← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وتنحصر مصالح الناس الضرورية في خمسة أشياء، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض أو النسب والمال (١)، وقد جاءت الشريعة الغراء لحفظ هذه المصالح الأساسية، وإن مقاصد الشريعة الأساسية مرتبطة بها، وهي: ١ - حفظ الدين، ٢ - حفظ النفس، ٣ - حفظ العقل، ٤ - حفظ النسل أو العرض أو النسب، ٥ - حفظ المال، وقد اتفقت الشرائع السماوية على مراعاة هذه الأصول الأساسية والمصالح الضرورية للناس. قال حجة الإِسلام الغزالي ﵀: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (٢). ٢ - المصالح الحاجية: وهي الأمور التي يحتاجها الناس لتأمين شؤون الحياة بيسر وسهولة، وتدفع عنهم المشقة وتخفف عنهم التكاليف، وتساعدهم على تحمل أعباء الحياة، وإذا فقدت هذه الأمور لا يختل نظام حياتهم، ولا يتهدد وجودهم، ولا ينتابهم الخطر والدمار والفوضى، ولكن يلحقهم الحرج والضيق والمشقة، ولذلك تأتي الأحكام التي تحقق هذه المصالح الحاجية للناس لترفع عنهم الحرج، وتيسر لهم سبل التعامل، وتساعدهم على صيانة مصالحهم الضرورية، وتأديتها، والحفاظ عليها عن طريق "الحاجيات" (٣).

стр. 107

٣ - المصالح التحسينية: وهي الأمور التي تطلبها المروءة والآداب، ويحتاج إليها الناس لتسيير شؤون الحياة على أحسن وجه وأكمل أسلوب، وأقوم منهج، وإذا فقدت هذه الأمور فلا تختل شؤون الحياة، ولا ينتاب الناس الحرج والمشقة، ولكن يحسون بالخجل، وتتقزز نفوسهم، وتستنكر عقولهم، وتأنف فطرتهم من فقدها. وهذه الأمور التحسينية ترجع إلى ما تقتضيه الأخلاق والأذواق الرفيعة، وتكمل المصالح الضرورية والمصالح الحاجية على أرفع مستوى وأحسن حال (١). وجاءت الشريعة الإِسلامية لتأمين هذه المصالح جميعًا، بأن نصت على كل منها، وبينت أهميتها وخطورتها ومكانتها في تحقيق السعادة للإنسان، ثم شرعت الأحكام لتحقيقها، كما سنفصله في الفقرة التالية. خامسًا: الوسائل الشرعية لتحقيق المقاصد: يدل الاستقراء والبحث والدراسة والتأمل على أن الشرع الحنيف جاء لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وأن الأحكام الشرعية كلها إنما شرعت لتحقيق هذه المصالح، وأنه ما من حكم شرعي إلا قصد به تحقيق أحد هذه المصالح أو أكثر، بحيث يكفل التشريع جميع المصالح بأقسامها الثلاثة. وكان منهج التشريع لرعاية هذه المصالح عن طريقين أساسيين: أ- الأحكام الشرعية التي تؤمن إيجاد هذه المصالح وتكوينها.

стр. 108

ب- الأحكام الشرعية لحفظ المصالح وصيانتها ورعايتها ومنع الاعتداء عليها أو الإخلال بها، أو ضمانها والتعويض عنها (١). ونريد أن نفصل الكلام عن كل قسم مع بيان الأدلة لذلك، وضرب الأمثلة لكل منها بما يؤكد مقاصد الشريعة في حفظ هذه المصالح. ١ - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الضرورية: وردت أحكام كثيرة جدًّا تدعو لتأمين المصالح الضرورية للناس، وتسعى لإيجادها على أحسن وجه وأفضل طريقة، ثم تكفل حفظها ورعايتها. فالدين مصلحة ضرورية للناس؛ لأنه ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بمجتمعه، وقد شرع الإِسلام أحكامًا كثيرة لتنظيم هذه العلاقات كلها، فبين أحكام العقيدة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره، وشرع أركان الإِسلام الخمس، وهي: الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام، وشرع أنواع العبادات وكيفيتها لتنمية الدين في النفوس، وترسيخه في القلوب، وإيجاده في الحياة والمجتمع، ونشره في أرجاء المعمورة، وأوجب الدعوة إليه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. ثم شرع الجهاد لحفظه ورعايته وضمانه سليمًا وعدم الاعتداء عليه، ومنع الفتنة في الدين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وشرع عقوبة المرتد عن دينه، وبيَّن عقوبة المبتدع والمنحرف عن دينه وطالب الأخذ على يد تارك الصلاة ومانع الزكاة،

стр. 109

والمفطر في رمضان، والمنكر لما علم من الدين بالضرورة ... وغير ذلك، لإبعاد الناس عن الخبط في العقائد وحفظهم من مفاسد الشرك، وإنقاذهم من وساوس شياطين الإنس والجن، وعدم الوقوع في الضلال والانحراف، وحتى لا يسف العقل في عبادة الأحجار والأصنام، أو الأبقار والقرود والحيوان، أو الشمس والقمر والنجوم، أو تأليه الأشخاص وعبادة البشر، ولينقذ البشرية من طقوس العبادات المزيفة، والترانيم السخيفة، والاعتقادات الباطلة (١). ويجب أن يعلم المسلم أن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى، وأن حفظه مقدم على بقية المصالح، بل إن الدين في ذاته حفاظ لجميع مصالح العباد في الدنيا والآخرة (٢). والنفس هي ذات الإنسان، وهي مقصودة بذاتها في الإيجاد والتكوين، وفي الحفظ والرعاية كما سبق بيانه. وشرع الإِسلام لإيجادها وتكوينها الزواج للتوالد والتناسل لضمان النقاء الإنساني والوجود البشري، واستمرار النوع السليم على أكمل وجه وأفضله وأحسنه، ثم حرم الزنا وبقية أنواع الأنكحة الفاسدة الباطلة. وشرع الإِسلام لحفظ النفس ورعايتها وعدم الاعتداء عليها وجوب تناول الطعام والشراب واللباس والمسكن، وأوجب القصاص والدية والكفارة (٣). والعقل أسمى شيء في الإنسان، وأبرز ميزة وصفة تميزه عن بقية

