١٢٣ - مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول، منلا خسرو.
طبع ١٢٩٦ هـ.
١٢٤ - المستدرك على الصحيحين، أبو عبد اللَّه الحاكم (٤٠٥ هـ).
تصوير طبع حيدرآباد بالهند.
١٢٥ - المستصفى للإمام حجة الإسلام محمد محمد الغزالي (٥٠٥ هـ).
المطبعة الأميرية - بولاق - مصر - ١٣٢٢ هـ.
١٢٦ - مسلم الثبوت، محب الدين بن عبد الشكور (١١١٩ هـ).
انظر: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت.
١٢٧ - المسودة في علم أصول الفقه، آل تيمية.
مطبعة المدني - القاهرة.
١٢٨ - مصادر التشريع الإسلامي، الدكتور محمد أديب صالح.
المطبعة التعاونية - دمشق - طبعة أولى -١٩٦٧ - ١٩٦٨ م.
١٢٩ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، أحمد بن محمد الفيومي (٧٧٠ هـ).
المطبعة الأميرية - القاهرة - الطبعة السادسة - ١٩٢٦ م.
١٣٠ - معالم السنن، للخطابي البستي (٣٨٨ هـ).
مطبعة السنة المحمدية - مع مختصر أبي داود.
١٣١ - معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسن أحمد بن فارس (٣٩٥ هـ).
طبع دار الفكر بدمشق (١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م).
١٣٢ - المغني، عبد اللَّه بن قدامة المقدسي الحنبلي (٦٢٠ هـ).
طبع مكتبة الجمهورية - القاهرة.
стр. 492
١٣٣ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، محمد الشربيني الخطيب (٩٩٧ هـ).
مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة (١٣٧٧ هـ -١٩٥٨ م).
١٣٤ - مغيث الخلق في بيان الأحق، إمام الحرمين الجويني (٤٧٨ هـ).
طبع القاهرة.
١٣٥ - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، التلمساني المالكي (٧٧١ هـ).
نشر مكتبة الخانجي بمصر -١٩٦٢ م - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.
١٣٦ - مقاصد الشريعة الإسلامية، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
نشر المكتبة التونسية للتوزيع، تونس.
١٣٧ - المقدمة، ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (٨٠٨ هـ).
طبع المكتبة التجارية بالقاهرة.
١٣٨ - مقدمة في أصول التفسير، تقي الدين أحمد بن تيمية (٧٢٨ هـ).
تحقيق الدكتور عدنان زرزور- دار القرآن الكريم - الطبعة الأولى.
١٣٩ - مناقب الشافعي، البيهقي (٤٥٨ هـ)، تحقيق سيد أحمد صقر.
دار التراث - القاهرة - طبعة أولى - ١٩٧٠ م.
١٤٠ - مناقب الشافعي، فخر الدين محمد بن عمر الرازي (٦٠٦ هـ).
المطبعة العلامية بمصر.
١٤١ - مناهج العقول، محمد بن الحسن البدخشي، شرح منهاج
стр. 493
الوصول.
مطبوع مع نهاية السول.
١٤٢ - منهاج الوصول إلى علم الأصول، البيضاوي (٦٨٥ هـ).
طبع مصر- ١٣٢٦ هـ.
١٤٣ - منهج التربية الإسلامية، الأستاذ محمد قطب.
دار القلم - القاهرة.
١٤٤ - منهج النقد في علوم الحديث، الدكتور نور الدين العتر.
دار الفكر - دمشق.
١٤٥ - الموافقات في أصول الأحكام، الشاطبي (٧٩٠ هـ).
مطبعة المدني بمصر - نشر مكتبة صبيح وأولاده.
١٤٦ - نسمات الأسحار، محمد أمين، المعروف بابن عابدين (١٢٥٢ هـ).
طبع مصر - ١٣٢٨ هـ.
١٤٧ - نهاية السول، للإمام عبد الرحيم الإسنوي (٧٧٧ هـ)، شرح منهاج الأصول.
مطبعة صبيح بمصر.
١٤٨ - الميزان الكبرى، عبد الوهاب الشعراني (٩٧٣ هـ).
المطبعة البهية - ١٣٠٢ هـ - الطبعة الرابعة.
١٤٩ - نيل الأوطار، محمد علي الشوكاني (١٢٥٠ هـ).
مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة - الطبعة الثالثة (١٣٧٢ هـ - ١٩٥٣ م).
١٥٠ - وسائل الإثبات في المعاملات المدنية والأحوال الشخصية،
стр. 494
الدكتور محمد الزحيلي.
رسالة دكتوراه - نشر مكتبة دار البيان بدمشق (١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م).
١٥١ - الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، الدكتور وهبة الزحيلي.
المطبعة العلمية بدمشق - الطبعة الثانية (١٣٨٨ هـ -١٩٦٩ م).
стр. 495
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي
«الدلالات - الإجتهاد والتقليد والفتوى - التعارض والترجيح»
تأليف
الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة
[الجزء الثاني]
مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد للَّه الذي تتم بنعمته الصالحات، وتفضَّل بالنعم الكثيرة التي لا تحصى، القائل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والصلاة والسلام على الرسول خاتم النبيين، وعلى آله المطهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد أكرمنا اللَّه تعالى بإتمام هذا الكتاب في أصول الفقه الإسلامي، بشكل موجز ومبسط، وعرضنا في الجزء الأول منه بابًا تمهيديًّا عن المدخل إلى علم أصول الفقه، والباب الأول في مصادر التشريع الإسلامي، والباب الثاني في الأحكام الشرعية.
وجاء الجزء الثاني في ثلاثة أبواب أيضًا، مكملة لما سبق، فالباب الثالث في تفسير النصوص أو دلالات الألفاظ، والباب الرابع الاجتهاد والتقليد، والباب الخامس في التعارض والترجيح.
والتزمت في الجزء الثاني المنهج الذي سرت عليه في الجزء الأول في التنظيم والتقسيم والموضوعية، والجمع بين القواعد والضوابط والأحكام الفقهية، وتجنب الموضوعات الأصولية الجزئية، مع العرض المبسط، وتنظيم الآراء والأقوال المختلفة في المسألة، وبيان أصحاب كل رأي مع دليله، ومناقشة الأدلة بإيجاز، مع ما يترتب على الاختلاف من فروع فقهية، والاعتماد بشكل مباشر على المراجع الأصيلة في الموضوع، والاستفادة من
стр. 500
الكتب المعاصرة، وتثبيت ذلك في الهوامش؛ لإرشاد من يريد التوسع في البحث.
وإن بحث تفسير النصوص أو دلالات الألفاظ الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وسائر النصوص التشريعية، هي أهم موضوعات هذا الجزء، وهي ذات صلة مباشرة بالقرآن الكريم والسنة النبوية؛ لبيان مرادها، وفهم معتاها، واستنباط الأحكام منها، مما يشعر القارئ بالصلة المباشرة مع كلام اللَّه تعالى المعجز، ومع البيان النبوي الفصيح، وكذلك التعامل مع سائر النصوص التشريعية، مما سيلحظه القارئ، ثم جاء بحث التعارض والترجيح وكأنه مكمل لذلك، ولكنه يعتمد على الاجتهاد، وتوفر شروط المجتهد لبيان التعارض والترجيح.
