودة أو المذمومة بحيث لا يخصُّ اللفظ واحدًا منها إبلاغًا في ذلك؛ لأنَّ التخصيص يتطرق إليه احتمال أنَّ له الوصف الآخر. قيل: والفرق بينهما وبين نِغمَ وبئسَ أنَّ حَبَّذا تُشعر مع دلالتها على المدح بأنَّ الممدوح محبوب وقريب من النفس، ولا حَبَّذا بالعكس، ولا تُشعر بذلك نِعمَ وبئسَ. وقيل: ليستا للمدح والذم بالوضع، وإنما وَضعُها للمبالغة في تمكُّن الحب، فتكون أبلغ من أَحَبَّ، لكن الحبَّ قريب من المدح؛ لأنَّ المحبوب ممدوح في الأكثر. وقوله أصلُ حَبَّ من حَبَّذا حَبُبَ أي: صار حبيبًا يدلُّ على ذلك كونه لا يتعدى، ولأنَّ ما بُني للمدح من هذا النوع يكون على فَعُلَ أصلاً أو تحويلاً، ولأنه إذا لم يُستعمل مع «ذا» جاز نقل حركة العين إلى الفاء، وروي بالوجهين:

стр. 3328

............... ... وحُبَّ بها ... مَقتُولةً ... حينَ ... تُقْتَلُ ولا يجوز مع ذكر «ذا» إلا الفتح، فتقول: حَبَّذا. وأصله قبل استعماله للمدح فَغَلَ، وهو متعدِّ، تقول: حَبَبْتُ زيدًا ــ وهو أقلُّ من أَحْبَبْتُ ــ فهو محبوب، وهو أكثر من مُحَبّ، وهو حبيب، أي: محبوب، وقرأ أبو رجاء العُطارِديّ ﴿فاتَّبِعُوني يَحبَّكُمُ الله﴾، بفتح الياء وكسر الحاء، وكان قياسها الضم؛ لأنَّ المضعف من فَعَلَ المتعدي قياسُه يَفعُل، نحو شَدَّه يَشُدُّه. وقوله فأُدغِم كغيره متى كان ثلاثيَّا مضعفًا وجب الإدغام، وسواء أكان على وزن فَعَلَ كشَدَّ، أو فَعِلَ كشَلَّ، أو فَعُلَ كلَبَّ، وقد جاء في بعض ذلك الفك، نحو: لَحِحَتْ عينُه. وقوله وألزِمَ /منعَ التَّصَرُّف لأنه صار كالحرف الذي جيء به لمعنىً في غيره؛ إذ أصله ألا يدل على المدح، وذلك بخلاف غيره، فإنه يتصرف، نَحو: لَبَّ الرجلُ، تقول فيه: لَبُبْتَ ولم تَلْبُبْ، وفَعُلَ من المضاعف قليل النظير. وقولهوإيلاَء «ذا» فاعلاً أي: وأُلزِم إيلاءَ «ذا» فاعلاً، ذكر بعض النحويين الاتَّفاق على أنه لا يكون بعدها إلا «ذا» اسم الإشارة، وقد ورد فيها رفعها لغير الإشارة، كقوله:

стр. 3329

......... وحُبَّ مَنْ يَتَجَنَّبُ .................................. فقيل: هو استعمال للأصل، وإنما الكلام بعد التركيب. وقوله في إفرادٍ وتذكير وغيرهما مثال الإفراد والتذكير: يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ ... .......................................... ومثال التثنية قوله: حَبَّذا أنتما خَليلَيَّ إنْ لَمْ ... تَعْذلانِي في دَمْعِيَ المُهَراقِ ومثال الجمع قوله: وحَبَّذا نَفَحاتٌ مِن يَمانِيةٍ ... تأتيكَ مِن جَبَلِ ... الرَّيَّانِ أحْيانا وتقول: حَبَّذا الزيدون. ومثال التأنيث: ألا حَبَّذا هندٌ وأَرضُ بِها هندُ ... ...................................... وقول الآخر: يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيلُ الداجْ ... وطُرُقُ ... مِثلُ ... مُلاءِ ... النَّسَّاجْ وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنَّ «ذا» هو الفاعل هو على قولِ مَن لم يَّدعِ التركيب، وهو مذهب ابن كسيان، وابن دستوريه، والفارسي في

стр. 3330

«البغداديات» وابن بَرهان، وابن خروف، وظاهر مذهب الخليل وس على زعم المصنف. واختلف الذاهبون إلى هذا المذهب في علة إفراد اسم الإشارة وتذكيره وإن اختلف المخصوص بالتثنية والجمع والتأنيث: فقيل: امتنع أن يطابق المخصوص لأنه جرى كالمثل، نحو: «أَطِرَّي فإنَّكِ ناعِلة، و «الصَّيفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ». وقال أبو علي: (ذا) جنس شائع، فلا يختلف كما لا يختلف الفاعل في نِعمَ وبئسَ إذا كان ضميرًا. وقال ابن كيسان: إنما كان (١٠) ذلك لأنَّ الإشارة فيه أبدًا إلى مذكر محذوف. والتقدير عنده: حَبَّذا حُسنُ زيدٍ، وحَبَّذا أمرُه وشأنُه، وكذلك تثنيةً وجمعًا وتأنيثًا، ثم حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.

стр. 3331

قال في «البسيط»: «وهذا فاسد من وجوه: منها: أنه دعوى لا دليل عليها؛ إذ لم يتكلموا به في موضع، وإنما يُدَّعَى الإضمار إذا تُكُلَّم به في موضع. الثاني: أنَّ ما بعد الإشارة وصف له، ولا يُحذف لأنه هو العمدة؛ لأنه لازم الوصف في مواضع الإبهام كما في النداء، ولأنه كالمضمر في التفسير. والثالث: أنَّ حذف المضاف مع الإقامة لا يُخرج الملفوظ به عن أن يُعتبر في التثنية والجمع والتأنيث، فتقول: اجتمعتِ اليمامةُ، ولا تقول: اجتمعَ اليمامةُ» انتهى. وعلى هذا الوجه اعتمد ابن عصفور في رده على /ابن كيسان، قال: «لأنَّ العرب إذا حَذفت المضاف، وأقامت المضاف إليه مُقامه، فإنما تجعل الحكم من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع على حسب الملفوظ به لا المحذوف، فتقول: اجتمعت اليامةُ، ولا تقول: اجتمعَ اليمامُة، وإن كان الأصل فيه قبل الحذف: اجتمع أهلُ اليمامةُ» انتهى. وهذا الذي ذكراه ليس كما ذكراه، بل إذا حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مُقامه في الإعراب ــ لا يتعين أن تكون الأحكام على حسب ما أُقيم مُقامه، بل في ذلك طريقان: أحدهما ما ذكراه، وهو الأكثر. والثاني مراعاة المحذوف، وقد جاء ذلك في أفصح كلام، قال تعالى ﴿أو كظلمت في بحر لجي يغشه موج﴾، التقدير: أو كذي ظلمات، فأعاد الضمير على ذي المحذوف.

стр. 3332

والرابع: لو كان كذلك لجار أن تقول: حَبَّذا، ويتم المقصود؛ لأنه ليس لازم الوصف لجواز الحذف بالفرض، ولأنَّ بعض العرب ينصب بها التمييز لما أراد بيان الذات، ولو كان كما قال لكان الأَولى ردّ الأصل» انتهى. وقوله وليس هذا التركيب إلى قوله ومَن وافقهما قال المصنف في الشرح: «صرَّح المبرد في (المقتضب) وابن السراج في (الأصول) بأنَّ حَبَّ وذا جُعلتا اسمًا مرفوعًا بالابتداء. ولا يصحُّ ما ذهبا إليه من ذلك؛ لأنهما مُقرَّانِ بفِعليَّة حَبَّ وفاعلية ذا قبل التركيب، وأنهما بعد التركيب لم يتغيرا معنًى ولا لفظًا، فوجب بقؤهما على ما كانا عليه، كما وجب بقاء حرفية (لا) واسمية ما رُكِّبَ معها في نحو: لا غلامَ لك، مع أنَّ التركيب قد أَحدثَ في اسمِ (لا) لفظًا ومعنًى ما لم يكن، فبقاءُ جزأي حَبَّذا على ما كانا عليه أولَى؛ لأنَّ التركيب لم يغيرهما لا لفظًا ولا معنًى. وأيضًا لو كان تركيب حَبَّذا مُخرجًا من نوع إلى نوع لكان لازمًا كلزوم تركيب إذما، ومعلوم أنَّ تركيب حَبَّذا لا يلزم لجواز الاقتصار على حَبَّ عند العطف، كقول بعض الأنصار ﵁: فَحَبَّذا ... رَبَّا، وحَبَّ ديِنا

