Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
وأجاز البغداديون الخفض في المعطوف على المنصوب، فتقول: هذا حسن وجهاً ويد؛ لأن الإضافة قد كثرت، فكأنها ملفوظ بها.
ومنها أنه لا يجوز تقديم معمولها عليها، ولا الفصل بينهما، وأنه لا يكون إلا سببياً، وأنه يقبح أن يضمر فيها الموصوف ويضاف معمولها إلى مضمره، وأنها إذا كانت ومعمولها داخلاً عليهما أل كان الأحسن الجر، وذلك إذا قدرنا أل دخلت بعد الإضافة. وأما اسم الفاعل فيجوز تقديم معموله عليه بشرطه المذكور في بابه، والفصل بينهمان فتقول: زيد ضارب - في الحرب - الأبطال. ومعموله يكون سببياً وأجنبياً، ولا يقبح أن يضمر فيه الموصوف، ويضاف معموله إلى ضميره. والأحسن في نحو "الضارب الغلام" النصب كما يكون أحسن في معمول الصفة المشبهة إذا قدرت دخول أل فيهما قبل الإضافة.
* * *
стр. 3572
-[ص: فصل
إذا كان معنى الصفة لسابقها رفعت ضميره، وطابقته في إفراد وتذكير وفروعهما ما لم يمنع من المطابقة مانع، وكذلك إن كان معناها لغيره ولم ترفعه، فإن رفعته جرت في المطابقة مجرى الفعل المسند إليه، وإن أمكن تكسيرها حينئذ مسندة إلى جمع فهو أولى من إفرادها، وتثنى وتجمع جمع المذكر السالم على لغى (يتعاقبون فيكم ملائكة)، وقد تعامل غير الرافعة ما هي له إن قرن بأل معاملتها إذا رفعته.]-
ش: الصفة إذا كان معناها للموصوف حقيقة أو مجااً رفعت ضمير الموصوف، وطابقت الموصوف في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجل عاقل، وبرجلين عاقلين، وبرجال عاقلين أو عقلاء، /وبامرأة عاقلة، وبامرأتين عاقلتين، وبنساء عاقلات أو عواقل.
وقوله ما لم يمنع من المطابقة مانع يعني أن من الصفات ما لا يقبل ذلك، فيكون على حسب السماع في تلك الصفات، وعلى حسب الاشتراك في ذلك الوصف أو الاختصاص، إما من جهة اللفظ أو من جهة المعنى، وتقدم أولاً ذكر شيء من هذا. ومنها ما لا يقبل التذكير كـ"ربعة"، ومنها ما لا يقبل التأنيث كـ"جريح"، ومنها ما لا يقبل التثنية ولا الجمع ولا التأنيث كـ"أفعل من"، وكالمصدر إذا وصف به في أفصح اللغتين.
وقوله وكذلك إن كان معناها لغيره ولم ترفعه هذا الذي ذكرنا إنما يكون للموصوف مجازاً، ويعني أنه تطابق الصفة الموصوف قبلها إن كانت مما يقبل المطابقة، وإلا فعلى حسب السماع، فتقول: مررت برجل حسن الغلام، وبرجلين حسني الغلمان، وبرجال حسني الغلمان، وبامرأة حسنة الغلام، وبنساء حسان الغلمان.
стр. 3573
وقوله فإن رفعته جرت في المطابقة مجرى الفعل المسند إليه أي: إن رفعت السببي جرت مجرى الفعل. قال المصنف في الشرح: "فيقال مررت برجلين حسن غلاماهما، وبرجال حسن غلمانهم، وبامرأة حسن غلامها، وبرجل حسنة جاريته، وبنساء حسن غلمانهن، كما يقال: حسن غلاماهما، وحسن غلمانهم، وحسن غلامها، وحسنت جاريته، وحسن غلمانهن" انتهى تمثيل المصنف.
وقوله وإن أمكن تكسيرها حينئذ - أي: حين أن ترفع السببي - مسندة إلى جمع فهو أولى من إفرادها من الصفات ما لا يمكن تكسيره، فيكون الإفراد فيه أحسن، نحو فعال، فتقول: مررت برجل شراب آباؤه. ومثال ما يمكن تكسيره كريم وحسن، فتقول: مررت برجال حسان غلمانهم. وظاهر كلام المصنف أنه إذا كان السببي جمعاً وأمكن تكسير الصفة كان التكسير أحسن من الإفراد، وسواء أكان ما قبل الصفة مفرداً أم مثنى أم مجموعاً، نحو: مررت برجل حسان غلمانه، وبرجلين حسان غلمانهما، وبرجال حسان غلمانهم، فهذا عنده أولى من أن تقول: مررت برجل حسن غلمانه، وبرجلين حسن غلمانهما، وبرجال حسن غلمانهم، فتفرد الصفة.
وجماع القول في الصفة إذا رفعت السببي أن تقول: إن كان السببي مفرداً أفرد الوصف: نحو: مررت برجل قائم أبوه، أو مثنى أفرد أيضاً في الفصيح، نحو: مررت برجل قائم أبواه، وبرجل أعور أبواه، وتجوز التثنية على لغة قوله:
ألفيتا عيناك عند القفا ... ................................
فتقول: مررت برجل قائمين أبواه، وبرجل أعورين أبواه.
стр. 3574
وفصل الكوفيون، فقالوا: إن كانت الصفة مما لا يجمع بالواو والنون وجب تثنيتها، نحو: مررت برجل أعورين أبواه، وإن كانت مما لا يجمع بهما أفردت. وإن كان السببي جمعاً والصفة تجمع الجمعين أو تجمع جمع تكسير فقط فالأحسن التكسير؛ نحو: مررت برجل كرام أعمامه، وبرجل صبر آباؤه، ويجوز الإفراد، فتقول: برجل كريم أعمامه، وبرجل صبور آباؤه، ويضعف فيما جمع الجمعين: برجل كريمين أعمامه. أو لا تكسر فالإفراد، نحو: مررت/ برجل ضراب آباؤه، ويجوز: ضرابين آباؤه، على لغة "أكلوني البراغيث". والسببي غير العاقل كالعاقل، التكسير فيه الأحسن، تقول: مررت برجل حسان أثوابه، ويجوز الإفراد، فتقول: حسن أثوابه.
وأوجب الكوفيون الجمع فيما لا يجمع جمع سلامة وهو لعاقل، وفيما هو لغير عاقل، فلا يجيزون إلا: مررت برجل عور آباؤه، وحسان أثوابه، ولا يجوز عندهم: أعور آباؤه، ولا: حسن أثوابه.
وهم محجوجون بالسماع من العرب، قال الشاعر:
ورجال حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد
وقال الآخر:
وكنا ورثناه على عهد تبع ... طويلاً سواريه، شديداً دعائمه
وقال آخر:
стр. 3575
قرنبي يحك قفا مقرف ... لئيم مآثره فعدد
وقال س: "وتقول: مررت برجل أعور آباؤه، وأحسن من هذا: أعور قومك؟ ومررت برجل ثم قومه" انتهى. وقال الله تعالى (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ)، وقرئ (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ)، وخشع أكثر في كلام العرب.
وذهب بعض شيوخنا إلى أن الإفراد أحسن من التكسير، قال: "لأن العلة في ذلك أنه قد تنزل منزلة الفعل إذا رفع الظاهر، والفعل يثنى ولا يجمع، فانبغى أن تكون الصفة مفردة، نعم، التكسير أجود من جمع السلامة؛ إذ لا تلحقه علامة جمع، فهو كالمفرد؛ لأنه معرب بالحركات مثله، بخلاف جمع السلامة، وإلا فالفعل لا يجمع لا جمع سلامة ولا جمع تكسير، فكيف يكون أحدهما أحسن من الإفراد" انتهى. وما ذكره هو القياس، لكنه ذهل عن نقل س في ذلك.
