Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
رسم دار وقفت في طلله ... كدت اقضي الغداة من جلله
أي: رب أصهب، ورب رسم دارٍ.
وقوله وليس الجر بالفاء وبل بالاتفاق قال المصنف في الشرح: "ولا خلاف في أن الجر في (فذي حنقٍ)، و (بل بلدٍ)، و (رسم دارٍ)، وأشباهها- برب المحذوفة" انتهى. زقال ابن عصفور: "ولم يختلف أحد من النحويين في أن الخفض بعد الفاء وبعد بل بإضمار رب". فعلى هذين النقلين يظهر وهم من عد الفاء وبل في حروف الجر، وأن الجر بها لنيابتها مناب رب.
وذكر صاحب "كتاب الكافي" أنه لا يعلم خلافاً بين النحويين في أن الجر بعد الفاء برب مضمرة لابالفاء. وذكر أن العرب تحذفها، وتبقي عملها بعد واو العطف، ولا يجوز إظهارها بعدها، قال: "وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو، فحذفت بعدها رب". قال: "وقد حذفت قليلاً بعد ثم، والأصل في هذا كله واو، والعرب أقامتها مقام رب في الموضع الذي ذكرت، ثم أجرت العرب الفاء مجرى الواو، وكذلك أجرت العرب ثم. وسبب ذلك أن هذه الثلاثة من حروف العطف ليست بجامعة إلا في اللفظ".
وقوله ولا بالواو خلافاً للمبرد قال المبرد: الواو بمنزلة رب، والخفض بها، ولا ينكر أن يكون للحرف الواحد معان كثيرة. ويدل علي أنها ليست للعطف مجيئها في أول القصيدة، نحو قوله:
стр. 3852
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ووافق المبرد لعض الكوفيين.
ورد ذلك بأنها لو كانت بمنزلة رب، ولا تقول: ووخصم، وليس امتناع ذلك كراهة اتفاق اللفظين؛ لأنهم قد قالوا: ووالله، فأدخلوا واو العطف علي واو القسم. وبأنها قد أضمرت بعد الفاء وبل وثم، ولم يختلفوا أن الجر بها لا بهذه الحروف، فللواو أسوة بها. ولا يمنع كونها للعطف مجيئها في أوائل القصائد؛ لإمكان إسقاط الراوي شيئاً قبلها من القصيدة، أو لإمكان عطفه علي ما في خاطره مما يناسب ما عطف عليه، ومثال ذلك قول زهير: دع ذا، وعد القول في هرم .....................................................
العرب تنشد هذه القصيدة، وأولها عندهم: دع ذا، ولا يعرفون قبلها شيئاً، فهذا قد أشار ب "ذا" إلي شيء في نفسه؛ إذ كانوا يستفتحون القصائد بذكر شيء من الغزل وذكر الأطلال وغير ذلك مما يجري في أوئل/ قصائدهم. ومن العرب من يجعل أول قصيدة زهير.
دع ذا، وعد القول في هرم ... .......................................................
العرب تنشد هذه القصيدة، وأولها عندهم: دع ذا، ولا يعرفون قبلها شيئاً، فهذا قد أشار ب "ذا" إلي شيء في نفسه؛ إذ كانوا يستفتحون القصائد بذكر شيء من الغزل وذكر الأطلال وغير ذلك مما يجري في أوائل /قصائدهم. ومن العرب من يجعل أول قصيدة زهير:
لمن الديار بقنة الحجر ... .............................................................
والحجة في رواية من روى أولها: "دع ذا وعد القول في هرم". وإضمار رب بعد الواو والخفض بها مضمرة مذهب البصريين.
стр. 3853
-[ص: ويجر بغير رب أيضاً محذوفاً في جواب ما تضمن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متصل، أو منفصل ب "لا"، أو "لو"، أو في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة، أو "هلا"، أو "إن" أو الفاء الجزائيتين. ويقاس علي جميعها، خلافاً للفراء في جواب نحو: بمن مررت؟]-
ش: هذه مسائل ذكرها المصنف، وزعم أنه يجوز حذف حرف الجر فيها وإبقاء عمله. مثال الأولى: زيد، في جواب من قال: بمن مررت؟ قال: "ومنه قوله- ﵇: (أقربهما منك باباً)، جواباً لمن قال له: فإلى أيهما أهدي؟ وكذلك: بلى زيد، لمن قال: ما مررت بأحد، أو هل مررت بأخذ؟ ".
ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وفي آخر الآية قوله: ﴿آيَات﴾، فجر ﴿اخْتِلافِ﴾ ب "في" لاتصاله بالواو لتضمن ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ﴾ لفظ في. ونظيره: في الدار زيد والقصر عمرو، أي: وفي القصر. ومثله قول الشاعر:
ألا يا لقومي، كل ما حم واقع ... وللطير مجرى، والجنوب مصارع
стр. 3854
وقول الآخر:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقول الآخر:
كالتمر أنت إذا ما حاجة عرضت ... وحنظل كلما استغنيت خطبان
وقول الآخر:
حبب الجود للكرام، فحمدوا ... وأناسٍ فعل اللئام فليموا
وقول الآخر:
لك مما يداك تجمع ما تن ... فقه، ثم غيرك المخزون
وقال المصنف في الشرح: "ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو
قول الشاعر:
أية بضمرة أو عوف بن ضمرة أو ... أمثال ذينك، أية تلف منتصرا"
قال: "أراد: أو بأمثال ذينك اية".
ولا يتعين ما قال؛ إذ يحتمل أن يكون "أو أمثال ذينك" معطوفاً علي ما قبله، و "أيه" توكيد لقولك "أيه" المتقدمة.
стр. 3855
ومثال الثالثة قول الراجز:
ما لمحب جلد إن هجرا ... ولا حبيب رأفة فيحبرا
ومثال الرابعة قول الشاعر:
متى عذتم بنا ولو فشة منا ... كفيتم، ولم تخشوا هواناً ولا هنا
وحكى الأخفش في "المسائل" أنه يقال: جئ يزيد أو عمرو ولو كليهما، وأجاز في كليهما الجر علي تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع.
قال المصنف في الشرح: "وأجود من هذا المثال الذي ذكر الأخفش أن يقال: جئ يزيدٍ وعمروٍ ولو احدهما؛ لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام ان يكون ما بعد لو أدنى مما قبلها في كثرة وغيرها، /كقول النبي- صلي الله عليه وسلم-: (التمس ولو خاتماً من حديد)، وكقولهم: اثنتي بدابة ولو حماراً". وجوز س الجر علي ضعف.
ومثال الخامسة: يقال: مررت بزيد، فتقول: أزيد بن عمرو؟
ومثال السادسة: يقال: جئت بدرهم، فتقول: هلاً دينار. حكاهما الأخفش في "المسائل"، قال: وهذا كثير.
ومثال السابعة قولهم: مررت برجل صالح غلا صالح فطالح، علي تقدير: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، حكاه يونس، وأجاز: امرر بأيهم هو أفضل إن
стр. 3856
زيد وإن عمرو، علي معنى: إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو. قال س: "وهو قبيح". قال المصنف في الشرح: "وجعل س إضمار الباء بعد إن لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار رب بعد الواو، فعلم بذلك اطراده عنده.
وشبيه بما روى يونس ما في البخاري (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس او سادس)، ويجوز رفع (أربعة) على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها علي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وجرها علي حذف المضاف وبقاء عمله، ونظائر الرفع أكثر".