стр. 3333

أراد: وحَبَّذا دِينا، فحَذف ذا، ولم يتغير المعنى، ولا يُفعل ذلك بـ (إذْما) وغيرها من المركبات من المركبات تركيبًا مُخرجًا من نوع إلى نوع، فعُلم بذلك أنَّ تركيب حَبَّذا ليس مُخرجًا من نوع إلى نوع. وأيضًا لو كان حَبَّذا مبتتدأ لدخلت عليه نواسخ الابتداء كما تدخل على غيره من المبتدآت؛ فكان يقال: إنَّ حَبَّذا زيدٌ، وكان حَبَّذا زيدًا، وفي مَنعِ ذلك دلالة على أنَّ حَبَّذا ليس مبتدأ. وأيضًا لو كان مبتدأ لَلَزِمَ إذا دخلتْ عليه (لا) أن يُعطف عليه منفي بـ (لا) أخرى، فكان يمتنع أن يقال: لا حَبَّذا زيدٌ، حتى يقال: ولا المرضيُّ فِعلُه، ونحو ذلك، كما يُفعل مع المبتدأ الذي حَبَّذا مُؤَدِّ معناه. واختار ابن عصفور اسمية حَبَّذا مُستَدلاَّ بأنَّ العرب قد أكثرتْ من دخول (يا) عليها دون استيحاش؛ وزعم أنَّ فِعْلَ ذلك مع غيرها مما فِعلِيتَّه مُحَقَّقة مُستَوحَش منه، كقوله:/ ألا يا اسْقيِاني قَبلَ غارةِ سِنْجالِ ... ..................................... وعكسُ ما ادَّعاه أَولَى بالصحة؛ لأنَّ دخول (يا) على فعل الأمر أكثر من دخولها على حَبَّذا، فمن ذلك قراءة الكساني ﴿ألا يا اسْجُدُوا﴾، قال العلماء:

стр. 3334

تقديره: ألا يا قوم اسجدوا، فكذلك يكون التقدير في يا حَبَّذا: يا قومِ حبَّذا، أو نحو ذلك، فإنَّ حذف المنادى وإبقاء حرف النداء مُجَوَّز بإجماع، ومنه قول الشاعر: يا، لعنةُ اللهِ والأقوامِ كُلِّهِم ... والصالحينَ على سِمعانَ مِنْ جارِ وليس بشيء قولُ مَن قال في قراءة الكسائي: إنَّ معناها: ألا لَيِسْجُدوا، فحذف لام الأمر، وبقي الفعل مجزومًا؛ لأنه قد روي عن الكسائي أنَّ القاريء بروايته إذا اضطرَّ إلى الوقف على الياء يقف بالألف، ويبدأ بعدها (اُسْجُدوا) بضم الهمزة، فعُلِمَ بذلك أنه فعلُ أمرٍ قبلَه (يا). وقد جعل بعض العلماء (يا) في مثل هذا لمجلاد التنبيه دون قصد نداء، مثل (ها) ومثل (ألا) الاستفتاحية. وهذا هو الظاهر من كلام س في (باب عدَّة ما يكون عليه الكلم). ويؤيد هذا كثرةُ دخولها على (ليت) في كلام مَن لا يَحضره منادًى، ولا يَقصد نداًء، كقوله ﴿يليتنى كنت معهم﴾، وكثرةُ معاقبتها لـ (ألا) الاستفتاحية قبل ليتَ وربَّ، كقول الشاعر:

стр. 3335

ألا ليتَ شِعْرِي هل أَبِيتَنَّ ليلةً ... بِوادٍ وحَولِي إذخِرٌ وجَلِيلُ وكقول الآخر: يا ليتَ شِعْرِيَ هل يُقْضَى انْقضاءُ نَوَى ... فَيجمَعَ اللهُ بينَ الرُّوحِ والجسد وكقول امرئ القيس: ألا رُبَّ يومٍ صالحٍ لكَ منهما ... ولا سِيَّما ... يومٌ ... بِدارةِ ... جُلْجُلِ وكقوله أيضًا: فيا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ ... وَراءَهُ ... وطاعَنْتُ عنه الخَليلَ حتى تَنَفَّسَا» انتهى. قال س: «وزعم الخليل أنَّ حَبَّذا بمنْزلة حَبَّ الشيءُ، ولكنَّ ذا وحَبَّ بمنْزلة كلمة واحدة؛ نحو لولا، وهو اسم مرفوع، كما تقول: يا بنَ عَمَّ، فالعَمّ مجرور؛ ألا ترى أنك تقول للمؤنث حَبَّذا، ولا تقول حَبَّذه؛ لأنه صار مع حَبَّ على ما ذكرتُ لك، وصار المذكَّر هو اللازم؛ لأنه كالمَثَل». قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير ــ ﵀ ــ «لا تَعَلَّقَ لِمن يَنسُب إليه أنَّ حَبَّذا كله اسم بهذا اللفظ؛ إذ ليس صريحًا، بل لو قيل إنَّ ظاهره رَعْي الفصل لكان الوجه؛ ألا ترى تنظيره بـ (ابن عَمَّ)، وقوله (فالعَمّ مجرور)، وتعويله على تعليل بقاء (ذا) مع المذكر والمؤنث على صورة واحدة، فلهذا عَوَّل ابن خروف وأبو علي الشلوبين على هذا المفهوم» انتهى.

стр. 3336

وممن ذهب إلى أنه بمجموعه اسم السيرافي وغيره، /وحملوا كلام س في قوله «وهو اسم مرفوع» على أنَّ «وهو» عائد على قوله «ولكنَّ ذا وجَبَّ بمنْزلة كلمة واحدة» أي: وحبَّذا اسم مرفوع. والقائل الآخر يقول: «وهو» عائد على «ذا» وحده. واستَدلً مَن قال بِغَلَبة الاسم في التركيب بأنَّ جهة الاسمية أصل، والاسم أكثر تصرفًا؛ لأن الخبر يَستَقِلُّ به، ولأنَّ التركيب يكون من الأسماء، نحو بَعْلَبَكّ، ولا يكون من الأفعال. ونَسب أبو الحسين بن أبي الربيع إلى الخليل وس هذا المذهب، قال: «وعليه أكثر النحويين». وقال في «اللباب»: «استَدَلَّ من قال بالتركيب وجَعَلَهما في تقدير اسم مفرد بحسن ندائه، وبقولهم: ما أُحَيبِذَه، فصغروه تصغير المفرد، وبأنَّ ذا لم يُثَنَّ ولم يُجمَع، وبأنه لا يُحذف، ويضمر في الفعل كما فُعل بِنعمَ. وهذا لا يعتمد عليه؛ لأنَّ المنادى محذوف، ولأنَّ التصغير شاذّ، ولأنَّ إفراده لكونه جرى المثل، والأمثال لا تُغَيَّر عن أَوَّليَّتها». وظاهر كلام المصنف أنَّ حبَّذا مع كون «حَبَّ» فعلاً ماضيًا، و «ذا» فاعل به مركب؛ ألا ترى إلى قوله «وأنهما بعد التركيب لم يتغيرا معنًى ولا لفظًا»، وأنَّ تشبيهه بقولك: لا غلام. على أنه يحتمل أن يُتأوَّل كلامُه على أنه يريد بالتركيب نقلَه إلى معنى المدح العامّ، وكونَه لم يبق على مدلوله الأول من أنه يدلُّ على معنًى خاص من المحبة، وكونه كان متصرفًا. وينبغي هذا التأويل لنصهم على أنَّ من قال بأنه فعل وفاعل لا يدَّعي التركيب.

стр. 3337

وقوله ولا اسمية ذا إلى قوله خلافًا لقوم استَدَلَّ مَن قال بغلبة الفعل على الاسم في التركيب في حَبَّذا بأنه هو المبدوء به، وهو أكثر حروفًا. ورَجَّحَ بعضهم هذا بأنه لا يبقي معه شذوذ، وهو كون أحدهما مفردًا والآخر مثنَّى، فلا يتبعه، نحو: حَبَّذا الزيدان، ولأنه يفسَّر، والمبتدأ ليس فيه إبهام حتى يكون التمييز من تمامه. وممن ذهب إلى كونه مركبًا وأنه كله فعل، والمخصوص فاعل ـ أبو الحسن الأخفش وأبو بكر خَطَّاب. وليس في قول العرب «لا تُحَبَّذْه» دلاله على أنَّ حَبَّذا كله فعل؛ إذ ليس مضارعَ حَبَّذا، وإنما هو مضارع لـ «حَبَّذْ»، ومعنى لا تُحَبِّذه: لا تقل له حَبَّذا، كما تقول: لم يُبَسْمِلْ زيدٌ، أي: لم يقل باسمِ الله. وقال بعض أصحابنا: استدلُ القائلون بالتركيب بإفرادِ اسم الإشارة، وبكونِ حَبَّ لا يتصرف بحسب المشار إليه، وبكونِ العرب لا تَفصل بين (حَبَّ) و (ذا) بشيء، لا تقول: حَبَّ في الدار ذا زيدٌ، وأنت تريد: حَبَّذا في الدار زيدٌ. وقوله وتَدخل عليها (لا) فتَحصل موافقة بئسَ معنًى إذا دخلتْ «لا» على حَبَّذا كانت للذمّ كما كانت دون «لا» للمدح، وقال الشاعر: لا حَبَّذا أنتِ يا صَنعاءُ مِنْ بَلَدٍ ... ولا شَعُوبُ هَوًى مِنِّي ولا نُقُمُ وقال الآخر: /

стр. 3338

ألا ... حَبَّذا عاذِرِي في الَهوَى ... ولا ... حَبَّذا ... الجاهِلُ ... العاذِلُ وقال الآخر: ألا حَبَّذا أهلُ الَملا غيرَ أنَّه ... إذا ذُكِرَتْ مَيُّ فلا حَبَّذا هِيَا ودخول «لا» على حَبَّذا لا يخلو من إشكال؛ لأنك إمَّا أن تُفَرَّع على أنَّ حَبَّذا كلُه فعل، أو حَبَّ فعل، و «ذا» اسم، وكلاهما لا ينبغي أن تدخل عليه «لا»؛ لأنَّ «لا» لا تدخل على الماضي غير المتصرف، وتدخل على المتصرف قليلاً. أو تُفَرَّع على أنه بمجموعه اسم، ولا ينبغي أن تدخل عليه؛ لأنه إمَّا أن تقدِّره منصوبًا بها، وليس بجيد؛ لأن النصب على العموم، نحو: لا رجلَ، ولا يصح هنا لأنه خصوص. وإمَّا أن تقدَّره مرفوعًا، وليس بجيد؛ لأنَّ الأصح تكرار «لا»، فلا بُدَّ منه، ولا يجوز أن تكون غير مكررة إذا ارتفعت الأسماء بعدها بالابتداء إلا على مذهب الأخفش والمبرد. ص: ويُذكَر بعدهما المخصوصُ بمعناهما مبتدأً مخبرًا عنه بهما، أو خبرَ مبتدأ لا يظهر، ولا تعمل فيه النواسخ، ولا يُقَدَّم، وقد يكون قبلَه أو بعدَه تمييزٌ مطابق أو حالٌ عاملُه حَبَّ، وربَّما استُغني به أو بدليل آخر عن المخصوص. وقد تُفرَد حَبَّ، فيجوز نقلُ ضمة عينها إلى فائها، وكذا كلُّ فَعُلَ حلقيّ الفاء مُراد به مدحٌ أو تعجُّبٌ. وقد يُجَرُّ فاعلُ «حَبَّ» بباءٍ زائدة تشبيهًا بفاعِلِ أو أفْعِلْ تعجُّبًا.

