المطلب الثاني في حجية الكتاب الكريم
اتفق المسلمون قاطبة على حجية الكتاب الكريم، وأنه يجب العمل بما ورد فيه والرجوع إليه لمعرفة حكم الله تعالى ولا يجوز العدول عنه إلى غيره من مصادر التشريع إلا إذا لم يقف العالم على الحكم في القرآن الكريم، وذلك لأن الكتاب هو كلام الله تعالى الذي جاء بالشريعة السماوية للناس (١)، والدليل على ذلك ما يلي:
١ - الكتاب منقول إلينا بالتواتر، فهو ثابت قطعًا إلى رسول الله ﷺ الصادق الأمين الذي نقله عن جبريل عن اللوح المحفوظ، والتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي الذي لا يحتمل غيره.
٢ - جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنطق أن هذا الكتاب من عند الله تعالى، منها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ [آل عمران: ٢، ٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وقوله تعالى:
стр. 142
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩] وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] , وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ [الإنسان: ٢٣].
٣ - إعجاز القرآن الكريم، وهو الدليل الجازم على كون القرآن الكريم من كلام الله تعالى، أنزله على محمَّد ﷺ ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله.
والقرآن الكريم معجزة الله الخالدة على صدق نبوة محمَّد ﷺ ، وإن الأحكام الواردة فيه أحكام الله تعالى أنزلها هداية للناس وإرشادًا (١).
وهذا يقتضي منا أن نبين معنى الإعجاز وشروطه ووجوهه.
أولًا: معنى الإعجاز:
الإعجاز لغة: نسبة العجز إلى الغير، من عَجَزَ عنه أي: ضعف، والمعجزة هي إعجاز الخصم عن التحدي، والهاء للمبالغة، يقال: أعجز الرجل أخاه إذا أثبت عجزه عن شيء (٢).
والإعجاز في القرآن هو قصد إظهار صدق النبي في دعوى الرسالة، بفعل خارق للعادة، وإعجاز القرآن ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طرق البشر، ولهذا عجزوا عن معارضته عند تحديهم، والإعجاز في الكلام هو أن يؤدى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق (٣).
وقد أعطى الله تعالى كل نبي معجزة أو أكثر، للدلالة على صدق
стр. 143
نبوته، وكانت معجزات الأنبياء تتناسب مع أهل زمانهم، ففي عهد موسى ﵇ شاع السحر، وانتشر في بقاع الأرض، فكانت معجزته في العصا واليد، وتحداهم وتغلب عليهم، وفي عصر عيسى ﵇ ترقى الطب فكانت معجزته إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والشفاء من الأمراض المستعصية بإذن الله ومشيئته، فاقروا بنبوته وآمنوا به، وفي الجزيرة العربية سادت البلاغة والفصاحة والبيان والشعر العربي، فكانت معجزة محمَّد ﵊ القرآن الكريم الذي نزل بلغة العرب وألفاظهم وحروفهم، فعجز أئمتهم عن الإتيان بمثله، فصدقوا به وآمنوا برسالته، وعلموا أن هذا الكلام لا يقوله بشر، بل هو من عند الله تعالى.
وامتازت معجزة محمَّد ﵊ على المعجزات الأخرى أنها معجزة حية باقية خالدة في كل عصر، ودائمة في كل زمان (١)، قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء قبلي إلا أعطي من الآيات -المعجزات- ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (٢).
ثانيًا: شروط الإعجاز:
ويشترط في تحقيق الإعجاز لإثبات العجز للغير أن تتوفر في المعجزة الشروط التالية (٣)، وهي:
الشرط الأول التحدي: وهو طلب المباراة والمنازلة والمعارضة:
وقد تحقق هذا الشرط في إعجاز القرآن الكريم، وذلك أن محمَّد بن
стр. 144
عبد الله أخبر الناس أنه رسول الله بعثه الله تعالى إلى الناس بشيرًا ونذيرًا بين يدي عذاب أليم، والدليل الذي يؤكد صدق دعوته هذا القرآن الكريم الذي هو من كلام الله تعالى أوحاه إلى محمَّد معجزة له، وتحدى البشر على أن يأتوا بمثله، واستمر هذا التحدي عدة سنوات، ومر بثلاث مراحل، وهي:
المرحلة الأولى: التحدي بأن يأتوا بكتاب مثل القرآن الكريم في جميع نواحيه، فقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٤٩، ٥٠] , وزاد القرآن الكريم في التحدي بل في السخرية منهم وتأكيد العجز ولو تساعد الإنس والجن على ذلك فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
المرحلة الثانية: عندما عجز المشركون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم كاملًا، تحداهم وبيَّن عجزهم عن الإتيان بعشر سور مثله، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ [هود: ١٣، ١٤].
المرحلة الثالثة: ولما عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور تحداهم بسورة منه، وطلب المعارضة بذلك، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤] ومع كل ذلك فقد وقفوا حيارى مبهوتين عن الإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله (١).
стр. 145
الشرط الثاني: أن يوجد المقتضي الذي يدفع المتحدي إلى المباراة والمنازلة ، فهل كان هناك دافع للعرب الكفار لمعارضة القرآن، وأن ينازلوا محمدًا في الإتيان بمثل كتابه؟.
والجواب واضح وظاهر؛ لأن الكفار في الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام، ويقدسون الأوثان، ويقلدون الآباء، ويتبعون الأجداد، فجاء رسول الله بدين جديد يبطل دينهم، ويسخر من آلهتهم، ويسفه عقولهم، ويهزأ من أصنامهم، وفرق شملهم بدعوته لله، وأنه رسول الله، وأن القرآن معجزته التي تحداهم بها، فكان الدافع قويًّا وشديدًا إلى التحدي، وكانوا حريصين على تكذيب دعواه، وإبطال نبوته ومعجزته، ودحض حجته، لتبقى لهم الآلهة والأصنام، ويستمروا في تقليد الآباء والأجداد والدفاع عنهم والسير على سننهم ومنوالهم.