وقال بعض من عاصرناه من أصحابنا ما نصه: "جمع التكسير عند النحويين دون المفرد. ومذهب أبي العباس أن التكسير أولى من المفرد. وكلام س في ذلك محتمل، وغايته أن جعل المكسر بمثابة المفرد ومبايناً للمسلم، من غير أن ينص على ترجيح المكسر، إلا أنه وقع في بعض نسخ الكتاب ما نصه: (واعلم أن ما كان يجمع بغير الواو والنون، نحو حسن وحسان - فإن الأجود فيه أن تقول: مررت برجل حسان قومه. وما كان يجمع بالواو والنون، نحو منطلق ومنطلقين - فإن الأجود فيه أن يجعل بمنزلة الفعل المقدم، فتقول: مررت برجل منطلق قومه). وذكر السيرافي أن هذا الفصل ليس من كلام س. وقال الأستاذ أبو علي: الإفراد أولى من التكسير".
стр. 3576
قال هذا المعاصر: "وهذا كله من غير أن يعرضوا للموصوف وينظروا هل يكون جمعاً أو غير جمع، فربما إذا كان جمعاً حسن الجمع المكسر بعض حسن، فيكون لذلك أولى من الإفراد للمشاكلة لما قبله ولما بعده، نحو: مررت/ برجال حسان قومهم، وكان ذلك أولى من: مررت برجال حسن قومهم. وإن كان مفرداً كان الإفراد أحسن من التكسير؛ لأنه تكلف جمع في موضع لا يحتاج إليه؛ لأنه إذا رفع فقوته قوة الفعل، وطريق الجمع في الفعل مكروه، فينبغي أن يكره ذلك في الاسم" انتهى.
وتلخص لنا من هذا أن في الصفة إذا كانت مما يجمع الجمعين وكان المعمول جمعاً ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن يكون التكسير أولى من الإفراد، وهو نص س في بعض نسخ كتابه، ومذهب المبرد، واختيار أبي موسى، وصاحب "التمهيد"، وهذا المصنف.
والثاني: العكس، وهو مذهب الجمهور، واختيار الأستاذ أبي علي، وشيخنا أبي الحسن الأبذي.
والثالث: أن الصفة إن كانت تابعة لجمع كان التكسير أولى من الإفراد، وإن كانت تابعة لمفرد أو مثنى كان الإفراد أحسن من التكسير.
стр. 3577
وفي "البسيط": وخالف المبرد، فقال: إن الأولى أن يعمل المسلم لأنه كالفعل من حيث إنه تلحقه الزيادة التي تلحق الفعل؛ ويسلم بناؤه معها، والجمع المكسر يتغير، ولا يكون في الفعل مثله، فلذلك كان المسلم أولى.
وهذا فاسد من جهة السماع والنظر: أما السماع فقوله تعالى (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ)، وهي قراءة الجماعة حاشا أبا عمرو، والأبيات التي أنشدها س، كقوله:
بمطرد، لدن، صحاح كعوبه ... وذي رونق، عضب، يقد القوانسا
وأما النظر فلأن الجمع المسلم إن كان كالفعل فهو يمنع من الشبه في العمل، ويظهر من مذهب الكوفيين مثله.
وقوله وقد تعامل إلى آخر المسألة قال المصنف في الشرح: "قد يقال: مررت برجل حسنة العين، كما يقال: حسنة عينه، حكى ذلك الفراء في معاني سورة (ص وَالْقُرْآَنِ)، قال: (والعرب تجعل الألف واللام خلفاً من الإضافة، فيقولون: مررت على رجل حسنة العين قبيح الأنف، فالمعنى: حسنة عينه، قبيح أنفه).
стр. 3578
قلت: فعلى هذا يقال: مررت برجل حسان الغلمان، وبرجل كريمة الأم، وبامرأة كرام الآباء، وكريم الأب، كما يقال: مررت برجل حسان غلمانه، وبرجل كريمة أمه، وبامرأة كرام آباؤها، وكريم أبوها، ومنه قول الشاعر:
أيا ليلة، خرس الدجاج، سهرتها ... ببغداد، ما كادت عن الصبح تنجلي
فقال: خرس الدجاج، كما يقال: خرساً دجاجها. ومثله قول الآخر:
فماحت به غر الثنايا، مفلجاً ... وسيماً، جلا عنه الطلال، موشماً
أراد: فما غر الثنايا، فجمع مع الألف واللام كالجمع مع الضمير إذا قيل: فماحت به فما غرا ثناياه. ومثله قول الآخر في وصف عقاب:
يأوي إلى قنة خلقاء راسية ... حجن المخالب، لا يغتاله الشبع
/فقال: حجن المخالب، كما كان يقول: حجن مخالبها" انتهى.
وذكر المصنف من وقوع أل خلفاً من الضمير قوله (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى)، و (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى)، وقول الأعشى القيسي:
стр. 3579
وأما إذا ركبوا فالوجو ... هـ في في الروع من صدأ البيض حم
أي: مأواه، وفوجوههم. وقال الآخر:
ولكن نرى أقدامنا في نعالكم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب
أي: بين لحاكم. وقال ذو الرمة:
تخللن أبواب الخدور بأعين ... غرابيب، والألوان بيض نواصع
أي: وألوانهن.
قال المصنف: "وقد سوى س بين: ضرب زيد ظهره وبطنه، وضرب زيد الظهر والبطن، وبين مطرنا سهلنا وجبلنا، ومطرنا السهل والجبل. فالظاهر من قوله أنه موافق لقول الفراء، وليس هذا على تقدير (منه)؛ إذ لو كان كذلك لاستوى وجود الألف واللام وعدمها، كما استويا في مثل: البر الكر بستين، فكان يجوز أن يقال: ضرب زيد ظهر وبطن، ومطرنا سهل وجبل، كما جاز أن يقال: البر كر بستين، والتمر منوان بدرهم؛ لأن البعضية مفهومة مع عدم الألف واللام كما هي مفهومة مع وجودها.
ومن الاستغناء عن الضمير بالألف واللام (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ)، أي: مفتحة لهم أبوابها" انتهى.
стр. 3580
وهذه نزعة كوفية في أن أل تخلف الضمير، وأنشدوا على كون أل تعاقب الضمير:
لهم شيمة، لم يعطها الله غيرهم ... من الناس، والأحلام غير عوازب
أي: وأحلامهم. وتقول على هذا: زيد أما المال فكثير، وأما الوجه فحسن. وتقدم الرد على هذا المذهب
وأما تجويز المصنف: برجل كريمة الأم، وبامرأة كرام الآباء، بالنصب أو بالجر - فهي مسألة خلاف، منع بعض النحويين أن تقول: مررت برجل كرام الآباء، وبرجال كريم الأعمام، وعليه أصحابنا المتأخرون، لا يجيزون إذا رفعت الصفة الضمير وانتصب المعمول أو انجر إلا مطابقة الصفة للموصوف.
وقد تأول الفارسي قوله "خرس الدجاج" على أن الليلة لطولها كالجمع، فكأن كل جزء منها ليلة، كقولهم: ثوب أخلاق، وبرد أسمأل، وبرمة أعشار.
وحكى يعقوب عن الأصمعي أن العرب تقول: ليلة خرس - على وزن عنق - إذا لم يسمع فيها صوت، والعرب تخفف فعلاً، فيكون خرس في البيت مما
стр. 3581
وصف به المفرد وهو مفرد، فلا يحتاج إلى تأويل الفارسي، وتقدم منع الجرمي ذلك.
ومثل "خرس الدجاج" قوله:
وإن التي هام الفؤاد بذكرها ... رقود عن الفحشاء، خرس الجبائر
[٥: ٥٧/ب] لأنها امرأة واحدة. وقال لبيد يصف السهم:/
مرط القذاذ، فليس فيه مصنع ... لا الريش ينفعه ولا التعقيب
سكن الراء، وهو جمع أمرط، فأجراه على الواحد لقوله "فليس فيه".
ومن النحويين من أجاز هذا كله اعتماداً على أن المعنى للسببي، يجعل الوصف إذا انتصب المعمول أو انجر كهو إذا رفع السببي. ويعضد هذا المذهب ظاهر قول الشاعر:
فهل تسليم الهم عنك شملة ... مداخلة، صم العظام، أصوص
فقال: صم العظام، ولم يقل صماء العظام، وكأنه قال: ثم عظامها، وتقدم تأويل هذا البيت.
وقوله في البيتين: "غر الثنايا"، و"حجن المخالب"، ولم يقل: أغر الثنايا، ولا: حجناء المخالب - أجرى المعمول المجرور مجرى المرفوع.
