Полный текст (3 950 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
-[ص: فصل
يجمع بالألف والتاء قياساً ذو تاء التأنيث مطلقاً وعلم المؤنث مطلقاً وصفة المذكر الذي لا يعقل ومصغره، واسم الجنس المؤنث بالألف إن لم يكن فعلي فعلان أو فعلاء أفعل غير منقولين إلى الاسمية حقيقة أو حكماً، وما سوى ذلك مقصور على السماع.]-
ش: ذكر في هذا الفصل ما يجمع بالألف والتاء قياساً، فبدأ أولاً بما فيه تاء التأنيث، وتاء التأنيث تشمل التاء المبدلة هاء في الوقف، وتاء بنت وأخت سمي بهما مذكر أو مؤنث أو لم يسم، فتقول في الجمع: بنات وأخوات. وكذلك: كيت وذيت إذا سميت بهما مذكراً أو مؤنثاً، تقول: كيات وذيات.
قال المصنف في الشرح: " وذكرت "مطلقاً" ليدخل في ذلك العلم واسم الجنس والمدلول فيه بالتاء على تأنيث أو مبالغة" انتهى. مثال ذلك: فاطمات وطلحات وسنبلات وبنات ورجال نسابات.
وقد أطلق المصنف بقوله: "مطلقاً" ومما فيه تاء التأنيث أسماء لا يجوز جمعها بالألف والتاء، ومن تلك الأسماء شفة وشاة وأمة ومرآة وامرأة وفله مؤنث فل المختص بالنداء، فهذه مؤنثات بالتاء، ولا تجمع بالألف والتاء، فكان ينبغي أن يحترز منها، ولا يقول"مطلقاً" فقد أطلق في مكان التقييد.
стр. 422
وقوله: علم المؤنث مطلقاً قال المصنف في الشرح: " وذكرت مطلقاً بعد علم المؤنث ليتناول العاري من علامة والمتلبس بعلامة كزينب وسلمه وسعدي وعفراء" انتهى. فتقول: زينبات/ وسلمات وسعديات وعفراوات.
وقد أطلق أيضا في مكان التقييد، فإن من العلم المؤنث نوعاً لا يجوز أن يجمع بالألف والتاء، وهو ما جعل علماً من الأسماء المؤنثة بالتاء الممتنع من جمعها بالألف والتاء، فلو سميت ب"شاة" لم يجز جمعه بالألف والتاء كما جاز ذلك في طلحة، لأن العرب لم يجمعها قبل النقل إلى العملية. وكذلك المعدول عن فاعلة في لغة من بناه، وذلك نحو: قطام ورقاش وحزام، فهذا علم مؤنث لا يجوز في هذه اللغة أن يجمع بالألف والتاء، فأما على لغة من منعه الصرف فيجوز ذلك، فتقول: قاطمات ورقاشات وكذلك أيضاً لا يجوز تثنيته قطام وشبهها في لغة من بني. وسبب ذلك أن الجمع والتثنية يخرجان هذه إلى الإعراب وتأثرها بالعامل وهو مناقض للبناء.
وذكر الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع شرطين في جمع الاسم المؤنث بلا علامة: أحدهما: أن يكون علماً. والثاني: أن يكون عاقلاً. فعلى هذا لو سميت ناقة بـ"عناق" أو شاة بـ"عقرب" لم يجز جمعه بالألف والتاء لأنه واقع على غير عاقل. ولا أعلم أحداً ذكر هذا الشرط الثاني غيره.
стр. 423
وقوله: وصفة المذكر الذي لا يعقل مثاله: جبال راسيات، وأيام معدودات. وقد أغفل ابن عصفور هذا، فلم يذكر في كتبه أن صفة ما لا يعقل تجمع بالألف والتاء. واحترز بقوله: "صفة المذكر" من صفة المؤنث، نحو: حائض، فلا يقال: حائضات. واحترز بقوله: " الذي لا يعقل" من صفة مذكر يعقل نحو: عالم، فلا يقال: رجال عالمات.
وقوله: ومصغره مثاله: دريهمات ودنينيرات جمع دريهم ودنينبر، فإن كان مصغر مؤنث لم يجمع بالألف والتاء، نحو: أرينب وخنصر، لا يقال فيهما: أرينبات ولا خنيصرات.
وقوله: واسم الجنس المؤنث بالألف يشمل الاسم نحو: بهمي وبهيمات، وصحراء وصحراوات. والصفة نحو: حلة سيراء، وحلل سيراوات، وامرأة حبلى ونساء حبليات. واحترز بقوله: "بالألف" من أن يكون مؤنثاً بغير علامة، نحو: قدر وشمس وناقة شرح، فلا يقال: قدرات ولا شمسيات ولا نياق سرحات.
وقوله: إن لم يكن فعلى فعلان أو فعلاء أفعل مثاله: سكري وحمراء، لا يقال فيهما: سكريات ولا حمراوات، كما لا يجمع مذكرهما بالواو والنون.
قال بعض أصحابنا: وإن جاء شيء منه في الكلام فشاذ يحفظ، ولا يقاس عليه. ويقتضي قياس قول الكوفيين في جمع أحمر بالواو والنون أن
стр. 424
يجيزوا جمع مؤنثه بالألف والتاء.
قال المصنف في الشرح: " ولا يلزم هذا المنع ما كان من الصفات على فعلاء ولا مذكر على أفعل، نحو قولهم: امرأة عجزاء، وديمة هطلاء، وحلة شوكاء، لأن منع الألف والتاء من نحو حمراء تابع لمنع الواو والنون من أحمر، وذلك مفقود في عجزاء وأخواتها، فلا مانع من/ جمعها بالألف والتاء، على أن الجمع بالألف والتاء مسموع في "خيفاء" وهي الناقة التي خيفت، أي: اتسع جلد ضرعها، وكذا سمع في "ذكاء" وهي الأكمة المنبسطة وكلاهما نظير ما ذكرت من عجزاء وهطلاء وشوكاء في أنهن صفات على فعلاء لا مقابل لها على أفعل، فثبت ما أشرب إليه" انتهى.
وقياس ما ذكر أن ذلك يجوز في عذراء وعفلاء ورتقاء لأنه لا مذكر لها، والذي أن يقال: إن ذلك لا يجوز لأن المانع من بناء مذكر لها على وزن أفعل إنما هو كون العرب لم تستعمل ذلك، أو كونه لا مقابل له في الخلقة، لأن الغفل والرتق والعذرية صفات اختص بها المؤنث، وينبغي أن تجري فعلاء من هذا النوع مجرى ما وضع له أفعل، ألا ترى إلى إجراء أفعل للمذكر الذي مؤنث له على فعلاء من هذا النوع مجرى أفعل
стр. 425
الذي له مؤنث على فعلاء، فلم يجمع بالواو والنون، نحو: رجل أكمر، ورجل آدر، ورجل آلي، لا يقال: رجال أكمرون، ولا رجال آدرون، لا نعلم في ذلك خلافاً بين أصحابنا، كما لم يجز أحمرون ولا أصفرون ولا ألوان، فكما امتنع هذا النوع من الجمع بالواو والنون، فكذلك يمتنع مقابلة من المؤنث من الجمع بالألف والتاء.
وأما جمعهم خيفاء وداء بالألف والتاء فشاد وإجراء لهما مجرى الأسماء، ألا ترى إلى جريان ذكاء على المذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ في قراءة من قرأ: (دكاء) بالمد وكما جاء: " ليس في الخضروات صدقة" أجراها مجرى الأسماء إذ المراد بها البقول.
قال أصحابنا: قد يكون فعلاء وصفاً وليس له أفعل ولا يجمع مع ذلك بالألف والتاء نحو: عذراء ولا يقال أعذر وعجزاء ولا يقال: أعجز، ومع ذلك لا تقول: عذراوات ولا عجزاوات.
стр. 426
وقوله: غير منقولين إلى الاسمية حقيقة أو حكماً مثال ما نقل إلى الاسمية حقيقة حمراء وسكري مسمى بهما مؤنث، فتقول في الجمع حمراوات وسكريات. ومثال ما نقل إلى الاسمية حكماً بطحاء، فإنه صفة مقابلة في الأصل لأبطح إلا أنها غلب عليها استعمالها مستغنية عن موصوف، فأشبهت الأسماء، فجمعت جمعها، فقيل: بطحاوات.