стр. 110

الحيوان، وهو أعظم منحة من رب العالمين للإنسان ليرشده إلى الخير ويبعده عن الشر، ويكون معه مرشدًا ومعينًا. وإن وجود العقل جزء من إيجاد النفس، وأحكامها أحكامه، ولكن الحفاظ عليه يختلف عنها، ويختص بوسائل خاصة، فشرع الإِسلام أحكامًا للحفاظ على العقل، فدعا إلى الصحة الكاملة للجسم، لتأمين العقل الكامل، فالعقل السليم في الجسم السليم، وحرم الإِسلام الخمر وجميع المسكرات التي تزيل العقل، وتلغي وجوده، وتؤثر عليه، وشرع الإِسلام حد الخمر لمن يتناول هذه المشروبات النجسة الضارة، لأن الحفاظ على العقل مصلحة ضرورية للإنسان، وإلا فقد أعز ما يملك (١). والعرض فرع من النفس الإنسانية (٢)، وهو ما يمدح الإنسان به أو يذم، وهو أحد الصفات الأساسية المعنوية للإنسان، والتي تميزه عن بقية الحيوان، والقصد منه حفظ النسل والنسب بأرقى الوسائل، وأشرف الطرق ويعبر عنه العلماء بحفظ النسب أو النسل، وإن وجود النسب والنسل فرع عن وجود النفس الإنسانية التي شرع الله لوجودها الزواج، ويتأكد وجود النسل والنسب بأحكام الأسرة، وإن الحفاظ على العرض مقصود بذاته من جهة، وهو وسيلة لحفظ النسل والذرية من جهة أخرى، حتى لا تختلط الأنساب، وتضيع الذرية ويتشرد الأطفال. وقد شرع الإِسلام للحفاظ على العرض ورعايته أحكامًا كثيرة تبدأ من غض النظر وتنتهي بإقامة الحد على الزاني الذي يعتدي ماديًا على العرض، وإقامة حد القذف على القاذف الذي يعتدي أدبيًّا على

стр. 111

العرض (١). والمال شقيق الروح كما يقولون، وهو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، وهو الوسيلة التي تساعد الناس على تأمين العيش وتبادل المنافع والاستفادة من جوانب الحياة الكثيرة، وما سخره الله تعالى للإنسان في هذا الكون، ولذلك كان المال مصلحة ضرورية للناس، وإلا صارت حياتهم فوضى وبدائية وهمجية. وقد شرع الإِسلام لإيجاده وتحصيله السعي في مناكب الأرض والكسب المشروع والمعاملات الشرعية التي تكفل الحصول عليه وتوفيره للمسلم. وشرع الإِسلام لحفظه وحمايته ومنع الاعتداء عليه أحكامًا كثيرة، فحرم السرقة، وأقام الحد على السارق، وحرم أكل أموال الناس بالباطل، واعتبر العقد عليها باطلًا، ومنع إتلاف أموال الآخرين وشرع الضمان والتعويض على المتلف والمتعدي (٢). وهكذا نلاحظ أن الإِسلام شرع لكل مصلحة ضرورية للناس أحكامًا تكفل إيجادها وتكوينها، وأحكامًا ترعى حفظها وصيانتها, ليؤمن لهم المصالح الضرورية، ويكفل لهم حفظها وبقاءها واستمرارها، ثم أباح الله تعالى المحظورات إذا تعرضت المصالح الضرورية للخطر والتهديد. ٢ - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح الحاجية: شرع الله تعالى أحكامًا لا حصر لها لرعاية المصالح الحاجية

стр. 112

للناس، فشرع الرخص في العبادات والعقيدة لرفع الحرج والمشقة عن الناس للتخفيف عنهم، فأباح الفطر في رمضان، وشرع قصر الصلاة وجمعها للمسافر والحاج، وأجاز للعاجز صلاة الفرض قاعدًا ومستلقيًا وعلى جنب، وأباح التيمم والمسح على الجبيرة والمسح على الخفين للمعذور، وشرع البيوع والشركات والإجارة لتأمين التعامل الصحيح بين الناس وإرشادهم إلى القواعد السليمة والأسس العادلة في التبادل والأخذ والعطاء، لتأمين حاجيات الناس وجلب النفع لهم ودفع الضرر والظلم والغش عنهم. وشرع للحفاظ على الحاجيات الضمان في المال، والبطلان والفساد في العقود، ورغب في الرخص، فرخص تعالى في بعض العقود التي لا تنطبق عليها الأسس العامة في العقود، فشرع السلم وهو بيع للمعدوم، وشرع الاستصناع والمزارعة والمساقاة ... لرفع الحرج عن الناس في التعامل، كما شرع الطلاق كدواء لأمراض الزوجية المستعصية، وهو أبغض الحلال إلى الله، وأحل الله الصيد ... ، وفي العقوبات فرض الدية على العاقلة في القتل الخطأ تخفيفًا على القاتل، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، ورغب ولي المقتول بالعفو عن القصاص والإحسان إلى الجاني (١). وقد وردت النصوص الشرعية صريحة واضحة لتأكيد هذه المعاني، وبيان الحِكَم في مشروعية الأحكام التي تحقق المصالح الحاجية للناس، وترفع الحرج عنهم فقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] , وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ

стр. 113

وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] , وقال رسول الله ﷺ عن مشروعية قصر الصلاة: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١). ٣ - الوسائل الشرعية لحفظ المصالح التحسينية: شرع الله تعالى أحكامًا كثيرة لتأمين المصالح التحسينية للناس، وتحقيق مصالحهم فيها، بما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق في مختلف فروع الشريعة، لتؤدى مصالح الناس على أكمل وجه وأحسنه. فشرع الله في العبادات أحكامًا لتكون العبادة على أقوم السبل، كالطهارة في الجسم والثوب والمكان، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والتطوع بالصيام والصدقة، والحجاب. وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والاحتكار، وحرم الإسراف والتقتير في الإنفاق، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، ونهى عن بيع النجاسات. وفي الجهاد حرم قتل النساء والصبيان والرهبان، ومنع قطع الشجر، ونهى عن الغدر والتمثيل بالقتلى، وطلب الإحسان في معاملة الأسرى، وعدم الإكراه في الدين. وفي العقوبات والقصاص فرض المماثلة والإحسان في القتل وجعل حق الدم لأولياء القتيل، ولكن عن طريق القضاء والسلطان. ثم أفاض الإِسلام في رعاية الأخلاق العامة، والآداب الراقية، والفضائل السامية (٢)، وصرح الرسول الكريم بذلك فقال: "إنما بعثت

