← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17118

الوجيز في أصول الفقه الإسلامي

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (958 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

دليل على التغيير، وأن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، والظن حجة متبعة في الأحكام الشرعية، كالخمر تبفى حرامًا حتى يثبت تغيرها إلى خل مثلًا، ودم الإنسان مصون حتى يثبت موجب الهدر والقصاص (١)، والعقل يؤيد ذلك، فالإنسان يحكم على الأمور بعقله في الحاضر بناء على معرفته السابقة ما لم يثبت العكس، فالبداهة العقلية تؤيد الاستصحاب (٢). القول الثاني: الاستصحاب ليس حجة شرعية، ولا يصح لاعتماد الأحكام عليه، وهو مذهب الحنفية (٣)، لأن إثبات الدليل والحجة للحكم الشرعي في الزمن الأول يحتاج إلى دليل، وكذلك في الزمن الحاضر يحتاج إلى دليل لاحتمال وجوده أو عدمه، وقال أكثر محققي الحنفية: إن الاستصحاب يصلح دليلًا للدفع والرفع أي لإبقاء ما كان على ما كان، ولا يصلح لإثبات أمر لم يكن، مثل استصحاب حياة المفقود إلى الزمن الحاضر، فهو حجة لدفع الموت ونفيه عنه، ومنع ورثته من اقتسام أمواله، ولكن لا يصلح حجة لإثبات ما لم يكن، فلا يثبت له إرث من مورثه الذي يتوفى في هذه الأثناء (٤). أنواع الاستصحاب: يتنوع الاستصحاب بحسب الحالة الأولى السابقة إلى ثلاثة أنواع:

стр. 247

١ - استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة عند عدم الدليل، فالأصل في الأشياء الإباحة، ما لم يرد دليل يخالفه، فإن لم يجد المجتهد حكمًا في الشيء، وكان فيه منفعة، حكم بإباحته بناء على الأصل في أن الله خلق الأرض وما فيها للإنسان. وهذا النوع متفق على العمل به بين العلماء، وإن خالف بعضهم في تسميته استصحابًا، ويدخله بعضهم في الإباحة. ٢ - استصحاب العدم الأصلي، أو البراءة الأصلية، كالحكم ببراءة الذمة من التكاليف الشرعية وحقوق الناس حتى يوجد دليل شغلها. وهذا النوع لم يخالف أحد من أهل العلم به. ٣ - استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حتى يقوم الدليل على زواله، كثبوت الملك لشخص من البيع والإرث فيبقى ملكه قائمًا حتى يقوم الدليل على انتفائه ونقله، ومثل ثبوت الحل بين الزوجين عند العقد فتبقى الزوجية قائمة إلى أن تحصل الفرقة، ومثل شغل الذمة بدين أو ضمان فتبقى الذمة مشغولة حتى يقوم الدليل على البراءة (١). وقد استنبط الفقهاء عدة مبادئ فقهية وقواعد كلية من الاستصحاب منها: ١ - الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره. ٢ - إن كل شيء لم يقم الدليل المعين على حكمه فهو على الإباحة الأصلية. ٣ - اليقين لا يزول بالشك (٢).

стр. 248

حكم الاستصحاب ومرتبته: الاستصحاب دليل ظني في إثبات الأحكام، وإنه مصدر احتياطي يثبت الحكم به عند عدم وجود دليل في الكتاب والسنة والإجماع والقياس (١)، قال الخوارزمي: "وهو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس، فإن لم يجد فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه، وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته (٢) ". واعتبره ابن بدران من الأصول المتفق عليها وهي: الكتاب والسنة والإجماع والاستصحاب، مع ذكره خلاف الحنفية فيه (٣). وقال البعلي: "الاستصحاب ذكره المحققون إجماعًا" (٤). وإن المبدأ العام في الاستصحاب مسلم به بين الأئمة، ولكن الاختلاف في التطبيق والفروع، أو في اعتباره دليلًا مستقلًا (٥). وهذا المصدر يلعب دورًا كبيرًا في بناء القواعد الفقهية عليه من جهة، وفي الاعتماد عليه في نظام العقوبات ونظام المعاملات من جهة أخرى. ملاحظة: ولا بد أن نلاحظ بعد ذكر الأدلة السابقة، وهي: الاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، أن كل واحد من الأئمة أخذ

стр. 249

بواحد منها أو أكثر، ورفض الباقي، والسبب في ذلك كما يقول الشربيني: "واعلم أن الأمة أجمعوا على أنه ثمَّ دليل شرعي غير ما تقدم، واختلفوا في تشخيصه، فقال قوم: هو الاستصحاب، وقوم: الاستحسان، وقوم: المصالح المرسلة (١)، وذلك لاعتماد الأحكام التي لم يرد لها حكم في الأدلة المتفق عليها على مصدر تشريعي صحيح. قواعد الفقه المتعلقة بالاستصحاب: ١ - اليقين لا يزول بالشك. ٢ - الأصل بقاء ما كان على ما كان. ٣ - الأصل براءة الذمة. ٤ - الأصل في الصفات العارضة العدم. ٥ - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه. ٦ - الأصل في الأشياء الإباحة. ٧ - الأصل في الأبضاع التحريم. ٨ - الأصل في الكلام الحقيقة. ٩ - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. ١٠ - الظاهر يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق، وكل ضابط يعبر فيه عن "الأصل كذا" (٢).