وفي "منقولين" ضمير يعود على فعلي فعلان وفعلاء أفعل. و" حقيقة أو حكماً" تقسيم إلى نقلهما إلى الاسمية، فيكون كل من فعلى وفعلاء المذكورين قد نقلا حقيقة، ونقلا حكماً أما نقلهما حقيقة فوجد فيهما مسمى بهما مؤنث. وأما نقلهما حكما فوجد في فعلاء، ولا يحفظ في فعلي فعلان أنه عامل معاملة الأسماء ومقابلة في الأصل صفة على وزن فعلان، فإن وجد كان التقسيم صحيحاً وإلا كان قاصراً على فعلاء أفعل دون فعلى فعلان.
واستثناء المصنف بقوله: "غير منقولين" هو استثناء منقطع لا متصل، لأنه إذا نقلا إلى الأمسية لم يبقيا مؤنث فعلان ولا مؤنث أفعل، لأن التسمية بهما حجرت عليهما أن يكون لهما مذكر على وزن فعلان وعلى وزن أفعل إنما لهما ذلك حال كونهما وصفين لا علمين وهذا في إدراكه غموض.
وقوله: وما سوى ذلك مقصور على السماع الإشارة ب"ذلك" إلى الأنواع الخمسة التي ذكر أنه ينقاس فيها جمعها بالألف والتاء على قرره وحررناه ويعني" وما سوى ذلك" مما جمع بالألف والتاء وقصره على السماع هو أن لا يقاس على شيء منه.
стр. 427
قال المصنف في الشرح: " فيدخل في ذلك نحو: شمس ونفس وأتان وعناق، وامرأة صبور وكف خضيب وجارية حائض ومعطار، فلا يجمع شيء من هذه الأسماء والصفات ونحوها بالألف والتاء إلا إذا سمع، فيعد من الشواذ عن القياس، ولا يلحق به غيره. فمن الشاذ سماء وسموات، وأرض وأرضيات وعرس وعرسات وعير وعيرات، وشمال وشمالات، وخوذ وخوذات، وثيب وثيبات. وأشد من هذا جمع بعض المذكرات الجامدة المجردة كحسام وحسامات، وحمام وحمامات، وسرادق وسرادقات، وكل هذا مقصور على السماع" انتهى ما ذكره، فجعل أشذ مما ذكر جمع بعض المذكرات الجامدة كحسام وحسامات.
وهذا شيء اضطرب فيه أصحابنا فمنهم من ذهب إلى أن جمع هذا بالتاء لا يقال إلا حيث سمع، وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أولاً.
وفي البسيط: " القياس المطرد أن لا تجمع أسماء الأجناس المذكرة بالألف والتاء وشذ منها أسماء جمعتها العرب بالألف والتاء بدلاً من تكسيرها وهي حمام وساباط وسرادق وإيوان وهاوون وخيال وخوان وسجل ومكتوب ومقام وأوان، وهي حديده تكون للرائض،
стр. 428
وبوان بكسر الباء وضمها، وهو عمود في الخباء وشعبان ورمضان وشوال ومحروم، ولا يستعمل هذا في غيرها" انتهى.
وبعض هذه الأسماء كسر. ومنهم من فصل في ذلك، فقال: إما أن يكون المذكر المكبر جمع جمع تكسير أو لا، وكذلك أيضاً المؤنث المكبر الذي ليس بعلم، ولا فيه علامة تأنيث، أما أن يكون جمع جمع تكسير أو لا، فإن كان النوعان جمعا جمع تكسير فلا يجوز أن يجمعا بالألف والتاء، وذلك نحو: جوالق وأرنب وخنصر، ولا يقال: جوالقات ولا أرنبات ولا خنصرات، لأنهم قالوا: جوالق وأرانب وخناصر. وقد شذ من ذلك بوان وبوانات وعرس وعرسات وضفدع وضفدعات، لأن العرب قد كسرتها، فقالوا: بون وأعراس وضفادع، ولذلك لحن أبو الطيب في قوله:
إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بوقا لها وطبول
فجمع بوقاً على بوقات وقد كسرته العرب فقالوا: أبواق.
وإن لم يكونا جميعا جمع/ تكسير جاز أن يجمعا جمع سلامة بالألف والتاء قياساً مطرداً. وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أخيراً فتقول في: حمام وسجل وسرادق وإسطبل: حمامات وسجلات وسرادقات وإسطبلات. وهذا المذهب هو ظاهر كلام س.
وسواء في ذلك مكبر الذي لا يعقل وصفته إذا لم يكسرا، قالوا:
стр. 429
جمل سبحلٌ وجمال سبحلات لأنهم لم يُكسروا سجلًا، وكذلك ربحل وسبطر، تقول: جمال ربحلات وسبطرات.
وقد اتضح بهذا أن المجموع بالألف والتاء المنقاس ستة أنواع على ما شرحناه وبيناه، وأن قول المصنف: "وما سوى ذلك مقصورٌ على السماع" ليس مذهب س، بل مذهبه في المكبر من المذكر والمؤنث الذي لم يُكسر اسمًا كان أو صفةً اقتباس جمعه بالألف والتاء، وقد نص س في كتابه على أنه لا يقال جُوالقات ولا فرسنات ولا محلجات لأنها قد كُسرت، فقالوا: جواليق وفراسن ومحالج ومحاليج، وذكر مما لم يُكسر وجُمع بالألف والتاء سرادقات وحمامات وإوانات وسبحلات وربحلات وسبطرات وعيرات، ثم قال س: "وربما جعلوه بالتاء وهو يُكسرونه على بناء الجمع، وذلك قولهم: بُواناتٌ وبُوان للواحد وبونٌ للجمع، كما قالوا: عُرسات وأعراس، وقد قال بعضهم في شمال: شمالات".
стр. 430
-[ص: باب المعرفة والنكرة
الاسم معرفةٌ ونكرةٌ، فالمعرفة: مضمرٌ، وعلمٌ، ومشارٌ به، ومنادى، وموصولٌ، ومضافٌ، وذو أداة.]-
ش: لما كان كثير من الأحكام النحوية تُبتنى على معرفة النكرة والمعرفة، وكانا كثيري الدور في أبواب العربية، شرع المصنف في الكلام عليهما، ولم يتعرض لحد شيء منهما، بل حصر المعرفة بالعد، وحد بعض أقسامها، ونحن نذكر شيئًا من الحدود التي ذكرها النحويون، فنبدأ بالنكرة لأنها أسبق من المعرفة، بخلاف ما ذكره المصنف، فإنه في التبويب قدم المعرفة على النكرة، وكذلك في التقسيم، وكلٌ واسعٌ.
فنقول: النكرة هي الاسم الموضوع على أن يكون شائعًا في جنسه إن اتفق أن يُوجد له جنسٌ. وقيل: النكرة هي اللفظ الموضوع على معنى، ذلك المعنى لا يمنع من حيث يُتصور أن يُوجد منه أكثر من شخص واحد. وقيل: "النكرة ما عُلق في أول أحواله على الشياع في مدلوله". وقيل: هو الاسم الصالح لكل واحدٍ من جنسه على طريق البدل.