ونسأل اللَّه تعالى أن يتقبله عنده، وأن ينفع به، وأن يجعله في صحائف أعمالنا، وأن يرزقنا خيره، ويجنبنا شره وخطاه، وما ذاك إلا بتوفيق اللَّه وعونه وتسديده، وعلى اللَّه الاعتماد، وإليه الرجعى والمآب، والحمد للَّه رب العالمين.
الشارقة في ١٢/ ٦ / ١٤٢٤ هـ
١٠/ ٨ / ٢٠٠٣ م
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الشارقة - دولة الإمارات العربية المتحدة
стр. 501
الباب الثالث تفسير النصوص أو دلالات الألفاظ
مقدمة: التفسير والدلالات:
المراد من تفسير النصوص: معرفة معنى النص التشريعي الذي ورد فيه الشرع أو التشريع، والنص الشرعي هو القرآن والسنة، والنص التشريعي في العصر الحاضر هو جميع التشريعات التي تصدر عن الجهات المختصة في الدولة، سواء كانت تشريعية اصطلاحًا أو قوانين، وهي التي تصدر عن مجلس الأمة، أو المجلس النيابي، أو مجلس الشعب، أو مجلس الشورى، أو مجلس الشيوخ، أم إدارية تصدر عن الوزارات كالمراسيم، أو عن الإدارات كالقرارات وغيرها.
وبحث علماء الأصول هذه الأمور بعدة عناوين، كالدلالات، أي: دلالة الألفاظ على المعاني، أو طرق الاستنباط من النصوص.
وإن قواعد تفسير النصوص أو الدلالات، أو طرق الاستنباط، واحدة بين العلماء في أصولها، وقد تختلف المصطلحات، أو التقسيمات، وهذه القواعد تطبق على نصوص الشرع، وعلى نصوص القوانين والمراسيم والقرارات، ولذلك يحتاجها المختص في الشريعة، والمختص في القانون، ولذلك نقدمها لطلبة الشريعة وطلبة القانون، ونذكر الأمثلة من الجانبين، ولهذا قررت جميع كليات القانون والحقوق تدريس علم أصول الفقه؛
стр. 502
للاستفادة منه، والاستعانة به علميًّا في فهم النصوص التشريعية وتطبيقها.
وظهرت عند علماء الأصول مدرستان، أو اتجاهان في تفسير النصوص.
الأولى: مدرسة المتكلمين، وتمثل الجمهور، ويتبعها غالبًا علماء المالكية والشافعية والحنابلة.
والثانية: مدرسة الحنفية، ويتبعها أغلب علماء الحنفية.
ولكل مدرسة اصطلاحاتها الخاصة أحيانًا، وقد تتفق الاصطلاحات، وقد تختلف، والاختلاف غالبًا ظاهري وصوري وشكلي ونظري؛ لأنه لا يترتب عليه في ذاته ثمرة، أو اختلاف في الحكم الشرعي، وإنما قد يختلف الحكم الشرعي لأسباب أخرى (١)، ونحاول أن نجمع بين الطريقتين، ونبين الدلالات بالتسلسل، وذلك في الفصول التالية.
المنطلقات الأساسية في تفسير النصوص:
قبل تفسير النص، والسعي لمعرفة دلالاته، واستنباط الحكم منه، يجب اتباع الأمور التالية؛ ليكون العمل صحيحًا ومقبولًا، وهي:
١ - ثبوت النص وصحته:
يجب التأكد من ثبوت النص وصحته، وهذا ينطبق في الشرع في ثبوت أحاديث الآحاد فقط؛ لأن نص القرآن الكريم ثابت قطعًا؛ لأنه منقول بالتواتر والإجماع، ومحفوظ من قبل اللَّه تعالى في الصدور والمصاحف، ولأَنَّ السنة المتواترة ثابتة أيضًا بالقطع؛ لأن العلماء رووها جمعًا عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وحفظت في الصدور وكتب السنة، أما أحاديث الآحاد ففيها الصحيح والحسن والضعيف، ولا تؤخذ الأحكام إلا من الصحيح والحسن.
كما يجب على المختص بالقانون أن يتأكد من صحة صدوره، ووجوده؛ لدراسته وبيان الحكم منه.
стр. 503
٢ - جمع النصوص في الموضوع الواحد:
يجب جمع النصوص ذات الموضوع الواحد في القرآن والسنة، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، ويقيد بعضه بعضًا كما سنرى، والسنة بيان وتوضيح وشرح للقرآن في بيان معانيه وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه، وتفسير مجمله، كما سنرى.
وينطبق ذلك على القانون فيجب جمع النصوص القانونية ذات العلاقة في الموضوع الواحد، فقد يكون بعضها أعلى من بعض، وقد يكون بعضها ناسخًا والآخر منسوخًا، فالمتأخر ينسخ المتقدم، فيجب الجمع بين النصوص، والمقارنة بينها.
٣ - فهم النصوص وَفْق اللغة:
يجب فهم النصوص وفق أساليب اللغة التي صدرت بها، والالتزام في النصوص الشرعية، والقانونية العربية، بطرق دلالة اللفة العربية فيها، وبحسب مفرداتها وتراكيبها، وقواعدها وأساليبها، من الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والواضح والمبهم، أو حسب الوضوح والخفاء، وغير ذلك مما قرره علماء الأصول بعنوان الدلالات، أو القواعد الأصولية اللغوية، أو مباحث الكتاب والسنة، (باعتبارهما النصوص التي هي مصدر الأحكام الشرعية) وذلك كما قررها علماء اللغة أنفسهم، ومن ذلك معاني الحروف التي تتعلق بها الأحكام كالباء، والواو، والفاء، وثمَّ، وغيرها.
وهذا يوجب معرفة اللغة وإتقانها التي صدر فيها النص، ومعرفة قواعدها وأساليبها وصيغها.
٤ - سبب النزول أو الورود:
يجب فهم النص في ضوء سبب نزوله أو وروده، لكن بدون حصر النص بالسبب فقط، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن معرفة السبب تساعد فقط في توضيح المعنى المراد مما يزيده وضوحًا وجلاءً، وتبين الحكمة الباعثة على تشريع الحكم منه، وهذا يوجب معرفة الظروف، أو أسباب النزول أو أسباب الورود التي جمعها العلماء، وبعد التأكد من ثبوتها وصحتها.
وفي القانون قد يصدر التشريع لأسباب خاصة يجب أخذها بالاعتبار
стр. 504
لتلقي الضوء على فهمه، وتحديد المراد منه.