стр. 114

لأتمم مكارم الأخلاق" (١). ٤ - الأحكام المتممة والمكملة لحفظ المصالح: اقتضت الحكمة الإلهية أن تضع أحكامًا تشريعية إضافية مكملة للأحكام التي شرعت لحفظ نوع من أقسام المصالح، وقد شرعت هذه الأحكام المكملة لتحقيق مقاصد الشريعة على أكمل وجه وأتمه وأحسنه، ولتكون أمانًا احتياطيًا، وسياجًا واقيًا للحفاظ على مصالح الناس، دون أن تتعرض لنقص أو خدش أو خطر. فشرع الإِسلام الصلاة لحفظ الدين، وشرع للصلاة أحكامًا تكميلية كالأذان لإعلانها، وصلاة الجماعة في المسجد، وخطبة الجمعة والعيدين لتعليم الناس أمور دينهم. وشرع القصاص لحفظ النفوس، وشرع لإكماله التماثل في النفس والعضو والجروح، وحرم الزنا لحفظ العرض، وشرع لإكماله تحريم الخلوة ومنع النظر إلى الأجنبية، وحرم الإِسلام الخمر لحفظ العقل، وشرع لإكماله تحريم القليل منه ولو لم يسكر؛ لأنه يريد أن يسد منافذ الشيطان بشكل يقيني حاسم، كما طلب الشارع التورع عن الشبهات والمحرمات، وأن لا يحوم المسلم حول الحمى حتى لا يقع فيه، وشرع الإشهاد في المعاملات واشترط الكفاءة في الزواج، وأوجب النفقة الزوجية وطلب حسن المعاشرة لتأمين السعادة الكاملة في الأسرة. وشرع الإِسلام لتكميل الحاجيات الشروط في العقود، ونهى عن الغرر والجهالة وكل ما يؤدي إلى التخاصم والاختلاف، لتتم مصالح الناس الحاجية دون أن تؤدي إلى الخصومات والخلافات والأحقاد

стр. 115

والأضغان بين الأفراد. وفي التحسينيات بيَّن الشارع شروط الطهارة، والإحسان بالتعامل، والتحلي السامي بمكارم الأخلاق، وأن يترفع المسلم عن المعاملة بالمثل، كما طلب الشارع الإنفاق من الطيب الحلال، وأن يحسن المسلم الأضحية والعقيقة ليقدمها بين يديه يوم القيامة (١). ونبادر إلى التنبيه إلى أن هذا التقسيم للأحكام بحسب مقاصد الشريعة ومصالح الناس لا يعني أن الأحكام الضرورية فرض وواجب، وأن الأحكام الحاجية مندوبة وسنة، وأن الأحكام التحسينية مباحة، وإنما شرعت الأحكام لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وفي كل قسم منها فرائض ومندوبات ومباحات. سادسًا: ترتيب الأحكام الشرعية بحسب المقاصد: تبين لنا من النظر العقلي والواقع الملموس أن مصالح الناس متدرجة ومرتبة بحسب أهميتها ومكانتها في الحياة الإنسانية، وجاءت الأحكام الشرعية مطابقة لذلك، فجاءت على درجات مختلفة بحسب مصالح الناس، ويأتي ترتيبها بحسب أهميتها، فأهمها الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح الضرورية؛ لأنه يترتب على تركها وضياعها الاختلال في نظام الحياة، ثم تأتي الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح الحاجية؛ لأنه يترتب على عدم الأخذ بها وقوع الناس في الضيق والحرج، والشدة والمشقة والعسر، ثم تأتي الأحكام التي شرعت لتحقيق المصالح التحسينية، وأخيرا تأتي الأحكام المكملة لكل نوع من الأنواع السابقة. ويظهر من ذلك أيضًا أن الأحكام الحاجية هي كالتتمة والتكملة

стр. 116

والصيانة للمصالح الضرورية وأحكامها، وأن التحسينيات مكملة للحاجيات، فالضروريات هي أصل المصالح كلها، وهي مقصود الشارع الأصلي، فشرع لها الأحكام الأصلية ثم صانها ورعاها وحفظها ببقية الأحكام. وينتج عن ذلك أنه إذا تعرضت المصالح الضرورية أو إحداها للخلل أدى ذلك إلى اختلال المصالح الحاجية والتحسينية، وإذا اختل حكم حاجي أو تحسيني فإنه يؤثر بطريق غير مباشر على المصالح الضرورية بوجه من الوجوه، وينذرها بالخطر، لذلك تجب المحافظة على المقاصد الحاجية، والمقاصد التحسينية حتى لا تتعرض المصالح الضرورية للخلل، و"في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكَدُ منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخف كأنه حِمًى للآكَد، والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (١). وإذا تعارض حكمان من الأحكام الشرعية، فيقدم الأهم فالأهم، وقد وضع العلماء قواعد للترجيح في ذلك، منها: ١ - تقدم الأحكام المشروعة للمصالح الضرورية على الأحكام المشروعة للمصالح الحاجية والتحسينية، فالصلاة المفروضة لحفظ الدين مقدمة على البيع والشراء، والمعاملات المشروعة لحفظ المصالح الحاجية، ومقدمة على النوافل والذكر وتلاوة القرآن، والمؤمن يترك البيع والشراء في بعض الأوقات لأداء العبادات المفروضة من صلاة وصيام وحج حتى لا تفوت عليه هذه العبادات؛ لأن حفظ الدين

стр. 117

ضروري وأهم من ممارسة المعاملات وحفظ الحاجيات، وإذا مرض إنسان فإنه يباح له أن يكشف عورته على الطبيب للمعالجة وأخذ الدواء، ويرخص له أن يفطر في رمضان، ليحافظ على صحته، ولكي لا يعرض نفسه للخطر والهلاك، وليرفع عنها المشقة والحرج، ولأن حفظ النفس أهم من ستر العورة، قال تعالى في آية الصيام: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأنه لا يصح الأخذ بحكم حاجي أو تحسيني إذا كان في تطبيقه مساس أو تأثير على حكم ضروري، فلا يصح البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى هدم أمر ضروري، وهو إقامة الدين وتأدية شعائره في الخطبة وصلاة الجمعة. وإذا تعارض حكم مشروع لتحقيق الحاجيات مع حكم مشروع لتحقيق التحسينات فإنه يقدم الأول، فمن التحسينيات النهي عن بيع المعدوم، والنهي عن الجهالة في البيع، ولكن الشارع أباح ذلك في السلم والاستصناع لرفع الحرج والمشقة عن الناس. ٢ - إن المصلحة العامة في كل قسم من أقسام المصالح تقدم على المصلحة الخاصة فيه، فالمصلحة العامة في أحد الضروريات تقدم على المصلحة الخاصة فيه، كما لو تترس الكفار وراء أسرى المسلمين، وكما يجوز الإقدام على القتل والقتال في المعركة للحفاظ على حياض المسلمين والدفاع عن أرواحهم، والمصلحة العامة في الحاجيات تقدم على المصلحة الخاصة في الحاجيات؛ فيحرم الاحتكار؛ لأن فيه ضررًا بمصلحة حاجية عامة، والمصلحة العامة في التحسينات تقدم على المصلحة الخاصة فيها, ولذلك ورد النهي عن التطويل في الصلاة، وأن من أمَّ في الناس فليخفف، والمصلحة العامة مثلًا في الجهاد لحفظ الدين مقدمة قطعًا على المصلحة الخاصة في حفظ النفس والمال،