الشرط الثالث: أن ينتفي المانع من المباراة والمعارضة والمنازلة ، وهذا الشرط متحقق في العرب الذين تحداهم رسول الله، فالقرآن نزل بلغة عربية، ويتألف من أحرف الهجاء التي ينطقون بها، وعباراته عربية، وأسلوبه عربي مبين، ومن جهة أخرى فالعرب وقتئذ في مكة وغيرها هم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، اشتهروا بذلك وتباروا بينهم، وعقدوا الندوات والأسواق للشعراء والخطباء والفصحاء، فهم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة وأمراء البيان، ومن جهة ثالثة فإن أقوالهم مملوءة بالحكم، وأشعارهم ثرية بالمواعظ والإرشاد، وحياتهم تدل على نضج العقل وكثرة التجارب في هذا الميدان، وطلب منهم القرآن الكريم أن يتجمعوا، وأن يُعين بعضهم بعضًا، وأن يستمدوا النصرة من آلهتهم وإنسهم وجنهم، وأن يستعينوا بشهدائهم، وبقي الأمر كذلك على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذا يؤكد إنتفاء المانع من المعارضة في الإتيان بمثل هذا القرآن، مع ما أصابهم من خزي وعار، وما تبع عجزهم من اللجوء إلى الحرب وسفك الدماء، وهذا أشد
стр. 146
عليهم من التحدي بالمعجزة.
فالإعجاز قد تم وتحقق، وأن القرآن الكريم هو كلام الله، ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثل سورة منه، وأنه دليل على صدق نبوة محمَّد ﷺ ، وأنه معجزة من عند الله تعالى، يتقبله المؤمن بصدر رحب، ويرجع إليه لمعرفة حكم الله تعالى، قال الله : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
ثالثًا: وجوه إعجاز القرآن الكريم:
بعد أن تبين أن القرآن الكريم معجزة، وأنه أعجز البشر عن المجيء بمثله، فما هي أوجه الإعجاز التي اشتمل عليها؟.
إن القرآن الكريم كلام الله تعالى معجزة في مناحية من نواحيه، وإن العقل البشري في عصر ما قاصر عن حصر أوجه الإعجاز، وإنه معجزة لرسول الله في حياته وبعد مماته إلى أن تقوم الساعة، وإنه برهان أكيد دائم على نبوة محمَّد ﷺ ، ولذلك لا يمكن حصر أوجه الإعجاز فيه، وكلما ازداد النظر والتدبر في كتاب الله تعالى تجلت أنواع جديدة في إعجازه، وكلما تقدم العلم وتطورت وسائله تكشفت أوجه أخرى في الإعجاز، وكلما سار الزمن ظهرت معجزات القرآن الكريم، وتأكد أنه كلام الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ويطلع على أسرار الكون القديمة والحاضرة والمسقبلة، وأن الزمن مكشوف أمام الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
ومع ذلك حاول العلماء حصر أوجه الإعجاز بما يلي (١):
стр. 147
١ - اتساق ألفاظه وعباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته:
فالقرآن الكريم كتاب كبير، شامل لموضوعات مختلفة في العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، وتحدث عن الخالق والإنسان والكون والمجتمع، ومع ذلك تجد الاتساق الكامل في اختيار الألفاظ، وتناسق العبارات، وعظمة المعاني وشمول الأحكام، وإتقان النظريات العلمية فيه، دون أن يكون فيه وهن أو ركاكة أو ضعف أو تناقض أو تعارض أو اختلاف، وذلك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
فالأسلوب بليغ في جميع السور والآيات، والألفاظ فصيحة من أوله إلى آخره، والعبارات راقية في كل جانب من جوانبه، مع كثرة آياته التي تزيد عن ستة آلاف وستمائة آية، ومع امتداد الفترة الزمنية التي نزل فيه خلال ثلاث وعشرين سنة، وما ذلك إلا لأنه كلام الله تعالى المنزل على محمد بن عبد الله ﷺ .
ويلاحظ المتأمل اختلاف أسلوب القرآن الكريم حسب الموضوع الذي يتناوله، فإن كان الموضوع تشريعًا كانت الآيات طويلة، والعبارات واضحة، والأسلوب هادئًا، وإذا كان يتعلق بتثبيت العقيدة، وهدم العقائد الباطلة، ومجادلة الكفار في تفكيرهم، وتذكير الناس بيوم الحساب والعقاب، أو الجنة والنعيم، كان الأسلوب خطابيًّا محركًا للوجدان والمشاعر، مع نبرة خاصة، وعبارات مختصرة، وآيات قصيرة، وذلك أن لكل مقام مقالًا.
٢ - انطباق آيات القرآن الكريم على ما يكشفه العلم الصحيح:
القرآن الكريم أنزله الله تعالى كتاب هداية في الإيمان والعقيدة،
стр. 148
ودستور حياة للناس، وليس من مقاصده أن يتعرض لطبيعة الكون، ويبين النظريات العلمية في تكوين السموات والأرض والإنسان ونظام الوجود، ولكنه أشار عند الاستدلال على وجود الله وعظمة الخالق ووحدانيته إلى بعض المخلوقات في عظمتها ونظامها وكثرة نفعها ووظائفها, ولفت النظر إلى نظريات علمية بعضها في متناول العقل في حياة العرب في الجزيرة كالإبل والشمس والقمر والجبال والإنسان، وبعضها الآخر يكشفها العلم الحديث في كل عصر وزمان، ولا يزال العلم -وسيبقى- يحقق إشارات القرآن الكريم في الكون والإنسان، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣] وأن العلم الذي يكشف عن حقيقة الكون والنظام يقف مكتوفًا عن إيجاد هذه المخلوقات أو إقامة النظام بينها، وهذا دليل وبرهان على أن هذا الكتاب من عند الله، وأن البشر عاجزون عن الإتيان بمثله، والآيات الكريمة كثيرة في هذا المجال، ويحاول كثير من العلماء في كل زمان جمع هذه الآيات التي كشف عن سرها العلم الحديث، مثل قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٤] , التي تشير إلى علم البصمات، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ [الحجر: ٢٢] التي تشير إلى علم التكاثر، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] وهذا يشير إلى علم الأحياء، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٥] وهذه الآيات تشير إلى تكوين الجنين وأطوار خلقه، وقوله تعالى: ﴿وَفِي
стр. 149
أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١] , وغير ذلك من الأمثلة التي يحاول بعض العلماء إفرادها في كتب خاصة حسب الاختصاصات والعلوم (١).
٣ - إخباره عن وقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب:
أخبر القرآن الكريم عن قصص الأمم الخالية، وعن تاريخ الأنبياء والمرسلين، وعما حدث في غابر الأزمان، مما يعجز البشر عن تذكره ومعرفته وخاصة من أُمّي ومن أمة أمِّية، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود: ٤٩].