стр. 250

المبحث الرابع في العرف تعريف العرف: العرف لغة: المعرفة والمعروف، وهو الخير والرفق والإحسان، والمعروف ضد المنكر أيضًا (١). وفي الاصطلاح: العرف: مرادف للعادة، وعرفه الشيخ أبو سنة نقلًا عن "مستصفى النسفي" بقوله: العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول (٢). والعادة مأخوذة من المعاودة، فهي بتكرارها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول، متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية (٣)، وفسر ذلك الشيخ أبو سنة فقال: يعني الأمر الذي اطمأنت إليه النفوس وعرفته، وتحقق في قرارتها، وألفته مستندًا في ذلك إلى استحسان العقل، ولم ينكره

стр. 251

أصحاب الذوق السليم في الجماعة، وإنما يحصل استقرار الشيء في النفوس وقبول الطباع له بالاستعمال الشائع المتكرر الصادر عن الميل والرغبة (١). والعرف مصدر للأحكام مجازًا وليس حقيقة، لأنه يرجع إليه عند التطبيق وفهم النص. أنواع العرف: العرف نوعان: قولي وعملي، وكل منهما قد يكون عامًّا وقد يكون خاصًّا. ١ - العرف العملي: وهو التعارف بين الناس على أمر عملي معين كأكل لحم الضان في بلد، أو لحم البقر أو لحم الجاموس في بلد آخر، والعرف العملي في بيع التعاطي، والعرف في تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل. ٢ - العرف القولي: وهو التعارف بين الناس على إطلاق لفظ على معنى معين بحيث لا يتبادر إلى الذهن عند سماعه غيره (٢)، كالعرف بإطلاق لفظ اللحم على الحيوان وعدم إطلاقه على السمك والطير. ٣ - العرف العام: هو الذي يتفق عليه الناس في كل البلاد أو معظمها، كالتعارف على بيع الاستصناع. ٤ - العرف الخاص: هو العادة التي تكون لفرد أو طائفة معينة أو بلد معين، كعادة شخص في أكله وتصرفاته، وتعارف التجار على تسجيل

стр. 252

المبيعات في دفتر خاص، وتعارف منطقة على تسجيل الأثاث للزوجة أو للزوج. حجية العرف: يتفق الأئمة عمليًّا على اعتبار العرف الصحيح حجة ودليلًا شرعيًّا (١)، ولكنهم يختلفون في اعتباره مصدرًا مستقلًا قائمًا بذاته على قولين: القول الأول: العرف حجة ودليل شرعي مستقل، وهو مذهب الحنفية والمالكية وابن القيم من الحنابلة، واحتجوا بالكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فالأمر بالعرف في الآية يدل على وجوب الرجوع إلى عادات الناس، وما جرى تعاملهم به، وهذا يدل على اعتبار العادات في الشرع بنص الآية. أما السنة فقوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن" (٢) يدل الحديث أن الأمر المتعارف عليه تعارفًا حسنًا بين المسلمين يعتبر من الأمور الحسنة التي يقرها اللَّه تعالى، وما أقره الله تعالى فهو حق وحجة ودليل، ولذا يعتبر الحنفية أن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. أما المعقول: فنلاحظ أن العرف له سلطان كبير على النفس، ويتمتع بالاحترام العظيم في القبول، وهو طبيعة ثانية للناس، يرضون به بسهولة، ويحقق مصالحهم ومنافعهم، والشريعة جاءت لتحقيق

стр. 253

المصالح، فيكون العرف الصحيح مصدرًا ودليلًا وأصلًا من أصول الاستنباط. القول الثاني: أن العرف ليس حجة ودليلًا شرعيًّا إلا إذا أرشد الشارع إلى اعتباره، وهو مذهب الشافعية، واحتجوا بأن العادة لا تعتبر إلا إذا جرى الشرع على قبولها، وأن العرف دليل ظاهر يرجع إلى الأدلة الصحيحة (١). ونلاحظ أن جميع العلماء يحتجون بالعرف ويرجعون إلى عادات الناس في بناء الأحكام عليها وتفسير النصوص والوقائع على ضوئها (٢)، ووضع الفقهاء عدة قواعد تعتمد على العرف والعادة، وإنما اختلفوا في شروط العرف، وفي درجته التشريعية بين المصادر. ويشترط للعمل بالعرف شرطان: ١ - أن يكون عامًّا شاملًا مستفيضًا بين الناس، فلا يكون عادة شخص بعينه، أو عادة جماعة قليلة. ٢ - أن لا يعارضه نص أو إجماع، وإلا كان عرفًا باطلًا لا قيمة له، وهو العرف الفاسد، كتعارف الناس ارتكاب المحرمات من الربا وشرب الخمر واختلاط النساء مع الرجال، وكشف العورة، ولبس الحرير والذهب للرجال وغير ذلك مما ورد فيه نص بالتحريم، فلا قيمة لهذا العرف، ولا اعتبار له، فهو عرف فاسد مردود، واتباع للهوى وإبطال للنصوص، وهو غير مقبول قطعًا (٣).

стр. 254

مرتبة العرف بين مصادر التشريع: العرف الصحيح يعتبر دليلًا شرعيًّا وحجة للأحكام عند فقد النص والإجماع، وقد يقدم على القياس، فيعدل المجتهد بسببه عن القياس إلى الاستحسان كما هو عند الحنفية، مثل تعارف الناس على عقد الاستصناع، كما أن العرف يخصص العام (١)، فمن حلف أن لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا فلا يحنث، مع أن لفظ اللحم عام يشمل الحيوان والطير والسمك وورد القرآن الكريم به فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]. وإن الأحكام المبنية على العرف تتغير بتغير الأعراف، وهو المراد من القاعدة الفقهية القائلة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان". قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "فهل تجري العادة المطردة مجرى الإباحة؟ فيه وجهان: أصحهما تجري" وقال: "فإن جهلت العادة فوجهان، وأصحهما يحل لاطراد العادة المستمرة بذلك" (٢). وقال السيوطي رحمه اللَّه تعالى: "اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في الفقه في مسائل لا تعد كثرة، فمن ذلك ... " (٣).

