وإنما تكون السنة دليلًا على ناسخ القرآن ومنسوخه، وهو مذهب الشافعي، واستدل بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فإن الفاعل في لفظ "نأت" يرجع إلى الله تعالى، فالناسخ هو كلام الله تعالى في القرآن، وإن الناسخ يكون خيرًا من المنسوخ أو مثله، والسنة ليست خيرًا من القرآن الكريم، وليست مثل كلام الله، لكن السنة تكون دليلًا على نسخ الحكم (١).
القول الثاني: أن السنة تنسخ حكمًا ورد في القرآن الكريم، وهو قول الجمهور والبيضاوي والإسنوي والغزالي والجويني من الشافعية.
واستدلوا على ذلك بوقوع النسخ فعلًا، مثل قوله ﷺ : "لا وصية لوارث" (٢) فإنها نسخت الوصية للوالدين في الآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] فالحديث نسخ الآية (٣)، والأمثلة على ذلك كثيرة في باب النسخ كما سيأتي في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.
وبعد بيان مراتب السنة بالنسبة إلى القرآن الكريم يتأكد لنا أن السنة
стр. 212
تكمل القرآن الكريم في البيان والتشريع، وأنه لا يمكن أن يقع بينهما اختلاف أو تعارض، وأن ما يتبادرا منه إلى الذهن أحيانًا فهو توهم ظاهري أو دس وتشكيك (١)، وهذاء، يدفعنا إلى زيادة الحرص على السنة الشريفة، والتطلع إليها، دراسة وبحثا وحفظا، لتتوضح أمامنا معالم الطريق، ونسلك الصراط المستقيم، ونرضي رب العالمين، القائل في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وفي الختام فإن مباحث الكتاب والسنة كثيرة، وإن المرء لا يحيط علمه بها، وإن المباحث اللغوية والدلالات اللفظية للقرآن والسنة، وما يتعلق بهما في الاستدلال والاستتباط مجاله في مبحث الدلالات، وإن هذه المباحث مشتركة بين القرآن, الكريم والسنة القولية، وتنفرد السنة من جهة أفعاله ﷺ وما يتعلق بها من عصمة الأنبياء ودلالة الأفعال وتعارض الأقوال مع الأفعال، وغير ذلك مما أسهب علماء الأصول في عرضه وبيانه (٢)، فجزاهم الله عنا خير الجزاء، ومنحنا القوة والقدرة على الاستفادة مما كتبوه، وتطبيقه في هذه الحياة.
وبعد أن درسنا مبحثي الكتاب والسنة، بشيء من التفصيل فإننا نتناول بقية المصادر إجمالًا، فنعرِّف كلا منها، ونشرح التعريف، ونبين الصورة والمثال، ونذكر الحجة وبعض الشروط، ونشير إلى آراء الأئمة في المصادر المختلف فيها وأهم أدلتهم.
والفائدة من هذه الدراسة الإجمالية -مع أنها استباق للزمن في
стр. 213
الدراسة التفصيلية- أن القاري يدرس ذلك في أبواب الفقه والحديث والأحوال الشخصية والأصول، وتعتمد دراسته في مشروعية الأحكام على الإجماع أو القياس أو الاستحسان أو العرف أو عمل الصحابة ... فلا بد أن يكون لديه تصور صحيح لها, ليطمئن قلبه إلى الأحكام ومشروعيتها، ونترك التفاصيل لوقتها المناسب. ولا يمكن للقارئ أن يحتج مثلًا بالإجماع بأنواعه، أو بالعرف أو بالاستصلاح، وهو جاهل بها، أو يفاجأ بعدم حجية بعضها مثلًا.
стр. 214
المبحث الثالث في الإجماع
تعريف الإجماع:
الإجماع لغة: له معنيان: أحدهما: العزم على الأمر والقطع به، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أي: اعزموا عليه، والثاني: هو الاتفاق، من قولهم: أجمع القوم على كذا أي: اتفقوا (١).
وفي الاصطلاح: اختلف علماء الأصول في تعريف الإجماع بناء على اختلافهم في بعض شروطه، ونختار تعريف الكمال بن الهمام وهو: "اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمَّد ﷺ على أمر شرعي" (٢).
стр. 215
شرح التعريف:
١ - الاتفاق: هو الاشتراك، وهذا يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير.
٢ - مجتهدي: وهم العلماء وأهل الحل والعقد الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد في الأحكام الشرعية، ويخرج من التعريف العوام وأهل التقليد ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد الشرعي، فلا عبرة لموافقتهم ولا لمخالفتهم، ولا عبرة لاتفاق غير المجتهدين.
٣ - عصر: وهو الزمن، أي اتفاق المجتهدين الموجودين في عصر واحد، فلا يشترط اتفاق المجتهدين في جميع العصور؛ لأنه مستحيل، وإضافة العصر إلى المجتهدين يدل على الاستغراق، فيشترط اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور، ويخرج من التعريف اتفاق بعض المجتهدين، فلا يعدُّ إجماعًا.
٤ - من أمة محمَّد ﷺ : وهذا تقييد للإجماع في أمة محمَّد ﷺ ، وهو خاصية لها، وتكريم لشأنها, لما ورد في القرآن الكريم من جعلها أمة وسطًا، ويخرج إجماع الأمم الأخرى، كاتفاق علماء النصارى أو اليهود على أمر، فلا يعتبر إجماعًا شرعيًّا، ولا يقبل، ولا يحتج به.
٥ - على أمر شرعي: وهو الأمر الذي لا يدرك لولا خطاب الشارع، سواء كان قولًا أو فعلًا، أو اعتقادًا، أو تقريرًا، والإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، وعقوبات وأحوال شخصية، وغير ذلك من الحلال والحرام (١).