стр. 3582
وقول المصنف "وقد تعامل" يدل على قلة ذلك، وينبغي ألا يمنع، لكن في القياس على ما سمع منه نظرز
وأبعد من هذا قوله:
ولولا خيله لنزلت أرضاً ... عذاب الماء، طيبة ثراها
جمع صفة أرض، وأتى بعدها بمفرد، فقال: عذاب الماء، ولو رفع الماء لم يجز، فينبغي ألا يجوز إذا نصب أو جر، وهذا نظير قولك: مررت بامرأة حسان الخلق، فلو نصبت الخلق أو جررت لم يجز. وينبغي أن يجعل الماء هنا اسم جنس حتى يفيد معنى الجمع، وقد قالوا: ماءة، فيكون الماء اسم جنس بينه وبين مفرده تاء التأنيث، ودل على معنى الجمع، فيشبه "حجن المخالب"، و"صم العظام".
-[ص: وإذا قصد استقبال المصوغة من ثلاثي على غير فاعل ردت إليه ما لم يقدر الوقوع. وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عوامل معاملة الصفة المشبهة ولو كان من متعد إن أمن اللبس وفاقاً للفارسي. والأصح أن يجعل اسم مفعول المتعدي إلى واحد من هذا الباب مطلقاً، وقد يفعل ذلك بجامد لتأوله بمشتق.]-
ش: يعني أنه إذا كان اسم الفاعل من الثلاثي على غير فاعل، نحو: شرف فهو شريف، وشجع فهو شجاع، وحسن فهو حسن، وشبع فهو شبعان، وسمن فهو سمين، وما أشبهها من الأوزان التي للثلاثي على الإطلاق، سواء أكان على وزن فعل أم فعل أم فعل - فإذا قصدت الاستقبال في اسم الفاعل بنيت تلك الأوزان على وزن فاعل، فتقول شارف وشاجع وحاسن وشابع وثاقل. وظاهر
стр. 3583
كلام المصنف في الفصل والشرح أن هذا الصوغ إلى فاعل مخصوص بقصد الاستقبال، ووقف في ذلك مع ظاهر قول الفرء، قال الفراء: "العرب تقول لمن لم يمت: إنك مائت عن قليل، ولا تقول لمن قد مات: هذا مائت، إنما يقال في الاستقبال. وكذا يقال: هذا سيد قومه، فإذا أخبرت أنه سيسودهم قلت: هو سائد قومه عن قليل. وكذا الشريف والطمع وشباههما، إذا قصد بها الاستقبال/ صيغت على فاعل" انتهى.
وكذا قال بعض أصحابنا: إن ذهب به مذهب الزمان كان على فاعل، نحو حسن يحسن فهو حاسن غداً، فقيد بناء فاعل بالظرف المستقبل، وكان ينبغي أن يحرر العبارة فيقول: إن ذهب به مذهب الزمان المستقبل، وإلا فقوله يدل على أنه إذا ذهب به مذهب الزمان مطلقاً، وسواء أكان الزمان ماضياً أم حالاً أم مستقبلاً.
ومن هذا الرد قوله تعالى (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ)، ومن كلامهم: أحسن إن كانت حاسناً، وقال الشاعر:
وما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
وقال الآخر، وهو الحكم بن صخر:
أرى الناس مثل السفر، والموت منهل ... له كل يوم وارد ثم وارد
إلى حيث يشقي الله من كان شاقياً ... ويسعد من في علمه هو ساعد
وقال قيس بن العيزارة:
стр. 3584
فقلت لهم: شاء رغيب وجامل ... فكلكم من ذلك المال شابع
وقال آخر:
لقد ألف الحداد بين عصابة ... تساءل في الأسجان: ماذا ذنوبها
بمنزلة: أما اللئيم فسامن ... بها، وكرام القول باد شحوبها
وقال آخر
حسبت التقى والحمد خير تجارة ... رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً
وقرأ بعض السلف (إِنَّكَ مائتٌ وَإِنَّهُمْ مائتونَ). وأما على قراءة الجمهور فالمعنى: إنك وإياهم وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى، وإلى قراءة الجماعة (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) أشار المصنف بقوله "ما لم يقدر الوقوع"، فإنه يبقى على صوغه الأول، ولا يرد إلى فاعل، كقراءة الجمهور.
وقوله وإن قصد ثبوت معنى اسم الفاعل عومل معاملة الصفة لمشبهة قد تقدم له هذا المعنى في أول هذا الباب في قوله "ثابتاً معناها"، إلا أنه كرر هذا لقوله "وإن كان من متعد إن أمن اللبس وفاقاً للفارسي".
وفي "الإفصاح": وقد جاء في المتعدي، قالوا: ضريب قداح، مبالغة في ضارب، وهذا عريف القوم، أي: كثير المعرفة بهم. وهذا نادر لا يقاس. وذكره عريف القوم وهم؛ لأنه ليس مضافاً للفاعل.
стр. 3585
وقال المصنف في الشرح: "يقال: زيد ظالم العبيد خاذلهم، راحهم الأبناء ناصرهم، إذا كان له عبيد ظالمون خاذلون، وأبناء راحمون ناصرون.
[٥: ٥٨/ب] قال أبو علي في (التذكرة): من قال زيد الحسن عينين فلا بأس/ أن يقول: زيد الضارب أبوين، والضارب الأبوين، والضارب الأبوان، والأبوان فاعل على قولك: الحسن الوجه. ومثله الضارب الرجل إذا أردت الضارب رجله.
ولم يقيد أبو علي بأمن اللبس، والصحيح أن جواز ذلك متوقف على أمن اللبس، ويكثر أمن اللبس في اسم فاعل غير المتعدي، فلذلك سهل فيه الاستعمال المذكور، ومنه قول ابن رواحة:
تباركت إني من عذابك خائف ... وإني إليك تائب النفس باخع
ومنه قول رجل من طيئ:
ومن يك منحل العزائم تابعاً ... هواه فإن الرشد منه بعيد
ومن ورده في المصوغ من متعد قول الشاعر:
ما الراحم القلب ظلاماً وإن ظلما ... ولا الكريم بمناع وإن حرما"
انتهى.
وما قاله المصنف من أنه إذا كان الوصف متعدياً وأمن اللبس جاز أن يكون من باب الصفة المشبهة يدل ظاهره وإطلاقه على أنه يجوز ذلك من كل متعد، سواء أتعدى بحرف جر أم بنفسه، لواحد أم اثنين أم ثلاثة.
стр. 3586
ونقول: إن كان متعدياً إلى أكثر من واحد، كأن يتعدى إلى اثنين أو إلى ثلاثة - فلا خلاف أنه لا يجوز تشبيهه، فإذا قلت مررت برجل معطى أبوه درهماً، أو معلم أبوه زيداً قائماً، فلا يجوز: معطى الأب درهماً، ولا معلم الأب زيداً قائماً.
وإن تعدى لواحد بحرف جر فذهب الأخفش إلى جواز ذلك، وصححه ابن عصفور، فتقول: مررت برجل مار الأب بزيد، بنصب الأب أو بجره. ويستدل بقولهم: "هو حديث عهد بالوجع"، فقوله بالوجع متعلق بحديث، وهو صفة مشبهة.
وذهب الجمهور إلى المنع، وتأولوا ذلك على أن "بالوجع" متعلق بـ"عهد" لا بالصفة، فإن جاء من كلامهم مررت برجل غضبان الأب على زيد علقوا "على زيد" بفعل محذوف تدل عليه الصفة، أي: غضب على زيد.
وإن تعدى لواحد بنفسه فحكى الأخفش إجازته عن طائفة من النحويين، يقولون في: هذا ضارب أبوه زيداً: هذا ضارب الأب زيداً.
وذهب كثير من النحويين إلى المنع.
وفصل آخرونن فقالوا: إن لم يحذف المفعول اقتصاراً لم يجز، وإن حذف جاز، وهو اختيار ابن عصفور وابن أبي الربيع. وهذا تفصيل حسن؛ لأنه إن لم يحذف المفعول أو حذف اختصاراً فهو كالمثبت، فيكون الوصف إذ ذاك مختلف التعدي والتشبيه، وهو واحد، وذلك لا يجوز.