٥ - سياق اللفظ في النص:
يجب فهم اللفظ بحسب سياقه في النص، ومراعاة ما قبله وما بعده، لتحديد دلالة اللفظ ومعناه، وبيان المراد منه، مع مراعاة القرائن اللفظية السابقة أو اللاحقة في النص، فإن قرينة السياق تساعد على دلالة المراد من الكلام، كالصفة التي تقع في سياق المدح فهي مدح، وإن كانت في أصلها قدحًا، والصفة التي تقع في سياق الذم فهي قدح، وإن كان أصلها مدحًا، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، فمعناها الذليل المهان؛ لوقوع ذلك في سياق الذم، ومثل قوله ﷺ ؛ "ثكلتك أمك يا معاذ" فاللفظ دعاء عليه، ولكن السياق يدل على الدعاء له، ومثل قوله ﷺ : "تربت يداه" أي: لصقت بالتراب، وهو إهانة، ولكن السياق يدل على التكريم، ومن القرائن اللفظية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بعد قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاللفظ أمر يدل على الوجوب، ولكن القرينة صرفته للندب والإرشاد، فلا يصح بتر اللفظ عن سياقه.
٦ - الواقع والظروف:
يجب فهم النص في ضوء الواقع والمرحلة التي نزل فيها، والظروف التي أحاطت به، وذلك يساعد على إنزال الأحكام على الواقع الحقيقي؛ لأنه قد يتغير الواقع، فيجب تغيير الحكم، وهو المراد من قاعدة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان" والمكان والأعراف والأحوال.
وفي القانون قد يصدر التشريع لظروف معينة محالة حرب أو استنفار، أو مجاعة، أو ضائقة، أو للتشجيع على التعليم ومحو الأمية، أو ترشيد الاستهلاك، أو شيوع الزواج من أجنبيات ... ، فيكون الواقع والظروف القائمة عند صدور التشريع مؤثرًا على تطبيق الأحكام والقرارات.
٧ - المقاصد العامة:
يجب فهم النص في ضوء المقاصد العامة للشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد في جلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، وذلك في كل نص جزئي ليتفق مع المبادئ العامة في الشرع.
стр. 505
وكذلك في القوانين يجب فهمها بحسب المبادئ الأساسية للدولة، والأهداف العامة لها، حتى لا يقع تناقض بين الجزء والكل، والفرع والأصل (١).
مباحث الدلالات أو تفسير النصوص:
ونعرض مباحث دلالة الألفاظ أو تفسير النصوص في الفصول التالية:
الفصل الأول: كيفية استعمال اللفظ للمعنى.
الفصل الثاني: صيغ التكليف.
الفصل الثالث: دلالة اللفظ لغة على المعنى باعتبار الشمول وعدمه.
الفصل الرابع: وضوح الألفاظ وخفاؤها.
الفضل الخامس: طرق دلالة اللفظ على المعنى.
الفصل السادس: حروف المعاني.
الفصل السابع: النسخ.
стр. 506
الفصل الأول كيفية استعمال اللفظ للمعنى
إن الألفاظ المركبة من حروف لها دلالات، ولكن تتنوع كيفية دلالة اللفظ على المعنى في اللغة.
فالأصل أن يدل اللفظ على المعنى بحسب الحقيقة، ويقابلها المجاز، وقد يدل اللفظ على المعنى بأسلوب صريح، ويقابله الكناية.
ولذلك تنقسم دلالة اللفظ باعتبار استعماله في المعنى إلى أربعة أنواع:
الأول: الحقيقة، ويقابلها المجاز.
والثاني: الصريح، ويقابله الكناية.
ونعرض كلًّا منهما في مبحث.
المبحث الأول الحقيقة والمجاز
تعريف الحقيقة:
الحقيقة: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغة، وذلك أن المتكلم يصدر عنه اللفظ، ويريد المعنى الذي وضعه أهل اللغة، كلفظ الشمس للكوكب الذي يضيء النهار، والقمر للكوكب الذي ينير الليل، والإنسان للحيوان الناطق (١).
أنواع الحقيقة:
تنقسم الحقيقة اللفظية إلى ثلاثة أنواع:
الأول: الحقيقة اللغوية: وهي الأصل، وهي التي وضعها واضع اللغة للفظ، كالأمثلة السابقة.
الثاني: الحقيقة الشرعية: وهي اللفظ المستعمل في المعنى المراد له
стр. 507
شرعًا، والواضع لها هو الشرع، كالصلاة للعبادة المخصوصة، والزكاة للجزء المطلوب من الغني ليخرجه من ماله، وهكذا الحج، والشفعة، والجهاد.
والغالب أن يكون هناك علاقة بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي، فالصلاة لغة الدعاء، وهذا المعنى وارد في المعنى الشرعي الذي يشتمل على الدعاء، والزكاة لغة النماء والزيادة، وهذا المعنى مقصود في المعنى الشرعي، ويصبح المعنى الشرعي مجازًا في اللغة عند استعماله شرعًا.
الثالث: الحقيقة العرفية: وهي التي لم يتعين واضعها، وإنما توافَقَ الناس عامة على استعمالها للدلالة على شيء معين، وقد تكون عامة مثل لفظ الدابة، فهي في اللغة لكل ما يدب على الأرض، ولكن خصها العرف بالمخلوق الذي له حافر، أو بما يمشي على أربع، وقد تكون خاصة، وهي المصطلحات التي تطلقها كل طائفة من أصحاب العلوم والفنون والحرف والمهن والبلدان على معنى معين يخصهم، ويتعارفون به، وتسمى حقيقة اصطلاحية، كالولد فهو في اللغة لكل مولود ذكر أو أنثى، فخصه العرف في بعض البلاد بالذكر، وفي بعض البلاد يطلقونه على الرجل، والصبي في اللغة هو الولد الذكر الذي لم يبلغ، ويتعارفون عليه في بعض البلاد على الرجل الخادم الذي يخدم في البيت والمطبخ، ولفظ الاستحسان عند علماء الأصول، والعقد عند الفقهاء، وكلمة التمييز يختلف المراد منها في اللغة والفقه عن القضاء (١).
والأصل أن يستعمل اللفظ في المعنى اللغوي والحقيقة اللغوية إلا إذا وردت قرينة تصرفه إلى المعنى الشرعي أو العرفي؛ لأن الحقيقة اللغوية هي الأصل، والأصل عدم النقل إلى غيره.
ومن القرائن استعمال الشارع للألفاظ الواردة في نصوصه، فإن المراد هو الحقيقة الشرعية؛ لأن الشرع استعملها بحسب مراده إلى أن ترد قرينة معاكسة تصرفه إلى المعنى اللغوي، فالزكاة هي الركن الثالث في الإسلام، وحيثما وردت في القرآن والسنة فهذا هو المراد، وقد يراد معناها اللغوي في مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)
стр. 508
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٧، ٩].
وكذلك الحال في النصوص القانونية عامة كانت أم خاصة بفئة، فالمراد من اللفظ المعنى القانوني أو الاصطلاحي إلا إذا دلت قرينة أن المراد بها الحقيقة اللغوية، كلفظ "الفائدة" فالمراد منها الربا، إلا إذا جاءت في عقد عمل مثلًا فالمراد منها الحقيقة اللغوية، وهي ما يعود على شخص من منفعة.