стр. 3339

ش: الضمير في «بعدهما» عائد على حَبَّذا وعلى لا حَبَّذا، ولَّما كان المصنف قد اختار أنَّ حَبَّ فعلٌ ماضٍ، وأنَّ الفاعل به «ذا» ـ فَرَّعَ الإعراب على ذلك، فيجوَّز فيه وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأً مخبرًا عنه بهما، والرابط للجملة بالمبتدأ هو اسم الإشارة، كقوله تعالى ﴿ولباسُ الَتقْوَى ذَلِكَ خيرُ﴾، هذا إذا قلنا بأنَّ «ذا» أريد به الخصوص، وإن قلنا إنه شائع فالعموم هو الرابط. الوجه الثاني: أن يكون خبرَ مبتدأ محذوف واجب الحذف، كأنه قيل لمن قال حبَّذا: مَن المحبوب؟ فقال: زيدٌ، يريد: هو زيدٌ. قال المصنف في الشرح: «والحكم عليه بالخبرية هنا أسهل منه في باب نِعمَ؛ لأنَّ مصعِّبه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء، وهي هنا لا تدخل؛ لأنَّ حَبَّذا جارٍ مجرى المثل، والمثل وما جرى مجراه لا يغيَّران». وقال ابن كيسان: ليس مبتدأ، بل هو تابع لـ «ذا» على البدل تبعًا لازمًا. وأمَّا من قال بالتركيب وتغليب الاسم فاختارأبو علي أن تكون حَبَّذا خبرًا، والمخصوص مبتدأ. وقال المبرد: حَبَّذا مبتدأ، والمخصوص خبره. وأباه أبو علي. وأجاز بعضهم فيه هذين الوجهين ووجهًا آخر، وهو أن يكون مبتدأُ محذوف الخبر كالأوجه الثلاثة التي أجازوها في: نِعمَ الرجلُ زيدٌ.

стр. 3340

وذهب بعض النحويين إلى أنه عطف بيان، وبعضهم إلى أنه بدل لازم. وأبطل كونَه مبتدأَ محذوف الخبر أو خبرَ مبتدأ محذوف جوازُ حذف المخصوص، فيَلزم حذف الجملة بأسرها من غير دليل على حذفها، وكونها تكون جملةً مفلتة مما قبلها /لا موضع لها من الإعراب. ويُبطل عطفَ البيان مجيء المخصوص نكرة واسم الإشارة معرفةً، فقد اختلفا تعريفًا وتنكيرًا، وذلك لا يجوز في عطف البيان، ولذلك خطِّئ الزمخشري في إعرابه ﴿مَقَامُ إبراهِيمَ﴾ عطف بيان من ﴿ءايت بينت﴾ للتخالف في التنكير والتعريف. ومما جاء فيه التخالف في حبَّذا قول الشاعر: وحَبَّذا نَفَحاتٌ مِن يَمانيةٍ ... تأتيكَ مِن جَبَلِ الرَّيَّانِ أَحْيانا ويُبطل البدلَ أنه على نَّية تكرار العامل، ولا يجوز له أن يلي حَبَّ، وعدمُ مطابقة اسم الإشارة للبدل. وأمَّا مَن قال إنه كله فِعل، فغَلَّبَ جَنْبة الفعلية ــ فإنَّ المرفوع بعد حَبَّذا فاعل به. ويُبطل هذا الإعرابَ أنه يجوز حذفُه، والفاعلُ لا يُحذف. وقوله ولا تَعمل فيه النواسخ فلا تقول: كان حبَّذا زيدٌ، لا برفع زيد ولا بنصبه، بخلاف نِعمَ وبئسَ، فإنه قد تقدَّم لنا ذكر جواز ذلك، فتقول: كان نعمَ الرجلُ زيدٌ. ولا تظهر علةٌ في منع ذلك، وإنما الرجوع في ذلك للاستقراء. وقوله ولا يُقَدَّم يعني أنه لا يقال: زيدٌ حَبَّذا، وذلك بخلاف نِعمَ وبئسَ، فإنه يجوز تقديمه عليهما، فتقول: زيدٌ نعمَ الرجلُ، مع أنَّ التقديم مرجوح في نِعمَ لانهم

стр. 3341

أرادوا الإبهام، فكان التأخير أحسن لأنه موضع تفسير، ولَزِمَ في حَبَّذا تأخيره. وما نقصَ حَبَّذا من التصرف الذي في نِعمَ وبئسَ فلأنها فرع عنهما، فلا يكون فيها ما يكون في الأصل من وصفٍ وتأكيدٍ وتقديمٍ وغير ذلك، قاله في البسيط. وقال المصنف في الشرح ما معناه: «إنَّ علة امتناع دخول النواسخ على حَبَّذا وامتناع تقديم المخصوص عليها هو أنها جَرَت مجرى المَثَل، وما جرى مجراه لا يُغَيَّر. وأغفلَ أكثر النحويين التنبيه على هذين الحكمين، ونَبَّهَ ابن بابشاذ على امتناع التقديم، لكن جَعل سببَ ذلك خوف توهُّم كون المراد: زيدٌ أَحَبَّ ذا، وتوهُّمُ هذا بعيد، بل المانع إجراؤه مُجري الَمثَل» انتهى. وقوله وقد يكون قبله أو بعده تمييز مطابق مثال مجيء التمييز قبله قول الشاعر: ألا ... حَبَّذا قَومًا سُلَيمُ، فإنَّهُمْ ... وَفَوْا ... إذ ... تَواصَوْا بالإعانِة والنَّصْرِ ومثال مجيء التمييز بعده قول رجل من طِّيئ: حَبَّذا الصَّبرُ شِيمةً لامْرىٍء را ... مَ مُباراةَ مُولَعٍ بالَمعالي ومعنى قوله مطابق أي: للمخصوص المذكور بعد حَبَّذا، يطابقه في إفراد وتذكير وفروعهما، فتقول: حَبَّذا رجلاً زيدٌ، وحَبَّذا رجلين الزيدان، وحَبَّذا رجالاً الزيدون، وحَبَّذا امرأةً هندٌ، وحَبَّذا امرأتين الهندان، وحَبَّذا نساءً الهندات. وكذا لو تأخر التمييز عن المخصوص، فإنه يطابقه أيضًا، نحو: حَبَّذا زيدُ رجلاً، إلى آخر المُثُل. وظاهر قول المصنف وقد يكون قبله أو بعده /تمييز أن الأولى أن يتقدم التمييز على المخصوص، وذلك من حيث قُدِّم تقديمه على المخصوص على تأخيره

стр. 3342

عنه، وقد صرَّح بذلك في الشرح، قال فيه: «وإذا قُدِّم عليه المخصوص، وأُخِّر هو ــ يعني التمييز ــ فهو سهل يسير، واستعمالُه كثير، إلا أنَّ الأوَّل أَولى وأكثر»، ويعني بالأوَّل تقديم التمييز على المخصوص. وهذا الذي اختاره المصنف هو مخالف لقول أبي علي الفارسي، قال أبو علي: «ضَعْفُ حَبَّذا رجلاً زيدٌ يؤكَّد عندك ضَعفَ حَبَّ؛ ألا ترى أنهم إنما ينصبون بعد تمام الكلام، ولّما لم يستقلّ حَبَّ بـ (ذا) ــ وإن كان في الأصل فعلاً وفاعلاً ـ ضَعُفَ، نحو: حَبَّذا رجلاً زيدٌ؛ لأنَّ الجملة لم تتمّ بعد وإن كان قد تقدم فعل وفاعل، فإذا تأخَّر بعد زيد جاء بعد استقلال الكلام، فحسُن النصب» انتهى كلامه، ويظهر منه أنَّ الناصب لهذا المنصوب ليس حَبَّ، وإنما هو منتصب عن تمام الكلام من: حَبَّذا زيدٌ. وكذا المتفهَّم من كلام أبي محمد بن السِّيْد، قال في قوله: يا ... حَبَّذا ... جَبّلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ ............................... «مِن جبلٍ: في موضع نصب على التمييز، والعامل فيه معنى الجملة المقدمة، كما قال الآخر: يا فارِسًا ما أنتَ مِن فارسٍ! ................................. كأنه قال: هو حبيب إلي من بين الجبال، أو اختصصته بمحبتي من بين الجبال، كذا قال الكسائي والفراء» انتهى كلام ابن السَّيْد. ونقول: مَن أَبقى «حَبَّ» و «ذا» على أصلهما من الفعل والفاعل ــ كما ذهب إليه المصنف ــ فالذي يقتضيه مذهبه هو ما قاله المصنف من أنَّ تقديمه أجود؛