стр. 216
ويؤخذ من التعريف أنه إذا وقعت حادثة، وأراد المسلمون أن يعرفوا الحكم الشرعي فيها، فتعرض على جميع المجتهدين المسلمين وقت حدوثها، فإن اتفقوا على حكم معين فيها، كان اتفاقهم إجماعًا، ويكون هذا الإجماع هو الدليل على أن هذا الحكم هو الحكم الشرعي في الواقعة. وهذا ما فعله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، عند نزول الوقائع الجديدة في المسلمين، وكان عمر ﵁ يحرص على الاحتفاظ بالصحابة والمجتهدين في المدينة المنورة مركز الخلافة الإِسلامية.
ومثال الإجماع الاتفاق على خلافة أبي بكر، وتوريث الجدات السدس، وحجب ابن الابن من الإرث بالابن (١)، والإجماع لا بد له من دليل كآية أو حديث ظاهر الدلالة، أو محل الاجتهاد، وعند الإجماع يصبح الأمر حكمًا قطعيًّا لا مجال لاحتمال غيره (٢).
حجية الإجماع:
اتفق المسلمون على كون الإجماع حجة شرعية، ومصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي في بيان الأحكام الشرعية، وأنه لا تجوز مخالفته (٣)، واستدلوا على ذلك بالقرآن الكريم والسنة والمعقول.
стр. 217
أولًا: نصوص القرآن الكريم:
استدل العلماء على حجية الإجماع بآيات كثيرة نقتصر منها على ما يلي:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فالآية الكريمة تحرم مخالفة الطريق التي سلكها المؤمنون؛ لأنها توعدت المخالف بالتخلي عنه في الدنيا، والعذاب بالآخرة، وجمعت الآية بين مخالفة المؤمنين ومخالفة الرسول ﷺ في الوعيد، مما يدل على أنهما بمرتبة واحدة، فكما يجب على المسلم اتباع الرسول وعدم مخالفته، وكذلك يجب عليه متابعة سبيل المؤمنين واتفاقهم في الأحكام، وعدم مخالفتهم فيها (١).
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فالآية تزكي هذه الآمة وتمن عليها بأنها وسط بين الأمم لتشهد عليهم؛ لأن الله عدَّلها، فتجب عصمتها عن الخطأ قولًا وفعلًا، والوسط هو العدل الذي يعتبر قوله حجة، كما جعل الله الرسول حجة في قبول قوله على المسلمين (٢).
стр. 218
٣ - قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فالآية وصفت المسلمين بأنهم خير الأمم؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا أمرت الأمة كلها -الممثلة بعلمائها- بشيء فيكون معروفًا بنص الآية، وإذا نهت عن شيء كان منكرًا، وبالتالي فإن أمرهم ونهيهم حجة على المسلمين، ويكون إجماعهم على أمر مصدرًا من مصادر التشريع؛ لأن الآية وصفتهم بصفة المشرع في الأمر والنهي (١).
وهناك آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقوله تعالي: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وأولو الأمر الديني هم المجتهدون والعلماء وأهل الفتيا، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
والواقع أن هذه الآيات الكريمة لا تدل دلالة صريحة على حجية الإجماع، وناقش العلماء ما يرد على الاحتجاج فيها، وأن أظهرها دلالة هي الآية الأولى، ولذا قال الغزالي ﵀: "فهذه كلها ظواهر، ولا تنص على الغرض، بل لا تدل دلالة الظواهر، والأقوى هو التمسك بقوله ﷺ : "لا تجمع أمتي على الخطأ" (٢).
ثانيًا: السنة:
وهي أقرب الطرق في إثبات حجية الإجماع، وذلك أنه وردت عدة
стр. 219
أحاديث عن رسول الله ﷺ تدل على عصمة الأمة عن الخطأ والضلالة، وأن المعنى المشترك بين هذه الأحاديث بلغ حد التواتر، من ذلك قوله ﷺ : "لن تجمع أمتي على الضلالة"، "أمتي لا تجتمع على الخطأ"، "أمتي لا تجتمع على الضلالة"، "ولم يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة، وسألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيه".
وقوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (١)، وقوله ﷺ : "ألا من سَرّه بَحْبَحَة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد"، وقوله: "يد الله مع الجماعة"، وقوله: "عليكم بالسواد الأعظم"، وقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم خلاف من خالفهم، ومن خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإِسلام من عنقه، ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية، عليكم بالسواد الأعظم" (٢).
فالأحاديث تدل على قصد الرسول ﷺ بتعظيم هذه الأمة وعصمتها من الخطأ، وأن الله تعالى لا يجمع هذه الأمة على الخطأ والضلالة، وأن ما اتفقوا عليه فهو حجة شرعية يجب على المسلمين الأخذ به، والالتزام بأحكامه، وأن الإجماع مصدر من مصادر التشريع الإسلامي (٣).
стр. 220
ثالثًا: المعقول:
وهو أن أهل الحل والعقد من مجتهدي الأمة كثيرون، وإذا اتفقوا على الحكم في قضية ما، وجزموا بها جزمًا قاطعًا، فالعادة تحيل هذا الحكم القاطع الجازم لو لم يستندوا إلى سند قوي قاطع، وإلا تنبه إلى الخطأ في القطع أحدهم، فاتفاق جميع المجتهدين مع اختلاف أنظارهم وبيئاتهم وتوافر الأسباب لاختلافهم دليل على أن وحدة الحق والصواب هي التي جمعتهم على الحكم (١).
ركن الإجماع وشروطه:
ركن الإجماع هو الاتفاق على الحكم من جميع المجتهدين مع اختلاف أجناسهم وطوائفهم وبلادهم، وهذا الاتفاق إما أن يكون صريحًا بالقول أو بالفعل، وهو الإجماع الصريح الحقيقي المتفق عليه، وهو المراد عند إطلاق العلماء لفظ الإجماع، وإما أن يصدر بعض المجتهدين حكمًا ويسكت الآخرون عليه دون إقرار ولا إنكار، وهو الإجماع السكوتي، وهذا مختلف فيه، فقال الشافعية والظاهرية بعدم حجيته، وقال الحنفية والمالكية وأحمد: إنه حجة؛ وهاتان مرتبتان للإجماع، وله مراتب أخرى في كتب الأصول (٢).