وقوله خلافاً للفراء قال المصنف في الشرح: "ومنعه الفراء في نحو: زيد، لمن قال: بمن مررت؟ والصحيح جوازه كقوله- ﵇: (وأقربهما منك باباً) - بالجر- إذ قيل له: فإلي أيهما أهدي؟ وكقوله العرب: خير- بالجر- لمن قال: كيف أصبحت؟ بحذف الباء وبقاء عملها؛ لأن معني كيف: بأي حال؟ فجعلوا معني الحرف دليلاً، فلو لفظ به لكانت الدلالة أقوى، وجواز الجر أولى".
انتهت هذه المسائل التى ذكرها المصنف، وينبغي أن يتثبت في جوازها؛ لأن أصحابنا نصوا علي أنه لا يجوز حذف حرف الجر وإبقاء عمله إلا إذا عوض منه،
стр. 3857
وذلك في "باب القسم" و "باب كم" علي ما قرر في "باب كم"، ويقرر في "باب القيم"، وعلي خلاف في ذلك. وجعلوا قول العرب: "خير، عافاك الله"، جواب: كيف أصبحت؟ من النادر الشاذ الذي لا يقاس عليه.
وفي "البسط": "الهمزة لا يحكى بها، ولا يرفع ما بعدها علي لغة بني تميم لأنها حرف، فإذا استثبت بها فلك أن تعيد عامل الرفع وعامل النصب، ولك ان تحذفهما، فتقول في ضربت زيداً، أضربت زيداً؟ وأزيداً، وكذلك في الرفع. فأما من قال: مررت بزيد- فتقول إذا حذفت الفعل: أبزيد؟ ولا يجوز غيره، بخلاف المحكي" انتهى. يعني أنه لا يجوز حذف حرف الجر، فلا تقول: أزيد؟ بخلاف المحكي، فإنه يجوز أن تقول لمن قال مررت بزيد: من زيد، وما ذكره مخالف لما قرره المصنف من جواز: أزيد بن عمرو؟ لمن قال: مررت بزيد، فتحذف حرف الجر بعد الهمزة.
وقال في "البسيط": "إذا أردت استئناف الجملة بأسرها فلا يكون إلا بالهمزة وحدها، نحو: أضربت زيداً؟ " انتهى. ويجوز ب "هل"، فتقول: هل ضربت زيداً؟
-[ص: وقد يجر بغير ما ذكر محذوفاً، ولا يقاس منه إلا علي ما ذكر في باب "كم"، و "كان"، و "لا" المشبهة بإن، وما يذكر في "باب القسم". وقد يفصل في الضرورة بين حرف جر ومجرور بظرف أو جار ومجرور بظرف أو جار ومجرور، وندر في النثر الفصل /بالقسم بين حرف الجر والمجرور، والمضاف والمضاف إليه.]-
ش: مثال الجر بغير ما ذكر محذوفاً قول الشاعر:
وكريمة من آل قيس ألفته ... حتى تبذخ، فارتقى الأعلام
стр. 3858
وقول الآخر:
إذا قيل: أى الناس شر عصابة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
وقول الآخر:
سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكي: أما لزوجة ... فسبع، وأما خلة فئمان
أى: في الأعلام، وإلى كليب، ولخلة.
قال المصنف في الشرح: "وهذا أجود؛ لأن فيه حذف حرف ثابت مثله فيما قيله، ولكن لا يقاس عليه لكون العاطف مفصولاً بأما، وهي تقتضي الاستئناف".
وقال أيضاً في الشرح: "وفي صحيح البخاري قول النبي- ﷺ :
(صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسٍ وعشرين ضعفا)، بخفض خمس، على
تفدير الباء. ومثله في (جامع المسانيد) على أحد الوجهين قول النبي- ﷺ :
(خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجل ثلاث)، على أن يكون المراد: المحجل في ثلاث. والأجود أن يكون أصله: المحجل محجل ثلاث، فحذف البدل، وبقي مجروره، كما فعل بالمعطوف في نحو: ماكل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة)) انتهى. وهذا على عادته بإثبات القواعد النحوية بما روته رواة الحديث، وقد تكلمنا معه في هذه المسألة.
стр. 3859
مسألة: قالت العرب: لاه أبوك، يريدون: لله أبوك، حذف لام الجر وأل، وهو شاذ لا يقاس عليه. ثم قالوا: لهي أبوك، وأصله لاه أبوك، قلبوا، وأبدلوا من الألف باء، كما قالوا في قلب قفا: قوف، ووجه: جاه، ردوا اللام إلى موضع العين. وإنما قلبوا إلى الباء لأنهم لما أرادوا أن يكون على بناء لاه لزم تحريك الألف، وكانت إلى حرف الياء أخف، والفتح للبناء كأين، فصارت اللام في لهي فاء الكلمة؛ لأنه لا يصح أن تكون للتعريف؛ لأن الاسم تضمنها، فلا تظهر، ولا تكون الجاوة؛ لأنها تكسر مع المظهر، وهذه مفتوحة. ولا يقال: فتحت لأجل الألف في لاه؛ لأنا نقول: يجب أن تكسر في لهي أبوك لزوال الألف. ولا يقال: لما قلب روعي بناء الكلمة الأولى وأصلها؛ لأنا نقول: لا يراعى في القلب ذلك؛ إذ لا يلزم في القلب أن يكون الثاني على مثال الأول؛ لأنهم قد قالوا في قلب قفا: قوف، فثبت أنها فاء الكلمة. من ((البسيط)).
وزعم ابن ولاد أن قولهم ((لاه أبوك)) محذوف من إله، ثم قالوا لهي أبوك، قلب، وشبهت الألف الزائدة بالمنقلبة عن الأصل. وهذا فاسد؛ لأن الزائدة لا يفعل بها هذا، ولا دليل/عليه.
وزعم المبرد أن المحذوف من لاه أبوك لام التعريف ولام الأصل، والباقية لام الجر، وبقي من الكلمة حرفان أصليان، وهما ما الألف منقلبة عنه والهاء. قال: لأن لام الجر لمعنى، وفتحت للألف، وهذا أولى من أن يقال: حذف حرف المعني- وهو حرف الجر- وأبقى عمله. وأيضاً فإن حذف حرف الجر شاذ جداً خارج عن
стр. 3860
القياس، وهو أيضا حرف معنى، فلا يحذف. وأما اللام الأصلية فتحذف تخفيفا لأنها لا تحرز في الموضع معنى، وفد يحذفون من الأصول كثيرا، كيد ودم، وأما لام التعريف فلا معنى تحرزه في الموضع؛ لأن الكلمة قد صارت علما، فلا تفتقر إليها.
ورد على المبرد بقولهم: لهي أبوك؛ إذ كان ينبغي أن ترجع اللام لأصلها من الكسر، وقد نص س على أن هذه اللام الباقية هي الأصلية، وأن المحذوف لام الجر ولام التعريف. وقد استدل ل ((س)) ببناء لهي، ولا وه لبنائه إلا تضمنه معنى حرف الجر المحذوف، كما بنوا أمس لتضمنه معنى لام التعريف.
ولأبي العباس أن يقول: بني لكثرة ما تصرف فيه من الإخراج عن وضعه، وإذا كانوا يبنون ((أيهم)) لخروجه عن نظائره فأحرى هذا، وكان بناؤه على الفتح تخفيفاً؛ إذ كان آخره باء.
وقوله ولا يقاس منه إلا على ما ذكر في ((باب كم)) ذكر في "باب كم" أنه يجوز الجرب ب ((من)) مضمرة في تمييز الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر؛ خلافا لأبي إسحاق؛ إذ الجر فيه عنده بإضافة كم إليه، وأنه يجوز جر تمييز الخبرية بإضمار من على مذهب الفراء.