وقد تكلم النحويون هنا في النكرات بالنسبة إلى العموم والخصوص، فقالوا: أنكر النكرات شيءٌ ثم مُتحيزٌ ثم جسم ثم نامٍ ثم حيوانٌ ثم ماشٍ ذو رجلين ثم إنسانٌ ثم رجلٌ. فهذه تسعة أشياء يقابل كل واحد
стр. 431
منها ما هو في مرتبته، فشيءٌ ليس له ما هو في مرتبته لأنه أعم النكرات/، ومتحيزٌ في مرتبته غير متحيز، وهو الله تعالى، وجسمٌ في مرتبته هيئةٌ، ونامٍ في مرتبته غير نامٍ كالحجر، وحيوان في مرتبته جمادٌ، وماشٍ في مرتبته سابحٌ وطائرٌ، وذو رجلين في مرتبته غير ذي رجلين وذو أرجل، وإنسانٌ في مرتبته بهيمةٌ، ورجلٌ في مرتبته امرأةٌ. وضابط هذا أن النكرة إذا دخل غيرها تحتها، ولا تدخل تحت غيرها، فهي أنكر النكرات، فإن دخلت تحت غيرها، ودخل غيرها تحتها، فهي بالإضافة إلى ما يدخل تحتها أعم، وبالإضافة إلى ما تدخل تحته أخص.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: المعاني المدلول عليها بالألفاظ قد تكون متباينة حتى لا يكون بينها تداخلٌ أصلًا كفرسٍ وأسدٍ وحمارٍ، فهذه لا يُنسب بعضها لبعض بعموم ولا بخصوص، وقد يكون بينها تداخل، ولا تخلو إذ ذاك أن تكون متساوية في العموم والخصوص حتى لا يكون أحد المعنيين بالنظر إلى دلالة اللفظ أعم من الآخر ولا أخص منه، مثل قولك إنسان وضاحك وفرس وصاهل، وتختبر ذلك بأن تدخل كلًا على أحد الاسمين، فتُخبر عنه بالاسم الثاني، ثم تعكس، فتصير الخبر مع كل مبتدأ، وتُخبر عنه بالاسم الآخر، فإذا صدق كل واحد من الكلامين فليس أحد اللفظين بالنظر إلى ذلك المعنى أعم من الآخر، بل هما فيه متساويان، نحو: كل إنسانٍ ضاحكٌ، وكل ضاحكٍ إنسانٌ.
أو لا تكون متساوية، بل يكون أحد المعنيين أو المعاني أعم، والآخر أخص. وهذا القسم قسمان:
أحدهما: أن يكون أحد المعنيين أو المعاني أعم من وجهٍ وأخص من
стр. 432
وجهٍ كإنسانٍ وأبيض، فتدخل كلًا على كل واحد من الاسمين، وتُخبر عنه بالثاني، فيكذب كلٌ من الكلامين، كقولك: كل إنسانٍ أبيض، فهذا كذبٌ لأن الزنجي إنسانٌ، وليس بأبيض. وكذا: كل أبيض إنسانٌ، فإن كثيرًا من الحيوان أبيض، وليس بإنسانٍ.
والقسم الثاني: أن يكون أحد المعنيين بالنظر إلى دلالة اللفظ أعم بالإطلاق، والآخر أخص كذلك، وتختبره بأن تُدخل كلًا على أحد الاسمين، وتُخبر عنه بالثاني، فإذا صدق ذلك فأعلم بأن الخبر ليس بأخص من المُخبر عنه، وهو الذي أدخلت كلًا عليه، ثم اعكس، فصير الداخل عليه كلٌ خبرًا، وصير الخبر مُخبرًا عنه مضافًا إليه كلٌ، فإن كذب فالداخل عليه كلٌ أولًا - وهو المُخبر عنه - أخص من الخبر، والخبر أعم منه بإطلاق، وهذا هو الذي يعني النحويون عنه - أخص من الخبر، والخبر أعم من بإطلاق، وهذا هو الذي يعني النحويون بقولهم: أنكر الأشياء كذا ثم كذا. فتقول: كل جوهرٍ شيءٌ، وهذا صادق لأن الشيء هو الموجود، وكل جوهر موجود، ونعني بالجوهر المُتحيز الذي قد شغل حيزًا ومكانًا، فلو عكست، فقلت: كل شيء جوهر، أي: كل موجود جوهر متحيز، لكان كذبًا لأن الأعراض أشياء موجودة، وليست/ بجواهر متحيزة، بل كان يكون كفرًا لأن الله تعالى موجود، وليس بجوهر، تعالى الله عن ذلك.
فمعنى قولهم: "أنكرُ النكرات شيءٌ" يعنون: أنكر النكرات الداخل بعضها تحت بعض المتفاضلة في العموم والخصوص. ولذلك لا يرد عليهم أن يقال: ليس "شيء" أنكر من "موجود".
فإن قيل: "معلوم" أنكرُ من "شيء" لأن المعلوم يقع على المعدوم قيل: رب شيءٍ ليس بمعلوم لنا، فلفظة "معلوم" من حيث هي فقط لا بالنظر إلى العالم ليست بأعم من "شيء" على الإطلاق، فلا يرد علينا أن كل شيء معلوم لله تعالى؛ فإن من الأشياء ما هو مجهول عندنا، فيصدق عليه أنه
стр. 433
ليس بمعلوم، فلفظة "معلوم" إضافية، لا ينبغي أن تقرن بما هو موضوع على ذات من حيث هي تلك الذات لا بالنظر إلى غيرها.
وأعلم أن النكرة هي الأول، والمعرفة بعدها وطارئة عليها، هذا مذهب س؛ ألا ترى أن غلامًا تدخل عليه أل والإضافة، والمضمر اختصار تكرير المظهر، والمشار ناب مناب المظهر، فـ "هذا" استغني به عن: زيد الحاضر، ولذلك لا يتناول اسم الشخص إلا حاضرًا. ويدل على أنه في موضعه قولهم: يا هذا العاقل، برفع العاقل، ومن حيث اسم الإشارة مبنىٌ كان لا يجوز فيه إلا النصب لأنه ليس له لفظ ضم يحمل عليه، فلولا نيابته مناب ما يظهر فيه لفظ البناء المشبه للإعراب ما جاز الرفع في النعت.
وذهب الكوفيون وابن الطراوة إلى أن الأمر ليس علي ما ذهب إليه س، قالوا: لأن من الأسماء ما التعريف فيه قبل التنكير، نحو: مررت بزيد وزيدٍ آخر، فحالة التنكير هنا بعد حالة التعريف. ومنها ما لا يفارقه التعريف أصلًا كالمضمرات. ومنها ما التنكير فيه قبل التعريف كما قال س، فضم الجميع إلى هذا الضرب الواحد غير صحيح.
وانفصل عن هذان الأستاذ أبو علي بأن قال: لم يلتفت س هنا في التعريف والتنكير إلا إلى حال الوجود لا ما تخيله الكوفيون وابن الطراوة، وإذا نظر إلى حال الوجود كان التنكير قبل التعريف صحيحًا لأن الأجناس هي الأول ثم الأنواع، ووضعهما على التنكير إذ كان الجنس لا يختلط بالجنس، والنوع لا يختلط بالنوع، والأشخاص هي التي حدث فيها التعريف لاختلاط
стр. 434
بعضها ببعض بلا شك بعد الأنواع، فالذي قاله س صحيح، لا اعتراض عليه، إذ الذي حصل له التعريف تناوله النكرة قبل.
وقوله: فالمعرفة مضمرٌ وعلمٌ إلى آخره قال المصنف في الشرح: "من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه؛ لأن من الأسماء ما هو معرفةٌ معنى نكرةٌ لفظً، نحو: كان ذلك عامًا أول، وأول من أمس، فمدلولهما مُعين/ لا شياع فيه بوجه، ولم يستعملا إلا نكرتين.
وما هو نكرةٌ معنًى معرفةٌ لفظًا كأسامة، هو في اللفظ كحمزة في منع الصرف وإضافته ودخول أل عليه ووصفه بالمعرفة دون النكرة واستحسان مجيئه مبتدأ وصاحب حال، وهو في الشياع كأسدٍ.
وما هو في استعمالهم على وجهين كواحد أمه، وعبد بطنه، فأكثر العرب هما عنده معرفة بالإضافة، وبعضهم يجعله نكرة، وينصبها على الحال. ومثلهما ذو الألف واللام الجنسيتين، فمن قبل اللفظ معرفة، ومن قبل المعنى لشياعه نكرة، ولذلك يوصف بمعرفة اعتبارًا بلفظه، وهو الأكثر، ويجوز أن يوصف بنكرة اعتبارًا بمعناه، نحو: مررت بالرجل خير منك. وعلى ذلك حمل المحققون قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فجعلوا (نسلخ) صفةً لليل، والجُمل لا يُوصف بها إلا النكرات.
فإذا ثبت كون المعرفة بهذه المثابة فأحسن ما تبين به ذكر أقسامها
стр. 435
مستقصاةً، ثم يقال: وما سوى ذلك فهو نكرة" انتهى ما ذكره، وفيه بعض تلخيص.