стр. 3343

وأنَّ تأخيره ضعيف؛ لأنَّ العامل فيه عنده هو حَبَّ، فيكون ذلك فصلاً بين العامل والمعمول بالمخصوص. ويَقوى ضَعفُه إذا أعربنا المخصوص خبر مبتدأ محذوف، فيصير فصلاً بجملة بين العامل والمعمول، وليست جملةً اعتراضية، فكان القياس يقتضي ألاً يجوز ذلك. وقوله أو حالٌ مثال مجيء الحال قبل المخصوص قول الشاعر: [يا حَبَّذا مَرْجُوَّا الُمثرِي السَّخِي ... مَنْ يَرْجُهُ فَعَيشُهُ العَيشُ الرَّخِي] ومثال تأخير الحال عنه قول الشاعر: يا حَبَّذا المالُ مَبذُولاً بلا سَرَفٍ ... في أَوْجُهِ ... البِرِّ إسْرارًا وإعْلانَا وقول الآخر: يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِراُبها ... طَيِّبَةً وباردًا شَرابُها على أنَّ طَيِّبةً يحتمل أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «اقترابها». وحكم الحال في مطابقة المخصوص قبله وبعده حكم التمييز. وأمَّا التقديم للحال على المخصوص والتأخير عنه فيظهر من عطف قوله «أو حالٌ» أنها مساوية للتمييز، فيكون تقديمها أولى من تأخيرها. وقيل: التمييزُ ينبغي تقديمه، وأمَّا الحال فيستوي فيها /الأمران.

стр. 3344

وقال المصنف في الشرح: «فأما التمييز فكثير ومتفق على استعماله». وقال أيضًا: «والتزم بعض المتأخرين كونَ المنصوب بعد (ذا) تمييزًا، وليس ذلك ملتزمًا؛ لأنَّ الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر» انتهى. وهذا الذي ذكره المصنف من أنَّ التمييز مُتَّفَق على استعماله إن عنى الاتفاق من العرب على فهمه عنهم أنه تمييز فيمكن؛ وإن عنى أنَّ الاتفاق من النحاة فليس كذلك، فنقول: اختلف النحويين في هذا المنصوب بعد حَبَّذا: فذهب الأخفش، والفارسي، والرَّبعيّ، وخَطَّاب المارِدِيّ، وجماعة من البصريين ـ إلى أنه منصوب على الحال لا غير؛ وسواء أكان جامدًا أم مشتقَّا. وذهب أبو عمرو بن العلاء إلى أنه منصوب على التمييز لا غير، وسواء أكان جامدًا أم مشتقَّا. وأجاز نصبَه على التمييز الكوفيون وبعض والبصريين. وفَصَّل بعضهم، فزعم أنه حال إن كان مشتقَّا، وتمييز إن كان جامدًا. وقبول الجامد والمشتقّ دخول مِن عليهما يرجَّح أن ينتصبا على التمييز؛ لأنَّ الحال لا تدخل عليها مِنْ. والذي يظهر أنه إن كان جامدًا كان تمييزًا، وإن كان مشتقَّا فمقصدان للمتكلم: فإن أراد تقييد المبالغة في مدح المخصوص بوصف كان ذلك المنصوب

стр. 3345

حالاً، ولا يصح دخول مِن عليه إذ ذاك. وإن أراد عدم التقييد بل تبيين جنس المبالَغ في مدحه كان ذلك المنصوب تمييزًا، مثال الأول: حَبَّذا هندٌ مُواصِلةً، أي: في حال مُواصلتها. ومثال الثاني: حَبَّذا راكبًا زيدٌ، وهذا الذي تدخل عليه من. وفي «البسيط» جواز نصب هذا المنصوب بإضمار «أعني». فلا يكون إذ ذاك لا تمييزًا ولا حالاً، بل هو مفعول بهذا الفعل المضمر، وهو قول غريب. وقوله ورُبَّما استُغني به أو بدليل آخر عن المخصوص فمثال ما استغنى بذكر التمييز عن المخصوص قول الراجز: باسمِ الإلهِ، وبهِ بَدِينا ... ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِينا فحَبَّذا رَبَّا وحُبَّ دِينا أي: فحَبَّذا رَبَّا الإلهُ. ومثالُ ما حُذف فيه المخصوص لدليل آخر غير التمييز، وذلك للعلم به، كما حُذف في نِعْمَ وبئسَ إلا أنه في حَبَّذا قليل ــ قولُ الشاعر: ألا حَبَّذا لولا الحياءُ ... ، ورُبَّما ... مَنَحتُ الَهوى مَنْ ليسَ بالُمتَقارِبِ يريد: ألا حَبَّذا حالتي معكِ، يشير إلى أنَّ هواه إياها، وزيارته لها، وما ترتَّب على ذلك في قوله:

стр. 3346

هَوِتُكِ حتى كادَ يَقتُلُنِي الهَوى ... وزُرتُكِ حتى لامَنِي كُلُّ صاحِبِ وحتى رأي مِنَّي أدانِيكِ رِقّةً ... عليكِ، ولولا أنتِ ما لانَ جانِبِي وبعد ذلك البيت: بأهلي ظباٌء منْ رَبيعة عامر ... عِذابُ الثْنايا، مُشْرِفاتُ الحَقائِبِ وفي جواز حذفه دليلٌ على فساد قولِ مَن ذهب إلى أنَّ حَبَّذا كله فعل، وأنَّ المخصوص فاعل به؛ إذ الفاعل لا يجوز حذفه. ودليلٌ على أنه لا يكون خبرَ مبتدأ محذوف؛ إذ يلزم حذف /الجملة بأسرها من غير عِوض عنها ولا قائم مقامها، وذلك لا يجوز. ومِن أحكام حَبَّذا جوازُ الفصل بالنداء بينها وبين مخصوصها، كما قال كثَّير: فقلتُ ــ وفي الأحشاءِ داءٌ مُخامِرٌ ــ ... ألا حَبَّذا ــ يا عَزّ ــ ذاكِ التَّشايُرُ وجواز تأكيدها التأكيد اللفظي، أنشد أبو الفتح في «المنصف»: ألا حَبَّذا حَبَّذا حّبَّذا ... حَبيبٌ تَحَمَّلتُ فيه الأَذَى ويا حَبَّذا بَرْدُ أنْيابِهِ ... إذا أّظْلَمَ اللّيلُ واجْلَوَّذا ومجيءُ المخصوص اسم إشارة مخالفًا في الرتبة لـ «ذا» المتصلة بحَبَّذا نحو ما أنشدناه من قوله:

стр. 3347

................... ... ألا حَبَّذا ــ يا عَزّ ــ ذاكِ ... التَّشاُيرُ وقول الآخر: فقد بَسْمَلَتْ ليلى غَداةَ لَقِيتُها ... فيا حَبَّذا ذاك الحَبيبُ المُبَسْمِلُ ويُقَوِّي هذا كونَ حَبَّذا مركبة، وأنَّ «ذا» ليس فاعلاً بـ «حَبَّ»؛ لتحالفه مع «ذاك» رتبةً؛ لأنَّ «ذا» موضوع للقريب، و «ذاك» موضوع للبعيد على قول، أو للوسط على قول، ولا يمكن أن يكون الشيء في الحالة الواحدة قريبًا بعيدًا، أو قريبًا متوسطًا، إلا بتجوُّز. وأمَّا ما ذكره المصنف من أنه يجوز حذف ذا، واستدلاله على ذلك بقوله: فَحَبَّذا رَبَّا، وحَبَّ دِينا وتقديره «وحَبَّذا دينًا» فإنَّ القواعد تأبى ذلك؛ لأنه إن كان فاعلاً فلا يجوز حذفه، وإن كان جزءًا من المركب الذي حُكم عليه بأنه اسم كله أو الذي حُكم عليه أنه فعل كله فلا يجوز حذفُه؛ لأنه حالة التركيب صار جزءًا من أجزاء الاسم أو أجزاء الفعل، فكما لا يصحُّ حذف الاسم ولا بعض الفعل كذلك لا يصحّ في حَبَّذا. وأمَّا قوله «وحَبَّ دينا» فلا حجة فيه على حذف ذا؛ لأنَّ لِحَبَّ استعمالين: أحدهما: أن تليها «ذا»، وتُضَمَّن المبالغة في المدح. والثاني: ألا تليها «ذا»، وتكون مما بُني على فَعُلَ، وأجري مُجرى نِعمَ وبئسَ، ويتخرَّج «وحَبَّ دينا» على أن تكون «حَبَّ» استُعملت هذا الاستعمال الثاني، فيكون في حَبَّ ضمير يفسِّره قوله «دِينا»، ويكون قد حذف المخصوص،