стр. 118

ولذلك شرع الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين والحفاظ عليه، مع ما فيه من تعريض النفس والمال للقتل والهلاك والخطر (١). والمصلحة العامة في الضروريات كلها تقدم بالأولى على المصلحة الخاصة في الحاجيات والتحسينات، فالجهاد مقدم على المعاملات وإقامة النوافل. ٣ - إن الأحكام لرعاية المصالح الضرورية نفسها على درجات، فبعضها أهم من بعض، فيجب مراعاة الأهم فالمهم، فحفظ الدين أهم من حفظ النفس، فشرع الجهاد بالنفس والمال للحفاظ على الدين، وحفظ النفس أهم من حفظ العقل، فهذا تعرضت النفس للهلاك فيرخص بشرب الخمر، وتباح المحظورات عند الضرورة التي تهدد الإنسان بإتلاف نفسه أو عضو منه، مما يطول شرحه وتفصيله (٢). ٤ - ونختم هذه الفقرة بسرد أهم القواعد الفقهية التي وضعها العلماء لترجيح أحد الأحكام والمصالح على بعض، وهي: ١ - الضرورات تبيح المحظورات. ٢ - يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. ٣ - يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما. ٤ - يختار أهون الشرين. ٥ - المشقة تجلب التيسير. ٦ - الحرج مرفوع شرعًا. ٧ - الحاجات تنزل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات.

стр. 119

٨ - الضرر يزال شرعًا. ٩ - الضرر لا يزال بالضرر. ١٠ - دفع المضار مقدم على جلب المنافع. ١١ - درء المفاسد أولى من جلب المصالح. ونكتفي بهذا العرض الموجز لمقاصد الشريعة، لنترك التفصيل والشرح للدراسات المعمقة والتخصصية.

стр. 120

الباب الأول في مصادر التشريع الإسلامي

стр. 121

مقدمة إن الله خلق آدم، وخلقه في أحسن تقويم، واصطفاه على غيره من المخلوقات، وجعله خليفة على الأرض، وسخر له الكون وما فيه من شمس وقمر ونجوم وأنهار وبحار ودواب، وعندما خلق الله الإنسان لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه سدى، وإنما أنزل عليه الوحي هدى وإرشادًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٨] وأرسل الله لكل قوم أو أمة نبيًّا أو رسولًا، يعلمهم العقيدة ويرسم لهم نظام الحياة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] كل ذلك ليلتزم الإنسان بشريعة الله وهداه، ويتمسك بأحكامه ومبادئه، وهذا يوجب أن يحقق الإنسان خلافة الله ويطبق شريعته، ويعض عليها بالنواجذ، ويحتكم إليها، وإلا اعتبر شاذًّا ومنحرفًا وكافرًا وفاسقًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] الكافرون كالظالمون، وكان من صفات المؤمنين الاستسلام لحكم الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١]. فأحكام الله تعالى وشريعته جاءت لهداية الناس وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وهذه الأحكام الشرعية لها أدلة تدل عليها، ومصادر تؤخذ منها،

стр. 122

لتكون مطابقة لإرادة الله تعالى، ومتجنبة حكم الطواغيت والأهواء والشهوات والقوانين الوضعية. الأدلة والمصادر: والأدلة: جمع دليل، وهو في اللغة: المرشد إلى الشيء، سواء كان حسيًّا أو معنويًّا، وفي الاصطلاح: هو ما يمكن بالنظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي على سبيل العلم أو الظن، كما سبق (١). فالطرق والوسائل التي نتوصل بها إلى معرفة حكم الله تعالى تسمى: الأدلة الشرعية أو أدلة التشريع، وتسمى أيضًا: أصول الشرع، أو أصول التشريع؛ لأن الأصل لغة: هو ما يبنى عليه غيره، ويستند إليه في تحقيق العلم ويرجع إليه، أو هو الدليل عند الفقهاء وعلماء الأصول كما سبق (٢)، كما تسمى هذه الأدلة: مصادر التشريع؛ لأن المصدر ما يتفرع عنه غيره، وتنبع منه الأشياء، فمصدر التشريع هو ما تؤخذ منه الأحكام الشرعية. وقد رجحنا التسمية الأخيرة لحصرها في الدلالة على المطلوب، فالدليل مشترك بين الدليل الأساسي في الأصول، وبين الدليل الفرعي في الفقه، ويغلب استعماله عند الأصوليين في أدلة الأحكام الفرعية، أو في الأدلة الكلية، كالأمر للوجوب في قواعد الأصول، ولفظ أصول قد

стр. 123

يوهم المعنى المراد في القياس، وقد ينصرف إلى أصول الدِّين في العقيدة وعلم الكلام. ومصادر التشريع التي يعتمد عليها العلماء لمعرفة أحكام الله تعالى كثيرة بالعد، وقد تصل إلى نيف وعشرين مصدرًا، أهمها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا والعرف وسد الذرائع (١). ولا بد من التنبيه إلى أن المصدر الحقيقي -في نظر المسلم- هو مصدر سماوي، لا وضعي، وأن مصدر التشريع الوحيد -بإجماع المسلمين- هو الله ، ولا مشرع سواه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ويتجلى هذا المصدر السماوي بالقرآن الكريم، وبما أشار إليه القرآن الكريم، وإن بقية المصادر متابعة للقرآن الكريم، أو مبينة وكاشفة لحكم الله تعالى، وليست منشئة للحكم، فالمسلم لا يقبل إلا حكم الله تعالى. تقسيم مصادر التشريع: تقسم هذه المصادر عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فتقسم من حيث أصلها إلى مصادر نقلية كالكتاب والسنة والإجماع والعرف وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي، وهي التي لا دخل للمجتهد فيها، وتوجد قبل المجتهد، ومصادر عقلية وهي التي يظهر في تكوينها ووجودها أثر المجتهد، وهي القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وهذان القسمان متكاملان؛ لأن الاستدلال بالدليل النقلي لا بد فيه من