كما أخبر القرآن الكريم عن وقوع حوادث في المستقبل لا يمكن لإنسان أن يعلمها، وقد وقعت فعلًا، مثل انتصار الروم بعد هزيمتهم، قال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ٢، ٣] ومثل دخول مكة بعد الرجوع عنها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧] , ومثل عودة رسول الله إلى مكة بعد هجرته منها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] , ومثل وعد الله تعالى للمؤمنين أن يستخلفهم في الأرض، وقد تم ذلك ودانت الجزيرة العربية لهم في حياة رسول الله ﷺ ، ثم امتد الإِسلام وسيطر المسلمون على أرض الفرس والروم، وتحقق وعد الله للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 150
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥].
كل ذلك يؤكد أن القرآن الكريم من عند الله تعالى الذي يعلم الغيب، وأنه أنزله معجزة لرسوله، وأن هذه النواحي في الإعجاز بما ورد فيه من حقائق علمية، وتوجيهات سامية، وتربية عظيمة، ومقاصد نبيلة، وإخباره بوقائع غيبية قديمًا ومستقبلا، تظهر واضحة للعربي ولغير العربي على حد سواء.
٤ - فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره:
إن ألفاظ القرآن الكريم منتقاة من اللغة العربية بما يحقق المعنى المقصود منها، والعبارات بليغة ومطابقة لأعلى مستويات البلاغة، ويعرف ذلك ويتذوقه العالم في اللغة والتشبيهات والأمثال والحجج والمجادلات، وأكد هذا علماء الفصاحة والبلاغة في هذه الأمة، وتكفلوا بإظهاره للناس، وبيانه ومقارنته مع أرقى الأساليب والعبارات التي يفخر بها أصحابها (١).
وتظهر قوة تأثير القرآن الكريم على النفوس والقلوب بما تحدثنا السيرة أن أبا سفيان والأخنس بن شُريْق وأبا جهل كانوا يتسللون ليلًا لاستماع القرآن من الرسول ﷺ ، وأن أثر القرآن وبلاغته كان السبب المباشر في إسلام عمر بن الخطاب عندما قرأ سورة طه في بيت أخته، وأن كفار قريش خافوا على أنفسهم وأولادهم ونسائهم من أثر القرآن
стр. 151
الذي كان يتلوه أبو بكر ﵁ عندما استجار بابن الدُغُنّة، فخيروا أبا بكر بين ترك قراءة القرآن وترك الجوار، فترك جوار ابن الدغنة ورضي بجوار الله (١).
وكان الكفار يخشون من سماع القرآن، ويتواصون بالابتعاد عنه، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦] وقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١] , وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٣].
ويعبر عن هذا التأثير الوليد بن المغيرة الذي أرسله كفار قريش ليفاوض رسول الله بالمال والسلطان والنساء على ترك الإِسلام، فرده وتلا عليه القرآن الكريم، وعاد الوليد متأثرًا بالقرآن وقال: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر" (٢).
ووصف رسول الله ﷺ تأثير القرآن الكريم على القلب والنفس، فقال ﷺ : "هو حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يُعْوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، ولا يَخْلق على كثرة الرد" (٣).
ويؤكد هذا التأثير العظيم على النفوس أنه ربَّى أمة، ونقلها من
стр. 152
جاهلية جهلاء إلى قيادة الأمم، وحملت مشعل العلم والنور والحضارة والهداية إلى أمم الأرض، وكتب التاريخ والسيرة والتراجم غنية في ذلك (١).
٥ - ما تضمنه القرآن الكريم من الأحكام الشرعية التي أقامت شريعة الله في الأرض:
وهي قوام الأنام في الحلال والحرام، وصلاح الأمة في الدنيا والآخرة، وإن هذه الشريعة التي تصلح الفرد والمجتمع، وترقى بهما إلى مدارج السمو النفسي والروحي والعقلي والعلمي والحضاري دليل على معجزة القرآن الكريم، وأنه من عند الله تعالى، وأن البشر لا يستطيعون، ولن يستطيعوا، أن يضعوا شريعة تسامى شريعة الله، وتصلح الأمم والشعوب كما فعل القرآن الكريم (٢).
هذه أهم صفات الإعجاز التي وقفت البشرية خاشعة أمامها مع العلم القطعي والمعرفة الكاملة بحياة محمَّد بن عبد الله الذي جاء بالقرآن الكريم، وأنه نشأ يتيمًا فقيرًا في مكة، وتربى بين أظهرهم، ولم يتعلم في مدرسة ولا جامعة، ولا يعرف القراءة والكتابة، ونبه إلى ذلك القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ [العنكبوت: ٤٨، ٤٩].
وإن الدراسات القرآنية كثيرة لا تحصى، وستبقى العناية بالقرآن الكريم حفظًا ودراسة حتى تقوم الساعة (٣)، ونفرد في المطلب القادم أحكام القرآن الكريم التي تخص علم الأصول.
стр. 153
المطلب الثالث في أحكام الكتاب الكريم
نذكر في هذا المطلب أنواع الأحكام التي اشتمل عليها كتاب الله تعالى، وطريقة بيان القرآن للأحكام، ومفهوم الكمال في أحكام القرآن، ودلالة الكتاب على الأحكام، وأسلوب القرآن في عرض الأحكام، وفي الخاتمة كيفية الانتفاع بالقرآن الكريم.
أولًا: أنواع الأحكام في الكتاب:
اشتمل القرآن الكريم على جميع الأحكام التي تخص البشرية في الحياة الدنيا والآخرة، ويمكن تصنيف هذه الأحكام بما يلي (١):
١ - الأحكام الاعتقادية، وهي الأحكام التي تتعلق بعقيدة المسلم وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وتُدرس هذه الأحكام في مادة العقيدة أو علم الكلام.
ب- الأحكام الأخلاقية، وهي الأحكام الوجدانية التي تتعلق بالفضائل التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، وبالسلوك الذي يجب
стр. 154
عليه أن يتبعه ويسير عليه، وتدرس هذه الأحكام في علم الأخلاق.
جـ - الأحكام العملية، وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أحكام العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه، وتبين ما يجب على المكلف أداؤه، والقيام به تجاه خالقه، وهي أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج والكفارات والنذور والأضاحي والأعمال الأخرى التي تصبح عبادة بالنية.
القسم الثاني: أحكام المعاملات التي تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض، سواء أكانوا أفرادًا أم جماعات.