وهذا الذي ذكره في أنه لا يمكن حد المعرفة لما ذكر ليس بصحيح. أما قوله: "كان ذلك عامًا أول، وأول من أمس: إن مدلولهما معين لا شياع فيه بوجه، ولم يستعملا إلا نكرتين" ففرق بين الوضع والاستعمال، أما لفظ "عامٍ" فلا شك في أنه نكرة، ومدلوله معنى شائع في جنسه كرجل، وإنما اكتسب التعيين عند السامع باستعماله مع صفته للعام الذي كان قبل عامك، وكذلك أول من أمس، معناه يومًا أول من أمس، فحذف يومًا، وقامت صفته مقامه، ومدلول "يوم" شائع في جنسه، ولما وصفته بأول، وعنيت عامًا أول من عامك، ويومًا أول من يومك، اكتسب بالاستعمال وبالوصف انطلاقه على العام الذي يلي عامك، واليوم الذي يلي يومك. ولا شك أنه يعرض للنكرات أن تعين المراد ببعض أفرادها فرينةٌ لفظية أو حالية، كقولك: لقد قتل ابن مُلجم رجلًا عظيمًا، فيفهم من قولك: "رجلًا عظيمًا" أنه على بن أبي طالب، وكذلك جميع النكرات التي جاءت في القرآن مرادًا بها الأعلام، كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ﴾، فهذا معلوم أنه جبريك ﵇، ولا يدعي عاقل أن قوله: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ هو معرفة وكذلك: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هو محمد ﷺ ، ولا يُدعى أن قوله: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ معرفة، فكذلك حكم "عامًا أول" و "أول من أمس" وإن كان السياق والقرائن تعين من أريد بهذه النكرة، ولا يحتمل الشياع والحالة هذه. فقد بان الفرق بين الوضع والاستعمال في ذلك.
وأما قوله: "كأسامة" فهذا ونحوه يُطلق عليه أنه معرفة على طريق
стр. 436
المجاز إذ لا يخالف في معناه دلالة "أسد"، إنما يخالفه في أحكام لفظية؛ ألا ترى أنه داخل/ تحت حد النكرة، فلما وجدنا فيها أحكام المعارف أطلقنا عليها معارف.
ونظير ذلك قولنا في الأسماء الموصولة أسماء لوجود أحكام الأفعال فيها، ولذلك قال س: "هذا بابٌ من المعرفة يكون فيه الاسم الخاص شائعًا في أمته ليس واحد منها أولى به من الآخر، ولا يُتوهم به واحدٌ دون آخر له اسمٌ غيره، نحو قولك للأسد: أبو الحارث وأسامة، وللثعلب: ثعالة وأبو الحصين وسمسمٌ، وللذئب: ذألان وأبو جعدة". وذكر من هذا النوع أسماءً. وفرق بين أسامة زيدٍ بأن زيدٍ قد عرفه المخاطب بحليته أو بأمر قد بلغه، وإذا قال "أسامة" فإنما يريد هذا الأسد، ولا يريد أن يشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدًا، ولكنه أراد هذا الذي كل واحدٍ من أمته له هذا الاسم.
وقدن رام بعض من يميل إلى المعقول، ويريد أن يجري القواعد على الأصول، أن يُوجه لأسامة ونحوه يدخل به في المعارف، فقال: يقال: إن أسدًا وضع ليدل على شخص معين، وذلك الشخص المعين لا يمتنع أن يوجد منه أمثال، فوضعي على الشياع في جملتها، ووضع أسامة لا بالنظر إلى شخص، بل وُضع على معنى الأسدية المعقولة التي لا يمكن أن توجد خارج الذهن، بل هي موجودة في النفس، ولا يمكن أن يوجد منها اثنان أصلًا في الذهن، ثم صار أسامة يقع على الأشخاص لوجود ما هو ذلك المعنى المفرد كلي في الأشخاص.
وهذا الذي رام هؤلاء بعيد عما يقصده العرب، وس والمستقرئون
стр. 437
هذا الفن العربي أعرف بأغراض العرب ومناحيها في كلامها، وقد ذكروا أن هذه الأسماء شائعة شياع النكرات، وأنها عوملت معاملة المعارف لفظًا، فأُطلق عليها معارف لذلك.
وقال في البسيط: "أسامة وبابُه لما كان من المعارف اقتضى أن يكون له وحدة، إذ التعريف لابد فيه من ذلك، لكنه امتاز عن المعارف الشخصية بأن وحدته هي وحدة النوع لا وحدة الشخص، فإن أسامة موضوعٌ لضرب من الحيوان خاص بصفاتٍ هي كذا وكذا، كما أن زيدًا موضوع لشخصٍ هو كذا وكذا، وإذا كان كذلك فليس أسامة موضوعًا لمعنًى مُطلق فإن المطلق لا توجد فيه وحدة بحسب الوضع، وإن كان لابد له منه، فصار حكمه في الإطلاق في عدم الابتداء به حكم النكرة لأنهما يلزمهما لازمٌ واحد، وهو عدم الإفادة".
وأما قوله: "كواحد أمه وعبد بطنه" فهذا له اعتباران كما ذكر، لا يدخل أحدُ الاعتبارين على الآخر، فمن تأول واحد أمه بمُفرد أمه، وعبد بطنه بخادم بطنه، اعتقد تنكيرهما لتأويلهما باسم الفاعل، ومن لم يتأولهما باسم الفاعل أقرهما على التعريف بالإضافة، وهذا لا يبعد نظيره في/ اللفظ الواحد باعتبار تأويلين؛ ألا ترى أن "مثلك" نكرة عند أكثر العرب، ومعرفة عند بعضهم.
وأما قوله: "ومثلهما ذو الألف واللام الجنسيتين" فلا يقوم دليل على أن الذي هي فيه نكرة، ولا يقوم دليل على أنها تُنعت بالنكرة، وأما ما ذكره من قولهم: مررت بالرجل خيرٍ منك، ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾
стр. 438
فلا دليل في ذلك، أما "مررت بالرجل خير منك" فيحتمل أن تكون الألف واللام زائدة، ويحتمل أن لا تكون زائدة، ويكون "خير منك" بدلًا من المعرفة بدل النكرة من المعرفة، كما جاء "خير" بدلًا من المعرفة التي لا يمكن أن يُدعى فيها أنها نكرة، نحو قول الشاعر:
فلا وأبيك خيرٍ منك إني ليؤذيني التحمحم والصهيل
وأما قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فـ (نسلخ) جملةٌ حالية لا نعتٌ لقوله: (الليل).
وقد حد أصحابنا المعرفة، فقالوا: المعرفة هي الاسم الموضوع على أن يخص مسماه. وقالوا أيضًا: "المعرفة هي الذي عُلق في أول أحواله على أن يخص مسماه". وقيل: هي الاسم الموضوع على أن يخص الواحد من جنسه. وسيأتي تحرير القول في كل قسم منها.
وقسم المصنف المعرفة إلى سبعة أقسام، والموجود في أكثر الكتب أن المعرفة خمسة أقسام، والذي زاد هو المنادي والموصول، فأما المنادي فأطلقه المصنف، ولا خلاف في أن المنادي الذي هو غير مُقتل عليه نكرة، وإنما وقع الخلاف في النكرة المقبل عليها، وفي العلم:
فمن النحويين من قال: إن النداء يُعرف النكرة المُقبل عليها، وإن
стр. 439
العَلَم يزال تعريفه، ثم يتعرف بخطاب النداء.
والذي صححه أصحابنا، أن النكرةً المقبل عليها إنما، تعرفت بالألف واللام المحذوفة، وناب حرف النداء منابها، وأن العلم باق على علميته؛ ألا ترى أن من الأعلام المناداةً ما لا يمكن أن يزال تعريفه، فيتنكر، ويعرف بالنداء، كاسم الله تعالى، فإذا قلت: "يا الله" فلا يمكن أن يقال إنه تنكر، وسلب العلمية، ثم عرف بالنداء، ولو كان النداء معرفًا كما ذهب إليه المصنف لعرف النكرة غير المقصودةً.
