← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بكتاب الله ثم بسنة رسوله ثم بالاجتهاد، وإقراره لصلاة العصر في غزوة بني قريظة، وإقراره لقول القائف في نسب أسامة بن زيد، ويدخل في ذلك قول الصحابي: "كنا نفعل كذا في عهد رسول الله" (١)، وإقراره الأذان الذي رآه عبد الله بن زيد، والعلة في ذلك أن رسول الله ﷺ لا يسكت على باطل، فإن صدر أمامه قول أو فعل وسكت عنه فهذا يدل على قبوله شرعًا. تعريفات فرعية: بعد هذا التعريف وشرحه. نذكر بعض الاصطلاحات المتصلة بالسنة ونبين الصلة بينها: ١ - عرف علماء الحديث السنة بأنها "ما أثر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة" فأضافوا كلمة "صفة" لإدخال الصفات الخَلقية والخُلقية لرسول الله ﷺ في السنة (٢). ٢ - تطلق السنة عند الأصوليين أيضًا ويراد منها ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، مثل سنة الصبح ركعتان، وهي بهذا الإطلاق ترادف المندوب، وتقابل الواجب والحرام والمكروه والمباح (٣)، ويكون بين هذا المعنى والتعريف السابق عموم وخصوص من وجه، فيشتركان في بعض الأمور، ويختص كل منهما بجانب. ٣ - يدخل في السنة إشارة رسول الله ﷺ وكتابته، وكذا تركه لأمر من الأمور، وغير ذلك مما توسع فيه علماء الأصول (٤).

стр. 177

٤ - السنة والحديث: السنة هي قول أو فعل أو تقرير، أما الحديث فهو قول النبي ﷺ فقط، عند الجمهور، فتكون السنة أعم من الحديث، لأن كل حديث سنة ولا عكس، فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق، وفي قول آخر: إن الحديث ما نقل عن رسول الله ﷺ وما نقل عن الصحابة، أما السنة فهي ما نقل عن الرسول فقط، فيكون الحديث هنا أعم من السنة (١). ٥ - وقد تطلق السنة على ما يقابل البدعة، فالسنة هي الطريقة التي أقرها الشرع، والبدعة ما ينافي ذلك مما ينكره الشرع (٢). ٦ - عرف بعض علماء الأصول السنة فقال: هي ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير غير القرآن (٣)، فأضاف لفظ "غير القرآن" ليتحرز في تعريف السنة عن القرآن الكريم، فإنه نقل عن لسان رسول الله ﷺ ، وخالف جمهور الأصوليين في هذه الإضافة؛ لأن رسول الله لم يكن إلا مبلغًا لكلام الله عن جبريل إلى الأمة، وليس القرآن صادرًا عنه كالسنة. ما يدخل في السنة وما لا يدخل: قلنا في تعريف السنة: إنها ما نقل عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، والسؤال الآن: هل كل أقواله وأفعاله وتقريراته تعتبر سنة يجب العمل بها أم لا؟

стр. 178

والجواب بالنفي طبعًا, ولذلك بيّن علماء الأصول الأقوال والأفعال والتقريرات التي صدرت عن رسول الله ﷺ ولا تعتبر تشريعًا لغيره من الأمة؛ لأن رسول الله ﷺ إنسان كسائر الناس اختاره الله للرسالة، ولم تخرجه النبوة عن الصفة البشرية، والضابط في ذلك هو: أن ما صدر عن رسول الله بوصفه رسول الله وكان مقصودًا به التشريع فهو حجة، وما صدر عنه بصفته البشرية فليس بسنة ولا حجة، وهي: ١ - ما صدر عن رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات قبل البعثة؛ لأنه لا تشريع فيها. ٢ - ما صدر عن رسول الله بمقتضى طبيعته الإنسانية من قيام وقعود ومشي ونوم وأكل وشرب وغير ذلك من الأفعال فلا تعتبر تشريعًا؛ لأن هذه الأعمال صدرت عنه بصفته الإنسانية وليس بصفته التشريعية، ويطلق عليها العلماء الأفعال الجبلية (١)، إلا إذا قام الدليل على أن المقصود من فعله الاقتداء فتكون تشريعًا بهذا الدليل، وليس بمجرد صدوره عنه (٢)، كالأكل باليد اليمنى الذي ورد في حديث ابن أم سلمة "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٣). ٣ - ما صدر عن رسول الله بمقتضى الخبرة البشرية التي استقاها من

стр. 179

تجاربه الخاصة في الحياة، كالتجارة والزراعة وقيادة الجيش ووصف الدواء وغيره، فهذا لا يعتبر حجة ولا تشريعًا، وكان هذا المعنى واضحًا في ذهن الصحابة، فيسألون رسول الله عن مثل هذه الأمور، وهل هي من عند الله أم من الخبرة، قال الحباب بن المنذر في غزوة بدر: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ﷺ : بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: ليس هذا بمنزل، وأشار بإنزال الجند في مكان آخر قريب من الماء ليقطع على العدو الشرب (١)، وعندما مر رسول الله ﷺ على أهل المدينة وهم يؤبرون النخل أشار عليهم بالترك فتركوا، فلم تحمل الأشجار فشَكَوْا إليه، فقال لهم: "أبروا، أنتم أعلم بأمور دنياكم" (٢). ٤ - الخصوصيات: وهي الأمور التي قالها أو فعلها رسول الله ﷺ وقام الدليل على أنها خاصة به أو بأحد الصحابة، وليست تشريعًا لغيره، كزواجه بأكثر من أربع زوجات، واكتفائه في إثبات الدعوى بشهادة خُزَيمة وحده في مجال إثبات الواقعة، أما الحكم فهو تشريع، وإباحة الوصال في الصيام للرسول دون غيره، واختصاصه بوجوب التهجد في الليل وصلاة الضحى والوتر، والتخيير لنسائه، ودخوله مكة بغير إحرام (٣). قال الشافعي رحمه الله تعالى: "افترض الله على رسول الله ﷺ أشياء خففها عن خلقه ليزيده بها إن شاء الله قربة إليه وكرامة، وأباح له أشياء حظرها على خلقه زيادة في كرامته، وتبيين فضيلته، مع