وإذا تعارضت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية فتقدم الحقيقة العرفية عند أهل ذلك العرف، كمن حلف ألا ياكل لحمًا، فأكل سمكًا، فإنه لا يحنث؛ لأن السمك لا يسمى لحمًا في عرف أكثر البلاد (١).
تعريف المجاز:
المجاز: هو اللفظ المستعمل فيما لم يوضع له لغة، فالمتكلم يستعمل المجاز ويريد به معنى غير موضوع له، لقرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي، لكن يوجد علاقة بين الحقيقة والمجاز، فيقال عن المرأة الجميلة: شمس، وعن الطفل الوسيم: قمر، ويقال عن الرجل الشجاع: أسد.
والأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز عارض، وإذا احتمل اللفظ المعنى الحقيقي والمجازي حمل على الحقيقة؛ لأن المجاز خلاف الأصل.
والمجاز له أنواع كثيرة مذكورة في كتب اللغة وكتب أصول الفقه، وكل مجاز له حقيقة، وليس كل حقيقة لها مجاز، فاسماء الأعلام كزيد وعمرو لا يدخلها المجاز؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات، لا للفرق بين الصفات.
وذهبت جماهير العلماء إلى وقوع المجاز في نصوص القرآن والسنة (٢)،
стр. 509
بدليل وقوعه فعلًا، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]، فالأصبع لا تدخل في الأذن، والمراد بعض الأصبع، وهو مجاز مرسل من إطلاق الكل وإرادة البعض، لقرينة عدم إدخال الأصبع في الأذن لاستحالته، فتبين أن المراد هو البعض، وقصد منه المبالغة في شدة حرصهم على عدم سماع الحق، وإصرارهم على إدخال الأصبع لذلك.
ومن السنة قوله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلبه" (١)، فلفظ قتيل مجاز مرسل، لأنه بمعنى مقتول، والمقتول لا يقتل، فالمراد ليس حقيقة القتل، بل المراد المشرف على القتل، فهو قتيل باعتبار ما سيكون.
ولأن المجاز فيه بلاغة، ولذلك قال علماء اللغة: المجاز أبلغ من الحقيقة، وإن المجاز شطر الحسن، ولأن القرآن والسنة جاءا بلغة العرب وأسلوبهم، والمجاز موجود في اللغة العربية (٢).
حكم الحقيقة والمجاز:
إذا ورد اللفظ بمعناه الحقيقي فيثبت له المعنى الذي وضع له، سواء كان اللفظ أمرًا أو نهيًا، عامًّا أم خاصًّا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، فهذا نهي عن حقيقة القتل، وهو إزهاق الروح، وهو خاص به، ولكن النهي
стр. 510
موجه إلى جميع المخاطبين، فكان عامًّا.
ومن أحكام الحقيقة أنها ترجح على المجاز؛ لأنها لا تفتقر إلى قرينة، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة، أما المجاز فإنه يفتقر إلى القرينة، وهو بدل عن الحقيقة.
ومن أحكامها امتناع نفي المعنى عن اللفظ، فلا يقال للأب: ليس بأب، وإنما يقال للجد: ليس باب، لأن الجد مجاز بمعنى الأب، فيجوز نفيه.
وإذا ورد المجاز في النص فيثبت له المعنى الذي قصد منه، خاصًّا كان أو عامًّا، وأنه يجوز نفي المعنى الحقيقي عند مسمى المجاز، فلو قيل عن رجل: هذا أسد، فيصح أن يقال: ليس بأسد، والمجاز خلف للحقيقة أو فرع لها؛ لأنه لا يثبت إلا عند تعذر العمل بالحقيقة، ولهذا يحتاج إلى قرينة، ففي مجال وجوب الوضوء قال تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، فالغائط حقيقة في اللغة هو المكان المنخفض، ثم أطلق مجازًا على قضاء الحاجة، وهو المعنى المراد هنا، أي الحدث الأصغر الذي يوجب الوضوء للصلاة (١).
الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد:
اختلف علماء الأصول في جواز إطلاق اللفظ الواحد على مدلوله الحقيقي ومدلوله المجازي في وقت واحد، واعتبار كل معنى منهما مُتَعَلَّقًا للحكم.
فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز ذلك بشرط أن لا يكون المعنيان متضادين، ويكون إطلاقه عليهما معًا مجازًا، بدليل أن المتكلم قد يقصد الأمرين معًا، مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فإنه حقيقة في ولد الصلب، ومجاز في ولد الابن، والآية تشمل الأمرين، ومثل قوله تعالى في أسباب الوضوء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٤٣]، فيراد منه اللمس باليد، واللمس بالجماع، فيحمل عليهما، ويجب الوضوء منهما، لأن اللمس حقيقة في لمس اليد، ومجاز في
стр. 511
الجماع، ومثل لفظ "نكح" في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، يصح أن يراد منه العقد، والجماع؛ لأنه لا تدافع بينهما، باعتبار أن النكاح حقيقة في الأول، مجاز في الآخر عند الشافعية، وعكسه عند الحنفية، ومثله قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، فإنه حقيقة في الوجوب، ومجاز في الندب، والآية تشمل الأمرين، ومنه قولهم: "القلم أحد اللسانين" ويراد من اللسان الجارحة المخصوصة، وهو حقيقة، والآلة التي يكتب بها، وهو مجاز، واستعمل اللفظ الواحد في الأمرين (١).
وقال الحنفية وبعض العلماء كالباقلاني: يمنع إطلاق اللفظ على المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في وقت واحد، بحيث يعتبر كل منهما مقصودًا في الحكم، للتعارض بين الأمرين، فهما متناقضان، لأن الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له بمجرد إطلاقه، والمجاز استعمال اللفظ فيما لم يوضع له، ويحتاج إلى قرينة تدل عليه، فلا يكون مطلقًا ومقيدًا ودالًّا على الأمرين في حالة واحدة، ولذلك قال الحنفية: إذا أوصى لأولاده، وله أولاد، فيشمل الأولاد من الصلب حصرًا؛ لأنه الحقيقة، ولا يشمل أولاد الأولاد؛ لأنه مجاز إلا إذا لم يكن له أولاد، فتصرف الوصية لأولاد الأولاد حملًا للفظ على الاستعمال حتى لا يهمل (٢).
عموم المجاز:
إذا استعمل المجاز في الكلام هل يعم الأفراد الذين يدخلون تحته أم لا؟ اختلف العلماء فيه على قولين:
стр. 512
القول الأول: إن المجاز لا عموم له؛ لأنه لا يحمل اللفظ على المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، فهو من باب الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع بها، وهو قول بعض العلماء من الشافعية (١).
القول الثاني: إن المجاز له عموم إذا توفر الموجب لعمومه كالألف واللام، والإضافة، والوقوع فيه سياق النفي، كما سيرد في صيغ العموم؛ لأن المجاز نوع من الكلام، فكان كالحقيقة في إرادة العموم، ولوقوع المقتضي لذلك، وعدم المانع منه لغة وشرعًا، وهو قول الجمهور (٢).