стр. 3348

وتقديره: وحَبَّ دينًا ديُننا، كما أنك تقول لمن ذكر زيدًا: نِعمَ رجلاً، تريد: نِعمَ رجلاً زيدٌ، فيكون مثل قول الشاعر: وزادَهُ كَلَفًا بالحُبِّ أَنْ مَنَعَتْ ... وحَبَّ شيئًا إلى الإنسانِ ما مُنِعا وإذا احتمل أن يكون من باب نِعمَ وبئسَ لم يكن في قوله «وحَبَّ دِينا» دليل على جواز حذف «ذا». ومِن ذهب إلى أنَّ «ذا» فاعل بـ «حَبَّ» في قولهم «حَبَّذا زيدٌ» فهو لا يجيز إتباعه لا بنعت ولا عطف ولا تأكيد ولا بدل؛ ويجوز ذلك في المخصوص. وقوله وقد تُفْرَدُ حَبَّ، فيجوز نقل ضمة عينها إلى حائها يعني أنها تفرد مِن ذا، فيجوز أن يكون مرفوعها /كل اسم يصحّ أن يكون فاعلاً، فيجوز أن تبقى الحاء مفتوحة استصحابًا لحالها من الفتح السابق فيها، ويجوز ضم الحاء نقلاً لضمة عين الكلمة إلى الفاء؛ إذ قد بُني حَبَّ على وزن فَعُلَ، ولا يسوغ هذا النقل إلا حيث لا يكون الفك، فإن كان الفك ــ كإسناد حَبَّ إلى ما يسكن له آخر الفعل ـ لم يجز النقل، فتقول: حَبُبْتَ يا هذا، وحَبُبْتِ يا هند، وكذلك ما أشبهه، وإنما يجوز النقل فيما لم يكن فيه فكٌّ، نحو حُبَّ زيدٌ في حَبَّ زيدٌ. وقوله وكذا كلُّ فَعُلَ حلقيّ الفاء مراد به مدح أو تعجُّب يعني أنه يجوز نقل ضمة فَعُلَ إلى الفاء إذا أريد به المدح أو التعجب. وقال المصنف في الشرح: «وهذا النقل جائز في كل فِعلٍ على فَعُلَ مقصود به التعجب، كقول الشاعر:

стр. 3349

حُسْنَ فِعلاً لقاءُ ذي الثروة المُمْـ ... ـلقَ بالبِشْرِ ... والعَطاءِ الجَزيلِ» فخصَّ النقل بما قُصد به التعجب، وقال في المتن «مراد به مدح أو تعجب». وظاهر كلام المصنف أنَّ النقل مختص بما فاؤه حرف حلقيّ، نحو حَبَّ وحَسُنَ وخَبُثَ وغَلُظَ، وكان على وزن فَعُلَ مرادًا به مدحٌ أو تعجب. وليس مختصَّا بذلك، بل كل فَعُلَ أو تحويلاً لمدح أو ذم يجوز فيه النقل، فتقول: لَضُرْبَ الرجلُ، بضم الضاد. وقوله وقد يُجَرُّ فاعِلُ حَبَّ بباءٍ زائدة تشبيهًا بفاعِلِ أفْعِلْ تَعَجُّبًا ظاهر قوله وقد يُجَرُّ التقليل، وهو مخالف لظاهر ما قال في آخر باب نِعمَ وبئسَ بأنه يَكثُر انجرار فاعله بالباء، وبعض الشواهد التي استدلَّ بها هناك استدلَّ بها هنا، وذلك قول الشاعر: فقلتُ: اقْتُلُوها عَنكمُ بِمِزاجها ... وحُبَّ بها مَقتُولهً حينَ تُقتَلُ قال هنا في الشرح: «يُروى بضم الحاء وفتحها. وحكى الكسائي: (مررتُ بأبيات جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْن أبياتًا)، فحذف الباء، وجاء بضمير الرفع، وهذا الاستعمال جائز في كل فعل ثلاثي مضمَّن معنى التعجب» انتهى. فبيَّن بهذا أنَّ الجر بباءٍ زائدة لهذا النوع ليس مختصَّا بفاعلِ حَبَّ. وتقدمت لنا شواهد كثيرة علي جواز جرِّ فاعل هذا النوع بباء زائدة في آخر باب نِعمَ وبئسَ، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.

стр. 3350

/ص: باب التعجب يُنصَب المتعجَّب منه مفعولاً بموازن «أفْعَلَ» فعلاً لا اسمًا، خلافًا للكوفيين غير الكسائي، مُخْبَرًا به عن «ما» بمعنَى شيءٍ لا استفهامية، خلافًا لبعضهم، ولا موصولة، خلافًا للأخفش في أحد قوليه. ش: التعجب لغوي واصطلاحي: فاللغوي هو التأثير الحاصل للنفس عند الاستطلاع على أمر خارج عن المعهود للمتأثر، فـ «التأثر» جنس إذ هو من قبيل الانفعالات كالفرح والغضب والحزن، فتقول: عَجِبَ وحَزِنَ وغَضِبَ، ولذلك لا يجوز من الله تعالى لعلمه بجميع الأمور، فلا يتأثر بشيْ لأنه قديم، لا يقبل الحوادث، وسيأتي الكلام فيما جاء من ذلك وتأويله إن شاء الله. و «الحاصل للنفس» فصل يَخرج به الحاصل للجسم كالاضطراب ونحو. و «عند الاستطلاع» فصل يَخرج به ما يكون عند غيره من وقوع ما يسرّ، فيحصل الفرح أو ضده، فيقع الحزن. و «على أمر خارج عن المعهود» لأنه إن لم يكن كذلك لم يوقع الانتقال لحصول العلم به قبل ذلك في الجملة، ولذلك لا يكون التعجب من الله؛ لأنه معلوم أنه لا يتناهى جلاله، ولا يدخل تحت حصر العقول جماله، وسيأتي ما ورد من ذلك في حقه تعالى وتأويله إن شاء الله. و «المعهود» أعمُّ من أن يكون له نظير، فتأثَّر استعظامي يقتضي تفضيله على نظيره بزيادة زادها عليه بعد حصول المشاركة، أو لا يكون له نظير؛ لأنه قد يوجد كذلك، والنظير: المِثل، فيكون ذلك مخترعًا بالنسبة للذي تعجب منه، وستأتي شروط الوصف الذي يُتَعَجَّب منه.

стр. 3351

والاصطلاحي: هو التعجب الاستعظامي بتغيير الفعل الدال على المتعجَّب منه إلى صيغة أخرى قصدًا للتعجب لفظًا أو تقديرًا، فـ «التعجب» جنس، وهو نوع من اللغوي. و «استعظامي بتغيير إلى آخره» احتراز من اللفظ الذي وضع للتعجب من حيث هو تعجب، نخو عَجِبَ وتَعَجَّبَ، فإذا أرادوا ما يتعلق به عَدَّوه بـ «مِن»، نحو: عَجبت من زيد، وتعجَّبت منه. واحتراز أيضًا من التعجب الذي ضُمَّنَه الكلام معنًى وإن لم يكن في أصل الوضع له، فكلا هذين ليس بتغيير للفعل إلى صيغة أخرى، وهذا الأخير لم يُبَوَّب له باب في النحو، والتعجب فيه بعُرف أو بقرينة، وذلك ألفاظ كثيرة، منها: سُبحان الله! ولا إله إلا الله! وسُبحانَ الله من هو! ومررتُ برجلٍ أيِّما رجلٍ! وزيدٌ ما زيدٌ! ومنه ﴿القارعة ١ ما القارعةـ﴾ ﴿الحاقة ما الحاقة﴾، ووَيْلُمَّه رَجُلاً! ولِلِه دَرُّه فارسًا! وحَسبُك به فارسًا! وكفاك بزيدٍ رجلاٍ! وسُبحانَ الله رجلاً، ولك أن تُدخل «مِن» في هذه الأربعة، والعظمةُ لِلِهِ مِن رَبَّ! وحَسبُك بزيد فارسًا! ويجوز حذف الباء، فترفع زيدًا. ولِلِه دَرُّه! واعْجَبُوا لزيدٍ رجلاً، ومن رجلٍ! وكاليومِ رجلاً! وكالليلةِ قمرًا! وكَرَمًا وصَلَفًا! ويا لِلماءِ! ويا لِلدَّواهي! ويا حُسْنَه رجلاً! ويا طيبَها مِن ليلة! ويا لكَ فارسًا! وإنك مِن رجلٍ لَعالمُ! وما أنتَ من رجلٍ! ولا يجوز حذف «مِن» في قولك: إنكَ مِن رجلٍ /لَعالُم! فأمَّا «ما أنتَ من رجلٍ» فقيل: لا تُحذف، وأمَّا «ما أنت من رجل» فقد خَرَّجوا: .......................... ... يا جارَتا، ما أنتِ جارَهْ

стр. 3352

على أنَّ «جارة» تمييز، ويجوز: ما أنتِ مِن جارة. ولِلِه أنتَ! وواهًا له! ولِلِه لا يُؤخَّرُ الأجل! و «وا» في أسماء الأفعال، وأيُّ رجلٍ زيدٌ! و (كيف تكفرون بالله﴾! و (لأي يوم أجلت﴾! و ﴿عم يتساءلون﴾! و: ......................... .... ... لا كَلعَشِيَّة زائرًا ومَزُورَا وقد رسم النحويون التعجب برسوم: فقال ابن طلحة في كتاب «الدلالة»: التعجبُ إفراطُ التعظيم لصفةِ المتعجَّب منه. وقال غيره: «التعجبُ تغييرٌ يَلحق النفس لِما خفي فيه السبب مما لم تَجرِ به عادة». وقال ابن عصفور: «التعجب استعظامُ زيادة في وصف الفاعل، خَفي سببها، وخرج بها المتعجَّب منه عن نظائره، أو قَلَّ نظيره» وقال غيره: «التعجبُ استعظامُ فعلِ فاعلٍ ظاهرِ الَمزِيَّة». وقوله يُنصب المتعجَّب منه مفعولاً بموازن أَفْعَلَ هذا مذهب س والبصريين أنَّ نصب الاسم في: ما أَظْرَفَ زيدًا! هو على المفعول به. وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أنَّ نصبه هو على حدِّ ما انتصب في قولهم: زيدٌ كريمُ الأبَ، فأصله: زيدٌ أظرَفُ مِن غيره، إلا أنهم أتو بـ «ما»، فقالوا: ما أظرَفُ زيد؟ على سبيل الاستفهام، ونقلوا الصفة من زيدٍ، وأسندوها إلى ضمير «ما»، وانتصب زيد بـ «أظرَفَ» فرقًا بين الخبر والاستفهام. والفتحة في «أَفْعَلَ» فتحة