стр. 180

ما لا يحصى من كرامته له" (١)

стр. 181

المطلب الثاني في حجية السنة اتفق العلماء على أن السنة الصحيحة الثابتة التي صدرت عن رسول الله ﷺ بقصد التشريع والاقتداء حجة على المسلمين، ومصدر تشريعي لهم متى ثبتت بسند صحيح إما بطريق القطع، أو غلبة الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة واضحة بينة لا تدخل تحت الحصر، وصار عندهم يقين جازم بأنه لا فرق بين حكم ثبت بالكتاب وحكم ثبت بالسنة، وهذه الأدلة من القرآن الكريم وإجماع الصحابة والمعقول، وأهمها ثبوت العصمة للنبي ﷺ (١). أولًا: القرآن الكريم: استدل العلماء على حجية السنة بنصوص القرآن الكريم، وذلك من عدة وجوه، أهمها ما يلي: ١ - أحال القرآن الكريم إلى السنة بعبارة صريحة، حيث طلب الله تعالى من رسوله أن يبين للناس ما أنزل إليهم من أحكام القرآن، فقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].

стр. 182

فأصبح بيان رسول الله ﷺ حجة بتكليف الله تعالى وتفويض منه. ٢ - أمر الله تعالى بطاعة رسوله، والطاعة تفيد الالتزام بأمر المطاع وتنفيذ طلباته (١)، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٦]. ٣ - ربط الله تعالى محبته باتباع رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال الآمدي: ومحبة الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي ﵇ لازمة لمحبة الله الواجبة (٢). ٤ - قرن الله تعالى طاعته بطاعة رسوله في آيات كثيرة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠] وقال تعالي: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] وجعل طاعة الرسول طاعة له، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. فهذه الآيات الكريمة تدل دلالة قاطعة على أن الله تعالى يوجب اتباع رسوله فيما شرعه، وأن الالتزام بطاعة الرسول كالالتزام بطاعة الله، وأن تنفيذ أقوال الرسول ﷺ وأوامره كتنفيذ أقوال الله تعالى وأوامره والانتهاء عما نهى عنه (٣). ٥ - أمر الله تعالى برد الحكم إلى الله والرسول عند التنازع والاختلاف، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] , وهذا دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله

стр. 183

تعالي الوارد في القرآن الكريم، وإلى حكم الله تعالى الثابت بالسنة الشريفة (١). ٦ - وصف القرآن الكريم رسول الله ﷺ بصفات المشرع، فقال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذه الآية صريحة الدلالة في أن أوامره ونواهيه شرع للمسلم، بل وصفه الله تعالى بالعصمة في التشريع، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. ٧ - نبه القرآن الكريم إلى مكانة الرسول ﷺ التشريعية، وحذر من مخالفة أمره، وهدد بالفتنة والعذاب لمن يخالف أمره، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣] وهذا يدل على وجوب اتباعه والاقتداء به والالتزام بما يصدر عنه (٢). ٨ - أمر القرآن الكريم الأمة بالأخذ بما جاء به رسول الله ﷺ والنهي عما نهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ٩ - نص القرآن الكريم أن الله تعالى أعطى نبيه محمدًا ﷺ الكتاب والحكمة في آيات كثيرة (٣)، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ

стр. 184

وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. قال العلماء: الحكمة هي السنة (١)، مما يدل على أن الله تعالى أوحاها إليه، وأنزلها عليه. ١٠ - نص القرآن الكريم على وجوب الرضا بقضاء رسول الله ﷺ ، وأن حكمه ملزم للمسلمين في أمورهم الخاصة، دون خيار لهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ١١ - نفى القرآن الكريم الإيمان عمن يرفض المثول لقضاء رسول الله ﷺ ، أو يسخط عليه ولا يستسلم له أو لا يقبله، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] ووصم الله تعالى من يصد ويعرض عن الرسول ﷺ أنه منافق (٢)، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١]. ١٢ - بيّن القرآن الكريم أن من صفات الرسل عامة وجوب طاعتهم من الأمة التي أرسلوا إليها، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] ونص على ذلك في شأن كل رسول خاصة فقال تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ [الشعراء: ١٠٧، ١٠٨]. ١٣ - خاطب القرآن الكريم الأمة واعظًا ومرشدًا بأنه جعل لهم رسول الله ﷺ أسوة وقدوة لمن يبتغي تطبيق شرعه، ويطمع في رضوان

стр. 185

الله، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. هذه النصوص القرآنية -وغيرها كثير- برهان ودليل قاطع على حجية السنة واعتبارها مصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي، وأن أحكام السنة تشريع إلهي واجب الاتباع (١). ثانيًا: إجماع الصحابة: أجمع صحابة رسول الله ﷺ في حياته وبعد وفاته على وجوب اتباع سنته والعمل بها والالتزام بما ورد فيها من أحكام، وتنفيذ ما فيها من أوامر، والانتهاء عما فيها من نواهٍ، فكانوا لا يفرقون بين الأحكام المنزلة في القرآن الكريم، وبين الأحكام الصادرة عن رسول الله ﷺ ، ولذلك قال معاذ بن جبل ﵁: "إن لم أجد في كتاب الله قضيت بسنة رسول الله ﷺ " والأمثلة كثيرة بعد وفاته، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة كانوا إذا أعوزهم أمر، أو نزل بهم حادث، أو تعرضوا لقضاء، بحثوا عن الحكم في القرآن الكريم، فإن لم يجدوا فيه، بحثوا عن ذلك في السنة، وسأل بعضهم بعضًا عمن يحفظ عن رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا، وقد تعددت الأحوال، ولم يستنكر واحد منهم ذلك، وسار على هذا المنوال التابعون، ومن بعدهم حتى يومنا هذا (٢). فدل عمل الصحابة وإجماعهم على أن السنة حجة كاملة ومصدر