وترتب على ذلك اختلاف في الأحكام، ففي الحديث "لا تبيعوا الصاع بالصاعين" (٣)، فالصاع مجاز في المكيلات، أي لا تبيعوا ملء الصاع بملء الصاعين.
فعلى القول الأول فإن النهي خاص بالمطعومات؛ لأن النهي عن الزيادة فيها ثابت بقول النبي ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" (٤).
وعلى القول الثاني فإن النهي عام؛ لأن لفظ "الصاع" معرف بلام الجنس، فيستغرق جميع ما يحل به من المطعوم وغيره، وبالتالي يجري الربا في غير المطعوم لعموم المجاز.
ومن حلف ألا يضع قدمه في دار فلان، فهو مجاز للدخول، ولا يراد مجرد وضع القدم، فيشمل المجاز الدخول ماشيًا، أو منتعلًا، أو راكبًا (٥).
стр. 513
المبحث الثاني الصريح والكناية
إن تبادر المعنى من اللفظ إما أن يكون صريحًا، أو كناية، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازًا.
تعريف الصريح:
اللفظ الصريح: هو ما ظهر المراد منه ظهورًا بينًا لكثرة الاستعمال فيه، حقيقة كان أو مجازًا.
ومثاله في الحقيقة: إذا قال رجل لزوجته: "أنت طالق" فهو صريح أن مراده هو الطلاق بالحقيقة الشرعية، ومثله: بعت، واشتريت، وتزوجت، وأجرت.
ومثاله في المجاز: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فإنه صريح أن المراد منها أهلها، وهو مجاز (١).
حكم الصريح:
إن اللفظ الصريح يثبت الحكم الشرعي منه بمجرد التلفظ به، دون توقف على النية، وذلك كصيغ العقود السابقة، وصيغ الفسوخ كقوله: أنت طالق، وفسخت العقد (٢).
تعريف الكناية:
الكناية: هي ما استتر المعنى المراد من اللفظ بالاستعمال، سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازًا.
مثالها في الحقيقة: قول القائل: وكلت فلانًا في الخصومة، ويريد بذلك التوكيل في رفع الدعوى والمنازعة أمام القضاء، دون الإقرار بدعوى الخصم.
стр. 514
ومثالها في المجاز: قول الرجل لزوجته: اعتدِّي، فهو حقيقة في الأمر بالعدّ والحساب، أي تعداد الأيام، والمراد منه مجازًا هو الطلاق، فاللفظ كناية عن الطلاق؛ لأنه سبب العدة، فهو مجاز مرسل من إطلاق السبب وإرادة المسبب (١).
حكم الكناية:
إن الحكم الشرعي لا يثبت في الكناية إلا بالنية، أو بالقرينة التي تدل على تعيين المراد؛ لأن المراد مستتر، والأصل في الكلام أن يراد منه المعنى الصريح، فإذا قال رجل لامرأته: أنت عليَّ حرام، فلفظ "حرام" كناية عن الطلاق، فلا يقع إلا إذا نواه، وهكذا بقية ألفاظ الطلاق بالكناية، كقوله: الحقي بأهلك.
وبما أن الكناية أقل درجة من الصريح، فلا يثبت الحكم بها إلا بالنية من جهة، ولا يثبت بها القذف مثلًا من جهة ثانية، لأنها تتوقف على النية بإرادة معناها، والنية ترجع إلى القاذف، وهو ينكرها، والحدود تدرأ بالشبهات (٢).
стр. 515
الفصل الثاني صيغ التكليف
إن الألفاظ والكلمات هي الوسيلة التي يعبر بها المشرع للتكليف بالأحكام، وتنقسم الألفاظ باعتبار صيغتها التي تدل على الحكم إلى خمسة أنواع، وهي: الأمر، والنهي، والمطلق، والمقيد، وحروف المعاني.
وإن أهم صيغ التكليف، وأكثرها شيوعًا وانتشارًا هي صيغة الأمر، وصيغة النهي، وتتمثل صيغة الأمر بوزن "افعل" الذي يدل على طلب الفعل، وقد يكون طلبًا جازمًا، وقد يكون غير جازم، وهذان يشملان الواجب والمندوب، وتتمثل صيغة النهي بوزن "لا تفعل" الذي يدل على طلب الترك، إما بشكل جازم، أو غير جازم، وهذا يشمل الحرام والمكروه، لذلك اهتم الأصوليون بالأمر والنهي؛ لأن التكليف يتعلق بهما في الأصل لمعرفة الحلال والحرام، ويتبعهما صيغة المطلق وهو الاقتصار على اللفظ دون زيادة عليه، والمقيد وهو إضافة زيادة على اللفظ؛ لأن كلًّا من الأمر أو النهي قد يكون مطلقًا، وقد يكون مقيدًا، ويلحق بهما حروف المعاني (١).
ونؤجل الكلام على حروف المعاني، ونعرض في هذا الفصل الصيغ الأربع الأخرى، ونخصص كل واحدة في مبحث.
وإن الأمر والنهي، والمطلق والمقيد، من أقسام اللفظ الخاص الذي وضع لمعنى واحد منفرد، ويقابله العام، الذي يدل على متعدد غير محصور دفعة بوضع واحد، مثل كلمة الرجال، كما يقابله المشترك الذي يدل على معنيين فأكثر في آن واحد، لكن مع تعدد الوضع مثل لفظ العين، كما سنبينه لاحقًا.
стр. 516
المبحث الأول الأمر
تعريفه وصيغته:
الأمر: هو طلب الفعل على جهة الاستعلاء (١)، فالأمر طلب لأداء الفعل والقيام به في المستقبل بعد الأمر، ويكون من جهة من له سلطة الأمر.
والمطلوب تحصيل المأمور به سواء كان الأمر بصيغة الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أو كان بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر؛ كقوله سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، أو كان بالجملة الخبرية التي يقصد منها الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالمقصود الأمر بالإرضاع وطلبه من الوالدات، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فالمقصود أمر المؤمنين بألا يمكنوا الكافرين من التسلط عليهم، أو كان بالمصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، أي: فاضربوا رقابهم. وكل ما وضع للطلب حقيقة مما كان على وزن افعل، فهو أمر، ويشترط في الأمر إرادة النطق بالصيغة، وإلا فلا يعتبر طلبًا (٢).
стр. 517
دلالة الأمر وموجَبه:
قال جمهور العلماء: إن الأمر يدل على وجوب المأمور به، ولا يصرف عن الوجوب إلى غيره إلا بقرينة تدل على ذلك؛ لأن العرب تستعمل الأمر للطلب الجازم، وهو ما جاء في النصوص الشرعية، فإن قصد به غير ذلك فهو على سبيل المجاز، وإلا فالأصل أنه للوجوب شرعًا (١).
الدلالات المجازية للأمر:
ويدل الأمر عند وجود القرينة على أحد الأمور التالية، بحسب القرينة التي تصرفه من الوجوب إلى غيره، ويكون مجازًا، فمن ذلك:
١ - الندب والاستحباب، مثل قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فالأمر بالمكاتبة مندوبة بقرينة أن المالك حر التصرف في ملكه.