стр. 255

المبحث الخامس في قول الصحابي الصحابي: كل من رأى رسول اللَّه ﷺ وهو مؤمن به (١)، والصحابة هم الذين لازموا رسول اللَّه ﷺ منذ البعثة حتى الوفاة بقدر ما تسمح لهم ظروفهم، وقد اطلعوا على مقاصد الشريعة ورأوا أسباب النزول، وشاهدوا التطبيق الصحيح للقرآن الكريم الذي تجسد في سيرة الرسول ﷺ ، وتمتعوا بنور المصطفى، وتلقوا منه الحكمة، ومن مجموع هذا تكوَّن عند أكثرهم ثروة علمية وملكة فقهية، تصدوا بعد وفاة رسول اللَّه للتدريس والإفتاء والقضاء والحكم والاجتهاد فيما يسوغ الاجتهاد فيه، ووصلوا إلى آراء اجتهادية نقلها عنهم التابعون ودوَّنها العلماء. حجية قول الصحابي: بحث الأئمة في حجية آراء الصحابة الاجتهادية في اعتبارها ملزمة لمن بعدهم، أم لا، وهل تقدم على القياس، أم لا؟ فاتفق العلماء على أن قول الصحابي الذي لا يدرك بالاجتهاد

стр. 256

والعقل بأنه حجة على المسلمين، لأن قول الصحابي في مثل هذه الأحوال يستند إلى دليل شرعي، ولا يمكن أن يقوله تشهيًا وعبثًا، مثل قول السيدة عائشة ﵂ في فساد بيع النقود قبل نقد الثمن، وأنه يحبط العمل الصالح والجهاد، فهذا لا يدرك بالعقل، ومثل قول عمر وعلي وابن مسعود ﵃ بتقدير أقل مدة الحيض بثلاثة أيام، وهو ما أخذ به الحنفية. وكذلك اتفق العلماء على قبول قول الصحابي الذي أبداه ولم يخالفه فيه أحد من الصحابة ويكون حجة على المسلمين، لأن اتفاقهم دليل على وقوفهم على مستند شرعي صحيح. واتفقوا على أن قول الصحابي في الاجتهاد ليس حجة على غيره من الصحابة المجتهدين (١). ولكن اختلف الأئمة عند تعدد أقوال الصحابة واختلاف اجتهاداتهم، هل هي حجة على التابعين ومن بعدهم أم لا؟ فيه قولان: القول الأول: وهو قول الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، فقالا بوجوب الالتزام بأحد أقوال الصحابة بدون تعيين، واختيار المناسب منها مع عدم الخروج عن مجموع آرائهم، وأن قول الصحابي يقدم على القياس (٢)، واستدلوا على ذلك بأن اختلاف الصحابة في المسألة على

стр. 257

قولين إجماع منهم على عدم القول الثالث، وأن الرسول ﷺ قال: "أصْحابي كالنُّجوم بأيِّهم اقتدَيْتم اهتدَيْتُم" (١)، وغيره من الأحاديث، وأن اللَّه تعالى مدح وأثنى على التابعين باتباعهم الصحابة فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وأن الظاهر من حال الصحابة أن قولهم مستند إلى سماع، وإن لم يكن سماع فرأيهم أقوى من رأي غيرهم (٢). القول الثاني: وهو قول الإمام الشافعي والإمام أحمد، فقالا بعدم اعتبار قول الصحابي حجة، فيجوز اتباعه، ويجوز مخالفته، وأن العمل والاتباع يعتمد على الأدلة التي احتج بها الصحابة بالفتوى والاجتهاد والقضاء، وليس بأقوالهم (٣). واستدلوا على ذلك بأن الصحابي ليس مشرعًا، وليس معصومًا، وكما جاز للصحابي أن يخالف صحابيًّا آخر -باتفاق العلماء- جاز للتابعين وبقية المسلمين مخالفته أيضًا، وأن التابعين خالفوا الصحابة في أقوالهم واجتهاداتهم، ولم ينكر عليهم الصحابة، وأن الصحابي مجتهد كغيره من المجتهدين، ويحرم على المجتهد تقليد مجتهد آخر (٤). وقال النووي الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "فاختار الغزالي في المستصفى أنه ليس بحجة، والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب أنه

стр. 258

حجة" (١). ونقل ابن القيم رحمه اللَّه تعالى قول الشافعي رحمه اللَّه تعالى عن الصحابة: "رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" (٢).

стр. 259

المبحث السادس في شرع من قبلنا المشرع الحقيقي هو اللَّه تعالى الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب هداية ونورًا للعالمين، وإن وحدة الأديان في العقائد أمر مسلم به ومتفق عليه، وإن اختلفت الشرائع التي أنزلها رب العزة لتنظيم حياة الناس ورعاية مصالحهم في الدنيا والآخرة. فهل الأحكام التشريعية الثابتة في تشريع الأمم السابقة تعتبر شرعًا وحجة وأصلًا للتشريع والاستنباط في شريعتنا؟ اتفق العلماء على حالتين، واختلفوا في حالة. الحالة الأولى: اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي نص عليها القرآن أو السنة حكاية عن الأمم السابقة، وأقرها اللَّه تعالى علينا: اتفقوا على أنها أحكام شرعية واجبة الاتباع بالنسبة للمسلمين، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. الحالة الثانية: اتفق العلماء على أن الأحكام الشرعية التي ورد فيها نص في القرآن الكريم أو في السنة حكاية عن تشريع الأمم السابقة مع نسخها وإلغائها في شريعتنا: اتفقوا على أنها ليست أحكامًا شرعية، ولا تعتبر دليلًا ولا حجة ولا شرعًا لنا، مثل قتل النفس للتوبة وقطع

стр. 260

الثوب النجس للطهارة عند بني إسرائيل. الحالة الثالثة: إذا قصَّ القرآن الكريم حكمًا أو ثبت في السنة، ولم يرد في القرآن الكريم أو السنة ما يدل على إقراره أو إلغائه مثل قوله تعالي: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنّ﴾ [المائدة: ٤٥]. فهذه الحالة اختلف العلماء في اعتبارها حجة ومصدرًا تشريعيًّا على قولين: القول الأول: أنها حجة علينا وتشريع لنا يجب اتباعه وتطبيقه، وذهب إلى ذلك الحنفية والحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية (١). واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأن الرسول ﷺ رجع إلى التوراة في رجم اليهودي، وأن شرع من قبلنا شرع لنبي سابق، وأن وروده في مصادر شريعتنا دون أن يرد له ناسخ قرينة على أنه شرع لنا وأنه إقرار علينا، وأن الأصل هو وحدة الشرائع السماوية، وأن عقيدتنا تأمرنا باتباع الرسل السابقين والاهتداء بهم، وأن القصاص بالنفس ثابت عندنا بالاتفاق مع أن الآية تتكلم عن بني إسرائيل. ويتفرع عن ذلك أن الإمام أبا حنيفة قال بالقصاص بين الرجل والمرأة لإطلاق الآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأن الإمام محمدًا احتج لصحة المهايأة والقسمة بقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء: ١٥٥]، والآيتان