стр. 221
أما شروط الإجماع فكثيرة، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وأهمها:
١ - أن لا يعارضه نص من القرآن أو السنة أو إجماع سابق؛ لأن النص يأتي في المرتبة الأولى، والإجماع في المرتبة الثانية، وأن الإجماع السابق قطعي فلا يصح الإجماع على خلافه، ولأن الإجماع لا بد أن يستند على أصل شرعي من كتاب أو سنة (١).
٢ - أن يكون الإجماع مستندًا إلى دليل شرعي، وِإن لم يصلنا الدليل؛ لأن المجتهد مقيد في اجتهاده في الحدود الشرعية، وأكد ابن حزم أنه لا إجماع إلا بناء على نص (٢).
٣ - أن يوجد عدد من المجتهدين في عصر واحد، يؤمن تواطؤهم على الكذب.
٤ - أن يكون الاتفاق من جميع المجتهدين.
٥ - أن يكون الإجماع على أمر شرعي عند الجمهور، وقال آخرون: يصح على كل أمر.
٦ - أن ينقرض العصر ويموت جميع المجتهدين حتى لا يرجع أحدهم عن رأيه، وهو شرط مختلف فيه (٣).
٧ - أن ينتفي سبق الخلاف في المسألة عند أبي حنيفة خلافًا
стр. 222
للجمهور (١).
حكم الإجماع ومرتبته وأنواعه:
اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل بها على كل مسلم، وأنه يفيد القطع في إثبات الأحكام، ولا مجال لمخالفته ولا لنسخه.
ويأتي الإجماع في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة، كما بينه الشافعي ﵀ (٢).
قال ابن مسعود ﵁: إذا سئل أحدكم فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجده ففي سنة رسول الله، فإن لم يجد فلينظر فيما اجتمع عليه المسلمون. وإلا فليجتهد (٣).
أما الإجماع السكوتي فقد اختلف العلماء في حجيته، فذهب أكثر الحنفية والإمام مالك والإمام أحمد إلى اعتباره حجة قطعية، كالإجماع الصريح، لعموم الأدلة التي لم تفرق بين إجماع صريح وإجماع سكوتي، وذهب الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية إلى اعتباره حجة ظنية؛ لأن السكوت يحتمل الموافقة، ويحتمل غيرها، فهو ظني الدلالة على الحكم، ولا يمنع الاجتهاد في الواقعة والإجماع عليها بخلافه (٤).
стр. 223
وقال الشافعي وأكثر أصحابه والظاهرية: إنه ليس بحجة أصلًا (١). وهناك أنواع فرعية للإجماع مختلف فيها أيضًا أهمها:
١ - إجماع أهل المدينة المنورة، فقال مالك: يعتبر حجة تشريعية، خلافًا للجمهور (٢)، كما سنفصله في عمل أهل المدينة.
٢ - إجماع الأكثرية لا يعتبر حجة مع مخالفة الأقل، وقال جماعة منهم الطبري، والجوهري التميمي، والرازي الحنفي، وابن حمدان، والغزالي والجويني والسرخسي: هو حجة، خلافًا للجمهور (٣).
٣ - ذهب الظاهرية إلى قصر الإجماع على الصحابة فقط، ولا إجماع بعدهم (٤).
٤ - إجماع العترة، وإجماع الخلفاء الراشدين، وإجماع الشيخين أبي بكر وعمر (٥).
стр. 224
المبحث الرابع في القياس
وهذا هو الدليل الرابع من الأدلة الشرعية التي اتفق جماهير المسلمين على الأخذ بها، واعتبروه مصدرًا رئيسيًّا من مصادر التشريع الإِسلامي، وهو ذو أهمية خاصة؛ لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، ولا يمكن أن يحيط المتناهي بغير المتناهي، فتظهر ضرورة القياس الحتمية في التشريع، وقد سد هذا المصدر بابًا كبيرًا في بيان الأحكام، وتمت صلاحية الشريعة به لخلودها وصلاحها لكل زمان ومكان، وأن هذه النصوص المحكمة والقواعد العامة والأصول الثابتة دلت على الأخذ بالقياس، وأنه دليل على حكم الله تعالى.
تعريف القياس:
القياس في اللغة: التقدير، مثل قست الثوب بالذراع أي: عرفت مقداره، وقستِ القُذَّة بالقُذَّة أي: سويت بينهما في المقدار، والقياس من قاس يقيس وقاس يقوس، ويتعدى بالباء وبعلى، فيقال: قاسه على الشيء، وقاسه بالشيء (١)، ويكثر في الأصول تعديه بعلى.
стр. 225
أما القياس في الاصطلاح فعرفه ابن الحاجب بأنه "مساواة فرع لأصل في علة حكمه" (١).
شرح التعريف:
١ - مساواة: جنس، يشمل كل مساواة، مثل مساواة فرع لأصل، أو فرع لفرع، أو مساواة زيد لعمرو.
٢ - فرع: وهو المحل الذي لم ينص أو يجمع على حكمه.
٣ - أصل: وهو المحل الذي ورد فيه نص، أو أجمع المجتهدون على حكم فيه، ويخرج مساواة الفرع لفرع آخر، ومساواة زيد لعمرو.
٤ - علة: وهي الوصف الجامع المشترك أو الشبه المشترك بين الأصل والفرع والذي يتعلق الحكم به.
٥ - حكمه: وهو حكم الأصل الشرعي المتعلق بفعل المكلف بطلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير فيه.