стр. 124

بذل الجهد والتدبر والنظر، والاستدلال بالمعقول لا بد أن يكون معتمدًا على النقل، وإن مصادر الشريعة لا تنافي قضايا العقول (١). وتنقسم المصادر من حيث استقلالها إلى قسمين، الأول: ما هو أصل مستقل بنفسه في إثبات الأحكام مثل الكتاب والسنة والإجماع والعرف ومذهب الصحابي، والثاني: ما لا يكون أصلًا مستقلًا، ويحتاج إلى أصل فيه، كالقياس والاستحسان وسد الذرائع، وهذا القسم يكون مُظْهِرًا للحكم لا مثبتًا له (٢). وتنقسم المصادر من حيث الاتفاق عليها إلى قسمين، الأول: مصادر متفق عليها بين جماهير أهل السنة والجماعة، وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس (٣)، وإن الاستدلال بها مرتب على هذا الشكل، والدليل على ذلك من القرآن والسنة وعمل الصحابة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:

стр. 125

٥٩] , فالآية تدل على أحكام الله في الكتاب والسنة وإجماع أهل الحل والعقد، فإن لم يوجد فيها حكم، واختلف العلماء في المسألة فيقيسونها على النص، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] , ولحديث معاذ بن جبل في القضاء والحكم، واتفاق المسلمين في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي على الرجوع إلى الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس (١)، والقسم الثاني مصادر مختلف فيها، وهي الاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة والعرف وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي وسد الذرائع، وتسمى المصادر الأولى: أصلية، والثانية: مصادر تبعية؛ لأنها ترجع إلى الأولى (٢). وهذا التقسيم الأخير هو أهم تقسيم للمصادر، ولهذا نشرع بدراسة هذه المصادر بمشيئة الله، فنعطي فكرة عامة وتعريفًا مختصرًا لها، في الفصلين القادمين.

стр. 126

الفصل الأول في المصادر المتفق عليها اتفق العلماء على اعتبار القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع والقياس مصادر أصلية لاستنباط الأحكام الشرعية منها، وسوف ندرس هذه المصادر دراسة موجزة في هذا الفصل، فنبين تعريف كل منها وحجيته وأحكامه، وذلك في أربعة مباحث.

стр. 127

المبحث الأول في الكتاب الكريم وهو القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله ﷺ ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. والكتاب هو القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى استعمل كلا اللفظين بمعنى واحد، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن: ١] وهو كلام الله تعالى المكتوب في المصحف ليكون دستور المسلمين الخالد. والكتاب الكريم أول مصادر التشريع، وأهم هذه المصادر، وهو عمدة الشريعة، وأصل أدلتها، وإن مصادر التشريع جميعها ترجع إليه، إما لأنها راجعة إليه في البيان والتوضيح، وإما لأنها تعتبر حجة ومصدرًا لدلالة القرآن الكريم عليها. ونتناول دراسة هذه المصادر في ثلاثة مطالب:

стр. 128

المطلب الأول: في تعريف الكتاب، وما يتفرع عن ذلك من بحوث. المطلب الثاني: في حجية الكتاب، وما يتصل بذلك من إعجاز القرآن الكريم. المطلب الثالث: في أحكام الكتاب التي وردت فيه.

стр. 129

المطلب الأول في تعريف الكتاب الكريم الكتاب لغة: يطلق على المكتوب وعلى الكتابة، والفعل كتب بمعنى: حكم وقضى وأوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] , أي: أوجبه، وكتب القاضي بالنفقة: قضى بها وحكم، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] , أي: حكم، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة (١). أما تعريف الكتاب في الاصطلاح فلا يحتاج إلى تعريف لأنه معروف للجميع، دون أن يلتبس أمره على إنسان، سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، كبيرًا أم صغيرًا، عربيًّا أم عجميًّا، وإنما نص العلماء على تعريفه لبيان ما يكون حجة في استنباط الأحكام، وما يتعبد بتلاوته، وما تجوز به الصلاة، وما يكفر به جاحده، وغير ذلك من العناصر الهامة والخصائص الرئيسية (٢). وأشهر هذه التعريفات عندهم هو: الكتاب: هو كلام الله تعالى، المنزل على سيدنا محمَّد ﷺ ، باللفظ

стр. 130

العربي، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب بالمصاحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس (١). شرح التعريف: ١ - كلام الله تعالى: القرآن الكريم كلام الله تعالى، والكلام جنس يشمل كل كلام، ويدخل في ذلك كلام الله المنزل على جميع الرسل، ويشمل كلام الله الأزلي النفسي والمنزل، وإضافته إلى الله تعالى لتمييزه عن كلام من سواه، ويخرج من التعريف كلام المخلوقات من إنس وجن وملائكة، وتخرج السنة النبوية والأحاديث القدسية؛ لأنها من كلام سيدنا محمَّد ﷺ وألفاظه، وإن كانت معانيها من عند الله تعالى. ٢ - المنزل على سيدنا محمَّد: أي: كلام الله الذي نزل به جبريل الأمين، ونقله من اللوح المحفوظ، ووقر في قلب محمَّد ﷺ ، وأول ما نزل منه قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ ومن أول ما نزل أيضًا سورة المدثر وسورة الضحى وسورة الفاتحة، واستمر نزول القرآن الكريم ثلاثًا وعشرين سنة منذ أول البعثة حتى السنة العاشرة

стр. 131

للهجرة (١)، وكان آخر ما نزل في حجة الوداع قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] , ثم نزل بعدها قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) ...﴾ سورة النصر، وآخر آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١] وتسمى الآيات والسور التي نزلت بمكة بالمكيَّة، وتسمى الآيات والسور التي نزلت بالمدينة بالمدنيَّة، ولكل منها طابع خاص في النظم والمعنى. ويخرج من التعريف الكتب السماوية التي أنزلت على الرسل السابقين، من كلام الله تعالى في التوراة المنزل على موسى، وكلام الله تعالى في الإنجيل المنزل على عيسى، وهذا ينطبق عليهما قبل التبديل والتغيير والتحريف. ويخرج بالمنزل كلام الله النفسي القائم بالذات، وما استأثر الله به في نفسه. ٣ - باللفظ العربي: القرآن الكريم عربي النظم والمعنى، نزل بلغة قريش، وليس فيه لغة أجنبية أخرى، والقرآن الكريم نظمه ومعناه من عند الله تعالى، أما الحديث فإن معناه منزل على الرسول ﷺ ، وأما لفظه ونظمه فهو من عند محمَّد ﵊.