стр. 261

في قوم صالح (١). ولكن يشترط أن يثبت ورود الشرع السابق في الكتاب أو السنة الصحيحة، ولا يصح الرجوع إلى كتب الشرائع السابقة للقطع بإدخال التحريف والتبديل فيها، وهذا يؤكد أن شرع من قبلنا ليس مصدرًا مستقلًا، وإنما يرجع إلى الكتاب والسنة ولو لم يرد إقرار صريح له (٢). القول الثاني: أن شرع من قبلنا الوارد في شريعتنا دون إقرار ليس شرعًا لنا، ولا حجة علينا، وهو قول الشافعي، لأن الشرائع السابقة خاصة بقومهم، لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وأن الإسلام نسخ الشرائع السابقة ما لم يرد إقرار لها في شريعتنا، وأن حديث معاذ السابق لم يذكر شرع من قبلنا عند تعداد مصادر الاستنباط في التشريع (٣).

стр. 262

المبحث السابع في سد الذرائع تعريف الذريعة: الذريعة: لغة: الوسيلة (١)، وفي الاصطلاح: عرفها ابن بدران فقال: هي ما ظاهره مباح ويتوصل به إلى محرم (٢). فالطريق إلى الحرام حرام، مثل النظر إلى عورة المرأة، فإنه وسيلة إلى الزنا، وكلاهما حرام، وما لا يؤدى الواجب إلا به فهو واجب، فالجمعة واجبة ولا تتم إلا بترك البيع وقت الأذان، فترك البيع واجب، والسؤال: ما هو حكم الطريق الموصل إلى محرم؟ هل نعتبره منفصلًا عن النتيجة؟ أم نحرم الذريعة الموصلة إلى حرام لسد باب الحرام؟ ويكون دليل التحريم هو سد الذرائع؟ حجية سد الذرائع: اختلف الأئمة في الاحتجاج بمبدأ سد الذرائع على قولين، فقال المالكية والحنابلة بقبول الاحتجاج به والرجوع إليه واعتباره مصدرًا من

стр. 263

مصادر التشريع (١)، واحتجوا بأنه وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تعتمد على الذرائع وتعطيها حكم نتائجها فتحرم بعض الأشياء، وتكون حرمتها ليست مقصودة بذاتها، وإنما منعت لأنها تؤدي إلى الحرام، سواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد (٢)، مثاله أن القرآن الكريم منع لسب الأوثان والأصنام وما يعبد من دون اللَّه لأنه ذريعة إلى سب اللَّه تعالى، فقال : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ومن ﷺ قبول الهدية من المدين حتى لا تكون بابًا إلى الربا، ومنع الوصية للوارث حتى لا تكون ذريعة إلى تفضيل وارث على آخر احتيالًا على نظام الإرث، وغير ذلك من الأمثلة التي تستند إلى سد الذرائع، وأن الاعتماد عليه يرجع إلى إبطال الحيل في الشريعة، وأنها لا تصح (٣). قال القرافي رحمه اللَّه تعالى: "ومعنى ذلك حسم مادة وسائل الفساد، دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة منعنا ذلك الفعل وهو مذهب مالك رحمه اللَّه تعالى"، وقال: "واعلم أن الوسيلة كما يجب سدها يجب فتحها ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة (٤) ". وخالف الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي الاحتجاج بسد الذرائع،

стр. 264

ولم يصرحوا بالأخذ به، وبنوا الأحكام التي وافقوا فيها المالكية والحنابلة على أدلة أخرى كالتحريم للذريعة والوسيلة بحد ذاتها، وليس باعتبارها موصلة إلى أمر آخر، أي اعتبر الحرمة في الواقعة لذاتها وليس لأنها سبب لأمر آخر، فمن حبس شخصًا ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له، وينفذ عليه القصاص، ويكون عمله محرمًا لذاته وليس من باب سد الذرائع (١). هذه هي أهم مصادر التشريع الإسلامي الأصلية والتبعية أو المتفق عليها والمختلف فيها، عرضناها عرضًا موجزًا مختصرًا لإلقاء الضوء عليها وتوضيح مفهومها ورأي العلماء في الاحتجاج بها. أدلة أخرى: وهناك أدلة فرعية كثيرة مختلف فيها بين الأئمة، يعتمدون عليها، ويبنون الأحكام الشرعية بالاستناد إليها، ونظرًا لضيق الوقت وقلة الرجوع إليها فإننا نقتصر على ذكرها وتعدادها مثل الاحتجاج بانتفاء الحكم لانتفاء الدليل عند الشافعية، والاحتجاج بأقل ما قيل الذي ينسب إلى الشافعية أيضًا، والإلهام، والأخذ بالأخف، والبراءة الأصلية، والعصمة، والاستقراء ... ، وغيرها مما ذكر علماء الأصول في كتبهم (٢).

стр. 265

الباب الثاني في الأحكام الشرعية مقدمة: إذا قلنا: هناك بيع، فهذا يعني وجود بائع ومشتر ومبيع وثمن وصيغة، وكذا إذا أطلق الأصوليون اصطلاح الأحكام الشرعية تعلق به أولًا: الحاكم، وهو الذي أصدر الحكم، وثانيًا: المحكوم عليه، وهو المكلف الذي يتعلق الحكم به، وثالثًا: المحكوم فيه، وهو فعل المكلف الذي يكون الحكم وصفًا له ويعبر عنه أيضًا بالمحكوم به، ورابعًا: الحكم الذي صدر من الحاكم على المحكوم عليه ليبين صفة فعل المكلف. فالحكم الشرعي يتناول أربعة أشياء وهي: الحكم والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه. وسوف نتناول كلًّا منها في فصل إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 266

الفصل الأول في الحكم تعريف الحكم لغة: هو القضاء والمنع، يقال حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه، وحكمت بين الناس قضيت بينهم وفصلت (١). إطلاقات الحكم: يطلق لفظ الحكم ويراد منه أحد المعاني التالية: الأول: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، مثل إثبات طلوع القمر، ونفي الظلمة للشمس. الثاني: الحكم خطاب اللَّه تعالى، مثل: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فهو حكم اللَّه، أي هو النص الصادر عن الشارع وهو استعمال الأصواليين (٢).