والخلاصة أن الفرع ساوى الأصل في نفس العلة فينقل حكم الأصل الثابت إلى الفرع، والعلة قد تكون في الفرع أقوى منها في الأصل، مثل قياس ضرب الوالدين على التأفف فيكون القياس بالأولى، وقد تكون مساوية لها كقياس إحراق مال اليتيم على أكله وهو القياس المساوي، وقد تكون أضعف في الفرع كقياس الموز على البر بجامع الطعمية وهو القياس الأدون (٢).
ومثال القياس أن يقيس المجتهد النبيذ، وهو فرع، على الخمر، وهو أصل لاشتراكهما في علة الإسكار، وينقل حكم الخمر وهو
стр. 226
الحرمة إلى النبيذ، فيكون النبيذ حرامًا. وقياس المالكية الذرة على البر لكونه مقتاتًا مدخرًا، وحكم البر أنه مال ربويٌّ، فتكون الذرة كذلك مالًا برويًّا، ومثل قياس قبول خبر الآحاد على قبول الشهادة بجامع العدالة المتوفرة في كل منهما.
أركان القياس وشروطه (١):
أركان القياس -كما وردت في التعريف- أربعة، وهي: أصل، وفرع، وحكم الأصل، والعلة.
١ - الأصل: وهو محل الحكم المُشَبَّه به، ويشترط فيه أن يكون شرعيًّا وغير منسوخ، وألا يكون فرعًا من أصل آخر.
٢ - الفرع: وهو الواقعة أو الحادثة التي نريد معرفة حكمها، ويشترط في الفرع أن يساوي الأصل في العلة، وأن يساوي حكمه حكم الأصل، وألا يكون حكمه متقدمًا على حكم الأصل.
٣ - حكم الأصل: وهو الحكم الشرعي، ويشترط فيه أن يكون ثابتًا بنص أو بإجماع، وألا يكون ثابتًا بالقياس، وأن لا يكون دليله شاملًا لحكم الفرع، وبشرط أن يكون الحكم معقول المعنى لمعرفة علته، وأن لا يكون الحكم معدولًا به عن سنن القياس، وهو ما لا يعقل معناه كأعداد الركعات ومقادير الزكاة والكفارات، وما استثني من قاعدة مقررة، كشهادة خزيمة بن ثابت، فإنه خاص به.
٤ - العلة: وهي الوصف الجامع بين الأصل والفرع، ويشترط فيها
стр. 227
أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا معرِّفًا للحكم بحيث يدور الحكم معها، وأن تكون مطَّرِدة. وغير ذلك من الشروط الكثيرة والبحوث المتعلقة بمسالك العلة.
حجية القياس:
ذهب الجمهور إلى اعتبار القياس حجة ومصدرًا شرعيًّا، وأصلًا من أصول الشريعة (١)، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة
стр. 228
والإجماع والمعقول.
أولًا: نصوص الكتاب الكريم:
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢].
الاعتبار هو القياس، والآية أمرت بالاعتبار، والأمر يفيد الوجوب، فيكون القياس واجبًا على المجتهد، وإذا كان القياس واجبًا على المجتهد فيجب عليه أن يلتزم بالحكم الذي وصل إليه اجتهاده، وأنه هو حكم الله تعالى في اعتقاده (١)، قال الشوكاني: الاعتبار مشتق من العبور، والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فكان داخلًا تحت الأمر (٢).
ثانيًا: السنة:
١ - ثبت أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو، والاجتهاد هو القياس، وفي رواية قال: أقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملت به، فقال ﷺ : أصبت" (٣).
فالرسول ﷺ أقر معاذًا على طريقة القضاء، فيكون الاجتهاد
стр. 229
والقياس ثابتًا بالسنة التقريرية.
٢ - قاس رسول الله ﷺ في أمور كثيرة تزيد عن مائة مرة ليعلم الأمة ذلك ويرشدها إلى الطريق في بيان الأحكام التي لم يرد فيها نص بقياسها على الأحكام التي وردت فيها النصوص، وهذا من السنة الفعلية التي تعتبر حجة على المسلمين لأن يأتسوا بها، ويقتدوا بصاحبها.
- منها أن عمر سأل عن القُبلة هل تفطر الصائم؟ فقال: "أرأيتَ إن تمضمضت، أكنت تفطر؟ " قال: لا، قال ﵊: "فمَه (١)؟ "، أي: فما الفرق؟ وهنا قاس القُبلة على المضمضة في عدم الإفطار، والعلة المشتركة بينهما أن كلًّا منهما مقدمة للإفطار.
- ومنها أن امرأة من جهينة سألت الرسول ﷺ على نذر أمها بالحج، وماتت قبل الوفاء، وقالت: أفأحج عنها؟ قال ﷺ : "نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أفكنت قاضِيَتِه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء"، وقد تكررت هذه القصة مع امرأة من خثعم بالحج عن والدها، وعن رجل من خثعم بالحج عن والده، وهي أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وأصحاب السنن وأحمد والبيهقي والدراقطني (٢).
فالحديث شبه الحج بالدين، وقاسه عليه في وجوب الوفاء بجامع أن كلًّا منهما دين ثابت في الذمة، وأحدهما حق للعباد والآخر حق الله.
- ومنها ما رواه أبو هريرة أن رجلًا من فزارة أتى رسول الله ﷺ
стр. 230
فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فما ألوانها؟ " قال: حُمر، قال: "فهل فيها من أَوْرق؟ " قال: إن فيها لوُرْقًا، قال: "فأنّى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق (١) ".
ثالثًا: الإجماع:
ثبت عن صحابة رسول الله ﷺ أنهم اجتهدوا رأيهم، وقاسوا الأمور على أمثالها، وتكرر ذلك وشاع ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعًا منهم على حجية القياس (٢)، قال ابن عقيل الحنبلي: وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي (٣).
مثاله أن أبا بكر قاس في الكلالة الوالد على الولد في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فقال أبو بكر لما سئل عن الكلالة، أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.