وقال المصنف في الشرح: "وقال قوم: بل تعريفه بالإشارةً إليه والمواجهةً، وإذا كانت الإشارةً دون مواجهةً معرفةً لاسم الإشارةً فأن تكون معرفةً ومعها مواجهه أولى وأخرى" انتهى.
وهذا لا تحقيق فيه؛ لأن "يا رجل" لا إشارةً فيه ولا في "يا زيد"، وإنما ذلك مواجهةً، وهو الذي عبر عنه أصحابنا بالخطاب، ولو كان الخطاب معرفًا للزم أن يكون " رجل" من قولك " أنت رجل صالح" معرفة؛ لأنك خاطبت رجلا، ومع ذلك فهو نكرةً.
وأما الموصول ففي المعرف له خلاف: ذهب الفارسي/ إلى أنه تعرف بالعهد الذي في الصلة. وذهب أبو الحسن إلى أنه تعرف بالألف واللام، وما ليس فيه ألف ولام فهو في معنى ما فيه الألف واللام، وأما
стр. 440
"أيهم" فإنه تعرف بالإضافة. واستدل الفارسي بوجود من وما ونحوهما من الموصولات.
وأجيب بالذي ذكرناه من أنها في معنى ما فيه الألف واللام. ورد مذهبه أيضًا بأن الصلةً تتنزل من الموصول منزلة الجزء منه، فكما أن جزء الشيء لا يعرف الشيء، كذلك ما تتنزل منزلته.
وقوله: ومضاف يعنى ما أضيف إلى معرفةً إضافةً محضةً.
وقوله: وذو أداةً يعني به ما دخلت عليه الألف واللام المعرفة.
-[ص: وأعرفها ضمير المتكلم، ثم ضمير المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام، نم المنان به والمنادى، ثم الموصول وذو الأداة، والمضاف بحسب المضاف إليه.]-
ش: اختلف الناس في اعرف المعازف: فمنهم من ذهب إلى أن المضمر أعرفها، وهو مذهب س والجمهور ومنهم من ذهب إلى أن
стр. 441
العلم أعرفها، وهو قول الصيمري، وعزي إلى الكوفيين. ومنهم من ذهب إلى أن اسم الإشارة أعرفها، ونسب لابن السراح. ومنهم من ذهب إلى أن المعرف بأل أعرفها لأنه وضع لتعريفه أداةً، وغيره لم يوضع له أداة. وأما المضاف فلم يذهب أحد إلى أنه أعرف المعارف. وسبب ذلك أنه إنما يكتسى التعريف مما أضيف إليه، فكيف يدعى أحد أنه أعرف مما اكتسى التعريف منه! والذي تلقناه من الشيوخ أن أعرف المعارف هو المضمر، ويليه العلم، ويليه اسم الإشارةً، ويليه ذو الألف واللام، وأما المضاف فإنه في رتبةً المضاف إليه إلا المضاف إلى المضمر، فإنه في رتبة العلم، هذا الذي اتفق عليه شيوخنا، وقرروه، وبنوا عليه سائر النعوت على ما سيأتي تبيينه في باب النعت إن شاء الله، وهو مذهب س.
وقيل: أعرفها الأعلام، ونسبوه إلى س، ثم المضمرات، ثم ذو الأداةً، ثم أسماء الإشارة.
والذي أختاره، وأذهب إليه، هو أن أعرف المعارف هو العلم، ثم
стр. 442
المضمر، ثم المبهم، ثم المعرف بأل. وإنما ذهبت إلى ذلك لأن اسم العلم جزئي وضعًا واستعمالًا، وباقي المعارف هي كليات وضعًا جزئيات استعمالًا. بيان ذلك أن المضمر وضع المتكلم منه لكل متكلم، والمخاطب لكل مخاطب، والمخاطب لكل غائب، فكل متكلم يصلح له أن يعبر عن نفسه ب "أنا" وكل مخاطب يصلح أن يعبر عنه ب "أنت" وكل غائب يصلح أن يعبر عنه ب "هو"، فهذه موضوعات كليةً لا يختص بها بعض دون بعض، لكن إذا استعملت صارت جزئيةً، ولم يشركه أحد فيما أسند إليه. وكذلك اسم الإشارةً وضع صالحًا/ لكل من يشار إليه، فإذا استعمل في واحد، فقيل مثلًا: هذا قائم، لم يشركه في القيام المسند إليه أحد. وكذا أل، هي صالحةً لأن يعرف بها، فإذا استعملت في واحدٍ نكرة عرفته، وهمزته على شيء بعينه.
وقوله: ثم العلم ثم ضميز الغائب السالم عن إبهام لا أعلم أحدًا ذهب إلى هذا التفصيل في المضمر، فجعل العلم أعرف من ضمير الغائب، إلا هذا الرجل، والذين ذكروا أن أعرف المعارف هو المضمر قالوه على الإطلاق، ثم يليه اسم.
وقال المصنف في الشرح: "وأمكنها في التعريف ضمير المتكلم لأنه يدل على المراد به بنفسه، وبمشاهدة مدلوله، وبعدم صلاحيته لغيره، وبتميز صوته، ثم ضمير المخاطب لأنه يدل على المراد به بنفسه، وبمواجهة مدلوله.
وقوله: ثم العلم ثبت في بعض النسخ: "ثم العلم الخاص، وهو قيد محتاج إليه ليخرج بذلك أسامةً ونحوه، قال في الشرح: "لأنه يدل على
стр. 443
المراد حاضرًا وغائبًا على سيل الاختصاص".
وقوله ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام قال في الشرح: "نحو: زيد رأيته، فلو تقدمه اسمان أو أكثر نحو: "قام زيد وعمرو، وكلمته" لتطرق إليه إبهام، ونقص تمكنه في التعريف".
وضمير الغائب إن عاد على معرفة نحو: مررت بزيد فأكرمته، فظاهر أنه معرفةً، وإن عاد على نكرةً نحو: مررت برجل فأكرمته، فأكثر النحويين على أنه معرفة، وذهب بعض النحويين إلى أنه نكرةً، قال: لأنه لا يخصص من عاد عليه من بين أمته.
والصحيح الأول لأنه يخصصه من حيث هو مذكور، وكذلك في المعرفةً لأن الضمير العائد إليها إنما خصصها من أمته كون المدلول سبق له التعريف، فتعيين الضمير لمفهوم المعرفةً إنما هو بالعرض، وهو كونه عاد على معرفة، فقد اشتركت النكرة والمعرفةً في أن تخصيص الضمير لهما إنما هو من حيث عاد على مذكور. ويدل على ذلك أن العرب جعلت الحال منه على جهةً القوةً، نحو: مررت برجلٍ معه صقر صائدًا به، فصاحب الحال هو الضمير في " معه"، وعاد على نكرةً.
وقوله: ثم المشار به والمنادى قال في الشرح: "هما متقاربان" وثبت في بعض النسخ بعد قوله: " والمنادى" ما نصه: "وتعريفه بالقصد لا بحرف التعريف منويًا خلافًا لبعضهم، انتهى. وقد تقدم
стр. 444
كلامنا على ذلك.
وقوله ثم الموصول قال في الشرح: "وهو يحتسب صلته، فيكمل تعريفه بكمال وضوحها، وينقص بنقصانه. تقدم لنا أن هذا الذي قاله هو مذهب الفارسي، وتقدم الرد عليه.
وقوله: وذو الأداةً جعل الموصول والمعرف بأل في رتبةً واحدةً، وكأنه رأى أن التعريف فيهما بالعهد، والعهد موجود في الصلةً كما أنه موجود في أل. وثبت في بعض النسخ: "ثم ذو/ أداة"، فجعل ذا الأداة في التعريف بعد الموصول. وأصحابنا جعلوا الموصول من قبيل ما عرف بأل، فصار من المعرف بأل، وذلك على مذهب الأخفش، كما تقرر قبل.
وقوله: والمضاف بحسب المضاف إليه يعني أنه يكتسي التعريف من المضاف إليه، فيصير مثله في التعريف.