стр. 267

الثالث: الحكم هو أثر خطاب اللَّه تعالى، مثل الوجوب المأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهو استعمال الفقهاء، والفرق بين علماء الأصول وبين الفقهاء أن قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هو الحكم عند الأصوليين، أما الفقهاء فيقولون: إن الحكم هو الوجوب، ودليله قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فالفقهاء يفرقون بين الحكم والدليل، أما علماء الأصول فيقولون: هما شيء واحد. الرابع: الحكم هو القرار الصادر عن القضاة، وهو استعمال قضائي. أقسام الحكم: يقسم الحكم عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، فيقسم الحكم بحسب مصدره إلى قسمين: الأول: الحكم الشرعي: وهو ما يؤخذ من الشرع بأن يدل الدليل عليه، أو يتوقف على دليل شرعي، كحرمة الربا، ووجوب الصلاة، والحكم الشرعي نوعان: حكم عملي وهو الذي يبين كيفية عمل المكلف، ويبحث في الفقه والأصول، وحكم اعتقادي وهو الذي يبين مباحث الاعتقاد. الثاني: الحكم غير الشرعي: وهو الذي لا يؤخذ من الشرع، ويشمل الأحكام العقلية، مثل الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، والأحكام الحسية مثل الشمس مشرقة، والأحكام العرفية مثل

стр. 268

التواتر يفيد العلم (١). ويهمنا من هذه الأقسام الحكم الشرعي العملي، كما ينحصر بحثنا في إطلاق الحكم عند الأصوليين، وهذا ينقلنا لتعريف الحكم في الاصطلاح الأصولي. تعريف الحكم اصطلاحًا: عرف جمهور علماء الأصول الحكم بأنه: خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا (٢). شرح التعريف: ١ - خطاب: الخطاب كالمخاطبة مصدر خاطب، وهو توجيه الكلام المفيد إلى السامع، وهذا المصدر لا يتعلق به أمر ولا نهي، فنقل المعنى إلى المجاز وهو الكلام الموجه نفسه، فأطلقوا المصدر "خطاب" وأرادوا فيه اسم المفعول وهو الكلام المخاطَب به، قال الآمدي: الخطاب هو اللفظ المتواضع عليه، المقصود به إفهام من هو متهيئ للفهم (٣)، والمراد من خطاب اللَّه تعالى هو الكلام الأزلي النفسي للخالق، ويخرج الكلام اللفظي المتصف بالحركات والصوت فهو حادث (٤). ٢ - اللَّه: الخطاب جنس يشمل جميع أنواع الكلام الموجه، وإضافته إلى لفظ الجلالة قيد أول، فيخرج من التعريف خطاب الملائكة وخطاب الناس وخطاب الجن وخطاب الرسول ﷺ في الأقوال والأفعال

стр. 269

الجبلية التي لا تدخل في السنة وسبق الكلام عنها. والتعريف يشمل خطاب اللَّه تعالى الصريح في القرآن الكريم، ويشمل كل ما أشارت إليه الآيات الكريمة من المصادر الأخرى، كالسنة والإجماع وغيرها. وفهم بعض الأصوليين أن خطاب اللَّه محصور في القرآن الكريم، فقال: إن التعريف غير جامع، لعدم دخول السنة والإجماع والقياس فيه، فعرف الحكم بقوله: "هو خطاب الشارع" (١). ورُدَّ الجمهور عليهم بأن القرآن الكريم أشار إلى هذه الأدلة فتكون داخلة في التعريف بلفظ "خطاب اللَّه" وأن هذه المصادر ليست مشرعة بذاتها، وإنما هي أمارات معرِّفة لحكم اللَّه، ووسائل كاشفة عنه وموصلة إلى خطاب اللَّه تعالى (٢). وخطاب اللَّه تعالى يشمل كلامه الموجه في أمور العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات ... ، ويشمل كلامه تعالى المتعلق بذاته وصفاته .. ، وكلام اللَّه تعالى المتعلق بالخلق والإيجاد، والمتعلق بذات المكلفين. ٣ - المتعلق: اسم فاعل من التعلق، وهو الارتباط، فالحكم هو كلام اللَّه تعالى المرتبط بأفعال المكلفين في بيان المراد منها بإيجاب أو ندب أو تحريم، وهو تعلق معنوي قديم، لأن كلام اللَّه تعالى نفسي قديم، ولكن ظهوره للمكلف بالألفاظ والحركات حادث ومتوقف على البعثة ووجود المكلف، فالحادث هو أن يصير المكلف مشغول الذمة

стр. 270

بوجوب الفعل أو تحريمه مثلًا (١). ٤ - أفعال: جمع فعل، ومعناه العرفي ما يقابل القول والاعتقاد والنية، أما معناه هنا في التعريف فهو كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته من قول أو فعل أو اعتقاد أو تقرير، مثل الضرب باليد، والمشي بالرجل، والكلام باللسان، والنية والاعتقاد بالقلب. ولفظ "أفعال" قيد ثان يخرج الخطاب الذي يتعلق بغير الأفعال، كالخطاب المتعلق بذات اللَّه تعالى وصفاته، مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وما يتعلق بذات المكلفين، كقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥]، وما يتعلق بأعيان الجمادات، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، فهذه الأمور الثلاثة ليست أحكامًا مع أنها خطاب اللَّه تعالى وكلامه في القرآن الكريم. ٥ - المكلفين: جمع مكلف، وهو الإنسان البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة، وإن طرأ عليه عارض بنفي كالإكراه والنسيان، ولفظ المكلفين جمع والمراد منه المفرد، وهو من إطلاق العام وإرادة الخاص أي المكلف الواحد، ويكثر استعماله في اللغة، مثل قولهم: فلان يركب الخيل ويلبس البرود ويخدمه العبيد، أي جنس الخيل والبرود والعبيد، مع أنه يركب فرسًا واحدًا ويلبس بردًا واحدًا وقد يخدمه عبد واحد، ويؤكد ذلك القاعدة الأصولية القائلة "مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا"، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ويدخل في التعريف الأحكام الخاصة بمكلف واحد، مثل