وقال عمر في رسالته المشهورة لأبي موسى الأشعري: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك" (٤).
стр. 231
رابعًا: المعقول:
إن الحوادث لا تنتهي، والنصوص محصورة، فلا بدَّ من القياس.
حكم القياس ومرتبته:
أما حكم القياس فإنه يفيد الظن وليس القطع؛ لأنه بذل الجهد من المجتهد، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وإن الحكم الثابت بالقياس هو حكم شرعي ديني؛ لأنه مأمور به بالآية السابقة، وهو طريق لمعرفة الأحكام الشرعية، ومصدر من مصادر التشريع يجب العمل به (١).
فيأتي القياس في المرتبة الرابعة بعد القرآن والسنة والإجماع، قال الإِمام الشافعي ﵀: يحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليهما الذي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا في الظاهر والباطن، ويُحكم بالسنة قد رويت من طريق الأفراد لا يجتمع الناس عليها فنقول: حكمنا بالحق في الظاهر؛ لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث، ونحكم بالإجماع ثم بالقياس، وهذا أضعف من هذا, ولكنها منزلة ضرورة (٢) ".
стр. 232
الفصل الثاني في المصادر المختلف فيها
إن المصادر المختلف فيها كثيرة، وهي في جملتها ترجع إلى المصادر السابقة المتفق عليها، وسوف نلقي الضوء على هذه المصادر بشكل سريع ومقتضب، ونخصص كلًّا منها في مبحث.
стр. 233
المبحث الأول في الاستحسان
تعريف الاستحسان:
الاستحسان لغة: عدُّ الشيء واعتقاده حسنًا (١)، وفي اصطلاح الحنفية القائلين به هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول (٢).
ويظهر من التعريف أن الاستحسان نوعان:
الأول: ترجيح أحد القياسين على الآخر، ويسمي البزدوي القياس المرجوح بأنه ما ضعف أثره، أي: دليله (٣).
والنوع الثاني: استثناء حكم من القاعدة لمصلحة؛ لأن استمرار
стр. 234
القاعدة، وتطبيقها على بعض الفروع، فيه فساد وحرج.
صورته: أن تقع حادثة ليس فيها حكم، ولها وجهتان مختلفتان، الأولى ظاهرة توجب حكمًا ظاهرًا للمجتهد، والأخرى خفية توجب حكمًا دقيقًا، لا يصل إليه المجتهد إلا بعد النظر والتدقيق، فيرجح المجتهد الحكم الخفي، لدليل خاص، على الحكم الظاهر الجلي، ويسمى عمله هذا استحسانًا، وكذا إذا ترجح بنفس المجتهد دليل يوجب استثناء جزئية معينة من حكم كلي أو قاعدة عامة، فيكون هذا استحسانًا.
مثال الأول: التحالف: الأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ويطبق هذا الأصل على كل قياس، فتكون اليمين على المدعى عليه، وليس على المدعي يمين وإنما عليه البينة، ولكن فقهاء الحنفية قالوا: إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فادعى البائع أنه ألفان، وادعى المشتري أنه ألف، فيتحالفان استحسانًا وهو الراجح (١).
والسبب في ترجيح الاستحسان هنا على القياس أن البائع مدَّعٍ من حيث الظاهر للألفين، ولكنه يعتبر منكرًا لحق المشتري في تسليم المبيع، والمشتري ينكر الزيادة ظاهرًا، ويدعي حق تسليم المبيع ضمنًا، فصار كل منها مدعيًا ومنكرًا في آن واحد، فيتحالفان (٢).
مثال الثاني: ضمان الأجير المشترك (٣)، فالأصل أن الأمين لا يضمن
стр. 235
إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، ويقاس عليه الأجير أو العامل الذي يُستأجر للعمل في البيت أو المعمل، ولكن استثنوا الأجير المشترك وهو العامل المشترك الذي يعمل للجميع في آن واحد، مثل مصلح السيارة والأحذية وتجليد الكتب، وقالوا: إنه يضمن استحسانًا، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة، وسبب الاستحسان هو الحاجة والضرورة في تأمين أموال الناس خشية أن يُهمل المحافظة عليها أو يضيعها ويتلفها بدون مبالاة (١).
حجية الاستحسان:
اختلف الأئمة في حجية الاستحسان واعتباره مصدرًا من مصادر التشريع على قولين:
القول الأول: أنه حجة شرعية ومصدر من مصادر التشريع، ذهب إلى ذلك الحنفية، وينسب إلى الحنابلة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] فالآيتان تبينان أن المؤمن يتبع الأحسن، أي: يتبع ما يستحسنه، وقال ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" أي: ما يستحسنه المسلمون فهو حسن ومقبول عند الله تعالى" (٢).
القول الثاني: أن الاستحسان ليس حجة شرعية ولا مصدرًا ولا دليلًا
стр. 236
من أدلة الشرع، وأن استنباط الأحكام بالاستحسان هوى وتلذذ وتعسف، وأنه من استحسن فقد شرع من عند نفسه (١)، وعرفه الغزالي فقال: هو ما يستحسنه المجتهد بعقله (٢)، وهو مذهب الشافعية والمالكية (٣)، وضرب الشافعي مثلًا لذلك كمن يتجه في الصلاة إلى جهة يستحسن أنها الكعبة، بغير دليل.