٢ - الإرشاد مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فالأمر بكتابة الدين يدل على مجرد الإرشاد للأحسن وللاحتياط، للقرينة في الآية التالية: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أي: عند الثقة بالمَدين الأمين فلا حاجة للكتابة؛ لأن اللَّه أمره بأداء الأمانة ولو بدون كتابة.
٣ - الإباحة: مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنها للإباحة بقرينة أن الأكل أو الشرب تستدعيه الفطرة عند كل مخلوق حي، ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فالأمر بالانتشار والسعي بعد صلاة الجمعة يفيد الإباحة، والقرينة إما عامة، وهي عدم مؤاخذة أو تأثيم من بقي في المسجد بعد الصلاة، وإما خاصة، بأن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة عند بعض المذاهب، أو يعيد الأمر إلى ما كان قبله عند آخرين، والانتشار قبل الصلاة مباح، ثم حظر بسبب صلاة
стр. 518
الجمعة، ثم عاد إلى أصله، كما سيأتي.
٤ - التأديب: كقوله ﷺ لعمر بن أم سلمة: "يا غلام! سمّ اللَّه، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يَليك" (١)، فالأمر هنا للتأديب بقرينة الحال، وسبب الورود الذي ذكره عمر ﵁.
٥ - الإنذار: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، فهذا إنذار للكفار لكي يتمتعوا في الدنيا وليس لهم نصيب في الآخرة.
٦ - الدعاء: كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، فهذا دعاء للَّه تعالى، وهو كثير في القرآن الكريم والسنة الشريفة (٢).
دلالة الأمر على المرة أو التكرار:
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن صيغة الأمر موضوعة للطلب على سبيل الإلزام، وأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، ولكنه يحتمل التكرار إذا وجدت قرينة أحاطت به، فيكون التكرار مستفادًا من القرينة، كأن يكون الأمر معلقًا على شرط هو علة للمأمور به، كقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فيجب تكرار الطهارة كلما وقعت الجنابة، ومثل قوله تعالى:
стр. 519
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فيتكرر الوضوء لأنه شرط للصلاة المتكررة، وقد يكون الأمر مرتبطًا بثبوت وصفط هو علة للمأمور به، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فيجب تكرار الصلاة كلما أصبحت الشمس في كبد السماء، وقد يكون الأمر مرتبطًا بسبب فيتكرر كلما تكرر السبب، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فيتكرر الجلد كلما تكرر سببه وهو الزنا، لأن الشرع علَّق الحكم على وجود علته أو سببه.
فإن لم توجد قرينة فلا يدل الأمر على التكرار، لإجماع أهل العربية على أن هيئة الأمر لا تدل إلا على مجرد الطلب في المستقبل (١).
دلالة الأمر على الفور أو التراخي:
المقصود من كون الأمر للفور أن يبادر المكلف لامتثال الأمر وتنفيذه دون تأخير، مع وجود الإمكان، فإن تأخر عن الأداء كان مؤاخذًا.
والمقصود بالتراخي أنه يجوز للمكلف أن يمتثل الأمر حالًا، ويجوز له التأخير إلى وقت آخر.
فإن ورد الأمر مقيدًا بوقت فيجب الالتزام بامتثاله في ذلك الوقت كصيام رمضان، وإن كان الوقت موسعًا فيصح في أوله وأوسطه وآخره، وإذا ورد الأمر مقيدًا بجواز التأخير فهو على التراخي باتفاق، ولكن اختلف العلماء إذا
стр. 520
ورد الأمر غير مقيد بوقت معين، فهل يدل على الفور أم على التراخي؟
اختلفوا على ثلاثة أقوال، وذهب الجمهور إلى أن الأمر بمجرده لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا؛ لأن الأمر نفسه يدل على مجرد طلب الفعل، ومتى أتى به المكلف عدَّ ممتثلًا سواء كان إتيانه له فورًا أم متراخيًا، وإن الفورية والتراخي تعلم بدليل آخر أو بقرينة، وليس من الأمر ذاته، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فهو صريح في الفورية والمبادرة إلى فعل الخير المطلوب، أما الأمر المطلق فقد ورد في الشرع مع الفور، وورد مع التأخير، ولأن الأمر نفسه يصح تقييده بالفور وبالتراخي، مما يدل على أنه غير دال بمطلقه على واحد منهما، فيكون الأمر حقيقة في القدر المشترك، وهو طلب الإتيان به (١).
وظهر اختلاف بين الفقهاء في التطبيق، في كون الأمر للفور أو للتراخي، حتى في المذهب الواحد يختلف الحكم من فرع إلى آخر، والسبب في الحقيقة في وجود القرائن والأدلة الأخرى التي ترجح هذا أو ذاك.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأداء الحج على الفور عند المالكية والحنابلة، وعلى التراخي عند الحنفية والشافعية، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فأداء الزكاة على الفور عند المالكية والشافعية والحنابلة، وعلى التراخي عند الحنفية، لكن يجب الإسراع بها إذا غلب على ظن المزكي أنه يموت قبل الأداء، فيفوت الواجب عليه.
الأمر بالشيء نهي عن ضده:
إن الأمر بالشيء هو نهي عن ضده، لأن المأمور واجب، والواجب لا يتم إلا بترك ضده، لأنه لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فالأمر بإقامة
стр. 521
الصلاة نهي عن ضدها، وهو كل ما يتنافى مع الصلاة، فهو نهي عن الأكل، أو الشرب، أو كلام الناس، في الصلاة.
ويشترط لكون الأمر نهيًا عن ضده أن يكون الأمر معينًا، فإن كان غير معين أي مخيرًا، كالكفارة في اليمين، فلا يكون الأمر نهيًا عن ضده؛ لجواز أن يفعل الأمر الآخر، كما يشترط أن يكون وقت الأمر مضيقًا، فإن كان موسعًا، فلا يكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، كالأمر بصلاة الظهر عند الدلوك، فهو ليس نهيًا عن الأكل وغيره في هذا الوقت، فيجوز الأكل والشرب ثم الصلاة (١).
الأمر المقيد:
إذا ورد الأمر مقيدًا بوقت، أو صفة، أو شرط، أو عدد، فإن دلالته تتحدد بهذا القيد.
فالأمر المقيد بوقت يتنوع بحسب كون الوقت معينًا كالصيام والصلاة، أو غير معين ككفارة اليمين، وصلة الأرحام، والوقت المعين إما أن يكون وقته مضيقًا كالصيام في رمضان، وإما أن يكون موسعًا كالصلوات الخمس، وسبق بيان ذلك في أنواع الواجب باعتبار ارتباطه بالوقت.
والأمر المقيد بعدد فيجب التقيد به كثر العدد أم قل، وبدون زيادة أو نقصان، مثل الصلاة ركعتين خلف المقام، وإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، وجلد الزاني غير المحصن مائة جلدة، وجلد القاذف ثمانين جلدة، ودلالة العدد في النص على المعدود قطعية ولا مجال للاجتهاد فيها.