стр. 271

خصوصيات الرسول ﷺ وخصوصية أحد الصحابة كخزيمة وأبي بردة (١). واختار بعض الأصوليين في التعريف "فعل المكلف" بالمفرد، ليتناول الخصوصيات، لأن الجمع لا يشمل الأحكام الخاصة (٢)، ويُردَّ عليهم بما سبق، وأنه لا فرق بين الجمع المحلى بلام الاستغراق والمفرد المحلى بها في العموم (٣). ويخرج من التعريف الإنسان غير المكلف كالصبي والمجنون، مع أن الشريعة الغراء ذكرت أحكامًا كثيرة تتعلق بالصغار والمجانين، مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطلب الإذن في الدخول، وهذا ما دفع بعض علماء الأصول لاستبدال لفظ المكلفين بلفظ العباد، ليشمل الصغار والمجانين، فقال: "هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال العباد" (٤). ولكن جماهير العلماء ردوا هذا البدل، لأن الأحكام المتعلقة بالصغار والمجانين لا ينطبق عليها خواص الحكم الشرعي، وإنما شرعت لهم من أجل التعويد والتربية، وأن المخاطب بالحكم هو الولي والوصي والقيم، فاللَّه خاطب الأب ليعود ولده على الصلاة، وأن يربيه على الاستئذان في الدخول، وأن يطهر ماله بالزكاة، وأن ثبوت الثواب من اللَّه تعالى على صلاة الصبي هو فضل من

стр. 272

اللَّه تعالى ومنَّه وكرم، لأن الثواب ليس من لوازم التكليف بل من فضله تعالى (١). ٦ - اقتضاء: الاقتضاء هو الطلب، والطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما أن يكون طلبه جازمًا أو غير جازم، فأنواع الطلب أربعة، وهي: الأول: طلب الفعل بشكل جازم وهو الإيجاب. الثاني: طلب الفعل بشكل غير جازم وهو الندب. الثالث: طلب الترك بشكل جازم وهو التحريم. الرابع: طلب الترك بشكل غير جازم وهو الكراهة. فالاقتضاء يشمل خطاب اللَّه تعالى المبين للإيجاب والندب والتحريم والكراهة (٢). ٧ - أو تخييرًا: وهو تخيير المكلف بالخطاب بين الفعل والترك، دون ترجيح لأحد الجانبين على الآخر، ويسمى إباحة، وحرف "أو" ليس للتشكيك بل للتنويع (٣). ويخرج من التعريف خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين للعبرة والعظة والاعتبار والإعلام، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فتعلق الخطاب بفعل المكلف ليس للاقتضاء أو التخيير أو الوضع، بل للعبرة (٤). ٨ - أو وضعًا: الوضع هو الجَعْل، وهو خطاب اللَّه تعالى المتعلق

стр. 273

بجعل الشيء سببًا لفعل المكلف أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا أو رخصة أو عزيمة، وسوف نرى تعريف كل منها مع الأمثلة في فرع مستقل. وخلاصة تعريف الحكم أنه كلام اللَّه تعالى الذي ارتبط بتصرفات المكلف في بيان حالها من الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، وما يتعلق بها من أسباب وموانع وشروط وصحة وفساد وعزيمة ورخصة. واعترض بعض الأصوليين على التعريف لجمعه بين الاقتضاء والتخيير وبين الوضع، وأن الوضع ليس حكمًا من جهة، أو يدخل تحت الاقتضاء من جهة أخرى (١). ولكن جماهير العلماء جمعوا بينهما في التعريف، وأن الحكم يشمل الأمرين، قال الكمال بن الهمام: والأوجه دخول الوضع في الجنس، وهو الخطاب المتعلق بفعل المكلف (٢). لفظ الوجوب والحرمة والواجب والحرام: يعبر بعض الأصوليين عن معاني الحكم الاقتضائي بالوجوب والحرمة، وهذا خطأ، لأن الخطاب يصدق على الإيجاب والتحريم، أما الوجوب والحرمة فإنهما من أثر الخطاب، ولكن شاع واشتهر بين الأصوليين أن الإيجاب والوجوب أو التحريم والحرمة شيء واحد بالذات والحقيقة، وأنهما مختلفان في الاعتبار، فالذات واحدة وهي الخطاب الإلهي، ولكن إن اعتبرناه في جانب اللَّه تعالى كان إيجابًا

стр. 274

وتحريمًا، وإن اعتبرناه في جانب المكلف كان وجوبًا وحرمة، فلا ضَيْرَ من استعمال اللفظين، أما الندب والكراهة والإباحة فاللفظ واحد في الحالين. وهذه الأحكام الخمسة الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة إذا تعلقت بالأفعال أطلق عليها لفظ الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح، ويوصف الفعل بها. وباختصار فالإيجاب هم نفس خطاب الشارع، والوجوب هو الأثر المترتب على ذلك الخطاب، والواجب هو وصف لفعل المكلف الذي طلبه الشارع، مثل ذلك التحريم والحرمة والحرام، وأما الندب الإباحة والكراهة فلها صيغتان فقط ندب ومندوب، وإباحة ومباح، وكراهة ومكروه (١)، ومتعلقات الأحكام هي: الواجب، والمندوب، والمحرم أو الحرام، والمكروه، والمباح، لأن الخطاب يتعلق بالفعل فيجعله واجبًا أو ... أنواع الحكم الشرعي في أصول الفقه: قسم جمهور علماء الأصول الحكم الشرعي إلى نوعين: النوع الأول: الحكم التكليفي: وهو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييرًا، ويشمل الأحكام الخمسة، وهي الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم (٢).

стр. 275

مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٣]. ونضرب مثالًا يجمع بين طلب الفعل وطلب الترك على سبيل الجزم في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٥]. كما اجتمع طلب الفعل وطلب الترك بدون جزم في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. النوع الثاني: الحكم الوضعي: وهو خطاب اللَّه تعالى الذي اقتضى جعل أمر علامة لحكم تكليفي وجعله مرتبطًا به بكونه سببًا له، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، فالدلوك سبب لإيجاب الصلاة، أو شرطًا له مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فرؤية الهلال شرط للصيام، أو مانعًا له كقوله ﷺ : "ليس للقاتل ميراث" (١)، فالقتل يمنع الإرث، والأبوة تمنع القصاص مع الابن أو صحة أو فسادًا أو عزيمة أو رخصة. رأي الآمدي: قسم الآمدي الحكم إلى ثلاثة أنواع وهي: ١ - الحكم الاقتضائي: وهو ما فيه طلب فعل أو طلب ترك. ٢ - الحكم التخييري: وهو تخيير المكلف بين الفعل والترك حسب رغبته.