وتنقسم أحكام المعاملات في الاصطلاح الفقهي الحديث إلى سبعة أقسام وهي:
١ - أحكام الأحوال الشخصية: وهي الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم لبناء الأسرة، وبيان تكوينها، وتنظيم العلاقة بين أفرادها من الزوجين والأولاد والأقارب.
٢ - الأحكام المدنية أو المالية: وهي الأحكام التي تنظم العلاقة المالية بين الناس، كالبيوع وعقود التوثيق والكفالة والرهن وعقود التعاون بين الأفراد كالشركة والقرض والوديعة والإعارة.
٣ - الأحكام الجنائية: وهي الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم لبيان الأفعال التي حرمها الإِسلام، ووضع لها عقوبة من أجل الحفاظ على حياة الناس وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم، وتعرف بالحدود والقصاص والتعازير.
٤ - أحكام المرافعات: وهي الأحكام التي تتعلق بنظام القضاء والإثبات لإقامة العدل بين الناس، ودرسها العلماء في باب أدب القضاء.
стр. 155
٥ - الأحكام الدستورية: التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، وتبين علاقة الحاكم بالمحكومين، وحقوق الأفراد والجماعات، ودرسها العلماء في الأحكام السلطانية والسِّير.
٦ - الأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإِسلامية لغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وتنظيم علاقة الدولة بأهل الذمة المستأمنين المقيمين على أرضها، وعرفت قديمًا، ودرسها الفقهاء في باب الجهاد.
٧ - الأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تنظم الموارد والمصارف في الدولة الإِسلامية، وكانت هذه الأحكام مبعثرة في أبواب متفرقة، وقد توجهت العناية والاهتمام بها حديثًا، وظهرت بشكل مستقل في هذا العصر.
هذه مجمل الأحكام التي نص عليها، أو أشار إليها، القرآن الكريم، وهي في مجموعها تهدف إلى هداية الناس إلى ما فيه صلاح حالهم في الدنيا والآخرة، وذلك بإصلاح القلوب والعقول بالعقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وتسعى إلى توجيه النفوس والجوارح إلى الأعمال الصالحة وتقويم السلوك وحسن المعاشرة وتكوين المجتمع الإِسلامي الفاضل.
ثانيًا: بيان الكتاب للأحكام:
القرآن الكريم أساس الشريعة ومصدرها الأول، وقد بين القرآن الكريم أحكامه بإحدى طريقتين (١):
الأولى: البيان التفصيلي لبعض الأحكام، وذلك في نطاق محدود،
стр. 156
مثل بحوث العقيدة التي وردت الآيات الكثيرة فيها لتوضيح حقيقة الإيمان بالله وكيفيته والأدلة عليه، ومناقشة العقائد الباطلة والرد عليها، مثل أحكام المواريث التي جاءت مفصلة وشبه تامة في القرآن الكريم، ومثل أحكام الأسرة والحدود والكفارات تقريبًا.
والحكمة من البيان التفصيلي أن هذه الأحكام إما أنها تعبدية أي توقيفية أو سماعية، لا مجال للعقل فيها, ولا يصح فيها الاجتهاد، وإما أنها أحكام معقولة لمصالح ثابتة لا مجال لتغييرها بتغيير الزمن، أو اختلاف البيئات.
الثانية: البيان الإجمالي لبقية الأحكام الشرعية التي ورد النص عليها في القرآن الكريم بشكل إجمالي لا تفصيلي، وبشكل كلي لا جزئي، ونص القرآن الكريم على القواعد العامة فيها والأسس الرئيسية عليها، مثل أحكام العبادات في الصلاة والزكاة والصوم والحج، فهذه العبادات اقتصر القرآن الكريم على طلبها بشكل عام، ولم يبين لنا أركانها وشروطها وكيفية أدائها، وكذلك أحكام المعاملات المدنية والدولية والجنائية والدستورية .. وغير ذلك، وهذا لا يمنع من تعرض القرآن الكريم لبعض الجزئيات والتفاصيل فيها أحيانًا، ونص القرآن الكريم على بيانها عن طريق السنة وأحاديث رسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤] وهذا يؤكد وجوب الرجوع إلى السنة، وأنه لا يصح الوقوف عند مجرد الكتاب.
والحكمة من البيان الإجمالي للأحكام في الكتاب الكريم أن هذه الشريعة جاءت خاتمة الشرائع لترافق البشرية مع تطورها وتقدمها فاقتضى ذلك أن تتصف نصوصها بالمرونة والشمول لتتسع لحاجات الناس، فجاء النص القرآني يشير إلى المبدأ الأساسي الذي يجب
стр. 157
الالتزام به، وترك تفصيله وتطبيقه وكيفية أدائه لعلماء الأمة حسب مقتضيات الزمان والمكان، مثال ذلك الأمر بالشورى في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] , ووصف المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] , فالنص عام ومرن، وأما التنفيذ فله أشكال متعددة لا تدخل تحت حصر، فيختار كل فرد وكل جماعة وكل أمة ما يلائمها من وسائل لتطبيق الشورى.
ولكن هذا الموضوع يقودنا إلى سؤال: كيف يتفق ذلك البيان مع صفة الكمال في القرآن الكريم؟
ثالثًا: الكمال في أحكام القرآن الكريم:
قد يبدو للإنسان شيء من التعارض بين هذا البيان الإجمالي العام في القرآن الكريم، وبين عدد من الآيات التي تصف القرآن بالكمال، مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩] وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] (١).
ويلاحظ أن بعض الناس تمسكوا بظاهر هذه الآيات في محاولة رد السُّنة وغيرها من مصادر التشريع، وسبقت الإشارة في الرد عليهم؛ وسيأتي مزيد من التفصيل في حجية السنة؛ كما تعرض لهذه المسألة بعض ضعاف الإيمان ودعاة التشكيك في العقيدة بالتنطح والتحدي بضرب بعض الأمثلة والحوادث والوقائع والكونيات والمخترعات التي يطلبون دلالة القرآن الكريم عليها.
стр. 158
والجواب عن ذلك أن القرآن الكريم عالج الأمور وبين الأحكام بشكل إجمالي ونص على القواعد العامة، والمبادئ الهامة، ونبه على مقاصد الشريعة وأهدافها، وأحال العاقل إلى التدبر والتأمل عن طريق القياس والاستحسان والاستصلاح، وأرشد إلى السنة بأسلوبه الرائع المعجز؛ لأن القرآن لا يتسع للنص على كل شاردة أو واردة، وإن هذا الأسلوب يعطي التشريع صفة المرونة والشمول، ويتيح المجال لتطبيق الشريعة في كل زمان ومكان، وأنها صالحة للبشرية عامة.
