٣ - الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فالنهي هنا فلإرشاد والتوجيه.
٤ - التحقير، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]، فالمقصود بيان حقارة متع الحياة الدنيا إلى جانب ما عند اللَّه من الثواب والأجر.
٥ - بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، فالمقصود من النهي بيان عاقبة الظالمين.
٦ - التأييس، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ [التحريم: ٧]، فالمقصود جعل الكافرين في يأس من رحمة اللَّه لهم، وليس المقصود نهيهم عن الاعتذار.
٧ - التهديد، كقول الرئيس لمرؤوسه: لا تطع أمري، فالمقصود تهديده.
٨ - الالتماس، كقول الشخص لمن يساويه: لا تفعل، فهو التماس لعدم الفعل.
٩ - الشفقة، كقوله ﵊: "لا تتخذوا الدواب كراسي" (١)، فالمقصود الإشفاق على الحيوان (٢).
دلالة النهي على الفور والتكرار:
يرى جماهير العلماء أن النهي يقتضي بحقيقته الفور بأن يمتنع المنهي عن المنهي عنه بمجرد صدور النهي، كما يقتضي النهي بحقيقة الدوام، أي
стр. 527
الاستمرار على ترك المنهي عنه؛ لأن فاعل المنهي عنه في أي وقت من الأوقات بعد ورود النهي فاعل لما طلب منه الكف عنه، ولا يعتبر ممتثلًا، ويعد مخالفًا لغة وعرفًا، ويستدل بذلك العلماء بلا نكير، وحكاه بعضهم إجماعًا، فإذا نهى الشارع عن شيء وجبت المبادرة فورًا إلى تركه، وإلى الامتناع عن فعله في جميع الأوقات، حتى يتحقق الامتثال للنهي، ولتجنب المفسدة والضرر الذي كان باعثًا على طلب الكف عنه.
وهذا خلاف الأمر؛ لأن الأمر له حد ينتهي إليه، فيقع الامتثال فيه بالمرة، وأما الانتهاء عن المنهي عنه فلا يتحقق إلا باستيعابه في العمر، وعند الاستمرار به يتحقق الكف.
ويستثنى من ذلك إذا وردت قرينة تصرف النهي عن الفورية أو الدوام، كالنهي عن شيء في وقت معين، أو إذا كان النهي مقيدًا بصفة أو شرط، فتكون دلالة النهي بحسب القيد، كالنهي عن صوم يوم النحر، فلا يشمل غيره، ولا يقتضي الفورية، ونهي الحائض عن الصلاة لأجل الحيض، وغير ذلك من القرائن التي أشرنا إليها، فإنها تصرف دلالة النهي إلى المعنى المراد منها مجازًا (١).
دلالة النهي على الفساد أو البطلان:
أشرنا سابقًا في مبحث الصحيح وغير الصحيح إلى الفرق بين الفساد والبطلان عند الحنفية، خلافًا للجمهور الذين لا يفرقون بين الفاسد والباطل، وأنهما مترادفان، ومع ذلك يختلف العلماء في أثر النهي في المنهي عنه، مع التفريق بين العبادات والمعاملات، والأمور الحسيّة، والتصرفات الشرعية، وكون النهي ورد على ذات المنهي عنه، أو على صفة من صفاته، أو على
стр. 528
أمر مجاور له، وكون الوصف المنهي عنه لازمًا للموصوف أو غير لازم، وهذا بيان مختصر لذلك.
١ - الأمور الحسية:
وهي التي تدرك بالحس، أو لها وجود حسي فقط كالزنى والقتل وشرب الخمر والكفر والغيبة، فلا يتوقف حصولها على الشرع، وتتفق العقول على قبحها، فهذه الأمور اتفق العلماء على أن النهي عنها يدل على الفساد والبطلان، لأن النهي عن فعلها دليل على قبحها في ذاتها، إلا إذا قام دليل على كونها قبيحة لمعنى لا في ذاتها، وإنما لمعنى آخر، كالنهي عن وطء الحائض، فالقرينة اللفظية دلت على أن النهي لما يترتب عليها من الأذى، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولذلك تترتب بعض الأحكام على وطء الحائض، كالحل للزوج الأول في المطلق ثلاثًا، والنسب، وتكميل المهر، والإحصان، وغيره.
٢ - التصرفات الشرعية والنهي عن المحل:
التصرفات الشرعية هي التي لا تعرف إلا عن طريق الشرع، فإذا كان النهي متوجهًا إلى المحل، سواء كان عقدًا أو عبادة، فاتفق العلماء على أن النهي يدل على الفساد والبطلان معًا، بمعنى أن التصرف (عبادة أو عقدًا) يعتبر معدومًا ولا يترتب عليه أثر، كالنهي عن بيع الجنين في بطن أمه، والنهي عن بيع الميتة، والنهي عن بيع الزرع قبل وجوده، والنهي عن بيع ما ليس عنده، لأن المحل معدوم، والعقد لا يقوم إلا بالمحل، والنهي عن الصلاة والصيام والحج إذا فقد ركن من أركانها، أو شرط من شروطها.
٣ - التصرفات الشرعية والنهي عن أمر مقارن غير لازم:
إذا كان النهي مقترنًا بما يدل على أنه كان لأمر مقارن للعمل، ولكنه غير لازم له، لأنه قد ينفك عنه، ولا يرتبط به باستمرار، كالنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، أو بالثوب المغصوب، أو المسروق، أو بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، والنهي عن البيع وقت الأذان لصلاة الجمعة ونحوه، فالنهي ليس واردًا على ذات الشيء، ولا إلى صفة من صفاته بل إلى
стр. 529
أمر خارج عنه، وهنا اختلف العلماء على دلالة النهي على قولين:
القول الأول: هذا النهي لا يفيد بطلان العمل، ولا فساده، ويبقى صحيحًا في الواقع، وتترتب عليه آثاره المقصودة منه، ولكنه حرام (أي فيه إثم) عند الأكثرين، ومكروه تحريمًا عند الحنفية، لمخالفته توجيه المشرع.
واستدلوا على ذلك بأن النهي لا يرجع إلى المنهي عنه كالصلاة والذبح، ولأن النهي غير لازم للتصرف الشرعي كالصلاة والذبح، فالجلوس في الدار المغصوبة في غير الصلاة ممنوعة، واستخدام السكين المغصوبة حرام في الذبح وغيره، والانشغال عن صلاة الجمعة حرام سواء كان بالبيع أو بغيره، فالنهي لا يرجع إلى المنهي عنه بذاته فلا يؤثر فيه، كما سبق الكلام على النهي عن الوطء في الحيض، ولذلك يصح البيع وقت النداء، وينتج آثاره، وإن أثم فاعله، وهذا قول الجمهور.