وبيان ذلك أنه من حيث نصب السببي أو جره يكون مشبهاً باسم الفاعل المتعدي؛ ومن حيث نصب المفعول به يكون اسم فاعل متعدياً مشبهاً بالمضارع، فاختلفت جهة تعديه وتشبيهه من حيث صار شبيهاً بأصل في العمل شبيهاً بفرع في العمل؛ فصار فرعاً لأصل وفرعاً لفرع، ولا/ يكون الشيء الواحد فرعاً لشيئين،
стр. 3587
ثم إنه إنما سمع استعمال المتعدي صفة مشبهة حيث حذف المفعول اقتصاراً، نحو قوله:
ما الراحم القلب ظلاماً وإن ظلما ... ...........................................
مع أن هذا البيت يحتمل التأويل. والأحوط ألا يقدم على جواز ذلك حتى يكثر فيه السماع، فيقاس على الكثير؛ لأن القليل يقبل الشذوذ.
وفي كتاب الصفار وقد أنشد:
الحزن بابا والعقور كلبا
من عقر الرجل غيره، وعقر كلبه غيره، فتكون الصفة متعدية، وحذف مفعولها رأساً، ولم يرد ثم شبهت، ولا خلاف في تشبيه هذا، وإنما الخلاف فيما يتعدى عند ذكر مفعوله.
وقوله والأصح أن يجعل اسم مفعول المتعدي إلى واحد من هذا الباب مطلقاً يعني في رفع السببي ونصبه وجره على ما تقرر في غير اسم المفعول، وما يمتنع من ذلك، وما يجوز، وما يقبح ويقل، وقد تقدم إنشادنا الأبيات التي فيها دليل على ذلك، نحو قوله "مغرور نفسه" و"ومجلوة وجناته" و"مرفوع بما هاهنا رأس".
وقوله والأصح يدل على خلاف في المسألة، ولا نعلم أحد منعها.
وقوله وقد يفعل ذلك بجامد لتأوله بمشتق مثاله: وردنا منهلاً عسلاً ماؤه، وعسل الماء، أي: حلواً، ومررنا بقوم أسد أنصارهم، وأسد الأنصار، أي: شجعان، ومررت بحي أقمار النساء، أو أقمار نساؤهم، أي: حسان، وقال الشاعر:
стр. 3588
فلولا الله والمهر المفدى ... لأبت وأنت غربال الإرهاب
وقال الآخر:
مئبرة العرقوب إشفى المرفق
وقال الآخر:
فراشة الحلم، فرعون العذابن وإن ... يطلب نداه فكلب دونه كلب
أي: مثقب، وحديدة، وطائش ومهلك.
ومن ذلك النسب، تقول: مررت برجل هاشمي أبوه تميمية أمه، وتضيف فتقول: هاشمي الأب تميمي الأم؛ لأنه مقدر بمنتسب إلى هاشم، ومنتسبة إلى تميم.
وفي "الغرة": مررت برجل أسد، إذا شبهته به، لا يرفع ظاهراً، لا تقول: برجل أسد أبوه، فأما قول الشاعر:
سل المرء عبد الله إذ فر هل رأى ... كتيبتنا في الحرب كيف قراعها
ولو قام لم يلق الأحبة بعدها ... ولاقى أسوداً هصرها ومصاعها
فقال قوم: هصرها ومصاعها بدل من: قراعها. وقيل: هما مرفوعان بأسود.
مسألة: مشيوخاء ومعلوجاء وصفان، واختلف في جواز الرفع بهما، فذهب الفارسي إلى جواز ذلك، ثم اعترض على نفسه بعدم الجريان، وانفصل بأنه قد يعمل/ غير الجاري، نحو: مررت بأعور أبوه. ورد هذا بأن أعور وبابه - وإن
стр. 3589
كان غير جار - مشبه للجاري؛ ألا ترى أنه يثنى ويجمع، وله مؤنث، ومشيوخاء لا يشبه الجاري؛ ألا ترى أنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.
فإن قلت: ينبغي أن يرفع كما يرفع عور، فإنه أيضاً لا يشبه الجاري.
قلت: هو وإن لم يشبه الجاري هو جمع لما يشبه الجاري، فكيف ما كان يعمل، وأما هذا فلا يشبه الجاري، ولا هو جمع للجاري ولا للمشبه الجاري، ومشيوخاء يوصف به لأنه من لفظ الشيخ، والشيخ صفة، فأمر الوصف به بين، وأما معلوجاء فمن لفظ العلج، والعلج في الأصل هو الغليظ، لكن قد جرى مجرى الأسماء، فالوصف به على توهم أصله.
مسألة نختم بها الباب: اختلفوا في تشبيه الفعل اللازم بالفعل المتعدي كما شبه وصفه باسم الفاعل المتعدي؛ فأجاز ذلك بعض المتأخرين، فتقول: زيد تفقا الشحم، أصله: تفقا شحمه، فأضمرت في تفقا، ونصبت الشحم تشبيهاً بالمفعول به. واستدل بما روي في الحديث: (كانت امرأة تهراق الدماء).
ومنع من ذلك الأستاذ أبو علي، وقال: لا يكون ذلك إلا في الصفات وأسماء الفاعلين والمفعولين، وقد تأولوا الأثر على أنه على إسقاط حرف الجر أو على إضمار فعل، أي: بالدماء، أو: يهريق الله الدماء منها. وهذا هو الصحيح إذ لم يثبت ذلك من لسان العرب.
* * *
стр. 3590
-[ص: باب إعمال المصدر
يعمل المصدر مظهراً، مكبراً، غير محدود، ولا منعوت قبل تمامه، عمل فعله. والغالب إن لم يكن بدلاً من اللفظ بفعله تقديره به بعد "أن" المخففة أو المصدرية أو "ما" أختها. ولا يلزم ذكر مرفوعه. ومعموله كصلة في منع تقدمه وفصله. ويضمر عامل فيما أوهم خلاف ذلك. أو يعد نادراً.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "عمل المصدر عمل الفعل لأنه أصل، والفعل فرعه، فلم يتقيد عمله بزمان دون زمان، بل عمل عمل الماضي والحاضر والمستقبل لأنه أصل لكل واحد منها، بخلاف اسم الفاعل، فإنه عمل للتشبيه، فتقيد عمله بما هو شبيهه، وهو المضارع" انتهى.
والذي قال غيره في كونه لا يتقدر عمله بزمان وأنه لا يشترط في عمله أن يعتمد على ما يعتمد عليه اسم الفاعل أنه إنما يعمل بالنيابة عن الفعل؛ والفعل لا يشترط فيه ذلك. والتحرير أنه لم ينب مناب الفعل وحده بل مناب حرف مصدري والفعل.
وحكي لي عن أبي عبد الله بن أبي العافية أنه منع من إعماله ماضياً. ولعل الذي منع ذلك غيره. وغر مانع ذلك قول س: "هذا باب من المصادر جرى مجرى الفعل المضارع في عمله ومعناه". وإنما خص س الفعل المضارع لأنه ذكر قبل هذا الباب اسم الفاعل، وهو إنما يعمل /عمل المضارع، فأجرى هذا عليه. ثم إن س
стр. 3591
نص آخر الباب على أنه يعمل ماضياً وحالاً ومستقبلاً، فقال: "وتقول: عجبت له من ضرب أخيه، يكون المصدر مضافاً فعل أو لم يفعل، ويكون منونا" انتهى.
وقد تأول بعض أصحابنا قول س "الفعل المضارع"، وقال: "لا يريد بالمضارع المصطلح على تسميته مضارعاً، وإنما المضارع هنا على إطلاقه لغة، وكأنه قال: جرى مجرى المشابه له، فإن كان ماضياً جرى مجراه، وكذلك إن كان حالاً أو مستقبلاً".
وقوله مظهراً احتراز من ضميره، فإنه لا يعمل، قال المصنف في الشرح: "لما ترتب عمل المصدر على الأصالة اشترط في كونه عاملاً بقاؤه على صيغته الأصلية التي اشتق منها الفعل؛ فلزم من ذلك ألا يعمل إذا غير لفظه بإضمار، ولا بتصغير، ولا برده إلى فعلة قصداً للتوحيد، ولا بنعت قبل تمام مطلوبه" انتهى.