فمثلًا سئل ابن عباس ﵁ عن ميراث الجدة في كتاب الله تعالى، فقال للسائل: في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وسئل عالم عن مرض ودواء في كتاب الله فقال: إنه في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
ونرى أن الكمال في القرآن الكريم يتحقق بالأمور الثلاثة التالية:
١ - النصوص التفصيلية التي جاءت في القرآن الكريم كالمواريث واللعان والعقيدة.
٢ - النصوص المجملة التي وردت في القرآن الكريم وتضمنت القواعد العامة والمبادئ الكلية والضوابط الشرعية، وتركت تفصيل ذلك إلى علماء الأمة يضعون التفاصيل التي تحقق أغراض الشريعة وأهدافها العامة، وتتفق مع مصالح الناس وتطور الأزمان واختلاف البيئات.
٣ - الإحالة بنص القرآن الكريم إلى المصادر الأخرى التي تعتبر جزءًا من الشريعة، مثل السنة والإجماع والقياس وغير ذلك من المصادر التي أمر بها، أو أشار إليها، القرآن الكريم.
وبذلك يكون القرآن الكريم قد تناول جميع الأحكام ونظم الحقوق
стр. 159
والواجبات إما تفصيلًا وإما إجمالًا وإما بالإحالة إلى غيره، ويكون الكتاب الكريم -بحق- كاملًا ومستوفيًا لجميع الأشياء (١).
رابعًا: دلالة آيات القرآن على الأحكام:
إن آيات القرآن الكريم ثابتة بطريق قطعي؛ لأنها نقلت إلينا بالتواتر الذي يوحي بالجزم أن الآية التي يقرؤها كل مسلم في بقاع الأرض هي نفسها التي تلاها رسول الله ﷺ على أصحابه، وهي التي نزل بها جبريل من اللوح المحفوظ من غير تبديل ولا تغيير، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
أما دلالة النص القرآني على الحكم فليست واحدة، فمنها ما هو قطعي الدلالة، ومنها ما هو ظني الدلالة (٢).
فالنص القطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه، ولا يحتمل تأويلًا آخر معه، وذلك مثل النصوص التي وردت فيها أعداد معينة أو أنصبة محددة في المواريث والحدود قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١] وقال تعالى:
стр. 160
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢] فإن دلالة النصين قطعية على أن فرض البنتين الثلثان، وفرض البنت الواحدة النصف، وفرض الزوج النصف، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فالآية قطعية الدلالة على مقدار حد الزنا، وقال تعالى في كفارة اليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩] فالعدد قطعي الدلالة، ولا تقبل الكفارة بأقل من ذلك، ولا بأكثر منه، وكل ما بيَّنه رسول الله ﷺ فهو قطعي الدلالة، مثل معنى الصيام، والصلاة، والزكاة، والحج، وقرر العلماء أن المصطلحات الشرعية تقدم على المعاني اللغوية.
أما النص الظني الدلالة فهو ما يدل على عدة معان، أو هو ما يدل على معنى، ولكنه يحتمل معاني أخرى، بأن يحتمل التأويل والصرف عن معنى إلى غيره، مثل لفظ القرء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلفظ القرء في اللغة لفظ مشترك بين معنيين: الطهر والحيض، والنص القرآني يحتمل أن يراد منه ثلاثة أطهار، كما قال الشافعي وغيره، ويحتمل أن يراد منه ثلاث حيضات، كما قال الإِمام أبو حنيفة ومن معه، وكذلك لفظ اليد في آية
стр. 161
السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فاليد لفظ مشترك لليمنى واليسرى، وتحتمل كلًّا منهما، كما يحتمل أن يراد منها الأصابع إلى الرسغ أو إلى المرفق أو إلى الإبط، فجاءت السنة وبينت ذلك.
فهذا النص الذي يدل على عدة معان، أو يحتمل أكثر من معنى، تكون دلالته على المعنى ظنية.
خامسًا: أسلوب القرآن الكريم في عرض الأحكام:
سبق الكلام عن إعجاز القرآن الكريم، وأن من وجوه إعجازه فصاحته وبلاغته، وتقضي البلاغة أن تختلف الأساليب في عرض الأحكام، وأن تتنوع الألفاظ للدلالة على مقصوده، سواء أكان الموضوع في العقيدة أم في أخبار المغيبات أم في قصص الأنبياء أم في آيات الأحكام، ولذلك كثرت الأساليب التي تدل على معنى واحد، حتى لا تمله النفوس، فلم يعبر عن الوجوب مثلًا بلفظ يجب فقط، ولا على التحريم بلفظ حرم، بل يعبر عن الوجوب والتحريم بعدة صيغ وأساليب -كما سنبين ذلك في مباحث الواجب والحرام ..
وبناء على ذلك فعلى المتأمل في كتاب الله تعالى لاستنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم أن يستعين بمدلولات الألفاظ وما يجري عليها من العرف استعمالها، وما يقترن بها من وعد أو وعيد، ومن مدح أو ذم، ومن ترغيب أو ترهيب.
ويمكن إجمال الأساليب التي تدل على طلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير فيه بما يلي (١):
стр. 162
١ - كل فعل عظمه الله تعالى في كتابه الكريم، أو مدحه أو أثنى على فاعله أو أحبه أو أقسم به أو أقسم بفاعله، أو قرب فاعله أو وصفه بالاستقامة أو البركة، فهو مطلوب فعله، ويكون حكمه بين الإيجاب وبين الندب بحسب صيغة طلبه من الشارع وترتب العقوبة على تركه أو عدم ترتبها.
٢ - كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه، أو ذم فاعله أو لعنه أو شبه فاعله بالبهائم أو أنه من فعل الشيطان أو أنه يرضي الشيطان، أو يزين له، أو جعله سببًا لعقوبة في الدنيا أو عذاب في الآخرة، أو وصفه بخبث أو رجس أو نجس أو أنه يؤدي إلى الفسق أو يوقع في العداوة والبغضاء، فهو دليل على منع الفعل، ويكون حكمه إما التحريم وإما الكراهة بحسب الصيغة في طلب الترك أو ترتُّب العقوبة على فاعله أو عدم ترتبها.