стр. 132

وإذا ظن الإنسان وجود بعض الألفاظ غير العربية في القرآن الكريم فهو إما أن يكون من لهجة عربية غير لهجة قريش، أو من الألفاظ العربية التي اندثر استعمالها ثم أحياها القرآن الكريم، أو أنها لفظ عربي قديم انتقل إلى اللغة الأعجمية ثم نسيه العرب فذكره القرآن، أو أن يكون اللفظ معربًا، ودخل إلى العربية فصار عربيًّا، وإن اشتمل القرآن الكريم على كلمتين أو ثلاث أصلها أعجمي، أو ذكر أسماء الأعلام الأعجمية مما يستعمله العرب في لسانهم، فهذا لا يخرج القرآن عن كونه عربيًّا (١). والآيات التي تؤكد أن القرآن منزل بالعربية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢] وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر: ٢٨] وقوله تعالى في بيان سخف الكفار وتناقضهم في التفكير عندما نسبوا القرآن إلى رجل أعجمي (٢) يعلم رسول الله فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣] وأكد القرآن الكريم أنه أرسل محمدًا ﷺ في الأمة العربية في آيات كثيرة، وأن كل نبي يُرسل بلغة قومه ليبين لهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ

стр. 133

رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. وأما المسلم غير العربي فيجب عليه أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، ليستطيع تحقيق الإيمان, وأداء العبادات، وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، كما قال الشافعي في الرسالة (١)، وقد كان فضل القرآن على العرب عظيمًا جدًّا، فوحد لغاتهم وجمع شملهم، وحفظ اللغة من التطور والتغيير والتبديل (٢). ويتفرع عن ذلك أنه لا يصح تغيير لفظ في القرآن الكريم بلفظ مرادف له، وإن كان مطابقًا له في المعنى، كما لا يصح ترجمته، ونقله إلى لغة أخرى؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى نزل باللفظ العربي. ٤ - المنقول إلينا بالتواتر: التواتر في اللغة: التتابع، وفي الاصطلاح: هو ما رواه جماعة عن جماعة، يؤمن تواطؤهم على الكذب، والتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا يحتمل غيره، والقرآن الكريم وصل إلينا بالتواتر، فكان صحابة رسول الله ﷺ يتلقون القرآن الكريم عنه، ويحفظونه بقلوبهم، ويكتبونه على الألواح، وبلغ عدد كتّاب الوحي أربعين صحابيًّا، بينما يسمع بقية الصحابة القرآن، ثم انتقل عن جمهور الصحابة إلى جماهير التابعين الذين حفظوه أيضًا في الصدور والكتب، ونقلوه إلى من بعدهم حتى وصل إلينا كما نزل عن طريق التواتر جيلًا بعد جيل، كتابة ومشافهة في كل عصر بما يؤمن تواطؤهم على الكذب. ويشترط في التواتر أن يبلغ عدد الرواة حدًّا يحيل العقل تواطؤهم

стр. 134

على الكذب، وأن يتوفر هذا العدد في كل طبقة على مر الزمان وتعاقب القرون، واختلف العلماء في العدد الذي يتحقق به التواتر، ولكنهم اتفقوا على الضابط فيه وهو أن تشعر النفس باليقين والطمأنينة فيهم. وهذا النقل بالتواتر هو من فضل الله على هذه الأمة بحفظ كتابها، لأن حفظ القرآن هو أساس حفظ الشريعة، ومصدر الفقه الإِسلامي الذي توزن به أعمال المسلمين، وأن النقل بالتواتر كتابة وحفظًا جعل القرآن الكريم قطعي السند، فإن ثبوته يقيني لا مجال للشك فيه، ولا يحتمل الخطأ والتغيير، فالقرآن قطعي الثبوت. واتفق المسلمون جميعًا على أن اللفظ أو القراءة غير المتواترة لا تعتبر قرآنًا، ولو كانت مشهورة، ولا تصح بها الصلاة، ولا يتعبد بتلاوتها، كالقراءة الشاذة والمشهورة؛ لأنه يستحيل في العرف والعادة أن يهمل ذلك، ولا ينقل بالتواتر مع توفر الدوافع على حفظه (١). ٥ - المتعبد بتلاوته: هذه خاصيّة مهمة في القرآن الكريم تميزه عن غيره، وتفتح أمام المسلم بابًا من أبواب العبادة، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى، ولذا فإن تلاوته وقراءته عبادة، سواء كانت من الحفظ أم من المصحف، قيامًا أم قعودًا، في السفر أم في الحضر، في الليل أم في النهار، وجاءت أحاديث كثيرة تبين ذلك، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها, لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" (٢)،

стр. 135

وعن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" (١)، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (٢). ولا تصح الصلاة من المسلم إلا بتلاوة القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٣). أما الأحاديث القدسية والأقوال النبوية فلا يتعبد بتلاوتها, ولا تصح الصلاة فيها؛ لأن ألفاظها من عند النبي ﷺ ، كما تخرج الآيات المنسوخة اللفظ، سواء بقي حكمها أم لا؛ لأنها لم تبق قرآنًا، ولا يصح التعبد بتلاوتها (٤). ٦ - المكتوب في المصاحف: المصاحف جمع مصحف، والمصحف مجمع الصحف، فكتاب الله تعالى دونه كُتّاب الوحي في حياة رسول الله ﷺ ، وجمع ألواحه أبو بكر ﵁، ثم نسخه عثمان ﵁ في ستة أو سبعة مصاحف، ونشره في الأمصار الإِسلامية، لتوحيد قراءتها، ومنع الاختلاف بين المسلمين في كتابهم، وحصر العلماء كتابة المصحف بالرسم العثماني الذي كتب في عهد عثمان ﵁، للحفاظ التام والكامل على الشكل والمضمون لكتاب الله تعالى، ولذلك يشترط لصحة القراءة أن تكون موافقة للرسم

стр. 136

العثماني، وإلا كانت القراءة شاذة غير مقبولة (١). ويخرج من الكتاب ما نسخت تلاوته وبقي حكمه، مثل: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله". ٧ - المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس: وهذا التحديد لأوله وآخره زيادة في الاحتياط حتى لا يزاد فيه دعاء أو ثناء أو سورة أو غير ذلك، وهذا الترتيب لسور القرآن الكريم وآياته توقيفي عن رسول الله عن جبريل عن رب العزة، ولا يجوز تغييره ولا تبديله (٢). ويتفرع عن التعريف عدة حالات أهمها: أولًا: ترجمة القرآن ليست قرآنًا: لأن الكتاب نظمه ومعناه من عند الله تعالى، وأن القرآن اسم للنظم والمعنى، فالنظم هو عبارات القرآن الكريم وألفاظه، والمعنى هو ما تدل عليه العبارة والنظم، أما المعنى فقط فليس بقرآن، ولذلك فإن الترجمة إلى لغة أجنبية مهما كانت دقيقة وكاملة لا تعد قرآنًا، ولا يصح الاستنباط من الترجمة؛ لأن فهم المراد من الآيات لترجمتها يحتمل الخطأ، لوجود الحقيقة والمجاز، والمشترك، والعام، والخاص، والتعبير بألفاظ لغة أخرى عن معاني القرآن يحتمل الخطأ أيضًا، وهذان