وفي إعماله مضمراً خلاف: ذهب الكوفيون إلى جواز إعماله، فأجازوا: مروري بزيد قبيح وهو بعمرو حسن، فيعلقون "بعمرو" بقوله و"هو"، أي: مروري بعمرو. واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
أي: وما الحديث عنها.
وذهب البصريون إلى منع إعمال ضمير المصدر، وتأولوا هذا البيت على أن "عنها" متعلق بمحذوف، تقديره: أعني عنها، أو على أنه متعلق بالمرجم على سبيل الضرورة، أو على أن يكون التقدير: وما هو مرجماً عنها، وحذف لدلالة الثاني عليه.
стр. 3592
وحكى عاصم بن أيوب عن الفارسي أنه أجاز أن يعمل المكني في المجرور، وذكر ابن ملكون أنه وقف على إجازة ذلك من كلام أبي علي. وأجاز ذلك الرماني وابن جني في "خصائصه".
ومنع ابن جني عمله في المفعول الصريح، نحو: ضربي زيداً حسن وهو عمراً قبيح.
وقياس عمله في المجرور يوجب عمله في الظرف؛ إذ لا فرق بينهما، وقد أجازه جماعة.
وتأوله المصنف في الشرح على أن يكون التقدير: وما هو الحديث عنها. فيتعلق "عنها" بـ"الحديث"، والحديث بدل من هو، ثم حذف البدل، وترك المتعلق به دالاً عليه. وأشار المصنف إلى تكلف هذا التأويل؛ لأن البدل هو المقصود بالنسبة، ولا يذكر متبوعه غالباً إلا توطئة له، فلا يناسب أن يحذف، ولأنه يلزم من ذلك حذف المصدر وهو موصول وإبقاء معموله، وهو لا يجوز إلا في الضرورة.
والذي يقطع بالكوفيين أنه لا يحفظ من كلام العرب: أعجبني ضرب زيد عمراً وهو بكراً، أي: وضربه بكراً. ثم العجب منهم أنه يحكى عنهم أنهم لا يُعملون صريح المصدر على اختلاف في النقل سيأتي، وأن ما ظهر بعده من العمل إنما هو بفعل مضمر يدل عليه المصدر، ثم يعملون /ضمير المصدر، هذا غريب.
وقوله مكبرا احتراز من أن يكون مصغراً، فلا يقال: عرفت ضريبك زيداً، قال المصنف في الشرح: "لأن التصغير يزيل المصدر عن الصيغة التي هي أصل
стр. 3593
الفعل زوالاً يلزم منه نقص المعنى؛ بخلاف الجمع، فإن صيغته - وإن زال معها الصيغة الأصلية - فإن المعنى معها باق ومتضاعف بالجمعية؛ لأن جمع الشيء بمنزلة ذكره متكرراً بعطف، فلذلك منع التصغير إعمال المصدر وإعمال اسم الفاعل، ولم يمنع الجمع إعمال المصدر ولا إعمال اسم الفاعل" انتهى.
أما المصدر إذا كان مجموعاً ففي إعماله خلاف: ذهب قوم إلى جواز ذلك كما ذهب إليه المصنف، وهو اختيار ابن عصفور. وذهب قوم إلى منع إعماله مجموعاً، وإلى ذلك ذهب أبو الحسن بن سيده.
ومما استدل به من أجاز ذلك قول العرب: "تركته بملاحس البقر أولادها"، فملاحس جمع ملحس بمعنى لحس، وقول الشاعر:
وقد وعدتك موعداً، لو وفت به ... مواعد عرقوب أخاه بيترب
فمواعد جمع موعد. وقول أعشى قيس يمدح هوذة بن علي الحنفي:
قد حملوه فتي السن ما حملت ... ساداتهم، فأطاق الحمل، واضطلعا
وجربوه، فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا الحزم والفنعا
فتجاربهم جمع تجربة، ونصب به أبا قدامة. وقول ابن الزبير الأسدي:
كأنك لم تنبأ، ولم تك شاهداً ... بلائي وكراتي الصنيع ببيطرا
стр. 3594
فكراتي جمع كرة، ونصب به الصنيع، وهو اسم فرسه. وقول أعشى قيس أيضاً:
إن عداتك إيانا آتية ... حقا، وطيبة ما نفس موعود
فعداتك جمع عدة، وقد أعمله، فنصب به الضمير.
ومن منع إعمال المصدر مجموعاً تأول هذا السماع على أن المنصوب في ذلك ينتصب بإضمار فعل، تقديره: لحست أولادها، ووعد أخاه، وجربوا أبا قتادة، وكررت الصنيع، وإيانا تعد.
وأما قوله "فما زادت تجاربهم أبا قدامة" فلا يتعين أن يكون "أبا قدامة" منصوباً بتجاربهم؛ إذ يحتمل أن يكون أبا قدامة منصوباً بزادت، ويكون من وضع المظهر مكان المضمر على سبيل التفخيم لذكر الممدوح بكنيته. ويحتمل أن يكون أبا قدامة بدلاً من مفعول زادت المحذوف لدلالة الكلام عليه، أي: فما زادته تجاربهم أبا قدامة إلا كذا، كما حذف في: ضربت الذي ضربت زيداً، تريد: ضربته زيداً.
وفي "البسيط": "وقد يخرج إلى ترك العمل بالتثنية والجمع، وكذلك إذا توسع فيه أو وصف، فأما عمله في التمييزات فقد يكون مجموعاً لدلالته على الفعل؛ لأن التمييز قابل لعمل الضعيف فيه كالأحوال والظروف، فتقول: عجبت من تصبباته/ عرقاً؛ لأنه في معنى: من أن تصبب عرقاً. وكذلك في الخبر.
ويحتمل أن يكون منه قوله ﵇ (ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس، محاسنكم أخلاقاً)، فإن المحاسن جمع محسن، لم يتكلم له
стр. 3595
بواحد كمذاكير، وهو عامل في التمييز. وإذا كانت الصفة عاملة في التمييز جمعاً فهنا أحرى.
وبالجملة فشرطه بعضهم في العمل - أعني الإفراد - وربما جاء مجموعاً معملاً، كقولهم: أتيته بملاحس البقر أولادها، وقولهم: مواعيد عرقوبن وقول أشجع السلمي:
وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح"
انتهى.
والقياس يقتضي أنه إذا جمع لا يعمل؛ لأن عمله إنما هو لكونه ينحل بحرف مصدري والفعل، والفعل الذي ينحل إليه إنما يدل على مطلق المصدر، لا دلالة له على خصوصيات، وإذا جمعته زال ذلك الإطلاق، فينبغي ألا ينحل للحرف والفعل، فلا يعمل، وأما أشجع فمولد لا يحتج بشعره.
وقوله غير محدود لا يقال: عجبت من ضربتك زيداً، فإن سمع من موثوق بعربيته حكم بشذوذه، فمن ذلك ما أنشده أبو علي في "التذكرة":
يحايي بها الجلد الذي هو حازم ... بضربة كفيه الملا نفس راكب
وقال كثير:
وأجمع هجراناً لأسماء إن دنت ... بها الدار، لا من زهدة في وصالها
стр. 3596
أنشده المصنف شاهداً على ذلك. والذي يظهر أن زهدة في البيت لا يريد به المرة الواحدة، بل يظهر أنه مرادف لزهد. وفي بيت ابن الزبير في قوله "وكراتي الصنيع" شاهد على إعمال المصدر المحدود؛ لأن كراتي جمع كرة، وهي موضوعة للوحدة.
وقوله ولا منعوت قبل تمامه أي: قبل استيفائه ما يتعلق به من مفعول مجرور وغير ذلك؛ وذلك أن هذا المصدر منحل بحرف مصدري والفعل، ومتعلقاته تتنزل منزلة متعلقات الفعل الموصول، فكما لا يفصل بين الفعل الموصول ومتعلقاته فكذلك لا يفصل بين المصدر ومتعلقاته.