والأمر المقيد بالصفة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨]، والأمر المقيد بالشرط، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فإن دل الدليل الخارجي على تأثير الصفة أو الشرط فحكم الأمر المعلق عليه هو التكرار، فكلما تحقق وصف السرقة وجب
стр. 522
القطع، وكلما حصلت الجنابة وجب الغسل، لأن الشروط اللغوية تعتبر بمثابة السبب كما مرَّ في مبحث الشرط، وكذا الأوصاف، والحكم يتكرر بتكرر سببه أو تحقق وصفه.
فإن دليل الدليل الخارجي أن الوصف ليس له تأثير فلا يرتبط الحكم به، كوصف السائمة في الغنم لا يعتبر وصفًا مؤثِّرًا عند المالكية، وتجب الزكاة على الغنم السائمة والمعلوفة، بينما اعتبر المالكية الوصف في الربيبة (وهي بنت الزوجة) ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ صفًّا مؤثرًا، فلا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في رعاية زوج أمها.
وإذا لم يرد دليل على أن الوصف أو الشرط للتكرار فلا يتكرر الأمر المقيد بهما، كما لا يتكرر الأمر المطلق، كما سبق، وهذا رأي الجمهور، وفيه آراء أخرى (١).
الأمر بعد الحظر:
قد يحظر الشرع أمرًا ويحرمه، ثم يأمر به، كتحريم الصيد أثناء الإحرام للحج أو للعمرة، قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى؛ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ثم أمر اللَّه بالاصطياد بعد التحلل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وحرم اللَّه البيع عند النداء لصلاة الجمعة، فقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ثم أمر بالانتشار وابتغاء الرزق، ومنه البيع بعد الصلاة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ومثله قوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا" (٢).
وقد اختلف الأصوليون في دلالة هذا الأمر بعد الحظر على عدة أقوال،
стр. 523
أهمها ثلاثة آراء، وهي:
١ - إن الأمر بعد الحظر للإباحة، بدليل أن معظم الأوامر التي وردت بعض الحظر ثبت لها حكم الإباحة كالأمثلة السابقة، وهو رأي الشافعي والحنابلة وبعض المالكية.
٢ - إن الأمر بعد الحظر للوجوب؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب سواء ورد بعد حظر أم لا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فالقتال واجب باتفاق، وهذا قول الحنفية والشافعية والمالكية، ورد أصحاب القول الأول أن الوجوب هنا لدليل خارجي.
٣ - إن الأمر بعد الحظر يرجع إلى الحكم الذي كان قبل الحظر من وجوب أو غيره، والأمر هنا إنما هو لمجرد رفع الحظر الذي سبق، بدليل أن المتتبع للأوامر بعد الحظر يجدها أنها عادت إلى أصل الحكم قبل ورود الحظر، كالبيع، والصيد، والادخار، والقتال؛ لأن الحظر إنما ورد لمصلحة اقتضت ذلك، وهو رأي الكمال بن الهمام.
وهذه المسألة نظرية لا يترتب عليها حكم عملي، وإن الراجح هو اعتبار الأدلة الخارجية التي تحدد الحكم (١).
стр. 524
المبحث الثاني النهي
تعريف النهي وصيغته:
النهي: هو طلب الكف عن فعل على جهة الاستعلاء، فالنهي يدل على طلب الامتناع عن فعل من الأفعال بالقول الصادر من جهة تملك ذلك، والنهي يقابل الأمر في كل حاله في النصوص (١).
وصيغة النهي الحقيقية لا تفعل، وهي الفعل المضارع المسبوق بلا الناهية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وهناك صيغ أخرى للنهي، سبق بيانها في أساليب التحريم، كلفظ النهي في قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" (٢)، ولفظ التحريم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير﴾ [المائدة: ٣]، ولفظ نفي الحل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وصيغة الأمر الدال على الترك، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
стр. 525
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وترتيب العقوبة على الفاعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، وغير ذلك من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وجاءت بها السنة النبوية من صيغ تدل على النهي عن الفعل وطلب تركه (١).
دلالة النهي وموجَبه:
إن دلالة النهي حقيقة، وهي موجَبه الأصلي، أنها للتحريم، أي لطلب الترك طلبًا جازمًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، فالقتل حرام، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فالزنا حرام، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ فنكاح المشركة حرام، وفي هذه الحالة لا تحتاج الصيغة إلى قرينة، لأن النهي موضوع لغة للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم.
ويرد النهي في معان كثيرة، وتكون من قبيل المجاز، وتحتاج إلى قرينة، فمن ذلك:
١ - الكراهة، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، فترك الطيبات مكروه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فإنفاق الرديء مكروه، ومنه قوله ﷺ : "لا يُمْسِكَنَّ أحدُكم ذكرَه بيمينِه وهو يَبول" (٢)، فهذا المسك مكروه.
٢ - الدعاء، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، فهذا النهي يفيد الدعاء للَّه تعالى، ومثله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 526
٣ - الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فالنهي هنا فلإرشاد والتوجيه.
٤ - التحقير، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]، فالمقصود بيان حقارة متع الحياة الدنيا إلى جانب ما عند اللَّه من الثواب والأجر.
٥ - بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، فالمقصود من النهي بيان عاقبة الظالمين.
٦ - التأييس، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ [التحريم: ٧]، فالمقصود جعل الكافرين في يأس من رحمة اللَّه لهم، وليس المقصود نهيهم عن الاعتذار.
٧ - التهديد، كقول الرئيس لمرؤوسه: لا تطع أمري، فالمقصود تهديده.
٨ - الالتماس، كقول الشخص لمن يساويه: لا تفعل، فهو التماس لعدم الفعل.
٩ - الشفقة، كقوله ﵊: "لا تتخذوا الدواب كراسي" (١)، فالمقصود الإشفاق على الحيوان (٢).
دلالة النهي على الفور والتكرار:
يرى جماهير العلماء أن النهي يقتضي بحقيقته الفور بأن يمتنع المنهي عن المنهي عنه بمجرد صدور النهي، كما يقتضي النهي بحقيقة الدوام، أي
стр. 527
الاستمرار على ترك المنهي عنه؛ لأن فاعل المنهي عنه في أي وقت من الأوقات بعد ورود النهي فاعل لما طلب منه الكف عنه، ولا يعتبر ممتثلًا، ويعد مخالفًا لغة وعرفًا، ويستدل بذلك العلماء بلا نكير، وحكاه بعضهم إجماعًا، فإذا نهى الشارع عن شيء وجبت المبادرة فورًا إلى تركه، وإلى الامتناع عن فعله في جميع الأوقات، حتى يتحقق الامتثال للنهي، ولتجنب المفسدة والضرر الذي كان باعثًا على طلب الكف عنه.
وهذا خلاف الأمر؛ لأن الأمر له حد ينتهي إليه، فيقع الامتثال فيه بالمرة، وأما الانتهاء عن المنهي عنه فلا يتحقق إلا باستيعابه في العمر، وعند الاستمرار به يتحقق الكف.