القول الثاني: وهو قول الحنابلة والظاهرية، فقالوا: إن النهي هنا يقتضي بطلان المنهي عنه، وعدم ترتيب الآثار عليه، لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، ولاستدلال الصحابة رضوان اللَّه عليهم ببطلان التصرفات المنهي عنها مطلقًا، ولو لوصف غير لازم، فابن عمر ﵄ استدل على فساد نكاح المشركات وبطلانه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، واستدل الصحابة على فساد عقود الربا بقول ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ... الحديث" (٢)، وفساد نكاح المُحْرِم بالنهي عنه في قوله ﷺ : "لا يَنكح المُحْرِم، ولا يُنكح" (٣)، ولأن نهي الشرع عن تلك الأمور يقتضي عقلًا اشتراط خلوها مما ارتبط بها، وإلا لم تكن مشروعة.
стр. 530
٤ - التصرفات الشرعية مع النهي عن وصف لازم لها:
أي إن الوصف لا ينفك عنها، لارتباطهما الوثيق، كالنهي عن صوم أيام العيد، والبيع المشتمل على الربا أو على شرط فاسد، والنهي عن بيع المجهول، أو كون الثمن خمرًا، فاختلف العلماء في هذه الصور على قولين:
القول الأول: إن هذا النهي يقتضي شرعًا -لا لغة- فساد المنهي عنه أو بطلانه، وهما بمعنى واحد، وأنه لا يترتب عليه أثر، سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة، وهذا رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.
والظاهرية، واستدلوا بأدلة الحنابلة والظاهرية السابقة في الحديث، وعمل الصحابة، والمعقول.
القول الثاني: وهو رأي الحنفية الذين يفرقون بين الفاسد الذي تترتب عليه بعض الآثار، والباطل الذي لا تترتب عليه الآثار، وقالوا: إن النهي (هنا) يقتضي فساد الوصف فقط، ويبقى أصل العمل مشروعًا، ويرتبون عليه بعض الآثار؛ لأن أصل العمل مشروع وهو الصوم، والبيع، وأن المخالفة راجعة إلى وصف مكمل للعمل مع سلامة حقيقته بوجود ركنه (وهو الإيجاب والقبول) ومحله المعقود عليه، وتتحقق فيه مصلحة على وجه ما، فيكون فاسدًا لا باطلًا، ويمكن إزالة سبب الفساد بعدئذ، ولذلك عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، وأن النهي عن الوصف يفيد المعصية فقط مع صحة التصرف في المعاملات لا في العبادات (١).
стр. 531
فائدة: ميزات الأمر عن النهي:
بيَّن الزركشي رحمه اللَّه تعالى ما يمتاز به الأمر عن النهي، فقال:
"فيما يمتاز به الأمر والنهي هو أن الأمر المطلق يقتضي فعل مرة على الأصح، والنهي يقتضي التكرار على الدوام.
والنهي لا يتصف بالفور والتراخي مع الإطلاق، والأمر يتصف بذلك على الأصح.
والنهي لا يقتضي إذا فات وقته المعين بخلاف الأمر.
والنهي بعد الأمر بمنزلة النهي ابتداء قطعًا على الطريقة المشهورة، وفي الأمر خلاف.
وفي تكرار النهي يقتضي التأكيد بخلاف تكرار الأمر على أحد الوجهين.
والأمر يقتضي الصحة بالإجماع، والنهي يدل على فساد المنهي عنه على أحد الوجهين.
والنهي المعلق على شرط يقتضي التكرار بخلاف الأمر المعلق على شرط على الأصح.
قال ابن فورك: ويفترقان في أن النهي عن الشيء ليس أمرًا بضده، والأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان على طريق الإيجاب، وفي أنه إذا نهي عن أشياء بلفظ التخيير لم ٤ يجز له فعل واحد منها، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان: ٢٤] " (١).
стр. 532
المبحث الثالث المطلق
تعريف المطلق:
المطلق لغة: مأخوذ من معنى الانفكاك من القيد، وفي الاصطلاح: هو اللفظ الخاص الذي يتناول واحدًا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، فالمطلق لفظ يدل على فرد شائع، أو أفراد شائعة، وليس مقيدًا بصفة من الصفات، مثل رجل، ورجال، وكتاب، وامرأة، وطالب، وليس المقصود من اللفظ العموم، أو الاستغراق كالإنسان، وإنما المقصود الحقيقة بحسب حضورها في الذهن، والمطلق مساوٍ للنكرة ما لم يدخلها عموم، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، فيتناول لفظ "الرقبة" واحدًا غير معين من جنس الرقاب، مثل قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (١)، فلفظ "الولي" يتناول واحدًا غير معين من جنس الأولياء، ويقابل المطلقَ المقيدُ، كما سيأتي (٢).
حكم المطلق:
إن المطلق يجري على إطلاقه، ويتناول كل فرد شائع في جنسه على طريق البدلية، ويبقى كذلك حتى يرد دليل يخرجه عن الشيوع بقيد يحد من إطلاقه، فالمثال السابق ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، يدل على إجزاء المؤمنة والكافرة، والولي مطلق فيشترط واحد من الأولياء، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، يشمل أم الزوجة سواء دخل بها
стр. 533
الزوج أم لم يدخل، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، يدل على جواز التزوج على أي مهر، دون تقييد بمقدار معين، مما يطلق عليه اسم المال، سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
ويرد المطلق في سياق الخبر كالحديث السابق، وفي سياق الأمر كتحرير الرقبة.
فإن ورد الأمر مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ [النساء: ١١]، ثم دل الدليل على تقييده، حمل المطلق على المقيد، كقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص عندما استشاره في الوصية فقال له: "الثلث، والثلث كثير" (١)، فتقيدت الوصية شرعًا بالثلث (٢).
стр. 534
المبحث الرابع المقيد
قد يرد اللفظ مقترنًا بوصف أو شرط أو إشارة ونحوها، فيكون مدلوله مقتصرًا على بعض أنواعه، وهذا هو المقيد، وقد يرد اللفظ مطلقًا في نص، ثم يستعمل في نص آخر مقيدًا، ففي هذه الحالة يدرس العلماء حمل المطلق على المقيد، أو عدم حمله، حسب الحالات والصور، ويترتب على التقييد أحكام، وعلى حمل المطلق على المقيد أو عدم حمله أحكام، وهو موضوع هذا المبحث.
تعريف المقيد:
المقيد: هو اللفظ الخاص الذي تناول فردًا معينًا بالوضع أو بقيد خارجي يخرجه عن الشيوع.
مثال الأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فزيد علم يدل على شخص معين.
ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، فالآية أوجبت صوم شهرين، ثم قيدتهما بالتتابع بوصف ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وقيدتهما بالوقت ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وهكذا مثل: هذا الرجل، والمرأة العفيفة، والطالب الممتاز، فاللفظ خاص قُيّد بما يقلل شيوعه، لذلك فإن المقيد هو لفظ مطلق لحقه قيد من القيود فأخرجه عن الإطلاق إلى التقييد، وتتفاوت المراتب في تقييد المطلق باعتبار قلة القيود أو كثرتها، فما كثرت قيوده أعلى رتبة مما قلت قيوده.
وقد يجتمع الإطلاق والتقييد في لفظ واحد باعتبارين، فيكون اللفظ مطلقًا من وجه، ومقيدًا من وجه، كقوله تعالى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فهي مقيدة من حيث الدِّين بالإيمان، فتتعين المؤمنة للكفارة، وهي مطلقة فيما سوى الإيمان كالذكورة والأنوثة وكمال الخلقة والطول والبياض ..