стр. 3353

إعراب، وهو خبر عن «ما»، وإنما انتصب لكونه خلاف المبتدأ الذي هو «ما»؛ إذ هو في الحقيقة حبرٌ عن زيد، وإنما أتي بـ «ما» ليعود عليها الضمير، والخبر إذا كان خلاف المبتدأ كان منتصبًا بالخلاف على رأي الكوفيين في: زيدٌ خلفَك. قال السيرافي: «وهذا قول لا دليل عليه، ويُفسده أنه نصب أحسنَ وهو اسم في موضع خبر المبتدأ، والتفريق بين المعاني لا يُحيل الإعراب عن وجهه». وزعم بعض الكوفيين أنَّ «أَفْعَلَ» مبنيّ وإن كان اسمًا؛ لأنه تضمَّن معنى التعجب، وأصله أن يكون للحرف. ورُدَّ هذا بأن التضمُّن إنما يكون للموجود لا للمعدوم، ولا حرف يدل على التعجب فيتضمنه الاسم. وقوله فِعلاً لا اسمًا خلافًا للكوفيين غير الكسائي يعني أنَّ أَفْعِلَ في التعجب هو فعل عند البصريين والكسائي، والهمزة فيه للنقل. وهو اسم عند الكوفيين غير الكسائي. ونقل بعض أصحابنا أنه اسم عند الكوفيين، ولم يستثن منهم الكسائي، فلعلَّ له قولين. واستدلُّوا على فعليته بكونه مبنيَّا على الفتح، وبنصبه المفعول به الصريح، وليس من قبيل الأسماء التي تنصب المفعول به، وبلزوم نون الوقاية له إذا نَصب ياء المتكلم، قال المصنف في الشرح: «ولا يَرِدُ على هذا عَلَيكَنِي ولا رُوَيدَني؛ فإنه

стр. 3354

قد يقال فيهما: عليكَ بي، ورُوَيدَ لي، فُيستغنى فيهما عن نون الوقاية بالباء واللام، بخلاف: ما أَفْقَرَنِي، فإن النون فيه لازمة غير مستغنًى عنها بغيرها» انتهى. وما ذكروه من لزوم نون الوقاية لفعل التعجب هو على طريقة البصريين، وأمَّا الكوفيون فإنهم يجيزون: ما أَظْرَفِي! يجعلون نون الوقاية جائزة مع ياء المتكلم لا واجبة، وحكَوه سماعًا عن العرب. واحتجَّ من قال إنه اسم بكونه لا يتصرف، وبتصغيره، وبصحة عينه، فقالوا: ما أُحَيْسِنَه! وما أَطْوَلَه! كما قالوا: هو أَطْوَل من كذا، ولا يصحّ ذلك /في الفعل، وبكونهم تعجَّبوا من الله تعالى، فقالوا: ما أَعْظَمَ الله! ولا يصحّ: شيء أَعْظَمَ الله؛ لأنَّ عظمته لا سبب لها، ولا هي مجعولة. وأُجيب بأنَّ امتناع تصرفه لأنَّ معنى ذلك غير محتاج إليه؛ لأنه لَزِمَ طريقة واحدة، وما لَزِمَ طريقة واحدة لم يتصرف، كليسَ وعَسى. وبأنَّ تصغيره وصحة عينه لشبهه بأَفْعَل التفضيل في كون أَفْعَل التفضيل قد يكون للتعجب، ولأنَّ المشترك بنيَّة الزيادة والفضل، ولأنه على لفظه، وأنه يدُّل على المدح، ولذلك قد تسقط منه نون الوقاية. وقيل: تصغيره ملاحظة لمصدره؛ لأنه لمَّا لم يَجر عليه صار تصغيره بدلاً من جريانه عليه. وقيل: لأنه بدل من التصرف الممنوع له. قيل: ولا يقال في تصحيح عينه: إنه شذوذ؛ لوجوده في أَفْعَل، قالوا: أّطْوَلتِ، وأَغْيَمَتِ السماُء، ولأنه قد صحَّ في نحو حَوِلَ وعَوِرَ وصَيِدَ. وأمَّا التعجُّب من الله تعالى فعلى تأويل السبب المُعْلِم بالسبب الموجب، أي: ما أعظمَ قُدرةَ الله، وسيأتي الكلام فيه.

стр. 3355

وقال مَن زعم أنَّ أَفْعَلَ في التعجب فِعل: لو كان أَفْعَل اسمًا فإمَّا أن يكون للمفاضلة على أصله أو لغير المفاضلة، لا جائز أن يكون للمفاضلة لعدم استعماله لِما ذكرنا من التعجب، ولا جائز أن يكون لغير المفاضلة لأنه لا يُعهد في كلام العرب أَفْعَل إلا اسمًا أو صفة، لا جائز أن يكون صفةً، فيكون التقدير: شيءٌ أَحْسَنُ زيدًا أي: حَسَنٌ زيدًا؛ لأنَّ المعنى ليس على هذا، ولأنَّ أَفْعَل للصفة غير المفاضلة لا يُشتَقُّ قياسًا، وأَفْعَل هذا في التعجب قياس. ولا جائز أن يكون اسمًا للتعجب؛ لأنه يصير المعنى: شيءٌ تعجبٌ، وليس ذلك مرادًا، فثبت بهذا كله أنه فِعل. وقوله مُخْبَرًا به عن «ما» بِمعنَى شيء، لا استفهامية، خلافًا لبعضهم أمَّا كونها بمعنى شيء، فتكون ما تامة، والفعل بعدها خبر عنها ـ فهو مذهب الخليل و «س» وجمهور البصريين، وأجمعوا على أنَّ ما اسم مرفوع بالابتداء إلا خلافًا شاذَّا، رُوي عن الكسائي أنه لا موضع لها من الإعراب. واستدلَّ من ذهب إلى أنها تامَّة نكرة خبرية بأنه قد وُجدت تامَّة في كلام العرب في قولهم: غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمَّا، أي: نِعْمَ الغَسْلُ، وقولهم: إنَّي مِمَّا أنْ أَصنَعَ، أي: مِن الأمرِ أنْ أَصنَعَ، لكنَّها في باب نِعْمَ لا تكون نكرة لِما ذكرنا في باب نِعْمَ وهي هنا نكرة لزم لفظها التعجب. وذهب الفراء وابن درستويهِ ٦ إلى أنَّ «ما» استفهامية، دخلها معنى التعجب. وتأوَّلَه ابن درستويه على الخليل، قال: «معنى قول الخليل في (ما أَحْسَنَ

стр. 3356

زيدًا) إنه استفهام دخله معنى التعجب كأنه الذي من حقه أن يقال فيه: أيُّ شيءٍ حَسَّنَه؟». واستدلَّ عليه بإجماعهم على أنَّ قولهم (أيُّ رجلٍ زيدٌ) استفهام دخله معنى التعجب. وتقدَّم قول الفراء: إنَّ (ما أَحسَنَ زيدًا) أصله: ما أَحْسَنُ زيدٍ، وتقريره. وقال المصنف: «أمَّا كونها استفهامية ــ وهو قول الكوفيين ــ فليس بصحيح؛ لأنه إمَّا أن تكون مجردةً للاستفهام، أو له وللتعجب معًا كما هي في ﴿فأصحب الميمنه ما أصحب الميمنة). فالأول باطل بإجماع، ولأنَّ اللفظ المجرد للاستفهام لا يَتوجَّه ممن /يَعلم إلى من يَعلم، وما أَفْعَلَه صالح لذلك، فلم يكن لمجرد الاستفهام. والثاني باطل؛ لأن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه عالبًا إلا الأسماء، نحو ﴿وأصحب اليمين ما أصحب اليمين)، ﴿وأصحب الشمال ما أصحب الشمال)، ﴿والحاقة ما الحاقة)، و ﴿القارعة ما القارعة)، ونحو قول الشاعر (١٠): يا سَيَّدًا، ما أنتَ مِنْ سَيَّدٍ ... ................................