ويستثنى من ذلك إذا وردت قرينة تصرف النهي عن الفورية أو الدوام، كالنهي عن شيء في وقت معين، أو إذا كان النهي مقيدًا بصفة أو شرط، فتكون دلالة النهي بحسب القيد، كالنهي عن صوم يوم النحر، فلا يشمل غيره، ولا يقتضي الفورية، ونهي الحائض عن الصلاة لأجل الحيض، وغير ذلك من القرائن التي أشرنا إليها، فإنها تصرف دلالة النهي إلى المعنى المراد منها مجازًا (١).
دلالة النهي على الفساد أو البطلان:
أشرنا سابقًا في مبحث الصحيح وغير الصحيح إلى الفرق بين الفساد والبطلان عند الحنفية، خلافًا للجمهور الذين لا يفرقون بين الفاسد والباطل، وأنهما مترادفان، ومع ذلك يختلف العلماء في أثر النهي في المنهي عنه، مع التفريق بين العبادات والمعاملات، والأمور الحسيّة، والتصرفات الشرعية، وكون النهي ورد على ذات المنهي عنه، أو على صفة من صفاته، أو على
стр. 528
أمر مجاور له، وكون الوصف المنهي عنه لازمًا للموصوف أو غير لازم، وهذا بيان مختصر لذلك.
١ - الأمور الحسية:
وهي التي تدرك بالحس، أو لها وجود حسي فقط كالزنى والقتل وشرب الخمر والكفر والغيبة، فلا يتوقف حصولها على الشرع، وتتفق العقول على قبحها، فهذه الأمور اتفق العلماء على أن النهي عنها يدل على الفساد والبطلان، لأن النهي عن فعلها دليل على قبحها في ذاتها، إلا إذا قام دليل على كونها قبيحة لمعنى لا في ذاتها، وإنما لمعنى آخر، كالنهي عن وطء الحائض، فالقرينة اللفظية دلت على أن النهي لما يترتب عليها من الأذى، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولذلك تترتب بعض الأحكام على وطء الحائض، كالحل للزوج الأول في المطلق ثلاثًا، والنسب، وتكميل المهر، والإحصان، وغيره.
٢ - التصرفات الشرعية والنهي عن المحل:
التصرفات الشرعية هي التي لا تعرف إلا عن طريق الشرع، فإذا كان النهي متوجهًا إلى المحل، سواء كان عقدًا أو عبادة، فاتفق العلماء على أن النهي يدل على الفساد والبطلان معًا، بمعنى أن التصرف (عبادة أو عقدًا) يعتبر معدومًا ولا يترتب عليه أثر، كالنهي عن بيع الجنين في بطن أمه، والنهي عن بيع الميتة، والنهي عن بيع الزرع قبل وجوده، والنهي عن بيع ما ليس عنده، لأن المحل معدوم، والعقد لا يقوم إلا بالمحل، والنهي عن الصلاة والصيام والحج إذا فقد ركن من أركانها، أو شرط من شروطها.
٣ - التصرفات الشرعية والنهي عن أمر مقارن غير لازم:
إذا كان النهي مقترنًا بما يدل على أنه كان لأمر مقارن للعمل، ولكنه غير لازم له، لأنه قد ينفك عنه، ولا يرتبط به باستمرار، كالنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، أو بالثوب المغصوب، أو المسروق، أو بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، والنهي عن البيع وقت الأذان لصلاة الجمعة ونحوه، فالنهي ليس واردًا على ذات الشيء، ولا إلى صفة من صفاته بل إلى
стр. 529
أمر خارج عنه، وهنا اختلف العلماء على دلالة النهي على قولين:
القول الأول: هذا النهي لا يفيد بطلان العمل، ولا فساده، ويبقى صحيحًا في الواقع، وتترتب عليه آثاره المقصودة منه، ولكنه حرام (أي فيه إثم) عند الأكثرين، ومكروه تحريمًا عند الحنفية، لمخالفته توجيه المشرع.
واستدلوا على ذلك بأن النهي لا يرجع إلى المنهي عنه كالصلاة والذبح، ولأن النهي غير لازم للتصرف الشرعي كالصلاة والذبح، فالجلوس في الدار المغصوبة في غير الصلاة ممنوعة، واستخدام السكين المغصوبة حرام في الذبح وغيره، والانشغال عن صلاة الجمعة حرام سواء كان بالبيع أو بغيره، فالنهي لا يرجع إلى المنهي عنه بذاته فلا يؤثر فيه، كما سبق الكلام على النهي عن الوطء في الحيض، ولذلك يصح البيع وقت النداء، وينتج آثاره، وإن أثم فاعله، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: وهو قول الحنابلة والظاهرية، فقالوا: إن النهي هنا يقتضي بطلان المنهي عنه، وعدم ترتيب الآثار عليه، لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، ولاستدلال الصحابة رضوان اللَّه عليهم ببطلان التصرفات المنهي عنها مطلقًا، ولو لوصف غير لازم، فابن عمر ﵄ استدل على فساد نكاح المشركات وبطلانه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، واستدل الصحابة على فساد عقود الربا بقول ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ... الحديث" (٢)، وفساد نكاح المُحْرِم بالنهي عنه في قوله ﷺ : "لا يَنكح المُحْرِم، ولا يُنكح" (٣)، ولأن نهي الشرع عن تلك الأمور يقتضي عقلًا اشتراط خلوها مما ارتبط بها، وإلا لم تكن مشروعة.
стр. 530
٤ - التصرفات الشرعية مع النهي عن وصف لازم لها:
أي إن الوصف لا ينفك عنها، لارتباطهما الوثيق، كالنهي عن صوم أيام العيد، والبيع المشتمل على الربا أو على شرط فاسد، والنهي عن بيع المجهول، أو كون الثمن خمرًا، فاختلف العلماء في هذه الصور على قولين:
القول الأول: إن هذا النهي يقتضي شرعًا -لا لغة- فساد المنهي عنه أو بطلانه، وهما بمعنى واحد، وأنه لا يترتب عليه أثر، سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة، وهذا رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
والظاهرية، واستدلوا بأدلة الحنابلة والظاهرية السابقة في الحديث، وعمل الصحابة، والمعقول.
القول الثاني: وهو رأي الحنفية الذين يفرقون بين الفاسد الذي تترتب عليه بعض الآثار، والباطل الذي لا تترتب عليه الآثار، وقالوا: إن النهي (هنا) يقتضي فساد الوصف فقط، ويبقى أصل العمل مشروعًا، ويرتبون عليه بعض الآثار؛ لأن أصل العمل مشروع وهو الصوم، والبيع، وأن المخالفة راجعة إلى وصف مكمل للعمل مع سلامة حقيقته بوجود ركنه (وهو الإيجاب والقبول) ومحله المعقود عليه، وتتحقق فيه مصلحة على وجه ما، فيكون فاسدًا لا باطلًا، ويمكن إزالة سبب الفساد بعدئذ، ولذلك عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، وأن النهي عن الوصف يفيد المعصية فقط مع صحة التصرف في المعاملات لا في العبادات (١).