وقوله و ((كان)) مثل المصنف هذا بقوله ((ولا سابق شيئا))، وذلك في بيت زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
стр. 3861
وتقدم لنا الكلام علي هذا البيت، وأنه من العطف علي التوهم، وأن العطف علي التوهم لا ينقاس، فقياس المصنف ذلك ليس بجيد.
وقوله و "لا" المشبهة بإن مثل المصنف ذلك في الشرح بقوله:
إلا رجل جزاه الله خيراً ..............................
وهذا من الندور والشذوذ بحيث لا يقاس عليه، والتقدير: ألا من رجل. وهذا المصنف كثيراً ما يتبع الشواذ والنوادر، ويقيس عليها.
وقوله وما يذكر في بابا القسم هو لفظ الجلالة دون عوض، ويأتي ذكر الخلاف للكوفيين إن شاء الله.
وقوله وقد يفصل إلى ومجرور مثال الفصل بالظرف ما أنشده أبو عبيدة:
إن عمراً لا خير في- اليوم- عمرو ... إن عمراً مخبر الأحزان
ومثاله بالجار والمجرور قوله:
مخلقة، لا يستطاع ارتقاؤها ... وليس إلي- منها- النزول سبيل/ وقوله:
رب- في الناس- مؤسرٍ كعديم ... وعديم يخال ذا إيسار
стр. 3862
وقول الآخر:
يقولون: في الأكفاء أكبر همه ... ألا رب- منهم- من يعيش بمالكا
وأبعد من ذلك الفصل بالمفعول بينهما، قال الفرزدق:
وغني لأطوي الكشخ من دون من طوى ... وأقطع بالخرق الهبوع المراجم
أي: وأقطع الخرق بالهبوع المراجم.
وقوله وندر في النثر إلي آخره: حكى الكسائي الفصل بين الجار والمجرور
بالقسم، نحو: اشتريته بوالله درهم، وهذا غلام- والله- زيد. وحكى أبو عبيدة: إن الشاة تعرف ربها حين تسمع صوت- والله- ربها. انتهى.
ولا يجوز الفصل بالقسم بين رب ومجرورها، وأجاز الأحمر الفصل به بينها وبين المجرورها النكرة، نحو: رب- والله- رجل عالم لقيت. والأحمر هذا هو علي بن المبارك الاحمر الكوفي تلميذ الكسائي ومسائل سيبوية مع الفراء في المجمع الذي جرى فيه ذكر المسألة الزنبورية.
стр. 3863
ووهم ابن عصفور، فنسب هذا المذهب لأبي محرز خلف الأحمر البصري، فقال: "وأجاز خلف الأحمر". ووهمه في ذلك إطلاقهم الأحمر، فظن أنه خلف. ولا يبعد ما قاله الأحمر من جواز الفصل بين رب ومجرورها النكرة بالقسم؛ لأنه قد فصل به بين الباء ومجرورها في النثر مع أن الباء علي حرف واحد، ورب ثلاثية الوضع. وأيضاً فقد فصل بينهما بالجار والمجرور غير القسم، فلأن يفصل بالقسم أقرب، ولكن الاحتياط ألا يقدم علي ذلك إلا بسماع من العرب.
стр. 3864
-[ص: باب القسم
وهو صريح وغير صريح. وكلاهما جمله فعلية أو اسمية. فالفعلية غير الصريحة في الخبر كعلمت وواثقت مضمنة معناه، وفي الطلب كنشدت وعمرتك، وأبدل من اللفظ بهذه: عمرك الله بفتح الهاء وضمها، وقعدك الله، وقعيدك الله كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر أو ما بمعناه.]-
ش: القسم استعمل منه فعل غير جار عليه، وهو أقسم، كأشبه وأثنى من الشبه والثناء. ويردافه الخلف، واستعمل منه فعل جار، تقول: حلف. والإيلاء: واستعمل منه فعل جار، قالوا: آلى. والأولية: وليس له فعل جارٍ، إنما الفعل آلى.
اليمين: ولم يستعمل منه فعل لا جارٍ ولا غيره؛ لأنه ليس بمصدر في الأصل فيشتق منه، وإنما هو اسم للجارحة، ثم سمي القسم يميناً؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أكدوا بأيمانهم بضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه تأكيداً للعقد؛ حتى سمي الحلف يميناً.
وينحصر الكلام في هذا الباب في القسم، وفي المقسم به، وفي حروفه، وفي المقسم عليه، وفي حروفه، وفي المقسم عليه، وفيما يتلقى به القسم.
فأما القسم فهو جملة تؤكد بها أخرى خبرية غير تعجبية. /فقولنا "جملة" يعني في اللفظ، نحو: أقسمت بالله، أو في تقدير، نحو: بالله، التقدير: أقسمت بالله.
وتشمل الجملة الإنشائية، نحو: أقسمت، والخبرية، نحو: علمت لزيد قائم، وأشهد لعمرو خارج، فالنحويون يقولون في هذا إنه جملة قسمية، والخبرية، نحو: علمت لزيد قائم، وأشهد لعمرو خارج، فالنحويون يقولون في هذا إنه جملة قسمية، وهي جملة خبرية تفيد الإخبار بالعلم وانك شاهد وعالم، لكنها لما جاءت توكيداً وتثبيتاً لمعنى الجملة التي بعدها سميت قسماً.
стр. 3865
وقولنا "تؤكد بها أخرى" احتراز من قولنا: زيد قائم زيد قائم، فإنه يصدق عليها أنها جملة، لكنها ليست أخرى، بل هي هي، وقولنا "خيرية" احتراز من غير الخبرية؛ لأنها لا تقع مقسماً عليها. وقولنا "غير تعجبية" احتراز من التعجبية، فإنها خبرية تحتمل الصدق والكذب عند بعضهم، وأما من لا يجعلها خبرية فلا يحتاج إلي ذكرها.
والمقسم به كل اسم معظم إن كان المقسم يريد تحقيق ما أقسم عليه وتثبيته، فإذا كان مقصوده الحنث أقسم بغير معظم، نحو قوله:
وحياة هجرك غير معتمدٍ ... إلا ابتغاء الحنث في الحلف
ما أنت أحسن من رأيت، ولا ... كلفي بحبك منتهى كلفي
أقسم بحياة هجرها، وهو غير معظم عنده، رغبه في أن يحنث فيموت هجرها. قال ابن عصفور: "إلا أن القسم علي هذا الطريق يقل".
وأما حروفه، والمقسم عليه، وما يتلقى به- فيأتي مفصلاً في شرح كلام المصنف إن شاء الله.
وقسم المصنف القسم إلي صريح وغير صريح، قال: "والقسم الصريح ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسماً، كأحلف بالله، وانا حالف بالله، ولعمر الله، وايمن الله. وغير ذلك الصريح ما ليس كذلك، نحو: علم الله، وعاهدت، وواثقت، وعلي عهد الله، وفي ذمتي ميثاق، فليس بمجرد النطق بشيء من هذا الكلام يعلم كونه قسماً بل لقرينة، كذكر جواب بعده، نحو: علي عهد الله
стр. 3866
لأنصرن دينه، وفي ذمتي ميثاق لا أعين ظالما، وكفوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، وكقول الشاعر:
إني علمت على ما كان من خلق ... لقد أراد هواني اليوم داود
وكقول الآخر:
أرى محرزا عاهدته ليوافقن ... فكان كمن أغريته بخلاف
وقول الآخر:
واثقت مية لا تنفك ملغية ... قول الوشاة، فما ألغت لهم قيلا
ومنه (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)، و (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ).