وهذا الذي قاله ليس على إطلاقه، بل قال أصحابنا: إن المضاف في رتبةً المضاف إليه إلا المضاف إلى مضمر، فإنه في رتبة العلم. وإنما قالوا ذلك لئلا يكون مساويًا للمضمر في التعريف والغرض، على ما اختاروه من المذاهب في أن أعرف المعارف هو المضمر فقط، فلو كان المضاف إليه أعرف المعارف لكان أعرف المعارف شيئان: المضمر، والمضاف إلى المضمر، وليس بعد المضمر رتبةً تليه إلا رتبة العلم، فقالوا: هو في رتبةً
стр. 445
العلم في التعريف، وهذا مذهب س.
وذهب أبو العباس، إلى أن كل مضاف إلى واحد من هذه المعارف الأربعةً فإنه دون ما أضيف إليه في التعريف حملًا على المضاف إلى المضمر، فكما أن المضاف إلى المضمر دون المضاف إليه في التعريف، فكذلك المضاف إلى العلم دونه في التعريف، والمضاف إلى اسم الإشارةً دونه في التعريف، والمضاف إلى ذي الأداةً دونه في التعريف.
وقد رد مذهب أبي العباس بقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وبقول الشاعر:
كتيس الظباء الأعفر انضرجت له عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
وقوله:
..................... ... كتيس الظباء الحلب العدوان
وقوله.
стр. 446
............... ... درير كخذروف الوليد المثقب
وقوله:
كشاة الكناس الأعفر انضرجت له كلاب رآها من بعيد، فأحضرا
ووجه الدلالةً عن هذه الشواهد أنه قد تقرر أن النعت يكون إما مساويًا للمنعوت في التعريف آو أقل منه تعريفًا، وإذا كان كذلك فقد وصف المضاف إلى ما فيه الألف واللام بما فيه الألف واللام؛ ألا ترى أن (الأيمن) صفةً ل (جانب الطور)، و "لأعفر" صفةً ل "تيس الظباء" و "الحلب والعدوان" صفتان ل "تيس الظباء" أيضًا، و"المثقب" صفة لـ "خذزوف الوليد"، فكان يلزم من قوله أن يكون النعت أعرف من المنعوت، وذلك لا يجوز.
وفي الإفصاح: اختلفوا في المضاف، فمنهم من جعله بمنزلة المضاف إليه في كل شيء اعتمادًا على قول س فيما أضيف إلى اللام، ويلزم على هذا أن تكون الأعلام بمنزلة المضمرات لأنه أجاز في الصفةً: "مررت بزيد أخيك"، فإذا كان المضاف إلى الضمير مثله في التعريف، وقد وصف به العلم، فلا أقل عن أن يكون/ مساويًا. وقد التزم هذا جماعةً، وبه قال ابن طاهر وابن خروف وجماعةً ممن أدركنا.
ومن النحويين من جعل المضاف دون المضاف إليه في التعريف سوى
стр. 447
ما أضيف إلى اللام. وقال أبو العباس: كل مضاف إلى معرفةً فهو دونها في التعريف، فمن هنا تعرف ما يكون نعتا للشيء.
وقال في الإفصاح أيضًا: والذي عندي أن س لم يطلق التسوية إلا في اللام، ويمكن أن تكون تختص بهذا لأنها أقل وجوه التعريف، فلا انحطاط بعدها.
-[ص: وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويًا أو فائقًا. والنكرةً ما سوى المعرفةً. وليس ذو الإشارة قبل اسم، خلافًا للكوفيين، ولا ذو الأداةً قبل الموصول، ولا شيء وما بهما معرفتين، خلافًا لابن كيسان في المسألتين.]-
ش: قال في الشرح: "كقولك لرجلين حضراك دون ثالث: لك مبرةً بل لك، فإنهما لا يعرفان بمجرد هذا اللفظ المعطوف من المعطوف عليه ما لم يعضد اللفظ بمواجهةٍ أو نحوها، بخلاف قوله: للكبير منكما مبرةً بل للصغير، أو العكس، أو يقول: للذي سبق منكما بل للذي تأخر، فإنهما لا يرتابان في مراده بالأول والثاني، فقد عرض لذي الأداةً والموصول ما جعلهما فائقين في الوضوح لضمير الحاضر.
وكذلك يعرض للعلم ما يجعله أعرف من ضمير المتكلم كقول من شهر باسم لا شركه فيه لمن قال له: من أنت؟ قال: أنا فلان، ومنه قوله: ﴿أَنَا يُوسُفٌ﴾ فالبيان لم يستفد ب "أنا" بل بالعلم بعده.
وقد يعرض للموصول مثل ما عرض للعلم، كقول من شهر بفعل لا شركةُ فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا الذي فعل كذا. ومن هذا القبيل: "سلام
стр. 448
الله على من أنزل عليه القرآن، وعلى من سجدت له الملائكة"، ومنه: "وامن حفر بئر زمزماه".
وقوله: والنكرةً ما سوى المعرفةً لما حصر، المعرفة في تلك الأقسام قال هذا، وتمييزها بأنها غير ما ذكر من الأقسام أجود من تمييزها بدخول رب وبالألف واللام؛ لأن عن المعارف ما تدخل عليه الألف واللام كالفضل والعباس، ومن النكرات ما لا تدخل عليه رب ولا الألف واللام كأين ومتى وكيفت وعريب وديار، ولا تركيب، في النكرات إلا ما شذ من قولهم: بيتُ بيت وكفةً كفة أو يكون تنكيرها ثانيًا من تعريف، نحو: مررت بمعدي كرب ومعدي كرب أخر. ويكثر وجود التركيب في النكرات في لغة بعض العجم كلغة الترك.
وقوله: خلافًا للكوفيين، استدل الكوفيون على أن اسم الإشارة أعرف من العلم بوجهين:
أحدهما: أن اسم الإشارة ملازم للتعريف، ولا يقبل التنكير، والعلم بخلاف ذلك، فكان تعريفه دون تعرف اسم الإشارةً.
والثاني: أن تعريف اسم الإشارة حسي وعقلي، وتعريف العلم عقلي لا غير، وتعريف من جهتين أقوى من تعرف من جهةً واحدةً.
ونقل بعض شيوخنا/ هذا المذهب عن الفراء خاصةً، وقال:
стр. 449
"المشار تعرف بالعين والقلب، والعلم إنما تعرف من جهةً القلب خاصةً، وما تعرف من جهتين أعرف مما تعرف من جهةً واحدةً.
وأيضًا فإنه إذا اجتمع المشار مع العلم فالعرب تقدم المشار على العلم في الإخبار، فتقول: "هذا زيد، ولا تقول: زيد هذا". وقد نسب هذا القول إلى ابن سريج وابن كيسان.
وفي الإفصاح: واختلفوا في الأعلام والمبهمات، فالأعلام أعرف عند "س"، والمبهمات أعرف عند الفراء، وبقوله قال أبو بكر وجماعةً، وهو مذهب المنطقتين، حتى قالوا: إن العلم إنما تعرف لأنه صار كقولك هذا، ولم يرد به غيره، فصار قريبًا من المشار إليه أو مثله.
ورد هذا المذهب بأن قوله: "إن ما تعرف من جهتين أعرف مما تعرف من جهةً واحدةً" ليس بصحيح لأن التعريف لا يزيد، وإنما نعني بقولنا: "هذا أعرف من هذا" أي: ألزم للتعريف، ولا يتزيد. واستدلاله بأنه إذا اجتمع المشار والعلم قدم المشار على العلم في الإخبار فلا حجةً فيه، وإنما فعلت العرب ذلك لأنهم يغلبون في الإخبار القريب على البعيد، فيقولون: أنا وأنت قمنا، ولا يقولون:. قمتما، ويقولون: أنت وزيد قمتما، ولا يقولون: قاما.
ورد المصنف في الشرح ما عزاه إلى الكوفيين بأن قال: "الجواب عن
стр. 450
الأول أن يقال: لزوم الشيء معنى لا يوجب له مزيةً على ما له ذلك المعنى دون لزوم، بل قد تثبت المزيةً لغير ذي اللزوم على ذي اللزوم، كما ثبتت ل " نقيضك" على " غيرك" مزيةً، فتعرف بالإضافة مع عدم لزومه لها، ولم يتعرف "غيرك" بها مع لزومه لها، وكما ثبتت ل "الجميع" مزيةً على "الجماء" ما في قولهم: جاؤوا الجماء الغفير، بحيث عُد "الجميع" معرفةً غير مؤولة بنكرةً مع عدم لزوم الألف واللام، وأول "الجماء الغفير"، بنكرةً مع لزوم الألف واللام.