стр. 186

تشريعي واجب الاتباع متى صح نقلها عن رسول الله ﷺ . ثالثًا: المعقول: وذلك من عدة وجوه: ١ - إن القرآن الكريم فرض على الناس فرائض مجملة، وشرع لهم أحكامًا عامة، وأخبرهم عن واجبات كثيرة، ولم يبين القرآن الكريم تفصيل هذه الفرائض والأحكام والواجبات، ويستحيل عقلًا استنباط ذلك وكيفيته إذا أراد المكلف المخاطب بالقرآن الكريم أن يؤدي هذه الفرائض، وينفذ تلك الأحكام بنفسه، ويرضي ربه في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، فجاء الرسول الكريم فبين هذا الإجمال بالسنة القولية والعملية، لما منحه الله تعالى من سلطة البيان، بقوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. ٢ - كان رسول الله ﷺ ترجمة عملية للقرآن الكريم، وكانت أعماله وأفعاله صورة حية للأحكام الواردة في كتاب الله تعالى، وكانت أوصافه وأخلاقه تنفيذًا واقعيًّا لأوامر الله تعالى، وقد سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ ، فقالت: "كان خُلُقُه القرآن"، وكان رسول الله ﷺ يتمثل كلام ربه، ويلتزم رضاه، ويسير على الصراط المستقيم، بل كان أول من ينفذ أحكامه، وخير من يطبق كتابه، فكانت سنته وسيرته تطبيقًا عمليًّا لأحكام القرآن الكريم، وبيانًا واقعيًّا للناس (١). فلا جرم أن تكون أقواله وأفعاله وكل ما يصدر عنه موافقًا لحكم الله

стр. 187

تعالى، وأن تكون بالنسبة للمسلمين مصدرًا رئيسيًّا لمعرفة الأحكام الشرعية نصًّا واجتهادًا واستنباطًا واستدلالًا. ٣ - إن وظيفة الرسول ﷺ أن يبلغ للناس كتاب الله تعالى، وأن يبينه لهم، فبلغ القرآن الكريم بنصه وحرفه، ونقله عن جبريل إلى المسلمين، أما البيان فهو بالأقوال والأفعال التي صدرت عن رسول الله، وقد ثبتت عصمة الرسول ﷺ في الأمرين معًا، وتكفل الله تعالى أن يحفظ الذكر، والقرآن الكريم لا يحفظ إلا بحفظ بيانه، وهو السنة (١). فدل ذلك على أن السنة بأقسامها الثلاثة السابقة واجبة الاتباع متى صح صدورها عن رسول الله ﷺ ، وأنها حكم شرعي واجب التنفيذ، ومصدر تشريعي للأمة في استنباط الأحكام (٢). قال حجة الإِسلام الغزالي رحمه الله تعالى: "وقول رسول الله ﷺ حجة لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه، ولأنه لا ينطق عن الهوى" (٣). وإن القرآن الكريم والشريعة جاءتنا عن طريق رسول الله ﷺ ، وهو المبلغ عن ربه، وهو المبين لكتاب الله تعالى، فكان لزامًا علينا اتباع أوامره ونواهيه. حجية السنة من السنة: وبعد أن ثبتت حجية السنة بنصوص القرآن الكريم وإجماع الصحابة والمعقول نورد بعض الأدلة من السنة

стр. 188

للاستئناس على حجيتها والاعتماد عليها (١)، وأن رسول الله ﷺ أكد هذ الحجية بأقواله وأحاديثه، فقال ﷺ : "تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي" (٢)، وقال ﷺ : "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" (٣)، وهذا المثل هو السنة (٤)، وعندما بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إن عَرَضَ لك قضاء؟ " قال: أقضي بكتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنةِ رسول الله، قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ "، قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو, فضربَ رسول الله على صدره، وقال: "الحمدُ لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يُرضي الله ورسولَه (٥) ". إنكار السنة: عندما ضاق الكفار بالإِسلام، ونفد صبرهم عن تحمله، وخلت عقولهم وأيديهم من معارضة القرآن الكريم، والطعن به، لجؤوا إلى الهدم عن طريق السنة، وسلطوا شكوكهم على الحديث، ووجهوا سهامهم على حجيته، وتعرضت السنة للإنكار في القرن الثاني الهجري من بعض الفرق الضالة المارقة من الدِّين، احتجوا بشبه واهية ضعيفة،

стр. 189

وحاولوا الاعتماد على بعض الآيات القرآنية لتأويلها حسب هواهم، وتحميلها ما لم تحتمل، مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقالوا: لا حاجة للسنة لأن القرآن بيَّن كل شي، ولم يفرط في أمر من الأمور، وبالتالي فالسنة ليست مصدرًا تشريعيًّا للأحكام (١)، وأضافوا إلى حجتهم الحديث الذي ينكر استقلال السنة بالتشريع، وأن ما ورد فيها يجب عرضه على كتاب الله، فإن لم يوجد في القرآن فيجب رده، ونسبوا الحديث إلى ثوبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف فلم أقله". ويرد على هذه الفئة بما يلي: ١ - إن الآيات الكريمة! السابقة في حجية السنة ترد مزاعمهم وتبطل حججهم، وتفند أدلتهم، وهي نصوص صريحة واضحة في اعتبار السنة مصدرًا تشريعيًّا في الأحكام. ٢ - إن الآيتين الكريمتين اللتين استندوا إليهما لا تدلان على هذا الفهم، وإن القرآن الكريم تبيان لكل شيء بما ورد فيه من أحكام، وبما أشار إليه من مصادر، وما تضمنه من قواعد عامة وأحكام مجملة بينتها السنة.