ويدل على أنه قسم كسر إن بعده، وتسميته يمينا في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً). ومنه قراءة ابن عباس: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ). وقال الفراء في (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ) ((صار قوله (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) يمينا، كما
стр. 3867
تقول: حلفي لأضربنك، وبدا لي لأضربنك، وكل ما هو بتأويل: بلغني، وقيل لي، وانتهى إلي_ فاللام تصلح فيه)) انتهى.
وقال س: ((يَعْلَمُ اللُّه)). قال الأستاذ أبو علي: ((ليس في هذا قسم لا ملفوظ به ولا مقدر، لكنه لما أشبه القسم من جهة أنه تأكيد للخبر الذي بعده أجيب بجوابه)).
قال ابن خروف: ((دخول معنى القسم في علم ويعلم لا يكون إلا مع اسم الله تعالى، ولا يؤخذ ذلك إلا بالسماع)).
وما ضمن معنى القسم من نحو علمت وأشهد فقيل: الجملة في موضع المعمول لعلمت وأشهد. وقيل: ليست معمولة؛ لأن القسم لا يعمل في جوابه، وهذا مضمون معناه، فلا يعمل، فإن كانت معلقة ولم تضمن معنى القسم فهي في موضع معمول ولا بد.
وقوله وفي الطلب كنشدت قال المصنف في الشرح: ((ومن القسم غير الصريح نشدتك وعمرتك، فللناطق بهما أن يقصد القسم وألا يقصده، فليس مجرد النطق بهما يدل على كونه قسما، لكن يعلم كونه قسما بإيلائه (الله)، نحو: نشدتك الله، وعمرتك الله، ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب، نحو: نشدتك الله إلا أعنتني، وعمرتك الله لا تطلع هواك.
ويستعمل أيضا في الطلب عزمت وأقسمت، لذلك قلت (كنشدت) تنبيها على أن لنشدت من الأفعال أخوات سوى عمرت)) انتهى. وتسمية هذا قسما لم أره إلا لهذا المصنف.
стр. 3868
وأما أصحابنا فالجملة المقسم عليها لا تكون إلا خبرية عندهم كما قررنا، فإن كانت غير خبرية لم تقع جوابا للقسم، لا يجوز أن تقول: بالله هل قام زيد، فأما قول الشاعر:
بالله ربك إن دخلت فقل له ... هذه ابن هرمة واقفا بالباب
وقول الآخر:
بدينك هل ضممت إليك ليلى ... وهل قبلت قبل الصبح فاها
فليسا بقسمين؛ لأن ما بعد المجرور ليس جملة خبرية، والمراد استعطاف المخاطب، وتقديره: أسألك بدينك، وأسألك بالله، أضمروا الفعل لدلالة المعنى عليه.
وقد يحذفون الباء وينصبون ضرورة، وقال:
أقول لبواب على باب دارها ... أميرك، بلغها السلام، وأبشر
وفي بعض شروح الكتاب وقد ذكر عمرتك وعمرك وقعدك وقعدك وقعيدك ما نصبه: ((وزعم بعض النحويين أن هذا ليس بقسم كونه لم يجئ في كلام العرب وقوع الحرق الخاص بالقسم، نحو التاء، لم يقولوا: تالله هل قام زيد، وأن الفعل المختص بالقسم
стр. 3869
لم تعلق به الباء، فلا يقال: أقسم/ بالله هل قام زيد، وأن القسم لا يخلو من حنث أو بر، ولا يتصور ذلك إلا فيما يصح اتصافه بالصدق والكذب.
فأما قوله:
أجهالا تقول بني لؤي ... لعمرك أبيك أم متجاهلينا
وقول الآخر:
أيا خير حي في البرية كلها ... أبالله هل لي في يميني من عقل
فف
ف ((لعمر أبيك)) من ألفاظ القسم الخاصة به، وقد جاءت في جملة الاستفهام، و ((بالله)) أتي بعده بجملة استفهامية.
والجواب أن جواب ((لعمر أبيك)) محذوف، تقديره: لتخبرني، وحذف لدلالة الاستفهام عليه؛ لأن المستفهم إنما يستفهم ليخبر. ولم يجعل ((أبالله)) يمينا، وإنما معناه: أسألك بالله هل لي في يميني إن حلفت أنك خير حي من عقل؟ فإذا تقرر هذا فقولهم: نشدتك الله، وعمرتك الله، وقعدك الله_ ليس بقسم؛ لأن ما استفهام، وأمر، ونهي، وأن، وإلا، ولما بمعنى إلا، والأصل في ذلك نشدتك بالله، إي: سألتك به، وطلبت منك به، لأنه يقال نشد الرجل الضالة: طلبها. وكان جوابها تلك لأن الأمر والنهي والاستفهام كلها بمعنى الاستدعاء. وكذلك أن؛ لأنها في صلة الطلب، كقولك: نشدتك الله أن تقوم، وكذلك: نشدتك الله قم، ونشدتك الله لا تقم، ومن كلامهم: أنشدك إلا فعلت، وقال:
стр. 3870
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كانت جارتنا أيام ذي سلم
وقال آخر:
عمرتك الله الجليل، فإنني ... ألوي عليك لو أن لبك يهتدي
وقد يحذف هذا الفعل، نحو قوله:
قالت له: بالله يا ذا البردين ... لما غنثت نفسا أو اثنين
وإذا كان في الجواب ((إلا)) فالفعل قبلها بصورة الموجب، وهو منفي في المعنى. وقد تقدم كلامنا على ((نشدتك إلا فعلت)) في باب الاستثناء.
قال المصنف في الشرح: ((ومعنى نشدتك الله: سألتك مذكرا الله، ومعنى عمرتك الله: سألت الله تعميرك، ثم ضمنا معنى القسم الطلبي)) انتهى.
فإن عنى المصنف أنه تفسير معنى لا إعراب فيمكن، وإن عنى تفسير إعراب فليس كذلك، بل نشدتك الله انتصاب الجلالة فيه على إسقاط الخافض، لما سقط وصل إليه الفعل فنصبه، فليس منصوبا بمذكر. وأما عمرتك الله فلفظ الجلالة منصوب بإسقاط الخافض، ووصل الفعل إليه، /فنصبه، والتقدير: عمرتك بالله، أي: ذكرتك بالله تذكيرا يعنر القلب ولا يخلو منه.
وقوله وأبدل من اللفظ بهذه عمرك الله بفتح الهاء وضمها الإشارة بهذه إلى قولك عمرتك، وعمرك مصدر على حذف الزوائد، والتقدير: تعميرك الله، أي:
стр. 3871
تذكيرك بالله، قال الشاعر:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله، كيف يلتقيان
وقال آخر:
عمرك الله_ يا سعاد_ عديني ... بعض ما أبتغي، ولا تؤيسيني
وقال آخر:
يا عمرك الله إلا قلت صادقة ... أصادقا وصف المجنون أم كذبا
وقال آخر:
عمرك الله ساعة حديثنا ... ودعينا من ذكر ما يؤذينا
وقال آخر:
عمرك الله، أما تعرفني ... أنا حراث المنايا في الفزع
وحكى بعض الثقات عن أعرابي: عمرك الله، برفع الله. قال أبو علي: ((والمراد عمرك الله تعميرا، فأضيف المصدر إلى المفعول، ورفع به الفاعل)).
стр. 3872
وقال الأخفش في ((الأوسط)): ((أصله: [أسألك] بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء، فانتصب ما كان مجرورا بها)).
ويدل على ما قاله الأخفش إدخال باء الجر عليه، قال عمر بن أبي ربيعة.
بعمرك هل رأيت لها سميا ... فشاقك، أم لقيت لها خدينا
وفي (اللباب): إذا قلت عمرك الله بنصب اسم الله ففي إعرابه وجهان: أحدهما: أن التقدير: أسألك تعميرك الله، أي: باعتقادك بقاء الله، فتعميرك مفعول ثان، والله منصوب بالمصدر.