стр. 535
وأضدادها (١).
والتقييد تارة يكون في الأمر كقوله ﷺ : "صُمْ شهرين متتابعين" (٢)، وتارة يكون في الخبر، كقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٣).
حكم المقيد:
إذا ورد النص مقيدًا فيجب العمل به مقيدًا، ولا يصح أن يهمل القيد، إلا إذا دلَّ دليل على إلغاء القيد.
ومثال الحكم الأصلي قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، فقد ورد الأمر بالصوم مقيدًا بتتابع الشهرين، وبكونه قبل العودة إلى التماس والاستمتاع بالزوجة التي ظاهر منها، فيجب العمل على التقيد بهذين القيدين، ولا يجزئ تفريق الصيام، ولا كونه بعد التماس، ومثله تحريم الدم المسفوح في قوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالدم المحرم مقيد بكونه مسفوحًا، أما الدم الجامد كالكبد والطحال فليس بمحرم.
ومثال الاستثناء في إلغاء القيد قوله تعالى في بيان المحرمات في النكاح من النساء: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فاشتراط كون الربائب في الحجور أي في رعاية الزوج وتربيته لا يعمل به؛ لأنه ذكر في الآية بناء على العرف الغالب من الأحوال، وهو كون الربيبة (وهي بنت الزوجة) غالبًا مع أمها في بيت الزوج، والنتيجة أن الربيبة محرمة ولو كانت في
стр. 536
غير بيت الزوج (١).
حمل المطلق على المقيد:
معناه بيان المقيد للمطلق، أو تقييد المطلق بالمقيد، وذلك إذا ورد نصان أحدهما مطلق والثاني مقيد، فاتفق العلماء على جواز حمل المطلق على المقيد في حالات، ومنعه في حالات، ولكن عند حمل المطلق على المقيد اختلفوا في صوره وشروطه.
والإطلاق والتقييد إما أن يكونا في سبب الحكم أو في الحكم، فهاتان حالتان أساسيتان، وإذا كان في الحكم فله أربع صور، وهذا هو التفصيل.
الحالة الأولى: الإطلاق والتقييد في سبب الحكم:
مثاله: حديث ابن عمر ﵄ قال: "فرض رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين"، وفي رواية أخرى لم يذكر فيها "من المسلمين" (٢).
فالحكم واحد في النصين، وهو وجوب زكاة الفطر، ولكن وقع الإطلاق والتقييد في سبب الحكم، وهو الشخص الذي ينفق عليه المزكي كالخادم، ففي النص الأول ورد مقيدًا "من المسلمين" وفي النص الثاني ورد مطلقًا عن هذا القيد، واختلف العلماء في حمل المطلق على المقيد هنا على قولين:
القول الأول: لا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل من النصين، فيجب على المسلم أداء زكاة الفطر على من ينفق عليه المتصدق، ولو كان غير مسلم كالزوجة والخادم، عملًا بالنص الثاني المطلق، كما يجب عليه أداء زكاة الفطر على من ينفق عليه إن كان مسلمًا عملًا بالنص الأول، فالمطلق سبب لوحده، والمقيد سبب لوحده، لإمكان العمل بكل منهما، وعدم تحقق التنافي، ويمكن أن يكون للحكم أسباب كثيرة، كثبوت الملك بسبب الإرث والوصية والبيع والهبة وإحياء الموات.
стр. 537
القول الثاني: يحمل المطلق على المقيد في النصين، ولا تجب زكاة الفطر إلا على من ينفق عليه المتصدق إذا كان من المسلمين، فإن كانت الزوجة أو الخادم غير مُسْلِمَيْن فلا تجب زكاة الفطر، ويكون الإسلام شرطًا فيها؛ لأن الإطلاق والتقييد في شيء واحد، فلا يقبل أن يكون مطلقًا ومقيدًا في آن واحد للتنافي بينهما، ويجعل أحدهما أصلًا ويبنى الآخر عليه، بأن يكون المقيد أصلًا ليكون للقيد فائدة، ويبنى المطلق عليه.
وهذا هو الراجح؛ لأن الخطاب للمسلمين، وأن زكاة الفطر عبادة فلا تجب بسبب غير المسلم، ولأن العقل واللغة يؤيدان ذلك (١).
الحالة الثانية: الإطلاق والتقييد في نفس الحكم:
وهذه الحالة فيها تفصيل، فإما أن يتحد الحكمان والسببان في النصين، وإما أن يختلف الحكمان ويختلف السببان، وإما أن يتحد الحكمان ويختلف السببان، وإما أن يختلف الحكمان ويتحد السببان، فلها أربع صور (٢)، وهي:
الصورة الأولى: اتحاد الإطلاق والتقييد في الحكم والسبب:
اتفق العلماء في هذه الصورة على حمل المطلق على المقيد؛ لأن المقيد فيه زيادة مفيدة، ولا تتنافى مع النص المطلق، ومن عمل بالمقيد عمل بالمطلق، ولا عكس، فكان الجمع أولى، ولأنه لا يصح أن يختلف المطلق والمقيد مع اتحاد السبب والحكم.
стр. 538
مثاله: قوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وفي آية أخرى في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، فالسبب واحد وهو إرادة الصلاة، والحكم واحد وهو وجوب المسح، والآية الأولى فيها إطلاق للممسوح به وهو التراب مطلقًا (طاهرًا أو نجسًا)، والآية الثانية مقيدة بالصعيد الطيب (أي التراب الطاهر) فيحمل المطلق على المقيد، ويجب مسح الوجه والكفين بالتراب الطاهر، لا النجس (١).
الصورة الثانية: الاختلاف في الحكم والسبب:
إذا ورد نصان أحدهما مطلق، والآخر مقيد، ولكن بينهما اختلاف في السبب، وفي الحكم، فلا يحمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء؛ لعدم الصلة بينهما، فلا يحمل أحدهما على الآخر قطعًا.
مثاله: قوله تعالى في قطع يد السارق: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فالسبب مختلف في الآيتين: السرقة، وإرادة الصلاة ورفع الحدث، والحكم مختلف، ففي الأولى قطع يد السارق، وفي الثانية: غسل اليد، فلا يحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن السنة الشريفة حددت موضع قطع يد السارق من الرسغ (نهاية الكف).
ومثاله: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
стр. 539
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فالسبب مختلف، وهو القتل، والحنث في اليمين، والحكم مختلف: شهرين، ثلاثة أيام، وورد الصيام الأول مقيدًا بالتتابع، والثاني مطلقًا عن التتابع، فلا يحمل المطلق على المقيد، إلا أن الحنفية اشترطوا التتابع في صيام كفارة اليمين بقراءة ابن مسعود الشاذة: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾.
الصورة الثالثة: الاختلاف في الحكم، واتحاد السبب:
وذلك بأن يكون سبب الحكم في المطلق هو سبب الحكم في المقيد، ولكن الحكم في المقيد غير الحكم في المطلق، فاتفق أكثر العلماء على أنه لا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل منهما على حدة، إلا إذا قام دليل آخر يدل على الحمل؛ لأنه لا تنافي في الجمع بينهما عند الدليل كالسنة مثلًا.