стр. 190

٣ - أما حديث ثوبان فهو موضوع، وضعته الزنادقة، كما قال يحيى بن معين، وقال الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وهذا الحديث نفسه إذا عرض على كتاب الله فإنه يخالفه (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] , وقوله تعالي: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ٤ - يقول: رسول الله ﷺ : يُوشك أن يقعد الرجل متكئًا، يحدِّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرّم رسولُ الله مثل ما حرَّم الله (٢). ٥ - قال رسول الله ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتُم مما علمني يومي هذا ... " الحديث (٣). ولا تزال السنة تتعرض لهجمات الملحدين والمستشرقين والمارقين من الدِّين الذين يسعون لهدم الإِسلام عن طريق هدم السنة متنًا وسندًا، ولكن الله تعالى سخر الأئمة والعلماء والمخلصين لرد كيد الكائدين، وتزييف دعواهم، وصيانة السنة من كل دخيل، وبقيت السنة خالصة من كل شائبة، نقية من كل تحريف (٤)، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا

стр. 191

الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ويلحق بهذا المطلب فرعان: الأول: تقسيم السنة من حيث السند لبيان حجية كل قسم، والثاني: حجية خبر الآحاد.

стр. 192

الفرع الأول في تقسيم السنة من حيث السند، وحجية كل قسم إن السنة حجة على الصحابة الذين سمعوها من رسول الله ﷺ ، أما بالنسبة لمن بعدهم، فلا تعتبر كذلك إلا إذا ثبتت صحتها بالطريق المقبول، وهو ما يعرف عند علماء الحديث بالسند (١) الذي اهتم به جهابذة العلماء، وأولوه الرعاية التامة، والدقة المتناهية، فمحَّصوا فيه الصحيح من السقيم، والثابت من الدخيل. وانقسم العلماء في تقسيم الأحاديث الصحيحة من حيث السند إلى فريقين: الفريق الأول: وهم الذين قسموا السنة من حيث السند إلى قسمين: متواتر وآحاد، وهم علماء الحديث وجمهور علماء الأصول (٢). الفريق الثاني: وهم الذين قسموا السنة إلى ثلاثة أقسام، وهي المتواتر والمشهور والآحاد، وهم علماء الحنفية، فزادوا الحديث المشهور.

стр. 193

ونتناول تعريف كل قسم وشروطه باختصار لنبين حكمه وحجيته في ثبوت الأحكام. أولًا: الحديث المتواتر: التواتر لغة: التتابع، ومنه تواتر القوم إذا جاء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، والمتواتر المتتابع (١). وفي الاصطلاح: هو ما رواه جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب (٢)، أي: ينقله عن رسول الله ﷺ عدد كبير من الصحابة، ثم ينقله عنهم عدد من التابعين (٣)، وهكذا حتى يصل إلى العلماء الذين قاموا بتدوين السنة وتسجيلها في القرنين الثاني والثالث الهجريين. ويكثر هذا القسم في السنة الفعلية، ويقل في السنة القولية، وأفرده العلماء بالجمع والتصنيف مثل كتاب: "الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة" لجلال الدين السيوطي، ومثال ذلك حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٤)، والأحاديث في كيفية أداء الصلاة والصوم والحج والأذان؛ مما نقله جماهير الصحابة عن رسول الله إلى من بعدهم.

стр. 194

والسنة المتواترة حجة كاملة باتفاق العلماء، وينطبق عليها ما قلناه تمامًا في حجية السنة، وتفيد العلم اليقيني القطعي في صحتها وثبوتها عن رسول الله ﷺ متى توافرت شروط التواتر، ويكفر جاحد الحديث المتواتر، والاحتجاج به في قوة الاحتجاج بالقرآن الكريم، وهما بمرتبة واحدة في الثبوت، ولذا فإن الحديث المتواتر يخصص العام في القرآن الكريم، ويقيد المطلق، ويبين المشترك، وينسخ القرآن الكريم عند الجمهور (١)، وغير ذلك كما سنرى فيما بعد (٢). ثانيًا: الحديث المشهور: وهو ما رواه عن رسول الله صحابي أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ورواه عنهم جمع مثله، أي: إن الحديث المشهور كان آحاديًّا في الطبقة الأولى من رواته، ثم تواتر في الطبقة الثانية والثالثة (٣). مثاله: ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات .. الحديث" (٤) ثم رواه عن عمر عدد كبير من الصحابة والتابعين الذين يبلغون حد التواتر، ومثله ما رواه أبو بكر أو علي أو ابن مسعود أو غيرهم من الصحابة، ثم اشتهر بعد ذلك، ولا عبرة لاشتهاره بعد القرن الثاني والقرن الثالث؛ لأن تدوين السنة قد اكتمل، واشتهرت جميع الأحاديث وأخبار الآحاد.

стр. 195

والفرق بين الحديث المشهور والحديث المتواتر في عدد الطبقة الأولى من الرواة، فهو في المتواتر جمع من جموع التواتر، وفي المشهور واحد أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر. ويترتب على هذا الفرق اختلاف بين الفقهاء وعلماء الأصول في الأحكام، فالجمهور يعتبر الحديث المشهور في حكم حديث الآحاد، ويأخذ أحكامه، أما الحنفية فيرون الحديث المشهور له مرتبة مستقلة بين الحديث المتواتر وخبر الآحاد، وأنه يشترك مع المتواتر في تخصيص عام القرآن، والزيادة عليه، وأنه يقيد مطلقه، ويفيد الطمأنينة والظن القريب من اليقين، ويفسق جاحده ولا يكفر؛ لأنه مقطوع بوروده عن الصحابي، ولا يقطع بوروده عن رسول الله ﷺ (١)، وهذا القسم غير مجموع بمفرده، وغير متفق على عدده. ثالثًا: حديث الآحاد: وهو ما رواه عن رسول الله شخص أو اثنان أو عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء مثلهم وهكذا حتى وصل الحديث إلى عصر التدوين فاشتهر، ويمثل هذا القسم الغالبية العظمى من السنة، ويسمى خبر الآحاد. وخبر الآحاد يفيد غالبية الظن من حيث وروده عن رسول الله متى توافرت فيه شروط الراوي التي وضعها علماء الحديث كالثقة والعدالة والضبط، وغير ذلك، ولكنه يجب العمل به مع الشك في ثبوته، وهو ما سنفرده بالبحث.