стр. 276

٣ - الحكم الوضعي: وهو الخطاب الذي وضعه الشارع سببًا لحكم تكليفي أو مانعًا أو شرطًا أو صحة أو فسادًا أو رخصة أو عزيمة، فأخرج الإباحة من الحكم التكليفي، لأن التكليف يستلزم وجود كلفة ومشقة من المكلف، والمباح لا كلفة فيه، فلا يعتبر فرعًا له (١). بينما أدخل الجمهور الحكم التخييري وهو الإباحة بالحكم التكليفي تغليبًا للأحكام الأربعة عليه، أو لأن أغلب الأحكام المباحة جاءت بصيغة الطلب، أو بالنظر إلى وجوب الاعتقاد بالمباح لا بالنظر إلى الفعل المتعلق به الحكم، أو لأن الاشتغال بالمباح يستلزم ترك الحرام، وترك الحرام واجب فكان المباح مطلوبًا (٢)، أو لأن المباح مباح بالجزء ولكن تعتريه الأحكام الأربعة السابقة بالنسبة إلى الكل، كما سنرى تفصيل ذلك في فرع المباح، ويكون الحكم نوعين، وهما حكم تكليفي وحكم وضعي، ولكل منهما صفات وخصائص وميزات تختلف عن الآخر كما يظهر من الموازنة بينهما. موازنة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي: ١ - الحكم التكليفي فيه طلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير بين الفعل والترك، أما الحكم الوضعي فليس فيه طلب أو تخيير، وإنما يفيد الارتباط بين أمرين ليكون أحدهما سببًا للآخر أو مانعًا أو شرطًا (٣). ٢ - الحكم التكليفي مقصود بذاته في الخطاب، ليقوم المكلف

стр. 277

بالفعل أو الترك أو التخيير، أما الحكم الوضعي فلا يقصد من المكلف مباشرة، وإنما وضعه المشرع ليرتب عليه الأحكام التكليفية، مثل ملك النصاب سبب للزكاة، وحولان الحول شرط لها، والقتل مانع من الميراث (١). ٣ - إن الحكم التكليفي يتعلق بالمكلف وهو البالغ العاقل الذي يتوجه إليه الخطاب، ويقع عليه التكليف، أما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالإنسان سواء أكان مكلفًا أم لا، كالصبي والمجنون، فقال الفقهاء بصحة بيع الصبي عند الحنفية، وأنه يضمن ما يتلفه إذا كان سببًا بالاتفاق (٢)، وقد يكون الحكم متعلقًا بفعل المكلف كالطهارة للصلاة، وقد لا يتعلق بفعل المكلف، وإنما يتعلق بما ارتبط به فعل المكلف كالدلوك، وقد يتعلق بغير الإنسان. ٤ - الحكم التكليفي يكون في مقدور المكلف فعله أو تركه، لأن التكليف لا يصح أن يكون فيه حرج ومشقة، أو مما يستحيل على المكلف القيام به، مثل صيغ العقود والتصرفات والجرائم (٣)، فإذا باشر

стр. 278

المكلف عقدًا أو تصرفًا ترتب عليه حكمه، أما الحكم الوضعي فقد يكون في مقدور المكلف مثل صيغة العقد وإحضار الشاهدين في النكاح، وقد يكون ليس في مقدور المكلف مثل دلوك الشمس وحولان الحول وبلوغ الحُلُم (١). وبعد هذا البيان الموجز للحكم وأقسامه، نتناول كل قسم في مبحث خاص لنعرفه ونبين ما يندرج تحته من أحكام.

стр. 279

المبحث الأول في الحكم التكليفي تعريفه: هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا، وسبق شرح هذا التعريف، وما يدخل فيه وما يخرج منه مع الأمثلة، واختلف العلماء في تقسيم الحكم التكليفي إلى فريقين، الجمهور والحنفية. أقسام الحكم التكليفي عند الجمهور: قسم جمهور الأصوليين الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام، وهي: الأول: الإيجاب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا، أو هو طلب الفعل مع المنع من الترك لترتب العقاب على التارك، ويكون أثره الوجوب، والفعل المطلوب هو الواجب، والفرض والواجب بمعنى واحد عند الجمهور. الثاني: الندب: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، أو هو طلب الفعل مع عدم المنع من الترك لعدم الإشعار بالعقاب، وأثره الندب، والمطلوب فعله هو المندوب. الثالث: الإباحة: وهو التخيير بين الفعل والترك، وأثره الإباحة

стр. 280

والفعل المخير بين فعله وتركه هو المباح. الرابع: الكراهة: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، أو هو طلب الترك مع عدم المنع من الفعل، وأثره الكراهة، والمطلوب الكف عن فعله هو المكروه. الخامس: التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا، أو هو طلب الترك مع المنع عن الفعل، لترتب العقاب على الفاعل، وأثره الحرمة، والمطلوب تركه والكف عن فعله هو الحرام (١). تقسيم الحكم التكليفي عند الحنفية: قسم الحنفية الحكم التكليفي إلى سبعة أقسام (٢)، وهي: ١ - الافتراض: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، كالصلاة والزكاة والجهاد، وحكمه وجوب فعله، وأن منكره كافر، وتاركه بلا عذر فاسق. ٢ - الإيجاب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، مثل صدقة الفطر والأضحية وقراءة الفاتحة وصلاة الوتر ومسح ربع الرأس، وحكمه وجوب إقامته كالفرض، ولكنه