والثاني: أن يكونا مفعولين، أي: أسأل الله تعميرك)) انتهى.
وحكى ابن الأعرابي: عمرك الله، برفع راء عمرك الله، وعلى النصب رواه أهل العربية.
وفي ((البسيط)): ((وأما ما لم يتصرف فنحو: عمرك الله، وقعدك الله وريحانه، وحنانيك، وهو على الدعاء، أي: عمرك الله، فقيل: هو مصدر محذوف الزوائد، كأنه بدل من قولك: تعميرك الله، وفعله عمر، وهو العامل فيه. ومعنى عمرك الله: سألت الله أن يعمرك تعميرا مثل تعميرك إياه نفسك، أي: مثل سؤالك الله تعمير نفسك، فحذف العامل ومعموله_ وهو التعمير_ وصفته، وأقيم التعمير محذوف الزوائد بمنزلة ذلك، ثم حذفت نفسك، /وأبدلت من إياه الظاهر، وهو اسم الله تعالى، فقلت: عمرك الله، فالكاف للفاعل. وهو تقدير أبي على. وربما حذف
стр. 3873
المفعول الثاني؛ لأنه بمنزلة أعطيت، وجاز بناء المصدر على حذف الزوائد كما أنشد أبو علي:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري
أي: تقديري. ومنه على رأي: قيد الأوابد، أي: تقييد الأوابد)) انتهى.
ولا يقال هو قسم بمنزلة قولك: عمر الله لأفعلن، كما ذهب إليه بعضهم؛ لأن هذا مصدر عمر الرجل يعمر: إذا امتد بقاؤه. ولم يستعملوا في القسم إلا المفتوح، والأول من التعمير، ولا قسم فيه. ويدل على ذلك أنه لا جواب له لا ظاهرا ولا مقدرا، وإنما أنت داع له، كقولك:
........................... ... عمرك الله كيف يلتقيان
و:
عمرتك الله الجليل ....... ... ...........................
ويجوز: لعمر الله، وعمر الله لقد كان كذا، ولا يجوز: لعمرك الله.
وقد أجاز أبو العباس وأبو سعيد أن ينتصب هذا أيضا على تقدير القسم، كأنه قال: أقسم عليك بعمرك الله، أي: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالدوام والبقاء، ويكون محذوف الجواب، فتكون الكاف في موضع رفع.
قيل: ويحتمل أن يكون نصبا على معنى: أسألك تعمير الله إياك فحذف الفاعل، وأضاف إلى المفعول، وانتصب لفظ الجلالة بإضمار فعل آخر. والظاهر من كلام س أنه مصدر موضوع موضع الفعل على أنه مفعول به، كما قال المبرد.
стр. 3874
وقال بعض أصحابنا: عمرك الله بمعنى تعميرك، وفعل يأتي بمعنى التفعيل، قال:
فإن ينجو فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري
أي: تقديري. ومعناه: سألتك بعمرك كما تسأل الله بعمره، فهو مصدر تشبيهي على حد: ضربتك ضرب زيد، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والجلالة مفعول، وكأنه قال: سؤالك الله بعمره، أي: ببقائه، فعمرتك متعد إلى واحد، فيكون عمرك الله كذلك.
فإذا قلت عمرتك الله فالكاف مفعولة، والجلالة منصوب بمصدر، كأنه قال:
عمرك الله، ويكون من حذف الموصول وإبقاء الصلة، ولا يجوز إلا في الشعر، هكذا يتنزل إعرابه، وهذا هو المعنى. وقد يكون ((عمرتك الله)) متعديا إلى اثنين، كأنه قال: سألت الله تعميرك مثل ما تسأل الله تعميرك، فيكون ((عمرك الله)) على هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون الكاف مضافا إليها على أنها فاعلة، وكأنك قلت: سؤالك الله عمرك، ويحذف المفعول الثاني.
والثاني: أن تكون الكاف مفعولة، وكأن المعنى: سؤالك الله نفسك، أي: حفظ نفسك، ثم قدمت نفسك، فاتصل، وكأنك قلت: تعميرك أنت الله.
وأما ((قعدك الله)) فمتعد إلى اثنين، والمعنى: سألت الله تقعيدك، أي حفظك، كما تسأل الله أنت حفظك، وفسر/ القعيد بالحفيظ؛ لأن اللغة نطقت بذلك، قال تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، القعيد: الحافظ. وهذا مذهب أبي علي الفارسي.
стр. 3875
وقوله وقعدك الله وقعيدك قال المصنف في الشرح: ((قيل: هما مصدران بمعنى المراقبة، كالحس والحسيس. وانتصابهما بتقدير أقسم أي: أقسم بمراقبتك الله. وقيل: قعد وقعيد بمعنى الرقيب الحفيظ، من قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ)، أي: رقيب حفيظ. ونظيرهما خل وخليل، وند ونديد. وإذا كانا بمعنى الرقيب والحفيظ فالمعنى بهما الله تعالى، ونصبهما بتقدير أقسم معدى بالباء، ثم حذف الفعل والباء، فانتصبا، وأبدل منهما الله)) انتهى.
وقال أبو الحسن بن سيده: ((المعنى: أسألك بقعدك الله، وتقعيدك الله ومعناه: بوصفك الله بالثبات والدوام، وهو مأخوذ من القواعد التي هي الأصول لما يلبث ويبقى، ولم يصرف منه فيقال: قعدتك الله، كما قالوا: عمرتك الله؛ لأن العمر في كلام العرب معروف، وهي كثيرة الاستعمال له في اليمين، فلذلك تصرف، وكثر مواضعه)) انتهى. وكلام ابم سيده يدل على أنهما مصدران.
وفي ((البسيط)): ويدل على القسم فيها قولهم: قعدك الله لأفعلن. ويحتمل أن يكون بمعنى عمرك الله في الدعاء، أي: أثبتك الله، وإن لم يتكلم له بفعل من لفظه بمنزلة بهرا المقدر له.
وهو عند س بمنزلة: عمرك الله، وكأنه وضع موضع فعل، كأنه قيل: قعدتك الله، أي: سألتك ببقاء الله وثباته.
وعن الأزهري: قالت قريبة الأعرابية:
стр. 3876
قعيدك، عمر الله، يابنت مالك ... ألم تعلمينا نعم مأوى المحصب
قال الأزهري: ((ولم أسمع بيتا جمع فيه بين العمر والقعيد إلا هذا)).
وروى أبو عبيد عن الكسائي: يقال: قعدك الله، مثل: نشدتك الله. وقال أيضا: قعدك الله، أي: الله معك. ومثله قعيد، وقيل: القعيد: المقاعد، كأنه قال: أنت مقاعد الله، أي: هو معك. وقال أبو عبيد: يقال: قعيدك لتفعلن كذا. وقال أبو الهيثم: قعيدك وقعدك بفتح القاف، ولا أعرف كسرها. وأنشد:
بقعدك ألا تسمعيني ملامة ... .............................
البيت. وأنشده الأصعمي: قعيدك.