стр. 196

الفرع الثاني في حجية خبر الآحاد هذه الأقسام الثلاثة من السنة المتواترة والمشهورة والآحاد حجة يجب العمل بها واتباع ما ورد فيها, ولكن لا يؤخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد؛ لأن الأمور الاعتقادية تبنى على الجزم واليقين، ولا تبنى على الظن، ولو كان راجحًا؛ لأن الظن في الاعتقاد لا يغني عن الحق شيئًا (١). واتفق العلماء على الاحتجاج بخبر الواحد، ولكنهم اختلفوا في طريق إثبات خبر الواحد، فاشترط بعضهم شروطًا معينة للاحتجاج بخبر الآحاد، بينما اشترط آخرون شروطًا غيرها، وسنعرض لدراسة هذا الموضوع فنبين أدلة الاحتجاج بخبر الواحد، ثم نذكر شروط قبوله (٢)،

стр. 197

وقد أفردناه بالبحث نظرًا لأهميته. أدلة الاحتجاج بخبر الواحد (١): استدل العلماء على وجوب العلم بخبر الآحاد بالقرآن والسنة والإجماع والقياس والمعقول. أولًا: القرآن الكريم: ونقتصر على آيتين: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، والترجي من الله تعالى يعتبر طلبًا لازمًا، فالآية أوجبت الحذر وعدم الإقدام على ما يوجب العقاب بقول الطائفة المتعلمة، وهي واحد أو اثنان، مما يدل على أن خبر الواحد يجب قبوله (٢). ٢ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فالآية أمرت بالتثبت من خبر الواحد إذا كان فاسقًا؛ لأن العلة في عدم قبول خبر الفاسق هي فسقه، لتعليق الحكم فيها بالفسق، أما خبر الواحد العدل فيجب قبوله والعمل به (٣).

стр. 198

ثانيًا: السنة: ويستدل من السنة على حجية خبر الواحد وصحة الاعتماد عليه بأدلة كثيرة منها: ١ - قال رسول الله ﷺ : "نَضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقه إلى من هو أفقه منه ... الحديث" (١). فالرسول ﷺ حبَّبَ ودعا إلى الاستماع إلى أقواله وحفظها ووعيها وأدائها من كل المسلمين، سواء كانوا أفرادًا أم جماعات، ولذا فإن نَقَلَ الحديث واحد أو اثنان أو ثلاثة فيجب قبول الخبر والعمل به (٢). ٢ - قال رسول الله ﷺ : "بلِّغوا عني ولو آية" (٣)، فالحديث يأمر المخاطب بالتبليغ لإرشاد الناس ونصحهم إلى الخير، ولو كان خبر الواحد لا يجدي لكان الحديث عبثًا، والرسول منزه عن العبث. ٣ - إن النبي ﷺ بعث في وقت أحد اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا يبلغون رسالته، ويدعونهم إلى الإِسلام، وكان رسول الله ﷺ يرسل الكتب إلى الولاة المسلمين بوساطة أحد الصحابة، وهذا يدل على أن الخبر الذي ينقله هذا المبعوث يجب قبوله والعمل به، وإلا لما فعله رسول الله ﷺ . ٤ - كان الصحابة ينقلون الأحكام الشرعية بأخبار الآحاد ويبلغونها إلى أهلهم وذويهم وإخوانهم، وقد أقرهم رسول الله على ذلك، فهذا من السنة التقريرية على قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.

стр. 199

ومثل ذلك حالة تحويل القبلة في مسجد قُباء بخبر أحد الصحابة، ومثل تحريم الخمر الذي نقله أحد الصحابة إلى بعض المسلمين الذين كانوا يتناولونه فامتنعوا عنه، وأراقوا الخمر، وكسروا الدنان (١). ثالثًا: الإجماع: أجمع الصحابة على العمل بخبر الواحد الذي يرويه واحد أو اثنان، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى، فقد عمل أبو بكر بخبر المغيرة بن شعبة في إعطاء الجدة السدس في الميراث، وعمل عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، لقوله ﷺ : "سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب"، وعمل عثمان بخبر فُرَيْعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعمل علي وابن عباس وغيرهما في وقائع مختلفة وأزمان متباينة دون أن ينكر عليهم أحد من الصحابة ذلك، فكان هذا إجماعًا على وجوب العمل بخبر الواحد (٢). رابعًا: القياس: قاس العلماء خبر الآحاد في الحديث على خبر الآحاد في القضاء، فالقاضي يحكم بناء على شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين بنص القرآن والسنة، وكذلك العالم يقبل خبر الآحاد في الحديث (٣)، وقاس الغزالي قبول خبر الواحد على قبول قول المفتي في

стр. 200

الحكم بالأولى (١)، وقال الإِمام الشافعي ﵀: وإنا لنطلب في المُحَدِّث أكثر مما نطلب في الشاهد (٢). خامسًا: المعقول: وذلك أن خبر الآحاد يحتمل الصدق والكذب، ولكن اشتراط العدالة والضبط والعقل والثقة وغيرها من الشروط ترجح جانب الصدق على جانب الكذب، ومثل ذلك ما يجري بين الناس من قبول أخبار الآحاد في أمور الفتوى والتزكية والخبرة سواء في ذلك الأمور الدينية والأمور الدنيوية (٣). وإن أكثر السنة وردت إلينا آحادًا، فلو لم نعمل بها، ونحتج بما ورد فيها , لضاع قسم كبير من الشريعة، ووقع الناس في حرج، ولو لم يكن خبر الآحاد مقبولًا لوجب على الصحابة أن يلزموا رسول الله، ويعطلوا أعمالهم، وهذا لم يحدث قطعًا. شروط العمل بخبر الواحد: إن اتفاق جماهير العلماء على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به لم يمنعهم من اشتراط بعض الشروط التي تبعث في أنفسهم الطمأنينة والراحة في صحة الخبر والاطلاع على السند الذي وصلهم، وإني أعتبر ذلك مفخرة لهم في الوعي والبحث عن الدِّين الحق، خشية أن يتسرب الغث أو الأوهام أو الأساطير والأكاذيب إلى دين الله. وهذه الشروط قسمان: شروط عامة متفق عليها في الراوي، كالإِسلام والبلوغ والعقل والضبط والعدالة (٤)، وشروط مختلف عليها،