والجواب عن الثاني أن يقال: المعتبر في كون المعرفة معرفةً الدلالةً المانعةً من الشياع، سواء أحصل ذلك من جهةً واحدةً أم من جهتين، والمعتبر في ترجيح التعريف قوة منع الشياع وزيادةً الوضوح، ومعلوم أن اسم الإشارةً، وإن عين المشار إليه، فحقيقته لا تستحضر به على التمام، ولذلك لا يستغني غالبًا عن صفةً تكمل دلالته، بخلاف العلم، لاسيما علم لم تعرض فيه شركةً كإسرافيل وطالوت وأدد ونزار ومكة ويثرب".
وقوله: ولا ذو الأداةً قبل الموصول قد ذكر هو عن ابن كيسان أنه ذهب إلى أن ذا الأداةً أعرف من الموصول، وقد تقدم اضطراب المصنف في ذلك، ففي نسختنا التي صححناها من هذا الكتاب أن مذهبه أنهما في رتبةً واحدةً، وذكرنا أنه ثبت في بعض نسخه التي شرحها أن ذا الأداةً بعد الموصول، فصارت ثلاثةً مذاهب: أحدها: أنهما سواء. الثاني:/ أن الموصول أعرف من ذي الأداة. الثالث: أن ذا الأداةً أعرف من الموصول.
واستدل ابن كيسان لمذهبه بأن الأداة يوصف بالموصول، كقوله
стр. 451
تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، والموصوف به إما مساوٍ وإما دون الموصوف، ولا قاتل بالمساواةً، فثبت كون "الذي" أقل تعريفًا من "الكتاب".
قال المصنف في الشرح: "والجواب أن نقول: لا نسلم كون (الذي) في الآية صفةً، بل هو بدل، أو مقطوع على إضمار فعل ناصب، أو بدأ، وعلى تقدير كون (الذي) صفةً، فـ (الكتاب) علم بالغلبةً لأن المعنيين بالخطاب بنو إسرائيل، وقد علب استعماله عندهم مرادًا به التوراةً، فالتحق في عزفهم بالأعلام، فلا يلزم من نضفه بـ (الذي) جواز وصف غيره مما لم يلحق بالأعلام - وبالجواب الأول يجاب من أورد نحو قوله تعالى ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾ وقد تقدمت الإشارةً إلى أن الموصول قد تتضح صلته وضوحا يجعله في رتبةً العلم، ولا يكون ذلك في ذي الأداةً غالبًا إلا إذا عرض له ما عرض للنجم والصعق من الغلبةً الملحقة بالأعلام الخاصةً" انتهى كلام المصنف في شرحه في الرد على ابن كيسان.
وهو تسليم من المصنف لابن كيسان أنه لا قائل بالمساواة، وليس بصحيح، بل ذكرنا، أن مذهب أصحابنا هو أن الموصول من قبيل ما عرف بالألف واللام، وهو مذهب الأخفش، فهو قسم من المعرف بالألف واللام، فيجوز أن يوصف ذو الأداة بالموصول الذي يجوز أن يوصف به، ويجوز أن يوصف الموصول بذي الأداة لتساويهما. فمن وصف ذي الأداةً
стр. 452
بالموصول قول الشاعر:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه خشاشا كرأس الحية المتوقد
وقول الآخر:
أأنت الهلالي الذي كنت مرةً سمعنا به والزحبي المعلف
والآيات الكريمة السابق ذكرها. ومن كلام العرب: "بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامةً ذات أكرمكم الله به"، ف "ذو" موصول على لغة طيئ، و"ذات" كذلك، وقد وصف بهما ذو الأداة.
ومن وصف الموصول بذي الأداة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبّئُكُم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الآيات، فوصف (الذين) بقوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
стр. 453
وإنما تأول المصنف الآيات على البدل وغيره لأنه ثبت في النسخةً التي شرحها أن الموصول أعرف من ذي الأداةً، وإذا كان أعرف فلا يجوز أن يكون نعتًا لذي الأداةً لئلا يكون النعت أعرف من المنعوت، وهو لا يجوز، إنما يجوز أن يكون مساويًا أو أقل منه تعريفًا.
وقوله: ولا من وما المستفهم/ بهما معرفتين استدل على ذلك ابن كيسان، بأن جوابهما يكون معرفةً، وهو طابق للسؤال، فإذا قيل: من عندك؟ فجوابه: زيد، ونحوه. وإذا قيل: ما دعاك إلى كذا؟ فجوابه: لقاؤك، ونحوه. فدل تعريف الجواب على تعريف المجاب.
وقال المصنف في الشرح: "وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن تعريف الجواب غير لازم؛ إذ لمن قيل له: من عندك؟ أن يقول: رجل من بني فلان، ولمن قيل له: ما دعاك إلى كذا؟ أن يقول: أمر مهم.
والثاني: أن من وما في السؤالين قائمان مقام: أي إنسان؟ وأي شيء؟ وهما نكرتان، فوجب تنكير ما قام مقامهما، والتمسك بهذا أقوى من التمسك بتعريف الجواب، لأن تطابق شيئين قام أحدهما مقام الآخر ألزم وأكد من تطابق الجواب والسؤال، وأيضًا فالتعريف فرع، فمن ادعاه فعليه الدليل، بخلاف ادعاء التنكير" انتهى كلامه، وهو حسن.
وقال أصحابنا: أعرف المضمرات المتكلم ثم المخاطب ثم الغائب، وأعرف الأعلام أسماء الأماكن ثم أسماء الأناسي ثم أسماء الأجناس، وأعرف المشارات ما كان للقريب ثم للوسط ثم للبعيد، وأعرف ذي الأداةً ما كانت فيه للحضور ثم للعهد في شخص. وأسماء الأجناس لا يعرف تعريفها من تنكيرها إلا بالاستقراء، فمما هو معرفةً ابن آوى وابن قترةً. ومما هو
стр. 454
نكرةً ابن لبون وابن مخاض. ومما جاء معرفة ونكرةً ابن عرس، تقول: هذا ابن عرس مقبلًا، وهذا ابن عرس مقبل.
وأما ابن أوبر فزعم س أنه معرفة لامتناعه من الصرف. وزعم أبو العباس، أنه نكرةً لدخول الألف واللام عليه، مثل قوله:
................... ... ولقد نهيتك عن بنات الاوبر
وهذا عند من يرى مذهب س من باب دخول أل على العلم.
وما ذكرناه عن النحويين من تفاوت المعارف واختلاف الناس في مراتبها قد خالف في ذلك أبو محمد علي بن حزم الظاهري، فزعم أن المعارف كلها مستويةً، ولا يصح في هذا أن يقال: "هذا أعرف من هذا" لأن المعرفةً لا تتفاضل، ولا يصح أن يقال: "عرفت هذا أكثر من هذا" لأنه يكون في حق المرجوح المعرفة جهلًا.
وقال الرادُ على أبي محمد: هذا الذي قاله أبو محمد حق في نفسه،
стр. 455
إلا أنه لم يفهم مراد القوم، وذلك أنهم يريدون بأن هذا أعرف من هذا أن تطرق الاحتمال إليه أو من تطرقه إلى الآخر، فلا بد من تقيمها إلى ما يتطرق إليه الاحتمال وإلى ما لا يتطرق، ومن حد كل واحد منها، ومن حد كل واحد منها، تتميز ماهيةً كل واحد، وتظهر تفاوتها في التعريف.
стр. 456
-[ص: باب المضمر
وهو الموضوع لتعيين مسماه مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته. فمنه واجب الخفاء، وهو المرفوع بالمضارع ذي الهمزةً أو النون، وبفعل أمر المخاطب ومضارعه، واسم فعل/ الآمر مطلقًا. ومنه جائر الخفاء، وهو المرفوع بفعل الغائب والغائبةً أو معناه، من اسم فعل وصفةٍ وظرف وشبيه.]-
ش: البصريون يقولون: "المضمر"، والكوفيون يقولون: "الكناية" و"المكني".