وفي قول المصنف "ولا منعوت" قصور، وكان ينبغي أن يقول "ولا متبوع بتابع" ليشمل النعت والعطف والتوكيد والبدل، فلا يجوز: عجبت من ضربك الكثير زيداً، ولا: عجبت من شربك وأكلك اللبن، ولا: عجبت من ضربك نفسه زيداً، ولا عجبت من إتيانك مشيك إلى زيد، فلو أخرت هذه التوابع عن متعلقات المصدر جاز، قال:
إن وجدي بك الشديد أراني ... عاذراً من عهدت فيك عذولا
/وقال:
فلو كان حبي أم ذي الودع كله ... لأهلك مالاً، لم تسعه المسارح
فـ"الشديد" نعت لـ"وجدي"، و"كله" توكيد لـ"حبي"، وكل منهما قد أخذ معموله. فإن ورد ما يوهم خلاف ذلك تؤول على أن يجعل متعلقاً بفعل يفسره المصدرن كما قال الحطيئة:
стр. 3597
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن يرى طارداً للحر كالياس
تقديره: يئست من نوالكم. وقول الآخر:
وإني زعيم إن رجعت مملكا ... بسير، ترى منه الفرانق أزورا
على لاحب، لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
أي: أسير على لاحب. وقول الآخر:
ولا تحسبن القتل - محضاً شربته - ... نزاراً، ألا إن النفوس إسعاف
أي: قتلت نزاراً؛ لأنه فصل بالمفعول الثاني بين القتل ونزار، فاحتيج إلى التأويل. وقال الآخر:
بضرب يزيل الهام شدة وقعه ... بكل حسام ذي صبي ورونق
تقديره: كائن بكل حسام، ولا يجوز أن يتعلق بـ"ضرب"؛ لأنه قد وصف بقوله: يزيل الهام، ولذلك رد أبو علي الفارسي على أبي سعيد السيرافي ما أجازه في قوله:
أرواح مودع أم بكور ... أنت، فانظر لأي ذاك تصير
من أن "أنت" مرفوع على الفاعلية بالمصدر، قال: لأن المصدر المنحل لـ"أن" والفعل لا يوصف؛ لأنه كان عند النحويين بمنزلة المضمر، فكما أن المضمر لا يوصف فكذلك هذا.
стр. 3598
وزاد الأستاذ أبو علي أن قال: إذا ارتفع أنت على الفاعلية بقي المبتدأ الذي هو المصدر بلا خبر.
وأقول: هذا لا يلزم؛ إذ هو نظير: أقائم الزيدان؟ فالفاعل سد مسد الخبر.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: يمتنع أن يكون أنت مرفوعاً على الفاعلية بالمصدر؛ لأنك لا تقول: ضرباً أنت، فيكون فاعلاً، فكذلك لا تقول: أضرب أنت؟ من حيث إن الفاعل شديد الاتصال، والضمير يمكنك اتصاله، فتقول: ضربي زيداً حسن، فيلزم اتصاله لا فصله، كما فعلت العرب في الفعل في: ضربت زيداً؛ لأن التنوين يقطع الاسم عما بعده، فيجب امتناعه.
وقد خرج رفع "أنت" على وجوه: أحدها أنه فاعل بفعل محذوف يفسره قوله "فانظر". أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: أنت الهالك. أو خبر محذوف المبتدأ، أي: الهالك أنت. وهذه الأوجه لـ"س".
وأجاز السيرافي والأعلم أن يكون أنت مبتدأ، وخبره رواح، إما على المبالغة، /نحو: زيد رضا، أو على الحذف، أي: أنت ذو رواح.
وقوله عمل فعله فإن كان الفعل قاصراً كان المصدر قاصراً، وإن كان متعدياً بحرف تعدي به، أو إلى واحد أو شبيه بما عدى إلى واحد، نحو كان، أو اثنين أو ثلاثة - فكذلك مصدره، وتمثيل ذلك سهل، وقد مثل ذلك المصنف في الشرح، فذكر أن المصدر يرفع النائب عن الفاعل، نحو: سرني إعطاء الدينار الفقير، وهذه مسألة خلاف، سيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
стр. 3599
وقوله والغالب إلى آخر المسألة قال المصنف في الشرح: "وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاثة شرطاً في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك. ومن وقوعه غير مقدر بأحدها قول العرب: سمع أذني زيداً يقول ذلك، وقول أعرابي: (اللهم إن استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لغي)، وقول الشاعر:
عهدي بها الحي الجميع وفيهم ... قبل التفرق ميسر وندام
وقول الراجز:
ورأي عيني الفتى أخاكا ... يعطي الجزيل، فعليك ذاكا
وقول الآخر:
لا رغبة عما رغبت فيه ... مني، فانقصيه، أو زيديه
ومن أمثلة س: متى ظنك زيداً أميراً؟ وذكر س في (باب من المصادر جرى مجرى الفعل المضارع): عجبت من ضرب زيد عمراً، إذا كان هو الفاعل، ثم قال: (كأنه قال: عجبت من أنه يضرب زيد عمراً)، ولم يقدر في الباب بغير أن
стр. 3600
الثقيلة. وإذا ثبت أن عمل المصدر غير مشروط بتقدير حرف مصدري أمكن الاستغناء عن إضمار في نحو: له صوت صوت حمار" انتهى.
والذي تقرر عند أصحابنا أن شرط عمل هذا المصدر أن يقدر بحرف مصدري والفعل، فقدر الحرف س بـ"أن" الثقيلة المسندة إلى ضمير الشأن؛ لأنه يعم أن تكون الصلة ماضية وحالاً ومستقبلة، فتقدر في الماضي: من أنه ضرب زيد عمراً، وفي المضارع: من أنه يضرب؛ لأنه يصلح للحال والاستقبال.
وقدره بعضهم بـ"أن" الناصبة للفعل؛ لأن صلتها تكون بالماضي، نحو: عجبت من أن قام زيد، وبالمضارع فتخلصه للاستقبال، نحو: عجبت من أن يقوم زيد. وبـ"ما"؛ لأنها تصلح للحال، وتوصل به، نحو: عجبت مما تضرب زيداً.
وأما ما زعم أنه لا يتقدر بحرف مصدري فليس كما زعم، بل كلها تتقدر بحرف مصدري والفعل؛ لأن قوله: سمع أذني زيداً يقول ذلك، و"عهدي بها الحي الجميع"، و"رأي عيني الفتى" - من باب: ضربي زيداً قائماً، وهو يتقدر بحرف مصدري والفعل كما يتقدر: ضربي زيداً قائماً. وكذلك "إن استغفاري" و"لا رغبة" /أي: إن أن أستغفرك، ولا أن أرغب. وكذلك: متى ظنك؟ أي: متى أن تظن.
وفي البسيط: "اختلفوا في تقدير الفعل: هل من شرطه تقديره بالحروف السابكة أو ليس من شرطه ذلك؟ فمنهم من يقدر نفس الفعل. ومنهم من يقدره بأن. ومن لم يقدره قال: إنما نقدره حيث يكون المصدر مطلوباً لشيء متقدم؛ لأنه حينئذ إذا نزل منزلة الفعل - والفعل لا يكون معمولاً للأول - يكون مقدراً بأن، وإذا إذا ابتدئ فلا يحتاج إليه. قيل: وهذا أصح للقياس والسماع:
أما القياس فمن حيث إن الفعل إذا قدر بـ"أن" كان معناه المصدر، فلم يقع المصدر موقع الفعل، وإنما وقع موقع نفسه.
стр. 3601
وأما السماع فإنا نجوز: ضربي زيداً قائماً، ولو قلت أن أضرب زيداً قائماً لم يكن كلاماً إلا بخير، وإنما كان الحال خبراً مع ظهور المصدر لصحة كون الحال كالزمان، والزمان يكون خبراً عن المصادر، فلما خرج عن لفظه لم يكن ذلك" انتهى.
ولا يلزم من تقدير الشيء كونه ينطق به في الكلام، فكم من مقدر لا ينطق به، وكثيراً ما في كتاب س من تقدير، ويقول: "فهذا تمثيل ولا يتكلم به".
وقوله إن لم يكن بدلاً من اللفظ بفعله سيأتي حكم المصدر الذي هو كذلك.