стр. 3357

ومثله: ............................... ... يا جارَتَا، ما أنتِ جارهْ و (ما) المشار إليها مخصوصة بالأفعال، فعُلم أنها غير المتضمنة استفهامًا» انتهى. ويقول الكوفيون: لا نُسلَلِّم أنها مخصوصة بالأفعال؛ ألا ترى أنَّ مذهبهم في أَحْسَنَ أنه اسم. وهل هو معرب أو مبنيّ، فيه خلاف بينهم. قال المصنف في الشرح: «وأيضًا لو كان فيها معنى استفهام لجاز أن تخلفها أيُّ كما جاز أن تخلفها في نحو: .......... ما أنتَ مِنْ سَيَّدٍ ................................ لأنَّ استعمال أيِّ في الاستفهام المتضمن تعجبًا كثير، كقوله: أيُّ فَتَى هَيجاءَ أنتَ وجارِها ... ........................... وأيضًا فإنَّ قصد التعجب بِما أفْعَلَه مجمع عليه، وكونه مشوبًا باستفهام أو ملموحًا فيه استفهام زيادة لا دليل عليها، فلا يُلتفت إليها». وقال ابن الطراوة: الشيء إذا زاد على حده المتعارف، وخرج عما عليه نظائره ــ فإنَّ العرب تَضُمُّ له لفظًا ينقله عن بابه إلى معنى التعجب، وذلك قولهم في المتناهي الحسن: ما أَحْسَنَه! ومثله: ما أَشْجَعَه! وما أَظْرَفَه! ينقلون الفعل عمن هو له وبه إلى لفظ مبهم لا يَخُصُّ واحدًا من جمعٍ ولا جمعًا من تثنية؛ وهو (ما)، ولا تكون (ما) في الخبر بغير صلة إلا في هذا الباب؛ لأنَّ الصلة تبيِّن الموصول وتوضحه، والمتعجِّب لا يدري الضرب الذي تَعَجَّبَ منه كيف خَرج عن بابه، ولا

стр. 3358

ما الذي أخرجه حتى صار إلى تلك الحال، ولو وَصل (ما) كان قد بَيَّنَ وأَوضح، وليس هذا طريق التعجب؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: شيءٌ أَحسَنَ زيدًا؛ إذ كان (شيء) بهذا اللفظ يَخُصُّ الواحد، ويميز بينه وبين ما ليس بواحد، فعدلوا عنه لذلك إلى ما هو أعمُّ منه، وهو (ما). وقال المصنف في الشرح ــ وقد ذكر المذاهب في (ما) ـ: «والقول الأول قول البصريين، وهو الصحيح؛ لأنَّ قصد المتعجِّب الإعلام بأنَّ المتعجب منه ذو مزية، إدراكُها جَلِيُّ، وسبب الاختصاص بها خَفِيُّ، فاستَحَقَّت الجملة المعَّبر بها عن ذلك أن تُفتَتَح بنكرة غير مختصَّة ليَحصل بذلك إبهام متلوُّ بإفهام، ولا ريب في أنَّ الإفهام حاصل لإيقاع أَفْعَلَ على المتعجَّب منه؛ إذ لا يكون إلا مختصَّا، فتعيَّن كون الباقي مقتضيًا للإبهام، وهو (ما)، فلذلك اختير القول بتنكيرها، ولا يمتنع الابتداء بها ـ وإن كانت نكرة غير مختصَّة ـ كما لم يمتنع الابتداء بـ (مَن) و (ما) الشرطيتين والاستفهاميتين». وقوله ولا موصولة خلافًا للأخفش في أحد قوليه الأجود أن يقول: «في أحد أقواله»؛ لأنه روي عن الأخفش ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نكرة تامة، كمذهب الجمهور. الثاني: أنها موصولة، وأَفْعَل صلة لها، وبه قال طائفة من الكوفيين، ويكون الخبر محذوفًا لازم الحذف. قال المصنف في الشرح: «فيتحصل أيضًا بقوله هذا

стр. 3359

إفهام وإبهام، فحصول الإفهام بذكر المبتدأ وصلته، وحصول الإبهام بالتزام حذف الخبر، إلا أنَّ /هذا القول يستلزم مخالفة النظائر من وجهين: أحدهما: تقدُّم الإفهام وتأخُّر الإبهام، والمعتاد فيما تضمَّن من الكلام إفهامًا وإبهامًا تقديم ما به الإبهام وتأخير ما به الإفهام، كما قد فُعل بضمير الشأن ومفسَّره، وبضميري نِعمَ ورُبَّ، وبالعموم والتخصيص، وبالمميَّز والتمييز، وأشباه ذلك. الثاني: كون الخبر فيه مُلتَزَم الحذف دون شيء يسدُّ مَسَدَّه، والمعتادُ في الخبر المُلتَزَم الحذف أن يَسُدَّ مَسَدَّه، شيء تحصل به استطالة، كما كان بعد لولا، وفي نحو: لَعَمرُك لأَفْعَلَنَّ، فالحكمُ بموصولية ما وكون الخبر محذوفًا دون استطالة حُكمٌ بما لا نظير له، فلم يُعَوَّل عليه. ويقال له: الخبر المحذوف إن كان معلومًا فقد بطل الإبهام المقصود، أو مجهولاً فلا يصح حذفه، فإنَّ شرط صحة حذف الخبر ألا يكون مجهولاً» انتهى. والثالث من أقوال الأخفش: أنَّ «ما» نكرة موصوفة، وأَفْعَلَ صفتها، والخبر محذوف، والتقدير: شيءٌ حَسَّنَ زيدًا عظيمٌ. وقد رُدَّ مذهب الأخفش في كون «ما» موصولة، وأنَّ حذف الخبر قد يكون للإبهام ـ والمراد هنا الإبهام في وصف السبب ــ كما حُذف للإبهام في قوله ... ﴿أن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم﴾، كما حذف جواب لو في قوله ﴿ولو ترى إذ وقفوا)، ﴿ولو تري إذ الظلمون﴾ ــ بأن الإبهام تمنعه الصلة؛ لأنه لا تجتمع معه؛ لأنَّ المراد هنا إبهام ذات السبب لا إبهام ما يُنسب إليه، وحَذفُ الخبر مع وجود الصلة إبهام ما ينسب إليه، وإيضاح للذات؛ لأنَّ الصلة توضح الموصول.

стр. 3360

وبهذا يُرَدُّ عليه في زعمه أنَّ «ما» نكرة موصوفة؛ لأنَّ الصفة تُخَصِّص الموصوف، فهي قريبة من الصلة، فالإبهام إذ ذاك ليس في ذات السبب، إنما هو في الخبر المنسوب إلى السبب. -[ص: وكأَفْعَلَ أَفعِلْ خبرًا لا أمرًا مجرورًا بعده المتعجَّب منه بباء زائدة لازمة، وقد تفارقه إن كان أنْ وصلتها. وموضعُه رفعٌ بالفاعلية لا نصب بالمفعولية، خلافًا للفراء والزمخشري وابن خروف. واستُفيد الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط كما استُفيد الأمر من مُثبَت الخبر، والنَّهيُ من مَنفِيَّه، وربما استُفيد الأمر من الاستفهام. ولا يُتَعَجَّبُ إلا من مختصّ، وإذا عُلم جاز حذفه مطلقًا، ورُبَّما أُكَّدَ أَفْعلْ بالنون، ولا يؤكَّد مصدرٌ فعلَ تعجُّب ولا أفْعَلَ تفضيل.]- ش: لا خلاف في فعلية أَفْعِلْ؛ إذ هذا الوزن لا يوجد في الاسم إلا قليلاً جدَّا، نحو أصْبع إحدى لغات الإصبَع، هكذا نقلوا، وفي كلام ابن الأنباري ما يدلُّ على أنَّ أَفْعِل اسم لا فعل، قال: «وإذا قلت: ما أحسنَ عبدَ الله! فأرادت أن تُسقط ما وتتعجب قلت: أحْسِنْ بعبدِ الله! وإذا أردتَ أن تأمر من هذا قلت: يا زيدُ أَحْسنْ بعبد الله رجلاً، وإذا ثَّنيت قلت: يا زيدان أَحْسنْ بعَبدَي الله رجلين، ويا زيدون أَحْسِنْ بعبيد الله رجالاً، وتنصب رجالاً على التفسير، وأحْسِنْ لا يُثَنَّى، ولا يُجمع، ولا يؤنث؛ لأنه اسم، وأَحْسِنْ ليس بأمرٍ من هذا» يدلُّ على أنه أمر. وقوله أخيرًا «إنه اسم وليس بأمرٍ للمخاطب» يدلُّ على أنه تجوَّز /في قوله «وإذا أردت أن تأمر من هذا». وإذا قلنا إنه اسم فإنه يُشكل؛ لأنه يكون إذ ذاك مبنيَّا على السكون، ولا أدري ما موضعه من الإعراب. ويعني ابن الأنباري بقوله «لا يُثَنَّى ولا يُجمع ولا يُؤنث لأنه اسم» أي: لا يكون فيه ضمير تثنية ولا جمع ولا تأنيث.

стр. 3361

وقوله خبرًا لا أمرًا أي: معناه معنى الخبر، وهو الفعل الذي هو على صيغة أفْعِلْ، والهمزة فيه للصيرورة، وإن كانت صورته صورة الأمر، لكنه ليس بأمر حقيقة، هذا مذهب جمهور البصريين، فإذا قلت أحْسِنْ بزيدٍ فمعناه: أحْسَنَ زيدٌ أي: صار ذا حُسْن، كقولهم: أبْقَلَتِ الأرضُ، أي: صارت ذات بَقْل، وهو خبر معناه التعجب، فمدلوله ومدلول ما أَحْسَنَ زيدًا من حيث التعجب واحد؛ إذ ليس المعنى أنه كانت منه صيرورة إلى التعجب منه فيما مضى؛ إذ لا تقول ذلك إلا وأنت مُنشىئ للتعجب منه لا على حقيقة الإخبار. وذهب الزجاج ومَن وافقه إلى أنه أمر حقيقة، وليس مرادًا به الخبر، والهمزة فيه للنقل، وسيأتي تقرير هذا المذهب. وقوله مجرورًا بعده المتعجَّبُ منه بباءٍ زائدةٍ وهو نظير قول العرب: كفى بالله. والدليل على زيادتها في كفى باللهِ جواز حذفها ورفع الاسم بعدها، قال: ....................... كَفَى الشَّيبُ والإسلامُ لِلْمَرءِ ناهِيا وسيأتي الخلاف في هذه الباء في حروف الجر إن شاء الله. وقوله لازمةٍ يعني أنه لا يجوز حذفها، فلا يقال: أحْسِنْ زيدٌ، ولا: أَحْسِنْ زيدًا، على مذهب من يعتقد أنه فعل أمرٍ حقيقة.