стр. 137

الاحتمالان واقعان وملموسان، ولذا فالترجمة لا تكون قطعية في القرآنية، والقرآن بلفظه ومعناه نزل باللغة العربية دون ما عداها (١). ولكن يصح ترجمة معاني القرآن الكريم، بأن يضع العلماء له تفسيرًا مختصرًا يوضح معناه، ويبين أحكامه، ويقوم بعض العلماء الثقات العدول الذين يتقنون اللغة العربية ويجيدون اللغة الأجنبية بترجمة هذه المعاني، ولا يصح أن يطلق على الترجمة اسم: القرآن، أو: كتاب الله، وإنما يطلق عليها: تفسير، أو: معاني القرآن الكريم، وتأكيدًا لذلك واحتياطًا للأمر يقترح العلماء أن يطبع القرآن الكريم بنصه ولفظه العربي في منتصف الصفحة، ويطبع التفسير باللغة الأجنبية على هامشه، ليشار إلى الأصل باستمرار. وهذه الترجمة لا تعتبر قرآنًا، ولا يستنبط منها أحكام الله تعالى، ولا يحتج بصيغتها وعبارتها, ولا تثبت لها أحكام القرآن الكريم، ولا تصح بها الصلاة، ولا يتعبد بتلاوتها. ونقل عن الإِمام أبي حنيفة أنه أجاز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة من غير عذر؛ لأنه لم يجعل النظم ركنًا لازمًا في القرآن، ويسقط لزوم النظم عنده رخصة إسقاط، مع وجوب الاعتقاد بنزول النظم وحرمة كتابة المصحف بالفارسية وحرمة المداومة والاعتياد على القراءة بالفارسية (٢).

стр. 138

وروي أن الإِمام أبا حنيفة رجع عن هذا الرأي، ووافق الصاحبين في عدم القراءة بالفارسية لغير عذر؛ لأن النظم العربي ركن في القرآن، ولكن الإِمام وصاحبيه أجازوا قراءة القرآن بالفارسية أو بغيرها للعذر عند عدم العلم بالعربية أو عدم انطلاق اللسان بها، ويكون ذلك بمثابة ذكر وتسبيح لله تعالى؛ لأن العاجز سقطت عنه القراءة فيذكر الله تعالى ويسبحه بلغته، بينما ذهب الأئمة الثلاثة إلى أن العاجز عن العربية وقراءة القرآن يصلي ساكتًا بلا قراءة، وتسقط عنه للعجز (١). ثانيًا: القراءة المشهورة والقراءة الشاذة: ويتفرع عن اشتراط التواتر في نقل القرآن الكريم أن القراءة غير المتواترة سواء أكانت مشهورة أم كانت شاذة، وخارجة عن نطاق المصحف العثماني والقراءات السبع، فإنها لا تعتبر قرآنًا، ولا يتعبد بتلاوتها, ولا تصح الصلاة بها باتفاق المسلمين (٢). وإنما ذهب بعض العلماء إلى الاحتجاج بالقراءة المشهورة أو الشاذة على أنها سنة ثابتة، وخالفهم الجمهور في ذلك، وسبق بيان الآراء في أسباب الاختلاف. ثالثًا: هل البسملة من القرآن: اتفق المسلمون على أن "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" بعض آية من القرآن الكريم في سورة النمل، ثم اختلفوا في كونها آية من أوائل السور على ثلاثة أقوال:

стр. 139

القول الأول: أن البسملة آية من القرآن الكريم في أول كل سورة أو مع الآية الأولى من كل سورة إلا في سورة التوبة، وهو قول الشافعي. واستدل على ذلك أن البسملة منزلة على رسول الله ﷺ مع أول كل سورة، لما روى ابن عباس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله في أول كل سورة" (١)، وأنها كتبت مع القرآن بأمر الرسول ﷺ , وأن المسلمين أثبتوها في مصحف عثمان بالإجماع، مع تصلب الصحابة في الدِّين، وتشدُّدِهم في حفظ القرآن، ومنع الزيادة أو كتابة أسماء السور والنقط والتعشير (٢)، وروت أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فعدَّها آية (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات، أولهنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (٤). القول الثاني: أن البسملة ليست آية في أوائل السور مطلقًا، وهو قول المالكية ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، واستدلوا بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، أي بدون تسمية، واستدلوا

стр. 140

بعمل أهل المدينة الذين لا يعتبرونها من القرآن الكريم، وعمل أهل المدينة حجة عند المالكية؛ لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسول ﷺ وما كان يعمله، وأن البسملة في أوائل السور للفصل بينها فقط (١)، وفي الحديث القدسي "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله ... ". القول الثالث: أن البسملة آية واحدة من القرآن الكريم، وليست جزءًا من أوائل السور، بل وضعت للفصل بينها والتبرك فيها، وهو قول الحنفية، واستدلوا على كونها آية أنها كتبت في القرآن بأمر رسول الله، وأنها داخلة بين دفتي المصحف ومكتوبة بخط القرآن الكريم، وأن تواترها في أوائل السور لا يستلزم تواترها كآية، وإنما أنزلت للفصل، لحديث ابن عباس السابق، كما ترك قراءتها نصف القراء؛ لأنه ثبت عندهم أن رسول الله ﷺ تركها عند قراءة السور، وقراءة القراء متواترة، ولهذه الاحتمالات والشبه فإن منكرها لا يكفر (٢). قال الشوكاني: والحق أنها آية في كل سورة لوجودها في رسم المصحف، وذلك هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن، ثم الإجماع على ثبوتها خطأ في المصحف في أوائل السور، ولم يخالف في ذلك من لم يثبت كونها قرآنًا من القراء وغيرهم، وبهذا حصل الركن الثاني وهو النقل مع كونه نقلًا إجماعيًّا بين جميع الطوائف، وأما الركن الثالث وهو موافقتها للوجه الإعرابي والمعنى العربي فذلك ظاهر (٣).