٣ - أما إذا جاء النص يدل على مجرد الجواز والإحلال أو بنفي الحرج أو الجناح أو الإثم على فاعله فيكون حكمه الإباحة، وسيأتي تفصيل ذلك في فصل الحكم التكليفي.
هذه نظرة عامة في أحكام القرآن الكريم من حيث الظاهر والشكل، أما كيفية استنباط الأحكام من القرآن الكريم وكيفية دلالة آيات الكتاب على الأحكام الفقهية في كل مسألة فذلك منوط في مباحث الدلالات، أو في مباحث الكتاب والسنة.
خاتمة: في الانتفاع بالقرآن الكريم:
ونختم كلامنا عن الكتاب بالإشارة إلى بعض الأمور التي يجب
стр. 163
مراعاتها للانتفاع بكتاب الله تعالى، نمهد الطريق بها إلى مبحث السنة.
١ - إن القرآن الكريم هو أساس الشريعة وأصلها ومعتمدها في العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، وإنه المرجع الأول في كل ذلك، وإنه المحتكم إليه عند الاختلاف فيها.
وإن القرآن الكريم هو أساس سر بقاء الإِسلام، وهذا يقتضي وجوب العناية به حفظًا وتلاوة وتدبرًا وعلمًا وعملًا، وأنه يجب أن يكون قرين المؤمن في كل وقت، وأن يكون أنيسه في حله وترحاله، وأن يكون محيي نظره في تفكيره، وأن يتدبر آياته، وأن يتعظ بها، وأن يعمل بما فيه، وأن يسعى لنشره وتوزيعه إلى بيت كل مسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩] ويقول رسول الله ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" (١).
٢ - يجب معرفة أسباب النزول؛ لأنها تعين على الفهم، وتساعد على بيان المراد من كلام الله تعالى؛ لأن القرآن الكريم نزل منجمًا خلال فترة طويلة، وكان ينزل حسب الوقائع والمناسبات، وإن الجهل بأسباب التنزيل يثير الشُّبه والإشكال في فهم المراد من النصوص العامة المجملة الواردة في القرآن الكريم (٢).
٣ - أن يعرف المسلم عادات العرب في أقوالها وأفعالها وتقاليدها، لأن القرآن الكريم نزل في مجتمعهم، فأقر الحسن منها، وأبطل القبيح،
стр. 164
وخاطبهم بما تدركه عقولهم من المعاني والألفاظ، وحملهم الرسالة، وأمرهم بالتبليغ والدعوة.
ولا يقتصر الباحث على بيان المحاسن والعادات الحميدة بل لا بد من معرفة المفاسد والتقاليد الجاهلية التي كانت سائدة بينهم، لمعرفة معالجة القرآن الكريم لها، سواء في العقيدة أم في الأحكام، وقد تكون هذه الأمور سببًا من أسباب النزول التي تلقي الضوء على النص وفهمه.
٤ - وجوب معرفة اللغة العربية ودراستها؛ لأن فهم القرآن الكريم والانتفاع منه والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة، وما يتعلق بها من المعاني والعبارات والصيغ والقواعد التي بحثها الأصوليون، وأصبحت جزءًا من علم أصول الفقه (١).
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه، وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها (٢).
٥ - الاعتماد على السنة في فهم كتاب الله، وقد ظهر لنا هذا في أوجه الكمال في القرآن الكريم، وأنه لا يمكن فهم القرآن الكريم وتطبيقه إلا بعد معرفة السنة، وأن العمل بالسنة هو عمل بالكتاب، كما سيأتي، وأن السنة هي بيان للقرآن الكريم (٣).
стр. 165
نصوص من كتب الأصول:
وفي نهاية هذا المبحث عن المصدر الأول، وهو الكتاب الكريم نورد نصين من كتب الأصول القديمة، ليطلع القاري على أسلوبها، ويتمرن على قراءتها، ويستفيد من مضمونها.
النص الأول: من كتاب الرسالة للشافعي، وهو أقدم كتاب وأول كتاب في علم الأصول، ووضعت له عنوانًا، وهو" القرآن واللغة العربية " (١).
والنص الثاني: من كتاب الأحكام للآمدي، ووضعت له عنوانًا وهو "التواتر في نقل القرآن الكريم".
القرآن واللغة العربية
قال الشافعي رحمه الله تعالى (٢): ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب ..
فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا.
وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله.
فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًّا وأعجميًّا.
والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب.
ووَجَد قائلُ هذا القول من قَبِلَ ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسألة
стр. 166
له عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه.
وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم.
ولعل من قال: إن في القرآن غيرَ لسان العرب، وقبل ذلك منه: ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعضُ العرب.
ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه.
والعلم به عند العرب كالعلم بالسُّنة عند أهل الفقه: لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء.
فإذا جُمعَ علمُ عامة أهل العلم بها أتي على السنن, وإذا فُرِّقَ علمُ كل واحد منهم: ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره.
وهم في العلم طبقات: منهم الجامع لأكثره، وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره.
وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها: دليلًا على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه، حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله، بأبي هو وأمي، فيتفرد العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها.
وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها: لا يذهب منه شيء عليها, ولا يطلب عند غيرها, ولا يعلمه إلا من قبله عنها, ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها.
وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله.
وعلم أكثر اللسان في أكثر العرب أعم من علم أكثر السنن في العلماء.
стр. 167
فإن قال قائل: فقد نجد من العجم من ينطق بالشيء من لسان العرب؟
فذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد من ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه.
ولا ننكر إذا كان اللفظ قيل تعلمًا أو نُطق به موضوعًا: أن يوافق لسانُ المعجم أو بعضها قليلًا من لسان العرب، كما يتفق القليل من ألسنة المعجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبعد الأواصر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها.
فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب، لا يخلطه فيه غيره؟
فالحجة فيه كتاب الله، قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمَّد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمدًا بعث إلى الناس كافة: فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه وما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم: فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة المعجم؟
فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض: فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع.
وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي. ولا يجوز -والله أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد، بل كل لسان تَبَع للسانه، وكل أهلِ دينٍ قبله فعليهم اتّباع دينه.
стр. 168
وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].
وقال: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف ١ - ٣].
وقال: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر: ٢٨].
قال الشافعي: فأقام حجته بأن كتابه عربي، في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه -جل ثناؤه- كل لسان غير لسان العرب، في آيتين من كتابه:
فقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣].
وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
قال الشافعي: وعرفنا نعمه بما خصنا به من مكان فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وكان مما عرف الله نبيه من إنعامه أن قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فخص قومه بالذكر معه بكتابه.
وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧] وأم القرى مكة، وهي بلده وبلد
стр. 169
قومه، فجعلهم في كتابه خاصة، وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن يُنذروا بلسانهم العربي: لسان قومه منهم خاصة.
فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطلق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك.
وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه: كان خيرًا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإيتائه، ويتوجه لما وجه له، ويكون تبعًا فيما افترض عليه وندب إليه، لا متبوعًا.
وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.
التواتر في نقل القرآن الكريم
قال الآمدي رحمه الله تعالى (١):
اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلًا متواترًا، وعلمنا أنه من القرآن، أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادًا، كمصحف ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات".
стр. 170
والمختار إنما هو مذهب الشافعي، وحجته أن النبي ﵊ كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي ﵊، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة، وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي ﵇، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه.
فإن قيل: قولكم: إن النبي ﵇ كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه، ﵇، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه إنما كان بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة. ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك، ولهذا أيضًا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن، وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن.
سلمنا من وجوب ذلك عن النبي ﵇، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت على نقله عن الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه، فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن؛ لأن الظاهر من حاله الصدق، ولم يوجد ما يعارضه، غايته أنه غير مجمع على العمل به لعدم تواتره، وإن لم يصرح بكونه قرآنًا، أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون، لكونه خبرًا عن
стр. 171
النبي ﵇، وأمكن أن يكون، لكونه مذهبًا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنًا، وبتقدير كونه خبرًا عن النبي ﵇، وهما احتمالان، وإنهما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبًا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.
سلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبًا له، إلا أن احتمال كونه خبرًا راحج؛ لأن روايته له موهم بالاحتجاج به، ولو كان مذهبًا له لصرح به، نفيًا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا؟.
والجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم: فذلك مما لم يخالف فيه أحد من المسلمين؛ لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه ﵇ قطعًا، ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي ﵇ ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي ﵇، عدد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك، وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها قرآنًا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها.
وأما ما اختلفت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترًا، فهو منه، وأما الاختلاف في التسمية إنما كان في وضعها في أول كل سورة، لا في كونها من القرآن.
وأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لإنزال هذه السور على النبي، ﵇، بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه.
قولهم: إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطأ، قلنا: وإن
стр. 172
كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعًا، إلا أنه حرام لوجوب نقله عليه. وعند ذلك فلو قلنا: إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت، ولو قلنا: إنه ليس بقرآن، لم يلزم منه ذلك، لا بالنسبة للراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين، وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدًا أولى من ارتكاب الجماعة له، وعلى هذا، فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين نقله بين الخبر والمذهب.
قولهم: حمله على الخبر راجح، لا نسلم ذلك.
قولهم: لو كان مذهبًا لصرح به، نفيًا للتلبيس، قلنا: أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرًا عن النبي ﵇ ليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن العمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق، وكيف وفيه موافقة النفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى.
стр. 173
المبحث الثاني في السنة الشريفة
لقد اختار الله سبحانه محمد بن عبد الله لتبليغ رسالته للناس، واصطفاه لهذه المهمة، وأنزل عليه القرآن الكريم هدى ورحمة للعالمين، ليطبقه وينفذ أحكامه، ويرشد الناس إلى الدين الحق، والشريعة الغراء، بالتربية والتوجيه، فكانت أقواله وأفعاله مصدرًا تشريعيًّا كاملًا.
وتعتبر السنة مصدرًا ثانيًا بعد القرآن الكريم، ولكنها تشتمل على كثرة الفروع، وزيادة التفصيل، ودقة التنظيم التشريعي؛ لأنها جاءت شارحة للقرآن الكريم، ومفصلة لقواعده الكلية التي جاءت في محكم آياته (١)، ولذا يتحتم علينا الاعتماد عليها، والاهتداء بنورها، والاستعانة بها على فهم كتاب الله تعالى، وسوف نرى تفصيل ذلك في مطلب مكانة السنة، بعد أن نتناول تعريف السنة وحجيتها وأنواعها وثبوتها.
стр. 174
المطلب الأول في تعريف السنة
تعريف السنة لغة: هي الطريقة والعادة، حسنة كانت أم سيئة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ [الإسراء: ٧٧] ومنه قول رسول الله ﷺ : "من سنَّ في الإِسلام سُنّة حسنة فله أجرُها وأجرُ من عَمِل بها من بعده من غير أن يَنْقُصَ من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإِسلام سُنة سيئة كان عليه وزرُها ووزرُ من عَمِلَ بها من بعده من غير أن يَنْقص من أوزارهم شيء" (٢)، ومن قوله ﷺ : "لتتَبِعُنَّ سنَنَ من كانَ قبلكم شِبرًا بشِبرٍ وذِراعًا بذراع" (٣).
تعريف السنة اصطلاحًا: عرف علماء الأصول السنة بأنها: "ما نقل عن رسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير" (٤).
فالسنة إما أن تكون قولية أو فعلية أو تقريرية.
стр. 175
أولًا: السنة القولية: هي الأحاديث التي نطق بها رسول الله ﷺ في جميع المناسبات والأغراض، وقد سمعها الصحابة رضوان الله عليهم، ونقلوها عنه، وهي تشكل السواد الأعظم من السنة، مثل حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١)، وحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (٢)
ثانيًا: السنة الفعلية: وهي الأفعال والتصرفات التي كان رسول الله ﷺ يقوم بها في دائرة العمل والتشريع، ونقلها الصحابة رضوان الله عليهم لنا بالوصف الدقيق في مختلف شؤون حياته، سواء أكان الوصف والنقل بطلب النبي ﷺ مثل قوله: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خُذُوا عني مناسككم" (٣)، أم بدون طلبه كوصف الصحابة له بما كان يفعله في الحرب، والقضاء بشاهد ويمين، والمعاملة في الدِّيْن، والشراء والبيع، وغير ذلك، ويعبرون عنه بقولهم: "كان رسول الله ﷺ يفعل كذا، أو يعمل كذا، أو فعل كذا، وعمل كذا" (٤).