مثاله: قوله تعالى في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، فالسبب متحد وهو الحدث وإرادة الوضوء، والحكم مختلف، وهو الغسل في الوضوء، والمسح في التيمم، ولفظ الأيدي مقيد بالمرافق في الوضوء، ومطلق في التيمم، فلا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل منهما، ويبقى مسح الأيدي في التيمم مطلقًا.
لكن لجأ الفقهاء إلى السنة، فقال الحنفية والشافعية: يجب مسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؛ لما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (١)، فيجب مسح اليدين في التيمم إلى المرفقين.
وقال المالكية والحنابلة: الواجب مسح الكفين فقط؛ لأن النبي ﷺ "أمر عمار بن ياسر بالتيمم للوجه والكفين" (٢).
стр. 540
الصورة الرابعة: الاتحاد في الحكم، والاختلاف في السبب:
فالحكم في النصين واحد، ولكن سبب كل منهما مختلف، مثل قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فالحكم واحد وهو الكفارة بعتق رقبة، والسبب في الأولى إرادة العودة إلى الاستمتاع بالزوجة، وفي الثانية القتل الخطأ، والرقبة في الأولى مطلقة فتصح الرقبة المؤمنة والكافرة، وفي الثانية مقيدة فيشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، وفي هذه الصورة اختلف العلماء على قولين.
القول الأول: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنه لا تعارض بينهما، ولأن اختلاف السبب يمنع وجود التعارض، وقد تكون الحكمة في القتل الخطأ التغليظ على القاتل لزجره فيجب عليه رقبة مؤمنة، والحكمة في الظهار التخفيف والتيسير والحفاظ على الزوجية وخفة مفسدته إذا قورن بالقتل، فيكفي المظاهر أن يعتق رقبة مطلقة، وهذا يتناسب مع اختلاف العقوبات عند اختلاف الجنايات، وهو الواقع في الشرع والقانون، والحكمة والعقل، وهذا قول الحنفية وأكثر المالكية.
القول الثاني: يحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، ويجب عتق رقبة مؤمنة في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار؛ لأن اتحاد الحكم في النصين يقتضي حمل المطلق على المقيد، حتى يتم الانسجام بين النصوص الواردة في شيء واحد؛ لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في بناء بعضه على بعض، فإذا اشترط الإيمان في كفارة القتل الخطأ كان ذلك كالنص على اشتراطه في كفارة الظهار، ولأن الآخذ بالقيد في كفارة الظهار يكون مطبقًا للدليل في النصين معًا، فيجب المصير إليه، وهذا قول الشافعية والحنابلة وبعض المالكية (١).
стр. 541
تنبيه:
هذه القواعد والأحكام تطبق على النصوص الشرعية، وعلى النصوص التشريعية في كل بلد على حدة، بحيث يمثل القانون وحدة متكاملة في نصوصه، كما تمثل القوانين ذات الصلة مجموعة متكاملة، ويجب أن تفهم نصوصها بحسب الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والأمر والنهي، والمطلق والمقيد، وحمل المطلق على المقيد بقيوده وشروطه؛ لأن هذه القواعد تضبط دلالات الألفاظ، وتبين المنهج السديد لمعرفة الأحكام منها.
وهذه الصيغ (الأمر والنهي، والمطلق والمقيد) هي أنواع للفظ الخاص ويقابله العام والمشترك، وهما موضوع الفصل التالي.
стр. 542
الفصل الثالث دلالة اللفظ لغة علي المعنى باعتبار الشمول وعدمه
يوضع اللفظ في اللغة للدلالة على الأشخاص والأشياء، فإن وضع للدلالة على معنى واحد منفرد، أو على جمع محصور، فهو اللفظ الخاص، وإن وضع لمعنى متعدد بوضع واحد على جميع أفراد، على سبيل الشمول والاستغراق، فهو العام، وإن وضع لمتعدد بوضع متعدد فهو المشترك.
ولذلك ينقسم اللفظ باعتبار دلالته لغة على المعنى باعتبار الشمول وعدمه، والوضع الواحد والمتعدد إلى ثلاثة أقسام، هي: العام، والخاص، والمشترك.
واللفظ العام كثيرًا ما يراد منه الخاص، ويسمى تخصيص العام، كما قد يطلق العام ويراد به الخاص والعكس، واتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة (١).
وهذا ما ندرسه في هذا الفصل، ونقسمه إلى ثلاثة مباحث: العام، الخاص، المشترك.
стр. 543
المبحث الأول العام
تعريف العام:
العامة لغة من العموم وهو الشمول والإحاطة، سواء كان باللفظ كالرجال، أو بغيره، كقولهم: عم الخير إذا أحاط وشمل.
والعام اصطلاحًا: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد، مثل الرجال، فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له من الأفراد الذكور، ولفظ "كل عقد" في قول الفقهاء: "كل عقد يشترط لانعقاده أهلية المتعاقدين" فهو لفظ عام يدل على شمول كل ما يصدق عليه أنه عقد من غير حصر في عقد معين، أو عقود معينة (١)، وغير ذلك من ألفاظ العموم التي سنذكرها.
ألفاظ العموم وصيغه:
وضع العرب ألفاظًا كثيرة، وصيغًا متعددة تفيد العموم، وهي بحسب الاستقراء ما يلي:
١ - المفرد المعرف بأل الاستغراقية (أل الجنس)، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ...﴾ [النور: ٢]، فإن لفظ ﴿السارق﴾ ولفظ ﴿الزاني﴾ يفيد العموم، ويشمل كل سارق، وكل زان، ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
стр. 544
وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فإن يشمل كل بيع وكل ربا، وقوله ﷺ : "مَطْل الغني ظلمٌ" (١)، يعم كل غني.
فإذا قام دليل على أن (أل) للعهد، أو لتعريف الماهية، فإن المفرد المعرف بها لا يكون عامًّا، كقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، فكلمة الرسول للعهد، وكما في قولهم: الفرس خير من الحمار، أي: جنس الفرس، فالتفضيل باعتبار الجنس، لا باعتبار استغراق الأفراد.
٢ - المفرد المعرف بالإضافة، كقوله ﷺ عن البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٢)، فلظ "ميتته" تفيد العموم، فيحل كل أنواع ميتات البحر.
٣ - الجمع المعرف بأل، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، فلفظ (الوالدات) يشمل كل والدة، ولفظ (الوالدان) يشمل كل أب وأم.
٤ - الجمع المعرف بالإضافة، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فلفظ ﴿أَوْلَادِكُمْ﴾ يفيد العموم، ومثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فكلمة ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾، تفيد العموم.
٥ - النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، مثال الأول قوله ﷺ : "لا ضررَ ولا ضرار" (٣). وقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" (٤)، ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، ومثال الثالث قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فكلمة: ضرر، وصية، قوم،
إلى الناس، الذين آمنوا (١)، وكذلك النصوص القانونية تأتي بصيغ العموم لتكون عامة تشمل الجميع.