стр. 201

فبعضها اشترطها الصحابة، وبعضها الآخر اشترطها كل إمام من الأئمة، وهذا هو البيان. أولًا: آراء الصحابة ﵃: كان أبو بكر وعمر أحيانًا لا يقبلان الحديث إلا بشهادة اثنين على سماعه من رسول الله ﷺ ، وكان علي يستحلف الراوي بأنه سمع الحديث من رسول الله ﷺ . وهذه الطريقة لم تكن مطردة بإطلاق، فقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعليًّا وغيرهم كانوا يقبلون أحاديث الآحاد بدون هذه الشروط (١). وكان الصحابة أحيانًا يرفضون قبول حديث أو العمل به، لما يرونه من نسخ الحديث أو معارضته لحديث آخر أو لعدم الثقة بالراوي أو لظروف خارجة تحيط به، ولم يتسرب إلى أنفسهم مطلقًا شك أو ريب في حجية السنة وخبر الآحاد (٢). ثانيًا: مذهب الحنفية: اشترط الحنفية لقبول خبر الآحاد والعمل به ثلاثة شروط وهي: ١ - أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه، كما في حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب من الإناء، وغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب الطاهر، وكان أبو هريرة يكتفي بالغسل ثلاثًا، وحديث عائشة: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثًا"، بينما تولت السيدة عائشة عقد نكاح قريبتها. ٢ - أن لا يكون موضوع الحديث مما تكثر به البلوى، إلا إذا اشتهر

стр. 202

وتلقته الأمة بالقبول، مثل حديث: "من مس ذكره فليتوضأ"، قالوا: إنه خبر آحاد، والصحيح أنه مشهور، ولم ينقله عن الرسول إلا راوٍ واحد مع حاجة المسلمين إلى معرفة نواقض الوضوء (١)، ومثله حديث رفع اليدين عند الركوع، وحديث الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ٣ - أن لا يكون الحديث مخالفًا للقياس والأصول الشرعية إذا كان الراوي غير فقيه (٢)، مثل حديث المُصَراة بردها وصاعًا من تمر، وعللوا هذا الشرط بانتشار نقل الحديث بالمعنى، وعدوا من غير الفقهاء أبا هريرة وأنسًا وسلمان وبلالًا. ثالثًا: مذهب المالكية: اشترط المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يكون مخالفًا لعمل أهل المدينة, لأن عمل أهل المدينة يعتبر كالحديث المتواتر، والحديث المتواتر يقدم على خبر الآحاد (٣)، فلم يعملوا بحديث: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" لمخالفة عمل أهل المدينة له، ومثل حديث السلام على اليمين في الصلاة ثم السلام على اليسار، بينما عمل أهل المدينة بالسلام على اليمين فقط، وهو قول الإِمام مالك. رابعًا: مذهب الشافعية: اشترط الإِمام الشافعي الشروط العامة لقبول الحديث وحددها في الراوي بأربعة، وهي:

стр. 203

١ - أن يكون ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه. ٢ - أن يكون عاقلًا لما يحدث، فاهمًا له. ٣ - أن يكون ضابطًا لما يرويه. ٤ - أن يكون الخبر غير مخالف لحديث أهل العلم بالحديث. وهذه الشروط تتعلق بصحة السند واتصاله، ولذلك لم يعمل بالحديث المرسل إلا بشروط (١). خامسًا: مذهب الحنابلة: يشترط الإِمام أحمد صحة السند لقبول خبر الآحاد والعمل به، كالشافعية، ولكن الفرق بينهما في بعض الجزئيات، مثل قبول الحنابلة للحديث المرسل، خلافًا للشافعية لأن الإِمام أحمد لا يشترط اتصال السند، ومثل تقديم الحديث الضعيف على القياس (٢).

стр. 204

المطلب الثالث في مكانة السنة نبحث في هذا الفصل عن منزلة السنة في التشريع، ودرجة السنة بين مصادر التشريع، ومراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم. أولًا: منزلة السنة في التشريع: تبين من الدراسة السابقة أن السنة حجة كاملة في ثبوت الأحكام، وأنها مصدر تشريعي مستقل، وأن الأحكام التي تثبت في السنة لا تقل منزلة عن الأحكام في القرآن الكريم، فكلا الأمرين من عند الله تعالى، وكل حكم في السنة يعتبر حكمًا من عند الله تعالى، وأحكام الله تعالى متساوية، لا تفاوت بينها, ولا تمييز لأحدها عن الآخر، فالمسلم مكلف بكل حكم يثبت في السنة بنفس قوة تكليفه بالأحكام الواردة في القرآن الكريم، وأنه يثاب على الفعل، ويعاقب على الترك. ونلمس هذا الفهم في حياة الصحابة رضوان الله عليهم في أثناء نزول الوحي من السماء وتلقي أحكام الله تعالى، فلم يفرقوا بين حكم نزل بالوحي وحكم صدر عن رسول الله ﷺ ، بل لم يرد عن صحابي واحد سؤال عن مصدر الحكم الشرعي هل هو قرآن أم سنة؟ تصديقًا لوصف الله تعالى لهم بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].

стр. 205

ولذا فالمسلم المؤمن هو من يطبق الأحكام الشرعية كلها سواء وردت في الكتاب الكريم أو جاءت في السنة، بشرط واحد وهو أن تكون السنة صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ومتى ثبتت لديه السنة فليس له عذر قطعًا في تركها أو الابتعاد عنها أو تأويلها بدون مسوغ. ولا أظن أن هذا الكلام يحتاج إلى دليل، ويكفي أن نذكر بأن السنة ليست من الرسول ﷺ إلا باللفظ، أما المعنى فهو من عند الله تعالى، لقوله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] ولقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١] والحكمة هي السنة كما فسرها العلماء، وقال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت الكتابَ ومثلَه معه" (١) وهو السنة، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يُسأل عن أشياء كثيرة فكان يتوقف حتى ينزل عليه الوحي إما لفظًا ومعنى وهو القرآن، وإما معنى ويعبر رسول الله عنه، مثل قضية الظهار واللعان وصفات الله تعالى والإذن بالهجرة والقتال وصلح الحديبية (٢). والفرق بين السنة والقرآن أن القرآن معجز، ويتعبد بتلاوته، أما السنة فليست كذلك. قال المحلاوي: واعلم أن من يعتد بعلمه من العلماء قد اتفق على أن السنة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام (٣).