ثالثًا: السنة التقريرية: هي ما أقره رسول الله ﷺ مما صدر عن الصحابة من أقوال وأفعال، بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه ورضاه، فيكون إقراره وموافقته على القول أو الفعل كأنه صادر عنه، مثل إقراره لمن تيمم من الصحابة للصلاة لعدم وجود الماء ثم وجده بعد الصلاة، ولم يعد صلاته، وإقراره لعليٍّ في بعض أقضيته، وإقراره لمن أكل لحم حمار الوحش والضَّب، واستحسانه لقول معاذ في كيفية القضاء
стр. 176
بكتاب الله ثم بسنة رسوله ثم بالاجتهاد، وإقراره لصلاة العصر في غزوة بني قريظة، وإقراره لقول القائف في نسب أسامة بن زيد، ويدخل في ذلك قول الصحابي: "كنا نفعل كذا في عهد رسول الله" (١)، وإقراره الأذان الذي رآه عبد الله بن زيد، والعلة في ذلك أن رسول الله ﷺ لا يسكت على باطل، فإن صدر أمامه قول أو فعل وسكت عنه فهذا يدل على قبوله شرعًا.
تعريفات فرعية:
بعد هذا التعريف وشرحه. نذكر بعض الاصطلاحات المتصلة بالسنة ونبين الصلة بينها:
١ - عرف علماء الحديث السنة بأنها "ما أثر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة" فأضافوا كلمة "صفة" لإدخال الصفات الخَلقية والخُلقية لرسول الله ﷺ في السنة (٢).
٢ - تطلق السنة عند الأصوليين أيضًا ويراد منها ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، مثل سنة الصبح ركعتان، وهي بهذا الإطلاق ترادف المندوب، وتقابل الواجب والحرام والمكروه والمباح (٣)، ويكون بين هذا المعنى والتعريف السابق عموم وخصوص من وجه، فيشتركان في بعض الأمور، ويختص كل منهما بجانب.
٣ - يدخل في السنة إشارة رسول الله ﷺ وكتابته، وكذا تركه لأمر من الأمور، وغير ذلك مما توسع فيه علماء الأصول (٤).
стр. 177
٤ - السنة والحديث: السنة هي قول أو فعل أو تقرير، أما الحديث فهو قول النبي ﷺ فقط، عند الجمهور، فتكون السنة أعم من الحديث، لأن كل حديث سنة ولا عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق، وفي قول آخر: إن الحديث ما نقل عن رسول الله ﷺ وما نقل عن الصحابة، أما السنة فهي ما نقل عن الرسول فقط، فيكون الحديث هنا أعم من السنة (١).
٥ - وقد تطلق السنة على ما يقابل البدعة، فالسنة هي الطريقة التي أقرها الشرع، والبدعة ما ينافي ذلك مما ينكره الشرع (٢).
٦ - عرف بعض علماء الأصول السنة فقال: هي ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير غير القرآن (٣)، فأضاف لفظ "غير القرآن" ليتحرز في تعريف السنة عن القرآن الكريم، فإنه نقل عن لسان رسول الله ﷺ ، وخالف جمهور الأصوليين في هذه الإضافة؛ لأن رسول الله لم يكن إلا مبلغًا لكلام الله عن جبريل إلى الأمة، وليس القرآن صادرًا عنه كالسنة.
ما يدخل في السنة وما لا يدخل:
قلنا في تعريف السنة: إنها ما نقل عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، والسؤال الآن: هل كل أقواله وأفعاله وتقريراته تعتبر سنة يجب العمل بها أم لا؟
стр. 178
والجواب بالنفي طبعًا, ولذلك بيّن علماء الأصول الأقوال والأفعال والتقريرات التي صدرت عن رسول الله ﷺ ولا تعتبر تشريعًا لغيره من الأمة؛ لأن رسول الله ﷺ إنسان كسائر الناس اختاره الله للرسالة، ولم تخرجه النبوة عن الصفة البشرية، والضابط في ذلك هو: أن ما صدر عن رسول الله بوصفه رسول الله وكان مقصودًا به التشريع فهو حجة، وما صدر عنه بصفته البشرية فليس بسنة ولا حجة، وهي:
١ - ما صدر عن رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات قبل البعثة؛ لأنه لا تشريع فيها.
٢ - ما صدر عن رسول الله بمقتضى طبيعته الإنسانية من قيام وقعود ومشي ونوم وأكل وشرب وغير ذلك من الأفعال فلا تعتبر تشريعًا؛ لأن هذه الأعمال صدرت عنه بصفته الإنسانية وليس بصفته التشريعية، ويطلق عليها العلماء الأفعال الجبلية (١)، إلا إذا قام الدليل على أن المقصود من فعله الاقتداء فتكون تشريعًا بهذا الدليل، وليس بمجرد صدوره عنه (٢)، كالأكل باليد اليمنى الذي ورد في حديث ابن أم سلمة "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٣).
٣ - ما صدر عن رسول الله بمقتضى الخبرة البشرية التي استقاها من
стр. 179
تجاربه الخاصة في الحياة، كالتجارة والزراعة وقيادة الجيش ووصف الدواء وغيره، فهذا لا يعتبر حجة ولا تشريعًا، وكان هذا المعنى واضحًا في ذهن الصحابة، فيسألون رسول الله عن مثل هذه الأمور، وهل هي من عند الله أم من الخبرة، قال الحباب بن المنذر في غزوة بدر: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ﷺ : بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: ليس هذا بمنزل، وأشار بإنزال الجند في مكان آخر قريب من الماء ليقطع على العدو الشرب (١)، وعندما مر رسول الله ﷺ على أهل المدينة وهم يؤبرون النخل أشار عليهم بالترك فتركوا، فلم تحمل الأشجار فشَكَوْا إليه، فقال لهم: "أبروا، أنتم أعلم بأمور دنياكم" (٢).
٤ - الخصوصيات: وهي الأمور التي قالها أو فعلها رسول الله ﷺ وقام الدليل على أنها خاصة به أو بأحد الصحابة، وليست تشريعًا لغيره، كزواجه بأكثر من أربع زوجات، واكتفائه في إثبات الدعوى بشهادة خُزَيمة وحده في مجال إثبات الواقعة، أما الحكم فهو تشريع، وإباحة الوصال في الصيام للرسول دون غيره، واختصاصه بوجوب التهجد في الليل وصلاة الضحى والوتر، والتخيير لنسائه، ودخوله مكة بغير إحرام (٣).
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "افترض الله على رسول الله ﷺ أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه وكرامة، وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته، وتبيين فضيلته، مع