ومعيار العموم صحة الاستثناء فيه من غير عدد، فإن قبل اللفظ الاستثناء منه كان عامًّا (٢).
حكم اللفظ العام:
اتفق العلماء على أن كل لفظ من ألفاظ العموم السابقة موضوع لغة لاستغراق جميع ما يصدق عليه من الأفراد، وهو الشمول والاستغراق.
وقال العلماء: إذا ورد العام في نص شرعي دل على ثبوت الحكم المنصوص عليه لكل ما يصدق عليه من الأفراد إلا إذا قام دليل تخصيص على الحكم ببعضها، وهو قول جماهير العلماء، ويسمى مذهبهم مذهب أرباب العموم، واستدلوا على ذلك بادلة من القرآن، والسنة، والإجماع، والمعقول.
١ - القرآن: قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١]، فدلت كلمة ﴿بَشَرٍ﴾ وكلمة ﴿شَيْءٍ﴾ على العموم والشمول، بدليل الرد عليهم بإنزال الكتاب على موسى ﵇.
٢ - السنة: ثبت أن الرسول ﷺ كان يوجه أصحابه إلى الأقطار، ويأمرهم بالعمل بما عرفوا من الكتاب والسنة من عموم، ولا يأمرهم بالبحث عن
стр. 547
مخصص، أو الانتظار حتى يرد المخصص.
٣ - الإجماع: ثبت عن الصحابة وأهل اللغة الاحتجاج بالعمومات، وإجراء ألفاظ القرآن والسنة على عمومها حتى يقوم دليل التخصيص، وشاع ذلك من غير نكير، فكان إجماعًا، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، تشمل كل الزناة، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، يشمل كل متوفًّى عنها زوجها.
٤ - المعقول: إن العموم هو المتبادر إلى الذهن من صيغته، والتبادر دليل الوضع الحقيقي، وهو ما يعقله الناس، وتمس الحاجة إلى التعبير عنه، والعمل به (١).
دلالة العام:
اختلف العلماء في صفة دلالة العام الذي لم يخصص على استغراقه لجميع أفراده هل هي قطعية أم ظنية؟ اختلفوا على قولين:
القول الأول: وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، فقالوا: إن دلالة العام على جميع أفراده ظنيّةٌ على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص كان ظني الدلالة أيضًا على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده.
واحتجوا على ذلك بأن كل عام يحتمل التخصيص، مع شيوع التخصيص
стр. 548
فيه، حتى كرر العلماء عبارتهم: "ما من عام إلا وقد خصص" فلا يخلو منه إلا القليل بقرينة مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وهذا يورث الشبهة والاحتمال في دلالته، فتكون ظنية.
وأضافوا أنه يجوز إخراج بعض أفراد العام بالاستثناء ونحوه، فلو كان دلالته قطعية لم يصح ذلك، بخلاف النص الخاص على فرد، فلا يصح استثناؤه؛ لأنه نصّ عليه، فكانت دلالة الخاص قطعية، وهو كاف للتفريق بين دلالة العام الظنية، ودلالة الخاص القطعية، ولهذا يُؤكد العام بكل وأجمعين لدفع احتمال التخصيص، فالاحتمال وارد في العام فكان ظنيًّا واحتاج إلى تأكيد.
القول الثاني: وهو قول الحنفية والمعتزلة، ومنقول عن الشافعي، فقالوا: إن دلالة العام قطعية إذا لم يخص، فإذا خص منه البعض صارت دلالته على ما بقي بعد التخصيص ظنية.
واستدلوا على ذلك أن اللفظ العام موضوع لغة للعموم، فكان العموم ملازمًا له عند إطلاقه، حتى يقوم الدليل على خلافه، كالخاص يثبت مسماه قطعًا حتى يقوم على غيره، فالاحتمال على التخصيص لا ينافي القطعية، ولذلك فهم الصحابة رضوان اللَّه عليهم العموم من الألفاظ القرآنية، كما سبق في الفقرة السابقة، فتكون الدلالة قطعية (١).
أثر الاختلاف في دلالة العام:
ترتب على الاختلاف السابق بين العلماء الاختلاف في مسألتين أصوليتين، وهما:
стр. 549
١ - التخصيص بالدليل الظني:
قال أصحاب القول الأول: يجوز تخصيص العام الظني بالدليل الظني كخبر الآحاد والقياس، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه مخصص بما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا خالتها" (١)، وقوله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، بقوله ﷺ : "لا يرث القاتل" (٢)، وبقوله: "لا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر" (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾] المائدة: ٣٨]، مخصص بقوله ﷺ : "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا" (٤)، والأمثلة كثيرة.
وقال الحنفية ومن معهم: لا يجوز خصيص العام ابتداء بدليل ظني كخبر الآحاد والقياس، واستدلوا بقول عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس، التي طلقها زوجها ثلاثًا، فروت أن رسول اللَّه ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة" (٥)، فلم يجعل حديثها مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، والأمثلة كثيرة (٦).
٢ - تعارض العام والخاص:
قال أصحاب القول الأول: لا يتحقق التعارض بين العام والخاص، ويعمل بالخاص فيما دلَّ عليه، ويُعمل بالعام فيما وراء ذلك؛ لأن الخاص
стр. 550
قطعي الدلالة -كما سنرى- والعام ظني الدلالة، ولا تعارض بينهما؛ لأن شرط تحقق التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة، كالقطعيَّين، والظنيَّين.
وقال أصحاب القول الثاني: يتحقق التعارض بين العام الذي لم يخصص، وبين الخاص؛ لأنهما قطعيان، ويكون التعارض في القدر الذي دل عليه الخاص فقط لتساويهما في القطعية، ويجب اللجوء إلى دفع التعارض إما بالتوقف، وإما بالتخصيص، وإما بالنسخ من المتأخر للمتقدم.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ... الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، فالنص عام يشمل كل من رمى محصنة سواء كان زوجًا لها أم لا، ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور: ٦]، فالنص خاص بالأزواج الذين يرمون زوجاتهم.
فقال الجمهور: لا تعارض، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك، أي: يخصصون العام، ويقضون بالخاص على العام؛ لأن دلالة الخاص قطعية، ودلالة العام ظنية.
وقال الحنفية ومن معهم بالتعارض بين الآيتين، وأن الثانية متراخية (متأخرة) عن الأولى، فينسخ الخاص العام في قدر ما تناولاه، وهو النسخ الجزئي عندهم.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهي عامة في كل متوفًّى عنها زوجها، سواء كانت حاملًا أم لا، مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فعدة الحامل بوضع الحمل، ولا تعارض بينهما عند الجمهور، ويعمل بكل منهما، وعند الحنفية يتحقق التعارض، والآية الثانية متراخية عن الأولى فتكون ناسخة لها في الحامل المتوفى عنها زوجها.
ومن ذلك الاختلاف في اشتراط النصاب في زكاة الزروع؛ لورود حديث عام بعدم الاشتراط، وحديث خاص باشتراطه (١)، فخصص الجمهور العام
стр. 551
بالخاص، واشترطوا النصاب لعدم التعارض، وقال الحنفية بالتعارض وتقديم النص العام لرجحانه، ولم يشترطوا النصاب (١).