يقول الشافعي ﵀: فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق (٤)، أي من الكتاب والسنة، واستدل الشافعي على ذلك بأن الاستحسان إن كان مع وجود نص فهو معارض للنص، وإن لم يكن نص في المسألة فهو تعطيل للقياس، وكذا الأمرين غير جائز، فالحكم الشرعي يكون بنص أو إجماع أو اجتهاد، والاجتهاد هو القياس، وإذا تعطل القياس جاز لأهل العقول أن يشرعوا من عندهم بما تستحسنه عقولهم، قال الشافعي: ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعده الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها (٥)، وأن إجماع الأمة أنه
стр. 237
ليس للعالم أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة، وأن الله تعالى خاطب نبيه فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
والواقع أن الحنفية نظروا إلى الاستحسان من وجهة نظر معينة تختلف عن وجهة نظر الشافعية، وأن اختلافهم في تحديد معناه أدى إلى اختلافهم في حجيته، وأن الشافعية والمالكية، لا ينكرون وجهة نظر الحنفية في مراعاة القياس القوي وتقديمه عند تحقق المصلحة، ويؤيدون ترجيح قياس على قياس لعلة أو سبب، وكذلك الحنفية يوافقون الشافعية في إنكار الاستحسان الموسوم بالتشهي وإعمال العقل والتحكّم والهوى في الأحكام الشرعية، ولو نظر كل طرف في المعنى الذي حدده الآخر لوافقه عليه، فالاختلاف بينهم هو اختلاف لفظي كما يقول علماء الأصول، وأنهم متفقون على استعمال لفظه وحقيقته في الأحكام العملية في مسائل كثيرة (١)، من ذلك استحسان المصلحة، والاستصناع للمصلحة، وأقر المالكية الاستصلاح، وهو مصلحة (٢).
стр. 238
حكم الاستحسان ومرتبته بين الأدلة:
بالرغم من أن الاستحسان مختلف فيه، ومع ذلك فإنه يأتي في المرتبة الرابعة عند الحنفية القائلين به، وأنه يقدم على القياس، فإذا تعارض الاستحسان مع القياس يقدم الاستحسان، لأن الاستحسان نوع راجح من أنواع القياس الذي يقدم على قياس آخر، قال البزدوي: وإنما الاستحسان عندنا أحد القياسين (١)، وقال ابن بدران: وحاصل هذا يرجع إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر المجتهد (٢).
ولذلك يذكر الحنفية في كتبهم باستمرار العبارة التالية "أن الحكم استحسانًا كذا، وقياسًا كذا" ويفهم منها ترجيح الاستحسان على القياس باتفاق علمائهم.
والاستحسان دليل ظني في دلالته على الأحكام كالقياس، والظن مقبول في الأحكام.
стр. 239
المبحث الثاني في المصالح المرسلة أو الاستصلاح
تعريف المصالح المرسلة:
المصلحة لغة: هي المنفعة، والمرسلة: أي المطلقة، والمصلحة المرسلة في الاصطلاح: هي المصلحة التي لم ينص الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها (١).
مثالها المصلحة التي شرع لأجلها عمر ﵁ اتخاذ السجون وتدوين الدواوين للجند، وهي مصلحة لم يرد فيها دليل شرعي بالتأييد والاعتبار أو بالإلغاء والإبطال.
أنواع المصالح:
ومن هنا يظهر لنا أن المصالح ثلاثة أنواع (٢):
١ - المصالح المعتبرة: وهي المصالح التي جاءت الأحكام الشرعية لتحقيقها ومراعاتها من أجل المحافظة على مقصود الشرع في جلب المصالح أو دفع المفاسد والمضار (٣)، مثل المصلحة في حفظ النفس
стр. 240
والمال والعرض التي شرع اللَّه لحفظها القصاص وحد السرقة وحد القذف.
٢ - المصالح الملغاة: وهي المصالح التي وردت الأحكام بإلغائها وعدم مراعاتها، لأنها مصالح من سط الظاهر وتخفي وراءها أضرارًا ومفاسد ومخاطر دينية واجتماعية، مثل الربا، فإن فيه مصلحة ظاهرية آنية للمقرض بالفائدة وللمستقرض بالاستفادة من المال، ومثل قتل المريض اليائس من الشفاء، وذبح الأضاحي على الأصنام لإطعام الفقراء، وشرب المسكرات للنشوة، أو المخدرات للتأمل الخيالي والهرب من الواقع، ففي كل منها مصلحة ولكنها تنطوي على الشر والفساد، وتخفي في طياتها الضرر والخراب، فنص الشارع على إلغاء المصلحة فيها وعدم اعتبارها.
وهذان القسمان متفق عليهما بين جميع المسلمين، لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ولرعاية أحوالهم ومنافعهم، فشرعت كل ما يحقق مصلحتهم، وحرمت كل ما يضرهم ويوقع الإيذاء بهم (١).
٣ - المصالح المرسلة: وهي المصالح التي لم ينص الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، وهذه المصالح هي مجال الاختلاف بين العلماء، علمًا أنهم متفقون على تحقيق المصالح والتعليل بها، وبناء الأحكام عليها في جميع المذاهب، ولكن الاختلاف في اعتبارها دليلًا شرعيًّا مستقلًا، وهل هي مصدر من مصادر التشريع أم لا؟
стр. 241
حجية المصالح المرسلة:
اختلف الأئمة في حجية المصالح المرسلة واعتبارها دليلًا شرعيًّا ومصدرًا مستقلًا على قولين:
القول الأول: المصالح المرسلة ليست دليلًا مستقلًا، وهو مذهب الشافعية والحنفية (١)، واحتجوا لقولهم بأن الشريعة راعت مصالح الناس بالنص والإجماع والقياس، فكل مصلحة لها شاهد من هذه الأدلة، وأن المصلحة التي لا يشهد لها دليل شرعي ليست في الحقيقة مصلحة، وإنما هي وهم، كما أن بناء الأحكام على مجرد المصلحة فيه فتح لباب التشريع أمام أصحاب الأهواء وحكام السوء والفساد بأن يشرعوا ما يحقق أغراضهم وأهواءهم بحجة المصلحة، ولذا فإن حفظ مقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكل مصلحة لا ترجع لواحد مما سبق فهي باطلة (٢).
القول الثاني المصالح المرسلة دليل شرعي مستقل ومصدر من مصادر التشريع التي يرجع إليها المجتهد، وحجة تبنى عليها الأحكام دون أن تتوقف على دليل شرعي آخر، وهو مذهب المالكية والحنابلة (٣).