قال المصنف في الشرح: "ذكر الوضع مخرج للمنادى والمضاف وذي الأداة، وذكر التعيين مخرج للنكرات" انتهى.
وهذا الذي ذكره من أن الجنس في الحد يتحرر به هي عادته وعادةً ابن عصفور، وتقدم لنا الكلام معهما في ذلك أول الكتاب، وأن الجنس لا
стр. 457
يورد في الحد للاحتراز، وإنما الجنس يشغل المحدود وغيره، والفصل هو الذي يؤتى به لتمييز المحدود من غيره.
فقوله: "الموضوع لتعيين مسماه" جنس يشمل سائر المعارف، فإن كل معرفة يعين مسماه، وليس "الوضع" مخرجًا للمنادى والمضاف وذي الأداةً كما زعم المصنف، بل يا رجل، وغلام زيد، والرجل، موضوعات لتعيين المسمى، والمسمى في هذا المركب وضع له هذا اللفظ المركب، وكل من هذه التراكيب تفيد تعيين المسمى، وكأن الوضع عند المصنف مختص بالمفرد قبل التركيب، وليس كما زعم. وهذا الذي بحثناه هو على ما تقتضيه قواعد الجماعةً.
وأما على ما بحثنا، نحن في العلم وفي باقي المعارف فإن الذي وضع لتعيين المسمى إنما هو العلم، وأما باقي المعارف فإنما وضعت كليات، ثم بالاستعمال يتعين المسمى لا بالوضع، على ما قررناه قبل.
وقوله: مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته فصل يخرج العلم والمشار به والموصول؛ لأن كل واحد من هذه صالح لكل حالًا من الثلاث على سيل البدل، وذلك بخلاف المضمر، فإنه يختص بواحدةً منها، هذا معنى ما قاله المصنف في الشرح.
وقوله: ومنه واجب الخفاء نم المصنف المضمر إلى واجب، الخفاء وجائز الخفاء، وبارز متصل ومنفصل، وأصحابنا نموه إلى مستكن، وبارز متصل ومنفصل.
ويعكر هذان التقسيمان على ما حدوا به الضمير؛ لأنهم حدوه بأنه
стр. 458
الموضوع لتعيين مسماه، وما كان واجب، الخفاء وجائز الخفاء ومستكنًا لا يصح فيه أن يقال إنه الموضوع لتعيين مسماه؛ لأن الوضع يستدعي وجود لفظ، ولا لفظ، بل هذا الذي ادعوه من الضمير هو عدمي، وما كان عدميًا فلا وضع له.
وهذا التقسيم الذي قسمه المصنف من واجب الخفاء وجائز الخفاء يعني به أنه إذا كان واجب الخفاء لا يمكن أن يرفع الفعل ظاهرًا ولا مضمرًا بارزًا مكانه، وإذا كان جائز الخفاء يمكن أن يرفع الفعل ظاهرًا أو مضمرًا بارزًا مكانه. وهذا اصطلاح غريب لا نعرفه إلا منه، وإنما يقول أصحابنا: الضمير المرفوع ينقسم إلى مستكن وبارز، ويقولون أيضًا ينقسم إلى متصل ومنفصل، ويجعلون المستكن من المتصل.
ومثال ما ذكر أنه واجب/ الخفاء أفعل ونفعل وافعل وتفعل.
ومراد المصنف بقوله: "وبفعل أمر المخاطب" يعني المفرد المذكر؛ لأنه إن كان أمرًا للمؤنث أو للمثنى أو للمجموع برز الضمير، فلفظة "المخاطب" فيه قيد الذكوريةً والإفراد.
وقوله: واسم فعل الآمر مطلقًا مثاله: تزال. وإنما قال: "مطلقًا" لأنه يكون أمرًا للمفرد المذكر والمؤنث ومتناهما ومجموعهما.
ونقص المصنف قسم لم يذكره، والضمير فيه واجب الخفاء كهذه الخمسةً، وهو اسم الفعل الذي هو مضارع للمتكلم نحو: أوه بمعنى أتوجع، وأن بمعنى أتضجر، ونحوهما، فكان ينبغي أن يقول: وهو المرفوع بالمضارع ذي النون أو الهمزة أو اسم فعله، ويأتي بباقيها.
стр. 459
وقوله: وهو المرفوع بفعل الغائب إلى آخره مثال ذلك: زيد حسن، وهند حسنت، وهند هيهات، وزيد ضارب وضروب وحسن، وزيد عندك، وعمرو في الدار، فهذه الأخبار متحملة ضميرًا جائز الخفاء، ويجوز أن لا تتحمله بأن ترفع اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا بارزًا، فتقول: زيد حسن وجهه، أو: ما حسن إلا هو، وكذلك باقيها، هكذا قال المصنف.
ولا يطرد له ذلك في جميع ما ذكر؛ ألا ترى أن اسم الفعل يرفع الظاهر، ولا يرفع المضمر البارز، تقول: هند هيهات دارها، ولا تقول: هند ما هيهات إلا هي؛ لأنه لم يتسع في اسم الفعل فينفي كما ينفي الفعل، فتفسيره في الشرح: "جائز الخفاء" بأنه هو الذي يخلفه ظاهر أو مضمر بارز يطرد له في فعل الغائب وفعل الغائبةً والصفةً والظرف والمجرور لا في اسم الفعل بمعنى فعل الغائب والغائبةً.
-[ص: ومنه بارز متصل، وهو إن عنى به المعني بنفعل "نا" في الإعراب كله، وإن رفع بفعل ماضٍ فتاء تضم للمتكلم، وتفتح للمخاطب، وتكسر للمخاطبةً، وتوصل مضمومةً بميم وألف للمخاطبين والمخاطبتين، وبميم مضمومةً ممدودةً للمخاطبين، وبنون مشددةٍ للمخاطبات، وتسكين ميم الجمع إن لم يليها ضمير متصل أعرف، وإذ وليها لم يجز التسكين، خلافًا ليونس.]-
ش: قوله في الإعراب كله يعني الرفع والنصب والجر، نحو: قمنا، وضربنا زيد، ومر بنا بكر.
وقوله: في الإعراب فيه تجور إذ المضمرات مبنيةً، فلا إعراب، والمعنى أنه لو وقع مكانه معرب لكان مرفوعًا ومنصوبًا ومجرورًا، وقد كثر تجوزه في هذا، فقال في المضمر: "وهو المرفوع"، وقال: "وإن رفع"، والمضمرات لا رفع فيها ولا نصب ولا جر، وعبارة أصحابنا أسد،
стр. 460
يقولون: مرفوع الموضع، ومنصوب الموضع، ومجرور الموضع.
وهذا البارز الذي ذكره هو قسيم المستكن، وهو ينقسم قسين متصلًا ومنفصلاً، فالمتصل هو ما لا بد له من مباشرة العامل لفظًا وخطًا. وقال: "إن عني به المعنى بنفعل" لأنه قدم أن نون/ نفعل تدل على المتكلم عظيمًا أو مشاركًا.
وتمثيل ما ذكر انه رفع بالفعل الماضي: ضربت ضربت ضربت ضربتما ضربتم ضربتن، وحكي "ضربتني" بياء بعد الكسرة للمؤنث.
واختلفوا في التعليل: فمن النحويين من قال: فعل هذا للفرق.
ومنهم من قال: كان المتكلم أولى بالضمةً لأن الكلام منه، وإخباره عن نفسه أكثر من إخباره عن غيره، فاستحق أن يكون حظه من الحركات الحركةً الأولى.
وقال ابن كيسان: إذا أخبر فليس يكون أبدًا إلا واحدًا، وإذا خاطب جاز أن يخاطب واحدًا واثنين وأكثر، فألزم الحركةً الثقيلةً اسمه، وفتح اسم من يخاطبه لأنه يكثر، ويعطف بعضه على بعض، فتقول: أنت تكلمت وأنت وأنت، فتعد جماعةً كلهم اشتركوا في الكلام.
قال ابن كيسان: وكسروا المؤنث، لأن الكسرةً من علامة التأنيث.
وقيل: كسروا لأنها لم تبق حركة غير الكسرة.
وأما ضم التاء من ضربتما وضربتم فإجراء للميم مجرى الواو
следующие страницы →