أنواع العام:
يرد العام في النصوص الشرعية على ثلاثة أنواع، ولكل نوع دلالة، وهي:
١ - العام الذي يراد به العموم قطعًا:
وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه، وهو قليل كالعام في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، فهذه الآيات تقرر سننًا إلهية لا تتبدل ولا تتغير، ودلالة العام فيها قطعي الدلالة على العموم، ولا يحتمل التخصيص، ويبقى العام شاملًا لجميع أفراده على الدوام.
٢ - العام الذي يراد به الخصوص قطعًا:
وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي بقاءه على عمومه، وتبين أن المراد منه بعض أفراده، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فالناس في هذا النص عام، ولكن يراد به خصوص المستطيعين، لقرينة قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ كما أن ليس كل مستطيع مطالبًا بالحج؛ لأن العقل يقضي بخروج المجنون، والمراد المكلَّفون فقط، فالمكلف هو البالغ العاقل، ومثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فأهل المدينة والأعراب لفظان عامان، ويراد بكل منهما خصوص المكلفين؛ لأن العقل يقضي بخروج العجزة، فذلك عام يراد به الخصوص قطعًا.
стр. 552
٣ - العام المطلق:
وهو العام الذي أطلق عن قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم، ومثال ذلك أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم، مطلقة عن قرائن لفظية أو عقلية أو عرفية تعين العموم أو الخصوص، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإنه ظاهر في العموم حتى يقوم الدليل على تخصيصه، ويسمى أيضًا العام المخصوص.
والفرق بين هذه الأنواع متوقف على القرينة وعدمها، كما أن النوع الثالث يراد به الأكثر، ويحتمل خروج الأقل، أما النوع الثاني فالمراد منه الأقل، ويخرج الأكثر، والنوع الثالث يحتاج إلى تخصيص باللفظ غالبًا كالشرط والاستثناء والغاية، والنوع الثاني يحتاج إلى دليل معنوي يمنع إرادة الجميع (١).
стр. 553
المبحث الثاني الخاص والتخصيص
تعريف الخاص:
اللفظ الخاص: هو اللفظ الذي وضع في اللغة للدلالة على فرد واحد.
ويكون الوضع للدلالة على معنى واحد إما بالشخص، كأسماء الأعلام، خالد، محمد، أو موضوعًا للواحد بالنوع مثل رجل، فرس، أو موضوعًا لأفراد متعددة محصورة، كالأعداد: ثلاثة، وعشرة، وثمانين، ومائة، وقوم، ورهط، وفريق، أو موضوعًا للجنس كإنسان، أو لواحد بالمعاني كالعلم والجهل.
والنظر في اللفظ الخاص الموضوع للنوع أو الجنس هو للحقيقة المجردة التي وضع لها اللفظ، فإن دل على التعدد لا من حيث الحقيقة بل من حيث الواقع ونفس الأمر، فهو عام مثل لفظ السموات، وكذلك لفظ الأعداد فهو باعتبار المجموع واحد موضوع لشيء معين، فكان خاصًّا.
أنواع الخاص:
اللفظ الخاص قد يرد مطلقًا من أي قيد، وقد يرد مقيدًا بقيد، وقد يكون على صيغة الأمر في طلب الفعل مثل ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ وقد يكون على صيغة النهي عن الفعل، مثل: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، ولذلك يشمل الخاص: الأمر، والنهي، والمطلق، والمقيد، التي سبق بيانها، ولذلك يبدأ كثير من علماء الأصول بدراستها في الخاص (١).
стр. 554
حكم الخاص:
اتفق العلماء على أن الخاص يدل على معناه الذي وضع له حقيقة دلالة قطعية، ويثبت الحكم للمدلول على سيبل القطع، ما لم يدل دليل على صرفه عن معناه وإرادة معنى آخر.
مثل لفظ عشرة في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولفظ ثلاثة في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، يدل كل من العددين على معناه قطعًا، ولا يحتمل زيادة ولا نقصًا، لأن كلًّا منهما لفظ خاص، لا يمكن حمله على ما هو أقل أو أكثر، فدلالته على ذلك قطعية، ومثله لفظ أربعين في قوله ﷺ في زكاة الغنم: "في كل أربعين شاةً شاةٌ" (١).
ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، فكل منهما أمر، والأمر من الخاص، فيدل قطعًا على وجوب الصلاة، ووجوب الزكاة؛ لأن الأمر يفيد الوجوب كلما سبق ما لم يرد دليل يصرفه عنه.
ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الاسراء: ٣٣]، يدل على تحريم القتل قطعًا؛ لأن صيغة النهي من الخاص، والنهي يفيد التحريم ما لم يرد ما يدل على خلافه، كما سبق.
وكذلك إذا ورد النص مطلقًا فإنه يفيد ثبوت الحكم على الإطلاق قطعًا ما لم يوجد دليل يقيده، وإن ورد النص مقيدًا فإنه يفيد تقييد الحكم قطعًا ما لم يوجد دليل على خلافه، كما سبق.
واتخذ بعض الفقهاء من دلالة الخاص القطعية سندًا لتأييد آرائهم في بعض المسائل الخلافية، كلفظ الثلاثة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، على أن القرء هو الحيض، (عند الحنفية والحنابلة) لتتحقق الثلاثة قطعًا، فإن اعتبر القرء طهرًا (كما هو عند المالكية والشافعية) كانت العدة أقل من ثلاثة، أو أكثر من ثلاثة، وغير ذلك من
стр. 555
الأمثلة (١).
تخصيص العام:
المراد من التخصيص أن يصرف العام عن عمومه، ويراد منه بعض ما يشمله من أفراد بدليل اقتضى ذلك، فهو قصر اللفظ العام على بعض أفراده، أو صرف العام عن عمومه، وإرادة بعض أفراده ابتداء.
وهو كثير في نصوص الكتاب والسنة، مثل قصر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فهو مقصور عقلًا على المكلفين دون الصبيان والمجانين، ومثل تخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، بقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (٢). فلا ميراث لأولاد الأنبياء (٣).
حكم التخصيص وشروطه:
اتفق جمهور العلماء على جواز تخصيص العام، ولكن اختلفوا في شروط المخصص على قولين:
القول الأول: وهو قول جمهور غير الحنفية أنه يشترط ألا يتأخر ورود المخصص عن وقت العمل بالعام، فإن تأخر كان ناسخًا لا مخصصًا، ولم يشترطوا الاستقلال أو عدمه، ولا الاتصال أو الانفصال.
القول الثاني: وهو قول الحنفية، فقالوا: يشترط أن يكون دليل
стр. 556
التخصيص مستقلًا عن النص العام، ومقارنًا له، أما غير المستقل كالشرط والاستفهام فيسمى قصرًا لا تخصيصًا، وأما غير المقارن للعام فيسمى نسخًا ضمنيًّا.