ويقال: قعدت الرجل وأقعدته: خدمته، وقال الفرزدق:
قعيدكما الله الذي أنتما له ... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا
وقال قيس العامري:
قعيدك رب الناس، يا أم مالك ... ألم تعلمينا نعم مأوى المحصب
/ وقال آخر:
قعدك الله، هل علمت بأني ... في هواك استطبت كل معنى
стр. 3877
وقال آخر:
فقعدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
وقوله كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر أو ما ما بمعناه فالمصدر نحو قسم وألية، والذي بمعناه يمين وقضاء ويقين وحق وغير ذلك، قال الشاعر:
قسما لأصطبرن على ما سمتني ... ما لم تسومي هجرة وصدودا
وقال:
ألية ليحيقن بالمسيء إذا ... ما حوسب الناس طرا سوء ما عملا
وقال:
يمينا لنعم السيدان، وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم
وحكى ثعلب أن العرب تنصب قضاء الله، وتجعله قسما، فتقول على هذا: قضاء الله لأقومن، وقال:
ويقينا لأشربن بماء ... وردوه فهاجلا وتئيه
وقال تعالى: (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلأَنَّ). فهذه كلها نابت مناب أقسم وأحلف.
ص: ويضمر الفعل في الطلب كثيرا استغناء بالمقسم به مجرورا بالباء، ويختص الطلب بها، وإن جر في غيره بغيرها حذف الفعل وجوبا، وإن حذفا معا نصب المقسم به، وإن كان ((الله)) جاز جره بتعويض ((آ)) ثابت الألف، أو ((ها)) محذوف الألف أو ثابتها، مع وصل ألف ((الله)) وقطعها، وقد تستغنى في التعويض
стр. 3878
بقطعها، ويجوز جر ((الله)) دون عوض، ولا يشارك في ذلك، خلافا للكوفيين، وليس الجر في التعويض بالعوض، خلافا للأخفش ومن وافقه.
ش: مثال إضمار الفعل: بالله لا تخالف، بالله وافق، التقدير: نشدتك بالله.
وقوله ويختص الطلب بها يعني بالباء، فلا يستعمل فيه الواو والتاء واللام من حروف القسم.
وقوله وإن جر في غيره بغيرها أي: في غير الطلب بغير الباء من الحروف_ وهي الواو والتاء واللام_ حذف الفعل وجوبا قال تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا)، من ربي إنك لأشر، لله لا يؤخز الأجل، وأنشد س لعبده مناة الهذلي:
لله يبقي على الأيام ذو حيد ... بمشمخر، به الظيان والآس
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه يضمر الفعل وجوبا إذا جر المقسم به بغير الباء في بعضه خلاف: ذهب ابن كيسان إلى أنه يجوز إظهار الفعل مع الواو، فأجاز: حلفت/ والله لأقومن، وأقسمت والله لأخرجن. وهذا لا يحفظه البصريون، فإن جاء تؤول على أن [يكون] ((حلفت)) كلاما تاما، ثم أتى بعد ذلك بالقسم، ولا يجعل ((والله متعلقا ب ((حلفت)).
стр. 3879
وقوله وإن حذفا معا نصب المقسم به أي: وإن حذف فعل القسم وحرف الجر نصب المقسم به، وهو أعلم من أن يكون المقسم به لفظ الجلالة أو غيره. وظاهر كلام المصنف نصب المقسم به فقط.
وذكر بعض أصحابنا أنه يجوز فيه وجهان: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف. والنصب بإضمار فعل القسم، لما حذف حرف الجر وصل إليه الفعل، فتقول: يمين الله لأفعلن، وعهد الله لأقومن، بالرفع، ومن الرفع قوله:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك، أمانة الله، الثريد
وقيل: هذا البيت مصنوع، صنعه النحويون. وتقول: يمين الله لأقومن، وقال:
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
روي برفع يمين ونصبه. وقدر بعضهم الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: قسمي يمين الله.
وزعم ابن عصفور في ((شرح الجمل)) تابعا لابن خروف أنه يجوز فيه إذا نصب أن ينتصب بفعل القسم كما ذكرناه، وأن ينتصب بفعل مضمر يصل بنفسه، تقديره: ألزم نفسي يمين الله.
стр. 3880
وإذا نصبت لفظ ((الله))، فقلت: الله لأفعلن_ فيجوز عند ابن خروف أن يكون الأصل: ألزم نفسي يمين الله لأفعلن، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
ورد هذا المذهب بأن ((ألزم)) ليس بفعل قسم، وتضمين الفعل معنى القسم ليس بقياس، وساغ حذف الحروف ووصول فعل القسم بنفسه لكثرة الاستعمال وطول الكلام بالجواب؛ كما ساغ حذف الفعل نفسه لذلك، ولأنه لما قال في كلامهم إضمار الفعل المتعدي بحرف الجر وإبقاء الحرف في غير هذا الباب حذفوا الحرف؛ وأوصلوا الفعل المضمر بنفسه، ولذلك إذا أظهروا لم يحذفوا الحرف. وشبه س ذلك بحذف الحرف في قولهم: إنك ذاهب حقا، والأصل بحق، فحذف الحرف، ونصب الاسم ب (ذاهب). ووجه الشبه أن المحلوف به يؤكد به الحديث كما يؤكد ب (حق) في: إنك ذاهب حقا
وقال الأستاذ أبو علي: ينبغي أن ينصب بفعل من المعنى، كما قال الزجاجي: ألزم نفسي يمين الله. ويضعف أن يقال: ما كان يتعدى إليه بالحرف أوصل بنفسه كما قال الفارسي؛ لأنه لا يعمل ظاهرا إلا بحرف، فكي يكون مضمرا أقوى منه مظهرا وحجة الفارسي في ذلك أن يقول: قد أتسع في هذا الباب كثيرا، ولكن الاولى ما قلنا.
وذكر ابن عصفور في بعض تصانيفه أنه إذا حذف الحرف /ولم يقدر لزم نصب المقسم به بفعل القسم المضمر بعد إسقاط الحرف كما ذكره أبو علي؛ فإذا قلت: الله لأقومن، أو يمين الله لأخرجن، فالتقدير: أحلف الله، وأحلف يمين.
стр. 3881
وفي قول المصنف ((وإن حذفا معا)) دلالة على جواز حذف الفعل والحرف. وليس كذلك، بل إنما يجوز حذف الحرف بشرط ألا يدخل الكلام معنى التعجب، فإذا قلت متعحبا: تالله لا يبقى على الأيام أحد، أو لله_ لم يجز حذف التاء ولا حذف اللام.
وقوله وإن كان ((الله)) _ أي: وإن كان المقسم به لفظ ((الله)) _ جاز جره بتعويض ((آ)) ثابت الألف قال في الشرح: ((جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة تليها ألف، نحو: الله لأفعلن)). وأصحابنا يعبرون عن هذه الهمزة بهمزة الاستفهام، وليس استفهاما حقيقة.
وقوله أو ((ها)) محذوف الألف أو ثابتها مع وصل الألف وقطعها فتجيء صور أربع: هالله، ها الله، هألله، ها ألله: وأصحابنا يعبرون عن هذا ب ((ها)) للتنبيه.
وقوله وقد يستعنى في التعويض بقطعها يقول القائل: والله لأخرجن، فتقول: أفألله لتخرجن؟ وإن شئت: فألله، بغير همزة استفهام، فهمزة القطع عوض من الحرف ٠
ولا تستعمل هذه الأعواض إلا في اسم الله تعالى، ولا يجوز معها إلا الجر، فلو جئت بشيء من هذه الأعواض الثلاثة فيما يقسم به من غير لفظ ((الله))، وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم_ لم يكن إلا النصب، تقول: آلعزيز لأفعلن، ومن كلامهم: لا ها الله، وإي ها الله، يريدون، وإي والله. ومن مد، فقال: ها الله، فجمع بين الساكنين لأن الثاني مشدد أجراه مجرى دابة. ومن حذف
стр. 3882
الألف فهو القياس؛ لأن العرب لا تجمع بين ساكنين في الوصل والأول حرف مد ولين والثاني مشدد إلا إذا كانا في كلمة واحدة. ومن قال ها ألله فإنه لما قطع همزة الوصل فليس بقياس، وقد حكاه الجرمي، لكنه توهم أن همزة الوصل قد ذهبت ولم تقطع، فحذف.