وقوله تقديره به بعد أن المخففة أو المصدرية أو ما قال المصنف في الشرح: "احترز من المصدر المؤكد والمبين النوع والهيئة، فالمخففة بعد علم - وهو مخصوص بالمخففة - غير صالح للمصدرية، فيجوز مضيه وحضوره واستقباله، فمضيه قول الشاعر:
علمت بسطك بالمعروف خير يد ... فلا أرى فيك إلا باسطا أملا
وحضوره قول الراجز:
لو علمت إيثاري الذي هوت ... ما كنت منها مشفيا على القلت
واستقباله قول الشاعر:
لو علمنا إخلافكم عدة السلـ ... ـم عدمتم على النجاة معينا
стр. 3602
وكذا المقدر بـ"ما" المصدرية، فمضيه (كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ)، وقول الشاعر:
وعذبه الهوى حتى براه ... كبرى القين بالسفن القداحا
وقول الآخر:
مدمن الخمر سوف يأخذه با ... ريه أخذه ثمود وعادا
وحضوره (تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، وقول الفرزدق:
وددت - على حبي الحياة - لو أنها ... يزاد لها في عمرها من حياتيا
واستقباله قول الشاعر:/
ومن يمت وهو لم يؤمن يصل غداً ... شواظ نار دوام النار في سقرا
والمقدر بـ"أن" المصدرية ما وقع بعد لولا أو فعل إرادة أو كراهة أو خوف أو رجاء أو طمع أو شبه ذلك، ولا يكون المقدر بهذه إلا ماضي المعنى، كقوله:
أمن بعد رمي الغانيات فؤاده ... بأسهم ألحاظ يلام على الوجد
أو مستقبله، كقول الفرزدق:
стр. 3603
فرم بيديك هل تستطيع نقلاً ... جبالاً من تهامة راسيات"
انتهى ملخصاً.
وجعله المصدرية قسيمة للمخففة ليس بجيد؛ لأن أن المخففة مصدرية أيضاً؛ لأنها مخففة من الثقيلة، والثقيلة مصدرية، والحروف المصدرية هي: أن، وأن، وما، وكي، فلا اختصاص لـ"أن" الموضوعة على حرفين بالمصدرية؛ إذ هو قدر مشترك بين جميع هذه الحروف.
وقوله أختها يعني أخت أن المصدرية، لأن "ما" لها أقسام كثيرة، فمن أقسامها أنها تكون حرفاً مصدرياً، فهي كـ"أن".
وإنما تعاقب المصدر والفعل مقروناً بحرف مصدري لقوة النسبة بينهما؛ إذ في الفعل دلالة على المصدر، والمصدر أيضاً دال على المعنى الذي عمل به الفعل، فانتسبا إلى أصل واحد وإن كان بينهما رتبة بتقدم وتأخر من جهة الاشتقاق؛ وتلك الرتبة أورثته أن لم يحل محل المصدر إلا باقتران حرف معه، ولم يحتج المصدر في تلبسه بأثرة الفعل إلى اقتران حرف به. ولما كان هذا المصدر استعملته العرب في مواضع من الابتداء والفاعلية والمفعولية والإضافة، فصار كالأسماء المتمكنة غير المصادر، ووجدناه مع ذلك ينصب كما ينصب الفعل، فنظرنا هل تلك المواضع يحلها الفعل حتى يكون عمل المصدر بنيابته عنه، فلم يحلها إلا مقروناً بحرف مصدري، فعلمنا أن النصب بعد المصدر إنما هو بمعنى ذلك الفعل المقرون به الحرف المصدري، وذلك التعاقب هو الذي سوغ أن ترد كل عبارة إلى أختها، فتقول مثلاً: الفعل مع أن في تأويل المصدر، وتقول: هذا المصدر يتقدر بأن والفعل.
وظاهر كلام المصنف في "ألفيته" أنه إذا لم يحل المصدر محل أن أو ما والفعل لم يعمل، وأن ذلك شرط في إعماله، نحو: يعجبني العدل وأكره الجور، وله
стр. 3604
ذكاء ذكاء الحكماء، فهذه مصادر قصد بها حقائق مدلولاتها من غير اعتبار علاج، فجرت مجرى الأسماء التي لا يصح لها عمل، والمصدر العامل إنما عمل بالنيابة مناب الفعل المقدر بحرف مصدري، ولا تكون النيابة إلا مع العلاج، ولذا قالوا: إذا قلت سرني ضرب زيد فيحتمل وجوهاً، منها أن يكون زيد معرفاً للضرب، لا يقصد به دلالة المخاطب على أنه/ ضارب ولا مضروب. [٥: ٦٣/ب]
وقوله ولا يلزم ذكر مرفوعه وذلك بخلاف الفعل، فإنه لابد له من مرفوع، فقد يستغني عن المرفوع وغيره من معمولاته، كقوله تعالى (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)، وقد يستغني عنه فقط، ويبقى المعمول، نحو (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ). وخص المرفوع لأن الاستغناء عن غيره جائز مع كل عامل غير ناسخ. وعم بالمرفوع الفاعل والنائب واسم كان وأخواتها.
ويدل قوله "ولا يلزم ذكر مرفوعه" على أنه ليس كالفعل وما أشبهه مما يعمل؛ لأنه لا يستغني عن مرفوع ظاهر أو مضمر، وأنه يجوز أن يذكر مرفوعه، فيرفع الفاعل بالمصدر المنون، وينصب المفعول أو المفعولان أو الثلاثة على حسب تعدي الفعل الذي هذا مصدره، وإن كان لازماً رفع الفاعل، وتعدى إلى غير المفعول به كتعدي فعله، فيجوز أن تقول: عجبت من قيام زيد، ومن ضرب زيد عمراً، ومن إعطاء زيد عمراً درهماً، ومن ظن زيد عمراً قائماً، ومن إعلام زيد عمراً بكراً قائماً. هذا مذهب البصريين.
وأجاز جمهورهم أن ينوى في المصدر أنه منحل لحرف مصدري والفعل الذي لم يسم فاعله؛ فيرتفع ما بعده على أنه مفعول لم يسم فاعله، فأجازوا أن
стр. 3605
تقول: عجبت من جنون بالعلم زيد، ومن أكل الطعام، أي: من أن جن بالعلم زيد، ومن أن أكل الطعام. وجوزوا في عجبت من ضرب زيد أن يكون فاعلاً بالمصدر أو مفعولاً لم يسم فاعله.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه لا يجوز أن ينوى في المصدر انحلاله لحرف مصدري والفعل الذي لم يسم فاعله؛ فإذا قلت عجبت من ضرب زيد فهذا عنده مرتفع على الفاعل لا على أنه مفعول لم يسم فاعله.
وذكر شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع أن مذهب أكثر النحويين أن المفعول به لا يكون مع المصدر المنون إلا منصوباً؛ وإلى هذا كان الأستاذ أبو علي يذهب.
واستدل من أجاز رفعه على المفعول الذي لم يسم فاعله بعد المصدر بقول الشاعر:
إن قهراً ذوو الضلالة والبا ... طل عز لكل عبد محق
تقديره: أن يقهر ذوو الضلالة.
وذهب الكسائي إلى أنه لا يجوز ذلك إلا حيث لا يلبس.
وعلى ما تقرر من مذهب البصريين في جواز إعمال المصدر فيجوز عندهم أن تقدم فيه المفعول على الفاعل؛ فتقول: عجبت من ضرب زيداً عمرو. ويجوز عندهم ألا تذكر الفاعل، فتقول: عجبت من ضرب زيداً، قال تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا)، وقال الشاعر:
стр. 3606
فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد كانوا لنا كالموارد
وقال آخر:/ ... [٥: ٦٤/أ]
بضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل
وقال الفرزدق:
فرم بيديك هل تستطيع نقلا ... جبالاً من تهامة راسيات
وقال زياد الأعجم:
ببذل في الأمور وصدق بأس ... وإعطاء على العلل المتاعا
وحكى هشام: عجبت من أكل الخبيص، إذا كنت تخاطبه، قال: إلا أنه ينتصب بإضمار تأكل. قال: فإن لم تخاطبه رفعت. قال: وأحب إلى أن يفرق بينهما بشيء.
والبصريون لا يضمرون في مثل هذا ويجيزون النصب وإن كان لغير المخاطب إذا جرى ذكر.