ونتج عن الاختلاف السابق في الشروط الاختلافُ في المخصصات عند الجمهور ، وعند الحنفية، ونعرض المخصصات حسب كل قول على حدة، ولكن غالب الاختلاف لفظي واصطلاحي، فما يسمى تخصيصًا أحيانًا عند الجمهور يسمى قصرًا، أو نسخًا ضمنيًّا أو جزئيًّا (١).
المخصصات عند الجمهور:
تنقسم المخصصات عند الجمهور إلى قسمين: مخصِّص مستقل، ومخصص غير مستقل، والمراد من المستقل ما لا يكون جزءًا من النص العام الذي ورد به اللفظ، ويسمى أيضًا مخصصًا منفصلًا، وغير المستقل هو ما لا يستقل بنفسه، بل يكون جزءًا من النص المشتمل على العام كالاستثناء والصفة والشرط، ويسمى مخصصًا متصلًا.
أولًا: المخصصات المستقلة عند الجمهور:
المخصصات المستقلة عند الجمهور ستة، لكن الحنابلة تركوا واحدًا (٢)، وهي:
١ - الحس أو المشاهدة، أو الإدراك بالحواس:
وهو أن يرد نص شرعي عام يعلم السامع بإحدى حواسه أن المراد اختصاصه ببعض ما يشتمل عليه، فيكون ذلك تخصيصًا لعمومه، مثل قوله تعالى عن بلقيس ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ولكن
стр. 557
البصر يشهد أن ما كان في يد سليمان لم يكن عندها، ومثل قوله تعالى عن الريح: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، والحسّ يشهد أنها لم تدمر السموات والأرض، أشياء كثيرة كالكواكب، وهذه الآية من العام الذي أريد به الخصوص؛ لأنها مقيدة بآية أخرى بأن التدمير خاص بما أتت عليه، فقال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢].
٢ - العقل:
إن العقل يؤكد أن النصوص العامة الواردة بالتكاليف الشرعية مختصة بالمكلفين، دون الصبيان والمجانين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، فالنص يتناول بعمومه جميع الناس، ولكن العقل يخرج الصبي والمجنون، فكان مخصصًا للعموم.
ومنع الشافعي رحمه اللَّه تعالى تسمية العقل مخصصًا؛ لأن ما خصصه لا تصح إرادته أصلًا في الحكم، وهذا خلاف لفظي.
ويطبق ذلك على النصوص القانونية التي تخاطب الكافة، ولكن العقل يخصص عمومها بإخراج من ليس أهلًا للتكليف.
٣ - العرف والعادة:
العرف إما قولي، وإما عملي، فالعرف القولي اتفق العلماء على أنه يخصص النص العام، مثل لفظ (الدراهم) التي وردت في أحاديث كثيرة، والعرف يخصصها بالدراهم التي تعتبر هي النقد الغالب عند ورود النص، أو عند وقوع العقد بين الناس، ومثل لفظ (الدواب) فإنه اسم جنس عام يشمل كل ما يدب على الأرض، وخصصه العرف بالبهائم دون الإنسان والطير.
وأما العرف العملي فإنه يخصص العام في ألفاظ الناس في عقودهم وتصرفاتهم باتفاق العلماء، كمن حلف ألا يأكل الرؤوس، فيكون خاصًّا برأس الغنم في البلد الذي اعتاد أهله أن يأكلوا رأس الغنم، فإن أكل رأس حيوان آخر فلا يحنث، وكذلك لفظ اللحم، ويخصصه العرف في غير السمك.
стр. 558
لكن اختلاف العلماء في تخصيص العام بالعرف العملي في نصوص الشارع، كأن يرد نص بتحريم الطعام، وكان من عادة الناس أكل البُرّ، فتقتصر الحرمة على البرّ؛ لأنه هو الغالب من الطعام في البلد، فذهب الحنفية وجمهور المالكية إلى التخصيص به (١)، ومنعه الجمهور، والراجح أنه لا يكون مخصصًا؛ لأن نص الشارع عام وحجة، والعادة أو العرف لا يعارض النص، إلا إذا اقترن العرف بأصل شرعي كالسُّنة التقريرية أو الإجماع السكوتي.
٤ - الإجماع:
يجوز تخصيص العام بالإجماع، لأن الإجماع يفيد القطع، والعام يفيد الظن عند الجمهور، فإن اجتمعا، قدم الإجماع (٢).
مثاله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وأجمع العلماء على أنه لا جمعة على المرأة، فيكون ذلك تخصيصًا للعام.
٥ - النص القرآني أو النبوي:
стр. 559
يجوز تخصيص العام بنص خاص ورد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية، سواء كان النص المخصص متصلًا بالعام أو منفصلًا عنه.
فمن تخصيص العام بنص خاص متصل به قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجاء عقبه مباشرة قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والربا نوع من البيع، فصار النص الأول العام مخصوصًا فيما عدا الربا.
ومن تخصيص العام بنص خاص منفصل ومستقل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالمطلقات لفظ عام يشمل الحوامل وغيرهن، ثم خص منه الحوامل بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وخص منه المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فصار لفظ المطلقات العام مخصصًا بالمدخول بها غير الحامل.
ومن تخصيص العام في القرآن بنص متواتر من السنة، قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، مع قوله ﷺ : "لا وصية لوارث" (١).
ومن تخصيص العام في القرآن بنص خبر آحاد من السنة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، مع قوله ﷺ عن البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٢)، ويسميه الحنفية نسخًا ضمنيا.
واتفق العلماء على تخصيص عموم النص القرآني بالنص القرآني، وبالسنة المتواترة، وبالعكس، وتخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وخبر الآحاد بخبر الآحاد، ولكن اختلفوا في تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد، فأجازه الجمهور مطلقًا، وفصل الحنفية، فقالوا: إن دلالة العام قطعية، فلا يصح تخصيصها بخبر الآحاد الظني، إلا إذا دخل النصَ القرآني العامَ تخصيص، فتصبح دلالته ظنية، فيجوز تخصيصه عندئذ بخبر الآحاد الظني.
стр. 560
٦ - قول الصحابي:
قال الحنابلة (ويوافقهم الحنفية) بتخصيص النص العام بقول الصحابي؛ لأنه لا يترك ما سمعه من النبي ﷺ ويعمل بخلافه إلا لدليل ثبت عنده يصلح للتخصيص.
وقال الجمهور: لا يجوز التخصيص بقول الصحابي، لأنه قد يخالف المسموع لدليل في ظنه، وظنه ليس حجة على غيره، وهذا يرجع إلى الاختلاف في حجية قول الصحابي، كما سبق بيانه في المصادر المختلف فيها (١).
المخصصات المستقلة عند الحنابلة:
ترك الحنابلة من المخصصات المستقلة السابقة التخصيص بالعرف، وأضافوا أربعة جديدة، وهي:
١ - المفهوم:
وهو نوعان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، وسيأتي بيانهما والعمل بهما.
أما مفهوم الموافقة، فإنه مخصص اتفاقًا، مثاله قوله ﷺ : "ليُّ الواجد يُحل عِرضَه وعقوِبته" (٢)، فهو عام، ويخصصه مفهوم الموافقة في قوله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومفهوم الموافقة عدم الإيذاء بالضرب أو الحبس أو غيره، فلا يحبس الوالد بدين ولده.