стр. 141

المطلب الثاني في حجية الكتاب الكريم اتفق المسلمون قاطبة على حجية الكتاب الكريم، وأنه يجب العمل بما ورد فيه والرجوع إليه لمعرفة حكم الله تعالى ولا يجوز العدول عنه إلى غيره من مصادر التشريع إلا إذا لم يقف العالم على الحكم في القرآن الكريم، وذلك لأن الكتاب هو كلام الله تعالى الذي جاء بالشريعة السماوية للناس (١)، والدليل على ذلك ما يلي: ١ - الكتاب منقول إلينا بالتواتر، فهو ثابت قطعًا إلى رسول الله ﷺ الصادق الأمين الذي نقله عن جبريل عن اللوح المحفوظ، والتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي الذي لا يحتمل غيره. ٢ - جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنطق أن هذا الكتاب من عند الله تعالى، منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران: ٢، ٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وقوله تعالى:

стр. 142

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩] وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] , وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ [الإنسان: ٢٣]. ٣ - إعجاز القرآن الكريم، وهو الدليل الجازم على كون القرآن الكريم من كلام الله تعالى، أنزله على محمَّد ﷺ ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله. والقرآن الكريم معجزة الله الخالدة على صدق نبوة محمَّد ﷺ ، وإن الأحكام الواردة فيه أحكام الله تعالى أنزلها هداية للناس وإرشادًا (١). وهذا يقتضي منا أن نبين معنى الإعجاز وشروطه ووجوهه. أولًا: معنى الإعجاز: الإعجاز لغة: نسبة العجز إلى الغير، من عَجَزَ عنه أي: ضعف، والمعجزة هي إعجاز الخصم عن التحدي، والهاء للمبالغة، يقال: أعجز الرجل أخاه إذا أثبت عجزه عن شيء (٢). والإعجاز في القرآن هو قصد إظهار صدق النبي في دعوى الرسالة، بفعل خارق للعادة، وإعجاز القرآن ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طرق البشر، ولهذا عجزوا عن معارضته عند تحديهم، والإعجاز في الكلام هو أن يؤدى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق (٣). وقد أعطى الله تعالى كل نبي معجزة أو أكثر، للدلالة على صدق

стр. 143

نبوته، وكانت معجزات الأنبياء تتناسب مع أهل زمانهم، ففي عهد موسى ﵇ شاع السحر، وانتشر في بقاع الأرض، فكانت معجزته في العصا واليد، وتحداهم وتغلب عليهم، وفي عصر عيسى ﵇ ترقى الطب فكانت معجزته إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والشفاء من الأمراض المستعصية بإذن الله ومشيئته، فاقروا بنبوته وآمنوا به، وفي الجزيرة العربية سادت البلاغة والفصاحة والبيان والشعر العربي، فكانت معجزة محمَّد ﵊ القرآن الكريم الذي نزل بلغة العرب وألفاظهم وحروفهم، فعجز أئمتهم عن الإتيان بمثله، فصدقوا به وآمنوا برسالته، وعلموا أن هذا الكلام لا يقوله بشر، بل هو من عند الله تعالى. وامتازت معجزة محمَّد ﵊ على المعجزات الأخرى أنها معجزة حية باقية خالدة في كل عصر، ودائمة في كل زمان (١)، قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء قبلي إلا أعطي من الآيات -المعجزات- ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (٢). ثانيًا: شروط الإعجاز: ويشترط في تحقيق الإعجاز لإثبات العجز للغير أن تتوفر في المعجزة الشروط التالية (٣)، وهي: الشرط الأول التحدي: وهو طلب المباراة والمنازلة والمعارضة: وقد تحقق هذا الشرط في إعجاز القرآن الكريم، وذلك أن محمَّد بن

стр. 144

عبد الله أخبر الناس أنه رسول الله بعثه الله تعالى إلى الناس بشيرًا ونذيرًا بين يدي عذاب أليم، والدليل الذي يؤكد صدق دعوته هذا القرآن الكريم الذي هو من كلام الله تعالى أوحاه إلى محمَّد معجزة له، وتحدى البشر على أن يأتوا بمثله، واستمر هذا التحدي عدة سنوات، ومر بثلاث مراحل، وهي: المرحلة الأولى: التحدي بأن يأتوا بكتاب مثل القرآن الكريم في جميع نواحيه، فقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٤٩، ٥٠] , وزاد القرآن الكريم في التحدي بل في السخرية منهم وتأكيد العجز ولو تساعد الإنس والجن على ذلك فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. المرحلة الثانية: عندما عجز المشركون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم كاملًا، تحداهم وبيَّن عجزهم عن الإتيان بعشر سور مثله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ [هود: ١٣، ١٤]. المرحلة الثالثة: ولما عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور تحداهم بسورة منه، وطلب المعارضة بذلك، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤] ومع كل ذلك فقد وقفوا حيارى مبهوتين عن الإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله (١).

стр. 145

الشرط الثاني: أن يوجد المقتضي الذي يدفع المتحدي إلى المباراة والمنازلة ، فهل كان هناك دافع للعرب الكفار لمعارضة القرآن، وأن ينازلوا محمدًا في الإتيان بمثل كتابه؟. والجواب واضح وظاهر؛ لأن الكفار في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، ويقدسون الأوثان، ويقلدون الآباء، ويتبعون الأجداد، فجاء رسول الله بدين جديد يبطل دينهم، ويسخر من آلهتهم، ويسفه عقولهم، ويهزأ من أصنامهم، وفرق شملهم بدعوته لله، وأنه رسول الله، وأن القرآن معجزته التي تحداهم بها، فكان الدافع قويًّا وشديدًا إلى التحدي، وكانوا حريصين على تكذيب دعواه، وإبطال نبوته ومعجزته، ودحض حجته، لتبقى لهم الآلهة والأصنام، ويستمروا في تقليد الآباء والأجداد والدفاع عنهم والسير على سننهم ومنوالهم. الشرط الثالث: أن ينتفي المانع من المباراة والمعارضة والمنازلة ، وهذا الشرط متحقق في العرب الذين تحداهم رسول الله، فالقرآن نزل بلغة عربية، ويتألف من أحرف الهجاء التي ينطقون بها، وعباراته عربية، وأسلوبه عربي مبين، ومن جهة أخرى فالعرب وقتئذ في مكة وغيرها هم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، اشتهروا بذلك وتباروا بينهم، وعقدوا الندوات والأسواق للشعراء والخطباء والفصحاء، فهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة وأمراء البيان، ومن جهة ثالثة فإن أقوالهم مملوءة بالحكم، وأشعارهم ثرية بالمواعظ والإرشاد، وحياتهم تدل على نضج العقل وكثرة التجارب في هذا الميدان، وطلب منهم القرآن الكريم أن يتجمعوا، وأن يُعين بعضهم بعضًا، وأن يستمدوا النصرة من آلهتهم وإنسهم وجنهم، وأن يستعينوا بشهدائهم، وبقي الأمر كذلك على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذا يؤكد إنتفاء المانع من المعارضة في الإتيان بمثل هذا القرآن، مع ما أصابهم من خزي وعار، وما تبع عجزهم من اللجوء إلى الحرب وسفك الدماء، وهذا أشد
следующие страницы →