ثم اختلف البصريون في الفاعل: فذهب الجمهور إلى أن الفاعل محذوف، فاعترضوا بإنكارهم على الكسائي حذف الفاعل في باب الإعمال، ففرقوا بين حذفه من المصدر وحذفه من الفعل واسم الفاعل وما جرى مجراه مما يجري مجرى الفعل بأن الموجب لحذفه من الفعل إنما هو جعل ضميره كالجزء من العامل؛ بدليل تسكينهم له آخر الفعل في ضربت، وفصلهم به بين الفعل وإعرابه في نحو يفعلان، فكما لا يجوز حذف الجزء من الكلمة بقياس، فكذلك لا يجوز حذف الفاعل إذا
стр. 3607
كان مضمراً متصلاً، ثم حمل الظاهر والضمير المنفصل في امتناع الحذف على المضمر المتصل، فلما كان المصدر لا يتصل به ضمير فاعل لم تكن نسبة فاعلة منه نسبة الجزء من الكلمة فيمتنع حذفه لم يحمل الظاهر والضمير المتصل في امتناع الحذف عليه.
وقد علل المصنف في الشرح كونه لا يذكر معه بل يحذف بخلاف الفعل، وأبدى فرقاً بين الفعل وما أشبهه وبينه بأن الفعل لو ذكر دون مرفوع لكان حديثاً عن غير محدث عنه، وليس كذلك المصدر؛ لأنه إذا عمل الفعل المنسوب إليه بإجماع لم يكن إلا في موضع غير صالح للفعل، فجرى مجرى الأسماء الجامدة في عدم تحمل الضمير، وجاز أن يرفع ظاهراً لكونه أصلاً لما لا يستغني عن مرفوع. انتهى.
ولا يلزم من حذف الفاعل مع الفعل أن يكون حديثاً عن غير محدث عنه؛ لأن المحذوف كالملفوظ به الموجود.
وذهب قوم إلى أن الفاعل مضمر في المصدر، وأن المصدر يتحمل الضمير كما يتحمله اسم الفاعل والصفة المشبهة والظرف؛ لأنه يعمل في الظاهر، فيعمل في المضمر. ونسب ذلك بعض أصحابنا إلى الكوفيين.
قال ابن هشام: "وأهل البصرة متفقون على أن لا إضمار، وأهل الكوفة يضمرون الفاعل، ويقولون: لابد من ذلك؛ لأنه كاسم الفاعل والصفة المشبهة والفعل ما عمل في الظاهر رفعاً، فلابد له أن يرفع ظاهراً أو مضمراً، إلا من رأى منهم أنه لا يعمل.
/وحجة البصريين أنه قد يضاف إلى فاعله، فمحال أن يرفع حينئذ، فقد خرج بهذا عن الفعل وعن كل ما أشبهه، والصفة حين أضيفت لفاعلها تخلصت للموصوف، ورفعت ضميرها، وليس المصدر كذلك" انتهى.
стр. 3608
وذهب أبو القاسم خلف بن فرتون الشنتريني - عرف بابن الأبرش - إلى أن الفاعل منوي إلى جنب المصدر، والتقدير: أو إطعام إنسان، ودل عليه ذكر الإنسان قبله. قال: "ولا يجوز أن يقال: إن الفاعل مضمر؛ لأن المصدر لا يضمر فيه؛ لأنه بمنزلة أسماء الأجناس.
فإن قيل: إذا كان بمنزلة أسماء الأجناس فكيف يعمل عمل الفعل؟
فالجواب: أنه عمل عمل الفعل لوجود لفظ الفعل فيه؛ ألا ترى أنه إذا أضمر بطل عمله، ولا يجوز أن يقال: محذوف؛ لأن الفاعل لا يحذف" انتهى كلامه.
وذكرت هذا لشيخنا الأستاذ أبي الحسن بن الضائع، فقال: عجبت من ركوب الفرس، الفاعل هنا ليس منويا، ولا يدل عليه ذكر شيء قبله، بل هو هنا محذوف ولابد.
وذهب السيرافي إلى أنه يجوز ألا يقدر فاعل، بل ينتصب المفعول بالمصدر كما ينتصب التمييز في عشرين درهماً من غير أن تقدر فاعلاً.
ثم اعترض على نفسه، فقال:
فإن قلت: فإذا نصبت يتيماً ولم تقدر فاعلاً في إطعام فقد جعلته تمييزاً.
فالجواب: أنا - وإن نصبناه من غير أن نقدر فاعلاً - فإنما ينتصب تشبيهاً بالمفعول الذي ينصبه الفعل، ولا يلزم من ناصبه أن يكون مثل الفعل في جميع أحكامه، تقول: عجبت من إطعام زيد عمراً، فتنصب عمراً بإطعام، وتقيم زيداً مقام التنوين، وهو مجرور، ولا تقدر فاعلاً غير زيد، فقد بطل في المصدر لفظ الفاعل الذي هو مرفوع في الفعل لا محالة، ولم يكن المصدر بمنزلة الفعل في هذه الحال، فكذلك ما ذكرنا.
стр. 3609
ورد على السيرافي بما رد هو على الكسائي في باب الإعمال، وهو أن يقال له: إما أن يكون الفاعل مراداً أو غير مراد، فإن قال إنه غير مراد فهذا باطل بالضرورة؛ لأنه لابد للإطعام من مطعم من جهة المعنى، وإن قال إنه مراد فقد أقر بأن المصدر يقتضيه كما يقتضيه الفعل، وأنه مخالف لعشرين درهماً، فيلزمه أن يكون مقدراً فيه وإن لم يصح إضماره فيه ولا إبراز لفظ المضمر.
وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز أن يلفظ بالفاعل بعد المصدر المنون. قالوا: وحمله على ذلك أنه لم يسمع.
ورد البصريون عليه هذا، واستدلوا على ورورد ذلك بقول الشاعر:
حرب تردد بينهم بتشاجر ... - قد كفرت آباؤها - أبناؤها
قالوا: التقدير: بتشاجر أبناؤها قد كفرت آباؤها، أي: لبست الدروع.
وهذا البيت لا حجة فيه، بل الظاهر أن قوله "آباؤها أبناؤها" مبتدأ وخبر، أي: آباؤها في ضعف الحلوم مثل أبنائها؛ /ألا ترى أن قبله ما يدل على هذا المعنى، وهو قوله:
стр. 3610
هيهات قد سفهت أمية رأيها ... فاستجهلت، حلماؤها سفهاؤها
إذ التقدير: حلماؤها مثل سفهائئها، فكذلك يكون تقدير: "آباؤها أبناؤها".
ويلزم أيضاً في تخريج البيت على قول البصريين أن يفصل بين المصدر ومعموله بقوله: "قد كفرت أبناؤها".
والذي يظهر لي مذهب الفراء؛ لأن كل ما أورد س وغيره من المصدر المنون في لسان العرب لم يذكر بعده فاعل، ولم يذكره س إلا في نفس عبارته، قال: "وذلك عجبت من ضرب زيد عمراً"، وليس في لفظه ما يدل على أنه محكي عن العرب، فيحتمل أن يكون ذلك رأياً منه، بل هو ظاهر كلامه وقياس منه؛ لأنه قال: "لأنك كما تقول: عجبت من أن ضرب زيد عمراً ينبغي أن تقول: عجبت من ضرب زيد عمراً". وكأن س لم ير مانعاً يمنع من ذلك إذ نزل منزلة: أن يفعل، والفاعل يظهر مع أن يفعل، فينبغي أن يظهر مع ما نزل منزلته، وكونه يذكر مضافاً إليه المصدر يقضي بذكره معه غير مضاف إذ لا فرق.
والذي ينبغي أن يعول عليه مذهب الفراء؛ لأنه سامع لغة من العرب، وقد نفى ذلك عن لسانهم، مع أن الكوفيين أوسع سماعاً وأتبع لشواذ كلام العرب من البصريين.
وللفراء أن يقول: المصدر - وإن نزل منزلة أن يفعل - فليس ينبغي أن تجرى عليه أحكام لفظه من ذكر الفاعل معه وغير ذلك، إنما يتبع في ذلك موجب الأدلة السمعية، فليس موضع قياس، ومع أن المصدر اسم صراح لم يبن للفاعل، ولا وضع له - فذكر الفاعل بعده بمثابة ضم اسم إلى اسم من غير جامع بينهما، فإذا أضيف
следующие страницы →