وقوله ويجوز جر ((الله)) دون عوض حكى س: الله لأفعلن، يريد: والله وحكى الأخفش في معانيه أن من العرب من يجر اسم الله مقسما به دون جار موجود ولا عوض. وذكر غيره من الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا الله لأخرجن، يريد: كلا والله. وأنشدوا على جره دون حرف ولا عوض قول الشاعر:
ألا رب من تغتشه_ الله_ ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين
وأما رفعه فأجازه بعضهم، تقول: الله لأقومن. ومنعه بعضهم. قيل: لأنه لا خبر له. / وليس بشيء؛ لأنه يصح تقدير خبر له، كأنه قال: الله قسمي به.
قال صاحب ((البسيط)): وإنما امتنع لأن هذا الموضع للفعل، فلا يكون فيه من الاسم إلا مافيه معنى الفعل، كباب سقيا ورعيا، ولا تقع فيه الجملة التي مرفوعها ليس بمعنى الفعل ولا صرح فيه بالفعل إلا سماعا، نحو إيمن الله. وقد أجازه الكوفيون في غيره.
стр. 3883
وقد لحق هذا اللفظ أنواع من التغيير في القسم، قالوا: وله لا أفعل، ووله لا أفعل، كما غيروا في: لله أبوك، قالوا: لاه أبوك، ووله أبوك، ولهي أبوك، كما قالوا: له ربي، أي: الله ربي.
وقوله ولا يشارك في ذلك، خلافا للكوفيين قال المصنف في الشرح: ((زعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها محذوفا منها الواو تخفض وترفع، ولا يجوز النصب إلا في حرفين، يعني: كعبة الله، وقضاء الله، وأنشد:
لا، كعبة الله، ما هجرتكم ... * ... إلا وفي النفس منكم أرب
ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جاره بلا عوض، ولم ينو المحذوف_ جاز نصبه كائنا ما كان)).
وقال بعض شيوخنا: ولا يجوز إذا أسقطت الفعل إلا النصب في جميع الأسماء. يعني إذا حذف حرف الجر. قال: إلا في اسم الله، فيجوز أن يحذف حرف الجر ويبقي مجرورا، ولا ينبغي أن يقاس عليه جميع الأسماء التي يقسم بها؛ لأن لهذا الاسم اختصاصا في هذا الباب بأشياء لا تكون لغيره لكثرة ما استعملته العرب، فمنها ما ذكرته من حذف حرف الجر وإبقاء عمله.
وجاء الزمخشري، وقاس عليه غيره، وأجاز في جميع ما أقسم به من الأسماء أن يحذف حرف الجر ويبقي مخفوضا. وليس هذا بصحيح، إنما يوقف عند ما سمع، ولا يتعدى؛ إذ لم يجئ على القياس.
стр. 3884
وفي ((البسيط)) ما معناه: يجوز الجر في اسم الله من غير عوض، وأما في غيره فلا يجوز على رأي البصريين، ويجوز على رأي الكوفيين وبعض البصريين.
وفي ((الإفصاح)): حكى أبو عمر أن من العرب من يضمر حرف الجر مع كل قسم، كما أضروا رب مع الواو وغيرها.
وقوله وليس الجر إلى آخره: ذكر الأخفش في ((الأوسط)) أن الجر بالعوض، وهو اختيار جماعة، منهم من المتأخريم ابن عصفور وابن أبي الربيع.
وانتصر لهذا القول بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء، والتاء من الواو، ولا خلاف في أن الجر بالواو والتاء، فكذلك ينبغي أن يكون الجر بهذه الأعواض.
قال المصنف في الشرح: ((والأصح كون الجر بالحرف المحذوف وإن كان لا يلفظ به، كما كان النصب بعد الفاء والواو وأو وكي الجارة ولام الجحود ب ((أن)) المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف)).
وفي البسيط: ((وقد يستغنون عن البدل_ يعني بالبدل ما هو بدل من باء القسم_ بقطع همزة الوصل. وهو عند/ الكوفيين مخفوض بتقدير الباء، والهمزة للاستفهام، يخفضون بالباء بعدها، فإذا قلت (ألله) فكأنك قلت: أبالله، وعليه ينشد قول أبي بكر ﵁:
أجدك، ما لعينك لا تنام ... كأن جفونها فيها كلام))
ص: فإن ابتدئ في الجملة الاسمية بمتعين للقسم حذف الخبر وجوبا، وإلا
стр. 3885
فجوازا. والمحذوف الخبر إن عري من لام الابتداء جاز نصبه بفعل مقدر، وإن كان ((عمرا)) جاز أيضا ضم عينه ودخول الباء عليه، ويلزم الإضافة مطلقا.
ش: المتعين للقسم في الجملة الاسمية هو لعمرك ولايمن؛ لأنهما لا يستعملان مقرونين باللام إلا مقسما بهما مرفوعين بالابتداء، فالتزم حذف الخبر لفهم المعنى مع سد الجواب مسده، وكذا غيرهما مما تقترن به قرينة تعينه أن يكون مقسما به يكون مبتدأ محذوف الخبر وجوبا؛ كقول من استحلف: لعهد الله لقد كان كذا.
وإنما أعرب لعمر ولايمن مبتدأ، خبره مضمر، تقديره: لعمرك ما أقسم به، ولم يعرب خبر مبتدأ محذوف_ لدخول لام الابتداء عليه، ولا تدخل على الخبر إلا ضرورة، وليست هذه اللام جوابا لقسم محذوف؛ لأن الجملة التي هي عمرك وخبره المحذوف قسم، والقسم لا يدخل على القسم، كذا قال بعضهم. ورد بقوله: (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى)، فهذا قسم قد دخل على قسم.
وقوله وإلا فجوازا أي: وإلا يكن المبتدأ به في الجملة الاسمية متعينا للقسم فإنه يحذف الخبر جوازا؛ كقول من لم يتعين عليه يمين: على عهد الله، ويمين الله تلزمني، فيجوز في هذا حذف ((علي)) وحذف ((تلزمني))؛ لأن ذكر الجواب دليل على أنك مقسم، وقد حكى س: ((علي عهد الله))، فأظهر الخبر، وهذا نص، فلا يلتفت إلى كلام من أنكر من المتأخرين: علي عهد الله، فيظهر الخبر ٠
وقوله والمحذوف الخبر يعني: إذا حذفت اللام من لعمر ولعهد الله وشبههما جاز نصبه بفعل مقدر؛ وهو فعل القسم. وإنما قال ((جاز)) لأنه قد يقر مبتدأ، ويكون خبره محذوفا، قال أبو شهاب الهذلي:
стр. 3886
فإنك_ عمر الله_ إن تسأليهم ... بأحسابنا إذ ما تجل الكبائر
ينبوك أنا نفرج الهم كله ... بحق، وأنا في الحروب مساعر
وقال آخر:
فلا عمر الذي أثني عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال
لما أغلفت شكرك، فانتصحني ... وكيف، ومن عطائك جل مالي
يروى بنصب عمر ورفعه، فالرفع على الابتداء، والنصب بإضمار أحلف بعد / إسقاط الباء، الأصل: فلا بعمر الذي.