стр. 3362

وقوله وقد تُفارقه أن كان أنْ وصلتَها أي: وقد تفارق الباءُ المجرورَ بها إنْ كان أنْ وصلَتها، فيجوز في أَجْوِدْ بأنْ يكتبَ زيدٌ أن تقول: أجْوِدْ أنْ يكتبَ زيدٌ، وقال الشاعر: وقالَ نَبِيُّ المسلمينَ: تَقَدَّمُوا ... وأَحْبِبْ إلينا أنْ نكونَ المُقَدَّما وقوله وموضعُه رفعٌ بالفاعلية أي: وموضع المجرور رفع بالفاعلية، وتقدَّم بيان ذلك. وقوله لا نصبٌ بالمفعولية، خلافًا للفراء والزمخشري وابن خروف هذا قولُ مَن ذهب إلى أن أَفْعِلْ أمر حقيقة، وليست الهمزة فيه للصيرورة، بل هي للنقل، كهي في: ما أَحْسَنَ زيدًا! والقائلون بأنه أمر حقيقة اختلفوا على قولين في الفاعل: فقيل: المخاطب الحُسن، وإليه ذهب ابن كيسان، فكأنه قيل: يا حُسْنُ أَحْسِنْ بزيدٍ، أي: الْزَمه ودُمْ به، ولذلك كان الضمير مفردًا على كل حال، ووجهّ الفعل إلى الاسم المبهم عند المتعجب، وهو السبب الخفيّ الذي حَسَّن زيدًا في عين المتعجِّب الذي هو (ما) في قولك: ما أَحْسَنَ زيدًا! وصار الذي أبهم على المتعجِّب من حُسن زيد كالشيء تخاطبه، كأنك قلت: أَحْسِنْ يا حُسْنُ بزيدٍ، وافعلْ ما شئت به، أي: أنت على ذلك قادر، فالْزَمه، وصَرِّفه كيف شئت من التحبيب إلينا.

стр. 3363

قال ابن طلحة: «وهذا قول حسنٌ لتتوفر حقيقة اللفظ في الفعل وفي الاسم، فاللفظ لفظ الأمر، فيجب /أن يكون بين البابين نسب حتى تصح الاستعارة، ولم يتمحَّض فيه الأمر، لأنَّ المواجَه به غير محصَّل، فالاعتماد على المتعجَّب منه، ولذلك صار المعنى: حَسُنَ زيدٌ جدَّا، ولَّما لم يتمحَّض فيه معنى الأمر لم يصح أن يجاب، وأمكن أن يقطع فيه على أحد محتملين» انتهى وقال غيره في تقرير هذا القول: كان الأصل: حَسُنَ زيدٌ، ثم دخلت همزة النقل على معنى: أَحْسَنَ زيدًا أمرٌ ما وسببُ ما، ثم أرادوا أمر الفاعل بأن يقع به على جهة اللزوم مجازًا، فكأنهم أمروا السبب باللزوم، أي: الزمْه يا سببُ، فمعنى أحْسِنْ بزيد! أي: دُمْ له، فهو أمر حقيقة. وقد رُدَّ هذا المذهب بأنهم يصرَّحون بخطاب الشخص، فيقولون: يا زيدُ أَحْسِنْ بعمرٍو، فكيف يكون الضمير لمخاطبين. وقال المصنف في الشرح: «وقد يُتَوَهَّمُ أنَّ أَفْعِلْ أمرُ خوطب به المصدر على سبيل المجاز، كأنَّ من قال: أَحْسِنْ به! قائل: يا حُسْنُ أَحْسِنْ به، فلهذا لزم الإفراد والتذكير. أشار إلى هذا أبو علي في (البغداديات) منفَّرًا منه وناهيًا عنه. ومما يبيِّن فساده أنَّ من المصادر المصوغ منها أَفْعِلْ ما لا يكون إلا مؤنثًا كالسُّهولة والنَّجابة، فلو كان الأمر على ما تَوَهَّمَه صاحب هذا الرأي لَقِيل في أَسْهِلْ به، وأَنْجِبْ ِبه: أَسْهِلِي به، وأَنْجِبِي به، لكنه لم يُقَبلْ، فصحَّ بذلك فساد ما أدَّى إليه» انتهى.

стр. 3364

ولا دليل في ذلك على فساد هذا القول؛ لأنَّ أصل المصدر ألا يجيء بتاء التأنيث، فرُوعِيَ في تذكير الضمير ما كان يستحقُّه المصدر من التذكير، وإن لم يُنطَق به مذكرًا، لكنه ذُكَّرَ على ما كان يستحقُّ أن يجيء عليه، ولأن يجري الأمر في ذلك مجًرى واحدًا، كما ذكروا في: ما أَحْسَنَ زيدًا! وإن كان مؤثِّر التعجُّب قد يكون مؤنثًا ولأنَّ ذلك جرى مجرى الأمثالُ لا تحتمل التغيير. والقول الثاني أنَّ المخاطب هو الشخص، فإذا قلت أَحْسِنْ بزيدٍ فالفاعل ضمير المخاطب، فكأنك قلت: أَحْسِنْ يا مخاطبُ بزيدٍ، ولا يبرز الضمير باختلاف المخاطب تثنية وجمعًا وتأنيثًا؛ لأنه جرى مجرى المَثَل، وكان الأصل: شيءٌ أَحْسَنَ زيدًا، أي: كان سببَه أو حَكَمَ بحسنه، ثم أَمروا المخاطب بذلك، فمعنى يا زيدُ أَحْسِنْ بعمرٍو، أي: احْكُمْ بحُسْنه، ولَزِمَت الباء في المفعول ليكون للأمر في معنَى التعجب حالة لا تكون له حالة غير التعجب. وقال بعض أصحابنا: ويحتمل أن تكون الهمزة لا للنقل، بل على معنَى أَقْطَعَ النخلُ، ثم أَدخَلوا الباء على معنى انه صيَّره كذلك، أي: صَيَّرَه ذا حُسْنٍ وذا كَرَمٍ أمرٌ ما، ثم أُمر السبب أو الشخص على النَّحْوَين المتقدِّمَين، فتكون الباء للتعديه. وقد استدلَّ القائلون بأنه ليس بأمر حقيقة على ذلك بعدم بروز الضمير إذا كان المخاطب مثنَّى أو مجموعًا أو مؤنثًا، ولأنَّ الهمزة إمَّا للتعدية فيجب نصب ما بعد الفعل، وليس كذلك. وإمَّا لغير التعدية كأَقْطَفَ الكَرْمُ، فيكون فاعلاً، والأصل فعلَ زيدٌ، وأنت تقول: فعلَ بزيد، فتُدخل الباء في الأصل، فكذلك دخلت في الفرع. وقال ابن طلحة: «الدليل على أنه ليس بأمر أنه محتمل للصدق والكذب؛ لأنَّ المخبِر به قد قطع على أحد /محتملين. ودليل آخر أنه لا يجاب بالباء، وما مِن

стр. 3365

أمر إلا ويجوز أن يجاب بالباء، وإنما خصُّوا التعجب بلفظ الأمر لِما فيه مِن معنَى المبالغة، فقد قالوا: كُنْ ما شئتَ، إذا أرادوا المبالغة، وقال تعالى في التهديد والوعيد (قل كونوا حجارة أو حديدا﴾. وقال الصَّيْمَريّ: (معناه معنَى ما أَفْعَلَه، إلا أنك إذا قلت ما أَحْسَنَ زيدًا فأنت وحدك متعجَّب، وإذا قلت أَحْسِنْ بزيد فقد استدعيت غيرك إلى التعجُّب). فآخر كلام الصيمري ناقصُ لأوله؛ إذ جعله في أوله خبرًا محضًا، وفي آخره جعله أمرًا لقوله: فقد استدعيتَ غيرك للتعجب». انتهى. وقال المصنف في الشرح: «وفي أَفْعِلِ المتعجَّب به مع الإجماع على فعليتَّه قولان: أحدهما: أنه في اللفظ أمر، وفي المعنى خبر إنشائيُّ مسند إلى المتعجَّب منه المجرور بالباء. والثاني: أنه أمرُ باستدعاء التعجب من المخاطب مسندًا إلى ضميره، وهو قول الفراء، واستحسنه الزمخشريُّ وابن خروف. والأول هو الصحيح لسلامته مما يَرد على الثاني من الإشكالات: أحدها: أنه لو كان الناطق بأَفْعِل المذكور آمرًا بالتعجب لم يكن متعجبَّا، كما لا يكون الآمر بالحَلف والنداء والتنبيه حالفًا ولا منادًيا ولا منَّبهًا، ولا خلاف في كون الناطق بأَفْعِل الذكور متعَّجبًا، وإنما الخلاف في انفراد التعجب ومجامعته الأمرية. الثاني: أنه لو كان أمرًا مع الإجماع على فعليته لَزم إبراز ضميره في التأنيث والتثنية والجمع، كما يَلزم مع كل فعل أمر، متصرفًا كان أو غير متصرف. ولا
следующие страницы →