стр. 206

وقال ابن حزم: فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله ، لا شك في ذلك (١). ثانيًا: درجة السنة بين مصادر التشريع: اتفق العلماء على أن السنة مصدر تشريعي مستقل، ولكنها تأتي في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم، فالعالم أو المجتهد يرجع أولًا إلى كتاب الله تعالى لمعرفة حكمه في الواقعة، فإن لم يجد فيه مبتغاه رجع إلى السنة ليستخرج الحكم الشرعي ويستنبطه منها. والأدلة على ذلك من السنة وعمل الصحابة والمعقول (٢). ١ - السنة: والدليل هو حديث معاذ بن جبل عندما أرسله رسول الله ﷺ إلى اليمن، وسأله: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " فقال: أقضي بكتاب الله تعالى، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد؟ " قال أجتهد رأيي ولا آلو. فسُرَّ رسول الله ﷺ وأيده على هذا الترتيب للسنة بعد القرآن الكريم، وأقره عليه بقوله: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله ورسوله" (٣). ٢ - عمل الصحابة: فقد ثبت عن أبي بكر وعمر وابن عباس وغيرهم

стр. 207

ما يجزم بأنهم كانوا يرجعون في القضاء والأحداث والفتاوى إلى كتاب الله، فإن لم يجدوا في كتاب الله تعالى بحثوا في سنة رسول الله ﷺ ، قال ابن مسعود: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ (١). ٣ - المعقول: وذلك من وجوه: أ- القرآن الكريم قطعي الثبوت جملة وتفصيلا، أما السنة فهي قطعية الثبوت جملة عن رسول الله ﷺ ، أما في التفصيل فمنها ما هو قطعي الثبوت كالحديث المتواتر، وهو قليل، ومنها ما هو ظني الثبوت كالحديث المشهور وحديث الآحاد، وهما أغلب السنة، والقطعي يقدم على الظني عقلًا بالاتفاق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالقرآن الكريم معجزة بلفظه ومعناه، وأنه من كلام الله تعالى، أما السنة فهي كلام رسول الله ﷺ ، وكلام الخالق مقدم على كلام المخلوق قطعًا. ب- جاءت السنة لتبين القرآن الكريم بالتأكيد والتقرير، أو بالتفسير والشرح، أو بالنسخ والزيادة، كما سنرى بعد قليل، فيكون القرآن أصلًا، والسنة تبعًا له، ويترتب على ذلك أن يكون القرآن في الدرجة الأولى، والسنة في الدرجة الثانية، قال الآمدي: والبيان تابع للمبيَّن (٢). ج- القرآن الكريم محدد ومحصور، أما السنة فهي واسعة وغير محصورة، فكان الرجوع إلى القرآن أسهل منالًا، وأقرب مقصدًا،

стр. 208

فيقضي العقل أن نرجع إليه أولًا، ثم إلى السنة ثانيًا (١). د- القرآن الكريم أصل التشريع ومصدره الأول، فإن وجد فيه حكم أخذه المسلم فورًا، وإن لم ينص على الواقعة رجع إلى السنة، فإن ظفر بالحكم فيها طبقه (٢). ثالثًا: مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم: قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: "فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه .. أحدها: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب، والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد .. والثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب" (٣). ويظهر من كلام الشافعي أن السنة بالنسبة إلى القرآن ثلاث مراتب، ويزاد عليها مرتبة أخرى أنها تكون دالة على النسخ (٤)، فالمراتب أربعة، وهي: ١ - المرتبة الأولى: أن تكون السنة مقررة ومؤكدة حكمًا جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم قد ورد في مصدرين، ودل عليه دليلان: القرآن والسنة، وهذا القسم كثير في السنة، منها الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالجهاد، وفضل الشهيد، وبر الوالدين، وصلة الأقارب، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل مال الآخرين.

стр. 209

٢ - المرتبة الثانية: أن تكون السنة مُبينة حكمًا ورد في القرآن الكريم (١)، وهذا البيان على ثلاثة أنواع: أ- أن تكون السنة مفسرة لحكم جاء في القرآن مجملًا، مثل قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾، ﴿وآتوا الزكاة﴾، ﴿كتب عليكم الصيام﴾، ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ ولم يبين القرآن الكريم كيفية إقامة الصلاة، ولا مقدار الزكاة، ولا مفهوم الصوم، ولا مناسك الحج، فصلى رسول الله ﷺ وقال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، وحج: وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، وأنه امتناع عن الطعام والشراب والجماع، وغير ذلك من أحكام المعاملات والقضاء والجهاد. ب- أن تكون السنة مقيدة لحكم جاء في القرآن مطلقًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فاليد مطلقة، ولم توضح الآية الحد المطلوب في القطع، فجاءت السنة وبينت أن القطع من رسغ اليد اليمنى. ج- أن تكون السنة مخصصة لحكم عام في القرآن الكريم (٢)، مثل قوله ﷺ : "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (٣)، مع قوله تعالى في الآية التي عدَّدت المحرمات من النساء في النكاح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ .. الآية ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فلفظ "ما" من ألفاظ العموم، فيفهم من الآية جواز النكاح من غير ما ذكرت الآية، ثم جاءت السنة وخصصت هذا العموم بأنه ما عدا العمة والخالة.