وأما مفهوم المخالفة (ضد النطق) فهو مخصص عند أكثر الحنابلة، ومثاله قوله
стр. 561
- ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (١)، ومفهوم المخالفة إذا لم يبلغ قلتين، فإنه يخصص عموم قوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه، أو لونه" (٢)، فلفظ "الماء الطهور" عام يشمل القلتين، والأقل، والحديث الأول خصّه بما دون القلتين، فإنه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير، ويبقى الحديث الثاني على ما زاد على القلتين فلا ينجس إلا بالتغيير (٣).
٢ - فعل النبي ﷺ -:
إذا ورد نص عام، ووقع فعل من النبي ﷺ يخالف عموم اللفظ، كان ذلك تخصيصًا للعام.
مثاله: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، فيشمل كل النساء فوق اثنتين، ولكنه مخصص بفعله ﷺ فإنه أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين، فدل على أن الآية قصد بها الاثنتان فما فوق.
ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهو عام بعدم القرب باللمس والجماع، وخصّص هذا العام بفعل النبي ﷺ بأنه كان يباشر زوجته وهي حائض دون جماع (٤)، فدل على أن المراد من العام هو الجماع
стр. 562
فقط (١).
٣ - تقرير النبي ﷺ -:
إذا ورد نص عام، ثم أقر النبي ﷺ فعلًا على خلاف العموم، مع قدرته على المنع من خلافه، فيكون إقراره مخصصًا للعام؛ لأن إقراره الفعل كصريح إذنه؛ لأنه لا يقر أحدًا على الخطأ؛ لعصمته، وإلا لوجب إنكاره، وفيه تفصيل عند العلماء (٢).
٤ - القياس:
إذا ورد القياس على نص خاص، فالقياس يقدم على عموم النص، أي: يخصص عموم النص، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهو عام في جواز كل بيع، ثم ورد النص النبوي بتحريم الربا في البُرِّ، والعلة هي الكيل، فقاس العلماء الأرز على البر في تحريم الربا، فيكون هذا القياس مخصصًا لعموم إحلال البيع (٣).
ثانيًا: المخصصات غير المستقلة عند الجمهور:
стр. 563
المخصص غير المستقل هو ما لا يستقل بنفسه، بل يكون جزءًا من النص المشتمل على العام،، يسمى مخصصًا متصلًا، وهو خمسة أنواع، وهي:
١ - الاستثناء المتصل:
الاستثناء هو إخراج شيء من الكلام، ولولا الاستثناء لدخل ذلك الشيء فيه لغة، ويكون بإلا وهي الغالب، أو بإحدى أخواتها، وهي: غير، وسوى، وحاشا، وعدا، ولا يكون، ولا سيما، وغيرها.
ويشترط في الاستثناء أن يكون متصلًا حسب العادة، وأن يصدر الاستثناء والمستثنى منه من تكلم واحد، وألا يستغرق الاستثناء المستثنى منه، والاستثناء كثير في النصوص، ويقع به التخصيص عند الجمهور.
مثاله: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٥٦]، فلفظ ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ يشمل الكفر الخفي في القلب، والكفر الظاهر الذي يصدر من اللسان، فجاء الاستثناء مخصصًا العام، وقصد الكفر الحرام بأنه الصادر عن رضا واختيار من القلب، وأخرج ما يقع باللسان نتيجة الإكراه.
ومثاله من السنة: قوله ﷺ عن حرم مكة المكرمة: "إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة ... ولا يقطع شجره إلا الإذخر" (١)، فيحرم قطع شجر الحرم، ثم خصص بما عدا الإذخر، فيجوز قطعه.
٢ - الشرط:
سبق تعريف الشرط، وأنه: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وسبق بيان أنواع الشرط: الشرعي، والعقلي، والعادي، واللغوي، والمقصود في التخصيص الشرط اللغوي فقط، فإن جاء
стр. 564
بعد العام خصصه في حالة توفر الشرط دون سواه، وهو كثير في النصوص، ويقع به التخصيص.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، فإن استحقاق الزوج نصف تركة الزوجة مخصص بعدم وجود الولد للزوجة بالشرط، ولولا الشرط لاستحق الزوج النصف في جميع الأحوال.
٣ - الصفة:
والمراد منها الصفة المعنوية عامة، فتشمل النعت النحوي، والمضاف، وكل تعليق بلفظ آخر ليس شرطًا ولا عددًا ولا غاية، ويشمل الظرف، والجار والمجرور، إلا إذا خرج الوصف مخرج الغالب فيطرح مفهومه، وكذا إذا جاء الوصف لمدح أو ذم أو ترحم، أو توكيد، أو تفصيل، فلا يعتبر مخصصًا، والصفة المعنوية كثيرة جدًّا في النصوص، ويقع التخصيص بها، فتقصر اللفظ العام على بعض أفراده، وهو الذي تتحقق فيه الصفة، ويخرج من العام ما لم يتصف بالصفة.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فالنص أباح الزواج من الإماء المؤمنات في حال العجز عن مهر الحرائر، ولا يصح الزواج بالإماء غير المؤمنات.
ومثاله من السنة: قول النبي ﷺ : "في الغنم السائمة زكاة" أو قوله: "في سائمة الغنم زكاة" (١)، فالصفة خصصت العام "الغنم" وأوجبت الزكاة في السائمة دون غيرها.
٤ - الغاية:
وهي أن يأتي بعد اللفظ العام حرف من أحرف الغاية، كاللام، وإلى، وحتى، فتفيد تخصيص الحكم بما قبلها فقط؛ لأنها غاية للحكم ونهاية له، ولا يشمل الحكم ما بعدها؛ لأنه يناقض المعنى، وهي كثيرة في النصوص،
стр. 565
ويقع بها التخصيص.
مثالها: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فالغاية قصرت وجوب القتال على حالة عدم إعطاء الجزية، وأخرجت من أعطى الجزية عن وجوب قتاله.
ومثالها: قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فالغاية ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قصرت وجوب الغسل في الوضوء إلى المرفق فقط.
٥ - بدل البعض:
وهو ما يأتي بعد الكلام فيخصص العام ويقصره على بعض أفراده الذين يشملهم البدل، ويخرج ما عداهم.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فالبدل ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ قصر العام ﴿النَّاسِ﴾ على المستطيع، وخرج العاجز عن حكم العام، فلا يجب عليه الحج.
وكقول القائل: أكرم العرب قريشٌ، فمن كان من غير قريش فلا يدخل في الحكم (١).
المخصصات عند الحنفية:
التخصيص عند الحنفية هو إرادة بعض ما يتناوله العام من الأفراد بدليل مستقل مقارن للعام، فيشترطون أن يكون المخصص مستقلًا ومقارنًا، كما سبق، أما غير المستقل كالشرط والاستثناء فيسمى عندهم قصرًا للعام لا تخصيصًا، وأن غير المقارن للعام، وهو المتأخر عنه فيسمى نسخًا ضمنيًّا أو جزئيًّا.