стр. 281

لا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا تركه استخفافًا. ٣ - الندب: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم، كالجمهور. ٤ - الإباحة: وهي التخيير بين الفعل والترك. ٥ - الكراهة التنزيهية: وهي ما طلب الشارع تركها طلبًا غير جازم، كالمكروه عند الجمهور، مثل لطم الوجه بالماء في الوضوء، وصوم يوم الجمعة فقط. ٦ - الكراهة التحريمية: وهي ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا ولكن بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، ويشترك مع الحرام باستحقاق العقاب للفاعل، مثل البيع وقت صلاة الجمعة، والبيع على بيع الأول، وأنكر الإمام محمد هذا القسم، وألحقه مع الحرام، وقال: كل مكروه حرام، بينما اعتبره الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف قسمًا مستقلًا، وقالا: إنه إلى الحرام أقرب، وإذا أطلق المكروه عند الحنفية فهو المكروه تحريمًا (١). ٧ - التحريم: وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثل قتل النفس والزنا. ثمرة الاختلاف في التقسيم: وتظهر ثمرة الاختلاف بين الحنفية والجمهور في عدة حالات، أهمها: ١ - قال الحنفية: إذا أنكر المكلف فرضًا أو حرامًا فهو كافر ولو كان متأولًا، لأن الفرض والحرام ثبتا بدليل قطعي الدلالة ولا مجال فيه للتأويل، أما إذا أنكر واجبًا فلا يكفر، مع لزوم العمل للفرض والواجب (٢).

стр. 282

وقال الجمهور: الفرض والواجب مترادفان، ويدلان على تعبير واحد، وهما سيان في حالة الإنكار ولزوم العمل، ومن أنكر الفرض أو الواجب فهو كافر (١). ٢ - إذا ترك المكلف الفرض بطل عمله، عند الحنفية، كما لو ترك المصلي الركوع أو السجود، ولا تبرأ ذمته إلا بالإعادة، أما إذا ترك الواجب فإن عمله صحيح ولكنه ناقص، وعليه الإعادة، فإن لم يعد برئت ذمته مع الإثم (٢)، مثل ترك قراءة الفاتحة في الصلاة، وعند الجمهور يبطل العمل سواء ترك المكلف فرضًا أو واجبًا. ٣ - إن المكروه تحريمًا يعاقب فاعله، ولا يكفر منكره، أما المكروه تنزيهًا فإن فاعله لا يستحق عتابًا ولا ذنبًا ولا إثمًا، لكنه فعل غير الأولى (٣)، وقال الجمهور: المكروه نوع واحد، وفاعله لا يستحق عقابًا لكنه يعاتب، وإن المكروه تحريمًا يدخل في الحرام. الترجيح: قبل اختيار أحد القولين نبين الأمور التالية: ١ - إن الجمهور يقسمون المندوب والمكروه إلى درجات كما سنرى ذلك في كل فرع، ويدخلون في المندوب السنة المؤكدة والسنة غير المؤكدة، وفي المكروه خلاف الأولى، دون أن يعتبروا هذه الدرجات أقسامًا جديدة للحكم مع ترتيب بعض الأحكام المختلفة لكل درجة (٤).

стр. 283

٢ - إن التفريق بين الفرض والواجب يترتب عليه نتائج غريبة، فقراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول اللَّه وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد (١). ٣ - إن الأحكام الشرعية الثابتة بدليل قطعي الدلالة والثبوت قليلة ومحصورة، وأغلب الآيات الكريمة والأحاديث المتواترة ليست قطعية الدلالة، وإنما تحتمل التأويل، وإن معظم السنة وردت إلينا بطريق الآحاد، وهذا يقلل من وجود الفرض بمعناه الخاص عند الحنفية. ٤ - كثيرًا ما يستعمل الحنفية لفظ الافتراض ويريدون به الإيجاب، أو يستعملون لفظ الإيجاب ويريدون به الافتراض (٢). ٥ - إن الفرق بين لفظي الفرض والواجب في اللغة لا يؤثر ولا يرجح، لأننا بصدد التفريق بين المعاني الاصطلاحية، وليس بين المعاني اللغوية، وإن القرآن الكريم استعمل أحدهما بمعنى الآخر، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: أوجب (٣). ٦ - إن الجمهور يقولون: إن ترك ما ثبت بدليل قطعي يوجب الكفر، وترك ما ثبت بدليل ظني لا يوجبه (٤).

стр. 284

٧ - إن الاختلاف بين الجمهور والحنفية لفظي واصطلاحي، ولا مشاحة في الاصطلاح، قال الآمدي: وبالجملة فالمسألة لفظية (١)، وقال المحلي: وهو أي الخلاف لفظي، أي عائد إلى اللفظ والتسمية (٢)، وجاء في شرح العضد: "والنزاع لفظي"، وقال الشيخ أبو النور زهير: وبذلك يكون غير الحنفية قد رتبوا على القطع والظن ما رتبه الحنفية على كل منهما، فلا خلاف بينهم في المعنى (٣). لهذه الأسباب فإننا نختار تقسيم الجمهور ونسير عليه في هذا الكتاب، ونتكلم عن كل قسم من أقسام الحكم التكليفي في فرع مستقل، ونبين في كل قسم ما ينطوي تحته من أحكام ودرجات. والكلام عن الحكم التكليفي يدور على متعَلَّق الحكم وهو فعل المكلف، فإن تعلق الحكم بالإيجاب فالفعل واجب، وإن تعلق بالندب فهو مندوب، وإن تعلق بالإباحة فهو مباح، وإن تعلق بالكراهة فهو مكروه، وإن تعلق بالتحريم فهو محرم (٤)، وهذا ما نفصله في المطالب الخمسة القادمة.

стр. 285

المطلب الأول في الواجب تعريف الواجب: الواجب لغة: من وَجَبَ بمعنى ثبت أو سقط أو رجف، يقال: وجب البيع والحق: ثبت ولزم، ووجب الحائط سقط، ووجب القلب رجف (١). وفي الاصطلاح: عرفه علماء الأصول تعريفات كثيرة، نختار منها تعريفين، الأول: من حيث طلب الفعل وعدم الترك، والثاني: من حيث الثواب والعقاب. التعريف الأول: الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا (٢). ١ - ما: بمعنى الذي، وهي صفة الفعل، لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل المكلف فيكون الفعل واجبًا، والفعل يشمل الأحكام الخمسة.
следующие страницы →