وقال أبو جعفر النحاس: إذا قلت: عمر الله، وعمرك_ جاز الرفع والنصب، وقد يجوز الخفض، تجعل الواو للقسم، وتقول: وعمرك. واستعمال عمر دون لام قليل. فأما قول الطائي:
عمري لقد نصح الزمان، وإنه ... لمن العجائب ناصح، لا يشفق
فيحتمل أن يكون مرفوعا على الابتداء، وخبره محذوف. ويحتمل أن يكون منصوبا بفعل محذوف.
وقوله وإن كان عمرا أي: وإن كان الذي كان متعينا للقسم عمرا، وحذفت لامه_ جاز ضم عينه، فتقول: عمرك لقد كان كذا، وكذا كان القياس مع اللام، لكن العرب التزمت الفتح لأنه أخف من الضم.
وقوله ودخول الباء عليه قال:
стр. 3887
رقي! بعمركم، لا تهجرينا ... ومنينا المنى، ثم امطلينا
وقال آخر:
أأقام أمس خليطنا أم سارا ... سائل بعمرك أي ذاك اختارا
وهكذا أنشدهما المصنف شاهدا على أنه تدخل الباء على عمر في القسم.
وهذا كما بيناه أول الباب ليس بقسم، بل هو من باب السؤال والطلب؛ ألا تراه كيف جاء بعد ((بعمركم)) جملة النهي، وهي قوله ((لا تهجرينا))، وكيف قال ((سائل بعمرك))، فعلقه ب ((سائل))، وليس من أفعال القسم.
وقوله ويلزم الإضافة مطلقا يعني إلى الظاهر والمضمر مع اللام ودونها.
وإنما حذفوا خبر ((لعمرك)) لزوما لأنه ليس بخبر حقيقة، إنما يراد به القسم، وهذا من التركيب الذي لفظه لا يكون طبق معناه، بل لوحظ فيه المعنى، وهو أنه مقسم به، فلم يكن له خبر موجود، كما قالوا حسبك، فاستعملوه مبتدأ بلا خبر ملفوظ به لأنه في معنى الأمر.
وفي معنى عمر هنا قولان:
أحدهما: ما ذهب إليه البصريون من أنه بمعنى البقاء، تقول: طال عمرك وعمرك، وألزموه الفتح مع اللام في القسم، فعلى هذا يكون المجرور بعده فاعلا، ويكون المصدر مضافا إليه.
والثاني: ما ذهب إليه بعض الكوفيين والهروي في ((الغريبين)) من أنه مصدر ضد الخلو، من عمر الرجل منزله، والمقسم يريد تعمير القلب بذكر الله تأكيدا للصدق وتحذيرا من الغفلة والوقوع في المأثم والحنث. قال أبو زيد السهيلي:
стр. 3888
ولذلك قالوا:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... ...........................
أي: ذكرتك تذكيرا يعمر القلب، ولا يخلو منه؛ لأن الذكر قد يكون باللسان دون القلب، فعلى هذا لعمر الله ي معنى التذكير به، فهو مفعول في المعنى، أي: ذاكر أو مذكر. ونحو منه: ((قعدك الله))، و:
قعيدكما الله الذي أنتما له ... .....................
أي: إنه /ثابت معك، يطلع على عيبك، فاذكره، ولا تحنث.
وهذا القول إذا تدبرته هو لا شك مقصود العرب بهذه الكلمة؛ لأنهم فتحوا أولها كالمصادر الثلاثية، واشتقوا منها الفعل، فقالوا: عمرتك الله، كما يشتق من المصادر. وقوى هذا المعنى قولهم: قعدك الله. ولو كان العمر هنا محلوفا به لقالوا: وعمر الله، كما قالو: وعهد الله، ولو كان صفة الله يحلف بها لوجدت في الكلام في غير القسم، ولو كان بمعنى البقاء لقالوا: وبقاء الله، وهم لا يحلفون ببقائه ولا قدمه، لكن بعزته وعظمته؛ لما في ذلك من التعظيم. وأشنع ما حكى أصحاب هذا القول أن العمر إنما هو للإنسان يعمره الله ما يشاء، ولا يضاف العمر إلى الله، إنما يوصف بالبقاء.
ص: وإن كان ((ايمن)) الموصول الهمزة لزم الإضافة إلى ((الله)) غالبا، وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي، وقد يقال فيه مضافا إلى ((الله)): ايمن وايمن وايمن وايم وايم وام، و ((من)) مثلث الحرفين، و ((م)) مثلثا، وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها ((من))، خلافا لمن زعم ذلك، ولا ((ايمن)) المذكور جمع يمين،
стр. 3889
خلافا للكوفيين. وقد يخبر عن اسم الله مقسما به ب ((لك)) و ((علي)). وقد يبتدأ بالنذر قسما.
ش: يريد: وإن كان المبتدأ في الجملة الاسمية المتعين للقسم ايمن الموصول.
ويعني بالموصول الذي همزته همزة وصل، واحترز من أيمن الذي همزته همزة قطع جماع يمين. وحكمه حكم واحده إذا أقسم به من جواز جره بالحرف، ونصبه إذا حذف الحرف. ويدل على أن همزته همزة وصل سقوطها إذا كان قبلها متحرك، قال الشاعر:
فقال فريق القوم لما نشدتهم: ... نعم، وفريق: ليمن الله ما ندري
ولا خلاف نعلمه أن ايمن اسم إلا ما حكى عن الرماني أنه حرف جر، وهذا خلاف شاذ.
وجمهور النحويين على أن ((ايمن الله)) في القسم التزمت العرب فيه الرفع على الابتداء، ولا يستعمل إلا كما استعملته العرب.
وذهب ابن درستويه إلى أنه يجوز أن يجر بواو القسم، قال في كتابه المسمى ب ((الهداية)): ((واعلم أن ما عدا الباء والواو والتاء أسماء يقسم بها كما يقسم ب (الله)، وتدخل عليها الواو، إلا من ربي، ومن ربي، فتقول: وأيمن الله، ويمين الله، وعهد الله)). قال: ((ومن ربي ومن ربي إنما هما ايمن، حذفت منه الهمزة والياء. وكذلك: ام الله، إنما هي يمين أو ايمن)). قال: ((ولا يدخل على هذه الثلاثة حرف جر؛ لأنها أشبهت حروف المعاني لما حذفت)).
стр. 3890
وقال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه لم يرد به سماع من كلام العرب، فاجازته لذلك إنما هي بالقياس على الأسماء التي استعملتها العرب في هذا الباب مبتدأة وغير مبتدأة.
والذي عليه جمهور النحويين أنه لا يستعمل في هذا الباب إلا مبتدأ كما استعملته العرب؛ لأنه اسم غير متصرف، ولعدم تصرفه شبه بالحرف، / ففتحت همزة الوصل الداخلة عليه كما تفتح إذا دخلت على الحرف في مثل الرجل والغلام، ووجه الشبه بينهما أن العرب لم تستعمله في موضع من المواضع التي تستعمل فيها الأسماء، فإذا تصرف فيه كما يتصرف في الأسماء، فاستعمل مبتدأ وغير مبتدأ_ لم يكن وجه لفتح همزة الوصل الداخلة عليه
وقوله وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي تقول: ايمن الكعبة لأقومن، ومن كلام عرورة بن الزبير حين قطعت رجله لداء كان اقتضى قطعها: ((ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت))، وفي الحديث من قول رسول الله (صل الله عليه وسلم): (وايمن الذي نفسي بيده).
وقد أضيفت لغير ما ذكره المصنف. وزعم الفارسي في غير ((الإيضاح)) أنها لا تضاف إلا إلى ((الله)) وإلى ((الكعبة)). وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد تضاف إلى غيرهما، أنشد الكسائي:
...................... ... ليمن أبيهم لبئس العذرة اعتذروا
следующие страницы →