стр. 210

٣ - المرتبة الثالثة: أن تكون السنة منشئة لحكم جديد لم يتعرض له القرآن الكريم (١)، مثل قضائه ﷺ بالشاهد واليمين، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والتحريم من الرضاع لكل ما يحرم من النسب، بقوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢) بينما اقتصرت الآية على تحريم الجمع بين الأختين من النسب، وتحريم الأمهات والأخوات فقط من الرضاع, ومثل رجم الزاني المحصن، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (٣). قال الإِمام الشوكاني: اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، أي: أوتيت القرآن ومثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن (٤). ٤ - المرتبة الرابعة: أن تكون السنة ناسخة للقرآن الكريم، وهذه المرتبة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن السنة لا تنسخ القرآن، والقرآن لا ينسخ السنة،

стр. 211

وإنما تكون السنة دليلًا على ناسخ القرآن ومنسوخه، وهو مذهب الشافعي، واستدل بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فإن الفاعل في لفظ "نأت" يرجع إلى الله تعالى، فالناسخ هو كلام الله تعالى في القرآن، وإن الناسخ يكون خيرًا من المنسوخ أو مثله، والسنة ليست خيرًا من القرآن الكريم، وليست مثل كلام الله، لكن السنة تكون دليلًا على نسخ الحكم (١). القول الثاني: أن السنة تنسخ حكمًا ورد في القرآن الكريم، وهو قول الجمهور والبيضاوي والإسنوي والغزالي والجويني من الشافعية. واستدلوا على ذلك بوقوع النسخ فعلًا، مثل قوله ﷺ : "لا وصية لوارث" (٢) فإنها نسخت الوصية للوالدين في الآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] فالحديث نسخ الآية (٣)، والأمثلة على ذلك كثيرة في باب النسخ كما سيأتي في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى. وبعد بيان مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم يتأكد لنا أن السنة

стр. 212

تكمل القرآن الكريم في البيان والتشريع، وأنه لا يمكن أن يقع بينهما اختلاف أو تعارض، وأن ما يتبادرا منه إلى الذهن أحيانًا فهو توهم ظاهري أو دس وتشكيك (١)، وهذاء، يدفعنا إلى زيادة الحرص على السنة الشريفة، والتطلع إليها، دراسة وبحثا وحفظا، لتتوضح أمامنا معالم الطريق، ونسلك الصراط المستقيم، ونرضي رب العالمين، القائل في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وفي الختام فإن مباحث الكتاب والسنة كثيرة، وإن المرء لا يحيط علمه بها، وإن المباحث اللغوية والدلالات اللفظية للقرآن والسنة، وما يتعلق بهما في الاستدلال والاستتباط مجاله في مبحث الدلالات، وإن هذه المباحث مشتركة بين القرآن, الكريم والسنة القولية، وتنفرد السنة من جهة أفعاله ﷺ وما يتعلق بها من عصمة الأنبياء ودلالة الأفعال وتعارض الأقوال مع الأفعال، وغير ذلك مما أسهب علماء الأصول في عرضه وبيانه (٢)، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ومنحنا القوة والقدرة على الاستفادة مما كتبوه، وتطبيقه في هذه الحياة. وبعد أن درسنا مبحثي الكتاب والسنة، بشيء من التفصيل فإننا نتناول بقية المصادر إجمالًا، فنعرِّف كلا منها، ونشرح التعريف، ونبين الصورة والمثال، ونذكر الحجة وبعض الشروط، ونشير إلى آراء الأئمة في المصادر المختلف فيها وأهم أدلتهم. والفائدة من هذه الدراسة الإجمالية -مع أنها استباق للزمن في

стр. 213

الدراسة التفصيلية- أن القاري يدرس ذلك في أبواب الفقه والحديث والأحوال الشخصية والأصول، وتعتمد دراسته في مشروعية الأحكام على الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو العرف أو عمل الصحابة ... فلا بد أن يكون لديه تصور صحيح لها, ليطمئن قلبه إلى الأحكام ومشروعيتها، ونترك التفاصيل لوقتها المناسب. ولا يمكن للقارئ أن يحتج مثلًا بالإجماع بأنواعه، أو بالعرف أو بالاستصلاح، وهو جاهل بها، أو يفاجأ بعدم حجية بعضها مثلًا.

стр. 214

المبحث الثالث في الإجماع تعريف الإجماع: الإجماع لغة: له معنيان: أحدهما: العزم على الأمر والقطع به، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أي: اعزموا عليه، والثاني: هو الاتفاق، من قولهم: أجمع القوم على كذا أي: اتفقوا (١). وفي الاصطلاح: اختلف علماء الأصول في تعريف الإجماع بناء على اختلافهم في بعض شروطه، ونختار تعريف الكمال بن الهمام وهو: "اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمَّد ﷺ على أمر شرعي" (٢).

стр. 215

شرح التعريف: ١ - الاتفاق: هو الاشتراك، وهذا يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير. ٢ - مجتهدي: وهم العلماء وأهل الحل والعقد الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ويخرج من التعريف العوام وأهل التقليد ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد الشرعي، فلا عبرة لموافقتهم ولا لمخالفتهم، ولا عبرة لاتفاق غير المجتهدين. ٣ - عصر: وهو الزمن، أي اتفاق المجتهدين الموجودين في عصر واحد، فلا يشترط اتفاق المجتهدين في جميع العصور؛ لأنه مستحيل، وإضافة العصر إلى المجتهدين يدل على الاستغراق، فيشترط اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور، ويخرج من التعريف اتفاق بعض المجتهدين، فلا يعدُّ إجماعًا. ٤ - من أمة محمَّد ﷺ : وهذا تقييد للإجماع في أمة محمَّد ﷺ ، وهو خاصية لها، وتكريم لشأنها, لما ورد في القرآن الكريم من جعلها أمة وسطًا، ويخرج إجماع الأمم الأخرى، كاتفاق علماء النصارى أو اليهود على أمر، فلا يعتبر إجماعًا شرعيًّا، ولا يقبل، ولا يحتج به. ٥ - على أمر شرعي: وهو الأمر الذي لا يدرك لولا خطاب الشارع، سواء كان قولًا أو فعلًا، أو اعتقادًا، أو تقريرًا، والإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، وعقوبات وأحوال شخصية، وغير ذلك من الحلال والحرام (١).
следующие страницы →