стр. 242
واستدلوا على ذلك بأن مصالح العباد كثيرة جدًّا، وأنها تتجدد مع تجدد الحوادث وتطور الزمان، والشرع إنما جاء لتحقيق المصالح الحقيقية في الدنيا والآخرة، وذلك بجلب المصالح لهم ودفع المفاسد عنهم، فلا بد من إقراراها، وإلا تعطلت مصالح الناس، ووقفت الأحكام عن مواكبة التطور والتغيير، وهذا يخالف مقاصد الشريعة.
كما استدلوا على ذلك بأعمال الصحابة الذين شرعوا أحكامًا كثيرة لتحقيق مصالح العباد المتجددة مع عدم وجود دليل شرعي عليها، مثل جمع المصحف في عهد أبي بكر ﵁ وعهد عثمان، واستخلاف عمر، ووضع الخراج وتدوين الدواوين واتخاذ السجون (١)، وهي مصالح عامة، ولا دليل من الشارع على إقرارها، ولا إلغائها.
شروط الاحتجاج بالمصالح المرسلة:
واشترط أصحاب القول الثاني في المصلحة المرسلة التي يصح بناء الأحكام عليها ثلاثة شروط، وهي:
١ - أن تكون مصلحة حقيقية بحيث تحقق النفع للناس أو تدفع الضرر عنهم، ولا عبرة للمصالح الظاهرية أو الوهمية.
٢ - أن تكون مصلحة عامة لمجموع الأمة، أو للأكثرية الغالبة، ولا عبرة للمصالح الشخصية والفردية، أو التي تخدم طائفة معينة قليلة في المجتمع، لأنها في الغالب تكون ضارة بالمجموع، ولأن التشريع لا يكون من أجل الأفراد، وإنما يكون لتحقيق المصالح العامة.
٣ - أن لا تعارض الأحكام المبنية على المصلحة حكمًا شرعيًّا ثابتًا بالنص أو الإجماع، فإن معارضته تدل على أن هذه المصلحة ملغاة من قبل المشرع لما يترتب عليها من مفاسد، فيكون إبطالها من المشرع
стр. 243
أبعد نظرًا وأسد قيلًا، مثاله أن بعض علماء الأندلس (١) أفتى حاكمها أن يصوم شهرين متتابعين كفارة إفطاره في رمضان بالجماع، بحجة أنه لو أمره بإعتاق رقبة لكان سهلًا عليه ذلك، ويستحقر إعتاق الرقبة مقابل قضاء شهوته، فرأى أن المصلحة لانزجاره عنه بالصوم شهرين، وهذه المصلحة باطلة، لأنها تخالف النص الوارد في الحديث الذي أمر بإعتاق رقبة أولًا، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين (٢).
وإن دواعي الاستصلاح هي:
١ - جلب المصالح، ٢ - درء المفاسد، ٣ - سد الذرائع، ٤ - تغير الزمان.
والخلاصة أن الخلاف لفظي بين العلماء في حجية المصلحة، وأن الخلاف في المصلحة المرسلة التي تؤدي إلى حفظ مقاصد الشرع هل تعتبر قياسًا على المصالح الواردة في الكتاب والسنة والإجماع، أم هي مصدر شرعي مستقل تسمى مصلحة مرسلة؟ قال الغزالي: وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة (٣).
وقال الشيرازي رحمه اللَّه تعالى: "لأن في الرهن بالأرش مصلحة للراهن في حفظ ماله ... ، ويجوز للمصلحة ما لا يجوز لغيرها" (٤).
стр. 244
المبحث [الثالث] (*) في الاستصحاب
تعريف الاستصحاب:
الاستصحاب في اللغة: الملازمة، واستصحاب الحال هو التمسك بما كان ثابتًا، كأنك جعلت الحالة مصاحبة غير مفارقة، واستصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه (١).
أما في الاصطلاح فعرفه الشوكاني بقوله: هو: ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل حتى يثبت ما يغيره (٢).
فيقال: الحكم الفلاني قد كان فيما مضى، فيثبت في الزمن الثاني كذلك لفقدان ما يغيره، كاستصحاب الوضوء، واستصحاب البكارة، واستصحاب الوجود والعدم (٣).
مثاله: المفقود يعتبر حيًّا لاستصحاب حاله عند فقده في الماضي
стр. 245
عندما كان موجودًا، فيعتبر حيًّا في الوقت الحاضر، وتثبت له الحقوق من الميراث وغيره، ويمنع ورثته من توزيع أمواله، وتبقى زوجته على عصمته، ولا تعتد ولا تتزوج من غيره.
ومثل استصحاب الملك الآن لمن تثبت ملكيته لعقار مثلًا في الماضي، فتبقى له الملكية في الحاضر ما لم يثبت الناقل لها، وكذلك براءة الذمة فالأصل أن تبقى بريئة حتى يثبت العكس، وإن شغلت الذمة بالتزام ما، فتبقى مشغولة به إلى الوقت الحاضر ما لم يثبت الوفاء أو الإبراء.
ومثال استصحاب نفي الحكم الشرعي عدم وجوب صوم شهر شوال وغيره من الشهور سوى رمضان (١).
حجية الاستصحاب (٢):
اختلف الأئمة في اعتبار الاستصحاب حجة ودليلًا شرعيًّا ومصدرًا من مصادر التشريع على عدة أقوال، أهمها اثنان:
القول الأول: أنه حجة عند عدم الدليل سواء في حالتي الإثبات والنفي، وبه قالت المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية والظاهرية (٣).
واستدلوا على ذلك من الشرع بأن جميع الأحكام الشرعية تعتبر ثابتة في محلها من الإيجاب والإباحة والتحريم بحسب الدليل حتى يقوم
стр. 246
دليل على التغيير، وأن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، والظن حجة متبعة في الأحكام الشرعية، كالخمر تبفى حرامًا حتى يثبت تغيرها إلى خل مثلًا، ودم الإنسان مصون حتى يثبت موجب الهدر والقصاص (١)، والعقل يؤيد ذلك، فالإنسان يحكم على الأمور بعقله في الحاضر بناء على معرفته السابقة ما لم يثبت العكس، فالبداهة العقلية تؤيد الاستصحاب (٢).
القول الثاني: الاستصحاب ليس حجة شرعية، ولا يصح لاعتماد الأحكام عليه، وهو مذهب الحنفية (٣)، لأن إثبات الدليل والحجة للحكم الشرعي في الزمن الأول يحتاج إلى دليل، وكذلك في الزمن الحاضر يحتاج إلى دليل لاحتمال وجوده أو عدمه، وقال أكثر محققي الحنفية: إن الاستصحاب يصلح دليلًا للدفع والرفع أي لإبقاء ما كان على ما كان، ولا يصلح لإثبات أمر لم يكن، مثل استصحاب حياة المفقود إلى الزمن الحاضر، فهو حجة لدفع الموت ونفيه عنه، ومنع ورثته من اقتسام أمواله، ولكن لا يصلح حجة لإثبات ما لم يكن، فلا يثبت له إرث من مورثه الذي يتوفى في هذه الأثناء (٤).
أنواع الاستصحاب:
يتنوع الاستصحاب بحسب الحالة الأولى السابقة إلى ثلاثة أنواع:
стр. 247
١ - استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة عند عدم الدليل، فالأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يرد دليل يخالفه، فإن لم يجد المجتهد حكمًا في الشيء، وكان فيه منفعة، حكم بإباحته بناء على الأصل في أن الله خلق الأرض وما فيها للإنسان.
وهذا النوع متفق على العمل به بين العلماء، وإن خالف بعضهم في تسميته استصحابًا، ويدخله بعضهم في الإباحة.
٢ - استصحاب العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، كالحكم ببراءة الذمة من التكاليف الشرعية وحقوق الناس حتى يوجد دليل شغلها.
وهذا النوع لم يخالف أحد من أهل العلم به.
٣ - استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حتى يقوم الدليل على زواله، كثبوت الملك لشخص من البيع والإرث فيبقى ملكه قائمًا حتى يقوم الدليل على انتفائه ونقله، ومثل ثبوت الحل بين الزوجين عند العقد فتبقى الزوجية قائمة إلى أن تحصل الفرقة، ومثل شغل الذمة بدين أو ضمان فتبقى الذمة مشغولة حتى يقوم الدليل على البراءة (١).
وقد استنبط الفقهاء عدة مبادئ فقهية وقواعد كلية من الاستصحاب منها:
١ - الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
٢ - إن كل شيء لم يقم الدليل المعين على حكمه فهو على الإباحة الأصلية.
٣ - اليقين لا يزول بالشك (٢).
стр. 248
حكم الاستصحاب ومرتبته:
الاستصحاب دليل ظني في إثبات الأحكام، وإنه مصدر احتياطي يثبت الحكم به عند عدم وجود دليل في الكتاب والسنة والإجماع والقياس (١)، قال الخوارزمي: "وهو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس، فإن لم يجد فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته (٢) ".
واعتبره ابن بدران من الأصول المتفق عليها وهي: الكتاب والسنة والإجماع والاستصحاب، مع ذكره خلاف الحنفية فيه (٣).
وقال البعلي: "الاستصحاب ذكره المحققون إجماعًا" (٤).
وإن المبدأ العام في الاستصحاب مسلم به بين الأئمة، ولكن الاختلاف في التطبيق والفروع، أو في اعتباره دليلًا مستقلًا (٥).
وهذا المصدر يلعب دورًا كبيرًا في بناء القواعد الفقهية عليه من جهة، وفي الاعتماد عليه في نظام العقوبات ونظام المعاملات من جهة أخرى.
ملاحظة: ولا بد أن نلاحظ بعد ذكر الأدلة السابقة، وهي: الاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، أن كل واحد من الأئمة أخذ
стр. 249
بواحد منها أو أكثر، ورفض الباقي، والسبب في ذلك كما يقول الشربيني: "واعلم أن الأمة أجمعوا على أنه ثمَّ دليل شرعي غير ما تقدم، واختلفوا في تشخيصه، فقال قوم: هو الاستصحاب، وقوم: الاستحسان، وقوم: المصالح المرسلة (١)، وذلك لاعتماد الأحكام التي لم يرد لها حكم في الأدلة المتفق عليها على مصدر تشريعي صحيح.
قواعد الفقه المتعلقة بالاستصحاب:
١ - اليقين لا يزول بالشك.
٢ - الأصل بقاء ما كان على ما كان.
٣ - الأصل براءة الذمة.
٤ - الأصل في الصفات العارضة العدم.
٥ - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه.
٦ - الأصل في الأشياء الإباحة.
٧ - الأصل في الأبضاع التحريم.
٨ - الأصل في الكلام الحقيقة.
٩ - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
١٠ - الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق، وكل ضابط يعبر فيه عن "الأصل كذا" (٢).
стр. 250
المبحث الرابع في العرف
تعريف العرف:
العرف لغة: المعرفة والمعروف، وهو الخير والرفق والإحسان، والمعروف ضد المنكر أيضًا (١).
وفي الاصطلاح: العرف: مرادف للعادة، وعرفه الشيخ أبو سنة نقلًا عن "مستصفى النسفي" بقوله: العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول (٢).
والعادة مأخوذة من المعاودة، فهي بتكرارها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية (٣)، وفسر ذلك الشيخ أبو سنة فقال: يعني الأمر الذي اطمأنت إليه النفوس وعرفته، وتحقق في قرارتها، وألفته مستندًا في ذلك إلى استحسان العقل، ولم ينكره